حدود المنهج في العلوم السياسية من منظور غريغوري باتيسون
الملخّص
This article addresses an epistemological question related to the methodological impasse in political science through a reading of selected conceptual orientations in Gregory Bateson's thought. It advances the hypothesis that methodological difficulty does not primarily stem from analytical tools as such, but rather from the underlying frameworks through which political action is understood. Drawing on an analytical-interpretive approach, the article examines concepts such as "dysfunction as a patterned regularity", the "double bind", and "second-order learning", with the aim of questioning linear modes of explanation in political analysis and approaching politics as a network of interrelated relations and paradoxical repetitions. The discussion also engages, comparatively, with selected contributions by Niklas Luhmann, Michel Foucault, and Pierre Bourdieu, in order to highlight shifts in the production of meaning in analyses of power and to delineate the limits of dominant approaches. The article concludes that a Batesonian perspective offers epistemological possibilities for understanding political complexity by foregrounding context, relational dynamics, and patterned dysfunction, beyond models based on linear causality and predictive techniques.
Dysfunction as Order: The Limits of Method in Political Science from a Batesonian Perspective
تتناول هذه الدراسة سؤالًا إبستيمولوجيًا يتصل بمأزق المنهج في العلوم السياسية، من خلال قراءة تستلهم بعض مرتكزات فكر غريغوري باتيسون. وتنطلق من فرضية أن الإشكال المنهجي لا يرتبط بالأدوات التحليلية في حد ذاتها، بقدر ما يتصل بالتصورات المؤطرة لفهم الفعل السياسي وطبيعته. واستنادًا إلى مقاربة تحليلية - تأويلية، تناقش الدراسة مفاهيم من قبيل "الخلل بوصفه نمطًا منتظمً ا"، و"الرباط المزدوج"، و"التعلم من الدرجة الثانية"، في أفق مساءلة أنماط التفسير الخطي للسياسة، والنظر إليها بوصفها نسقًا من العلاقات المتشابكة والتكرارات المفارقة. وتقارب هذه القراءة بعض الإسهامات النظرية لدى نيكلاس لومان، وميشيل فوكو، وبيير بورديو، من أجل إبراز تحولات المعنى في تحليل السلطة، وحدود المقاربات السائدة. وتخلص الدراسة إلى أن المنظور الباتيسوني يتيح إمكانات إبستيمولوجية لفهم التعقيد السياسي، من خلال الانتباه إلى السياق، والعلاقة، وأنماط الاختلال المنتظم، خارج نماذج القياس السببي والتنبؤ التقني الصارم. كلمات مفتاحية: غريغوري باتيسون، المنهج، العلوم السياسية، الرباط المزدوج، الخلل المنظم.
Keywords: Gregory Bateson, Methodology, Political Science, Double Bind, Organized Dysfunction.
مقدمة
كلما طرحت مسألة "المنهج" في العلوم السياسية، عادت إلى السطح توترات دفينة تتعلق بطبيعة هذا الحقل وموقعه من الخريطة المعرفية للعلوم الاجتماعية. ومنذ تشكّله بوصفه حقلًا معرفيًا أكاديميًا خلال القرن العشرين، ظل المنهج في العلوم السياسية محكومًا بسجاٍلٍ محتدم بين نزعتين متعارضتين: تسعى الأولى لتقنينه وفق النموذج الوضعي المستقر في العلوم الدقيقة، وتسعى الثانية لاستثماره وفق ما تتيحه المناهج التأويلية والتاريخية من مرونة وثراء، من دون أن تنجح أيّ منهما في ترسيخ تصوّر متماسك يراعي خصوصية الظاهرة السياسية في طابعها الرمزي والمتحول والمتنازع عليه. ولعل هذه الازدواجية المنهجية، بدلًامن أن تنتج معرفة مركّبة، أسهمت في خلق فجوة إبستيمولوجية يتكرر في ضوئها السؤال نفسه بصيغ مختلفة: هل السياسة علم؟ وإذا كانت كذلك، فأيّ علٍمٍ هي؟ وما حدود قابليتها للقياس والتفسير والفهم؟ في هذا السياق الإبستيمولوجي الَقَِلِق، تتحدد أهمية هذه الدراسة في سعيها لمساءلة البنية العميقة للمنهج في العلوم السياسية، على مستوى منطقه الداخلي، ونمط العلاقة التي يقيمها بين الذات الباحثة والظاهرة المبحوثة. إن الغاية لا تكمن في "الضبط الإجرائي"، بل في زعزعة افتراضات راسخة تتعلق بكيفية تشكّل الفعل السياسي، ووضعية الفهم في نظام قد يشتغل أحيانًا عبر الخلل أكثر مما يشتغل عبر النظام. ولا يُقَصَد بالخلل هنا توصيٌفٌ مُرٍضٍ أو حكٌمٌ معياري على الظاهرة السياسية، بل الإشارة إلى حالة استعصاء منهجي Methodological Impasse تبلغها المقاربات التفسيرية حين تعجز عن الوفاء بمقتضيات الفهم، فتعيد إنتاج التصورات ذاتها من دون تحقيق تقدّم معرفي يُذَكَر. وانطلاقًا من هذا المنظور، تحاجّ الدراسة بأهمية استدعاء فكر غريغوري باتيسون 1980–1904() لما لموقعه من فرادة عند تقاطع عدد من الحقول المعرفية، وفي مقدمتها السيبرنطيقا، إلى جانب الأنثروبولوجيا ونظرية الاتصال. وتكمن خصوصية مشروعه في ما يتيحه من إمكانات لتفكيك التصورات الأداتية للمنهج داخل العلوم السياسية، من خلال مقاربة تُعلي من شأن العلاقة والسياق والتكرار، بدلًامن النموذج والتفسير الخطّي. ويضاف إلى ذلك ندرة التلقّي الجادّ لفكره في الأدبيات العربية المتخصصة، ما يضفي مزيدًا من الوجاهة على محاولة الاشتغال به، بوصفه خلفية فلسفية تمهد لتفكير مركب في مأزق المنهج من داخل نسقه. وُتُبنى هذه الدراسة على سؤال بحثي يتعلق بسؤال النظر ذاته: كيف ندرك المنهج؟ وكيف نعيد التفكير في موقعه ضمن العلوم السياسية؟ وعلى هذا الأساس، يطرح التساؤل المركزي: إلى أيّ حد يمكن أن يسهم فكر باتيسون في زعزعة النماذج الخطية المهيمنة، وفي بناء تصور بديل من السياسي، بوصفه نسقًا مفتوحًا على الغموض والاختلال؟ وما الذي يكشفه هذا المنظور السيبرنطيقي 1 عن محدودية التحليلات التقليدية التي لا تزال أسيرة للقياس الوضعي أو القراءة المعيارية؟ وتتفرع من هذا التساؤل مجموعة من الأسئلة، منها: ما ملامح العطب البنيوي الذي يعتري المنهج في العلوم السياسية المعاصرة؟ وما المفاهيم الباتيسونية القابلة للتوظيف في تحليل السلطة والقرار والمعنى السياسي؟ وكيف يتيح باتيسون، من خلال مفاهيم مثل "الرباط المزدوج" Bind Double، و"التعلم من الدرجة الثانية" II Learning، و"النمط الذي يربط" Connects that Pattern، إعادة التفكير في السلطة بوصفها نظامًا من الاتصال المشوّش؟ وما حدود هذا التوظيف، من حيث طبيعته التأويلية، أو من حيث إمكان نقله إلى العلوم السياسية، من دون الوقوع في إسقاطات نظرية أو تعميمات غير مؤسسة؟ على الرغم من محدودية التلقّي المنهجي لفكر باتيسون في الفكر العربي، ظهرت إشارات متفرقة إلى بعض جوانبه، من بينها دراسة أنثروبولوجية تناولت منهجيته في التواصل 2، إلى جانب إشارات أخرى ضمن مجال العلاج الأسري، استنادًا إلى توظيف نظرية "الرباط المزدوج" في تحليل النسق العلاجي. غير أن هذه المقاربات تبقى جزئية ومحدودة، ولم ترَقَ إلى اشتباك بحثي منظم، وهو ما يجعل من هذه الدراسة محاولةً للمساهمة في ردم هذه الفجوة، واستثمار الأفق النظري الذي يفتحه باتيسون لتحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية. وقد تنوعت الأدبيات التي تناولت أزمة المنهج في العلوم السياسية بين تيارات مُتّ جّد النمذجة التفسيرية الكمية المستندة إلى النموذج العلمي 3، وتيارات أخرى تميل إلى مناهج تأويلية أكثر انفتاحًا على المعنى والرمز والخطاب 4. ومن جهة أخرى، برزت آراء نقدية،
مثل ميشيل فوكو وبيير بورديو، تعرّي العلاقة بين المعرفة والسلطة، وتحذر من زيف الحياد المنهجي، معتبرةً إياه جزءًا من آليات اشتغال الهيمنة ذاتها 5. وفي سياق مواٍزٍ، جاءت مقاربات الأنساق المغلقة لدى لومان 6، لتدفع بسؤال التعقيد إلى أقصى مداه، مبينةً أن النسق المعرفي ينتج ذاته من خلال آليات العزل الذاتي وإعادة إنتاج الوظائف. وعلى الرغم من هذا الغنى الظاهري، فإن المقاربة الباتيسونية ظلت على هامش هذه السجالات، ربما بسبب طابعها الإشكالي، أو بسبب تموقعها عند خطوط تقاطع حقول معرفية متعددة يصعب تصنيفها. استنادًا إلى ما سبق، لا تسعى هذه الدراسة للمقارنة بين النماذج التفسيرية أو المفاضلة بينها، بل تهدف إلى مساءلة الإحداثيات التي تنتج المنهج نفسه: كيف تُبنى المعرفة؟ ومن أين تُستمد؟ وماذا يعني أن يُفَهَم الفعل السياسي في عالم يتسم بالاضطراب والتعقيد؟ ومن هذا المنظور، تندرج غاية الدراسة في استحضار المفاتيح التحليلية المستمدة من فكر باتيسون، لا بوصفها أدواٍتٍ تفسيرية جاهزة، بل بوصفها مداخل نقد إبستيمولوجي تمكّن من إعادة التفكير في الخلل بوصفه منطقًا للنظام، وفي الخطاب بوصفه بنيةً للسلطة، وفي السياق أيضًا بوصفه شرطًا لتشكّل الفاعل وفهمه. تقوم هذه الدراسة على ثلاثة مفاهيم باتيسونية رئيسة: أولها، "الخلل بوصفه انتظامًا" Pattern as Pathology، بما هو جزء من آليات إعادة إنتاج النسق؛ وثانيها، "التعلم من الدرجة الثانية"، أي نقد القواعد الناظمة للفعل، بدلًامن الاكتفاء بتعديل الفعل نفسه، بما يجعل المنهج ذاته موضوعًا للتفكيك؛ وثالثها، "النمط الذي يربط" Connects that Pattern، بوصفه مدخلًالفهم العلاقات السياسية من خلال التكرار والسياق والرمز، لا من خلال الهوية أو السببية المباشرة فحسب. تتبنى الدراسة مقاربة تحليلية – تأويلية تعنى ببناء المفاهيم وتتبّع تمفصلاتها داخل الحقل السياسي، منفتحة في الوقت ذاته على حوار إبستيمولوجي بين باتيسون وعدد من المفكرين الذين أسهموا في صياغة تصورات مؤثّرة في سؤال المنهج والنظام، مثل فوكو (في تلازم السلطة والمعرفة)، وبورديو (في الحقول السياسية والرمزية)، ولومان (في بنية النظام الاجتماعي المغلق)، وبيتر هاريرز جونز (في تلقّي فكر باتيسون وإعادة بنائه.) وبهذا المعنى، تسعى الدراسة لفتح مسار لإعادة التفكير في المنهج ضمن العلوم السياسية، من خلال مفاهيم تعلي من شأن السياق، وتثمن التكرار والمفارقة، وتفكك ما يمكن وصفه ب "الخوارزمية السياسية"؛ أي تلك التصورات التي تقارب الفعل السياسي بوصفه سلسلة قابلة للضبط والتنبؤ المسبق.
أولًا: نقد المنهج في العلوم السياسية: من التفسير إلى التكرار
يُعدّ المنهج في العلوم السياسية أحد أكثر المواضيع إثارة للجدل، إذ يتقاطع فيه السؤال الإبستيمولوجي مع سؤال الممارسة البحثية، ويتداخل فيه هاجس الدقة مع سطوة التقليد المعرفي. وظل هذا الحقل، منذ لحظة تبلوره الأكاديمي خلال القرن العشرين، يعيش أزمة مضمرة تتجلى في تأرجحه بين نزعتين متعارضتين: الأولى هي النزعة الوضعية التي تحاكي نموذج العلوم الدقيقة في الانضباط المنهجي والتزام التفسير السببي، والثانية نزعة متأخرة نحو المناهج التأويلية وما بعد البنيوية راكمتها العلوم الاجتماعية. غير أن هذا التأرجح، بدلًامن أن يخصب الحقل نظريًا، أدى إلى تفتت في المرجعيات، وضبابية في المفاهيم، وتكرار في المسالك المنهجية التي أضحت أحيانًا غايات في حد ذاتها. ما يميز هذا الارتباك المنهجي هو ارتباطه، في الجوهر، بالرؤية المضمرة التي يتبناها الحقل تجاه الظاهرة السياسية ذاتها. إن النموذج الذي اقترحه كينغ وكيوهان وفيربا، والذي حظي بانتشار واسع تحت مسمى "الاستقصاء العلمي في السياسة" 7، يفترض ضمنًا أن الفعل السياسي قابل للقياس والتجريب، وأن المعرفة السياسية لا تختلف مبدئيًا عن المعرفة في حقول مثل البيولوجيا أو الفيزياء، ما دامت تلتزم بمبدأ السببية وتحترم قواعد المنهج العلمي الصارمة. ويستند هذا الافتراض إلى تصور إبستيمولوجي مخصوص للعلم، يسِقِط على السياسة شروط انتظاٍمٍ مستمدة من مجالات معرفية مغايرة، من دون مساءلة كافية لطبيعة الظاهرة السياسية نفسها؛ فالمؤسسات ليست كيانات صلبة، والفاعلون لا يتحركون وفق عقلانية واحدة، والقرارات تتشكل ضمن بيئات رمزية وتفاوضية كثيفة، وهو ما يجعل العلاقة بين المدخلات والنتائج أقل خطية مما تفترضه النماذج التفسيرية السائدة.
تكشف القراءة النقدية لهذا النموذج أن الفرضية الوضعية تعاني محدودية في تصورها للسياسة بوصفها موضوعًا يمكن الإحاطة به من خارج علاقاته وسياقاته. ولذلك، حين تطبّق أدوات القياس الكمي على ظواهر مثل السلطة أو الشرعية أو الفعل الجمعي، فإن الناتج لا يكون بالضرورة "فهمًا" أعمق، بقدر ما تكون الحصيلة "بنية رقمية" تحاكي الواقع من دون أن تلامسه فعليًا. وهكذا يغدو المنهج، كما أشار بورديو، آلية لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية، أكثر من كونه أداة للانعتاق المعرفي 8. ولا يقلّ عن ذلك خطورة ما يمكن تسميته "الدوغمائية" التي تطبع التفكير السياسي، إذ تستخدم مفاهيم مثل الدولة والسيادة والشرعية والعقد الاجتماعي كما لو كانت كيانات مستقرة ومحددة سلفًا، تستدعى في التحليل من دون تفكيك تاريخي أو تداولي لشروط تشكّلها واستخدامها. وفي هذه الحالة، يتحول التحليل السياسي إلى ممارسة تصنيفية تعيد إنتاج قوالب جاهزة، وتدرج الوقائع في شبكات مفهومية معطاة سلفًا، بدلًامن مساءلتها. وهو ما يجعل المنهج ينتج تفسيرًا متكررًا. حين يختزل التفسير في هذا النمط من التكرار، يفقد المنهج السياسي طاقته النقدية، ويقترب من طقس أكاديمي تعاد فيه الصيغ ذاتها بأدوات أشد تقنية. فكثير من أدبيات العلوم السياسية لا يزال يستثمر ثنائيات مألوفة، مثل: ديمقراطية - سلطوية، ودولة - مجتمع، وفاعل - بنية، بوصفها مفاتيح جاهزة للفهم، أكثر من كونها موضوعات للدرس والتحليل في حد ذاتها. ويترتب على ذلك تحليل "يعجز" عن ملامسة ظواهر سياسية تتشكل خارج هذه الثنائيات والقوالب، أو تستمر في التشكل وإعادة التشكل بطرائق غير متوقعة، خصوصًا في سياقات تتسم بتعدد المستويات والتشويش الاتصالي 9. في هذا المناخ المعرفي، تبرز حاجة إلى منظور مغاير يعيد التفكير في المنهج بوصفه نمطًا من العلاقة بالعالم. وهنا، يكتسب استدعاء فكر باتيسون معناه، إذ يوفر منحى يسمح بفهم السياسة من خلال انتظام علاقاتها وإيقاعات عودتها داخل النسق؛ فهو يبتعد عن افتراض وجود واقع سياسي يمكن فهمه أو ضبطه عبر نماذج سببية مستقرة، ويرى المعرفة نفسها جزءًا من نسق علائقي أوسع، يتشكل فيه الفهم عبر تتبّع الأنماط Pattern Tracing التي تربط فيها الظواهر فيما بينها داخل سياقها 10. إن ما يقترحه باتيسون يتجاوز التفسير إلى مستوى أعمق من التفكير والتأمل؛ حيث يصبح الخلل في حد ذاته (ما يسمى في الطب أو علم النفس بالباثولوجيا Pathology) شكلًامن أشكال التنظيم، لا انحرافًا عن نظام سليم بالضرورة. وإذا ما أ سقطت هذه الرؤية على المنهج في العلوم السياسية، فإن الباحث لا يصير معنيًا بتحسين أدوات الفهم فحسب، بل يصبح معنيًا، بدرجة أكبر، بإعادة مساءلة البنية المعرفية التي تجعل الفهم مستحيلًاأو مشوّهًا. ومن هنا، يصبح الفعل السياسي مصدرًا للالتباس والمفارقة، لا مج لًاللقرار الخطي. وهذا في نهاية الأمر ما يجعل المنهج، إذا ما تبنّى المقاربة الباتيسونية، مطالبًا بالخروج من عقلنة اختزالية ترى الظواهر في صورة وحدات منفصلة، إلى عقلانية علائقية – نسقية تقوم على التموضع ضمن شبكة العلاقات الأوسع. يعيد باتيسون، من خلال مفاهيم مثل "الرباط المزدوج"، و"التعلم من الدرجة الثانية"، و"سياق التفاعل" Interaction of Context، التفكير في العلاقات المعرفية بوصفها فضاءات تماسّ بين نظم إدراكية مختلفة تتقاطع من دون أن تنصهر، وتنتج المعنى من خلال احتكاكها المستمر. وتأسيسًا على ذلك، تتراجع الحدود الصلبة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، ويتحول الفهم إلى سيرورة علائقية تتشكل باستمرار داخل السياق. ومن هذا المنظور، يخرج المنهج من وضعيته الإجرائية المغلقة، ليتخذ شكل مقاربة بيئية تعطى فيها الأولوية للتفاعل، ويعاد فيها تنظيم العلاقة بين المعرفة، وتعدد وجهات النظر، وزمن الفعل السياسي. وفي هذا السياق العام، يظهر سؤال المنهج في العلوم السياسية بوصفه سؤاَلَ تصوٍّرٍ قبل أن يكون سؤال أدوات. فتعقيد الظواهر السياسية، وتسارع تحولاتها، وتعدد مستويات اشتغالها، عوامل تفرض استيعاب هذا التشابك من دون اختزاله. وههنا يتأكد استدعاء أفكار باتيسون وأطروحاته، في محاولة لإعادة التفكير في السياسة بوصفها خبرة معرفية تتشكل داخل علاقات الفهم ذاتها. ويأتي المبحث التالي لاستنطاق المفاهيم الباتيسونية الأساسية، وبيان ما تتيحه من إمكانات لفهم تعقّد الظاهرة السياسية بوصفه شرطًا لإنتاج المعرفة بشأنها.
ثانيًا: باتيسون منّظ رًا لحقل مضطرب: من المعرفة بوصفها إحاطة إلى الفهم بوصفه علاقة
يتخذ التفكير الباتيسوني في المعرفة شكل تصور علائقي تتحدد فيه المعاني ضمن شبكة من التفاعلات المتبادلة، بحيث يكتسب الفعل دلالته من موقعه ضمن السياق الذي يتكون فيه. ويكتسب هذا المنظور أهمية خاصة في العلوم السياسية حين يُستخَدَم لفهم كيفية تشكّل الفعل السياسي في بيئات تواصلية معقدة، تتداخل فيها الرسائل والرموز، وتتغير فيها دلالات القرار بحسب مسارات التأويل التي تحيط به. وفي مثل هذه البيئات، يظهر الفهم بوصفه عنصرًا فاعلًافي تشكيل الممارسة السياسية، لا أداة لاحقة لشرحها فحسب، كما تغدو المعرفة جزءًا من الدينامية التي تنتج الفعل وتعيد توجيهه. بهذا التصور، يصبح السؤال الجوهري في التحليل ليس: "ما الشيء؟" بل: "ما النمط الذي يربط هذا الشيء بغيره؟." وتزعزع هذه النقلة مركزية التحليل التقليدي الذي يركّز على الكيانات، مثل الدولة والحزب والقرار، لتفسح مجالات للسياق، والتكرار، والعلاقة، بوصفها أدوات تحليلية أصلية. ولا ريب في أن السياسة تتشكل عبر نسق مستمر من العلاقات التي تفرز أنماطًا من السلطة والمقاومة 11. تتجلى هذه الرؤية على نحو أوضح في مفهوم "الرباط المزدوج"، الذي طوّره باتيسون في دراسته للذهان، ثم وسّعه ليشمل مختلف أشكال التفاعل الإنساني. ويكتسب هذا المفهوم قيمته التحليلية حين يُستخَدَم لفهم وضعيات سياسية تتشكل داخلها الأفعال ضمن فضاءات تواصلية تحمل أوامر وتوقعات متعارضة، صادرة عن المرجعية نفسها، ومندمجة داخل إطار معياري واحد. وفي مثل هذه الوضعيات، يندرج الفاعل داخل مسار تفاعلي تتحدد فيه دلالة الفعل وحدود الممكن في آن واحد، فتتشكل الاستجابة ضمن توتر دائم بين متطلبات متزامنة، ويغدو القرار جزءًا من سيرورة تعيد إنتاج الالتباس بدلًامن حسمه. وتسمح هذه العدسة بقراءة أنماط من الممارسة السياسية يظهر فيها التردد أو التناقض السلوكي بوصفهما من المخرجات البنيوية لآليات اشتغال السلطة داخل التواصل، حيث تنظم الرسائل بما يفرض الامتثال، مع الإبقاء على إتاحة إمكانات لمجالات التأويل في الوقت نفسه. وعلى هذا الأساس، تفهم السلطة هنا بوصفها دينامية تنتج شروط الفعل، وتعيد توجيه مساراته عبر انتظامات رمزية متداخلة، تتشكل داخلها المسؤولية السياسية ضمن مسار ملتبس، يتغير بتغير مواقع التفاعل. ويتيح هذا التصور مقاربة أنماط مألوفة في الحقل السياسي، كالبيروقراطية الشكلانية أو التواطؤ المؤسسي. ويتجلى هذا النمط، مثلًا، في الخطاب المزدوج الذي تمارسه بعض الأنظمة، حين تشجع على المشاركة السياسية، وتفرغها في المقابل من المعنى، وتبشر بالمحاسبة، لكنها تقنن الإفلات من العقاب. وينتج ذلك نوعًا من "العطالة" السياسية، بحيث يعاد إنتاج السلطة من داخل اختلالها نفسها، ويتحول الخلل إلى أداة لاستمرارية النظام وديمومته. من خلال هذا المنظور، يندرج "الرباط المزدوج" ضمن أدوات تسهم في تفكيك حالات سياسية يتعايش فيها الخطاب المعياري مع ممارسات متباينة، وتتكون فيها السلطة عبر إدارة الالتباس بوصفه موردًا للاستمرار. وفي الحصيلة، فإن ما يبدو خللًاأو اضطرابًا في النظام قد يكون، في جوهره، نمطًا من التنظيم الداخلي. وإذا كانت الاستجابات الخاطئة لا تنتج بالضرورة من غياب النظام، فإنها قد تكون جزءًا من حلقة تغذية راجعة إيجابية تعيد إنتاج السلوك المسبب للاختلال، وتدفع به نحو مزيد من التعقد داخل النظام في حد ذاته، إلى أن تبلغ درجة من التراكم تتيح إمكانية التحول أو إعادة التكوين 12. ويرتبط بهذا التحليل مفهوم بالغ الأهمية في نظرية باتيسون، هو "التعلم من الدرجة الثانية"؛ فبينما يشير "التعلم من الدرجة الأولى" I Learning إلى التكيف السطحي مع المواقف، يحيل "التعلم من الدرجة الثانية" إلى التعلم بشأن أنماط التعلم نفسها، بما يعني تعديل مجموعة البدائل المتاحة داخل سياق معّين، وتحوّل منطق الاختيار أكثر من تحوّل مضمون القرار. أما "التعلم من الدرجة الثالثة" III Learning، فهو مستوى أعمق، يرتبط بتغيير الإطار المرجعي الكامل للذات ونمط تفاعلها مع العالم. في السياسة، يصعب إصلاح منظومة فاسدة بتغيير السياسات فقط، أي في مستوى "التعلم من الدرجة الأولى"؛ إذ لا بد من مراجعة أنماط اتخاذ القرار، وآليات إنتاج السلطة ذاتها، أي في مستوى "التعلم من الدرجة الثانية." ويتيح هذا التمييز فهم التحول السياسي بوصفه انتق لًافي أنماط التعلم، لا تبدلًافي السياسات أو النخب فحسب. وفي بعض السياقات، قد لا يكون ذلك كافيًا أيضًا، ما يستدعي لحظة "تعلم من الدرجة الثالثة"، تعاد فيها صياغة العقد المعرفي والثقافي الذي يعرف علاقة الفاعلين بعالمهم 13.
يفتح باتيسون، بهذا المعنى، مسارًا إبستيمولوجيا مختلفًا يعيد مساءلة أسس التحليل السياسي. وهو يلتقي هنا مع لومان في اعتبار الاتصال محور اشتغال النظام الاجتماعي، غير أن هذا التقاطع لا يخفي اختلافًا أعمق في المنطلقات الإبستيمولوجية ودرجة التجريد النسقي؛ إذ ينظر لومان إلى الاتصال ضمن نسق ذاتي الإحالة، مغلق وظيفيًا، ويحلل من مستوى عاٍلٍ من التجريد، بينما يشتغل باتيسون بالاتصال بوصفه علاقة تفاعلية متجسدة، مشروطة بالسياق، ومندمجة في ديناميات التعلم والخلل، وإنتاج المعنى داخل البيئات الحية 14. ويلتقي باتيسون أيضًا مع فوكو في نقده السلطة بوصفها شبكة لإنتاج المعنى أكثر من كونها جهازًا للقمع، من دون أن ينزلق إلى الجينيالوجيا التاريخية، إذ يحتفظ برؤية تركيبية تربط اللغة والعلاقة بالسياق والبنية، والتعلم بالفوضى 15. إن ما يجعل فكر باتيسون مغريًا، في سياق العلوم السياسية، هو أنه يتعامل مع "السياسة" بوصفها مج لًامضطربًا، تتداخل فيه التمثلات والوظائف والتفاعلات. وهي، من هذا المنظور، تُفهم بوصفها بيئة معقدة من الاتصال المتكرر، ومن المفارقات والتوترات غير المحسومة التي تعيد إنتاج نفسها باستمرار. ويتجلى ذلك في حالات سياسية يُعَلَن فيها عن إصلاحات متكررة من دون أن تُحدث تغييرًا في أنماط الفعل، فتتعايش خطابات التحديث مع ممارسات تعيد إنتاج الاختلال نفسه داخل النسق. وهو ما يمنح هذا المنظور قدرة تفسيرية على تحليل حالات الجمود والتعثر السياسي، ومن ثم، يحيل إلى ضرورة مساءلة المنهج السياسي في وظيفته وموقعه وطموحه المعرفي. ومع ذلك، يطرح استدعاء باتيسون مخاطر نظرية تستحق الانتباه؛ إذ إن التفكير في الخلل بوصفه نظامًا قد يميل إلى ضرب من النسبية المفرطة، أو يفضي إلى تعطيل إمكان الفعل السياسي الحاسم. لذلك، ينبغي تلقّي فكره بوصفه دعوةً إلى التموضع خارج المسارات ايئًاهنو لامًااتكم لايًاادب هفصوب ل ا، ةنميهلام. نوسيتاب ركف هحيتي ام نّإ للتحليل السياسي يتمثل في القدرة على رؤية المفارقة، والإنصات إلى التكرار، والتعامل مع السياسة بوصفها نمطًا من الحيرة الخّل اقة، لا بوصفها ميدانًا للحسم والقرار فحسب. ويتخذ منظور باتيسون بعدًا خاصًا عند استحضار مفهومه الذي سّم اه "النمط الرابط" أو "النمط الذي يربط" Connects that Pattern The 16، والذي يُفَهَم بوصفه أداة لتحليل انتظامات تفاعلية تنتج المعنى وتعيد توزيعه داخل النظم المعقدة. في هذا الإطار، يتجه الباحث إلى قراءة السياسة عبر التفاعلات التي تشكّل الكيانات المحددة سلفًا، مثل الدولة أو البرلمان أو الحزب أو الفاعل، وتفتح أمامها مسارات التحول. ويقرأ الحدث السياسي أيضًا، مثل أزمة حكومية أو انفجار اجتماعي، ضمن نمط التكرار الذي يوجّه بنيته الاتصالية، ويبقيها قابلة لإعادة التوليد، كما يظهر في تجارب سياسية داخلية تتعاقب فيها برامج الإصلاح ومشاريع التحديث، بينما تستمر أنماط الاحتجاج والاحتقان نفسها، بما يكشف عن انتظام تواصلي يعيد إنتاج الاختلال داخل النسق السياسي، على الرغم من تغير الفاعلين والخطابات. ويمهد هذا المدخل لتحليل أكثر تركيبًا للأزمات، يتجاوز التفسير الأداتي، ويسائل شروط انتظام الظاهرة بدلًامن الاكتفاء بوصف مخرجاتها. ومن جهة أخرى، يوفر فكر باتيسون بديلًامما يمكن تسميته "الثنائية المنهكة" التي تهيمن على أغلب التحليلات السياسية، والمقصود بها ثنائية الفاعل – البنية. فإذا كانت بعض المقاربات تركز على تحليل القرار السياسي عبر نيات الفاعلين وخياراتهم الاستراتيجية، وتصرّ أخرى على مركزية البنى الحتمية في إنتاج النتائج، فإن باتيسون يقترح تصورًا ثالثًا يتجاوز هذا التقسيم، مؤكدًا أن ما ينتج الفعل السياسي ليس الفاعل أو البنية كًّل افي حدّ ذاته، بقدر ما هو النسق الدينامي للعلاقات المتولدة بينهما ضمن سياق متحول 17. ويتبدى ذلك بوضوح في السياسة الخارجية لبعض الدول التي تعلن تحولًا في استراتيجياتها أو تحالفاتها، بينما تعود أنماط التوتر والتصعيد نفسها للظهور، بما يدل على أن ما يحكم السلوك هو انتظام تواصلي أعمق يعيد توجيه الفعل داخل النسق الدولي. وهو تصور يجعل من التحليل السياسي فعَلَ تأويل؛ يستنطق الهوامش، ويعيد الاعتبار للمسارات غير المتوقعة في الفعل السياسي، كما يفكك وهم "السيطرة المعرفية" الذي طبع أدوات التفسير التقليدية. وبهذا المعنى، يظهر باتيسون مفكرًا نقديًا يعيد التفكير في أسس النظر السياسي: ما السياسة؟ ما الفعل؟ ما النظام؟ ما الخلل؟ وكيف يمكن مساءلة المنهج في حد ذاته؟ وهي الأسئلة التي يعالجها المبحث التالي، من خلال مقاربة السياسة بوصفها نظامًا مختًّل ا، وتشكيلًا اتصاليًا في جوهره.
ثالثًا: السياسة بوصفها نظامًا مختلًا: نحو أنثروبولوجيا سيبرنطيقية للسلطة
إذا كانت العلوم السياسية قد انشغلت، في بداياتها، بتحديد طبيعة السلطة وحدودها، فإنها نادرًا ما توقفت عند التمفصلات الدقيقة التي تجعل هذه السلطة تشتغل داخل منطق مختل ومنتج في آن واحد؛ أو، بتعبير مستوحى من المنظور الباتيسوني، خلٌلٌ يأخذ شكل انتظام داخلي، يعاد عبره إنتاج السلطة في صيغتها المضطربة. إن النظر إلى النسق السياسي بوصفه بنية اتصالية، وليس كيانًا عقلانيًا وظيفيًا، يتيح فهمه على نحو مماثل لما يفهم به "المريض السيبرنطيقي" 18: مختل من داخله، ومنتج لذاته عبر أعطابه. ويتجلى ذلك في أنظمة سياسية تعرف انتظامًا مؤسسيًا ظاهريًا، بينما تعود الأزمات الاجتماعية والاحتجاجية نفسها إلى الظهور بأشكال متقاربة، على الرغم من تغّي رالحكومات أو البرامج المعَلَنة. في هذا الإطار، تمثّل السياسة السلطوية، سواء في صيغها الصريحة ذات الطابع القمعي، أو في أشكالها المموهة ذات الغلاف المؤسسي، نموذجًا حيّا لنمط "الرباط المزدوج" كما صاغه باتيسون؛ إذ تعمل السلطة، في هذا النمط، من خلال رسائل مزدوجة تنتظم داخل علاقة تواصلية غير قابلة للحسم، تربك المتلقي وتضعه أمام مفارقة دائمة: إن أطاع، وقع في التواطؤ، وإن خالف، دخل دائرة العقوبة، وإن سكت، عدّ ذلك خنوعًا، وإن تكلّم، أ درج في خانة "المشكوك فيه" أو "المشتبه فيه." وفي جميع الحالات، ينتج النظام نفسه من خلال تشويش القواعد، بوصفه نمطًا مستقرًا لإدارة العلاقة بين السلطة والفاعل. وعلى هذا النحو، يغدو الفعل السياسي محكومًا باتصال ملتبس يتكرر في الإعلام، والتعليم، والخطاب الرسمي، والبيروقراطية، بوصفه انتظامًا تواصليًا يعيد إنتاج الشروط نفسها التي يولدها. ويترتب على ذلك تداخل الخضوع والانتهاك، وتحويل "اللعبة السياسية" إلى دائرة مغلقة من المعنى المربك. ويتجلى هذا الوضع في سياقات يطلب فيها من المواطن الانخراط في خطاب المشاركة السياسية، والتصويت في الانتخابات، ضمن أطر إجرائية تبدو مفتوحة شكليًا، في حين تظل دوائر التأثير الفعلي في القرار خارج هذا الانخراط. وتزداد حدة هذا النمط حين تتباين تأويلات الفاعلين لعلاقاتهم داخل النسق السياسي نفسه، فينشأ التشويش من رحم العلاقة، ويغدو الفعل السياسي أسير اختلاف الأطر الإدراكية التي تنظم التفاعل، كما أشار باتيسون في تحليله لنمط "الرباط المزدوج" الناجم عن اختلاف تمثلات الإطار 19. تتجلى خطورة هذا النمط في اشتغاله عبر العنف الرمزي، بما يربك الخطاب ذاته، ويجعل معايير التقييم والانتماء والنزاهة والسيادة عرضة لإعادة تعريف مستمرة، تحت مظلة قانونية – مؤسساتية تبدو، في ظاهرها، عقلانية 20. ونتيجة لذلك، يصبح الخلل السياسي جزءًا بنيويًا من طريقة اشتغال السلطة. وهنا تبرز المفارقة المتمثلة في أن الأنظمة السياسية تنتج الخلل بوصفه آلية لإعادة إنتاج نفسها، في حين يظل المنهج السياسي غير المدِرِك لهذه البنية المفاِرِقة أسير تحليل سطحي يضفي الانسجام على ما هو متناقض في جوهره. ولعل من أوضح الأمثلة الدالة على ذلك ما يظهر في العديد من الأنظمة التي تزاوج بين خطابات الانفتاح السياسي والممارسات الأمنية الصارمة؛ إذ تتغير أدوات التدبير، وتتجدد صيغ الخطاب، من دون أن يشمل التحوّل أنماط اتخاذ القرار أو منطق توزيع السلطة. ويؤدي ذلك إلى حصر التعلم السياسي في مستوى التكيف الإجرائي، بما يجعله عاجزًا عن بلوغ مراجعة القواعد التي تنتج الاختلال ذاته. ولتفادي بقاء هذا التمييز في مستوى التجريد المفهومي، يمكن تلخيص منطق الانتقال الباتيسوني بين مستويات الفهم السياسي من خلال الشكل، الذي يوضح الانتقال من نماذج الفهم القائمة على السببية الخطية إلى مقاربة علائقية تركز على التعلّم من الفعل، وصولًاإلى التعلّم من التعلّم في حد ذاته، كما يستفاد من التصور الباتيسوني للعلاقات والتكرار وبناء المعنى داخل النظم المعقدة. تمثّل هذه الازدواجية، التي تُفَهَم، وفقًا لباتيسون، بوصفها مسرحةً أو انفصامًا، نموذجًا لنظام مريض يعيد إنتاج نفسه من خلال اختلاله 21. ويتبدى ذلك أيضًا في سياسات خارجية تعلن الانتقال نحو الدبلوماسية أو التهدئة، بينما تستمر أنماط التصعيد نفسها عبر وسائط غير مباشرة، بما يكشف عن انتظام تواصلي أعمق من الخطاب المعَلَن. وعلى هذا الأساس، تصبح السياسة في مثل هذه السياقات نمطًا من التعامل الرمزي المكثف، تدار فيه السلطة عبر خطاب متوتر، ومؤسسات مثقلة باختلالات بنيوية، وأنماط تعلم سياسي تعيد إنتاج التكرار داخل النسق. ويفضي هذا الفهم إلى إعادة تعريف السياسة ذاتها؛ لا بوصفها تدبيرًا عقلانيًا للمجتمع، بل بوصفها حقلًاللارتباك المنتج، ومساحةً للتكرار الذي يتغلف بالشرعية. وهي الفرضية التي سيجري تتبّعها من خلال ربط مفهوم المرض السيبرنطيقي بمستويات الخطاب والتفكك البيروقراطي.
شكل يوضح التفكير الباتيسوني في الفعل السياسي
اﻟﺘﻌﻠﻢ ﻣﻦ اﻟﺪرﺟﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ
• مساءلة القواعد • إعادة بناء ا طار • توليد انتظام جديد من داخل اخت ل
اﻟﻨﺴﻖ اﻟﻌﻼﺋﻘﻲ/ اﻟﻨﻄﺎق اﻻﺗﺼﺎﱄ
• التقاط ا نتظامات الضمنية • التجام اعنى ع التفاعل • اشتغال النسق من خل التكرار
ﻣﺪﺧﻼت ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﻣﺨﺮﺟﺎت
• تصحيح الخطأ • التحكم اجرا • اف اض ا نسجام
يمتد منطق "النظام المريض" إلى عمق البنية البيروقراطية، التي غالبًا ما تقَّدَم بوصفها عقلانية صافية تنظم الفعل السياسي وتؤطر المؤسسات ضمن هرم واضح المعالم. غير أن القراءة الباتيسونية تدفع إلى إعادة النظر في هذا الافتراض؛ إذ ترى في البيروقراطية نسقًا من التكرارات الرمزية، يخفي تحت ظاهره التنظيمي منطقًا اتصاليًا مختلًا، تعاد فيه صياغة السلطة على نحو دائري، ويتحول فيه القرار إلى طقس شكلي يعيد إنتاج اللاقرار. ومن هذا المنظور، لا تظهر البيروقراطية آلية لتنفيذ السلطة فحسب، بل تتجلى حيزًا تتآكل فيه الصلة بين الخطاب والممارسة، وبين النموذج والنفس السياسي الحيّ. فهي فضاء يتكاثر فيه الخلل المنتظم عبر المذكرات والمراسلات والمجالس واللجان، حيث تنتج القرارات داخل نسق من التمويه الإجرائي، من دون أن يترتب عليها تحول فعلي، ولا سيما حين يغدو الفعل الإداري واجهة شكلية، ومعادلًاللانكفاء
اﻟﺘﻌﻠﻢ ﻣﻦ اﻟﺘﻌﻠﻢ
اﻟﺘﻌﻠﻢ ﻣﻦ اﻟﻔﻌﻞ
اﻟﺴﺒﺒﻴﺔ اﻟﺨﻄﻴﺔ
الرمزي عن المسؤولية. ويترتب على ذلك أن السياسات العمومية، في كثير من السياقات، تنتج ما يمكن تسميته، في المنظور الباتيسوني، "استجابة مثالية لسؤال صيغ ابتداءً على نحو مغلوط"؛ أي تقديم إجابة متقنة لسؤال خُصص له جهد تنظيمي كبير، على الرغم من أن صياغته كانت، منذ البداية، مختلة، كما هو الشأن في برامج عمومية تقاس نجاعتها بمؤشرات إجرائية دقيقة، بينما تظل آثارها الاجتماعية والسياسية محدودة أو عكسية 22. وعلى هذا النحو، يزداد التحليل الباتيسوني نفاذًا عند مقاربته الخطاب السياسي. فإذا كان فوكو قد بين أن السلطة تنتج المعنى وتؤطره داخل
"نظام للخطاب" 23، فإن باتيسون يضيف أن هذا المعنى قد يختل إذا تولّد داخل نسق اتصالي متناقض. في هذا التصور، لا تأتي اللغة ناقلًا محايدًا للقرار فحسب، بل بوصفها فضاءً تصاغ فيه العلاقات، وُتُبنى فيه مفاهيم الشرعية والتمثيل والانتماء. وإذا ما أصيبت هذه البيئة اللغوية بتشويش مزمن، عبر رسائل مزدوجة وخطابات متضاربة، انقلبت السياسة إلى لعبة رمزية مربكة، يضطرب فيها إدراك المواطن لاقي مما دَصَقُيُ الوم لاقي ال. م وهنا يغدو النظام السياسي نظامًا مفتوحًا من حيث الشكل، مغَلَقًا من حيث الوظيفة؛ يتيح التداول الإعلامي والتعبير، بل حتى الاحتجاج أيضًا، لكنه يفصل هذه المستويات عن دوائر القرار الفعلي، فينتج بيئة "شبه تشاركية" تعيد إنتاج السلطوية عبر آليات المشاركة ذاتها، وهو ما يجعل استثمار أعمال باتيسون في التحليل بالغ الأهمية؛ إذ يتيح تفكيك وهم الثنائية الصلبة، ديمقراطية – سلطوية، والكشف عن كيفية اشتغال بعض الأنظمة تحت قناع التعددية، في الوقت الذي تعاد فيه صياغة القرار المغلق ضمن شبكة من الإشارات الملتبسة. ومن خلال هذا التصور، يمكن الحديث عن أنثروبولوجيا سيبرنطيقية للسلطة، تعيد التفكير في السلطة بعيدًا عن كونها علاقة قوة بين أطراف، لتفهم بوصفها بنية اتصالية تنظم إنتاج المعنى داخل النسق. فهي سلطة تعيد تشكيل الفاعلين أنفسهم، وتدرّبهم على إعادة إنتاج مواقعهم داخل اللعبة، بما يجعل الخروج عنها متعذّرًا من دون أن يفسر بوصفه خطأ. وهنا تكتمل حلقة الخلل: سلطة تربك القواعد، وبيروقراطية تكرس الجمود المؤسسي، وخطاب يشوش على المعنى، ومنهج يعيد إنتاج نفسه وفرضياته. تنطلق هذه القراءة من الإقرار بوجود أنماط من الإصلاح وإمكانات للتغيير، مع التشديد على ضرورة الحذر عند إسقاط معايير جاهزة للفعل على النظام السياسي. فكما قد يغيب عن "المريض السيبرنطيقي" إدراك علّته، قد يواصل النظام السياسي إنتاج نفسه عبر الخلل من دون وعي داخلي بوجود أزمة. وفي هذا السياق، يغدو التحليل الباتيسوني تمرينًا إبستيمولوجيًا على الإنصات إلى ما لا يقال، والتقاط التكرار المفرغ من مضمونه، واكتشاف "النمط الذي يربط" بين الخطأ والسلطة والفهم، بوصفه انتظامًا علائقيًا تتشكل داخله دلالات الفعل السياسي عبر تكرار الخطاب، وسياق التفاعل، وإيقاع الاستجابة داخل النسق. وبذلك، يُفتَرَض في الباحث التخلي عن وهم الضبط، وتعلّم التفكير في النظام من داخله وفي سياقاته، والتعامل مع الخلل بوصفه معطى تأسيسيًا، وإعادة بناء منهجه انطلاقًا من فهمه لتاريخ تكراراته.
رابعًا: نحو تموضع منهجي مغاير: السياسة بوصفها لعبة معقدة
حين التأمل في تاريخ العلوم السياسية الحديثة، يظهر أن سؤال "المنهج" طرح، في الغالب، بوصفه سؤال أدوات: ما الأنسب لتحليل الظاهرة السياسية؟ وما نوع البيانات؟ وأيّ نمط من النمذجة أو التقاطع الإحصائي أجدر بقياس التحولات؟ غير أن هذا السؤال، في صيغته المتداولة، يخفي افتراضًا ضمنيًا مفاده أن الظاهرة السياسية قابلة للقياس، وأن المعرفة السياسية تُبنى وفق خوارزمية تحليلية صارمة، تقوم على مدخلات ومعالجة واستنتاج. وهو افتراض يتعثر حين تصاغ سياسات إصلاحية دقيقة في أهدافها ومؤشراتها، ثم تُفاَجَأ بإعادة إنتاج أنماط الاحتجاج وعدم الامتثال نفسها؛ لأن ما فشل، في هذه الحالة، لم يكن الأداة، بل الإطار الإدراكي الذي صيغت داخله السياسة. وهو ما يكشف محدودية هذا التصور في الإحاطة بتعقد الواقع السياسي، وبناه الظاهرة، وطبقاته الرمزية المتداخلة. في هذا الاتجاه، يتيح فكر باتيسون إمكانًا إبستيمولوجيًا لإعادة النظر في الظاهرة السياسية، من خلال مفاهيم صيغت أصلًافي سياقات أنثروبولوجية وتواصلية. وحين يستثمر هذا الأفق التحليلي في حقل السياسة، يغدو الفعل السياسي قابلًاللفهم بوصفه سيرورة رمزية تتشكل داخل شبكات من التفاعل والتكرار والتوترات غير المحسومة. وعطفًا على ذلك، يظهر أن ما يحدد السياسة في الغالب ليس ما يُعَلَن عنه، بل ما يُعاد إنتاجه من إيقاعات علائقية وأنماط انتظام غير محسومة داخل النسق. ويقود هذا النقل التحليلي إلى كشف حدود المقاربات الخطية التي تكتفي بتتبّع السببية المباشرة أو مركزية القرار، في مقابل إبراز ديناميات أعمق تتحرك داخل بنى لغوية، وعلاقات غير مرئية، وأنماط تكرار تمنح الواقع السياسي مظهره المألوف. ويفضل باتيسون النظر إلى المنهج بوصفه "بيئة إدراكية" لا "آلة فكرية"، يمكن الانتقال داخلها من لحظة التفسير إلى لحظة الفهم، لا تشغيلها لإنتاج نتائج موضوعية مغلقة. فالسياسة، في هذا التصور، تُفَهَم كما تُفَهَم اللغة، بل حتى كما يُفَهَم الطقس؛ أي داخل شبكة من العلامات والإشارات والعلاقات المفتوحة، لا كما تُدَرَس الأجسام أو الظواهر الفيزيائية. وتتطلب هذه البيئة نوعًا آخر من الانتباه، يقوم على تتبّع ما يتكرر، مثل صيغ الإصلاح، وما يستقر في الخطاب، وما يعاد إنتاجه في العلاقة بين المشاركة والقرار، بوصف هذه التكرارات مؤشرات دالة على انتظامات أعمق من الحدث في حد ذاته. ولهذا، فإن الحاجة إلى منهج جديد في العلوم السياسية لا تعني، ببساطة، إضافة أدوات جديدة إلى الحقيبة المعرفية، بل تعني تفكيك منطق الحقيبة في حد ذاتها. إن ما ينبغي مراجعته، في هذا السياق،
هو الافتراض القائل بإمكان ضبط الظاهرة السياسية بنموذج خطي، وبأنّ الذات الباحثة تقف خارج موضوع البحث، تراقبه من أعلى وتفككه كما يفكك المهندس قطعةً من آلة. فالفهم الباتيسوني يزعزع هذه الرؤية من جذورها، ويعيد وضع الذات داخل العلاقة نفسها، بما يقتضي القبول بنوع من اللايقين المعرفي المنتج، الذي يرى في الغموض إمكانًا لتوسيع دوائر الفهم. بهذا المعنى، يتأسس المنهج المنشود على طابع الإصغاء للتفاعلات، ويتجه نحو التقاط الأنماط التي تنتج المعنى داخل السياق، ضمن شروط متغيرة، بدلًامن مطاردة "الحقيقة" بوصفها كيانًا متعاليًا. وهو منهج يرى في المفارقة موقعًا مركزيًا، ومفتاحًا لفهم الاضطراب المنتظم. وفي الحصيلة، تتكشف السياسة بوصفها نسقًا تداوليًا مفتوحًا، تعاد داخله صياغة القواعد أثناء سير اللعب ذاته، ضمن دينامية تتجاوز المنطق الخطّي الجاهز. ويتيح هذا التمييز الذي يقترحه باتيسون بين السببية الخطية والتنظيم المعرفي المركب إعادة التفكير في طبيعة الفعل السياسي نفسه. فالمنهج الخوارزمي، كما تبلور في بعض المقاربات الوضعانية المتأخرة المتأثرة بعلوم الحوسبة ونماذج القرار، يفترض أن تكون المدخلات محددة، والإجراءات مضبوطة، والمخرجات قابلة للتوقّع أو القياس. غير أن هذا النموذج، المستلَهَم من علوم الحوسبة والهندسة، يبدو محدودًا حين يُسَقَط على مجالات مشبعة بالتعدد والتمثلات والانفعالات والمصالح والتأويلات، مثل الفعل السياسي. فالسياسة ليست معادلة رياضية بقدر ما هي فضاء من العلاقات المضطربة التي تنتج، مؤقتًا، معانَيَ تبدو عقلانية، وهي في الآن نفسه نتاج عمليات غير مرئية من المساومة والتأويل والخطاب والتكرار 24. وعلى هذا الأساس، أعادت بعض الدراسات الحديثة مساءلة حدود العقلانية السياسية، مُبِرِزةً أن المعرفة في العلوم السياسية لا تتشكل خارج شبكات السلطة والمعنى، بل تتداخل معها على نحو لا يُختزل في أدوات القياس أو التفسير الخطي. وبهذا المعنى، يلتقي المنظور الباتيسوني مع أطروحات شينكل 25 وفيشر ويانو26 الذين نبهوا إلى خطر التمويه المنهجي حين يفضي التحليل إلى إنتاج "عقلانية وهمية" تخفي الاضطراب بدلًامن أن تكشفه، وتسهم في تطبيع رمزي مع أشكال السلطة "المعطوبة." في المقابل، يتجه التحليل نحو مقاربة منهجية تنبع من تتبع العلاقات التي تنتج الفعل السياسي، وتتحفظ عن الانطلاق من نماذج جاهزة تحجب دينامية النسق. وإن لم يكن هذا التوجه يسعى لتتبع السببية، فإنه يركز على فهم النسق في تعقده، ويعيد إدراك الفعل في سياقه الثقافي والمعنوي والتواصلي، ولا يفكك الفعل إلى عناصر منفصلة. ويقوم هذا التوجه على حدس تحليلي يتجاوز الأدوات الإحصائية والمخططات الجامدة، وينفذ إلى ديناميات العلاقات والتكرار داخل النسق السياسي 27، على نحو يشبه ما وصفه باتيسون بالفهم الذي يتشكل داخل "النمط الذي يربط." وفي سياق مواٍزٍ، يمكن استعادة مفهوم "الحدس السياسي" بوصفه شكلًامن الذكاء العلائقي، وليس نبوءةً أو انطباعًا عابرًا؛ إذ يتخذ السياسي قراراته داخل النسق من خلال تفاعله مع سياق معقد، تُكتَسَب فيه القدرة على التقدير انطلاقًا من التكرار والأخطاء والملاحظة الدقيقة، إلى جانب المعطيات. وُيُفَهَم هذا الاستدعاء للحدس بوصفه مستوى موازيًا ومكملًاللتحليل العقلاني، يتيح النفاذ إلى ما تغفله النماذج التقليدية من مخاوف خفية، ومواطن ضعف غير مرئية، ورموز صامتة، وإيقاعات تفعّل النسق السياسي من خلف الستار، ضمن ما يُعَرَف ب "المسرحة السياسية." ولا يخفى أن هذا الاختيار المنهجي، الذي يضع العلاقة في قلب التحليل، يتطلب أخلاقيات للبحث تبتعد عن النزعة التقنوية الجافة، وتقترب مما يمكن تسميته "ِح رفة إدراكية"؛ ذلك أن المعرفة، في هذه الحالة، تنتج عبر تموضع دقيق للباحث داخل ديناميات المجال، وقدرته على الإصغاء والتأويل، والتزامه التواضع المعرفي. إن التفكير في المنهج بوصفه ح رفة، لا بوصفه آلة، يعيد إلى العلوم السياسية طابعها الإنساني، ويخرجها من سطوة النزعة الإجرائية. وفي هذا الإطار، يمكن استحضار باتيسون مدخلًالإعادة التفكير في زمن تتقاطع فيه الخوارزميات مع الشعبويات، والشفافية الشكلية، والغموض المؤسسي. ففي لحظة يبدو فيها كل شيء قابلًاللقياس، يجلي هذا المنظور ما يفلت من الحساب غالبًا، مثل القلق والرمز والصمت والتكرار والمفارقة، وغيرها من العناصر التي قد تحرك الواقع أكثر مما تفعل المؤشرات المعَلَنة.
وتتكامل دعوة باتيسون مع مقاربات أعادت الاعتبار للفهم التأويلي والعلاقة والسياق في تحليل الظواهر الاجتماعية، كما يظهر في الأنثروبولوجيا التأويلية عند كليفورد غيرتز 28، وفي بعض اتجاهات السوسيولوجيا التفاعلية ذات الحس التأويلي كما بلورها أنسيلم شتراوس 29، فضلًاعن تقاطعاتها مع نظرية الأنظمة وتحليل الخطاب. ويبرز باتيسون، ضمن هذا الحقل التقاطعي، بوصفه مفكرًا اشتغل بالعلاقة والسياق وموقع الملاحظ داخل النسق، وهي عناصر التقت لاحقًا مع النقاشات التي تبلورت اصطلاحيًا في إطار ما عُِرِف بالسيبرنطيقا الثانية، كما صاغها هاينز فون فويرستر 30، وأسهمت فيها مارغريت ميد 31، ضمن أفق أوسع انشغل بمسائل الملاحظة والتعلّم وبناء المعرفة في حقل النظم المعقدة.
خاتمة: المنهج بوصفه مرآة للخلل وإطارًا لإعادة الفهم
ليست هذه الدراسة دعوة إلى التوسع النظري أو إلى تجريب أدوات جديدة في حقل العلوم السياسية، بقدر ما هي محاولة للنفاذ إلى عمق مأزق معرفي يعتري هذا الحقل، ومقاربة سُبل إعادة بنائه انطلاقًا من مساءلة جذوره المنهجية والتصورية. فقد انطلقت من فرضية مفادها أن الفعل السياسي، في تعقده وتناقضاته وتكراراته، لا يمكن إخضاعه لنماذج تفسيرية خطية أو أدوات قياس خوارزمية من دون تشويه بنيته الرمزية. ومن هنا، جاء استدعاء فكر باتيسون بوصفه منظورًا يعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والسياق، والسلطة والمعنى، وكذلك بين المنهج والعالم. وتبين المقاربة الباتيسونية أن ما يُعدّ "خللًا" في النظام السياسي قد يكون، في واقع الأمر، شكلًامن أشكال التنظيم الداخلي، وأن السلطة تنتج، ويعاد إنتاجها، وتماَرَس عبر بنى اتصالية مشوشة، وعبر المفارقة، وأن المنهج يقاس بقدرته على الإنصات إلى ما يتكرر، ويجري إخفاؤه، وينتج إرباكًا. فأنماط "الرباط المزدوج"، وتصوّر "التعلم من الدرجة الثانية"، ومفهوم "النمط الذي يربط"، ليست تعابير تقنية فحسب، بل هي نوافذ لفهم السياسة بوصفها نظامًا بيئيًا للمعنى، يتجاوز الثنائيات التقليدية، مثل الفاعل – البنية، والعقلانية – اللاعقلانية، والقرار – الفعل. وعلى أساس هذا التموضع الجديد، يصبح المنهج فعلًاتأويليًا محتَضَ نًا Embedded في سياقه، ويغدو الباحث شاهدًا على ما يخفى خلف انتظام الاختلالات. وهكذا، يعاد بناء الحقل السياسي بوصفه مج لًا غير يقيني، يُفَهَم بالحدس، وُيُكتَشَف فيما يتكرر من دون أن يقال. وفي هذا الأفق، تتكامل الدعوة إلى إعادة تأويل المنهج في العلوم السياسية مع ما قدمته دراسات يانو وشوارتز-شيا 32 ومورشول33 من تصورات تتجاوز الطابع الأداتي، وتعيد تعريف المنهج بوصفه نمطًا من التفاعل التأويلي مع واقع معقد. ويقترح كورت ريتشاردسون 34، أيضًا، تجاوز النماذج التفسيرية المغلقة إلى رؤية تتضمّن المفارقة والانفعال والإيقاع الداخلي للسياسة، بما يجعل "الفهم" ذاته لحظة علائقية غير منفصلة عن سياقها، ولا عن الذات المنخرطة فيها. إن إعادة التفكير في المنهج، في ضوء هذه الأطروحات، تقتضي أكثر من تعديل لغوي أو تحيين إجرائي؛ إنها تقتضي تحولًاإبستيمولوجيًا في طريقة النظر نفسها. فالعلوم السياسية التي تسعى لفهم العالم من دون أن تعيد التفكير في عدساتها المعرفية تظل رهينة تكرار مفهومي وتحليلي. ولا تنحصر إضافة هذه الدراسة في نقد المقاربات الخطية أو مساءلة النزعة الخوارزمية، بقدر ما تتمثل في اقتراح تحويل عملي لزاوية الاشتغال المنهجي، عبر نقل التحليل السياسي من تتبع القرارات ونتائجها إلى رصد انتظامات التكرار والاختلال، بوصفها مفاتيح لفهم اشتغال السلطة داخل أنساقها المعقدة. وتكمن القيمة الكبرى لفكر باتيسون في قدرته على زعزعة المسلمات المستقرة بشأن معنى الفهم في حد ذاته؛ إذ يبين أن النظام يعيد إنتاج نفسه من خلال أعطاله، ولا يشتغل عبر انتظامه الظاهر فحسب، وأن الخلل يُعدّ إحدى آلياته الخفية للاستمرار. ثم إنّ التعلم الحقيقي، وفق هذا المسار، لا يكمن في تحسين الأدوات، بقدر ما يكمن في تعديل منطق القاعدة التي تضبط اشتغالها. وتلك، في ما يبدو، هي النقلة المعرفية الحاسمة لاستعادة إنسانية المنهج، ومعنى السياسة، وعمق فهمها.
المراجع
العربية
سلمان، حسين فاضل. "التواصل الفرعي في منهجية الأنثروبولوجست جريجوري باتيسون." لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية. مج 11، العدد 4.)2019(
الأجنبية
Bateson, Gregory. Steps to an Ecology of Mind. Chicago: University of Chicago Press, 1972. ________. Steps to an Ecology of Mind. New York: Chandler Publishing, 1972. ________. Vers une écologie de l'esprit. vol. 1. Ferial Drosso, Laurencine Lot & Eugène Simion (trad.). Paris: Éditions du Seuil, 1977. ________. Mind and Nature: A Necessary Unity. New York: Dutton, 1979. Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. J. B. Thompson (ed.), G. Raymond & M. Adamson University Harvard Cambridge: (trans.). Press, 1991. ________. Science of Science and Reflexivity. Cambridge: Polity Press, 2000. Fischer, Frank & Dvora Yanow. Interpretive Policy Analysis: Concepts, Contexts, and Applications. Oxford: Oxford University Press, 2004. Foucault, Michel. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. Alan Sheridan (trans.). New York: Pantheon Books, 1977. Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1973. ________. Local Knowledge: Further Essays in Interpretive Anthropology. New York: Basic Books, 1983. Harries-Jones, Peter. A Recursive Vision: Ecological Understanding and Gregory Bateson. Toronto: University of Toronto Press, 1995. King, Gary et al. Designing Social Inquiry: Scientific Inference in Qualitative Research. Princeton: Princeton University Press, 1994. Luhmann, Niklas. Social Systems. John Bednarz Jr. & Dirk Baecker (trans.). Stanford: Stanford University Press, 1995. Mead, Margaret. Cybernetics of Cybernetics. Southampton: Heinz Von Foerster Papers, 1968. Morçöl, Göktu ğ. Complexity and Public Policy: A Systems Approach. 2 nd ed. London: Routledge, 2023. Richardson, Kurt A. (ed.). Complexity and the Human Experience. Litchfield Park: Emergent Publications, 2022. Schinkel, Willem. The Structure of Social Theory. London: Bloomsbury, 2019. Strauss, Anselm. Mirrors and Masks: The Search for Identity. San Francisco: Sociology Press, 1969. Von Foerster, Heinz. Understanding Understanding: Essays on Cybernetics and Cognition. New York: Springer, 2003. Yanow, Dvora & Peregrine Schwartz-Shea. Interpretation and Method: Empirical Research Methods and the Interpretive Turn. 2 nd ed. London: Routledge, 2020.