العلاقات الدولية السلالية: العرق وأزمة النظام الليبرالي من منظور ابن خلدون ****
الملخّص
This paper offers insights into the Crisis of Liberal International Order by combining Ibn Khaldun's theory of change with scholarship on liberalism and race. We argue that the crisis emerges from the incongruence of two features of liberal order: a binding feature (or 'assabiyya) of white supremacy and liberalism's principles of equality. The crisis is an outcome of a normative political order that can no longer balance a material and discursive reality of racialised hierarchy with ideals of equality. The crisis cannot be reduced to bad leadership or a technical failure to enact liberal values. Instead, attempts to think beyond the crisis must acknowledge the incongruence between white supremacy and liberal equality. Through this diagnosis, we gesture towards the constructive use of "non-Western" theory in the discipline of International Relations. Keywords: Crisis, Order and Disorder, Anxiety, Change, Identity, Ontological Security, Liberal International Order, Race and Racism.
* Faiz Sheikh فايز شيخ | ** Owen David Thomas أوين ديفيد توماس | * ** Translated by Michael Medhat Youssef | ترجمة: مايكل مدحت يوسف
Dynastic International Relations: Understanding Race and the Crisis of Liberal Order Through Ibn Khaldun
تقدّم هذه الدراسة مجموعة من التأملات في أزمة النظام الدولي الليبرالي من خلال المزاوجة بين نظرية ابن خلدون عن التغيّر من ناحية، والمعارف والدراسات المتاحة عن الليبرالية والعرق من ناحية أخرى. وتحاجّ بأن هذه الأزمة نابعة من عدم التوافق بين سمتين في النظام الليبرالي: الالتزام بتفوّق العرق الأبيض (أو العصبية)، ومبادئ الليبرالية القائمة على المساواة. وتأتي هذه الأزمة بوصفها نتيجة لنظام سياسي معياري لم يُعُ د في مقدوره الحفاظ على التوازن بين واقع مادي وخطابي، قوامه التراتبية القائمة على أساس العرق، والمثل العليا للمساواة. ولا يمكن اختزال هذه الأزمة في محض قيادة سيئة أو إخفاق تقني في تطبيق القيم الليبرالية، بل ينبغي، بدلًا من ذلك، أن تعترف محاولات التفكير خارج حدود الأزمة بعدم التوافق بين تفوّق العرق الأبيض والمساواة الليبرالية. ومن خلال هذا التشخيص، تقدم الدراسة إشارة إلى التوظيف البّن اء لنظريات "غير غربية" في حقل العلاقات الدولية. كلمات مفتاحية: الأزمة، النظام والفوضى، القلق، التغيّر، الهوية، الأمن الأنطولوجي، النظام الدولي الليبرالي، العرق والعنصرية.
مقدمة
ترزح السلالة1 الليبرالية في براثن أزمة حادة. وفي حين يحاجّ البعض بأن السلالة تنتقل من مُلك يستند إلى قانون ليبرالي (ُمُلك سياسي) إلى مُلك "لاليبرالي" جامح ولا يتقيد بالقانون (ُمُلك طبيعي)، فالواقع هو أن شعور السلالة الجماعي (العصبية) يشهد حالة من التشذر المستمر. لقد قامت عصبية السلالة الليبرالية، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، على أساس من سلطة الإمبراطورية البريطانية، واستمدت حيويتها من تفوّق العرق الأبيض. ومع أفول الإمبراطورية البريطانية، انتقلت راية القيادة إلى الولايات المتحدة الأميركية، واكتسبت عصبية السلالة الليبرالية طابع المساواة واللاعرقية على نحو واضح، مع الاحتفاظ ضمنيًا بنزعة عنصرية خفية. ولم يُعُد في الإمكان تجنّب هذا التوتر بعد الآن. فالحياة خارج مراكز السلالة الليبرالية تُطِّوِر عصبيات بديلة، وهو ما يهدد بتقويض سلطة السلالة الليبرالية، واستبدالها. ولا تزال المسألة المتعلقة بطبيعة حكم السلالة الجديدة أمرًا لم تتضح معالمه بعد. يقدّم النص السابق لمحة عن أزمة النظام الدولي الليبرالي2 Liberal International Order, LIO، وفقًا لتفسير شعري ملهم من منظور فكر ابن خلدون 3 السياسي، وهو مؤرخ وعالم اجتماع ينتمي إلى القرن الرابع عشر. وعلى الرغم من أن النظام الدولي الليبرالي قد واجه أزمات من قبل، فإن الغريب في الأزمة الراهنة هو التجسد الظاهري لميول لاليبرالية سواء في الداخل أو الخارج؛ إنه مركز "يعتقد أن النظام الدولي الليبرالي قد قَّوَض دعائم التفوّق الغربي"، وأطراف ترى النظام الدولي الليبرالي بوصفه "تجسيدًا آخر للتفوّق الغربي" 4. وباستخدام أدوات ابن خلدون المفهومية على غرار العصبية5 (شعور الجماعة) والعمران 6 (نظرية التغّي روالتعاقب7)، سنربط بين الأدبيات التي تعالج الأزمة والليبرالية والعرق لتقديم التأملات بشأن هذه الأزمة. نحاجّ بأن ما يكمن خلف الأزمة الحالية هو توتر لا يمكن تجنّبه بين المبادئ الأسطورية التي تتخيلها الليبرالية بشأن المساواة والنزعة العنصرية الفاعلة Operative Racism والمؤثّرة في النظام الدولي
الليبرالي. وعلى الرغم من الفوائد المتعددة التي يمكن أن تُنسب إلى النظام الدولي الليبرالي فيما يتعلق بالأمن والتجارة الحرة والدفاع عن حقوق الإنسان 8، يجادل الباحثون بأن النظام الدولي الليبرالي يظل "مجرّد نسخة ألطف من أنماط النظم الدولية السابقة التي تتسم بالمركزية الغربية والتراتبية وتمتد جذورها إلى النظام الكولونيالي في القرن التاسع عشر" 9. ومن المهمّ جًّدًا الإقرار بأن العرق ليس سوى أحد أشكال هذه التراتبيات، إلى جانب الجنس والطبقة10. غير أن هذه الدراسة تستجيب للدعوات الصريحة التي ترمي إلى وضع التراتبية العرقية في موضعها الملائم في سياق فهم عملية إنتاج النظام/ اللانظام في بنية النظام الدولي الليبرالي 11. ومع أن التراتبية العرقية تَُعَدّ في بعض الأحيان بمنزلة أثر جانبي "مؤسف" 12، فإنها جزء من عملية جدلية يؤِّمِن فيها النظام الليبرالي الحريات للسكان البيض في الوقت نفسه الذي يرفض فيه منح السكان غير البيض هذه الحريات 13. وبالنسبة إلى البعض، فإن هذه التراتبية بين الشعوب "المتحضرة" و"الهمجية" تترك الأخلاق الليبرالية في وضع لا يمكن إصلاحه لأغراض التطبيق العملي 14. وتتيح مساهمة ابن خلدون النظرية وعدّته المفهومية إمكانية إعادة تأطير هذه المشكلة. يتكشف حجاجنا عبر ثلاث خطوات. نراجع في الخطوة الأولى أدبيات أزمة النظام الدولي الليبرالي، من أجل تصنيفها إلى ثلاثة منظورات. فثمة وجهة النظر "التجديدية"، المتوافقة مع النزعة الدولية الليبرالية Internationalism Liberal، التي ترى أن النظام الدولي الليبرالي قابل للإصلاح، وُتُرجع أخطاء الأزمة الراهنة إلى عيوب في الحوكمة بدلًامن إلقاء اللوم على المبادئ. وثمة وجهة نظر "العودة" التي تتنبأ بردّة نحو سياسة القوى العظمى أو الصراع الطبقي، وتفترض أن النظام الليبرالي يستند إلى سوء فهم لطبيعة السلطة. وأخيرًا، وجهة نظر "إعادة التخيل" التي تسعى لأنماط بديلة وغير كونية من النظام الدولي. وتنحاز هذه الدراسة إلى منظور "إعادة التخيل"، من خلال استكشاف صلة فكر ابن خلدون بهذا السياق. وأما الخطوة الثانية، فهي تقديم ابن خلدون بوصفه منظّرًا "غير غربي" 15، واستعراض مفاهيمه عن العصبية والعمران. والعامل الأهم في هذا السياق هو أن نظرية ابن خلدون في النظام ترفض أبنية الهوية الكونية الجامدة التي عادة ما نجدها في حقل العلاقات الدولية، والتي يمكن بخلاف ذلك أن تعترض سبيل إعادة تخيّل أشكال جديدة من الُّنُظُم. وفي الخطوة الثالثة، نستخدم مفهوم العصبية لتأطير أزمة النظام الدولي الليبرالي، لا بوصفها إخفاقًا في الحوكمة، أو بوصفها علامةً على أن النظام
الليبرالي يمثّل ظاهرة سطحية ترتبط بالصور المختلفة من واقع العلاقات الدولية، بل باعتبار أن النظام الليبرالي يواجه أزمة تتعلق بتنافر داخلي في تكوينه أو عصبيته. لقد استند نجاح النظام الدولي الليبرالي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، من بين عوامل أخرى، إلى تفوّق العرق الأبيض 16. وظل هذا النظام، بعد عام 1945، محافظًا على بنيته العنصرية على الرغم من مبادئه المناهضة للعنصرية، وهو ما تسبّب في انفصاٍلٍ بين سردية واضحة قوامها المساواة العرقية ونزعة ضمنية تقوم على تفوّق العرق الأبيض. وعلى هذا الأساس، حتى حينما كافحت الليبرالية في سبيل قدر أعظم من المساواة العرقية، نجد أنها استمرت، على المستوى الكوني، في الاعتماد على تمييزات قائمة على العرق، خاصة في سياساتها الخارجية التي تسبّبت على نحو مجحف في الإضرار بالجماعات السكانية التي جرى تصنيفها على أساس العرق Racialised، وفي ممارساتها الاقتصادية التي تستغل سكان الجنوب لمصلحة الشمال الكبير. وعلى نحو لافت، يقدّم هذا التحليل أيضًا استبصارات أعمق في معنى نظم الحكم "اللاليبرالية" ومضمونها في أوروبا وأميركا الشمالية، والتي عادة ما يُنظر إليها بوصفها مُنَّظَمةً ضد النظام الليبرالي 17. ولا تمثّل النزعة اللاليبرالية Illiberalism 18 رفضًا صريحًا لليبرالية، بل تنشأ من خلال علاقتها بها، وتستمد قوتها منها، بل تعتنق بعض جوانبها أيضًا 19. ويساعدنا مفهوم العصبية في المحاجّة بأن "اللاليبرالية" في جوهرها ليست رفضًا للنظام الليبرالي، بل محاولة لإعادة تأسيس التراتبيات التاريخية لذلك النظام، مثل محاولة إعادة تأسيس تفوّق العرق الأبيض. ومن ثمّ، لا يتعلق جوهر المسألة (أو بالأحرى لا يتعلق فحسب) بأن بعض الممارسات في نظم الحكم الغربية تُصنّف على سبيل الخطأ بوصفها "لاليبرالية"، بل يتعلق بأن هذه اللاليبرالية تُصَّوَر زيفًا على أنها مغتربة عن النظام الليبرالي أو مناقضة له. تبّي نمساهمتنا، على نحو أعمّ، كيف أن أعمال ابن خلدون تقدّم استبصارات ورؤى قيّمة في حقل العلاقات الدولية. وعلى الرغم من أنه شخصية أقل حضورًا وانتشارًا في هذا الحقل، فإن تراثه الفكري يظل موضوعًا للنقاش والتنازع 20. وقد نُظر إلى كتابه المقدمة (والذي
مقدمة للتاريخ) بوصفه عملًاواقعيًاُتُرجم بعنوان Realist 21، وما بعد حداثي Postmodernist 22، في حين يحاجّ آخرون بأن ابن خلدون لا يمثّل أًّيًا من هذين الاتجاهين النظريين، ويحذّرون من محاولة تطويع أفكاره من أجل ملاءمة الفئات الحديثة لتصنيف الأفكار أو "النمط الغربي من النظريات الكبرى في التاريخ والمجتمع" 23. والأمر المؤكد في هذا السياق هو أنه يستند إلى نظرية في التاريخ سابقة على عصر التنوير، وتختلف تمامًا عن النظرية الداعمة للتقليد الليبرالي الغائي. وبالنسبة إليه، ستنهار النظم السياسية حتمًافي نهاية المطاف عندما تصل إلى ذروة تقدّمها وانتصارها، وينبغي أن يشكّل هذا مصدر إلهام للتحوّل. ليس هذا مجرّد تفسير نسبوي Relativist ودوري Cyclical للنظام؛ إذ يقدّم ابن خلدون تمييزًا معياريًا بين النظم الحسنة والسيئة، ويشير تحليلنا إلى أن أيّ حل إيجابي لأزمة النظام الدولي الليبرالي ينبغي أن يبدأ من اعتراف واضح بالتوتر، الذي لم يَُحََّلَ، والمدمّر أيضًا بين ادعاء هذا النظام بأنه ذو طابع كوني وارتكازه على نحو راسخ على العرق الأبيض.
أولًا: توظيف "كلمة العرق R-word ": ملاحظة بشأن تحديد المصطلحات
نبدأ بتقديم توضيح للمصطلحات التي نستقيها من الأدبيات المعنية بالعرق والعنصرية. فالمفاهيم التي نستخدمها في حقل العلاقات الدولية، وهذه الدراسة ليست استثناء من ذلك، فهي مثقلةٌ بالسياسة العرقية والكولونيالية24 الملازمة للحداثة السياسية25. وُتُنتج الأخيرة ذاتًا إنسانيةًافتراضية (الرجل "الغربي" الأبيض) بوصفها طبيعة، ومحايدة وكونية، بينما تصَّوَر الطرائق غير البيضاء في الوجود بأنها معيبة وشاذة أو فائضة عن حاجة العالم الحديث 26. وثمة سلسلة من العلاقات التي توطّن هذه الذاتيات في بنية النظام الدولي المعاصر؛ إذ يتضافر النظام الدولي الليبرالي مع الحداثة، التي تتضافر مع الكولونيالية، في حين تتضافر الأخيرة مع العنصرية 27. وعلى الرغم من أن الأدبيات النقدية حول النظام الدولي الليبرالي توظف بسهولة مصطلحات، على غرار الكولونيالية والإمبريالية والعنصرية، فإننا ننحاز إلى الأبحاث التي تمضي خطوة أبعد، وتحاجّ بأن "تفوّق العرق الأبيض" على وجه التحديد هو المحرك الأساسي للعلاقات الدولية، سواء بوصفها حقلًامعرفيًا IR أو بوصفها ممارسة ir 28. إن تفوّق العرق الأبيض هو "منطق للتنظيم الاجتماعي يتّسم بأنه معقد في تركيبه الداخلي، وديناميّ من الوجهة التاريخية، وليس مجرّد فئة
أيديولوجية أو سياسية مفردة" 29. ولا تتمحور هذه الطبيعة النظمية Systemic لتفوّق العرق الأبيض حول المعتقدات الشخصية، التمييزية التي يعتنقها الأفراد، بل تتمحور حول "أنظمة السلطة" of Systems Power30، و"الأيديولوجيا العرقية Racial Ideology "31، و"البنى أو، 32 Socio-intellectual Structures " - الفكرية الاجتماعية التراتبيات الكولونيالية 33 التي تبرر ضمنيًا تنظيم العالم من خلال فكرة العرق. وعلى نحو مشابه، وعلى الرغم من أن تفوّق العرق الأبيض يعمل على إضفاء صبغة البياض على النظام العالمي، من خلال ("تطبيع) البيض بوصفهم الجماعة المهيمنة في المجتمع (والتي[...]تتربع على قمة التراتبية العرقية") 34، فإن سمة "البياض " Whiteness (وأيضًا العرق والعنصرية والسواد Blackness، وما إلى ذلك) لا تشير إلى سمات بيولوجية، بل تشير إلى محدداٍتٍ اجتماعية للجماعات، مُشتقةٍ من سمات ظاهرية 35. ويتغّي رمعنى سمة البياض ذاتها بمرور الزمن، "من خلال مجموعة متنوعة من التسويغات المتمايزة، التي عادة ما تتقاطع ويعضد بعضها بعضًا، وتتلمس جذورها بصورة أولية في اللاهوت، ثم البيولوجيا، ولاحقًا في الأنثروبولوجيا" 36، على نحو يجعلها تتطابق مع التغّي رات في نظرتنا إلى من حسبناه "أبيَضَ" ومن لم نحسبه كذلك. وعلى هذا الأساس، يمكن أن تقدّم فكرة تفوّق العرق الأبيض مزيدًا من القوة التفسيرية والتحديد، على نحو يفوق مصطلحات أخرى مختلفة، مثل الكولونيالية والإمبريالية أو العنصرية، فيما يتعلق بالإجابة عن سؤال لماذا نُظر إلى بعض الشعوب بوصفها أدنى منزلة من غيرها. وإذا أخذنا الولايات المتحدة مث لًا، فسنتبّي نأن "الكولونيالية" تجد صعوبة في احتواء فكرة السيطرة على العبيد السود والإبقاء عليها من الوجهة التصورية، إلى جانب مصادرة أراضي السكان الأصلانيين وانتزاع ملكيتها والحكم التمييزي لهاواي والمناطق التي خضعت للسيادة الإسبانية في السابق. والعنصر الذي يوحّد هذه الأمثلة المختلفة من التمييز العرقي هو فكرة تفوّق العرق الأبيض 37. إن سمة البياض، ومدى الاقتراب منها إدراكيًا، "تصنف" الشعوب بوصفها ""قبلية Tribal تمامًا، وعلى درجة (أقل) نوعًا ما من "التحضر" 38، أو تمِّيِز بين "البيض، لكنهم ليسوا بيضًا بالكامل"، مثل الأوروبيين الشرقيين وجيرانهم من الأوروبيين الغربيين 39. ويقدّم مفهوم ابن خلدون عن العصبية، من خلال ربطه بين النظام والهوية المشتركة والتضامن، إطارًا لفهم هذا البياض النظمي في سياق أزمة النظام الدولي الليبرالي.
ثانيًا: تعّق ل الأزمة: التجديد أو العودة أو إعادة التخيل
قبل أن نقدّم إطار ابن خلدون، نوضّ ح الطريقة التي تُفهم بها أزمة النظام الدولي الليبرالي في الأدبيات السائدة. يُعرف هذا النظام عمومًا بوصفه "نظامًا ليبراليًا قائمًا على الهيمنة" 40 يقوم على نواة من المبادئ الليبرالية، مثل الديمقراطية واقتصادات السوق والتجارة الحرة 41 والمؤسسات العالمية وتعددية الأطراف42 وادعاءات صريحة بالمساواة، سواء أكان ذلك من خلال التزامات فلسفية بالمساواة الكونية Universal Equality 43 أم الدفاع عن حقوق المجموعات المهمشة 44، أم السعي للقضاء على اللامساواة الاقتصادية45. وعلى الرغم من الاتفاق الواسع على أن هذا النظام يمرّ بأزمة، فإن أسبابها تظل موضع خلاف؛ إذ يشير باحثون إلى أزمات متنوعة يمرّ بها هذا
النظام في سياقات تنامي اللامساواة الاقتصادية 46، والتجارة الحرة47، ونهضة الصين 48، وإخفاق القيادة49، والعرقية البنيوية50 وتراجع تعددية الأطراف 51، إضافة إلى عوامل أخرى. ولا تتوقف إمكانات التغّي رعلى التفسيرات المتنافسة لأسباب الأزمة فحسب، بل أيضًا على إن كان من الممكن تخيل بديل من النظام القائم. وبناء على هذه الأدبيات، نقترح ثلاث طرائق لإضفاء المعنى، سواء على الأزمة ذاتها، أو على الاستجابات المناسبة لها: تتمثّل الأولى في منظور "التجديد"
| الفئة | تفسير الأزمة | الأمثلة |
|---|---|---|
| التجديد | النظام الدولي الليبرالي سوف يتعافى/ يعيد ابتكار ذاته، من خلال اإلحفاظ على النزعة الليبرالية الدولية. | الإصلاح من خلال "المزيد" من الليبرالية أو من خلال ليبرالية "أفضل" . |
| العودة | يقف النظام الدولي الليبرالي بمنزلة حالة عارضة من النظام الدولي؛ وتعكس أزمته ديناميات قوة خفية وتبّش ربعودة إلى نمظم سابقة. | العودة إلى سياسة القوى العظمى، أو إعادة تعيين مركز الشروط المادية للسياسات الاقتصادية في سبيل تحديد طبيعة النظام السياسي (أو الأزمة)؛ أو المقاربات الإقليمية كما في نموذج العلاقات الدولية الصينية. |
| إعادة التخيل | تعّدّ أزمة النظام الدولي الليبرالي فرصة لإعادة التفكير (جذريًا) في طبيعة النظام الدولي، وربما يكون ذلك من خارج الإطار المعرفي القائم حاليًا في حقل العلاقات الدولية. | النظام المتعدد Multiplex، أو نظام التعددية الكونية Pluriversal. وفي هذا السياق، تحافظ انتقادات "الأزمة" على الحداثة السياسية والحدود المعرفية الفاصلة بين الاختصاصات. |
Renewal، المرتبط بالنزعة الليبرالية الدولية، والذي يرى أن النظام الدولي الليبرالي قابل للإنقاذ من خلال إدارة الأزمة؛ وتتمثّل الثانية في منظور "العودة" Return، الذي ينتقد فهم العلاقات الدولية الليبرالية للسلطة ويتنبأ بحدوث ردة نحو سياسة القوة العظمى أو الصراع الطبقي؛ وتتمثّل الثالثة في منظور "إعادة التخيل" Reimagine، الذي ينادي ببدائل، وصيغ غير كونية من النظام الدولي (ينظر الجدول.)
جدول يوضح فئات الأدبيات التي تعالج أزمة النظام الدولي الليبررالي
تحاجّ الفئة الأولى من الأدبيات، الموسومة بفئة "التجديد"، بأن النظام الدولي الليبرالي قادر على تحمّل الأزمة التي تواجهه. وبالنسبة إلى البعض، ترتبط الهيمنة الليبرالية بقوة الولايات المتحدة في النظام الدولي 52. ومع ذلك، وبصرف النظر عمّن يمارس القوة المهيمنة، تُفهم المبادئ الليبرالية بوصفها أفضل ضامن للسلام والأمن والعدالة 53.
ويحدث هذا عندما يدمج مفهوم "النظام" ببنيانه Construct "الغربي"، ذي الأصول الأوروبية، بحيث لا يكون ثمة إمكانية لقيام أيّ نظام من دون المبادئ الليبرالية "التأسيسية"، المتعلقة ب "السيادة الوطنية والليبرالية الاقتصادية والتعددية الشاملة Inclusive القائمة على القواعد "Rule-based 54. ويقرّ الليبراليون الدوليون بالعديد من أسباب الأزمة التي أسلفنا ذكرها، مثل تدهور الولايات المتحدة وصعود الأنظمة السلطوية 55، وبزوغ الإمبريالية وتنامي اللامساواة الاقتصادية 56، فضلًاعن التنازع الداخلي حول معايير النظام الليبرالي وقوانينه ومؤسساته 57. وتكتسي أهميةً قصوى الإشارة إلى أن هذه الأسباب تُفهم بوصفها خللًافي الأسلوب أو التقنية أو نتيجة لضغوط خارجية. وبحسب تعبير غيلفورد جون إيكنبيري 58، تكمن الأزمة "في السلطة؛ أي في الصراع حول طريقة إدارة النظام الليبرالي، لا في المبادئ الضمنية التي يقوم عليها النظام الدولي الليبرالي" 59. فمثلًا، على الرغم من الخطاب اللاليبرالي الذي ميّز الفترة الأولى من رئاسة [دونالد] ترمب، حاجّ ماع ف ينوثحاب 8102 نم لامًاااش ايلك لايًاادب نلاآ ىتح دهشن ل"م اننأب 'الانخراط الليبرالي' والكوني الذي مارسته الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب الباردة" 60. وعلى نحو مماثل، وعلى الرغم من أن النظام الدولي الليبرالي أصبح معَّرَفًا ب "لامساواة طاغية من الأعلى"، وأثار معارضة واسعة النطاق للتجارة الحرة والهجرة، فإن هذه الظواهر لا يُنظر إليها بوصفها إدانة للاقتصاد الليبرالي والتعددية، بل دعوة لتصحيح "نقاطه العمياء" 61 Spots Blind هذه وتداركها. ويحافظ مثل هذا التحليل على "المعالم والمقومات الجوهرية للنظام الدولي الليبرالي" 62، ويضع الأزمة الراهنة في سياق أزمات أخرى، ذات منشأ خارجي: مثل الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، أو تنظيم القاعدة خلال الحرب العالمية على الإرهاب، أو حتى الثقافات وممارسات وول ستريت المؤسسية المنفلتة خلال الأزمة المالية. وبهذه الطريقة، تُفهم الأزمات على أنها تحديات خارجية المنشأ تُستخدم لتبرير إعادة تأكيد النظام الليبرالي وتكيّفه واستمراره في النمو. أمّا الفئة الثانية من الأدبيات، الموسومة بفئة "العودة"، فتفرّس رالأزمة بوصفها تبشيرًا بعودة نظم سياسية يُفترض أن الليبرالية قد تجاوزتها. ويظهر هذا النوع من النقد في التفسيرات الواقعية التي تصف النظام الدولي الليبرالي بأنه أسطورة، أو وعد زائف أو مشروع فاشل ساهم في خلق الأزمة الراهنة 63. وثمة مقارنات شبيهة بذلك في كتاب إي. إتش.. The Twenty Years' Crisis أزمة الأعوام العشرين، كار E. H. Carr وعلى الرغم من أن إيكنبيري 64 يرفض هذا التفسير ل "لحظة يستطيع فيها الواقعيون تصدّر المشهد والقول إن الليبراليين المثاليين كانوا مخطئين تمامًا"، فإن آخرين يرون أن هذه المقارنة في محلها. وبحسب كريستوفر لاين، يعمل المدافعون عن النظام الدولي الليبرالي تحت مظلة الاعتقاد الزائف الذي مفاده أن "تنافس القوى العظمى وصراعها يمكن تجاوزهما من خلال المؤسسات والقواعد والمعايير الدولية[...]لكن، ليست هذه هي الطريقة التي تجري بها الأمور في العالم الواقعي" 65. وعلى نحو شبيه بذلك، يدافع جون ميرشايمر 66 عن "عودةٍ إلى الأنظمة الواقعية التي ينبغي أن تُصاغ من أجل خدمة مصالح الولايات المتحدة وتحقيقها" 67. ويظهر إطار "العودة" أيضًا في المقاربات النقدية التي تفرّس رالأزمة من خلال التراتبيات الطبقية العابرة للحدود الوطنية 68. ويجادل إندرجيت بارمار69 بأن الليبراليين الدوليين يسيئون فهم ديناميات السلطة، بتغاضيهم عن البعد الطبقي، ومن ثم يشخّصون اللامساواة خطأ بوصفها تهديدًا للنظام الدولي الليبرالي، بدلًامن كونها "من ديناميات النظام ذاته؛ أي لامساواة طبقية يوجّهها السوق، وتتفاقم في مجتمع تبرز فيه السياسة الطبقية العنصرية." وبطرائق مختلفة، تتنبأ هذه التشخيصات للأسس التي يقوم عليها النظام الدولي بعودة الصراع، الدولتي أو الطبقي، المألوف في النقاشات الكبرى في حقل العلاقات الدولية.
أما الفئة الثالثة، وهي الأخيرة، من الأدبيات، الموسومة ب "إعادة التخيل"، فتدعو إلى إعادة تقييم النزعة الكونية Universalism في حقل العلاقات الدولية، أو على حد تعبير أميتاف أتشاريا 70 "النزعة الكونية الأحادية، التي مؤداها أن ثمة مبادئ كونية واحدة 'تنطبق على الجميع"' 71. ووفقًا لهذا المنظور، يجري تناول النظام الدولي الليبرالي بوصفه أزمة في الحداثة السياسية، وفرصة لإعادة تخيّلها؛ فليست الليبرالية ذاتها هي ما ينبغي رفضه، بل الكونية الليبرالية 72. ويزعم الليبراليون الدوليون أن النظام الدولي الليبرالي يستطيع أن يقدّم للجميع هوية آمنة ومثيرة للإعجاب كونيًا ووعدًا ب "حياة خّيةر"، محورها مبدأ الاعتماد المتبادل. ويخفق الإيمان بهذا المبدأ في تفسير مظاهر الظلم التاريخية واستمرار مظاهر اللامساواة المتجذرة في الكولونيالية والعنصرية والتراتبيات الجندرية. وقد بّي نباحثون كيف أن هذه التراتبيات تحافظ على استمراريتها في النظام الليبرالي، لا على هوامش "العالم الغربي" فحسب، بل في قلب إمبراطوريته نفسها 73. وقد عّب رت ريبيكا أدلر نيسن وعائشة زاراكول عن ذلك بوصفه "تهمة بالنفاق" تُقوّض فيها البنى الاجتماعيُةُ التراتبيُةُ، والالتزاُمُ الانتقاُئّيُ بمبادئ العدالة والمساواة المعلنة، دعائَمَ شرعية النظام الدولي الليبرالي وُتُغذّي الأزمة التي يُفترض أن تواجهه. ويفرّس ر هذا كيف أن النظام قد أنتج ثنائية بين الدول الموجودة على هامش "الغرب"، والتي تُلقي باللوم على هذا النظام لإخفاقه في الوفاء بوعد المساواة الاجتماعية والاقتصادية، ومجموعة دول المركز التي تشعر بأنها تتملك "الغرب" وتلقي باللوم على النظام ذاته لإخفاقه في حماية الامتيازات التي تشعر بأنها تستحقها 74. وعلاوةً على ذلك، تكشف نشأة صيغ جديدة من التعاون بين دول الجنوب، بعضها مع بعض (والتي قد تتجلى في بعضها صورة مشابهة من علاقات التراتبية وعدم التكافؤ)، عن وجود بدائل من النظام الليبرالي 75. وتبدأ عملية إعادة التخيل من "القبول بأن النظام الدولي الليبرالي لن يكون نظامًا كونيًا يمتد عبر الكوكب، بل من الأرجح أن يكون مجرّد نظام واحد من بين أنظمة متعددة" 76. وبوضع أزمة النظام الدولي الليبرالي "خارج" نطاق المبادئ الأساسية للنظام الدولي، يمثّل منظور الفئة الأولى؛ أي منظور "التجديد"، أحد أشكال "إدارة الأزمة"، الذي يتعامل مع الفوضى بوصفها شيئًا يمكن معالجته من خلال "محاولات حل المشكلات، أو تصميم حلول تقنية وابتكارها" للحفاظ على الوضع القائم 77. ووفقًا لتفسير كولومبا بيبلز، ف "بدلًامن زعزعة سرديات النظام والتقدم الليبرالَييَن وافتراضاتهما، فإنه غالبًا ما تميل الادعاءات بوجود أزمة في الأدبيات التي تعالج أزمة النظام الدولي الليبرالي إلى إعادة إنتاج السرديات والافتراضات نفسها" 78. وحتى الفئة الثانية من الأدبيات؛ أي أدبيات العودة، فإنها تتسم بالمركزية الأوروبية في بنيتها الأنطولوجية التي تبدو كونية في ظاهرها 79. والأهم من ذلك أن المرء لا يستطيع "إدارة أزمة" ناجمة عن الوضع القائم الذي يسعى للحفاظ عليه. تمثّل إعادة تخيّل بدائل من النظام الدولي الليبرالي تحديًا جوهريًا. وكما بَّيَنت ترين فلوكهارت باستخدام نظرية الأمن الأنطولوجي80، تبدو الاستجابة عن طريق إدارة الأزمة جذّابة في أعين أولئك الذين ترتبط هويتهم بالرؤية الليبرالية الكونية. وسوف تتضمن إعادة تخيّل النظام الدولي، على العكس من ذلك، تخليًا عن المبادئ التي وفّرت حتى الآن سردية الأمن والاستقرار 81. وعند مواجهة احتمال أن تكون كونية النظام الدولي الليبرالي ذاتها سببًا في انهياره، تنشأ مفارقةٌ
مفادها أن إعادة تخيّل نظام غير كوني Non-universal تتطلب وجود فاعلية Agency، والفاعلية تتطلب هوية آمنة، وقد قامت هذه الهوية على المبادئ الليبرالية الكونية. وبالنسبة إلى الكثيرين، تتطلب ممارسة الفاعلية لإعادة تخيّل النظام الدولي الليبرالي تخلّيًا عن جوهر المسألة برمّتها (أي السمة الكونية)، الذي يعتمد عليه الأمن الليبرالي، ومن ثم، الفاعلية نفسها. وفي سياق مهمة إعادة التخيل المفترضة تلك، تأتي هذه الدراسة.
ثالثًا: العصبية والنظام: مخرج ابن خلدون من إدارة أزمة النظام الدولي الليبرالي
لا يكمن النظام، بالنسبة إلى ابن خلدون، في الحفاظ على هوية ثابتة ومتجانسة، بل في التنبؤ بأن القيم سوف ينالها التغّي ر. وعلى هذا الأساس، فإن الاستمرار في السعي خلف مجموعة من القيم الناظمة Ordering، التي لم تعد تأسيسية أو متسقة، من شأنه أن يؤدي إلى انتفاء النظام. ومن ثمّ، تتوقع نظرية ابن خلدون من الفاعلين السعي لامتلاك ذوات جوهرية ونقد القيم من دون تعريض أمنهم الأنطولوجي للخطر. وفي هذا القسم من الدراسة، نفرّس رأداَت يابن خلدون المفهوميتين ونطبّقهما؛ أي العصبية والعمران 82. ومن خلالهما، نحاجّ بأن أحد عناصر أزمة النظام الدولي الليبرالي يتمثّل في التعارض بين شعوره الجماعي بتفوّق العرق الأبيض وادعائه السمة الكونية. تُعَّرَف العصبية بأنها القرابة والولاء والشعور الجماعي أو التضامن الجماعي. ويحاجّ ابن خلدون بأن البشرية تتشكل بالضرورة من جماعات منفصلة، ويسعى لتفسير تغلّب بعض الجماعات على غيرها 83، مُشيرًا إلى أن البشر "لا يمكنهم الحياة والوجود إلا من خلال تنظيم اجتماعي" 84. ومن خلال العصبية يستتب الاستقرار السياسي. وعلى أحد المستويات، يرتبط هذا الاستقرار مباشرة بروابط الدم والقرابة كما ورد في المقدمة: "احترام روابط الدم أمر طبيعي بين البشر[...] 85 ويؤدي إلى الإيثار والمودة تجاه الأقارب "86. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن العصبية يمكن أن تنشأ عن روابط الدم والقرابة، فإنها تنطبق أيضًا على المجتمعات والكيانات السياسية. وتتمحور حول الكيفية التي "تحفز بها هذه العلاقة المخيلة" 87. ويزعم ابن خلدون 88 أن "المعنى الوحيد للانتماء إلى جماعة أو أخرى يتمثل في الخضوع لقوانينها وظروفها[...]ومع مرور الزمن، يُنسى الأصل العرقي تقريبًا" 89. وتنطبق الإشارة إلى القوانين والشروط المشتركة، بوصفها بديلًامن روابط الدم على البنى الاجتماعية الأوسع مثل الأمة؛ ما يؤدي إلى فهم دور العرق في فكر ابن خلدون بوصفه نظميًا. وفي هذه Socially Constructed ومبنيًا اجتماعيًاSystemic الحالة، من الممكن أن تُفهم العصبية بوصفها مكافئًا لدواٍّلٍ جماعية، أو "الجماعات 90Collective Signifiers مثل الجنسية Nationality 91السياسية الحديثة النشأة Nascent Political Community " لدى الليبراليين الدوليين أو، كما سنجادل لاحقًا، المعيار العالمي لتفوّق العرق الأبيض 92. يزعم ابن خلدون أن الوظيفة الأساسية "للعصبية" هي أنها "تخلق القدرة على الدفاع عن النفس، ومواجهة التحديات، وحماية
الذات" 93. وثمّة تشابهات واضحة هنا مع تأكيد نظرية الأمن الأنطولوجي على أن الفاعلين الاجتماعيين يحتاجون إلى سرديات خاصة بالسيرة الذاتية وينتجونها، توفر "أمنًا للذات" وقدرةً أوسع على الفاعلية 94. وتقدّم مثل هذه السرديات "تحصينًا عاطفيًا ضد مظاهر القلق الوجودي" 95، وإطارًا معرفيًا يمكن أن يتعقّل الفاعلون من خلاله خبراتهم وعلاقاتهم، بما يمنحهم "شعورًا بالطمأنينة والثقة باأن العالم هو على ما يبدو عليه فعل " 96. ويتجسّد الإحساس بالذات في الدوالّ الجماعية، على غرار المعاهدات والمعايير والمؤسسات في النظام الدولي الليبرالي. وعلى النقيض من ذلك، يستبدّ بالفاعل غير الآمن أنطولوجيًا القلق بسهولة، ويتردّد في القيام بأيّ فعل خارج المجال العملي اللازم، للحفاظ على مصالحه المباشرة 97. ومثلما تستمدّ نظرية الأمن الأنطولوجي تحليلها للنظام الدولي من دراسة القلق الفردي، فإن ابن خلدون أيضًا يصف نظامًا يقوم على روابط الدم والأنساب والسلالات التي تبدأ على المستوى الفردي ثم ترتقي تدريجيًا حتى تصل إلى الوحدات السياسية الأكبر. ويمكننا أن نكون أكثر دقة من الناحية المنهجية استنادًا إلى الأدبيات الموجودة فعلًا؛ ذلك أنه يجري تفعيل العصبية بوصفها تضامنًا يقوم على "عوامل التشابه، لا الاختلاف" 98. وتشمل الجوانب المختلفة من الحياة الاجتماعية، التي تخلق هذا التشابه، المعاييَرَ والسلوك الاجتماعي، والمبادَئَ المتعلقة بالممارسة المشروعة للسلطة والملكية، والأخلاَقَ العامة وأنماَطَ الاعتماد المتبادل 99. ومن اللافت أن محمد كوركوسوز 100 يقدّم النزعة الليبرالية الدولية بوصفها عصبيةً عالمية، تتمحور حول القيم الكانطية واقتصادات السوق الحر 101. من الممكن تطبيق هذه السمات الخاصة بالعصبية على مفهوم سمة البياض Whiteness. وكما أسلفنا، لا تمثّل سمة البياض التراتبية الوحيدة الحاضرة في قلب النظام الدولي الليبرالي، ولكنها التراتبية التي يبدو أن فكر ابن خلدون هو الأفضل والأجدر بتحليلها. ويمكن التفكير بهذه السمة بوصفها جزءًا من "عصبية" النظام الدولي الليبرالي، لأنها تتيح عنصر التشابه. وعلى الرغم من أن كون المرء ليبراليًا قد يُفهم كما هو شائع على أنه يعني النظر إليه بوصفه مواطنًا يملك حقوقًا ويتمتع بسيادة فردية، فإن سمة البياض من شأنها أن تفسر استمرارية النظام الليبرالي على نحو أسهل من أيّ تصور عن الحقوق. لقد قدّمت صورة "الحضارة" النمطية تعريفًا ووصفًا للشعوب البيضاء في العالم يصوّرها كما لو كانت كيانًا متجانسًا ومتماسكًا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وبهذا المعنى، جرى تقديم سمة البياض على أنها تَشَارُكُ بعض العناصر الجوهرية من الروح أو العقل أو طريقة العيش 102. ففي عام 1911، على سبيل المثال، كتب ليونارد تريلاوني هوبهاوس 103 قائلًاإن الإمبراطورية البريطانية كانت متماسكة بفعل "شعور بالوحدة يتخلل سكانها البيض ويسري بينهم." وعلى نحو مماثل، أصبحت سمة البياض بمنزلة أداة لتشكيل الروابط الثقافية والسياسية الأنكلو-أميركية في خضمّ قلق بريطانيا إزاء تراجع قوتها ومكانتها 104. وتشكّل هذه العنصرية جزءًا راسخًا ومتسقًا من النظام الليبرالي، شأنها تمامًا شأن مفهوم المواطنين الذين يتمتعون بالحقوق 105. وتساعدنا مثل هذه الروابط على تجنّب مناقشة العنصرية ومعالجتها بوصفها انتهاكًا لمبادئ النظام الليبرالي 106، كما هو شائع في أدبيات "التجديد."
وحتى حين نحاجّ بوجود قدر من الاتساق (أي سمة البياض) عبر تاريخ النظام الدولي الليبرالي، فمن الضروري أن نقرّ بأن الليبرالية منتشرة ونافذة بقدر ما هي متعددة ومتناقضة. ففي حين يمكن تعريف النظام الدولي الليبرالي عمومًا، لا يمكن إطلاق تعميمات كلية مماثلة بشأن الليبرالية بوصفها مجموعة من "المبادئ الأيديولوجية" 107. وفي أفضل الأحوال، فإن الليبرالية هي "حصيلة الحجج التي "ُصُِّنِفت بوصفها ليبرالية 108. وعلى هذا المنوال، يستخدم أليكس موندون مصطلَحَي الليبرالية واللاليبرالية بوصفهما "دالّتين فارغتين" Empty Signifiers109. وعلى الرغم من ذلك، فقد استند مهندسو النظام الليبررالي في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى "رؤية عرقية للحوكمة العالمية"، لتبرير العنف اللازم لإرساء دعائم هذا النظام والحفاظ عليه 110. وعلى هذا الأساس، لا نزعم أن تفوّق العرق الأبيض هو البنية الأيديولوجية الوحيدة للنظام الليبرالي، بل نرى أنه إحدى السمات الدائمة لعصبية النظام الليبرالي، من بين سمات أخرى، والتي ينبغي أخذها على محمل الجد لفهم أزمة النظام الدولي الليبرالي.
رابعًا: من العصبية إلى العمران
في حين نحاجّ بأن الُعُدّة النظرية لابن خلدون يمكن أن تتجاوب مع أدبيات حقل العلاقات الدولية، فإن ثمة اختلافات مثمرة بينهما. فالعصبية، في نهاية المطاف، تنشأ وتنهار على نحو حتمي، وبرفقتها تنشأ سلالات جديدة بحكّام جدد ومصادر جديدة للسلطة. وكما أشرنا سابقًا، يمثّل العمل على نحو جذري على إعادة تصوّر النظام الدولي تحدّيًا لأن ذلك سوف يتطلب التخلي عن هوية آمنة ومستقرة 111، بل إن بعض المنظورات في حقل العلاقات الدولية، مثل نظرية الأمن الأنطولوجي، تنطوي على نزعة محافظة ضمنية تَُطَِّبِع الوضع القائم، وتغلق الأفق في وجه ذاتيات بديلة أو تغيير سياسي. ويحدث ذلك عندما يُرى السعي للأمن الأنطولوجي بوصفه سلوكًا طبيعيًا؛ ما يؤدي إلى تطبيع مقاربةٍ لل (لا)نظام سياسي تقوم على إدارة أعراض القلق (من خلال تحديد الموضوعات الخِطِرة، أو التي تنطوي على مجازفة لغياب الأمن)، بدلًامن مساءلة الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي ذاته، والتي قد تكون سببًا جذريًا في الأزمة 112. وعلى النقيض من ذلك، يعتمد التحوّل الاجتماعي - السياسي العميق على التخلي عن ذاٍتٍ كانت حتى الآن آمنة ومستقرة داخليًا 113. وكما تجادل زاراكول 114، فإن توُّقُع وجود هوية آمنة "ليس عنصرًا أزليًا في الحالة الإنسانية، بل[...]نما في رحم شروط تاريخية وسوسيولوجية بعينها وفي زمان ومكان محدَدَين؛ أي في أوروبا الغربية" 115. إن تطبيع هذه العناصر بوصفها أساسًا للأمن "ُيُغلق إمكانية الرؤية والتعُّلُم من منظور سمة الآخر "Otherness 116. وتنطوي مثل هذه المقاربة بطبيعتها على نفور من التغيير الجذري، لأنها "تصوّر الإشباع الوجودي للذات بوصفه معتِمِدًا في المقام الأول على تصوّرات أنانية هيلع نوكت نأ يغبني الوم اهسفن نع تاذلا هدقتعت ال[م[...]نمو ثم][...]فإن العنف وعدم الانخراط، عندما يُنظر إليهما بوصفهما مفتاحين لتثبيت هوية الدولة الذاتية، يُخِّدلِان المنطق الكولونيالي للبقاء وتراكم السلطة" 117. يتجاوز ابن خلدون هذا المأزق، لأن العصبية من المفترض أن تتغّي ر. وعلى هذا الأساس، تستجيب عدّته المفهومية لأولئك الذين يسعون لبلورة منظور مختلف تجاه الآخر، وهو منظور من شأنه أن يحقق تعايشًا مشتركًا 118، أو يتخلى عما تقتضيه ذاتيةٌ Subjectivity ثابتةٌ ومغلقة 119. وتكمن آلية هذا التغّي رفي مفهوم ابن خلدون الثاني؛ أي العمران، الذي يقدّم مقاربة "غير غربية" للتنظير للنظام السياسي. ويميز ابن خلدون بين نوعين من المجتمعات: البداوة والحضر 120. وحياة
البداوة سابقة على حياة الحضر؛ إذ ينتقل أهل البداوة ممن يحظون بالثراء والقوة إلى المدن ويؤسسونها لما توفره مثل هذه الحياة من أسباب الراحة 121. وبغضّ النظر عن الفروق بين هذين النوعين من الحياة 122، فإن الأمر المهم لفهم التحّولّات في النظام السياسي هو أن حياة البداوة تخلق "عصبية" قوية، تتيح إمكانية غزو المدن الغنية. لكنّ حياة الحضر تُضعف "عصبية" المتغلبين، الذين ما يلبثون أن يُغلبوا على أيدي الموجة التالية من حياة البداوة 123. وهكذا تحرّك نظرية ابن خلدون في التغّي رالسياسي مزيجًا من الرضا الداخلي عن الذات أو الانحلال Decay، إلى جانب التحدي الخارجي 124. ونذهب إلى أن آليات ابن خلدون في تفسير تدهور العصبية تماثل نظيرتها في سياستنا العالمية المعاصرة. وتنقصنا هنا المساحة الكافية لتفصيل القول في هذه الفكرة على نحو كامل، لكننا نورد بعض الأمثلة فيما يلي. يحذّر ابن خلدون من أن السلالات يمكن أن تتفكك من خلال إساءة استخدام السلطة والفساد والصراعات الداخلية المدمرة 125. وغالبًا ما تُوظّف مثل هذه التشخيصات في الأدبيات المعاصرة في تفسير انهيار الأنظمة الأوتوقراطية ذات السلطة الشديدة التركيز 126. وثمة أيضًا تماثلات مباشرة مع الأدبيات المعاصرة حول أزمة النظام الدولي الليبرالي. فابن خلدون يحذّر من أن القادة الذين يولون القوانين وحدها ثقتهم يجازفون بفقدان "الصلابة" اللازمة لإنتاج عصبية قوية 127. ويشبه هذا إلى حد بعيد التحليلات التي ناقشناها سابقًا، والتي تزعم أن النظام الدولي الليبرالي لا يمكن الحفاظ عليه من خلال التمسك الأعمى بالمؤسسات القائمة على القواعد والقوانين. ففي هذا التحليل، كان بزوغ هذا النظام، بوصفه سلالة مهيمنة، مستندًا إلى رؤية أنانية وعنصرية للحوكمة العالمية 128 التي تحميها تلك القواعد والمؤسسات. لكنّ الاستمرار في الالتزام والتمسك بهذه القواعد والمؤسسات يفاقم الآن الشعور بالسخط وعدم الرضا بين الفئات الموجودة داخل المركز، والتي ترى أن تفوّقها (الأبيض) يتعرض للتقويض وتشعر بالانجذاب إلى خطابة قادةٍ يِعِدون باستعادة هذا الامتياز. ويتجلى ذلك بوضوح في المشهد السياسي الراهن للديمقراطيات الغربية. فقد استجاب القادة السياسيون، من الوسط 129، لهذا الشعور بعدم الرضا بإعادة تأكيد التزامهم بقواعد النظام الدولي الليبرالي وقوانينه وقيمه. وُيُعدّ مثل هذا الالتزام باتباع القواعد بمنزلة انسحاب واضح من ميدان السياسة والتغّي رالتحويلي 130. إنه يعكس منظور "التجديد" لأزمة النظام الدولي الليبرالي، الذي ينسب عدم الاستقرار إلى إخفاقات سابقة في التقنية، بدلًامن نسبته إلى تناقضات بنيوية. وتخفق مثل هذه المقاربة في إدراك أن هذه القواعد نفسها مُحتَضَ نة في المشكلات البنيوية الأوسع للنظام الليبرالي التي حددناها في هذه الدراسة. وفي الوقت نفسه، يكتسب اليمين العالمي الذي يحظى بتنظيم محكم زخمًامتزايدًا من خلال استغلال هذه الهواجس المتعلقة بالهوية والمكانة، وذلك، على سبيل المثال، عبر تصوير التعددية الثقافية Multiculturalism بوصفها تهديدًا ثقافيًا وأداة في أيدي نخب إدارية 131. وتعكس مثل هذه التطورات ادّعاء ابن خلدون بأن العصبية تتدهور بفعل التشذر، والتفكك الداخلي الناتج من استقطاب الثروة، والإحساس بأن الحكام (والقواعد) قد تخلّوا عن التزامهم بالتضامن الجماعي 132. يستند مفهوم العمران، بوصفه نظرية في التغّي ر، إلى نظرية في التاريخ تختلف كثيرًا عن مثيلتها في التقليد الليبرالي. فالمنظورات "الغربية" للأمن الأنطولوجي تجسّد صراحةً أو ضمنًا النزعة الدولتية Statism الأوروبية ما بعد الوستفالية أو محاولات إعادة تخيّل الذات كما لو كانت تمثّل أشك لًاكونية متفوّقة من النظام. أمّا العصبية، فلا تنطوي على مثل هذه الغائية Telos، سواء أكانت ليبرالية أم غير ليبرالية. فنظرية التغّي رالمستمدة من مفهوم العمران، تفترض أن العصبية لا يمكن أن تحظى بسمات مستقرة إلى ما لا نهاية. ومن المحتم في نهاية المطاف أن النظام السياسي سيلحقه التغّي ر، ويحدث هذا حين يبلغ النظام ذروة التقدم والانتصار. وكما يجادل رجب شنتورك وعلي نظام
الدين، يقوم العمران على مفارقة تحرّك التغّي روتوجّهه في السياسة الدولية، و"لا تبدأ [المجتمعات] في الانهيار نتيجة تخلفها وتدهورها، بل بعد أن تبلغ أوج التقدم[...]ومن ثم، يعادل الانتصار الأعظم نهاية [المجتمع"] 133. وبذلك يقدّم ابن خلدون نظرية تفرّس ركيفية تأمين الهوية، بوصفها عصبية، على الرغم من أنها تتغّي رحتمًا: من البداوة إلى الحضر، ومن القوة إلى الضعف، ثم تُستبدل بغيرها. وعلى هذا الأساس، يساعد مفهوم العمران في التخفيف من وطأة مشكلات الفاعلية وإعادة التخيّل في الأدبيات الموجودة حول النظام الدولي الليبرالي بطريقتين: أولًا، لأن مفهوم العمران بحكم طبيعته منفتح على تحّولّات جذرية في الذاتيات والتغّي رالبنيوي؛ وثانيًا، لأنه يتجاوز مشكلة الهويات التي تتحدد من خلال مناصبة الآخر العداء. فمثل هذه الهويات/ العصبيات لها دورة حياة خاصة بها. والعصبية التي تتأسس بطبيعتها على الصراع، وتتشكّل في مواجهة الآخر، هي أمر ينتقده ابن خلدون نفسه بوصفها شكلًاأدنى من العصبية، محكومًا عليه بأن يثقل كاهل أهله وأن يؤول إلى نهاية سريعة. بعد أن فرغنا من تقديم مفهوَمَي العصبية والعمران، ننتقل الآن إلى تطبيقهما على أزمة النظام الدولي الليبرالي. فليس تصوّر ابن خلدون للنظام العالمي دوريًا أو نسبويًا على نحو محض، بل هو منتٌجٌ خصب؛ فمع كل دورة جديدة، ثمة فاعلية من شأنها تحسين النظام. ويمكن أن تكون أزمة النظام الدولي الليبرالي أزمة مُنِتِجة، إذا ما أدرك الساعون لاستبداله كيفية ارتباط هذه الأزمة بالتوتر القائم بين أساطير النظام الليبرالي وسمة البياض المتأصلة في بنيته.
خامسًا: إنها ليست أزمة "لاليبرالية" من الداخل، بل أزمُة عصبيةٍ ليبرالية
تتجلى فكرة أن العصبية تضعف تحديدًا بفعل نجاحها، على نحو صريح، في النقاشات العلمية بشأن الأزمة؛ إذ يشير إيكنبيري، على سبيل المثال، إلى أزمة النظام الدولي الليبرالي بوصفها "أزمة نجاح" 134. ومع ذلك، يفترق مثل هذا التحليل عن تحليلنا، لأنه يضع حلّ الأزمة إمّا في قيادة أفضل 135، أو في غاية اجتماعية متجددة136. وما يجري صرف الانتباه عنه في مثل هذه التحليلات هو أن توسّع النظام الليبرالي، وعلى نحو لا يخلو من مفارقة، ينبغي أيضًا أن يقوّض النظام تتطلب بيئة لاليبرالية الليبرالي نفسه لأن "الليبرالية " 137. فالمركز الليبرالي لا يستطيع المضي في استغلال الفوائد والاستحواذ عليها من أطراٍفٍ بُسط إليها الآن وعٌدٌ بالمساواة الاجتماعية والاقتصادية. ومن الممكن تفسير ما ينتج من ذلك من تفكك النظام الليبرالي وتشظيه، استنادًا إلى ابن خلدون. وبناء على ما قدمه بيات يان، نستند إلى أدبيات صعود الأنظمة الديمقراطية "اللاليبرالية" في "مركز" النظام الدولي الليبرالي؛ فقد زعزعت مارلين لارويل 138 التمييز الواضح القائم على التقابل بين الليبرالية واللاليبرالية 139. فليست اللاليبرالية نقيض الليبرالية، بل بالأحرى هي في علاقة بها بوصفها "ما بعد ليبرالية" 140. فالدول التي تُصَّنَف بوصفها من دول "المركز" داخل النظام الدولي الليبرالي "لطالما انخرطت في ممارسات وضعت الصلاحية الشاملة للمذهب الليبرالي موضع المساءلة، سواء عبر إقصاء النساء، أو الفصل العنصري، أو تهميش الأقليات"، وينبغي فهم هذه الممارسات بوصفها نتاجًا لترجمة مُُثُل الليبرالية المتناَزَع عليها إلى وقائع عملية. وببساطة، "ثمة تيارات داخل الليبرالية ذاتها لاليبرالية " 141. وانطلاقًا من هذا الاضطراب، نمضي قُدمًا مع أليكس موندون 142 نحو مزيٍدٍ من زعزعة أسس التمييز بين الليبرالية واللاليبرالية؛ فهو يجادل 143، على العكس من العلاقة الأسطورية بين الليبرالية واللاليبرالية، بأن الليبرالية " الموجودة واقعيًا " كانت، بدرجات متفاوتة، بمنزلة عامل تمكين نشط، وليست سًّدًا منيعًا 144 في وجه اللاليبرالية. ودعمًالحجاجنا في هذه الدراسة، وبدلًامن النظر إلى الأنظمة اللاليبرالية بوصفها نقيضًا للنظام الدولي الليبرالي أو مقِّوِضةً له، يساعدنا مفهوم العصبية على المحاجّة بأن بزوغ الأنظمة "اللاليبرالية" في أوروبا وأميركا الشمالية يمثل إعادة تأكيد لتفوّق العرق الأبيض في النظام الليبرالي. ويأتي مثل هذا الطرح نتيجة لما ذهب إليه أندرو غاوثورب من إعادة النظر بطريقة إشكالية في التمييز بين السياسة الخارجية الليبرالية للولايات المتحدة بعد عام 1945 و"القطيعة" المزعومة مع هذا الإرث السياسي خلال ولاية ترمب الرئاسية الأولى. وبالأحرى، ثمة منطق عنصري للتراتبيات
و"النزعة الحضارية" Civilisationalism 145 يمثّل استمراريةً بين ترمب والسياسة الخارجية الأميركية السابقة له 146. وفيما يلي، نُبين كيف أن ابن خلدون يتيح لنا بناء حجج مماثلة، مع إحالة صريحة إلى التغّي رفي النظام الدولي. يصف ابن خلدون نوعين من البنى الحاكمة، أو السلالات الحاكمة. وهو يشير إلى كلا النوعين من السلالات بكلمة الُمُلك (بوصفه سلطة قائمة على حكم مَِلِك، وتتميز من سلطة الخليفة.) والنوع الأول من هذا الُمُلك تحكمه قوانين تُهذّب سلطة الحاكم ونفوذه. وهذا "ُمُلك يقوم على القانون" (ويسميه "الُمُلك السياسي)" 147. أما النوع الثاني فيدار بلا قوانين، وهو نوع من "السيادة المطلقة"، ويشير إليه ابن خلدون بوصفه "ُمُلكًا مطلقًا غير مقيد بالقانون" (الُمُلك الطبيعي) 148. ويحذّر من السلالات القائمة على النوع الأخير؛ أي الُمُلك المطلق غير المقيد بالقانون، لأن هذا النظام لا يتحقق إلا عبر "الغلبة والقهر"، ويؤدي إلى انحراف الحاكم "عن الحق" 149. ويشرح كيف أن قرارات الحاكم المطلق غير المقيد بالقانون "ستكون مدمرة لمصالح الناس الدنيوية في ظل حكمه" 150. وعلى النقيض من ذلك، يكون الُمُلك القائم على القانون أصلح للرعية، ومن ثم، لعمران المجتمع 151. ومن دون معايير سياسية للتحكم في سلوكه، يتعّي نعلى الحاكم المطلق مواجهة العصيان، و"الفتن وسفك الدماء" 152. قد يبدو أول وهلة أن الأنظمة الديمقراطية "اللاليبرالية" المزعِزِعة لاستقرار الليبرالية تمثّل دلالة على تحوّل نحو الُمُلك المطلق (الملك الطبيعي.) وقد تبدو الأمثلة الحديثة من السلوك "اللاليبرالي" في السياسة العالمية غير منسجمة مع هذا التصنيف للحاكم المطلق غير المقيّد بقانون والذي ينحرف "عن الحق." فقد أتاحت "الحرب على الإرهاب"، التي شُنّت باسم النظام الدولي الليبرالي، تحقيق تخيلات كولونيالية مثل تعذيب السجناء في أبو غريب 153، ووثقت استخدام التعذيب على نطاق أوسع عبر "أساليب الاستجواب المعَّزَزة" 154. وفي الآونة الأخيرة، لم يكتِفِ الرئيس ترمب بتأييد هذه السياسات، بل استمر في "تمديد نطاق الهيمنة الأميركية عبر أدوات لاليبرالية بالدرجة الأولى"، متخليًا عن الترويج لحقوق الإنسان، ومعرّب ا عن ازدراء المؤسسات الدولية وتقريظ، بل محاكاة، ممارسات الأنظمة السلطوية 155. وعلى الصعيد الداخلي، واجهت حركات المساواة العرقية ردة عكسية (أو "ردة نحو البيض" Whitlash) اتسمت بالاحتفاء بالإمبراطورية والعداء تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء غير البيض 156. وفي أوروبا، أعلن فيكتور أوربان، في عام 2014، أن "الدولة الجديدة التي نبنيها هي دولة لاليبرالية" 157. وقد أظهرت هنغاريا وبولندا عناصر مما يُعرف ب "الدليل اللاليبرالي" لتفكيك سيادة القانون وحقوق الإنسان 158. ويمكن رصد ملامح اللاليبرالية في سياسات حكومة جورجيا ميلوني Meloni Gioggia في إيطاليا، كما تتجلى في تقييد حقوق بعض الفئات في مجالات مثل الجندر
والهجرة 159. ويحذّر آخرون من أن الممارسات الحدودية للاتحاد الأوروبي أصبحت في تعارض جوهري مع المبادئ الليبرالية التي تقضي بتفادي الهيمنة 160. ومع ذلك، تُعدّ هذه الأحداث، التي يُفترض أنها "لاليبرالية" أو مزعزعة لاستقرار الليبرالية، في واقع الأمر مشروعة من منظور ابن خلدون، حتى إذا اقترنت هذه السياسات بخطابة سياسية Rhetoric ملتبسة، إن لم تكن معادية للخطاب الليبرالي Discourse بشأن المساواة. ونحاجّ بأن مثل هذه "اللاليبرالية" لا تمثّل مُْلْكًا غير مقيّد بالقوانين، بل إن هذه الديناميات "اللاليبرالية" بالأحرى تمثّل مُْلْكًا غير مقيد بقوانين ليبررالية -أسطورية Mythical-liberal. فمثل هذه تعيد تأكيد "القوانين الأنظمة، في حقيقة الأمر، " 161 الليبرالية كما تُفهم من خلال العصبية (أي تفوّق العرق الأبيض.) قد يثير هذا الادّعاء سؤلًابشأن الكيفية التي نرسم بها حدود النظام الليبرالي، وبشأن من ينبغي حسبانه ممثلًاله. فبعض هؤلاء القادة الذين نصنفهم على أنهم "لاليبراليون" يتموضعون في "أشباه أطراف" Semi-peripheries النظام الدولي الليبرالي. ومن الممكن حسبان أن أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقع جميعها فيما وراء أو خارج ديناميات الليبرالية، التي جرى إضفاء السمة العرقية عليها، بقدر عدم تواطئها مع تاريخ الإمبريالية "الغربية." غير أن الالتزام بسمة البياض حاضر في الفضاءات شبه الطرفية، وغالبًا ما يكون ذلك بطرائق تُظهر الكيفية التي تعمل بها سمة البياض على خلق بُنى سلطة تراتبية والحفاظ عليها 162. وحجتنا هي أن القادة "اللاليبراليين" يشتركون في سياسات جرى إضفاء السمة العرقية عليها و تضرب بجذورها في التزام النظام الدولي الليبرالي بسمة البياض بوصفها مبدأ تنظيميًا. وُتَُيَرِ رسالتقاليد الليبرالية سياسَةَ القومية - الإثنية المتجددة في المجر وإيطاليا وأماكن أخرى 163، على غرار ما قامت به العنصرية والإمبريالية في نُظُم عالمية ليبرالية سابقة رفضت صراحةًانتماء بعض تلك المناطق وعضويتها فيها 164. وفي كلتا الحالتين، فإن السياسات التي تُستنكر وُتُدان بوصفها "لاليبرالية" هي نتاج لسمة البياض، لأنها تقوم على تمييزات ذات صبغة عرقية بين ذاتية منظّمة وأخرى غير منظّمة أو متحّضر ة وأخرى غير متحّضر ة. وأما "القوانين" العامة التي توِّحِد عصبية النظام الليبرالي فهي قوانين تفوّق العرق الأبيض، وهو ما شكّل أحد أسباب نجاح السلالة الليبرالية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر 165. ومن الممكن أن نُطلق على السلالة الليبرالية في ذلك العصر اسم "السلالة الاستيطانية - الأوروبية"، التي كان تفوّق العرق الأبيض من المكونات الجوهرية ل "عصبيتها"، نظرًا إلى القبول الصريح بالعبودية والكولونيالية الاستيطانية في إطار هذا النظام الدولي الليبرالي. وقد استطاعت السلالة الاستيطانية - الأوروبية أن تذعن (في نهاية المطاف) للاستقلال الكولونيالي الأبيض في أميركا الشمالية ونيوزيلندا، على سبيل المثال 166، في الوقت نفسه الذي أنكرت فيه (واستبعدت) استقلال السود، كما في حالة هايتي 167. وقد أدّى نجاح السلالة الليبرالية الاستيطانية - الأوروبية إلى تناقضات عميقة داخلها؛ إذ بدأت عصبيتها في الضعف من جرّاء تصاعد المنافسة بين القوى الإمبريالية، وتنامي قوة حركات الاستقلال في المستعمرات، وما أفضت إليه الحرب العالمية الأولى من حمائية اقتصادية وأزمة اقتصادية 168. وبالنسبة إلى البعض، فإن السلالة الليبرالية التي نحيا في ظلها اليوم هي السلالة الليبرالية الوحيدة التي وُجدت في الماضي، و لا يرجع تكوينها إلى الحقبة الكولونيالية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بل إلى الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية 169. وعلى الرغم من ذلك، فإن ثمة استمرارية يجري التسليم بها. ولهذا يشير زولتان آي بوزاس إلى النظام الليبرالي في القرن العشرين بوصفه "النظام الدولي الليبرالي 2.0"، الذي "ينحاز إلى المساواة العرقية والأمم غير العرقية" 170، ولكنه
في الوقت نفسه يحافظ على "نزعة عنصرية مضمرة" 171، يمكن أن نسمّيها العنصرية البنيوية، بوصفها مبدأ منِّظِامًا. لم يكن النظام الدولي الليبرالي 2.0 سلالة استيطانية - أوروبية صريحة كما كان عليه الحال في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لأن "الصراع ضد النسخة النازية من مذهب تفوّق العرق الأبيض دفع القوى الأوروبية الكبرى إلى الشك في الإيمان بقدرها التاريخي بوصفها المبّش ربالحضارة وحامل لوائها إلى بقية العالم" 172. وفي حين أن كونستانس دونكوم وتيم دان لا يستخدمان مصطلح العنصرية لوصف الجانب "المظلم" من هذا النظام الليبرالي لحقبة ما بعد عام 1945، بل يستخدمان الإمبريالية، إلا أن ملاحظاتهما بشأن العناصر العنصرية/ الإمبريالية الكامنة في النزعة الإنسانية تظل قابلة للتطبيق؛ إذ "حتى مع تقدّم معيار تقرير المصير [...]، استمرت فكرة أن الشمال الأبيض الغني هو الوصي والمتحكم في مصير الشعوب المعرّضة للخطر في الجنوب الكبير بوصفها جزءًا من الترسانة الخطابية والمؤسسية للأمم المتحدة" 173. وعلى هذا الأساس يمكننا أن نطلق على النظام الدولي الليبرالي بعد عام 1945 مسمّى "السلالة العنصرية بنيويًا"، التي تتحدد عصبيتها من خلال التفوّق الضمني للعرق الأبيض. ويشير جون هوبسون إلى نوع مشابه من الديناميات بوصفها "مركزية أوروبية متسامية"؛ أي التحوّل من السلالة الاستيطانية - الأوروبية قبل عام 1945، والتي اتسمت بكونها عنصرية وإمبريالية صراحةً وضمنيًا، إلى سلالة عنصرية ضمنيًا (بنيويًا)، ولكنها تبدو في ظاهرها ضد الإمبريالية والعنصرية بعد عام 1945 174. وعلى هذا الأساس، تتشكل العنصرية، في سياق تفوّق العرق الأبيض، عبر ممارسات نظمية وتراتبية وذات سمة عرقية (مع الأخذ في الحسبان، كما ذكرنا من قبل، أن العرق لا يمثّل التراتبية الوحيدة الكامنة في قلب النظام الدولي الليبرالي.) على سبيل المثال، تتقوض دعائم التأكيدات على المساواة الليبرالية بفعل ملاحظات الأبحاث التي بيّنت أن الأسواق الرأسمالية تعتمد على تراتبيات عمل ذات سمة عرقية؛ أي تراكم للثروة والأمان لشمال الكوكب من خلال ممارسات اقتصادية استغلالية في فضاءات ومجتمعات مبنيّة خطابيًا بوصفها أدنى منزلة 175. وتمحو افتراضاٌتٌ، على غرار "الإنسان الاقتصادي" Economicus Homo؛ أي المبدأ الذي مفاده أن الأفراد يملكون فاعلية واسعة لاتخاذ القرارات وتحمّل مسؤوليتها، أشكاَلَ اللامساواة البنيوية، وذات السمة العرقية، في فرص الحياة، والتي تفرّس ر ظواهر مثل تقسيم العمل وتراكم الثروة وملكية الممتلكات والتدهور البيئي والمديونية العالمية 176. وعلى منوال ذلك أيضًا، وعلى الرغم من مزاعم حماية الحريات الأساسية من السلطة التعسفية، تسمح الأفكار الليبرالية بمصادرة الحريات، بما في ذلك الحق في الحياة، ممن يُنظر إليهم بوصفهم مصدرًا للتهديد، أو غرباء عن المألوف، أو خطرين 177. وعادة ما يصوّر تكثيف أنظمة الحدود العنيفة ردًا على "أزمة المهاجرين"، بوصفه يمثّل أزمة تواجه المجتمعات الليبرالية، لا أزمة فيها؛ أي بوصفها أزمة تمثّل ما يوجد في هذه المجتمعات ضمنيًا من نزعة عنصرية يجري تفعيلها من خلال القوانين والمعايير الليبرالية الدولية 178. وفي الوقت نفسه، يمكن فهم المسائل المثيرة للجدل، المحيطة بالحرب العالمية على الإرهاب، بوصفها استمرارًا لمعايير النظام الليبرالي 179. فالتسليم الاستثنائي بممارسات، على غرار ما يُسمّى القتل المستهدف، وكذلك القتل المتوقع تمامًا للمدنيين، في ضوء مبادئ القانون الدولي الإنساني، يمثل استمرارًا لمظاهر اللامساواة الجوهرية في المبادئ "القانونية" لليبرالية التي تتعرض بموجبها الشعوب "غير الغربية" لضرر وخطر أعظم 180. وتعكس تراتبية الضرر هذه
استمرارية تاريخية أبعد غورًا في القانون الدولي، حيث اسُتُبعدت الشعوُبُ "غير الغربية" صراحة من الحماية القانونية الكاملة181. واليوم، ثمّة منطق مماثل للاستبعاد الدولي لا يزال مستمرًا وساريًا في استخدام القتل المستهدف، حيث يحافظ فيه المجتمع الدولي على "جدار حماية" يُطِّعبِ الممارسات ضد الفاعلين العنيفين خارج نطاق الدولة ويسوّغها، في حين يظل فيه معيار مناهضة الاغتيال قائمًا بقوة بين الدول 182. وفي الوقت نفسه، استخدمت مزاعم استثنائية الولايات المتحدة في رفض المعاهدات المصممة لتفادي الكارثة المناخية ذات السمة العرقية أو ضمان المحاسبة االقانونية الدولية، أو حتى لانتهاك القانون الدولي جملةً وتفصيل 183. ويدعم هذا التطبيق الانتقائي للمعايير القانونية مظاهر اللامساواة الممنهجة الكامنة في الليبرالية الدولية، مردّدًا في ذلك الادعاءات النمطية القائلة إن "الاستبداد يمثّل النموذج المشروع للحكومة في التعامل مع البرابرة" باسم السلام الليبرالي 184. فعلى سبيل المثال، تشنّ إسرائيل حرب إبادة جماعية تجاه الفلسطينيين باسم النظام الليبرالي العالمي، كما أوضح الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، حين يقول إن "هذه الحرب ليست مجرّد حرب بين إسرائيل وحماس. إنها حرب مقصودة، حقًا، وصدقًا، لإنقاذ الحضارة الغربية، ولإنقاذ قيم الحضارة الغربية" 185. وبهذا المعنى، ثمة تشابه بين الإسلاموفوبيا "اللاليبرالية"، التي تنتهجها سياسات الهجرة التي يتبناها ترمب وميلوني أو أوربان، والممارسات اليومية للحوكمة الليبرالية التي تستند، على الرغم من ذلك، إلى فئات استبعادية من سمة البياض 186. وتفترض الفكرة التي مؤداها أنه يمكن فصل الأنظمة "اللاليبرالية" عن النظام الدولي الليبرالي ما يُعرف ب "مفارقة الليبرالية"؛ أي إن نقائص الليبرالية يمكن التخفيف من وطأتها "من خلال اللجوء إلى أرض محايدة أو إلى ليبرالية الماضي الصحيحة." وتقوم هذه المفارقة على نسبة أزمات النظام الدولي الليبرالي إلى مصادر خارجية وتقديم فكرة "المزيد من" الليبرالية، أو نسخة "أفضل" من الليبرالية، بوصفها حلًا. وعلى النقيض من ذلك، نحاجّ بأن أزمة النظام الدولي الليبرالي مدفوعة، على الأقل جزئيًا، بالتناقضات الداخلية في عصبية الليبرالية؛ إذ تمثّل سياسات القادة "اللاليبراليين" تجسيدًا متطرفًا لهذه التناقضات، لا مجرّد انحراف عنها. ومن ثمّ، ليست هذه السياسات تناقضات ي مكن "إدارة أزماتها" من خلال قيادة جديدة أو قيادة أفضل. وإذا كان تفوّق العرق الأبيض هو الرابط الدائم بين السلالات الليبرالية قبل عام 1945 وبعده، فحينئٍذٍ يمكننا ترسيم معالم الصلات بين النظامين الدوليين الليبراليين قبل عام 1945 وبعده، والاعتراف بالعنصر الدائم في عصبيتيهما؛ أي تفوّق العرق الأبيض. ومن الممكن فهم أزمة النظام الدولي الليبرالي جزئيًا بوصفها تناقضًا داخليًا بين التركيبة المناهضة للعنصرية الصريحة لدى السلالة الليبرالية ما بعد عام 1945 والعنصرية البنيوية التي ورثتها عن السلالة الليبرالية من مرحلة ما قبل عام 1945. وقد أدى الانفصال بين السردية الخارجية والمنطق الداخلي إلى إضعاف العصبية الليبرالية. فقد اعتنقت العصبية الليبرالية في الوقت نفسه روحها المساواتية وتراتبياتها العرقية، تحديدًا بسبب نجاحها بعد الحرب العالمية الثانية. وحينما تحوّلت السلالة الاستيطانية - الأوروبية إلى سلالة عنصرية بنيويًا، قامت بذلك، جزئيًا، لكي تواجه الخصم الأعظم للسلالة؛ أي الاتحاد السوفياتي. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، نجح النظام الدولي الليبرالي في استيعاب عصبية "مناهضة للكولونيالية" في بنية عصبيته الليبرالية الخاصة. وقد وعدت السلالة الليبرالية بتوسيع نطاق المجتمع القائم على المساواة، ليشمل الفضاءات الكولونيالية والسوفياتية السابقة، لكنها، نظرًا إلى أنها في بنيتها هذه مدفوعة بتراتبيات عرقية، أخفقت في الوفاء بهذه الوعود. وبعد أن نجحت في توحيد غالبية العالم، وبعد ما يزيد على ثلاثة عقود من الهيمنة من دون منازع، لم يعد لدى السلالة الليبرالية مزيد من الأعذار لتبرير إخفاق رؤيتها المساواتية. ومع تفاقم اللامساواة في الثروة 187، أصبح من الواضح بالنسبة إلى البعض، بل في حقيقة الأمر بالنسبة إلى غالبية البشر على وجه المعمورة، أن المساواتية لن تتحقق أبدًا. ولا يمثّل هذا الواقع مفاجأة للأدبيات النقدية حول الليبرالية 188. لقد أدركت المستعمرة دومًا أن السلام "الليبرالي يأتي مصحوبًا بالعنف؛
وأن المركز الاستعماري Metropole يختبر هذا الواقع الآن" 189. إن أزمة النظام الدولي الليبرالي هي أزمة عصبية؛ أي أزمة رفض تفوّق العرق الأبيض وإعادة تأكيده في آن معًا.
خاتمة
في سياق النقاشات الأكاديمية الراهنة التي دعت إلى انخراط جوهري في حقل العلاقات الدولية 190 "غير الغربي"، لا تمثّل مساهمتنا البحثية مسحًا أو استقصاءً لفكر ابن خلدون، بوصفه منظورًا عالميًا بديلًا. وفي واقع الأمر، لم نحاول مقارنة ابن خلدون بغيره من المنظّرين الكلاسيكيين في حقل العلاقات الدولية. وبدلًامن ذلك، نزعم أن فكره، والأدوات المفهومية التي تقدّمها فكرتا العمران والعصبية على وجه التحديد، من شأنها أن تقدم أطرًا نظرية أساسية يمكن أن تتيح رؤى واستبصارات قابلة للتطبيق على نطاق واسع في مجال الأزمات، وعلاقات القوة، وممارسات العلاقات الدولية، المعاصرة والتاريخية على حد سواء. وقد سعينا لبيان ذلك من خلال الانخراط في النقاشات الأكاديمية بشأن أزمة النظام الدولي الليبرالي؛ ذلك أن فكر ابن خلدون يقدّم طريقًا للإفلات من النزعة المحافظة المهيمنة على المنظورات السائدة، ويدعم تشخيصًا لأزمة النظام الدولي الليبرالي يستند إلى طبيعتها الجوهرية. وينفي مفهوم ابن خلدون للعصبية فكرة الهوية الثابتة أو المستقرة. ومن ثمّ، يرفض هذا المنظور صلاحية مقاربة "إدارة الأزمة" في التعامل مع أزمة النظام الدولي الليبرالي، ويدعو إلى نقد أعمق وأشدّ جوهرية لكيفية انهيار النظام الليبرالي على نحو حتمي. ويفرّس رمفهوم العصبية كيف أن النزعة العرقية تمثّل مبدأ تنظيميًا ديناميًا للتضامن في النظام الدولي. ونحاجّ بأن الأنظمة الديمقراطية "اللاليبرالية" لا تمثّل ردة عن النظام الدولي الليبرالي، بل تمثّل إعادة تأكيد للمكون الجوهري في العصبية الليبرالية؛ أي تفوّق العرق الأبيض. لقد كان تفوّق العرق الأبيض عنصرًا حاسمًافي نجاح النظام الدولي الليبرالي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ إذ تَجَّسَد في السلالة الليبرالية الأوروبية - الكولونيالية. وقد تغّيتر هذه السلالة بعد الحرب العالمية الثانية، وتوسعت وعودها ببسط المساواتية وتحقيق المساواة بين الجميع، ولكنها لم تتحوّل جوهريًا بعيدًا عن العنصرية الكامنة في قلبها. ويمكن تلخيص هذه العنصرية البنيوية على النحو التالي: أن تكون عضوًا في النظام الدولي الليبرالي يعني أن تكون أبيَضَ (والبياض هنا يتجاوز مجرّد أنه سمة خارجية للبشرة.) وقد أدى التناقض بين العنصرية البنيوية الضمنية في النظام الدولي الليبرالي ونزعته المساواتية الصريحة إلى مزيد من التناقضات، وأضعف عصبية النظام الدولي الليبرالي على نحو عجّل بالأزمة وفاقم حدتها. وبالتوازي مع مفهوم العمران، يسمح لنا ابن خلدون بالإفلات من الغاية الليبرالية القصوى، وما يرافقها من قلٍقٍ ونزعةٍ معياريةٍ سلبية، تحيط بأزمة النظام الدولي الليبرالي. وباعتناق حتمية التغّي ر، بل الاعتراف بضرورته في سبيل توليد "عصبية" قوية، يبّي نلنا فكر ابن خلدون كيف أن حلول أزمة النظام الدولي الليبرالي ينبغي أن تكون متخَّيَلة وخّل اقة. فليس من الممكن معالجة عنصرية النظام الليبرالي بالعودة إلى صيغة أنقى من الليبرالية، تنتمي إلى الماضي أو بالبحث عن حٍلٍ وسط: فالنظام الدولي الليبرالي عنصري بطبيعته. وإذا كانت العنصرية تؤدي دورًا مركزيًا في فشل العصبية الليبرالية، فلا يترتب على ذلك أننا، بعد التغّي رالحتمي، سوف ننتقل إلى نظام عالمي يتّسم بمناهضة العنصرية. إن عصبية الجماعات الخارجية، مثل الصين، التي تسعى لتحدي الولايات المتحدة وترغب في الاستئثار بسلطتها لنفسها، تستند إلى أنماطها الخاصة من المنطق الإقصائي المتمركز حول العرق. وللتغلب على العنصرية وتجاوزها، قد تنطوي الدورة التالية من تطوّر النظام العالمي على اعتناق جماعاتي لتعددية القيم 191، أو أيّ عدد من البدائل المفترضة في أدبيات "إعادة تخيل" أزمة النظام الدولي الليبرالي. وتحتل مثل هذه البدائل موقع الصدارة في أبحاث حقل العلاقات الدولية العالمي المعاصرة، التي تجمع بين جهود متنوعة في حقل العلاقات الدولية النقدي، بهدف تشخيص المركزية الأوروبية ونقدها في سياق هذا التخصص الأكاديمي 192. وإذ تسعى مقاربة حقل العلاقات الدولية العالمي هذه لشق طريق مختلف عن المركزية الأوروبية، والتي كانت حتى الآن بمنزلة فكرة تأسيسية في هذا الحقل المعرفي، فإنها تحاول بهذا المعنى خلق ما يشبه العصبية التي لا تختلف فحسب عن السمة العرقية المتأصلة في مركزية العرق الأبيض والليبرالية، بل تختلف أيضًا عن الأنماط الأخرى من التراتبية وإضفاء
السمة العرقية (مثل المركزية الصينية 193 على سبيل المثال) التي يمكن أن تحل محلها 194. ومن ثم، من الملائم الالتفات إلى هذه النقاشات في سبيل التنظير لعصبية أكثر عدلًاوأقل إقصاءً، مُتّ يّز النظاَمَ العالمي. ونخلص في الخاتمة إلى أن الكثير من مظاهر القلق المحيطة بالتغّي رات، في النظام الدولي الليبرالي، تحجب عنا الإمكانات التحوّلية للتغّي ر والقدرة على مداواة العنصرية التي هيمنت على حكم السلالة الليبرالية على مدى طويل. إنها نهاية العالم كما نعرفه، لكن ابن خلدون يشعر بالطمأنينة. شكر وتقدير يودّ المؤلّفان أن يتقدما بالشكر إلى ليندا طبر Tabar Linda، وديوتي أ. A. Dyuti، وأميرة عبد الحميد Abdelhamid Amira، وبيات يان Jahn Beate لما قدّموه من تعليقات وملاحظات قيّمة وثمينة. ونتقدم بالشكر أيضًا إلى ثلاثة من الُمُحكّمين مُغَفلَي الهويات وفريق تحرير المجلة للمساعدة في صقل نطاق هذه الدراسة والإسهام في صياغتها. التمويل لم يتلَّقَ المؤلّفان أيّ دعم مالي لأغراض بحث أو تأليف و/ أو نشر هذه الدراسة.
المراجع
Abrahamsen, Rita et al. World of the Right: Radical Conservatism and Global Order. Cambridge: Cambridge University Press, 2024. Acharya, Amitav. "The End of American World Order." Polity. vol. 46, no. 1 (2014). ________. "After Liberal Hegemony: The Advent of a Multiplex World Order." Ethics & International Affairs. vol. 31, no. 3 (2017). Adler-Nissen, Rebecca & Ay ş e Zarakol. "Struggles for Recognition: The Liberal International Order and the Merger of Its Discontents." International Organization. vol. 75, no. 2 (2021). Anievas, Alexander, Nivi Manchanda & Robbie Shilliam (eds.). Race and Racism in International Relations: Confronting the Global Colour Line. Abingdon: Routledge, 2014. Aranson, J. & George Stauth. "Civilization and State Formation in the Islamic Context: Re-reading Ibn Khaldun." Thesis Eleven. vol. 76, no. 1 (2004). Ardiç, N. "Genealogy or Asabiyya? Ibn Khaldun between Arab Nationalism and the Ottoman Caliphate." Journal of Near Eastern Studies. vol. 71, no. 2 (2012). Azadarmaki, T. "The Legacy of Ibn Khaldun in Iran." Islam Arastirmalari Dergisi. no. 16 (2006). Babic, Milan. "Let's Talk about the Interregnum: Gramsci and the Crisis of the Liberal World Order." International Affairs. vol. 96, no. 3 (2020). Baker, Catherine et al. (eds.). Off White: Central and Eastern Europe and the Global History of Race. Manchester: Manchester University Press, 2024. Baldini, G. "From 'Anomaly' to 'Laboratory'? Fratelli d'Italia, Illiberalism and the Study of Right-Wing Parties in Western Europe." Political Studies Review. vol. 22, no. 2 (2024).
Barder, Alexander D. Global Race War: International Politics and Racial Hierarchy. Oxford: Oxford University Press, 2021. Barkawi, Tarak, Christopher Murray & Ay ş e Zarakol. "The United Nations of IR: Power, Knowledge, and Empire in Global IR Debates." International Theory. vol. 15 (2023). Barnett, Michael & Ay ş e Zarakol. "Global International Relations and the Essentialism Trap." International Theory. vol. 15, no. 3 (2023). Bell, Duncan. Dreamworlds of Race: Empire and the Utopian Destiny of Anglo-America. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2020. Bellamy, Richard. Political Constitutionalism: A Republican Defence of the Constitutionality of Democracy. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. Bhattacharyya, Gargi et al. (eds.). Epire's Endgame: Racism and the British State. London: Pluto Press, 2021. Bilgin, Pinar & Karen Smith. Thinking Globally about World Politics: Beyond Global IR. Cham: Palgrave Macmillan, 2024. Blakeley, Ryan. "Dirty Hands, Clean Conscience? The CIA Inspector General's Investigation of 'Enhanced Interrogation Techniques' in the War on Terror and the Torture Debate." Journal of Human Rights. vol. 10, no. 4 (2011). Börzel, Tanja A. & Michael Zürn. "Contestations of the Liberal International Order: From Liberal Multilateralism to Postnational Liberalism." International Organization. vol. 75, no. 2 (2021). Boyle, Michael J. "The Coming Illiberal Order." Survival. vol. 58, no. 2 (2016). ________. "America and the Illiberal Order After Trump." Survival. vol. 62, no. 6 (2021). Bruff, Igor. "The Rise of Authoritarian Neoliberalism." Rethinking Marxism. vol. 26, no. 1 (2014). Búzás, Zoltán I. "Racism and Antiracism in the Liberal International Order." International Organization. vol. 75, no. 2 (2021). Chu, Sinan. "Whither Chinese IR? The Sinocentric Subject and the Paradox of Tianxia-ism." International Theory. vol. 14, no. 1 (2022). Coleman, L. "The Gendered Violence of Development: Imaginative Geographies of Exclusion in the Imposition of Neo-Liberal Capitalism." British Journal of Politics & International Relations. vol. 9, no. 2 (2007). Cooley, Alexander & Daniel H. Nexon. "The Real Crisis of Global Order: Illiberalism on the Rise." Foreign Affairs. vol. 101, no. 1 (2022). Crawford, Neta. Accountability for Killing: Moral Responsibility for Collateral Damage in America's Post-9/11 Wars. Oxford: Oxford University Press, 2013. Dalacoura, Katerina. "Global IR, Global Modernity and Civilization in Turkish Islamist Thought: A Critique of Culturalism in International Relations." International Politics. vol. 58, no. 2 (2021). Dale, Stephen Frederic. "Return to Ibn Khaldun-Again." Review of Middle East Studies. vol. 49, no. 1 (2015). Danewid, Ida. "White Innocence in the Black Mediterranean: Hospitality and the Erasure of History." Third World Quarterly. vol. 38, no. 7 (2017). Danewid, Stefan. "The Crisis of Liberal International Order." European Journal of International Relations. vol. 23, no. 3 (2017).
Davies, William. "The New Neoliberalism." New Left Review. no. 101 (2016). De Genova, Nicholas. "The 'Migrant Crisis' as Racial Crisis: Do Black Lives Matter in Europe?" Ethnic and Racial Studies. vol. 41, no. 10 (2018). De Genova, Nicholas. The Borders of "Europe": Migrant Struggles and the Politics of Mobility. Durham, NC: Duke University Press, 2018. De Graaff, Nana & Bastiaan van Apeldoorn. "US-China Relations and the Liberal World Order: Contending Elites, Colliding Visions?" International Affairs. vol. 94, no. 1 (2018). Doyle, Michael. "Liberalism and World Politics." The American Political Science Review. vol. 80, no. 4 (1986). Duncomes, Constance & Tim Dunne. "After Liberal World Order." International Affairs. vol. 94, no. 1
Eilstrup-Sangiovanni, Mette & Sebastian C. Hofmann. "Of the Contemporary Global Order, Crisis, and Change." Journal of European Public Policy. vol. 27, no. 7 (2020). Escribà-Folch, Abel. "Repression, Political Threats, and Survival under Autocracy." International Political Science Review. vol. 34, no. 5 (2013). Fassi, E., M. Ceccorulli & S. Lucarelli. "An Illiberal Power? EU Bordering Practices and the Liberal International Order." International Affairs. vol. 22, no. 6 (2023). Fassi, Enrico, Michela Ceccorulli & Sonia Lucarelli. "An Illiberal Power? EU Bordering Practices and the Liberal International Order." International Affairs. vol. 99, no. 6 (2023). Flaherty, Thomas M. & Ronald Rogowski. "Rising Inequality as a Threat to the Liberal International Order." International Organization. vol. 75, no. 2
Flockhart, Trine. "The Coming Multi-Order World." Contemporary Security Policy. vol. 41, no. 2 (2016). Furtado, Felipe Tavares de Oliveira. "Global Order in the 21 st Century." International Affairs. vol. 98, no. 2
Garry, Ann & Marilyn Pearsall (eds.). Women, Knowledge, and Reality: Explorations in Feminist Philosophy. New York: Routledge, 1996. Gawthorpe, Andrew. "Civilizational Wilsonianism from Woodrow Wilson to Donald Trump." International Affairs. vol. 101, no. 1 (2025). Giddens, Anthony. Modernity and Self-Identity: Self and Society in the Late Modern Age. Stanford, CA: Stanford University Press, 1991. Goldstein, J. & R. Gulotty. "America and the Trade Regime: What Went Wrong?" International Organization. vol. 75, no. 2 (2021). Gray, Colin S. War, Peace and International Relations: An Introduction to Strategic History. London: Routledge, 2007. Griffin, Patrick. "Gendering Global Finance: Crisis, Masculinity, and Responsibility." Men and Masculinities. vol. 16, no. 1 (2013). ________. "Sexing the Economy in a Neo-Liberal World Order: Neo-Liberal Discourse and the (Re) Production of Heteronormative Heterosexuality." British Journal of Politics & International Relations. vol. 9, no. 2 (2007). Hendrikse, Rolf. "Neo-illiberalism." Geoforum. vol. 95
Hobhouse, L. T. Liberalism. London: Oxford University Press, 1911.
Hobson, J. The Eastern Origins of Western Civilisation. Cambridge: Cambridge University Press, 2004. ________. The Eurocentric Conception of World Politics: Western International Theory, 1760-2010. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Howell, Alison & Megan Richter-Montpetit. "Is Securitization Theory Racist? Civilizationism, Methodological Whiteness, and Antiblack Thought in the Copenhagen School." Security Dialogue. vol. 51, no. 1 (2020). Hozic, Alma & Jacqui True. Scandalous Economics: Gender and the Politics of Financial Crises. Oxford: Oxford University Press, 2016. Huysmans, Jef. Security! What do You Mean? London: Routledge, 1998. Ibn Khaldun. The Muqaddimah: An Introduction to History. New York: Pantheon Books, 1958. Ikenberry, G. J. Liberal Leviathan: The Origins, Crisis, and Transformation of the American World Order. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2011. ________. "The Future of Liberal World Order." Japanese Journal of Political Science. vol. 16, no. 3 (2015). ________. "The End of Liberal International Order?" International Affairs. vol. 94, no. 1 (2018). Jahn, Beate. "Kant, Mill, and Illiberal Legacies in International Affairs." International Organization. vol. 59, no. 1 (2005). Historical Internationalism: "Liberal Trajectory and Current Prospects." International Affairs. vol. 94, no. 1 (2018). Johnson, J. M. "Beyond a Politics of Recrimination: Scandal, Ethics and the Rehabilitation of Violence." European Journal of International Relations. vol. 23, no. 3 (2017). Johnson, Jamie M., Victoria M. Basham & Owen D. Thomas. "Ordering Disorder: The Making of World Politics." Review of International Studies. vol. 48, no. 4 (2022). ________. "'Mr Rules': Keir Starmer and the Juridification of Politics." British Politics. vol. 20, no. 2 (2025). Johnston, Alastair I. & Benjamin Meger. Revisiting International Order: Power, Institutions, and Ideas. Cambridge: Cambridge University Press, 2024. Johnston, Michael & Sarah Meger. "Morbid Symptoms: A Feminist Dialectics of Global Patriarchy in Crisis." European Journal of International Relations. vol. 31, no. 3 (2024). Jung, Moon-Kie, João H. Costa Vargas & Eduardo Bonilla-Silva (eds.). State of White Supremacy: Racism, Governance, and the United States. Stanford CA: Stanford University Press, 2011. Kalmar, I. D. White but Not Quite: Central Europe's Illiberal Revolt. Bristol: Bristol University Press, 2022. Kalpakian, Jack. "Ibn Khaldun's Influence on Current International Relations Theory." The Journal of North African Studies. vol. 13, no. 3 (2008). ________. Identity, Conflict and Cooperation in International River Systems: The Case of the Euphrates-Tigris River Basin. Aldershot: Ashgate, 2008. Karkour, Haro L. "Illiberal and Irrational? Trump and the Challenge of Liberal Modernity in US Foreign Policy." International Relations. vol. 35, no. 4 (2020). Keating, Vincent Charles. "Membership Has Its Privileges: Targeted Killing Norms and the Firewall of International Society." International Studies Quarterly. vol. 66, no. 3 (2022).
Keene, E. Beyond the Anarchical Society: Grotius, Colonialism and Order in World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2002. Khalili, L. "Humanitarianism and Racial Capitalism in the Age of Global Shipping." European Journal of International Relations. vol. 29, no. 2 (2023). Kinnvall, Catarina & Jennifer Mitzen. "Ontological Security and Global Politics." European Journal of International Relations. vol. 26, no. 3 (2020). Kinnvall, Catarina. "Globalization and Religious Nationalism: Self, Identity, and the Search for Ontological Security." Political Psychology. vol. 25, no. 5 (2004). Köllner, P., S. Wurster & S. Kailit (eds.). Comparing Autocracies in the Early Twenty-first Century. Abingdon: Routledge, 2016. Korkusuz, Mehmet Hisyar. "An Overview on Nationalism in Context of Ibn Khaldun's Approach and Global Asabiyya Model." The Journal of International Social Research. vol. 8, no. 40 (2015). Lake, D. A., L. L. Martin & T. Risse. "Challenges to the Liberal Order: Reflections on International Organization." International Organization. vol. 75, no. 2 (2021). Laruelle, Marlène. "Illiberalism: A Conceptual Introduction." East European Politics. vol. 38, no. 2 (2022). Layne, Christopher. "The US-Chinese Power Shift and the End of the Pax Americana." International Affairs. vol. 94, no. 1 (2018). ________. The Peace of Illusions: American Grand Strategy from 1940 to the Present. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2018 [2006]. Layug, Andrew & John M. Hobson. Globalizing International Theory: The Problem with Western IR Theory and How to Overcome It. Abingdon: Routledge, 2023. Le Melle, Etienne. "Liberal International Order: A Utopian Project?" E-International Relations (2009). Le Melle, Tilden J. "Race in International Relations." International Studies Perspectives. vol. 10, no. 1
Losurdo, Domenico. Liberalism: A Counter-History. London: Verso Books, 2011. Maleševi ć , Siniša. The Sociology of War and Violence. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Mamdani, Mhamoud. Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2017. Mearsheimer, John J. The Great Delusion: Liberal Dreams and International Realities. New Haven, CT: Yale University Press, 2019. Meier, A. A. "The Idea of Terror: Institutional Reproduction in Government Responses to Political Violence." International Studies Quarterly. vol. 64, no. 3 (2020). Mills, C. W. "Racial liberalism." Publications of the Modern Language Association of America. vol. 123, no. 5 (2008). ________. The Racial Contract. Ithaca NY: Cornell University Press, 2008. ________. The Sociological Imagination. Oxford: Oxford University Press, 2014. ________. Black Rights/ White Wrongs: The Critique of Racial Liberalism. New York: Oxford University Press, 2017. Mitzen, Jennifer. "Ontological Security in World Politics." European Journal of International Relations. vol. 12, no. 3 (2006).
Mondon, Alex. Authoritarian Populism and the Radical Right: The Rise of the Far Right in Europe and Beyond. London: Routledge, 2025. ________. "Really Existing Liberalism, the Bulwark Fantasy, and the Enabling of Reactionary, Far Right Politics." Constellations. vol. 32, no. 1 (2025). Mufti, M. Enabling the State: Islam, Culture and Modernity in Egypt. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Nagy, Rosemary. "Transitional Justice as Global Project: Critical Reflections." Third World Quarterly. vol. 29, no. 2 (2008). Neal, Andrew W. Exceptionalism and the Politics of Counterterrorism: Liberty, Security, and the War on Terror. Abingdon: Routledge, 2010. Neocleous, M. "Security, Liberty and the Myth of Balance: Towards a Critique of Security Politics." Contemporary Political Theory. vol. 6, no. 2 (2007). Norrlof, C. "Hegemony and Inequality: Trump and the Liberal Playbook." International Affairs. vol. 94, no. 1 (2018). Nye, J. S. "Will the Liberal Order Survive? The History of an Idea." Foreign Affairs. vol. 96, no. 1 (2017). Orford, Anne (ed.). International Law and Its Others. Cambridge: Cambridge University Press, 2006. Pallister-Wilkins, Polly. Securitization: Theory and Practice. London: Routledge, 2021. Paris, Roland. "European Populism and the Return of 'Illiberal Sovereignty': A Case-Study of Hungary." International Affairs. vol. 98, no. 2 (2022). Parmar, Inderjeet. "The US and the Liberal World Order." International Politics. vol. 55, no. 2 (2018). Pateman, Carole. The Sexual Contract. Cambridge: Polity Press, 1988. Peoples, C. "The Liberal International Ordering of Crisis." International Relations. vol. 38, no. 1 (2022). Pérez, José Omar. "Brazil's Foreign Policy and Security Under Lula and Bolsonaro: Hierarchy, Racialization, and Diplomacy." Security Studies. vol. 32, no. 4-5 (2023). Pirro, A. L. & B. Stanley. "Forging, Bending, and Breaking: Enacting the 'Illiberal Playbook' in Hungary and Poland." Perspectives on Politics. vol. 20, no. 1 (2022). Porter, Patrick. The False Promise of Liberal Order: Nostalgia, Delusion and the Rise of Trump. Oxford: Oxford University Press, 2020. Quijano, Aníbal. "Coloniality of Power, Eurocentrism, and Latin America." Nepantla: Views from South. vol. 1, no. 3 (2000). Rab ī , Mu ḥ ammad Ma ḥ m ū d. The Political Theory of Ibn Khaldun. Leiden: E. J. Brill, 1967. Regan, M. Civil Wars in the Third World. London: Routledge, 1981. Richter-Montpetit, Melanie. "Empire, Desire and Violence: A Queer Transnational Feminist Reading of the Prisoner 'Abuse' in Abu Ghraib and the Question of 'Gender Equality'." International Feminist Journal of Politics. vol. 9, no. 1 (2007). Rodríguez, Juan Carlos. "Decoloniality and Global Order." Third World Quarterly. vol. 32, no. 1 (2011). Rosen, Lawrence. "Theorizing from Within: Ibn Khaldun and His Political Culture." Contemporary Sociology. vol. 34, no. 6 (November 2005). Rossdale, Chris. "Enclosing Critique: The Limits of Ontological Security." International Political Sociology. vol. 9, no. 4 (2015). Rutazibwa, Olivia Umurerwa. "From the everyday to IR: in Defence of The Strategic Use of the R-word." Postcolonial Studies. vol. 19, no. 2 (2016).
".________What's There to Mourn? Decolonial Reflections on (the End of) Liberal Humanitarianism." Journal of Humanitarian Affairs. vol. 1, no. 1 (2019). Intervention: Decolonising Meera. Sabaratnam, International Statebuilding in Mozambique. London/ Lanham, MD: Routledge, 2013. Sabaratnam, Meera & MarkLaffey. "Contesting the Liberal International Order: Global South Perspectives." Third World Quarterly. vol. 44, no. 2 (2023). ________. "Complex Indebtedness: Justice and the Crisis of Liberal Order." International Affairs. vol. 99, no. 1 (2023). Ş entürk, Recep & Ali M. Nizamuddin. "The Sociology of Civilisations: Ibn Khaldun and a Multi- Civilisational World Order." Asian Journal of Social Science. vol. 36, no. 3-4 (2008). Shani, Giorgio. "Human Security as Ontological Security: A Post-colonial Approach." Postcolonial Studies. vol. 20, no. 3 (2017). Sheikh, Faiz. Islam and International Relations: Exploring Community and the Limits of Universalism. London: Rowman & Littlefield International, 2016. Shihade, H. "Ibn Khaldun in Contemporary Arab Thought." Arab Studies Journal. vol. 28, no. 2 (2020). Shilliam, Robbie (ed.). International Relations and Non-Western Thought: Imperialism, Colonialism and Investigations of Global Modernity. London: Routledge, 2011. ________. "Civilization and the Poetics of Slavery." Thesis Eleven: Critical Theory and Historical Sociology. vol. 108, no. 1 (2012). ________. "Race and Research Agendas." Cambridge Review of International Affairs. vol. 26, no. 1 (2013). ________. The Black Pacific: Anti-Colonial Struggles and Oceanic Connections. London: Bloomsbury Academic, 2015. Sørensen, G. A Liberal World Order in Crisis: Choosing between Imposition and Restraint. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2011. Stachowitsch, Sylvia & Julia Sachseder. "The Gendered and Racialized Politics of Risk Analysis: The Case of Frontex." Critical Studies on Security. vol. 7, no. 2
Steele, Brent J. Defining Moments in International Relations. Oxford: Oxford University Press, 2008. Stokes, Doug. "Trump, American Hegemony and the Future of the Liberal International Order." International Affairs. vol. 94, no. 1 (2018). Tan, Jing. Global Order in Transition: Power, Institutions, and Ideas. Cambridge: Cambridge University Press, 2024. Tilley, Lisa & Robbie Shilliam. "Raced Markets: An Introduction." New Political Economy. vol. 23, no. 5 (2018). Tomar, C. "Between Myth and Reality: Approaches to Ibn Khaldun in the Arab World." Asian Journal of Social Science. vol. 36, no. 3 (2008). Tudor, Margot. Blue Helmet Bureaucrats: United Nations Peacekeeping and the Reinvention of Colonialism, 1945–1971. Cambridge: Cambridge University Press, 2023. Untalan, Carmina Yu. "Decentering the Self, Seeing Like the Other: Toward a Postcolonial Approach to Ontological Security." International Political Sociology. vol. 14, no. 1 (2020). Vitalis, Robert. White World Order, Black Power Politics: The Birth of American International Relations. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2000. Vitalis, Roxanne. White World Order, Black Power Politics: The Birth of American International Relations. London: Cornell University Press, 2015.
Wai, Zubairu. "The Empire's New Clothes: Africa, Liberal Interventionism and Contemporary world order." Review of African Political Economy. vol. 41, no. 142 (2014). Walker, Katrina M. "From Critical Race Theory to the January 6 th Insurrection Speech: The High School Classroom and the Politics of Division." Cultural Studies: Critical Methodologies. vol. 22, no. 5 (2022). Ward, Julie & Tommy Lott (eds.). Philosophers on Race: Critical Essays. Oxford: Blackwell, 2002. Wearing, David. "The Myth of the Reforming Monarch: Orientalism, Racial Capitalism, and UK Support for the Arab Gulf Monarchies." Politics: Political Studies Association. vol. 44, no. 3 (2024). Wootton, David (ed.). Modern Political Thought: Readings from Machiavelli to Nietzsche. Indianapolis: Hackett Publishing, 1996. Wynter, Sylvia. "Unsettling the Coloniality of Being/ Power/ Truth/ Freedom: Towards the Human, After Man, Its Overrepresentation-An Argument." CR: The New Centennial Review. vol. 3, no. 3 (2003). Younis, M. On the Scale of the World: The Formation of Black Anticolonial Thought. Oakland, CA: University of California Press, 2022. Zarakol, Ay ş e (ed.). Hierarchies in World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. ________. "States and Ontological Security: A Historical Rethinking." Cooperation and Conflict. vol. 52, no. 1 (2017). Zhao, Tingyang. Tianxia System: An Introduction to the Philosophy of a World Institution. Beijing: China CITIC Press, 2006.