حماس واعتماد قانون "الأدلة السرية" في المحاكم الأوروبية
Hamas and the Adoption of the "Secret Evidence" Law in European Courts: A ‘Third-worldly’ Obstruction of Justice
الملخّص
تكتسب هذه الدراسة أهميتها بوصفها الأولى التي تعالج مسألة اعتماد قانون "الأدلة السرية" في المحاكم الأوروبية وانعكاسه على حركة حماس، وتستند في الوقت ذاته إلى مصادر أولية لم يجرِ تناولها في هذا السياق من قبل. وسوف نستعرض فيها سياق التغييرات التي طرأت مؤخرًا على منظومة العدالة الأوروبية والأثر الذي تركته حركة حماس بهذا الشأن من خ لاا الالتماس الذي تقدمت به بهدف رفعها من قائمة الإرهاب أواخر عام.2010 كما سنناقش البعد السياسي في القانون الجديد والكيفية التي تم بها إلباسه اللبوس القانوني كي يبدو متسقًا مع مقتضيات العدالة. ونتناول أيضًا المواقف الحقوقية الدولية الخجولة وردود الأفعال على هذا التطور، والأدوار التي أدتها كل من أميركا وبريطانيا، والعدوى الإسرائيلية المتعلقة بالاتكاء المزمن على قانون الأدلة السرية. وننهي الدراسة بالحديث عن انعكاسات القانون الجديد على إمكانيات فشل حماس - كحالة - أو نجاحها في الإفلات الكلي من القائمة المذكورة قبل أن نصل إلى خلاصة الرأي بهذا الصدد.
Abstract
As the first study to address the very recent issue “secret evidence,” this paper relies on primary and unstudied sources. It reviews the context of recent changes in the European justice system and the impact Hamas has left in filing its petition to have the group lifted from the list of terrorist groups in late 2010. The political dimension in the new law is also considered, including how it was given a legal guise to appear consistent with the requirement of justice. The timid international legal positions and reactions to these developments, the role played by the US and Britain, as well as the mimicry of Israel with regard to the secret evidence law are also discussed. The study concludes by tackling the implications of the new law, and the possibility of Hamas succeeding or failing to have itself removed from the terror list.
- عالمثالثي
- الأدلة السرية
- المحاكم الأوروبية
- حماس
- European Courts
- Hamas
- Secret Evidence
عبث "عالمثالثي" بالعدالة
مقدمة
بصمت مطبق وبعيدًا عن وسائل الإعلام ومن دون ضجيج، وحتى من دون انتباه من يعنيهم الأمر من الأطراف المقصودة قام مجلس الاتحاد الأوروبي بتمرير إجراءات جديدة انحرفت بالعدالة في أوروبا1. فالشفافية بين الأطراف المتنازعة في كلٍ من المحكمة العامة ومحكمة العدل الأوروبيتين لم تعد على العهد الذي كانت عليه قبل العاشر من شباط/ فبراير 2015؛ إذ غدا من الممكن لمؤسسات الاتحاد الأوروبي أو أيّ من دوله أن تلجأ إلى القضاء الأوروبي ضد أشخاص أو منظمت أو شركات أو دول موجودة على قائمة العقوبات الأوروبية أو قائمة الإرهاب - في حال التمسهم للخروج منها - مستخدمة (الأدلة السرية) كأدلة إثبات ضد الخصم. وهو الأمر الذي كانت ترفضه كلا المحكمتين حتى حينه؛ مم تسبّب في نجاح العديد ممن شملتهم تلك القوائم من الإفلات منها - بحكم الشفافية التي اتسمت بها المحاكم - والتي كان آخرها قرار المحكمة العامة الأوروبية برفع حركة حمس من قائمة الإرهاب بتاريخ 17 كانون الأول/ ديسمبر.2014
سياق الانحراف بالعدالة
تعدّ المحفزات كم العقوبات أدواتٍ فعالةً في يد الاتحاد الأوروبي يستخدمها في إدارة سياسته الخارجية وفقًا لمصالحه وأجندته2. وفي الوقت الذي تستخدم فيه المحفزات من قبيل المساعدات المالية واللوجستية وتسهيل الولوج إلى أسواق الشراكة واتفاقياتها، تفاقمت قائمة العقوبات الخاصة بالاتحاد لتضم أكثر من عشرين دولة منها روسيا والصين وإيران وسورية وساحل العاج وغيرها بحيث تشمل العقوبات الدولة ذاتها أو شركات أو مصارف أو شخصيات فيها3. وبهذا الصدد يلجأ الاتحاد إلى تجميد أصول تلك الشخصيات وممتلكاتها في الأراضي الأوروبية وحظر السفر أو التعامل معها بيعًا وشراءً مم يؤثر في قدرات تلك الشخصيات في الاستمرار كالمعتاد والتسبب لها ربما بالشلل. تُدرج بعض تلك الشخصيات ضمن قائمة العقوبات الأوروبية تلقائيًا إذا ما تم إدراجها ضمن قائمة العقوبات المعتمدة من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لا سيم الأشخاص الذين تتم ملاحقتهم بقضايا تتعلق بالإرهاب. تنبّه العديد من المتضررين جراء هذه العقوبات إلى العدالة الأوروبية ملتمسين لديها الإنصاف بهدف رفعهم من قائمة العقوبات ومعتمدين - في كثير من الأحيان - على هشاشة الأسباب التي تبناها الاتحاد الأوروبي في قراراته. وبشكل لافت، كسب العديد من هؤلاء قضاياهم بعد سنوات من المحاكم وتمت إزالتهم من قوائم العقوبات بعد أن فشلت المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي وحتى بعض الدول الأوروبية التي كانت في بعض الحالات هي الخصم في إثبات صحة ادعاءاتهم ضد الملتمسين. فعلى سبيل المثال كسب أكثر من عشرين بنكًا وشركةً إيرانية الرهان على القانون الأوروبي حين حكمت المحكمة العامة الأوروبية لمصلحة إسقاط أسمئهم من قائمة العقوبات في أيلول/ سبتمبر 20134. وعلى صعيد الأفراد، فقد تقدم العديد منهم للغاية ذاتها، وكان أبرزهم ياسين قاضي الذي ضمه مجلس الأمن إلى قائمة الإرهاب من دون إعطائه حق الدفاع عن نفسه، إلى أن وجد خلاصه لدى محكمة العدل الأوروبية التي حكمت برفع اسمه من القائمة الأوروبية للإرهاب بعد أن فشل مجلس الاتحاد في تدعيم موقفه إزاء حالته حين لم يتمكن من استخدام أدلة سرية لهذا الغرض5. وقد سبق ذلك وأعقبه العديد من الحالات الممثلة من سورية وساحل العاج والسعودية وغيرها ممن نجحوا في التمساتهم إلى المحكمة العامة الأوروبية؛ وهو ما أرخى بظلال قاتمة على صورة الاتحاد الأوروبي غير القادر على حل هذه المفارقة والإرباك بين المستويين القضائي والسياسي. واكب الكثير من تلك الحالات طلبات تقدم بها الاتحاد الأوروبي أو دول بعينها فيه للسمح لهم باستخدام ملفات سرية في المرافعات بحيث لا يسمح للخصوم الاطلاع عليها، لكنّ جميع هذه الطلبات كانت تواجه بالرفض من قبل المحكمة الأوروبية لمخالفتها الصريحة للإجراءات المعمول بها فيها ومخالفتها في الوقت ذاته للبند السادس من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان
والمتعلق بالحق في المحاكمة العادلة6. وعلى الرغم من أنّ الاتحاد الأوروبي لم تكن لتعجزه الحيلة كي يمرر قراراته السياسية بامتياز، فقد لجأ في معظم الحالات إلى إعادة وضع أولئك الذين كسبوا قضاياهم عبر المحاكم إلى قائمة العقوبات مجددًا لكن على أسس مختلفة عن سابقاتها، مم تسبب في عودة هؤلاء مجددًا إلى المحاكم من نقطة الصفر، وهكذا دواليك7. بهذه الحيلة لم يتمكن سوى نفر قليل من الملتمسين من الإفلات نهائيًا من قائمة العقوبات الأوروبية8.
حماس والمتغير الجديد
شكلت حالة حركة حمس في قائمة الإرهاب الأوروبية9 - التي بدأ العمل بها في أعقاب تفجيري واشنطن ونيويورك في عام 2001 بعد قرار مجلس الأمن بهذا الصدد10 - علامة فارقة تختلف عن نظيراتها في قائمة العقوبات المذكورة آنفًا. فبالنظر إلى طبيعة الحركة وكونها محطًا لتقاطع اهتممات الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا وغيرهم، فقد حظيت محاولة حمس الإفلات من قائمة الإرهاب الأوروبية عبر التمسها إلى المحكمة العامة اهتممًا بالغًا تُوّج بالصخب الذي صاحب نجاحها بكسب القضية في 17 كانون الأول/ ديسمبر 201411. ففي الوقت التي كانت تجري فيها التمسات إلى المحكمة من أطراف موضوعة على قائمة العقوبات ويتم البت فيها والاستئناف عليها دون ضجيج إعلامي أو سياسي يذكر، كان لحالة حركة حمس وقع سياسي وإعلامي مميز تمثل في ردة الفعل الشديدة التي صدرت عن كثير من الأطراف الدولية ومنها إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية والمفوضية الأوروبية والذين أجمعوا في تعقيباتهم على (إرهابية) حركة حمس وضرورة العمل على إعادتها إلى قائمة الإرهاب بالسرعة والفاعلية الممكنة12.
إذًا، بعد أن تقدمت حمس الموضوعة بجناحيها على قائمة الإرهاب الأوروبية منذ عام 2003 بالتمس لتلك المحكمة تطالبها بإبطال إجراءات وضعها على القائمة المذكورة في تشرين الأول/ أكتوبر 2010، بدا جليًا، ومن خلال مداولات المحكمة، أنّ مجلس الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية لم ولن يقويا على تدعيم موقفهم ضد حمس قانونيًا بالشكل التقليدي المعروف. وكانت كل الدلائل تشير إلى أن المحكمة غير مقتنعة بالإجراءات التي اتبعت بهذا الشأن مم ولّد - بالإضافة إلى نجاح منظمة نمور التاميل في الحصول على الحكم ذاته قبل ذلك بشهر13 إلى جانب القضايا التي ذكرت أعلاه - شعورًا لدى صانع القرار الأوروبي في شقه السياسي بضرورة السعي مع المستوى القضائي لتغيير يطال العدالة الأوروبية ويقضي بتعديل إجراءات العمل في المحاكم بما يسمح باستخدام الأدلة السرية في حالات كتلك المتعلقة بحمس بعد أن ثبت أنّ الأدلة العلنية لم تكن ولن تكون كافية لإقناع هيئة المحكمة. فعلً، وعلى مدار ما يزيد على العامين تمت مشاورات عديدة بين دول الاتحاد ومستوياتها القضائية المختلفة وأطراف أخرى ثالثة للنظر في كيفية اعتمد المسألة ومن ثم إخراجها. استقر الأمر بعد طول مناقشات وجدل إلى اعتمد الإجراءات الجديدة في العاشر من شباط/ فبراير 2015 من قبل مجلس الاتحاد الأوروبي بعد أن صدقت
عليها محكمة العدل الأوروبية والمحكمة العامة ورفعتها الأخيرة بشكلها النهائي إلى المجلس من أجل التصديق عليها في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر 201414. في إطار تلك المداولات كان الاتحاد الأوروبي أمام خيارين: إما الاستمرار في سياسته القاضية بإعادة من يكسب التمسه عبر المحكمة إلى قائمة العقوبات مجددًا ولكن على أسس جديدة - وهو ما فعله في أغلب الحالات - أو أن يقوم بتغيير إجراءات المحاكم بما يحول دون نجاح الملتمسين من الأساس. وبالفعل، فبتصديقه النهائي على القرار الأخير حظي الاتحاد بكلا السلاحين في آن معًا؛ وهو ما جعل العدالة بهذا الشأن موضع شك وتساؤل. فإذا ما أفلتت حمس أو نظيراتها من الإصابة بأحد هذه الأسلحة كان الآخر لها بالمرصاد مم يسلط الضوء على صدقية العملية القانونية برمتها في هذه الحالة.
السياسي بلباس القانوني
لا شك أنّ البعد السياسي كان حاضرًا على الدوام أثناء المناقشات بين الأطراف المعنية في تغيير إجراءات العمل في المحاكم الأوروبية،15لكنّ الإخراج القانوني لهذا المنحى المثير كان ضروريًا بكل المعايير. لذا جاء التغيير المقصود في سياق تعديلات واسعة شملت العديد من القضايا الأخرى المتعلقة بعمل تلك المحاكم حيث كان أبرزها اعتمد الأوروبيين المعلومات السرية (Information Confidential) كدليل إثبات ضد الخصم مستخدمين في إدراجها ضمن القانون منطق التسلل، مستفيدين إلى حد كبير من غيبة كاملة لقطاع الإعلام والرأي العام الأوروبي. وفقًا لهذا التعديل من الناحية القانونية يتقدم الطرف الرئيس في القضية وهو الاتحاد الأوروبي أو أي من دوله - في حال التمس أحد الموجودين على قوائم العقوبات الأوروبية - بطلب إلى هيئة المحكمة باعتمد ملفات بعينها سرية وغير قابلة لاطلاع ممثلي الخصم المقابل. وبناء على نظر القضاة في الملفات المقدمة، يقررون مدى أهلية تلك الوثائق لاعتبارها سرية من عدمه. إذا ثبت أنّ في الكشف عن الوثائق المقصودة قد يلحق ضررًا محتملً بمؤسسات الاتحاد أو أي من دوله أو قد يتسبب في الإضرار بعلاقاته الدولية مع أطراف أخرى يجري الإقرار بأهليتها كي تعامل باعتبارها سرية، وتجري المحكمة وفق الأصول ولا يطلع محامو الطرف الآخر على فحوى وتفاصيل ما هو مقدم ضده من قبل الاتحاد تحت بند السرية. وبناء على تقييم المحكمة لمدى الضرر الممكن وقوعه ومع مراعاة مبدأ الخصومة (Principle Adversarial) يمكن لهيئة المحكمة أن تطلب من مقدم الملف السري إيفاء الخصم بملخص كاف لمحتوى ذلك الملف بشكل يمكنه من تحقيق المعرفة حول حالته. وفي حال لم تقتنع هيئة المحكمة بأهلية الوثائق المقترحة لاعتبارها سرية تطلب من الطرف صاحب الوثائق الكشف عنها دون إلزامه ذلك. إذا لم يوافق هذا الطرف على طلب المحكمة بالإفصاح الجزئي أو الكلي عن المعلومات التي لديه يمكنه سحب الملف من التداول وإخراجه كليًا من القضية ولا يعدّ في هذه الحالة جزءًا من قرار المحكمة المتوقع16. هكذا لم يعد مبدأ الشفافية (Principle Transparency) الذي نصت عليها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان هو الناظم لعمل المحكمة والمحدد لحقوق الأطراف المتقاضية أمامها، بل أصبح مبدأ تقدير احتمل الضرر (Probability Harm) الذي قد يلحق بمؤسسات الاتحاد أو أي من دوله أو بعلاقاته الدولية هو المحدد لحق الطرف المدان أو المتهم. وفقًا للتقاليد الراسخة في النظام القضائي الأوروبي وهي تقاليد ارتقت عبر الزمن إلى مستوى الحقوق الدستورية المكتسبة فإنّ من حق الأطراف المتقاضية الاطلاع على ما لدى كل منهم ضد الآخر بحيث يتسنى لهم الدفاع عن مواقفهم أمام هيئة المحكمة بكل وضوح وشفافية. فمراعاة مبدأ الخصومة هو أساس العدل ومن غيره يستقوي طرف على طرف مستغلً نفوذه ومسمه السياسي في عملية تغييب قسرية لأسس العدالة التي لم يتم كسرها إلا عندما تسللت السياسة إلى القضاء بشكل فجّ كم جرى في الولايات المتحدة ويجري في إسرائيل وغيرهم من الدول صاحبة الأجندة الأمنية والسياسية في تلك القضايا المتعلقة بالإرهاب.
يفتح استبدال مبدأ "الشفافية" بمبدأ "احتمل الضرر" الباب على مصراعيه لحرف مسار العدالة وتضييع الحقوق التي يفترض بالقضاء حميتها وتسييجها بالمزيد من الشفافية والصدقية لا بمزيد من الغموض والضبابية. فكلمة الضرر حمّلة أوجه، وهي بوابة واسعة للكثير من التفسيرات التي يمكن أن تدرج تحت هذا العنوان الفضفاض. وفي هذه الحالة سوف يصبح من النادر عدم القبول بالأدلة السرية لأن أجهزة الدولة الاستخباراتية والأمنية ستكون دومًا قادرة على تمرير ما تريده بحجة أنّ كشف الأدلة قد يؤدي إلى وقوع الضرر. وإذا علمنا أنّ هذا الضرر الذي يجب على المحكمة وفقًا للقانون الجديد مراعاته يتعلق ليس فقط بمؤسسات الاتحاد وإنما أيضًا بأية دولة من أعضائه أو بعلاقاته الدولية، فإنّ الباب في هذه الحالة غدا مشرعًا أمام أجهزة المخابرات الدولية لتلعب في هذه المساحات من خلال الاتحاد مباشرة أو عبر أيّ من دوله الثمنية والعشرين؛ إذ سيكون بالإمكان تقديم التقارير المعدة بأعلى مستويات المهارة والإتقان كأدلة سرية بما يخدم المآرب السياسية والأمنية للجهات التي تقف وراءها وهو ما لا يترك مجالً للأطراف المتهمة أو المدانة – كحمس - للدفاع عن مواقفها؛ مم يقلل من فرص نجاحها في تلك المحاكم إن لم يكن القضاء كلية على تلك الفرص.
غيبة الرأي العام وتعزيز الانحراف بالعدالة
تمامًا كم غابت ردود الأفعال السياسية من الأطراف المقصودة من القانون الجديد - كحركة حمس على سبيل المثال - لم يكن دور مؤسسات المجتمع المدني الأوروبي المعروفة بنشاطها في ما يتعلق بالشؤون العامة ملموسًا عبر المراحل المختلفة التي سار فيها النقاش حول هذا القانون. فلأنّ الإجراءات الجديدة تتعلق بما هو خارج دول الاتحاد بالمجمل، فإنّ ردة الفعل التي أبدتها المؤسسات الحقوقية الأوروبية لم تكن بالمستوى المتوقع؛ إذ لم تسع تلك المؤسسات أمام المسّ الصارخ بأحد أعمدة حقوق الإنسان في أوروبا إلى جعل القضية مسألة رأي عام بوصفها انتهاكًا خطيرًا للحريات والحقوق المصانة دستوريًا. كم أنها لم تسع إلى نقلها إلى قطاع الإعلام والذي كان بإمكانه ربما تغيير مسار القضية برمتها. جاء التدخل الخجول في هذا الموضوع من جانب بعض المنظمت الحقوقية البريطانية تحديدًا والتي تنادت لبلورة موقف مشترك حاولت من خلاله التأثير في سير النقاش وتغيير خريطة أطرافه. شملت هذه المؤسسات كلً من مجلس نقابة المحامين في إنكلترا وويلز وجمعية القانون في إسكتلندا وقسم المملكة المتحدة في المفوضية الدولية للفقهاء القانونيين والمجلس القومي للحريات المدنية في بريطانيا والمجموعة الأوروبية لنقابة المحامين. وقد اكتفت تلك المؤسسات بإرسال رسالتين بهذا الصدد إلى رئيس محكمة العدل الأوروبية وأعضائها يطالبونه في الأولى بفتح النقاش حول هذه التعديلات أمام الجمهور كونها تمس تقاليد دستورية راسخة تتعلق بحكم القانون17. في رده على هذه الرسالة، أكد رئيس المحكمة صحة المسألة لكنه أكد في الوقت ذاته بأنه لا شيء يقضي بفتح نقاشات أو مشاورات مع العامة في شأن كهذا مطمئنًا بأن الأمور ستسير وفقًا للأصول المرعية18. إذًا، أرادت محكمة العدل الأوروبية أن يقتصر النقاش والتشاور على الأوساط القضائية في الاتحاد والحكومات الأوروبية دون إشراكٍ حتى لمنظمت المجتمع المدني العاملة لسنوات طويلة في هذا المجال. لم يمنع الرد الاستعلائي الذي أبداه رئيس المحكمة تلك المؤسسات والمنظمت من توضيح أسباب القلق الذي ينتابها جراء تجاهلهم وجراء المسّ بمجرى العدالة في رسالتهم الثانية التي وجهوها إلى المستوى القضائي في الاتحاد الأوروبي عبر القناة ذاتها. ووفقًا للرسالة المذكورة فالقرارات التي كان يجري الإعداد لاتخاذها وتم التصديق عليها مؤخرًا ليست مجرد تغيير إجرائي كم يحاول بعضهم تصوير الأمر، ولكنها في الحقيقة مسألة تتعلق بحقوق الدفاع أمام المحاكم. ومن ثم، فإنّ هناك خطورة حقيقية أن يتم المسّ بسيادة القانون وحكمه. ومم يزيد الطين بلة حسبم ورد على لسان تلك المؤسسات أنّ النقاشات حول الموضوع تتم بين القضاة أنفسهم والحكومات الأوروبية وحتى أطراف ثالثة من دون أن يتم التشاور مع الخصوم أو الاستمع إليهم أو حتى الحديث مع ممثلي مصالح العامة وصناع القرار على نطاق أوسع. كم أنّ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان سبق أن رفضت طلبًا تقدمت به إحدى الدول
الأوروبية لاعتمد أدلة سرية لأسباب الأمن القومي وهو ما يحتم أن تحذو محكمة العدل الأوروبية حذوه. أما التوضيح الأخير الذي أشارت إليه تلك الرسالة فيتعلق بالحالة المعمول بها في المملكة المتحدة والتي أكد فيها قضاة المحكمة العليا ألا اسثناءات يمكنها أن تمنع العدالة المفتوحة19. من هنا، فإنّ الموقف الرافض للتعديلات على الشكل الذي تمت فيه كان موجودًا من قبل بعض المؤسسات الحقوقية، إلا أنّ ذلك بقي في إطار المراسلات البينية ليس إلا؛ وهو ما يعد قصورًا واضحًا إذا ما قيس بحجم الانحراف الذي نحن بصدده والذي يمسّ جوهريًا صلب العدالة الأوروبية.
الحضور الأميركي "الوصيّ"
استكملً لدور "الوصاية" الذي تمارسه أميركا على صانع القرار في أوروبا بصور مختلفة، لم تكن هذه المرة أيضًا في منأىً عن التدخل في الشأن القانوني الأوروبي الصرف. فقد أعربت الولايات المتحدة عشية صدور قرار المحكمة الأوروبية لمصلحة حمس عن رفضها المطلق له مؤكدة على أنّ حمس حركة "إرهابية"، إذ دعت الاتحاد الأوروبي لإعادتها إلى قائمة الإرهاب في أقرب وقت ممكن20. ومن اللافت أنه لم يستفز هذه الدولة بين كل الذين تقدموا بالتمسات أيّ من الذين نجحوا في استصدار قرارات لمصلحتهم من قبل المحكمة الأوروبية بقدر ما استفزها النجاح الذي حالف حركة حمس بقرار رفعها من قائمة الإرهاب، فقد مرت جميع الحالات من دون ضجيج إعلامي أو سياسي يذكر. لا شك أنّ الشراكة الأميركية الأوروبية بشأن قوائم العقوبات ومنها قائمة الإرهاب كانت إحدى أمثلة التعاون عبر الأطلسي حسبم أكد ذلك السفير الأميركي للاتحاد الأوروبي في بروكسل أنتوني جاردنر (Anthony Gardner)، فقد وجه انتقادًا لاذعًا للمفوضية الأوروبية وذراعها الخارجي المسمى خدمة العمل الخارجي الأوروبي (European) بسبب هشاشتهم في الرد علىExternal Action Service, EEAS الطعن الذي تقدمت به حمس بهدف إخراجها من قائمة الإرهاب منوهًا إلى أنّ العمل الجاري من قبلهم في هذا الشأن غير مهني، وهو ما أدى إلى مثل تلك النتائج. وأبدى سعادته في الوقت ذاته بالأنباء التي تحدثت حينها عن النية لتغيير الإجراءات المعمول بها في المحاكم – أي اعتمد قانون الأدلة السرية - ولكنه أكد على ضرورة أن ترتقي المفوضية في مهنيتها بحيث يمكنها تصليب موقفها حول القائمة المذكورة بما لا يتيح لمنظمت مثل حمس استغلال الثغرات الموجودة في القانون الأوروبي للنفاذ منها. من أجل ذلك، أعلن السفير الأميركي عن أنّ بريطانيا بدأت بتزويد المفوضية الأوروبية بالخبراء ووثائق سرية أفضل من تلك المواد التي اعتمدت عليها في مرافعاتها أمام المحاكم. كم أخذت الولايات المتحدة على عاتقها تقديم مثل هذه الخدمة - بحسب السفير - إلى الاتحاد الأوروبي من خلال الدعم المعلوماتي والبحثي اللازم لتمكين الأخير من بناء حالات دفاع قانونية صلبة وقادرة على مواجهة التحديات، ومن ثمّ إعادة تثبيت حركة حمس على قائمة الإرهاب مجددًا21. وبالنظر إلى أنّ الولايات المتحدة تعتمد في الأساس قانون الأدلة السرية وقد فعّلته في كثير من الحالات التي تم النظر فيها في المحاكم الأميركية22 فقد شكلت دورًا ملهمً للاتحاد الأوروبي للسير في هذا الطريق المتناقض مع أبجديات العدالة التي سارت عليها محاكم الاتحاد حتى حينه. وسواء كان الدور الأميركي مباشرًا أو غير مباشر في إخراج القانون الجديد، فإن محاولات الاستمرار في الهيمنة على صناعة القرار في الاتحاد الأوروبي لا سيم ما يتعلق منها بقضايا الأمن
والحرب أو السلم لا زالت على قدم وساق جريًا على السياسة المتبعة عبر عقود من الزمن.
المملكة المتحدة وظلال قانونها (المدجّن)
كانت المملكة المتحدة إحدى أكثر المتحمسين بين دول الاتحاد الأوروبي لفكرة اعتمد قانون الأدلة السرية لأنها من القلائل الذين يعملون بقانون خاص بهذا الشأن، ولديها من الخبرة في التعامل مع الحالات التي يقتضيها تفعيل مثل هذا القانون ما يكفي لإفادة مؤسسات الاتحاد. يرفض بعضهم اعتبار القانون الجديد نسخة من نوع مشابه لنظيره البريطاني؛ إذ تم تقييد الأخير بمجموعة من الضوابط بما لا يسمح بالتعسف في استغلاله من قبل الحكومة كم تؤكد اللورد بانيك (QC Pannick)23. وهو الأمر ذاته الذي ذهبت إليه مجموعة المنظمت الحقوقية البريطانية في رسالتها إلى رئيس محكمة العدل الأوروبية حين شددت على أنّ القانون البريطاني يخضع لمعايير دقيقة وصارمة وشارك في صناعته كثير من مؤسسات المجتمع المدني وذوو الشأن من صناع القرار على كل المستويات حتى غدا قانونًا مدجّنًا24. يراعي هذا القانون "المدجّن" عند الضرورة وفي حالات استثنائية وبإشراف قضائي عميق الخلفيات التي تدفع إلى استخدامه والتي تقضي بضرورة عدم الإفصاح عن أسمء واردة في التقارير السرية أو أساليب استخدمت في جمعها أو حتى أية معلومات قد تعرض العلاقات مع أجهزة مخابرات خارجية متعاونة مع حكومة بريطانيا للخطر. ولا بد للجهة الحكومية التي تطلب استخدام هذا الحق باعتمد السرية أن تتولى إقناع هيئة المحكمة بأنّ للكشف عن أدلتها المستخدمة ضد خصم ما آثارًا مدمرة على الأمن القومي البريطاني كي تسمح المحكمة بهذا التوجه. وفي حال تمت الموافقة القضائية باعتمد ذلك، يجري تعيين محام محدد يخضع لمعايير أمنية عالية (Advocate Cleared Security) يمثل المتهم ويكون من حقه الاطلاع على التقارير السرية حتى يتسنى له الدفاع عن موكله بشكل فعال25. لذلك، كان للدور البريطاني في إطار مشاورات إعداد القانون الأوروبي الجديد أهمية تميزه عن غيره من أدوار الآخرين بحكم الخبرة وأسبقية العمل بالقانون ودرجة الاهتمم وحتى التفاعل مع قضايا الشرق الأوسط. لذا، فإن بصمت بريطانيا على القانون الجديد يمكن تلمّسها في العديد من المحطات التي مرت بها عملية صوغه كم أوضح ذلك وزير أوروبا في الحكومة البريطانية ديفيد ليدنجتون (The MP Lidington David Hon RT) في رسالته الموجهة إلى لجنة الاتحاد الأوروبي في مجلس اللوردات26. وفي الوقت الذي وافقت فيه بشكل أولي حكومات دول الاتحاد الأوروبي على مشروع القانون في كانون الأول/ ديسمبر 2014، كانت المملكة المتحدة – على الرغم من تثمينها له - تبدي تحفظًا على عدم تضمين تعديلين رأت ضرورة النص عليهم في المشروع، في حين رأت الأغلبية في تلك المقترحات تشددًا غير مبرر في التعامل مع السلك القضائي الأوروبي.
تضمنت تعديلات بريطانيا التي أرادتها؛ أولا ضرورة النص على إمكانية سحب الأدلة السرية من المداولات في أي وقت من الأوقات أثناء النظر في القضية المرفوعة أمام المحاكم - تمامًا كم الحال في القانون الإنكليزي - خلافًا لما نص عليه مشروع القانون الأوروبي بتحديد فترة معينة لهذا الغرض. كم تضمنت - ثانيًا - السعي لتشديد الإجراءات الأمنية المتعلقة بإمكانية تسريب تلك الملفات السرية بشكل عرضي وهو ما يوجب النص على أحكام تتعلق بعمل فحص أمني للأحكام والأوامر الصادرة عن المحكمة للتأكد من خلوها من أية معلومات قد
تفضي إلى الكشف عن الأدلة السرية التي تم الاستناد اليها27. ولما لم تجر الاستجابة للطلبات البريطانية، أعلنت المملكة توجهها للامتناع (Abstention) عن تأييد القانون الأوروبي الجديد لعدم مطابقته لمعايير السرية البريطانية وهو ما تم فعلً في العاشر من شباط/ فبراير 2015 عندما انعقد اجتمع مجلس الاتحاد الأوروبي؛ إذ وافقت 27 دولة على القرار في حين امتنعت بريطانيا عن التصويت مم سمح بتمرير القانون بالإجمع، على الرغم من أنه كان بحاجة إلى الحصول.28على النسبة المؤهلة فقط)Qualified Majority Vote QMV(
الأدلة السرية بين المحاكم الإسرائيلية والمحاكم الأوروبية
لا شك أنّ إسرائيل هي الغائب الحاضر في كل ما تمّ حتى الآن؛ فهي المستفيدة من وضع حمس على قائمة الإرهاب قبل غيرها من الأوروبيين حتى لو اقتضى الأمر تغييرًا من قبيل ما تم في القانون موضع النقاش. فالاحتلال الإسرائيلي يستخدم قانون الأدلة السرية ضد الفلسطينيين منذ زمن بعيد في إطار ما يعرف بالاعتقال الإداري. ووفقًا لقانون الاحتلال هذا، فمن حق المسؤول العسكري الإسرائيلي عن منطقة ما داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أن يقرر اعتقال أي فلسطيني لفترة تمتد لستة أشهر قابلة للتجديد دون إبداء الأسباب29. يتيح القانون للمعتقل الفلسطيني في هذه الحالة الاستئناف على القرار أمام محاكم عسكرية إسرائيلية، إذ يقوم المدّعي العام بتقديم ملف سري إلى المحكمة من دون أن تتاح الفرصة للمعتقل كي يطلع عليه أو يعرف محتواه، مم يحوّل المحكمة إلى أشبه ما تكون بالمسرحية الهزلية. وفقًا لهذه "المسرحية"، فإنّ ممثلي المعتقلين الإداريين الفلسطينيين أمام المحاكم العسكرية لا تتوافر لهم في العادة أية معلومات حول الأسباب التي يُحتجز موكلوهم وفقها، وهو ما يجعل مرافعاتهم ضئيلة التأثير في مجريات المحاكمة إن لم تكن منعدمة المفعول تمامًا. وقد عانى عشرات آلاف الفلسطينيين ولا يزالون من هذه السياسة التي ترفضها الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة وشرائع حقوق الإنسان والمنظمت الحقوقية العاملة في هذا الشأن30. ينسحب هذا الوضع ذاته الآن على المحاكم الأوروبية - مع فارق الحالة - إذ سيضطر المتهمون في المحاكم الأوروبية أن يقفوا أمام القضاء من دون أن يكون لديهم فكرة كافية عن الأسباب التي تقف وراء وضعهم على قائمة الإرهاب أو العقوبات - تمامًا كم يجري في المحاكم العسكرية الإسرائيلية - مم يرجح أن تكون نتيجة المحكمة محسومة لمصلحة صاحب المعلومة والذي يكون في الغالب قد حبكها وصاغها بمضمون وطريقة سترخي ظلالها بالقطع على قضاة المحكمة.
انعكاسات القانون الجديد على قضية رفع حماس من قائمة الإرهاب الأوروبية
عندما توعّدت المفوضة الأوروبية للشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي فديريكا موغيريني - في معرض تصريحها حول قرار المحكمة العامة الأوروبية الذي قضى برفع حركة حمس من القائمة الأوروبية للإرهاب - بأنّ الاتحاد سيعمل على إعادة حمس إلى القائمة وأنه سيتخذ من الإجراءت والبدائل ما يحول دون تكرار مثل هذه الأحكام31، لم يكن موضوع تغيير القانون الناظم لإجراءات العمل في المحاكم الأوروبية محلّ توقع العديد من المحللين. لكنه سرعان ما تبدّى بأنّ الاتحاد الأوروبي لم يكن ليجهد ذاته في تصليب موقفه قانونيًا بحيث يحشد الأدلة والبراهين التي تؤيد ما ذهب إليه، بل إنه عمد إلى الطريق الأقصر والأسهل عبر تغيير أصول اللعبة من الأساس. هذا المستوى من التعامل كان من المتوقع أن يصدر عن دولة من الدول المتخلفة حيث التسييس سياسة، غير أنّ صدوره
من مؤسسة الاتحاد الأوروبي يعني أنّ الأخيرة يمكنها أن تستخدم القانون والقضاء في حالات محددة كأداة ليس إلا لتثبيت تهمة معلبة وجاهزة للاستهلاك بغض النظر عن مسألة الصلاحية ومدى العقلانية والأخلاقية في القرار. وبالنظر إلى حيثيات قرار المحكمة الأوروبية بحق حمس، فقد انتقدت المحكمة اعتمد مجلس الاتحاد على اقتباسات ومقتطفات من الإنترنت كأسباب وراء وضع الحركة على قائمة الإرهاب بدلً من إجراء التحقيقات اللازمة من أطراف مؤهلة داخل الاتحاد32. غير أنه بعد أن تم الاسئتناف على القرار أمام محكمة العدل الأوروبية فسوف يبدو من اليسير على مجلس الاتحاد أو أي من دوله توفير التقارير ذات الطابع السري التي يجري إعدادها خصيصًا لهذا الغرض من أجل إقناع هيئة المحكمة بصلابة قراره وقوته بحق حمس منذ البداية. وبطبيعة الحال، فإنّ من المرجح ألا يرفض القضاة اعتبار تلك التقارير سرية لأنّ الكشف عنها لممثلي حمس في المحكمة ربما سيلحق الضرر بمؤسسات الاتحاد أو أي من دوله أو بعلاقاته الدولية مع أطراف أخرى. في المحصلة النهائية، فإنّ النحو بالقضية المرفوعة ضد حمس هذا المنحى سيفرز على الأغلب قرارًا يثبت وجودها على قائمة الإرهاب. وإذا تم الافتراض جدلً بأنّ مساعي الاتحاد الأوروبي على الرغم من ذلك ستبوء بالفشل أمام محكمة العدل فإنّ الاتحاد سيلجأ إلى إصدار قرار آخر يقضي بإعادة وضع الحركة على قائمة الإرهاب بناء على أسس وقواعد أخرى؛ جريًا على العادة التي اتبعها بحق العشرات ممن قضت المحاكم برفعهم نهائيًا من قائمة العقوبات وتمت إعادتهم مجددًا، وهو ما يعيد اللعبة إلى المربع الأول. لكن الخيار الثاني والذي يشكل في حالة حمس سلاحًا احتياطيًا يستخدمه الاتحاد ضدها عند الضرورة إذا فشل عبر المحاكم، فسيكون بحاجة إلى مجرد أغلبية بين الدول الأوروبية ال 28 لإعادة الحركة إلى قائمة الإرهاب بقرار جديد مم يرتب على عاتق العاملين في هذه القضية أو نظيراتها مسؤولية العمل على كسب مجموعة من الدول الأوروبية للحيلولة دون اللجوء إلى هذا الخيار.
الخلاصة
يعدّ اعتمد قانون الأدلة السرية في محاكم الاتحاد الأوروبي تصادمًا مباشرًا مع أسس المحاكمت العادلة التي نصت عليها المواثيق والاتفاقيات الدولية ومنها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ويعدّ الاستناد في ذلك إلى مبدأ احتمل الضرر لقاء التخلي عن مبدأ الشفافية تناغمً مع متطلبات السياسة لا مقتضيات العدالة وحقوق الإنسان. وقد لحق الاتحاد الأوروبي في هذا الصدد بالولايات المتحدة وإسرائيل وجزئيًا بالمملكة المتحدة وكندا عندما آثر الانحياز إلى أمننة العدالة وتسييسها بدلً من إنصاف ضحايا قوائم العقوبات والإرهاب. بهذا الإجراء تم إغلاق باب العدالة أمام كثير ممن وضعوا على تلك القوائم من دون أسس أو تحقيقات شفافة ومعمقة، فإن أفلتوا من قانون الأدلة السرية جدلً، فلن يفلتوا من قرارات سياسية جاهزة لدى مجلس الاتحاد الأوروبي تقضي بإعادتهم إلى القائمة مجددًا على أسس مختلفة، مم يجعل من شبه المستحيل الإفلات من قبضة أجندة سياسية أوروبية مرسومة سلفًا، والتي يبدو فيها أنه لا يوجد مكان للعدالة أمام السياسة. في السياق ذاته، تبدو فرص حركة حمس في الإفلات الكلي من قائمة الإرهاب الأوروبية صعبة للغاية في ضوء اعتمد القانون الجديد والذي تم تفصيله لها ولأمثالها.