الحرب في سيناء: مكافحة إرهاب أم تحولّات إستراتيجية في التعاون والعداء؟
Sinai War: Combatting Terrorism or Strategic Shifts in Cooperation and Hostility?
الملخّص
تناقش هذه الورقة ظاهرة الجماعات المسلحة في شبه جزيرة سيناء المصرية وتعرض لتاريخ نشأتها والأوضاع التي أدت إلى حالة الصدام العنيف بينها وبين أجهزة الدولة، عبر فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك، مرورًا بحكم الرئيس المعزول محمد مرسي، وانتهاءً بالانقلاب العسكري الذي قاده الفريق عبد الفتاح السيسي. وتناقش مختلف العوامل التي قادت إلى حدة الصراع بين هذه الجماعات المختلفة وأجهزة الدولة، وإلى أسباب اتساع نطاق الصراع وازدياد وتيرة العنف فيه. كما تعرض الدور الذي قامت به الأجهزة الأمنية في تصعيد الصراع. وتستعرض الورقة المرجعيات الدينية التي تنطلق منها هذه الجماعات، إضافةً إلى مختلف العوامل التي أثرت في توجهاتها السياسية. كما تناقش الورقة ما بدا من تقارب وتنسيق مصري إسرائيلي في التعامل مع هذه الجماعات. لقد تجوّل الباحث بنفسه في أرجاء سيناء وأجرى العديد من المقابلات مع أفراد هذه الجماعات المختلفة ومع السكان، واعتمد على الإفادات المختلفة التي جمعها في عرض المشهد في سيناء وتمدداته إلى الداخل المصري.
Abstract
The phenomenon of armed groups operating in Egypt’s Sinai Peninsula is a growing one. This paper presents the history of this phenomenon as well as factors leading up to the violent encounters with state forces from former president Hosni Mubarak to Mohamad Morsi and the military coup led by Abdel Fattah al-Sisi. It examines different factors that led to the severe clash between groups and state forces, and the causes that saw the clash become widespread and even violent. The paper examines the role of state forces in escalating the conflict, and takes into account the religious authorities that these groups stem from, as well as the factors that affected their political views. It further examines what seemed an Egyptian-Israeli rapprochement and efforts at coordination to fight these groups. Based on personal interviews of groups in the Sinai and collected testimonies, the paper makes a core contribution to understanding the current events in the Sinai and their wider political context.
- الحرب في سيناء
- حسني مبارك
- عبد الفتاح السيسي
- الجماعات المسلحة
- شبه جزيرة سيناء
- Hosni Mubarak
- Abdel Fattah al-Sisi
- Armed groups
- Sinai Peninsula
مقدمة
لم يكد وزير الدفاع المصري يعلن عزْل الرئيس محمد مرسي في الثالث من تموز / يوليو 2013، ويفرض ما سمَّه "خريطة المستقبل"، حتى اندلعت الأحداث بوتيرة متسارعة في شمل سيناء. وبعد يومين، عقدت "السلفية الجهادية" مؤتمرًا حاشدًا في مدينة الشيخ زويد، توعّدت فيه سلطة الانقلاب بالويل والثبور. ولم يتحمّل مَن حضر من إخوان العريش ذلك المؤتمر؛ فانصرفوا بعد عشر دقائق من وصولهم. هذا الارتباط الوثيق بين تفاعلات القاهرة وتطوّرات سيناء، زاد التباسًا بتصريحات القيادي الإخواني محمد البلتاجي في الثامن من تموز / يوليو 2013، حين قال: "ما يحدث في سيناء سيتوقّف في اللحظة التي يعلن فيها عبد الفتاح السيسي تراجعه عن الانقلاب وعودة الرئيس محمد مرسي"1. تقدّم هذه الورقة محاولةً لفهم حقيقة ما جرى في سيناء، بدءًا بشرح مقدّماته والأطراف الفاعلة فيه، وتوضيح الوضع الملتبس والمركّب للمجتمع المحلّ وعلاقته بالسلطة السياسية والتنفيذية، ثمّ أثر كلّ ذلك في غزّة، وعلاقتها بتحالف السلطة الحالي في مصر بعد الانقلاب؛ فقد صار ارتباط غزة بسيناء أكبر ممّ تمثّله نسبة الأربعة عشر كيلومترًا، وهي حدود مصر مع القطاع، إلى ما يقارب المائتي كيلومتر، وهي حدود مصر مع الأرض المحتلّة. فتركّزت الأزمة الأمنيّة على خطّ "العريش – رفح" في أقصى الشمل الشرقي لشبه الجزيرة، بامتداد جنوبيّ لا يصل إلى عمق وسط سيناء. في هذه المنطقة الحدودية الشملية، عزّز الجيش الثاني الميداني انتشاره بحشودٍ عسكرية مستثناة من الملحق الأمني لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. لم يصل الاستنفار إلى ذروته فجأةً، بل ظهر التدرّج واضحًا من العملية "نسر" في 2011 عقب قصف "قسم ثان العريش" بالمدفعية الثقيلة في تظاهرات "جمعة الهويّة الإسلامية" (/29 تموز يوليو، 2011)، ثمّ العملية "نسر 2" في 2012 عقب قتْل وحدة عسكرية قوامها 16 جنديًّا بأكملها، وأخيرًا بعد اختطاف سبعة جنود في أيار / مايو 2013، ثمّ مقتل 25 جنديًّا في آب / أغسطس من العام نفسه، فضلً عن استمرار استهداف دورياته ونقاط ارتكازه وجنوده ومركباته، منذ انقلاب 3 تمّوز / يوليو،.2013 حملت أجواء ما بعد سقوط مبارك في 2011 تحليلً قائمًا على افتراض ظهور صراع بين الأجنحة داخل الأجهزة الاستخباراتية، ومحاولة بعض الأجنحة الوطنية مقاومة قيود المعاهدة المخلّة بالسيادة المصرية على سيناء. ولربما كان ذلك إفراطًا في حسن النيّة2 لم يكن قد اصطدم بعد بفجائع، مثل: مذبحة الأقباط في ماسبيرو في تشرين الأوّل / أكتوبر 2011، و"ملحمة" محمد محمود في تشرين الثاني / نوفمبر 2011، ثم جرائم فضّ اعتصام مجلس الوزراء في كانون الأوّل / ديسمبر، 2011. ولم يكن أثر هذه الطوباوية العسكرية قد زال قبل مجزرة الشباب في إستاد بورسعيد في شباط / فبراير.2012 بعد إطاحة الرئيس حسني مبارك، أخذ الجيش المصري يحظى بمزيد من المتابعة والاهتمم3، وهو أمر لم يكن متاحًا من قبل؛ لافتقاد المعلومات الكافية أو الدقيقة عن أوضاع الجيش وممرساته وسياساته، وهذا موضوع آخر لم يجْرِ تناوله بطريقة كافية بعد، ولكنّه سيحمل آثارًا وخيمةً على استقرار المجتمع السيناوي كم ستوضّح هذه الورقة. لا يمكن فصل ما يجري في سيناء عن التحولّات الجذرية التي طرأت على الجيش والدولة عقب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. وهي التحولّات التي بدأت من إعلان استباقي من السادات بأنّ حرب أكتوبر هي آخر الحروب، وتأكّدت بإصرار خليفته مبارك على إستراتيجية السلام خيارًا أوحد. وقام الرئيس السادات بتغييرات شملت أهم قيادات جيش أكتوبر / تشرين الأول (1973) – القائد العامّ ورئيس أركان حرب القوّات المسلّحة – وإطلاق اسم وزارة الدفاع على وزارة الحربية. وفي شهادته، كتب المشير محمد عبد الغني الجمسي، آخر وزير "حربية" وإنتاج حربي مصري، عن سبب استقالته بعد تهميش السادات له وإخباره بأنّ المرحلة الجديدة تتطلّب تغييرًا شاملً في مؤسسات الدولة وأجهزتها كلّها4. وبذلك تراجع دور الجيش حتى
صار أقرب إلى جهاز أمنيّ داخلي، مهمّته مطاردة جمعات مسلّحة داخل أراضي الدولة.
على الرغم من التحولّات التي طرأت على الجيش بقيادة أبو غزالة وطنطاوي، تُنبئ إحدى وثائق "ويكيليكس" عن خطٍّ أحمر لم يتراجع عنه آخر صفٍّ قيادي ممّن شارك في حرب أكتوبر وانتصاراتها. فقد رفض القائد العامّ السابق، المشير محمد حسين طنطاوي، قطعيًّا إدخال مكافحة الإرهاب ضمن عقيدة الجيش القتالية وتغيير تدريب الجيش من مواجهة الجيوش لأعمل أخرى5. أمّا عن الجمعات الإسلامية في سيناء لا سيّم المسلّحة فتدّعي هذه الورقة أنّه ليس من المهم تصنيفها على أساس المرجعيات الأيديولوجية السائدة في تصنيف الإسلاميين لانعدام أثرها عمليًّا، بل وفقًا لمواقفها السياسيّة وخطابها، إضافةً إلى عملياتها العسكريّة، هذا مع مراعاة ما طرأ عليها من تغير بعد 30 حزيران / يونيو، وهو ما سنحاول أن نعرضه في هذه الورقة.
الفاعلون في شمال سيناء محليًّا وإقليميًّا
في آب / أغسطس من صيف 2009، دكّت سلطة حمس مسجد ابن تيمية على رؤوس عبد اللطيف موسى وأعضاء جمعته المسلّحة6 التي أعلنت قيام إمارة إسلامية في رفح الفلسطينية ذات النزعة الجهادية والتكفيرية. ونجم عن هذه المواجهة لجوء عدد من تكفيريّي غزّة، وبالأخصّ رفح الفلسطينية، إلى المنطقة الحدودية من شمل سيناء في رفح المصرية والشيخ زويد والقرى المحيطة بهم7. ولقد صاحبت ذلك اللجوء عودة الهاربين من سيناء الذين فرّوا من ملاحقات (2004 – 2006) بعد التفجيرات التي استهدفت المنتجعات السياحية في جنوب سيناء؛ إذ عادوا بعد هروبهم من السلطات المصرية برفقة ذوي الخبرة القتالية العالية الهاربين من سلطة حمس. وهكذا تكوّنت بذرة التكتلات التكفيرية الجهادية الخارجة عن طوع كلّ من توجّهات مبارك والسلطة الفلسطينية من ناحية، وحمس وجمعتها الأم التي تولّت السلطة في مصر في ما بعد، من ناحية أخرى. في الشمل الغربي من شبه جزيرة سيناء، تقع مدينة "بئر العبد" ومحيطها الممتدّ على شاطئ بحيرة البردويل شرق قناة السويس، وهي المعقل الانتخابي الأبرز لجمعة الإخوان المسلمين في شمل سيناء. وبين الشمل الشرقي، حيث "رفح" و"الشيخ زويد" الخاليتان من تنظيم الإخوان، و"بئر العبد" في الشمل الشرقي بقواها القبلية والدينية المقتسمة بين الإخوان والسلفيين، تقع مدينة "العريش" عاصمة شمل سيناء وحاضرتها. وهي أقرب للشيخ زويد بمسافة 30 كيلومترًا، وأبعد عن بئر العبد مسافة 75 كيلومترًا. وتتميّز العريش بخصوصية عشائرية وثقافية وتنوّع سكّاني كبير؛ ذلك أنّ فيها امتدادًا لكلّ التيارات الفكرية والأيديولوجية والحركات الشبابية الفاعلة في القاهرة والإسكندرية، ففيها اللبراليون التاريخيون، كحزب "الوفد"، واليساريون القوميون الذين انشقّوا عن حزب "التجمع" في كانون الثاني / يناير 2011 وأسَّسوا "الحركة الثورية الاشتراكية"، وفيها أيضًا حركة "شباب 6 أبريل"، وحركة "أحرار" ذات الطابع الإسلامي الثوري، فضلً عن الأحزاب الإسلامية الأساسيّة، و"الحزب العربي للعدل والمساواة" المعبِّ جزئيًّا عن تجمّع القبائل العربية من أنحاء مصر، وحزب "مصر القويّة" الذي أسّسه مرشّح الرئاسة السّابق عبد المنعم أبو الفتوح. وسط التنوّع السياسي الثريّ في العريش "العاصمة" الذي يتفاوت وزنه تعبويًّا، تضمّ المدينة أيضًا تنوّعًا سكانيًّا وثقافيًّا لا يقلّ ثراءً؛ إذ فيها عائلات عرايشية حضرية، ومقيمون من قبائل تسكن البادية حول العريش في شمل سيناء ووسطها، ووافدون مصريون لم تتوقّف
حركتهم حتى اليوم من وادي النيل، منهم المسلم والقبطي، ولاجئون فلسطينيون قدِم آباؤهم إلى سيناء منذ 1948 و 1967. إلى جانب الفاعلين شعبيًّا من جمعات دينية وأحزاب وحركات سياسية ومجموعات مسلّحة، فإنّ آراء السكان المحليين وشهاداتهم، قد اتّفقت على أنّ الصراع بين أجهزة سلطة الدولة المصرية قد جعل منها أكثر من فاعل أمني واحد في سيناء. ويعزّز السكان تضارب أجهزة السلطة بروايات عن الانتقام من رافضي التعاون مع جهاز مباحث أمن الدولة، واختيارهم التعاون مع الاستخبارات العسكرية بدلً من ذلك. ويصل هذا الصراع بين أجهزة السلطة المتنافسة على النفوذ إلى اتهامات بالفساد والتورّط في إدارة شبكات للتهريب تضمّ مسلّحين ومرتزقة، وفقًا لشهادات عددٍ من تجّار الأنفاق في رفح. ما يعني أنّ السلطات الفاعلة في المنطقة الحدودية من شمل سيناء، ليست طرفًا واحدًا في مقابل الفاعلين من المسلّحين أو السياسيين، بل هي عدّة أطراف أمنيّة واستخباراتية مصرية. وإذا أخذنا في الحسبان الاختراقات الإسرائيلية المتكررة لسيناء أرضًا وجوًّا، وكشف الصحافة المصرية عن وجود فرقة عمليات تابعة لإسرائيل داخل سيناء8، فإنّ دائرة الفاعلين ميدانيًّا في سيناء تتّسع، بالأخصّ إذا كان اللاعبون الإسرائيليون في سيناء هم عدّة أجهزة أمنيّة واستخباراتية، وليس جهازًا واحدًا. وبالعودة إلى قضيّة "خليّة حزب الله" في 2009 التي اتُّهم فيها اللبناني سامي شهاب بالتجسّس على السفن الإسرائيلية العابرة لقناة السويس، وبتأكيد المصادر المحلية في رفح مكان النفق الذي كان يستخدمه شهاب في عملياته مع غزّة، فإنّ تحديد عدد الفاعلين المحلّيين والإقليميين في سيناء، يظلّ أمرًا صعبًا.
نشأة التيّارات الإسلامية في سيناء
كتب نعوم شقير9 في بداية القرن العشرين: "يعترف أهل سيناء بالإسلام دينًا لهم، لكن ليس بينهم من يعرف قواعد الإسلام، بل ليس فيهم من يعرف قواعد الصلاة". ويضيف: "وقد مازجتهم عدّة سنين فلم أجد منهم من يصلّ إلا نفرًا يعدّون على الأصابع ممّن يخالطون المدن وهم لا يصلّون الأوقات الخمسة على الترتيب، بل يصلّون كلّم خطر ببالهم أن يصلّوا". ويختم شقير حديثه عن علاقة المجتمع بممرسة شعائر الإسلام في ذلك الزمن قائلً: "ولولا احتفالهم بعيد الضحية وذكرهم النبيّ وحلفهم به والصلاة عليه ما علمت أنّهم مسلمون"10. ولا يقدح في ما كتبه شقير على الرغم ممّ أحاط بكتاباته ودوافعها اشتغال عدة قبائل من سيناء بتأمين طريق الحجّ، أو انتشار الاعتقاد في الأولياء بينهم، وغير ذلك من الممرسات الدينية المتراوحة بين الصوفية والوثنية11. استمرّت علاقة أبناء شمل سيناء بالدين على النحو السابق حتّى الخمسينيات من القرن الماضي، ولم تظهر بينهم الجمعات الدينية المعروفة في مصر سوى في فترة حشْد المتطوّعين وتدريبهم في العريش وسدّ الروافعة، إبّان حرب 1948، بقيادة تنظيم الإخوان المسلمين، إلى أن ظهر الشيخ عيد أبو جرير (1954) الذي تصنَّف جمعته ضمن أقدم الطرق الصوفية12. وقد بلغت الطرق الصوفية في بعض التقديرات في سيناء أكثر من 12 طريقةً أقدمها الطريقة التيجانية، وأكبرها عددًا الطريقة العلوية الدرقوية الشاذلية التي تلقّاها الشيخ أبو جرير عن الشيخ أبو أحمد الغزاوي، وكان لها دور وطني واضح جعل علاقتها بالدولة تتّسم بالتقدير13. ومع حلول عام 1979، وإبّان الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، نشأت الجمعة الإسلامية في الجامع العباسي - أقدم مساجد سيناء - على يد الشيخ صلاح شحادة، القائد الشهير في كتائب القسّام في ما بعد. وقد كان دورها مقتصرًا على التوعية الدينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي14.
في أوّل تعداد عقب الانسحاب الإسرائيلي من سيناء (1982)، بلغ عدد سكّان سيناء شملً وجنوبًا (167000) نسمة تقريبًا15. وبعدها بثلاثة عقود لم يبلغ التعداد مليونًا واحدًا، على الرغم من مساحتها التي تعدل ثلاثة أضعاف الدلتا المصرية المكتظّة بعشرات الملايين. وهو ربّا يكون مؤشًّا على حداثة الأفكار والتنظيمت السياسية فيها، مقارنةً بالعمل المسلّح ضدّ الاحتلال. وبخلاف الصوفية المتجذّرة لدى بدو سيناء منذ عقودٍ طويلة، فإنّ الأفكار الدينية والدعوية الأخرى كتنظيم الإخوان المسلمين و"التبليغ والدعوة"، لم تفد إلى سيناء إلا بعد التحرير؛ إذ اصطحبها معهم بعض أهل وادي النيل المهاجرين للإقامة في سيناء، وقلّة قليلة من أهل سيناء الذين هجّرتهم الحرب ثم عادوا حاملين للمجتمع السيناوي أفكارًا جديدة. كان "للإخوان المسلمين في سيناء منذ الثمنينيات من القرن الماضي وضعٌ مختلف عن سائر أنحاء الجمهورية، وكانت علاقتهم بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية تتّسم بنوع من الخصوصية؛ لأنهم في إقليم حدودي محرّر خاضع للإدارة العسكرية والأمنية في مناحيه كافّة."16أمّا الأفكار السلفية الأكثر سيولةً والأقلّ قوّةً تنظيميةً، فقد وردت عقب عام 1981؛ إذ أصبحت زيارة سيناء ممكنة من دون إذنٍ من الاستخبارات، فانطلقت جمعة "التبليغ والدعوة" التي تجوب البلاد داخليًّا وخارجيًّا للوعظ البسيط المباشر من دون التطرّق لقضايا سياسية17. وأمَّا الشيخ أسعد البيك المعتقل حاليًّا، وأحد رموز "دعوة أهل السنة والجمعة"، وأشهر قاضٍ في اللجان الشرعية لفضّ المنازعات في مدينة العريش، فيبيّ اقتراب جمعته من "الدعوة السلفية السكندرية" وتأثّرهم بشيوخها. إلا أنّه يشدّد على تمايزهم عن سلفية الإسكندرية في بعض القضايا العقائدية، تلك التي تجعلهم أقرب إلى السلفية الجهادية، لكن مع قناعة حركية بالتدرّج في الدعوة، وعدم حمْل السلاح مطلقًا، واحتفاظهم باستقلاليتهم18. وهناك اتفاق على أنّ الأفكار الجهادية والتكفيرية التي انتشرت في ربوع مصر في السبعينيات والثمنينيات لم تظهر في سيناء إلا نتيجةً لأساليب القمع والتعذيب التي استخدمها جهاز أمن الدولة في العقدين الأخيريْن من عهد مبارك. ولا يؤثر في قيمة هذا الاستنتاج حقيقة أنّ المقاومة المسلحة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي اتّسمت بما يمكن تسميته "الصوفية الجهادية". ويُلقَّب أبطال المقاومة من الرجال والنساء في سيناء ب "المجاهدين" و"المجاهدات" حتّى يومنا هذا. غير أنّ انتقال بعض زبانية أجهزة أمن الدولة والبدء باستنساخ السياسية الأمنيّة التي طُبّقت في الصعيد على سيناء مثّل نقطة الانعطاف بين مرحلتين19. ولم يكتفِ جهاز أمن الدولة بالاعتقال العشوائي والتعسّف في القمع، بل بادر أيضًا بإرسال إسلاميّي سيناء إلى سجون القاهرة ووادي النيل كنوع من تنغيص عيشهم وعيش أقاربهم؛ بتحميلهم مشقّة زياراتهم في أماكن بعيدة. وهناك اختلطوا بالجهاديين والتكفيريين، وعادوا حاملين أفكارهم إلى سيناء. وقد كانت الثمرة، ظهور تنظيم "التوحيد والجهاد"، على يد مؤسّسه خالد مساعد، طبيب الأسنان، في نهاية التسعينيات. ثمّ لم تلبث الأمور أن تسارعت، فانشطرت الجمعات وتكاثرت، بخاصّة بعد تفجيرات المنتجعات السياحية في جنوب سيناء أعوام 2004، و 2005، و 2006. وقد قُتل مساعد في إحدى تلك العمليات. وطالت آلة البطش آلاف المواطنين رجالً ونساءً وأطفالً وشيوخًا، صانعةً ثأرًا تاريخيًّا مع الأهالي، مُنعت بسببه الشرطة من العمل في المنطقة الحدودية في شمل سيناء منذ 28 كانون الثاني / يناير 2011 حتى الآن20. ومن جانبٍ آخر أدَّى التحاق الشباب السيناوي أيضًا بالتعليم الجامعي في المدن المصريّة دورًا مهمًّ في إذكاء التطرّف. وكانت الصوفيّة هي المسيطرة على مشاعر أهل سيناء الدينية حتّى بدايات عام.198021لكن، بعد إبرام معاهدة السلام، بدأ بعض الشبان الجامعيين يعودون إلى سيناء حاملين معهم الأفكار الدينية المتشدِّدة، وانتشر الفكر "الوهابي" في ربوع سيناء لأوّل مرة. ومع حلول عام 1984، بدأ محمود
آدم، وكان يعمل مدرّسًا، الدعوة، وأنشأ جمعة "التبليغ والدعوة" التي اعتمدت على جذب أتباعها بالخروج في سبيل الله لدعوة أنصار جدد، وانتشرت انتشارًا كبيرًا. إلا أنّه مع نهايات الثمنينيات، شكّلت مجموعة من الطلبة العائدين من الدراسة في الجامعات المصرية، مجموعاتٍ دينيةً أكثر تطرّفًا وتشدّدًا، تبنّى معظمها الفكر "الوهابي" المتشدّد ليظهر على الساحة شبّان يكفّرون آباءهم، ويرفضون تناول الطعام معهم22. يرى الشيخ سليمن أبو أيوب، أحد قادة التيار السلفي في سيناء، أنّ التحوّل من التديّن السمْح إلى التشدّد بدأ عام 1993 تقريبًا، قائلً: "تعتبر التنظيمت الدينية في سيناء كلّها سنّية وسلفية ولكنّنا نختلف مع بعضها في بعض الأمور، مثل عملية تفجير محطّة الغاز التي ننكرها تمامًا، لكنّ الموجودين الآن والجمعة الرئيسية في المكان هي الجمعة السلفية، وبدايتها كانت عام 1986، وكلّ الجمعات التكفيرية خرجت من رحمها"23. وقد توسّع نفوذ الفكر السلفيّ الجهاديّ من الشطر الشرقيّ لمدينة رفح إلى الغرب متمدّدًا في شمل سيناء، فحين اشتدّت المأساة الإنسانية، وأغلقت المعابر في اتفاقية غير عادلة، لم يجد فلسطينيّو القطاع منفذًا للغذاء والدواء سوى اقتحام الحدود المصرية مرّتين (2005 و 2007). وقتئذ، تفادت الاستخبارات العامّة المصرية برئاسة عمر سليمن الاقتحام الثالث؛ بالسمح باستعمل الأنفاق التي تراقبها السلطات المصرية مراقبةً غير رسمية، وتديرها حكومة حمس رسميًّا. وبين رفح الفلسطينية التي أصبحت فيها السلفية الجهادية والتكفيرية منافسةً لحركة حمس، ورفح المصرية التي لا يوجد فيها أثر لتنظيم الإخوان المسلمين، حُفرت الأنفاق التي صدّرت السلع والسلاح وموادّ البناء واستقبلت الشيكل والدولار، وكذلك الأفكار. فكان الأمر كدحرجة كرة النار إلى سيناء، على إثر قرار إرييل شارون بالانسحاب الأحادي من غزّة في ٥٠٠٢24.
التيارات والجماعات الإسلامية في سيناء: محاولة للتصنيف
تميل هذه الدراسة إلى تصنيف الجمعات الإسلامية – لا سيّم المسلّحة – في سيناء وفقًا لمواقفها وعملياتها وخطابها، مع الانتباه إلى ما طرأ عليها من تغيّ بعد 30 حزيران / يونيو 2013، وتقلّل من أهمية التصنيف على أساس المرجعيات الأيديولوجية السائدة في تصنيف الإسلاميين لانعدام أثرها عمليًّا؛ ففي المنطقة الحدودية من سيناء تعدّ المرجعيات الكلاسيكية، مثل سيد قطب وأبي الأعلى المودودي، ترفًا فكريًّا لا يستسيغه من بلغت به الحال مرحلة تكفير حالق اللحية25. ومن هؤلاء من لم يتجاوز تعليمه في الأغلب المرحلة الإعدادية. وتتردّد أسمء مثل أبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني، بوصفها مرجعيات لبعض الجمعات النشطة في شمل سيناء. ويثور جدل بشأن قيمة ما يقدّمانه من فكر لكونه لا يرقى إلى الفقه، وهو ما يراه القياديون الجهاديون الكلاسيكيون؛ من استمرّ منهم في التيار الجهادي، مثل نبيل نعيم، أو ممَّن اعتزله، مثل كمل حبيب26، وغيرهم. الحقيقة أنّ رسم حدود فاصلة بين التيارات الفكرية الإسلامية المختلفة، مطلب صعب المنال لأسباب كثيرة. لكن، تظلّ هناك إمكانية لرسم خطوط عريضة تندرج تحتها الجمعات المختلفة أو تتقاطع، والأمر البالغ الأهمية في أيّ محاولة للتصنيف، هو إدراك أنّ الخطوط الفاصلة بين التيارات ليست استاتيكيةً جامدةً، بل نشطة ومتغيّة ومتأثّرة بالتطورات، لا سيّم تلك التي مرّت بها مصر منذ 30 حزيران / يونيو 2013، وهو ما كان له دور كبير في تغيير مسار بعض هذه الجمعات. الإشكالية الثانية هي عدم بوح رؤوس بعض هذه التيارات بكلّ شيء؛ ففي مقابلة مع الشيخ أسعد البيك، إمام دعوة أهل السنّة والجمعة في سيناء، ذكر أنّ خلاف أهل السنّة والجمعة مع السلفية السكندرية
يدور في باب "هل الإيمان قول وعمل؟" فقط. لكن بعد اعتقاله وتناقل الأخبار عن وجود تسجيل مصوّر له يحرّض فيه على قتل الجنود (بعد انقلاب تموز/يوليو 2013، ومذابح فضّ الاعتصامات)، فإنّ أحد سلفيّي العريش27 قد نقل عن البيك وجهًا عقائديًّا متشددًا لم يعرفه عنه سوى من اقترب منه طلبًا للعلم؛ وهو أنّه يقول بعدم الإعذار بالجهل (وليس فقط في اشتراط العمل لصحّة الإيمان)، وهو المدخل الرئيس للتكفير. بعبور نقطة الارتكاز الأمني في منطقة "الريسة" شرق العريش، ينتهي الوجود التنظيمي الإخواني، وتنتهي دوائر الولاء الفكري؛ إذ تختلف التركيبة السكّانية بانتهاء الحضر العرايشي والخروج إلى البادية. ويؤكّد إخوان العريش وجود أفراد من الإخوان في الشيخ زويد ورفح، لكنهم لم يبلغوا أن يقيموا "أسرة" إخوانية واحدة، وهي أصغر نواة تنظيمية في جمعة الإخوان المسلمين. وقد بدأت السلفية بدرجاتها المختلفة في ملء الفراغ الفكري في المنطقة الحدودية بأسرها، مع ميل متزايد إلى الأفكار الأكثر تشدّدًا كلّم اتّجهنا شرقًا، نحو الحدود؛ فالدعوة السلفية السكندرية لها أنصار يدعمون "حزب النور" سياسيًّا، لكنّ وجود دعوة أهل السنّة والجمعة أقوى منها في كلّ من العريش والمنطقة الحدودية. ثمّ لا يلبث نفوذ أهل السنّة والجمعة أن يخفت في مقابل النفوذ الفكري للجهاديين والتكفيريين كلّم اتّجهنا شرقًا. بين السلفية الدعوية بشقّيها؛ سلفية الإسكندرية وما ظهر من فكر دعوة أهل السنّة والجمعة، وتكفير المجتمع، مساحة تحتلّها "السلفية الجهادية" كتيار فكري، بغضّ النظر عن حمل السلاح. فالسلفية الجهادية تكفّر "دولة الطاغوت" الحاكمة بغير الشرع، وكانت قبل تطوّر الأحداث بعد الانقلاب والمذابح لا تتوسّع في تكفير "جنود الطاغوت"؛ وذلك لأنهم مغلوبون على أمرهم بالتجنيد الإجباري. وترى السلفية الجهادية في المجتمع جاهليةً، بمصطلح سيد قطب في كلامه على "جاهلية القرن العشرين"، وترى الممرسات الكفرية شائعةً، وعلى رأسها عدم تحكيم الشريعة. لكنّها لا تكفّر المجتمع ولا تستهدفه بالضرر. على المستوى العملياتي، عجزت الجمعات المنضوية تحت لواء السلفية الجهادية عن القيام بأيّ عملية قتالية قبل ثورة يناير بسبب الأوضاع الأمنيّة، لكنّها لم تلبث عقب الثورة أن استهدفت خطّ الغاز المصدّر إلى إسرائيل بالتفجير ثلاث عشرة مرةً حتّى توقّف التصدير. بعدها بدأت تستهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة. ولم تخرج عن خطّها الإستراتيجي بقصر نيرانها على العدوّ الخارجي (الإسرائيلي)، إلا عندما استهدفها الجيش المصري بعد 30 حزيران / يونيو 2013. على رأس الجمعات السلفية الجهادية تبرز جمعة "أنصار بيت المقدس" أقوى التنظيمت وأكثرها احترافيةً، سواء من حيث نوعية العمليات أو في التوثيق المرئيّ والخطاب الإعلامي. يليها من حيث القوّة "مجلس شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس" المستقلّ بعملياته وتسجيلاته المرئيّة وبياناته الإعلامية. وأخيرًا، تصدر بعض البيانات الإعلامية باسم "السلفية الجهادية"، وهي في الغالب جمعة أضعف من سابقتيها وأقلّ منهم تنظيمً وكفاءةً وعملياتٍ. في التقاطع بين تيّار السلفية الجهادية والتيار التكفيري يظهر ما يمكن أن نصنّفه ب "التكفيريين الجهاديين". وهم يختلفون عن "التكفيريين السلميين"؛ فمن الشائع في المنطقة الحدودية من شمل سيناء وجود تيّار عريض من التكفيريين السلميين الرافضين لحمل السلاح من دون إمام مسلم يعلن الجهاد أو مجتمع مسلم يستحقّ العناء. فهم منكفئون على أنفسهم وجمعاتهم، فلا يؤاكلون الناس ولا يصلّون معهم ولا يتزوّجون منهم. التكفيريون السلميون منصرفون إلى مجتمعاتهم المنغلقة الضيّقة والدعوة إلى أفكارهم في انتظار قوّة شوكتهم أو الجهاد (ضدّ اليهود)، وسلاحهم الذي يقتنونه لأسباب قبلية وثقافية28 لا يُستخدم إلا في دفع الصائل (ردّ المعتدي). أمّا التكفيريون الجهاديون، فهم منطلقون من أرضية أيديولوجية تكفّر المجتمع، علاوةً على تكفير الدولة وأجهزة الحكم فيها، ويحملون السلاح في قتالٍ مقدّس (جهاد) اقتصر في مراحله الأولى على "جنود الطاغوت" من دون المدنييّن. تعدّ جمعة "التوحيد والجهاد" باكورة الجمعات التكفيرية الجهادية في سيناء. وقد تحلّلت بصورة كبيرة بعد مقتل مؤسّسها خالد مساعد، وبسبب الملاحقات الأمنيّة قبل ثورة يناير، وتناثرت فلولها بين الجمعات الأخرى ولم يظهر أيّ أثر لها أو لجمعة أخرى، قد تكون ورثتها فكريًّا وعملياتيًّا، إلا يوم 11 أيلول / سبتمبر 2013 في العملية
التي استهدفت مقرّ الاستخبارات الحربية في رفح المصرية؛ إذ أعلنت جمعة جديدة تدعى "جند الإسلام" مسؤوليتها عن العملية. وتشبه "جند الإسلام" سابقتها "التوحيد والجهاد" في أمرين؛ أوّلهم أنّها رفحاوية بامتياز؛ إذ يصعب فصل المصري عن الفلسطيني فيها، سواء من حيث الكوادر أو السلاح والعتاد، كم تعتمد بصورة ملحوظة على الأنفاق. ويمكن القول إنّها محدودة الانتشار خارج رفح، حيث الجمعات المسلّحة الأخرى. وثانيهم، اتّباع أسلوب التفجيرات الانتحارية العنيفة من دون قدرة عالية على المناورة القتالية؛ وذلك لترجيح عدم انتمء أعضائها إلى القبائل البدوية المسيطرة على الأراضي المحيطة. ويتّضح فارق المستوى بينهم وبين "أنصار بيت المقدس" و"أكناف بيت المقدس"، في طول الإعداد للعمليات والاعتناء بالتصوير والتحرير وجودة إخراج البيانات الإعلامية؛ ما يدلّ على التفاوت في الخبرة والتدريب والكفاءة. اختلاط التكفير بالتوجّه الجهادي أمر له أصول تاريخية خارج سيناء، كم أنّ انفتاح "تنظيم الجهاد العالمي" على "القطبيين" بقرار من أيمن الظواهري، قد أنتج هجائن جديدة من الجمعات الإسلامية المتنوّعة فكريًّا وجغرافيًّا، محليًّا وعالميًّا. ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ الرابطة الفكرية والمعنوية بين تنظيم القاعدة وبعض الجمعات المسلّحة في سيناء التي قد تتجلّ في تسجيلات صوتية داعمة من الظواهري أو الاحتفاء بتلك التسجيلات في موادّ مرئية تنتجها جمعة "أنصار بيت المقدس" مثلً، لم يثبت تطوّرها إلى رابطة تنظيمية. النقطة المحورية هنا هي أنّ التمثل بين جهاديّي سيناء وجهاديّي القاعدة كان كبيرًا في الفترة من شباط / فبراير 2011 وحزيران / يونيو 2013؛ إذ اقتصر اختلاف جهاديّي سيناء عن نظرائهم في القاعدة ميدانيًّا أخذًا بنظرية العدوّ القريب (إسرائيل) أولى من العدوّ البعيد (الولايات المتحدة الأميركية)، وإن كانت الأرض السوريّة قد جمعت بينهم في ضوء عدّهم الثورة السورية معركة مذهبية عقائدية، فسافر إليها بعض جهاديّي سيناء. أمّا الفترة بعد 30 حزيران / يونيو، فالسمة الغالبة عليها هي التميز والخصوصية الشديدة للسياق السيناوي الذي قد يكون حجر زاوية في تحولّات إقليمية كبرى تبدأ بتصدير العنف المنظّم خارج شبه الجزيرة انطلاقًا من إقليم قناة السويس29.
موقف الجهاديين في سيناء من جماعة الإخوان المسلمين
توالت أخبار القبض على عددٍ من قيادات الإخوان المسلمين في الأسابيع التالية لفضّ اعتصامَي ميدان رابعة العدوية شرق القاهرة، وميدان النهضة في الجيزة. ولم يَغِبْ عن هذه الأخبار وصْف محاولات تنكّرهم وهروبهم واختبائهم. وفي الوقت الذي أعلنت فيه السلطات اعتقال أحدهم في واحة سيوة في الصحراء الغربية، جرى تساؤل عن عدم لجوء قيادات الإخوان إلى سيناء للاحتمء بالجمعات التي قيل إنّها تنفّذ عمليات العنف بالتنسيق معهم. فهل ارتبط العنف في سيناء بالأزمة السياسية في القاهرة (قبل بدء الحرب/العمليات العسكرية الموسّعة في 7 أيلول/ سبتمبر 2013)، بسبب تنسيقٍ جرى بين قادة الإخوان والجمعات المسلّحة في سيناء؟ وهل أنّ "حمس" ضالعة في هذه العلاقة؟ ألا تعدّ حكومة "حمس"، بحكم المصلحة السياسية النفعية على الأقلّ، من أشدّ الأطراف حرصًا على تهدئة الأمور في سيناء تجنّبًا لانفجار الوضع اقتصاديًّا وإنسانيًّا، إن أغلقت الأنفاق والمعابر بين غزّة وسيناء؟ُ لا تستبعد نظرية الاحتملات، المدعمة ببعض الحوادث القريبة، ترجيح استفادة "حركة فتح" من إشعال الأزمة في سيناء لمواصلة الضغط على "حمس"؛ فقد أعلنت وزارة الداخلية المصرية بالفعل عن إلقاء القبض على أحد الفلسطينيين المتورطين في أعمل عُنف في سيناء ممن ينتسبون إلى جهاز الأمن الوقائي التابع لحركة "فتح". كان خبرًا مقتضبًا ظهر على شريط شاشات التليفزيون الرسمي، ولم يتكرر كثيرًا، ولم تلتفت إليه سائر وسائل الإعلام. في حين أظهر مقطع تسجيلي مُصوَّر على موقع "يوتيوب" احتفال أقارب المقبوض عليهم في سيناء من حركة فتح بإطلاق سراحهم. ويذكر محامو المعتقلين في العريش اعتذار السلطات لفتحاوييّن مقيمين في شمل سيناء عن القبض عليهم خطأ، وقد أفرج عنهم من نيابة الجلاء العسكرية في الإسمعيلية، وصُف لكلّ منهم مبلغ 500 جنيه30. لكننّا نستبعد التفسير التآمري للعنف السياسي في سيناء باختراق الأجهزة المصرية والإقليمية المجموعات المسلّحة أمنيًّا واستخباراتيًّا، وتوجيهها جزئيًّا أو كليًّا العمليات بالسطوة الفكرية أو المالية.
والاحتمل المرجّح هو استقلال إرادة هذه التنظيمت السياسية والعسكرية عن كلٍّ من الإخوان وحليفتها حمس من ناحية، واستقلالها عن تلاعب الأجهزة الأمنيّة والاستخباراتية من ناحية أخرى؛ ما يدلّ على وجود معنى غير تآمري للعمليات التي تستهدف الجيش والشرطة، والتي ازدادت وتيرتها بعد انقلاب 3 تموز / يوليو، وبلغت مداها بتصفية 25 جنديًّا أعزل بملابس مدنية في ما عُرف بمذبحة رفح الثانية31.
يقود هذا الاحتمل إلى أحد تفسيرين محتملين؛ أوّلهم وقائي، والثاني دفاعي وتضامني. وكلَ الاحتملين منطلق من تصديق موقف هذه الجمعات المعلن محليًّا إزاء سلطة الإخوان المسلمين؛ إذ رأوا محمد مرسي رئيسًا لحكم طاغوتي لم يطبّق الشريعة، ولم يعلن الجهاد لتحرير أرض فلسطين ومقدّساتها. لقد حرصت الجمعات، على اختلاف تصنيفاتها، على إبداء معارضتها الشرعية / الدينية حكم مرسي والإخوان، سواء بتنفيذ عمليات داخل الأرض الفلسطينية المحتلّة أو بنشر آرائهم الدينية بخصوص تكفير الإخوان والسلفيين الذين قبلوا بالديمقراطية الإجرائية32؛ ففي عمليّتي أنصار بيت المقدس في إيلات وأكناف بيت المقدس في صحراء النقب، بعد تولّ محمد مرسي الرئاسة، إظهارٌ لتحدّي السلفية الجهادية سلطة إخوان مصر الذين لم يبدوا أيّ اعتراض على استمرار معاهدة السلام. وهو ما يعدّ رسالة تضامن مع تيّار السلفية الجهادية في غزة الواقع تحت السيطرة الفعلية لسلطة حمس التي تُوجَّه لها سهام النقد لاحتكارها زناد المقاومة / الجهاد. وعليه، فإنّ احتمل كون العمليات ضدّ الجيش والشرطة بعد الانقلاب وقائيّةً، لا يعني التنسيق مع الإخوان المسلمين، ولكن يعني أنّ أعضاء الجمعات المسلّحة أرادوا إعلان رفضهم الشديد عودة الدولة القمعية البوليسية بوصفهم من سكان المنطقة الحدودية وأصحاب الثأر مع الشرطة، وجهاز مباحث أمن الدولة الذي أعيد ضبّاطه إلى مواقعهم القديمة بعد انقلاب 3 تموز / يوليو. فالمبادرة بالعمليات عقب الانقلاب قبل إعلان الجيش الحرب عليهم قد تُفهم في هذا السياق، من جهة أنّ المستهدف منه لم يكن المدنييّن، بل أفراد القوّات النظامية ومركباتها. ويحتمل أن يكون المنحى الوقائي احترازيًّا بعد عزل الرئيس المنتخب ديمقراطيًّا (الكافر في نظر بعضهم)، والإجراءات التي رافقت عزله؛ ما رأوه مؤشًّا لعودة تعامل السلطات معهم كم كان الأمر قبل كانون الثاني / يناير 2011، الأمر الذي دفعهم لإيصال رسالة قويّة مفادها أنّهم لن يسمحوا بذلك حتّى لو قامت الحرب. الصورة التي نقلتها دعاية الإخوان وأنصارهم، والتي ظلَّت منصّة اعتصام رابعة تؤكّدها، هي أنّ سلطة الانقلاب في "حرب على الإسلام". وهي صورة كفيلة بإثارة حمية الجمعات المسلّحة في شمل سيناء مدعومة بدماء المئات من الإسلاميين العزّل الذين أريقت في عدّة مواقع. وفي السطور المقبلة، تتبّعٌ لمواقف أهمّ جمعة سلفية جهادية مسلّحة في سيناء، بما يدعم التفسير التضامني الدفاعي المستقلّ تنظيميًّا وماليًّا عن الإخوان في مصر وحمس في فلسطين، وبما يستبعد التوجيه / الاختراق الاستخباراتي / الأمني المصري.
"أنصار بيت المقدس" و"كامب ديفيد": من الخرق العدائي إلى التعطيل بالتنسيق المشترك
برز اسم "أنصار بيت المقدس" لأوّل مرة في فيلم تسجيلي بعنوان "وإن عدتم عدنا". أظهر الفيلم المنشور في 2012 جوانب تفصيلية من عمليات تفجير خطّ الغاز الطبيعي المصدّر إلى دولة الاحتلال، مع بعض المقاطع الصوتية للقيادي في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري الذي أثنى عليهم. وتوقّف استهداف خطّ الغاز بإعلان المجلس العسكري إبّان حكمه، وقف تصديره إلى إسرائيل تنفيذًا لقرار المحكمة التي قضت ببطلان صفقة البيع. بعدها توجّهت عمليات "أنصار بيت المقدس" إلى داخل الأرض المحتلة؛ إذ استهدفت سيارة إسرائيلية في صحراء النقب بالقرب من الخطّ الحدودي في وسط
سيناء، ونفّذت عدة عمليات في أم الرشراش (إيلات)، وقامت بتصوير جوانب منها وبثّها في تسجيلات مصوّرة على موقع يوتيوب"33. وبعد ذلك اتّجهت جمعة "أنصار بيت المقدس" إلى استهداف الأراضي المحتلّة، وكان ردّ استخبارات الاحتلال بتصعيد اخترقت به السيادة المصرية بعملية اغتيال القيادي في التنظيم وأحد منفّذي عملية أم الرشراش، إبراهيم عويضة بريكات، في 26 آب / أغسطس 2012. وفي تسجيلٍ مصوّر بثَّته "أنصار بيت المقدس" على موقع يوتيوب بتاريخ 11 أيلول / سبتمبر 2012، اعترف (منيزل محمد سليمن سلامة) بأنّه الجاسوس الرئيس في العملية الذي جنّد جاسوسين آخرين، قام أحدهم (سلامة العوايدة) بزرع شريحة إلكترونية أسفل خزّان الوقود بالدراجة البخارية الخاصّة ب "أبو عويضة"، واكتملت دائرة الانفجار بهذه الشريحة لحظة مروره فوق المتفجّرات. وجدّد جيش الاحتلال اختراقه سيناء في حزيران / يونيو 2013؛ إذ جرى اختطاف وائل أبو ريدة، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة الذي كان في زيارة علاجية لابنه في القاهرة. ونشرت جريدة "الأخبار اللبنانية" على لسان مصدر استخباراتي محلّ تأكيده تفاصيل اختطاف أبو ريدة، وإشارته إلى نجاته من عدّة محاولات للاختطاف داخل غزة، مع إبداء أسفه على أن يكون نجاح العملية أخيرًا قد جرى باختراق السيادة والأمن القومي المصريَيّن34. ومن صور إنكار قيادة الجيش بعد الانقلاب اختراق السيادة المصرية، ما نقلته وكالات الأنباء العالمية ثالث أيام عيد الفطر (9 آب/أغسطس 2013) بشأن مقتل خمسة جهاديين في سيناء بقذيفتين صاروخيتين موجّهتين من طائرة إسرائيلية من دون طيّار بالقرب من الخط الحدودي. فقد اكتفى المتحدث العسكري المصري بتعليقٍ مقتضب على صفحته الرسمية على "فيسبوك" يشير فيه إلى "سمع انفجارين بين العلامتين الدوليتين ((1011) و) في تمام الساعة الرابعة والربع من عصر الجمعة الموافق للتاسع من آب / أغسطس"35. غير أنّ ذلك الإنكار لم يصمد طويلً؛ إذ أصدرت جمعة "أنصار بيت المقدس" بيانًا صباح السبت الموافق للعاشر من آب / أغسطس 2013 تنعى فيه شهداءها الأربعة، وتعلن فيه أسمءهم بالكامل وانتمءهم القبلي، وقراهم الحدودية التي يسكنون فيها، موضّحةً نجاة قائدهم الخامس من دون تسميته. وقد وجّه البيان اتّهامًا صريحًا للجيش المصري بالعملة لدولة الاحتلال، ناقلً شهادات عيان لسكّان المنطقة. ولقد توافق البيان الذي أصدرته جمعة "أنصار بيت المقدس" مع المنشور في الإعلام الدولي والصحافة الإسرائيلية، ما وضع السلطات العسكرية المصرية في حرج، وما دفع وكالة أنباء الشرق الأوسط الناطقة بلسان السلطة في مصر، إلى أن تنشر على لسان "مصدر أمني رفيع"، من دون تسمية، ادّعاءه أنّ قصف الجهاديين الأربعة قد جرى من طائرتي "أباتشي" و"جازيل" تابعتين للجيش المصري. وأشارت الرواية الأمنيّة الرسمية إلى حيازة اثنين من الجهاديين دراجة بخارية، وهو صحيح، لكنّها زعمت ضبط منصّة صواريخ موجّهة تجاه الأراضي المصرية، على الرغم من أنّه لا يوجد منطق في استهداف الأراضي المصرية من أبعد نقطة حدودية في منطقة غير مأهولة. لم تلبث "السلفية الجهادية" أن ردّت ببيان يوم الأحد الموافق للحادي عشر من آب / أغسطس لتكذيب المتحدّث العسكري وغيره من القادة العسكريين الذين يسرّبون تصريحاتهم عبر وسائل الإعلام التابعة للسلطة. وأكّدت "السلفية الجهادية" اتّهامات أقرانهم في جمعة "أنصار بيت المقدس" الجيشَ المصريَّ بالعملة وخدمة مصالح دولة الاحتلال. وقد أشارت "السلفية الجهادية" في بيانها إلى تجاوز الانتهاكات الإسرائيلية مرحلة اختراق الأجواء المصرية إلى تنفيذ العمليات ضدّ أهداف داخل الأراضي المصرية بإذنٍ وتنسيق مع الجانب المصري، علمً بأنّ الطائرات العسكرية المصرية لم يُسمح لها بالتحليق في المنطقة الحدودية منذ حزيران / يونيو 1967 إلا بعد إذن إسرائيل في 2012 الماضي لأسبابٍ متعلقة بملاحقة الجمعات المسلّحة بوصفها "عدوًّا مشتركًا" بين الجانبين. بالتوازي مع بيان "السلفية الجهادية" أصدر تنظيم "مجلس شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس"، بيانه رقم (39) بتاريخ 10 آب / أغسطس 2013 الذي يؤكّد رواية أقرانهم في "أنصار بيت المقدس" ونعيهم فيه "الشهداء" الأربعة بأسمئهم وقبائلهم. وصعّد الجيش المصري بشنّ غارة جوية على قرية "الثومة" جنوب مدينة "الشيخ زويد"؛ إذ قُصفت القرية بعدّة قذائف أسفرت عن مقتل مواطنيَن، هم: عبد الله أحمد سالم (32 عامًا)، وجهاد جبر السويركي (30 عامًا).
أمّا تصعيد الجمعات المسلّحة، فقد عبّ عنه البيان رقم (40) الذي أصدره "مجلس شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس" صباحَ الثلاثاء 13 آب / أغسطس، معلنًا مسؤوليته عن إطلاق صاروخ "غراد" واحد على قرية "أم الرشراش" (إيلات) في الساعة الواحدة من فجر اليوم نفسه، ردّة فعل سريعة على مقتل الجهاديين الأربعة، وأنّ منفّذيها قد عادوا من حيث أتوا سالمين، متوعّدين بمزيدٍ من العمليات36. وكانت "السلفية الجهادية" قد أعلنت قبل ذلك بيومين، في يوم الأحد 11 آب / أغسطس، في بيانٍ موثق بالصور، بعنوان "حقيقة عملية الجيش في قرية الثومة 2013/8/10"، تضمّن تكذيبًا لرواية المتحدث العسكري، ونفيًا لوجود عملية عسكرية من الأساس، واصفةً ما حدث بأنّه قصف عشوائي لتضليل الرأي العام وإيهام الجمهور بأنّه كانت هناك عملية عسكرية مصرية في "العجراء"؛ إذ قتل الجهاديون الأربعة، ويجري استكملها في "الثومة". واتّهم بيان "السلفية الجهادية" قوّات الجيش المصري بارتكاب عدّة جرائم، منها: استخدام القوّة المفرطة والأسلحة المميتة في عملية استعراضية عشوائية، والقتل العمد لأبرياء ثمّ تلفيق تهمة تبرّر قتلهم من دون تحقيقٍ أو إثبات. كم اتّهمها البيان بإشاعة الرعب والهلع في منطقة سكنية مكتظة بالنساء والأطفال والعجائز وتعريضهم للخطر القاتل من دون سبب أو مبرّر، وتضليل الرأي العامّ، واتّهام الأبرياء بتهمٍ باطلة من دون أدلّة، وادّعاء بطولات وهمية في الوقت الذي تتعاون فيه مع "عدوّ الأمّة" وتفتح مجالها الجوّي له فيتجسّس ويقتل ما يشاء، بحسب صيغة البيان. ليلة الأربعاء، 14 آب / أغسطس، جرى فضّ اعتصام ميدان النهضة في الجيزة مع سقوط عشرات القتلى، وفي الفجر بدأت عملية فضّ اعتصام ميدان رابعة العدوية في شرق القاهرة الذي راح ضحيّته مئات المدنيين العزّل، وهي المذبحة التي أضافت تأكيد الخطاب التضامني دينيًّا في بيانات الجمعات السيناوية المسلّحة التالية. وكان ملاحظًا أنّ خطاب التنظيمت السلفية الجهادية في سيناء ظلّ يبتعد عن توجيه الاتهام أو إعلان العداء تجاه السلطات المصرية وقوّاتها النظامية من الجيش والشرطة، إلى أن سقط أعضاء جمعة "أنصار بيت المقدس" الأربعة في عيد الفطر، وجرى تصعيد من الجيش المصري ضدّ الجمعات ومحيطهم السكّاني في اليوم التالي. في ظهيرة يوم 19 آب / أغسطس 2013؛ أي بعد أقلّ من خمس ساعات من وقوع مذبحة الجنود الثانية، نشرت "أنصار بيت المقدس" تسجيلً مصوّرًا للجنود السبعة الذين سبق اختطافهم والإفراج عنهم في أيار / مايو من العام الجاري. ظهر الجنود في حالة صحية جيدة، وقد تحدّث أحدهم موجّهًا الشكر لجمعة "أنصار بيت المقدس" لتوسّطهم في الإفراج عنهم ولحسن معاملتهم. ووجّهت الجمعة على لسان الجندي نداءً للرئيس محمد مرسي وقتها مطالبين بالإفراج عن معتقليهم وسجنائهم. بدا أنّ توقيت نشر الفيديو بعد ثلاثة شهور من تسجيله رسالة تبَرُّؤ ضمني من التورّط في مذبحة الجنود الثانية. فقد أظهرت جنازة الأعضاء الأربعة المقتولين في عيد الفطر تعاطفًا شعبيًّا محليًّا جارفًا، وهو ما كان مهدّدًا بالفقدان إذا أدينت "أنصار بيت المقدس" بمذبحة الجنود. ولم يكد يمرّ أسبوعان حتّى جرى نشر بيان مثير للجدل ومربك للتحليلات تحت عنوان "غزوة الثأر لمسلمي مصر"، تبنّت فيه جمعة "أنصار بيت المقدس" محاولة اغتيال اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية المصري، يوم 4 أيلول / سبتمبر 2013. وصدر البيان يوم الأحد 8 أيلول / سبتمبر بعد أربعة أيام على المحاولة الفاشلة التي أصابت بعض المدنيين في موقع الحادثة بالقرب من منزل الوزير. وهو بيان صدم وسائل الإعلام المصرية؛ فكأنّها تسمع باسم التنظيم لأوّل مرة. كم أربك البيان المراقبين الذين فهموا من متابعة "أنصار بيت المقدس" أنّها جمعة جهاد / مقاومة للعدوّ الإسرائيلي فقط. يوم الثلاثاء 2 أيلول / سبتمبر شنّت الأباتشي المصرية قصفًا على قريتَي "الثومة" و"المقاطعة" جنوب مدينة الشيخ زويد، وهي الواقعة التي حوكم فيها الصحفي السيناوي أحمد أبو دراع بسببها عسكريًّا؛ لأنه نفى رواية الجيش الرسمية. وأكّد سكان القريتين أنّ القصف لم يسفر عن أيّ قتلى، وأنّ أحد المصابين الأربعة فقط قد جرى اعتقاله من مستشفى الشيخ زويد قبل تلقّيه العلاج، إلا أنّ التليفزيون الرسمي قد أعلن عن مقتل أكثر من عشرة وإصابة عدد أكبر من القتلى. كم نفى سكان جيران المنازل المقصوفة الرواية الأمنية الرسمية التي ادّعت تفجير مخازن سلاح. أصدرت "السلفية الجهادية في سيناء" بيانًا صباح الأربعاء 3 أيلول / سبتمبر يصف الجيش المصري بالكذب والخيانة، ذاكرًا خسائر القصف من منازل مدنيين والضرر الذي لحق بالمسجد، وقد أشار البيان إلى استهداف منزل أسرة أحد الجهاديين الأربعة الذين قُتلوا في عيد الفطر الماضي قبيل استهدافهم الأراضي المحتلّة بصواريخ. وعلى الجانب الإسرائيلي، أشار موقع "ديبكا" في تقريرٍ خاصّ نشَه
تعليقًا على هذه العملية، إلى أنّها المرة الأولى منذ 8 سنوات التي يفي فيها الجيش المصري بالالتزامات التي أبرمها حسني مبارك سنة 2005 إبّان الانسحاب الأحادي من قطاع غزة. ووفقًا لزعم التقرير، اعتمد الجيش المصري على إستراتيجيتين متزامنتين منذ إطاحة محمد مرسي للتضييق على من سمَّهم "الإرهابيين" الذين يمثّلون خطرًا على كلٍّ من مصر و"إسرائيل"، وهم: إقامة منطقة عازلة بطول 14 كيلومترًا هي حدود مصر مع غزة، وإقامة عشرات نقاط التفتيش التي تحدّ من وصول الإمداد البشري واللوجيستي. كم ربط "ديبكا" بين الضربة الجوّية وقيام الجيش المصري بهدم الأنفاق في رفح؛ للتضييق على ما سمَّه حرية حركة المسلّحين من حمس ومن الجهاديين بين غزة والمنطقة الحدودية من شمل سيناء. خطاب "أنصار بيت المقدس" الذي اتّسم بالتمرّد المسلح على سلطة الدولة، لم يحمل أيّ مضمون يمكن تصنيفه إرهابيًّا بصورة قاطعة، إلا في البيان الذي أصدره التنظيم في 8 أيلول / سبتمبر الذي ضمّ إلى المستهدفين بالاغتيال، بعض الإعلاميين (من دون تسمية) لاتّهامهم بالتحريض على القتل وتصفية المعتصمين والمتظاهرين. عقب بدء العمليات العسكرية الموسّعة في 7 أيلول / سبتمبر 2013، وبعد نشر "أنصار بيت المقدس" أكثر من بيان عن الخسائر التي ألحقتها بالقوّات النظامية المصرية، جرى بثّ تسجيل مصوّر يضمّ عدة لقطات لاستهداف قوّات الجيش ومركباته. وكانت إحدى هذه العمليات قد استهدفت نقطة الارتكاز الأمني عند مبنى مصلحة الضرائب في مدخل حيّ الكوثر في مدينة الشيخ زويد. وهو ما يثبت عدم بدء العمليات ضدّ القوات النظامية بمذبحة فضّ الاعتصام؛ بل يمكن ردّها إلى ما أطلق عليه السلفيون الجهاديون في سيناء "مذابح الساجدين والصائمين"37.
ما الذي جرى في سيناء تحديدًا؟
يمكن تصنيف المشهد العسكري في سيناء في ثلاثة مستويات إجملً؛ المستوى العملياتي، والمستوى الإستراتيجي، والمستوى السياسي الدولي والإقليمي. على مستوى العمليات، لا توجد معلومات دقيقة متعلِّقة بالجوانب الفنّية والعملياتية سوى ادّعاءات الرواية الأمنيّة الرسمية على الموقوفين، إضافةً إلى بيانات الجمعات المسلّحة، على رأسها "أنصار بيت المقدس" التي تدّعي فيها انتصاراتٍ جزئيةً على القوات النظامية38. أمّا ما يمكن الحديث عنه يقينًا في الجوانب العملياتية، فهو الآثار الإنسانية والاقتصادية المدمّرة والانتهاكات التي تورّطت فيها القوات النظامية المصرية بقيادة أحمد وصفي، قائد الجيش الثاني الميداني، بإشراف قائد الأركان والقائد العامّ، وقد وصفتها المنظمت الحقوقية بأنّها "انتهاكات منهجية مستمرّة"39.
نشُر في بعض وسائل الإع ماا40 جانب من توثيق تلك الانتهاكات التي ارتكبتها قوّات الجيش في حقّ آلاف المدنيين من سكّان المنطقة الحدودية في شمل سيناء، وقد يستغرق الأمر عدّة سنوات لإثبات أنّ الانتهاكات بلغت رسميًّا درجة "جرائم الحرب". لكنّ الذي لا شكّ فيه أنّها شملت التهجير القسري، وتدمير المنازل والمزارع، وقصف المنازل والمساجد بالطائرات والدبابات من دون تحذير بالإخلاء؛ ما تسبّب في مقتل أكثر من عشرة أطفال، وأكثر من خمس نساء قبل نهاية شهر أيلول / سبتمبر. وذلك، فضلً عن تعمّد إحراق السيارات الخاصة، وذات الدفع الرباعي من دون أدنى ضرورة، وحرق "العشش" وبيوت الشعر التي كان بعضها مأوى أوحد للفقراء المدقعين من بدو المنطقة الحدودية. وقد تواترت الشهادات عن النهب المنهجي
لمحتويات المنازل من أموال ومصوغ، بل حتّى الملابس والمفروشات والمأكولات؛ وذلك قبل إحراق الأثاث بالكامل من دون توجيه أدنى اتّهام أو اعتقال لأيّ مشتبه فيهم41. لكلّ هذه الممرسات آثارٌ اجتمعية واقتصادية وسياسية، لكنّها لا تعطي مؤشرات كافية عن تحليل الجانب العملياتي من المشهد الجاري، وإن كان قد ثبت ببعض الصور، والتسجيلات المرئية، والروايات المحلّية، صحّة ادّعاءات الجمعات المسلحة إيقاع خسائر في صفوف الجيش في تلك الحرب التي هي غير المتكافئة فنيًّا، والتي يصعب تصنيفها على أنها حرب شوارع، أو حرب تضاريس وعرة. والحقيقة أنّ أرض العمليات الجارية كلّها سهلة ومنبسطة بعيدًا من جبال وسط سيناء التي طالما نسجت بشأنها الأساطير الأمنيّة (مثل جبل الحلال)42. ومن المؤكّد أيضًا أنّ أعضاء الجمعات المسلحة ينسحبون تكتيكيًّا – في المداهمت غالبًا – إلى خارج القرى، ولا يجري القبض على أيٍّ منهم، ثمّ يناورون القوّات النظامية ويشتبكون معها أو يستهدفون مركباتها بالعبوات الناسفة على الطرق بين القرى. وبالنسبة إلى المستوى الإستراتيجي، فقد استفادت إسرائيل من انشغال الجمعات المسلحة بمواجهاتها للجيش المصري، وضمنت تأمينًا لحدودها بمنطقة عازلة تنفّذها القوّات المصرية قسرًا غير عابئة بممتلكات المواطنين ومساكنهم ومزارعهم. وحتى إن لم تقضِ العمليات على الجمعات، وأغلب الظنّ أنّها لم تفعل، فقد استنفدت جانبًا كبيرًا من طاقتها ومن تسليحها بقدرٍ يصعب تعويضه في المستقبل القريب؛ فالطفرة التي شهدتها سيناء في نوعية السلاح وكمياته بعد اندلاع الثورة الليبية وأثناء فترة الانفلات الأمني في مصر، يصعب توقّع تكرارها في المدى المنظور؛ وذلك للأوضاع الأمنيّة المختلفة تمامًا. لم تَخْل العمليات من استفادة إستراتيجية للجيش المصري، بعيدًا من ادّعاءات فرْض السيطرة والسيادة المردودة بحقائق التنسيق الأمني مع إسرائيل قبل نشر أيّ قوّات. لكنْ عمليًّا، جرى تعطيل الملحق الأمني بمعاهدة السلام الذي كان يمنع الجيش المصري من الوجود في المنطقة (ج)، ويحرّم عليه تحليق الطائرات العسكرية في سمئها. وحتّى في العمليتين "نسر" و"نسر 2"، كان المسموح به استثناءً من الملحق الأمني، محدودًا نسبيًّا. أمّا الآن، فقد حلّق الطيّارون المقاتلون المصريون فوق المنطقة (ج) لأوّل مرة منذ 1967، وجرى تمشيط المنطقة جوًّا وأرضًا أكثر من مرة. كم أنه من المرجّح مناورة القوات المتعدّدة الجنسيات والمراقبين MFO، وإدخال معدّات غير متّفق عليها ممنوعة وفقًا للمعاهدة وملحقها الأمني، بل ربّا غير متّفق عليها حتى في التنسيقات الأمنيّة الأخيرة والراهنة. من الطبيعي أن يعمل الجيش من أجل الحفاظ على التزام الدولة بمعاهداتها الدولية القائمة، بغضّ النظر عن الرفض الشعبي لها أو الحاجة إلى مراجعتها وتعديلها أو حتّى الانسحاب منها؛ فالدولة المصرية ملتزمة بعدم شنّ أيّ فعلٍ حربيٍّ أو عدائيٍّ تجاه "دولة إسرائيل" على الأراضي الفلسطينية المحتلّة. لكن الثمن الذي يدفعه الجيش المصري، عسكريًّا وسياسيًّا، مقابل هذه الالتزامات وتحقيق تلك الأهداف باهظ؛ فإعلان الجيش الحرب على الجمعات المسلحة والمواجهة المفتوحة معهم، ميدانيًّا كم بدأ بالفعل، أو إعلاميًّا كم أعلن لاحقًا، أعطاها مسوّغًا بوصف عملياتها ضدّه من باب دفع الصائل (ردّ المعتدي)، ثمّ لم يلبث خطابها أن اتّهم الجيش صراحةً بالردّة والكفر. بعيدًا من ردود الفعل الغاضبة والانتقامية التي قد تدفع إلى انتشار ظاهرة "جيش الرجل الواحد"، والتي قد تكلِّف السلطة والمجتمع خسائرَ فادحةً يصعب توقّعها، فإنّ الجمعات قد هدّدت سابقًا مبعوث مستشار الرئيس المعزول محمد مرسي للحوار المجتمعي عقب مذبحة رفح الأولى في 2012 بأنّ ردّها على استهدافها بعمليات عسكرية في سيناء سيكون في قلب القاهرة ووادي النيل. وقد أوفت بوعيدها، وأعلنت "أنصار بيت المقدس" استهداف موكب وزير الداخلية بالقرب من مسكنه في مدينة نصر (4 أيلول/سبتمبر)، وكذلك مكتب الاستخبارات العسكرية في الإسمعيلية (20 تشرين الأول/أكتوبر) الذي يعدّ محصّنًا في ثكنة عسكرية، وذا أهمية قصوى في منطقة القناة وسيناء، وأخيرًا اغتيال ضابط في مباحث أمن الدولة (الأمن الوطني) في حيّ مدينة نصر في القاهرة (18 تشرين الثاني/ نوفمبر). يعدّ خروج أنصار بيت المقدس وسائر الجمعات السلفية الجهادية التي كانت تقصر نيرانها على الجانب الإسرائيلي من دون التورّط في المشهد السياسي المصري أو الفلسطيني، عن مسارها الذي التزمته
منذ ثورة يناير، تحوّلً إستراتيجيًّا، وإيذانًا بحربٍ مفتوحة يغيب عن أفقها احتملات الهدنة أو إعلان التهدئة؛ فصراع الأجهزة، أو حتّى صراع الأجنحة داخل أجهزة السلطة، كانت الغلبة فيه لفائدة "صوت العقل" حتّى شهر أيار / مايو 2013؛ إذ جرى إنهاء أزمة الجنود السبعة المختطفين من دون تقديم تنازلات في التفاوض، ومن دون التورّط في انتهاكات. لكن "صوت القوّة" ارتفع وحسم الجولة التالية لمصلحته عقب مذبحة جنود رفح الثانية، في آب / أغسطس، بعد الانقلاب وعقب مذبحة فضّ الاعتصام. وانزوى صوت المقيمين للخدمة في سيناء من جهاز الاستخبارات العسكرية المدركين لخطورة التورّط في انتهاكات ضدّ السكان المحليين وأثرها الذي لن يسهل محوه. تحوّلٌ يلقي بالشكّ والتساؤل عن إمكانية أن يكون منفّذ المذبحة مدركًا لصراع وجهات النظر بين الأجنحة الاستخباراتية والميدانية داخل الجيش، حريصًا على إطلاق يد البطش. وعليه، يطرح هذا الاحتمل النظري أسئلة عن القدرة التنفيذية لطرفٍ إقليمي (إسرائيلي مثلً) على القيام بعملية راح ضحيّتها 25 جنديًّا كانوا عزلً بملابسهم المدنية متوجّهين من العريش إلى مقرّ فوجهم العسكري في مدينة رفح. لعلّ اختراق إسرائيل العمق المصري في عملية اغتيال القيادي في أنصار بيت المقدس إبراهيم عويضة، أو في اختطاف وائل أبو ريدة، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، من قلب وادي النيل أثناء رحلة علاج ابنه، يحمل إجابةً عن هذا التساؤل. وعلى الرغم من عدم توجيه اتهام رسمي لأيّ طرف في مذبحة الجنود الأولى التي تبرّأت منها الجمعات السيناوية المسلّحة كلّها، فإنّ تصفية وحدة عسكرية كاملة قوامها 16 جنديًّا داخل مقرّ الوحدة بزيّهم العسكري وسلاحهم الخفيف والثقيل، تلفت إلى قدرة "مجهولين" على تنفيذ عمليات بهذا المستوى لأهدافٍ سياسية وإستراتيجية ربما لا تنكشف بوضوح إلا بعد مرور سنوات. أمّا على المستوى السياسي الدولي والإقليمي، فقد بالغت السلطة المصرية القائمة منذ الانقلاب في الالتزام بتعهداتها مع إسرائيل، مخافة وقْف المساعدات العسكرية الأميركية وانهيار أحد أهمّ ركائز اتفاقية "كامب ديفيد" ومعاهدة السلام43 إنْ عدَّه الكونجرس انقلابًا عسكريًّا. واختارت قيادة الجيش في القاهرة بالاتفاق مع النظراء في تل أبيب، تعطيل الملحق الأمني جزئيًّا وموقَّتا، عوضا من تهديد المعاهدة التي يبدو أنّ فكرة مراجعتها لتوافِق إرادة الشعب المصري لا تزال خيالً لم يرد في بال أيّ سلطة تلت سقوط مبارك. ويبدو أنّ الأولوية تتَّجه إلى مصلحة متمثِّلة بضمن دعْم إسرائيل لموقف السلطة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. تتضافر الشواهد على إشادة الجانب الإسرائيلي بالتعاون الأمنيّ في مواجهة الجهاديين و"الإرهابيين" بوصفهم عدوًّا مشتركًا بين مصر و"إسرائيل"، وهو ما عبّت عنه كلّ من الصحافة الإسرائيلية وندوات مراكز الأبحاث في واشنطن العاصمة التي يستضاف فيها باحثون ومبعوثون أميركيون44 قابلوا عددًا من قيادات الجيش المصري، بمن فيهم وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي شخصيًّا. وقد رصد السكّان المحليون في المنطقة الحدودية من شمل سيناء، ممّن يجيدون العبرية ويتابعون التليفزيون الإسرائيلي، خبرًا بثّته القناة التليفزيونية العاشرة مرّةً واحدة ولم تكرّر بثّه؛ وهو خبر مُجمله وصول وفد عسكري رفيع المستوى من تل أبيب إلى القاهرة في نهاية الأسبوع الأوّل من العمليات العسكرية الموسّعة (أي يوم 13 أو 14 أيلول/سبتمبر)، وأنّ الوفد أجرى محادثات لمدّة ساعتين ثمّ غادر.
هل من أفق للمستقبل؟
اعترف وزير الدفاع، عبد الفتاح السيسي، رسميًّا بوقوع أضرار وخسائر غير مّرة في العمليات العسكرية الموسّعة الجارية في المنطقة الحدودية من شمل سيناء منذ السابع من أيلول / سبتمبر 2013. وأعلن السيسي أنّه سيجري تعويض من أصابهم الضرر من عمليات الجيش والشرطة، وقدّم اعتذارًا بسبب ما أصابهم من "خسائر في
المباني أو الأراضي"45، غير أنّ أهل سيناء رأوا أنّ اعتذاره يستوجب اعتذارًا؛ لتجاهله الضحايا في الأرواح البشرية، وقام مدير الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري على موقع "فيسبوك" بحذفه لاحقًا. تراجع الجيش عن نفيه الصارم أنّ أحدًا من المدنيين العزل لم يسقط برصاصه بعد مصرع حسين حسن خلف، نجل شيخ مجاهدي سيناء وبطل حرب الاستنزاف في السبعينيات، الحاج حسن خلف. وسقط حسين قتيلً نتيجةً لإطلاق نار عشوائي من جانب الجيش. وطالما نادى الشيخ حسن خلف بضرورة تحمّل أخطاء الجيش في عملياته ضدّ الجمعات المسلحة. وللحاج حسن خلف وضعٌ استثنائي في علاقة الجيش بأهالي سيناء، فهو من المدعوّين دومًا في احتفالات الجيش. وهو بطل حرب سابق استحقّ "نجمة سيناء"، لمشاركته بوصفه متطوّعًا في حرب الاستنزاف ومحكومًا في سجون الاحتلال بمجموع أحكام بلغ 145 سنةً. اقتضى مقتل حسين حسن خلف تعزية رسمية من الجيش لوالده مع منحه لقب "شهيد"، من دون الاعتراف العلني بمقتله برصاصهم. وقد أتى متزامنًا مع نشر صورة الشيخ أسعد البيك، أمير دعوة أهل السنّة والجمعة الذي اعتُقل في مدينة العريش بزعم إصداره فتوى تحريضيةً ضدّ قوّات الجيش والشرطة. ولأسعد البيك مكانة دينية واجتمعية كبيرة في العريش والمنطقة الحدودية، وهو معروف بأنّه من مؤسسّي لجان فضّ المنازعات الشرعية (القضاء الشرعي) في سيناء. نشُرت صورة له وهو معصوب العينين ومقيّد اليدين بطريقة مهينة بجوار أحد المعتقلين الشبّان داخل مدرّعة. ما أثار غضب كثير من شبّان العريش السلميين؛ فأعلن بعضهم عزمه على استخدام العنف، وفقًا لناشطين حقوقيين وصحفيين محليين. وتضاعف الغضب بسبب اعتذار السيسي الذي اهتمّ بالخسائر من المباني والأراضي وبتعويض المتضررين ماديًّا، من دون الإشارة إلى الأرواح التي زهقت، ومن دون أفق لوقف العمليات قريبًا (.((4 مستقبل سيناء في ما يبدو مُلبَّد بالغيوم؛ نظرًا إلى الانتهاكات الوحشية التي تمارس ضد أهلها بما يفوق خبراتهم وذكريات شيوخهم مع انتهاكات جيش الاحتلال ((4(، وبما يدفع بعض كهولهم إلى الترحّم على أيام قمع مبارك لكونه أهون مم يتجرعونه الآن. وفي كل الأحوال يخسر الجيش الوطني الذي طالما ارتبط الوجدان الجمعي لأهل سيناء به بكلّ ما هو مشرّف وإيجابي. وفي ظلّ إقصاء أبناء سيناء من الجيش والشرطة، فإنّ العمليات تحمل في طيّاتها سمة التمييز / الانتقام الجغرافي. لقد رسّخت العمليات الموسّعة، وما اشتملت عليه من عقاب جمعي، التمييز بين أهل سيناء وأهل وادي النيل. واستدعت مقارنة "المصريين" – أي أهل وادي النيل - بمن سبقهم في المرور بسيناء من خارجها؛ أي الأتراك، والإنكليز، والصهاينة. لا يزال انحياز أغلب سكان سيناء إلى الدولة المصرية، وليس الحكومة القائمة أو غيرها من الحكومات، وهو ما يظهر في أقوال الكبار ولعب الصغار. ولا يزال العلم المصري يحمل رمزيةً لأنه "بديل علم الصهاينة"؛ فيرسمه الأطفال في لوحات تعبيرية بسيطة، يرفرف فيها فوق سيارة دفع رباعي، تحمل مدفعًا ثقيلً، يشتبك به ملثّمٌ يرتدي جلبابًا (بطل الرسم) مع قوّات الجيش. وحين يستفسر المعلّم من التلميذ صاحب الرسم، يجيبه بأنّه يدافع عن أرضه، حاملً علم بلده. جرح غائر في نفوس أهل سيناء لا يبوحون به إلا بعد طول مثابرة ومعايشة، أو تكشفه رسوم الأطفال، فيتلمّس الباحث مدى الهوّة اللازم سدّها على مدار سنوات طويلة مقبلة من المصالحة، والعدالة الانتقالية، والتنمية بالمشاركة.