الحركات الاحتجاجية في الجزائر وعسر التحوّل
An Independent Discipline? On the Separation/Connection between International Relations and Political Science
الملخّص
تتناول هذه الدراسة التجربة الجزائرية مع "الربيع العربي" في محاولة للتعرُّف إلى طبيعة الحركات الاحتجاجية في الجزائر، والبحث في آليات تكيف النظام السياسي الجزائري مع فعل الاحتجاج من جهة، والإجابة عن سؤال: لمَ يصعب التغيير في الجزائر؟ وتعرض الدراسة مجموعةً من المحاور، تمثل في حدّ ذاتها الرهانات السياسية التي يتوقف عليها فهم الحالة الجزائرية، وفكّ لغز الاستثناء العربي، من خلال البحث في جذور الأزمة، والإشارة إلى تجاوزها في البحث عن الإصلاح والتطوير الجذري والحقيقي. وتناقش الدراسة آفاق التغيير في الشق السياسي، والمؤسسي، والاقتصادي، مع عرض سيناريوهات التغيير والانتقال الصعب في ظلّ التحولات والتحديات الدّاخلية والخارجية التي تحكم السياق العام في فهم الحالة الجزائرية وتحليلها.
Abstract
With every major shift in the world order, when political theory stops being able to account for realities of the day, the debate about the limits and intersections of international relations and political science is resurrected. Beginning with a comparison of the fields in terms of their stances on matters of accumulation, interpretation, and prediction, the study goes on to discuss how useful a separation of disciplines is at this juncture. It concludes that the complexity of international relations and the mixed and entangled nature of its subject matter raises doubts as to whether it is indeed an independent discipline.
- العلاقات الدولية
- علم السياسة
- التفسير
- التنبؤ
- Political Theory
- Political Science
- International Relations
The Protest Movements in Algeria and the Hard Transition
مقدمة
شهدت المنطقة العربية أواخر سنة 0102 جملة من التحولات التاريخية بفعل الحركات الاحتجاجية الشعبية، وساد اعتقاد متفائل أنّ عهد الاستبداد قد ولّ، وأنّ زمن الحرية جاء ليبقى، ولكن ذلك لم يتجسد واقعيًا؛ إذ انقسمت تجارب "الربيع العربي" إلى ثلاث مجموعات؛ شهدت الأولى تغيرات عميقة وُصفت بداية ب "الثورة"، لكن سرعان ما أعقبتها ثورة مضادة أعادت الأوضاع إلى نصابها السابق (تونس، مصر)، والثانية، كانت أعنف، وانزلقت إلى حالة من الفوضى واللاأمن (ليبيا، سورية)، بينم نجت المجموعة الأخيرة من موجات الربيع العربي بانتهاجها إصلاحات سياسية، أضفت نوعًا من المرونة على أنظمتها (الجزائر، المغرب). من ثَمّ؛ قد نخطئ عند قراءة "الربيع العربي" انتفاضةً أدّت إلى إسقاط أنظمة استبدادية، واتخاذ أنظمة أشدّ انفتاحًا بدلً منها، مثلم ذهب كثير من التحليلات الأكاديمية التي وصفته ب "الموجة الرابعة" للتحول الديمقراطي، ولكنّ التحليل السليم هو الذي يقودنا إلى البحث في مآلات هذه التحولات وفاعليتها على المدى المتوسط والبعيد.
تعد الجزائر من فئة الدول العربية التي لم تتأثر بموجة الربيع العربي، فعلى الرغم من واقعية الضغوط الإقليمية في دول الجوار (تونس وليبيا)، وحتى الساحل الأفريقي (مالي)، فإن ذلك لم يزعزع أركان النظام، ونجح في التكيف مع بيئة الجزائر الإقليمية المضطربة وفي الحفاظ على الوضع القائم. وقد استفادت الجزائر استفادة كبيرة من التراكم التاريخي منذ 9891، فضلً عن الوضع الاقتصادي المريح في تلك المدّة (014-20042) بسبب ارتفاع أسعار البترول، ما أتاح للحكومة فرصة القيام بإصلاحات محدودة، بغية امتصاص غضب الشارع، والذي كان بعيدًا من المكون السياسي على غرار تونس ومصر. يكتسي موضوع الحركات الاحتجاجية Protest Movements أهمية بالغة على المستوى الأكاديمي في دراسات العلوم الاجتمعية والإنسانية، من خلال الأدبيات العلمية التي تناولت هذه الظاهرة بغية تقديم إطار نظري تفسيري، يحاول أن يشرحها بأدوات علمية منهجية. ونشير في هذا السياق إلى كل من كتابات آلان تورين، وبيير بورديو، وألبرتو ميلوسي، وكلوز أوف، وكريسي، وكلونديرمان، وتراشمن، وفيرنانديز بوي، وتشارلز تيلي، وكذا الباحث المغربي عبد الرحيم العطري على سبيل المثال. أما على المستوى الواقعي، فمع أن هذه الحركات ظهرت في مُدَد تاريخية مختلفة، فإنها تطورت على نحو لافت مع مطلع التسعينيات وقبلها بقليل، من خلال دورها في عملية التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية، وبفعل تداعيات العولمة وما صاحبها من مواجهة للسياسات الرأسملية، وحتى في دول العالم الثالث بفعل سياسات التكييف الهيكلي ونتائجها السلبية على الصعيدين الاجتمعي والاقتصادي، وتطورت أيضًا بفعل الوسائط الإعلامية الجديدة، ذلك أن هذه الحركات استفادت من مواقع التواصل الاجتمعي التي ساهمت في إيجاد أشكال للتواصل والتنسيق في ما بينها، وتدلّ التجربة العربية مع فعل الاحتجاج بوضوح على الدور المفصلي الذي أدته الوسائط التكنولوجية في بعث الحراك الاجتمعي، فقد مثلت نظامًا اجتمعيًا تكنولوجيًا في تونس ومصر على وجه التحديد. لقد عاد الحديث عن الحركات الاحتجاجية في المنطقة العربية في سياق ما عرف ب "الربيع العربي"، وهو موضوع اكتسى في سياقه العربي أهمية بالغة؛ نتيجة ما خبرته المنطقة العربية منذ مدّة غير يسيرة من حركية غير مسبوقة في شكل هبّات شعبية، وحركات احتجاجية، وثورات. وهو ما راكم تراثًا نظريًا في دراسة هذه الظاهرة. كم يكتسي هذا الموضوع في السياق الجزائري أهمية خاصة لعدة مسوّغات، يأتي على رأسها شح الموجود من الدراسات والبحوث التي تشرّح الحراك الاحتجاجي الجزائري من حيث تاريخه، وراهنه، وأشكاله، وخلفياته، وطبوغرافيته، على اعتبار ما يتوفر عليه المجتمع الجزائري من رصيد ضخم في ممرسة فعل الاحتجاج، سواء في مدّة النضال ضدّ المستعمر أو بعد الاستقلال. وفي سياق الحراك العربي بعد 0112 نجد بعض الكتابات الجزائرية التي حاولت تفسير خصوصية الحركات الاحتجاجية في الجزائر، ومن ذلك دراسة عبد الناصر جابي بعنوان "الحركات الاحتجاجية في الجزائر" الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في شباط/ فبراير 0112، ودراسة العياشي عنصر المنشورة على جزأين في موقع الجزيرة نت بتاريخ 11 شباط/ فبراير 0112، إضافة إلى دراسة لحسن العاشي التي حملت عنوان "هل تتجنّب الجزائر الربيع العربي؟ والتي صدرت في أوراق كارنيغي في أيار/ مايو 0122، وهي الدراسات التي حاولت تفسير الحركات الاحتجاجية في الجزائر، فقد استندت الدراستان الأوليان على البعد السوسيولوجي في فهمها، مركزة على البعد التاريخي
والثقافة السياسية السائدة، في حين ركزت الدراسة الأخيرة على البعد الاقتصادي، وقد توصلت في مجملها إلى أنّ الجزائر مثلت الاستثناء العربي ضمن هذا الحراك. وعمومًا، تؤكد هذه الورقة خصوصية الحركات الاحتجاجية في الجزائر؛ فهي وإن تشابهت في مسبباتها لتشابه السياق العربي، فإنها تختلف وتتميز منها في فعل الاحتجاج ونتائجه، فقد أخذت أشكالً تعبيرية في كل من تونس ومصر وسورية، أفضت إلى تحولات عميقة بحسب سياق كلّ حالة لا يسمح المقام للتفصيل فيها، لكن في الجزائر، ظلّ المشهد السياسي يراوح مكانه، لما تمثله الحالة الجزائرية من استثناء كم سبقت الإشارة إليه، لعديد من الاعتبارات، وهي حقيقة تستوجب البحث في خصوصية الحركات الاجتمعية في الجزائر، وكفاءة النظام السياسي في إدارة الأزمات. بناء عليه؛ ستحاول هذه الورقة الإجابة عن الإشكالية التالية: كيف حافظ النظام الجزائري على مرونته في ظل الحركات الاحتجاجية في سياق الحراك العربي في المنطقة العربية؟ وكيف نفسر صعوبة التغيير في الجزائر؟ ويمكن تفكيك هذه الإشكالية إلى التساؤلات الفرعية التالية: • ما سمت الحركات الاحتجاجية في الجزائر؟ ما آليات تكيف النظام السياسي الجزائري مع مخرجات الحركات الاحتجاجية في الجزائر؟ ما مداخل إعادة تفعيل العلاقة بين الدولة والمجتمع في الجزائر؟ وللإجابة عن الإشكالية والتساؤلات الفرعية المطروحة؛ تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أنّ خصوصية الحركات الاحتجاجات في الجزائر المطلبية وانحسارها في المطالب الاجتمعية والاقتصادية أبعد كليًّا المكون السياسي عنها. تعدّ الاقترابات النظرية جزءًا لا يتجزأ من موضوع الدراسة، ولا يقوم البحث من دونها، إذ تمّ توظيف مجموعة من الاقترابات بغية دراسة الموضوع، وتقديم الإجابات المقنعة عن الاستفهامات المطروحة. فقد استعانت الدراسة بالاقتراب البنائي الوظيفي الذي يفسر تضاؤل قدرة السلطة التنفيذية على الاستجابة، وعدم فاعلية المؤسسات التمثيلية بخصوص تجميع المصالح والتعبير عنها، وهو ما يؤدي إلى تذمر مجتمعي، وهو الذي يكون مدخلً إلى الاحتجاج، والاقتراب الاتصالي بتفسيره لغياب قنوات الاتصال الرسمية، ما يدفع بالجمهير إلى البحث عن بدائل، وفي مقدمتها الشارع، والاقتراب المؤسسي الجديد واقتراب الدولة – المجتمع، في بحث مدى قدرة مؤسسة الدولة على التأثير في بيئتها وتفسير ذلك، وهو المتغير الجامع بين الاقترابين، أي أن المأسسة والبناء السياسي شرط ضروري لمواجهة المظاهر الاحتجاجية. وسيكون ذلك بالتعرض أوّلً لطبيعة الحركة الاحتجاجية في الجزائر: هل كان الشارع فاعلً سياسيا؟ وهي النقطة التي ستبحث في ميزات الحركة الاحتجاجية في سياق "الربيع العربي"، لننتقل ثانيًا إلى النظام السياسي في الجزائر وفعل الاحتجاج: بحث في المرونة وإعادة إنتاج الذات، في محاولة لمعرفة آليات تكيف النظام الجزائري مع فعل الاحتجاج، ثم التطرق، ثالثًا، إلى الحركات الاحتجاجية والرهانات السياسية في الجزائر: بحث في جذور الأزمة، وذلك بغية البحث في مسببات الحركات الاحتجاجية في الجزائر ودوافعها، لتنتهي الدراسة بالحديث عن آفاق التغيير في الجزائر: نحو نزع القدسية عن النظام السياسي في الجزائر، وذلك باقتراح البديل من أجل تصحيح الاختلالات الهيكلية على مستوى العملية السياسية، فضلً عن استشراف سيناريوهات التغيير في الجزائر.
أولا: في طبيعة الحركة الاحتجاجية
في الجزائر: هل كان الشارع فاعلًا سياسيًا؟
عرف المجتمع الجزائري أشكالً متعددة من الاحتجاجات على امتداد التاريخ السياسي للجزائر، وقد ظهر ذلك جليًا من خلال المقاومات الشعبية للاحتلال، فضلً عن الكفاح السياسي، وصولً إلى الثورة التحريرية الكبرى سنة 9541، ليستمر فعل الاحتجاج هذا مع تأسيس الدولة الوطنية بعد الاستقلال سنة 9621، والذي عبر عن القطيعة بين الدولة والمجتمع1. وقبل التعرض لخصوصية الحركات الاحتجاجية2 في الجزائر التي رافقت التحولات الإقليمية في المنطقة العربية، لا بدّ أولً من التعرض للسياق الاجتمعي والاقتصادي للجزائر، إذ إن الاقتصاد الجزائري يعاني الهشاشة، لاعتمده على الريع البترولي، ما يؤثر في معدل النمو الاقتصادي، ومن ثَمّ في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، على الرغم من التحسن الكبير في الوضع المالي للجزائر، إذ بلغ حجم الاحتياطي المالي في سنة 0122 ما قيمته 052 مليارات دولار4. غير أن ذلك لم ينعكس على الواقع الاجتمعي لدى
الجزائريين، وهو ما تجسد في 3 كانون الثاني/ يناير 0112، بخروج فئات اجتمعية إلى الشارع اعتراضًا على سوء الأحوال المعيشية المتمثلة بارتفاع أسعار المواد الإستراتيجية الأكثر استهلاكًا، وعلى رأسها الزيت والسكر5، وسرعان ما تعاملت معها الأجهزة الأمنية بالاحتواء، فضلً عن تصريحات للمسؤولين الجزائريين في العدول عن قرار رفع أسعار هذه المواد الغذائية.
وقد اتسمت الحركة الاحتجاجية في الجزائر بخصائص معينة، نشير إليها في خمس نقاط: الابتعاد عن الطابع الأيديولوجي: إذ لم تشهد الحركة الاحتجاجية في الجزائر طغيان الأيديولوجيات الحزبية أو الشعارات القومية، بل اكتفت برفض الوضع الاجتمعي والاقتصادي، ويعزى ذلك إلى سيطرة الحركة الشعبية العفوية على تحركات الشارع الجزائري. التلقائية والفجائية: تميزت الحركة الاحتجاجية في الجزائر بحسب تعبير الأستاذ عبد الناصر جابي، بضعف أشكالها التنظيمية، وغياب الفئات الوسطى والمتعلمين عنها6، وبافتقارها إلى شعارات ذات طابع سياسي أو اجتمعي؛ الأمر الذّي دفع بالخطاب الرسمي إلى حصرها في مطالب اجتمعية متعلقة بارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية نافيًا أي توجه سياسي حولها7. وهكذا، حكمت العفوية هذه الحركة، وحددت طبيعة نشاطها، بعكس مصر وتونس؛ حيث قادت فيهم الطبقة المتوسطة "الثورة". عدم وجود قيادة: تتمثل السمة الرئيسة عند تتبع الحركة الاحتجاجية في الجزائر بغياب ملموس للقوى الحزبية في التفاعل مع هذه الاحتجاجات وتأطيرها والانخراط في سياقها8، ويرجع ذلك إلى سببين؛ يتعلق الأول بطبيعة الثقافة السياسية السائدة9، في حين ينصرف الثاني إلى المشهد السياسي في الجزائر وتغييب المعارضة سواء من طرف الأحزاب ذاتها، أو من طرف النخب على مختلف أشكالها، وهي وضعية ساهم الريع البترولي إلى حد بعيد في زرعها، فالجميع تحول إلى لجان لمساندة برنامج رئيس الجمهورية في مشهد يتم توصيفه غالبًا بالانسداد والجمود السياسي، وهو ما دفع أستاذة العلوم السياسية بجامعة الجزائر لويزة إدريس آيت حمدوش إلى التساؤل: هل دخل الجزائريون في ثقافة احتجاج غير مسيّسة10؟ وفي السياق نفسه، يذهب الباحث العياشي عنصر إلى القول إنّ الحركات الاحتجاجية لم تشكل هياكل تنظيمية ذاتية، كم لم تفرز قادة من داخلها، ولم تقم بوضع برامج أو خطط عمل ومطالب واضحة ومحددة، ويرجع ذلك إلى المدّة القصيرة لنشاط تلك الحركات، ونقص الخبرة النضالية لدى الشباب الذين يمثلون القوة الضاربة فيها، فأعداد الشباب المنخرطين في جمعيات مدنية، أو نقابات أو أحزاب سياسية محدودة جدًّا، إن لم نقل منعدمة تمامًا. وهي الميزات التي تجعله يفسر غلبة طابع المواجهات العنيفة وأعمل السلب والتخريب على مسار هذه الحركات وافتقارها إلى أفق سياسي واضح11. مع القول بالاستثناء في بعض الحالات، إذ أفرزت هذه الحركات الاحتجاجية (مثال احتجاجات الشباب البطال بالجنوب، واحتجاجات عين
صالح حول الغاز الصخري) قيادات موقفية وميدانية شكّلت وسطاء للتفاوض مع السلطات المحلية والمركزية، كم تحوّل بعضها إلى حركات شبه رسمية تحت اسم "التنسيقيات" والتي سنشير إليها لاحقًا. النهاية السريعة: يبدو أنّ الحركة الاحتجاجية في الجزائر "جانفي 011"2 ينطبق عليها هذا العنصر، فقد بدأت سريعًا وانتهت كذلك، والسؤال الأرجح في هذا الصدد: لماذا توقفت هذه المطالب؟ لماذا توقفت التنسيقية عن خروجها إلى الشارع؟12. على الرغم من أنّ موجة الاحتجاجات تواصلت بعد ذلك في الأعوام ما بين 2012 - 0162، بحيث تذهب بعض التقديرات الرسمية إلى أنّ عدد الاحتجاجات في سنة 0122 وصل إلى 4536 احتجاجًا، وهناك تقديرات أخرى تقول إن قوات الأمن الوطني العامة قد تدخلت نحو 11 ألف مرة لفض الاحتجاجات في الجزائر، وقد يكون التدخل في بعض الأحيان لأتفه الأسباب كقطع التيار الكهربائي، أو نقص التزود بالماء، أو حتى مباراة كرة قدم13. وبذلك مثلت الحركات الاحتجاجية في الجزائر خصوصية فريدة في فعل الاحتجاج في المنطقة العربية، فقد كان الشارع في تونس ومصر فاعلً سياسيًا إلى حد بعيد، في حين كان الشارع فاعلً مطلبيًا في شقه الاجتمعي في الجزائر. وقد عبر في كثير من الأحيان عن عدم المبادرة على غرار التجربة التونسية والمصرية، وهو ما يفسر تأثير "الرشوة الاجتمعية" في الحدّ من تأثيراته في صورة "الإسكات الاقتصادي" الذي سيتم التفصيل فيه في أجزاء لاحقة من الدراسة. والشيء ذاته مع الحركة الاحتجاجية في كلّ من ولايات بجاية والبويرة وبومرداس14 مطلع كانون الثاني/ يناير 0172 مع دخول قانون المالية سنة 0172 حيز التطبيق، وما حمله من زيادات في الأسعار فقد انتهت في غضون أيام. أعمل العنف والتخريب: إنّ الحضور القويّ لفئة الشباب في الحركة الاحتجاجية التي شهدتها الجزائر في أعقاب الحراك العربي، وبفعل عدم تحكم الأحزاب السياسية والنقابات وتنظيمت المجتمع المدني في توجيهها، إضافة إلى الخصوصيات التي سبقت الإشارة إليها؛ فإنّ الخاصية العامة التي تميزها هي تحولها إلى أعمل عنف ونهب وتخريب ضدّ الممتلكات الخاصة والعامة، وهو ما حصل في أحداث "جانفي 011"2، أو الحركة الاحتجاجية الأخيرة اعتراضًا على قانون المالية 0172 والزيادة في الأسعار، إذ شهدت الولايات المذكورة آنفا موجة من النهب والتخريب. والملاحظ أنّ الاحتجاجات الأخيرة في كل من بجاية والبويرة وبومرداس جوبهت برفض شعبي في مواقع التواصل الاجتمعي "فيسبوك"، إذ دعا هؤلاء الناشطين إلى عدم الانسياق وراء دعوات النهب والتخريب، مستحضرين التجارب العربية في هذا السياق، وخصوصًا الحالة السورية، وهي الميزة التي تفرغ الحركة الاحتجاجية في الجزائر من محتواها السياسي والاجتمعي، وتمكن النظام السياسي في الجزائر من الاستثمر فيها وتعزيز تماسكه وتحصين مناعته، لسلبية هذه الحركات في منظور المجتمع الجزائري.
ثانيًا: النظام السياسي في الجزائر وفعل الاحتجاج: بحث في المرونة وإعادة إنتاج الذات
عند الحديث عن الحركات الاحتجاجية في الجزائر، يطرح في المقابل سؤال: هل فعلً تأثرت الجزائر ببيئتها الإقليمية؟ أو هي فعلً مثلت الاستثناء العربي، وللفصل في ذلك وجب التطرق إلى مجموعة من الخصوصيات: بنية الدولة الحديثة في الجزائر بعد الاستقلال وطبيعة تكوين النظام السياسي: إنّ شرعية النظام السياسي القائمة على الشرعية الثورية تدل بوضوح على أنها المحدد الأول للاستجابة للضغوط من عدمها، ومن المناسب في هذا السياق التذكير بالخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية في مدينة سطيف في 8 أيار/ مايو 0122، حينم أراد أن يشدد على أهمية تشريعات 0122، حينم قارن هذا الاستحقاق الانتخابي باستحقاق 9541، وهي المقارنة التي فيها من المبالغة الكثير، وتشير إلى المرجعية التاريخية التي يتغذى عليها النظام الجزائري. وبخروجه عن النص دائمًا صرّح "أنتم جميعًا تعرفون حزبي"، وهي إشارة إلى سيطرة الحزب الواحد على الرغم من إقرار التعددية الحزبية بعد دستور 989.1 بناء عليه؛ فإنّ بنية النظام السياسي الجزائري منذ الاستقلال مبنية على شخص الرئيس، وكذا خاصية عدم تغير
النظام على الإطلاق تدل بوضوح على أنّ من الصعوبة بمكان الحديث عن التغيير في الجزائر. دور المؤسسة العسكرية ليس فقط في استكمل بناء الدولة ولكن بل في كونها لاعبًا رئيسًا: أعطت المؤسسة والنخب العسكرية في الجزائر لنفسها حق بناء الدولة الوطنية والسيطرة على الحكم والانطلاق في مسيرة التنمية، الحق الذي ترى أنّها اكتسبته من محاربتها للاحتلال الفرنسي (جيش التحرير الوطني)، فضلً عن دورها في التحكم في الاستقرار، والدور الأساس في عدم انتقال عدوى "الربيع العربي" إلى الجزائر على غرار ما لم يحدث في مصر، فقد أدّت المؤسسة العسكرية في مصر دورًا في إزاحة "نظام مبارك"، وفي تونس في ضمن الانتقال السياسي السلمي، على الرغم من الصراع بين مؤسسة الرئاسة وجهاز المخابرات، الذي كان أقوى مؤسسات الجيش الجزائري، وتم حلّه مؤخرا وأعيدت هيكلته. ومنه أمكن القول إنّ مؤسسة الجيش في الجزائر ما زالت وازنة في المشهد السياسي الجزائري، وحافظت إلى حدّ بعيد على التوازن الهشّ. العلاقات السياسية - المجتمعية التي تشهد قطيعة وليدة تراكمت تاريخية: يرى صموئيل هنتنغتون أن تحقيق الاستقرار السياسي مرهون بمدى بناء مؤسسات سياسية تنظم المشاركة السياسية وتحول دون انعدام الاستقرار15. وفي هذا الإطار، عرف المشهد السياسي الجزائري العزوف عن كل ما له علاقة بالسياسة، في ما نسميه ب "الأغلبية الصامتة"، فحتى مشاركتها في الانتخابات تبقى سلبية كنسبة الأوراق الملغاة في الانتخابات التشريعية الجزائرية سنة 0122، والتي بلغت قرابة المليوني ورقة. هي وضعية ساهم فيها مساهمة كبيرة ضعف الأحزاب السياسية، التي باتت تمثل مؤسسة خاوية من أيّ محتوى سياسي أو مجتمعي، ولا تمتلك أيّة قاعدة شعبية أو انتخابية وازنة، وانتظمت غالبًا حول برامج غامضة ذات خطاب وطني توافقي ومنطق زبائني محلّ، في صورة استحبها النظام السياسي في الجزائر لأنها تكرس للإصلاحات التجميلية التي باشرها مطلع سنة.2012 البنية الاقتصادية للجزائر بوصفها عاملً لإعادة التوازن السياسي: ظلّ الاقتصاد الجزائري رهين الريع البترولي، بيد أن النظام الجزائري نجا من الثورات في العالم العربي عن طريق إعادة توزيع عائدات البلاد الضخمة من النفط. فقد لجأ إلى ما يسميه ناصر جابي ب "الرشوة الاجتمعية" بغية شراء السلم الاجتمعي، إذ لجأت السلطات العمومية إلى خلق وظائف موقّتة في صورة عقود ما قبل التشغيل، وخاصة للحاصلين على شهادات جامعية16، كم زادت الحكومة دعم المواد الغذائية وخفضت الرسوم الجمركية على المنتجات الغذائية المستوردة، ومنحت زيادات سخية في الأجور لموظفي الخدمة المدنية، كم شملت الزيادة رواتب المتقاعدين بنسبة 51 إلى 03 في المئة المنصوص عليها في قانون المالية لسنة 012217، وقدمت دعمً نقديًا للفلاحين، وقروضًا من دون فائدة للشباب العاطلين، وضخت في المقابل مبالغ مالية ضخمة في عدة مشاريع، فقد قفز الإنفاق الحكومي في الجزائر بنسبة 50 في المئة سنة 0112، وزادت رواتب موظفي الخدمة المدنية بنسبة 46 في المئة18. ويبدو أنّ هذه السياسات لم تكن مدروسة؛ ففور أن تراجعت أسعار النفط في السوق الدولية 0142، تراجعت الحكومة عن كثير من الوعود التي أطلقتها، بل امتد ذلك إلى العجز في تمويل مشاريع البنية التحية. ظاهرة الإرهاب: الخوف من تكرار التجربة: وهي الأزمة التي جاءت مباشرة بعد أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 9881، والذي عادة ما يتم تشبيهها بالربيع العربي. أعطت هذه العشرية تصورًا عن حجم المأساة، ورسخت الخوف من تجددها على الرغم من المظالم الاقتصادية والاجتمعية، فحتى الأصوات المعارضة تطالب بإصلاحات تدريجية خوفًا
من الانهيار، كلها عوامل ساعدت حكومات بوتفليقة على استغلال هذه المخاوف لإقناع الجمهور بأنه وحده من يمنع الفوضى19. إنّ العشرية السوداء خلفت خسائر بشرية ومادية، وتركت انطباعًا في المخيال الجمعي عن عدم تكرار التجربة والخوف منها، بحيث إنّ صدمة هذه السنوات، والتي راح ضحيتها ما يزيد على 002 ألف قتيل، وآلاف المشردين والمفقودين، جعلت الجزائريين متخوفين من الضغط الشديد باتجاه التغييرات التي من شأنها أن تؤدي إلى تكرار تلك المأساة، ورسخت الخوف من تجددها، على الرغم من المظالم الاقتصادية والاجتمعية، وفي السياق نفسه، يذهب ناصر جابي إلى القول إننا انتقلنا من حالة الخوف إلى حالة التخويف20. الخبرة التراكمية للأجهزة الأمنية: شهدت الجزائر مجموعة من الاضطرابات الداخلية، وسنوات طويلة من الإرهاب، أكسبت أجهزتها الأمنية الخبرة اللازمة للتعامل مع هذه الأزمات؛ فعلى عكس تونس ومصر، حيث فشلت قوات الأمن في التعامل مع الاحتجاجات بسقوط عديد من القتلى، ولا سيّم في الحالة المصرية، فقد واجه المتظاهرون في الجزائر أجهزة أمنية قوية ومدربة تدريبًا متطورًا على فنون السيطرة على الجمهور، معتمدة اعتمدًا كبيرًا على التطويق والمحاصرة والتشتيت، من دون استعمل الذخيرة الحية، في محاولة لاستعادة السلم عبر الحوار وليس القمع21. ضعف المشهد السياسي وهامشية المجتمع المدني في الجزائر: على الرغم من الانفتاح السياسي في الجزائر ظل المشهد السياسي في حالة جمود، كم ظل المجتمع المدني هامشيًا محدود التأثير، إذ ساهمت عوامل عدّة في ذلك، فضلً عن مرحلة العشرية السوداء وما صاحبها من توجس أمني وبعض ممرسات السلطة على الحياة السياسية، إذ تم تقزيم الأحزاب، وتشتيت قياداتها باسم ما عرف ب "الحركات التصحيحية"، فضلً عن المجتمع المدني الذي انحصرت أدواره وأصبحت تقتصر على التعبئة للنظام السياسي، وهو إلى أن يكون لجانًا مساندة أقرب منه إلى أن يكون فاعلً مؤثرًا في المجتمع. وفي هذا السياق، أمكن القول إنّ ضعف مستوى التأطير السياسي للمجتمع الجزائري مقارنة بمصر وتونس مثلً، ساهم مساهمة كبيرة في الوهن الذي أصاب أيّ فاعل مجتمعي، حزبًا كان أم منظمت مجتمع مدني، أم نقابات، في الانسياق في عمل احتجاجي واضح المعالم. والملاحظة الجوهرية في هذا الإطار؛ أنّ الحركة العملية نادرًا ما تكون طرفًا في فعل الاحتجاج، وذلك راجع في الأساس إلى جعل التنظيم النقابي الأساسي في الجزائر (الاتحاد العام للعمل الجزائريين) حليفًا للسلطة. هذا مع وجود نقابات حرة، ولا سيّم في قطاعَيِ التعليم والصحة22. فقد استفادت هذه الفواعل من منح سخية، أكسبت النظام السياسي في الجزائر وهم المناعة23. إستراتيجية الاحتواء: وصل الإسلاميون إلى الحكم في كل من تونس ومصر في صورة "الإخوان المسلمون"، وقد مثل ذلك تحولً نوعيًا في الخريطة الحزبية، بيد أنّ الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي، وعودة الدولة العميقة في مصر24، وفوز قائد الباجي السبسي بالانتخابات الرئاسية في تونس، كانت شواهد دلّت بوضوح على تراجعهم في المشهد السياسي العربي بعد ما عرف بالربيع العربي. ويبدو أنّ هذا لم يحدث في الجزائر، فلخبرة السلطة مع الإسلاميين، لا يسمح لهم بالوصول للسلطة، وعلى خلاف ما كان متوقعًا - سيطرتهم على البرلمان في الجزائر في تشريعيات 2012 - بقي حزب جبهة التحرير الوطني محتفظًا بأغلبية مقاعد البرلمان. وفي المقابل، تشرك جبهة التحرير الوطني بعض القوى الاسلامية في الحكم على غرار التحالف الرئاسي الذي ضمّ جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وحزبًا إسلاميًا ممثلً بحركة حمس. وعلى الرغم من خيار المعارضة الذي انتهجته "حمس" فإنّ تكتل "الجزائر الخضراء"25 الذي ضم أحزابًا إسلامية
سرعان ما تلاشى رباطه، فقد مثل عمر غول26 المنشق عن حركة حمس، بتأسيسه لحزب "أمل الجزائر"؛ بديلً إسلاميًا للسلطة عن حركة "حمس". هذا فضلً عن عدم قدرة التيار الإسلامي في الجزائر على التعبئة الشعبية، للخبرة التاريخية من جهة، ونوعية الخطاب السياسي السائد من جهة أخرى. مسألة الارتباط الإقليمي ومدى تأثير المتغير الخارجي: أصبحت الجزائر فاعلً إقليميًا بامتياز في منطقة المغرب العربي، للموقع الجغرافي المتميز، وشساعة مساحتها وتعداد سكانها، وامتلاكها احتياطيًا نفطيًا مؤكدًا يقدر ب 12.2 مليار برميل، محتلة بذلك المرتبة الخامسة عشرة عالميًا والثالثة أفريقيًا، أما ما يخص الغاز الطبيعي فتحتل من حيث الاحتياطات المؤكدة من الغاز الطبيعي المرتبة الثانية أفريقيًا، بمقدار 591 مليار متر مكعبًا27. بناء عليه، يرى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية الجزائر زعيمً إقليميًا في المنطقة، ويتجنبون حدوث اضطرابات فيها، حفاظًا على مصالحهم الإستراتيجية، هذا فضلً عن كونها شريكًا أمنيًا للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب في المنطقة المغاربية والساحل الأفريقي28. فقد كشف الهجوم على القاعدة النفطية "عين أميناس" في الجنوب الجزائري (كانون الثاني/ يناير 0132) عن جملة من المخاطر والتهديدات الإقليمية المثيرة للقلق، والتي تدفع باتجاه انعدام الأمن. وهكذا، تمثّل هذه التحديات عبئًا إضافيًا على الداخل المضطرب بعدوى الربيع العربي، بفعل ديناميات الأمن المتغيرة في هذا الفضاء الذي تتقاسم معه الجزائر حدودًا شاسعة، وتفرض على الجزائر أداء دور إقليمي أكبر لتحقيق الأمن في المنطقة29. الإصلاحات السياسية: التحايل بالتشريعات لتبرير البقاء: بدأت الحكومة عملية "الإص ح السياسي" في ردها على الاحتجاجات الشعبية، وشمل عددًا من مشاريع القوانين الجديدة بعد مشاورات سياسية شكلها الرئيس بوتفليقة لإدارتها30، مع الطبقة السياسية الفاعلة، ومنظمت المجتمع المدني، ومختلف الشخصيات الوطنية، ليتولى التشاور بنفسه مع الرؤساء السابقين للجزائر، تمثلت ب: إصلاح القانون الانتخابي، وفتح المجال لتأسيس أحزاب جديدة، وإنهاء احتكار الإعلام المرئي والمسموع، وزيادة عدد المقاعد البرلمانية، وفرض "الكوتا" النسائية ومشاركة المرأة في المجالس المنتخبة، وحالات التنافي مع العهدة البرلمانية، وصلاحيات المؤسسات الدستورية31. وقد سبق هذا قرار رفع حالة الطوارئ في 23 شباط/ فبراير 0112، والذي جرى العمل به قرابة العشرين سنة32. وصولً إلى التعديل الدستوري لسنة 016. لقد 233مثلت هذه الإصلاحات أداة في يد النظام بغية التكيف، نظرًا إلى التوازن الهش، بيد أنّ هذه التشريعات لم تصل إلى إصلاحات حقيقية34، بل هدفت إلى تعزيز قوة السلطة التنفيذية35، ومنع عدوى الربيع العربي، وامتصاص غضب الشارع، وذلك بالإسكات القانوني عبر مشاريع القوانين العضوية36.
ثالثًا: الحركات الاحتجاجية والرهانات السياسية في الجزائر: بحث في جذور الأزمة
يُعدّ البحث في جذور الأزمة وإدراك الاختلالات الوظيفية غاية في الصعوبة، فالرهان السياسي يتوقف على مدى تجاوز العقبات المرتبطة بالحالات المرضية التي باتت لصيقة بالنظام السياسي والمجتمع الجزائري على حدّ سواء، ضمنًا لعملية سياسية سليمة يكون الفعل الديمقراطي إحدى صورها، والثقافة الديمقراطية أحد تجلياتها، ولن يستقيم ذلك إلا بالتعرض للركائز الثلاثة التي تمثل الرهان السياسي في الجزائر. شرعية السلطة السياسية: على خلاف مصر وتونس، حيث تجسد النظام فيهم في شخص كل من حسني مبارك وزين العابدين بن علي، توالى على الجزائر منذ سنة 9921 خمسة رؤساء، كان آخرهم عبد العزيز بوتفليقة. فالجزائريون يعرفون ويدركون جيدًا أنّ إطاحة الرئيس لا تعني تغيير النظام، على الرغم من محاولة السلطة إضفاء الطابع القدسي على شخص الرئيس الحالي (بوتفليقة) الذي يصور في المخيال الجمعي لدى الجزائريين بأنّه رمز العزة والكرامة واستعادة الأمن والسكينة37. ومع ذلك، يظل الحقل السياسي الوطني خاضعًا أساسًا لخطاب سياسي يستمد كلّ مشروعيته من رسالة جبهة التحرير الوطني "التاريخية"؛ رسالة حرب التحرير الوطنية. فإضافة إلى التراكم الريعي الذي حاز مشروعية اجتمعية وأعطى السلطات مجالً كبيرًا للمناورة، ظل "الريع السياسي" مستمرًا ممثلً بخطاب الشرعية التاريخية، ومثل بذلك ثنائية "الريع السياسي" و"الريع البترولي"، ويبدو أنّ الأولى في طريقها إلى الزوال بيولوجيًا، أما الثانية فبدت ملامحها للعيان مع تراجع أسعار البترول في السوق الدولية سنة 0142 إلى عتبة 03 دولارًا للبرميل، ومنه يظل البحث عن الاستمرارية التي لن تخرج عن إعادة تصحيح حالات الخلل الوظيفي والعجز التي تعتري الشرعية الديمقراطية38. في طبيعة السلطة السياسية وإعادة التفكير في علاقة الجيش بالسلطة: تستند السلطة السياسية في الجزائر إلى بيروقراطية متجذرة. ومن جانب آخر، لا مراء في القول إنّ هذه البيروقراطية خاضعة مباشرةً ومنذ الاستقلال لهيمنة الجناح العسكري من السلطة39. فكثيرًا ما اتخذت المؤسسة العسكرية في الجزائر العديد من القرارات ذات الطابع السياسي، عاملة بمبدأ: لا يمكن شخصًا أن يصبح رئيسًا للجزائر من دون موافقة الجيش وجهاز المخابرات40. ولا مناص من القول إنّه يجري توصيف الحالة الجزائرية بأنّ "الجيش له دولة" في إشارة إلى التغلغل الكبير في مفاصل السلطة، وصفوة القول أنّ ما اصطلح عليه" الجيش السياسي" في إشارة إلى جهاز المخابرات، كان لغزًا يصعب حلّه، فقد تعاقب منذ سنة 9901 إلى غاية سنة 0142، على الحكم خمسة رؤساء، في مقابل عشرات الحكومات والوزراء، ولكن ظل منصب مدير المخابرات ثابتًا طوال هذه المدّة في يد شخص واحد، وهو ما يحمل على الاعتقاد أنّ منطق خضوع كل ما هو غير عسكري تابع لما هو عسكري؛ صفة يجري تداولها بصفة واقعية وتؤكدها التجربة التراكمية في تاريخ الجزائر المعاصر. ويطرح في المقابل سؤالً ملحًّا: من كان يحكم فعليًّا41؟ إنّ هذه الثنائية، والتي تحسم لمصلحة سلطة الجيش الوازنة في المشهد السياسي الجزائري، تعرقل كثيرًا مسألة أولوية بناء الدولة، ما قوض العملية السياسية في الجزائر بأكملها، وأفرغ إلى حد بعيد وظيفة الجيش المجتمعية من محتواها الحقيقي. وفي المقابل؛ جعل من فكرة أنّ الجيش الحامي الأول للبلاد، والضامن الأول للدستور مدعاة للريب، مع المساس مباشرة بالمؤسسات السياسية، وبمصداقية كلّ العمليات الانتخابية، والتي في كثير من الأحيان توصف بالتزوير، وبات في الذاكرة الاجتمعية أنّ من يحدد الرئيس هم "الجيش السياسي" كم جرى توصيفه من قبل42. بات هذا النقاش على مرّ السنوات القليلة الماضية، محلّ جدل واسع؛ انتهى في الأخير إلى تفكيك جهاز المخابرات وإحالة مديره
على التقاعد. وفي المقابل؛ تمّت المناداة بالدولة المدنية، والتي أكدها الأمين العام الحالي لحزب جبهة التحرير الوطني عمر سعيداني، ويبدو أنّ في ذلك نوعًا من تبيان انتصار مؤسسة الرئاسة على جهاز المخابرات، ولكن تبقى هذه الحركية خاوية من أيّ تطبيق فعلي، ما لم يتم إرفاق ذلك بإصلاحات دستورية عميقة تحدد بوضوح مهمت هذه المؤسسة المحورية وصلاحياتها. والحال أنّ التعديل الدستوري سنة 0162 أغفل ذلك، ما يستدعي إعادة النظر في هذه العلاقة التي تأسست على مدى عقود من الزمن. المساءلة وإعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمجتمع: تطرح الحالة الجزائرية الكثير من النقاشات بخصوص الرهانات السياسية القادمة، فالوضعية الاقتصادية غير المريحة، والحياة السياسية المتعثرة؛ تبعثان على القول إنّ فعل الاحتجاج يمكن أن يكون أعنف من ذي قبل، ما لم تتم معالجة الاختلالات الوظيفية، سياسيًا، واقتصاديًا، ومجتمعيًا، وهي المسؤولية التي تقع على عاتق النخب السياسية المكلفة بالشؤون العامة. وفي ظل فشل هذه النخب في أداء وظيفتها فإنّ ذلك من شأنه أن يكون تعبيرًا عن انقطاع في العلاقة بين الدولة والمجتمع، والحقيقة أنّ هذه القطيعة من شأنها إنتاج نموذجين متوازيين؛ نموذج الدولة التي لا تأخذ على عاتقها المشكلات الحقيقية للمجتمع من خلال الاستجابة لمطالبهم، وتحقيق الضبط الاجتمعي الذي يجعل المواطنين خاضعين لسلطتها، ونموذج ثان منبثق من حركية المجتمع، ويظهر ذلك في عدم الثقة والعمل خارج سلطتها، في المجال السياسي بضعف المشاركة السياسية، أو القانوني بعدم احترامه، أو الاقتصادي بالعمل خارج الأطر المنظمة للعملية الاقتصادية في ما يعرف ب "السوق السوداء"43، والذي غالبًا ما لا تتحمل المؤسسات السياسية العامة المسؤولية عنه، وهو ما يضعف صراحةً مضمون الدولة ووجودها في حدّ ذاته44. ويبدو أنّ الاتجاه العام في الجزائر يدفع نحو النموذج الثاني، فالقوى الاجتمعية قوية والمؤسسات السياسية ضعيفة. وما دام الحال كذلك؛ فإنّ العودة إلى النموذج الثاني يدل بوضوح على عجز مزمن في تلبية حاجات المواطنين، على الرغم من الجهد المبذول من طرف السلطة السياسية في البلاد. وبين هذا وذاك لا بد من الاتجاه نحو النموذج الأصلح الذي تمثل فيه الدولة معنى الرفاهية الاجتمعية.
رابعًا: في آفاق التغيير في الجزائر: نحو نزع القدسية عن النظام السياسي في الجزائر
يظل الاعتقاد السائد أنّ أفق التغيير محدود، فحتى مع الاضطرابات العميقة التي شهدتها الجزائر منذ سنة 9881، ظل التغيير من الصعوبة بمكان. وضمن سياق إقليمي مضطرب؛ حافظ النظام الجزائري على مرونته، باستعمله ورقة "الإسكات الاقتصادي" تارة، وبالتحايل بالإصلاحات القانونية والسياسية تارة أخرى. وضمن هذه الأوضاع، تواجه الجزائر اليوم ثلاثة تحديات حقيقية، وجب معالجتها والتعرض لها تجنبًا للتغيير العنيف والصعب؛ على الصعيد السياسي، من خلال إعادة النظر في العملية السياسية بمجملها، ومن ثمّ ضمن انتقال ديمقراطي يكون الفعل الديمقراطي نواته الأولى وتعزيز شرعية النظام السياسي. وعلى الصعيد المؤسسي، من خلال الإصلاحات الدستورية العميقة التي قوامها دستور ديمقراطي، يضمن ويحدد حقوق الجميع وواجباتهم، ويؤسس لدولة القانون. وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتمعي، والذي بات التحدّي الأكبر من خلال تراجع أسعار البترول في السوق الدولية وافتقار الجزائر إلى بديل اقتصادي، والذي ظل عقودًا طويلة ضامنًا لاستمرارية النظام من خلال سياسة شراء السلم الاجتمعي، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في البديل، بما يحرك عجلة التنمية ويضمن الأمن والاستقرار. هذه المحاور تمثل صمم الأمان في وجه التغيير العنيف، وتؤسس للبناء السياسي، الاقتصادي والاجتمعي.
على الصعيد السياسي: في بناء التوافق الاجتماعي
هذا هو الشق الذي يتطلب تعزيز الثقافة السياسية التي تؤسس للقيم والممرسة الديمقراطية ضمن الخصوصية المحلية للمجتمع الجزائري، والتي تتضمن عملية تطوير المؤسسات السياسية التي ينبغي أن تتوافق مع الثقافة السياسية السائدة في المجتمع، وتمكين جميع الفاعلين السياسيين المؤثرين من التفاهم على إجراءات عمل
سياسية تضمن الدينامية وتكون الضامن الأساسي لعمل المؤسسات التي تعبر عن إرادة المجتمع. إنّ إعادة البناء السياسي هذه، يجب أن تبدأ من رؤية تحتية تبدأ من الأسفل بغية القضاء على المظاهر الشكلية، والتي كرست لثقافة عدم الوثوق واللامبالاة بالشأن السياسي، وهي العملية التي يجب أن تعمل على إشاعة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية، بما يضمن المشاركة السياسية التي تتطلب التأسيس لوجود أحزاب سياسية فاعلة، ومجتمع مدني أكثر اندماجًا في العملية السياسية، وهي الركائز الأساسية التي تفضي إلى توافق سياسي يكون قوامه دولة الحق والقانون والقضاء على الفساد، في إطار حكم راشد يستند إلى الرقابة والمساءلة والشفافية، بوصفها شروطًا ضرورية للتنمية السياسية والاقتصادية، حتى يتم تعزيز الحكامة ثقافةً سياسية لا مشروعًا سياسيًا فقط.
والحال أنّ هذا الانسداد راجع أساسًا إلى غياب شرعية ديمقراطية حقيقية، فالشرعية التاريخية التي غذّت هذا الجانب عقودًا من الزمن؛ تواجه اليوم النضوب المحتوم، نتيجة بروز جيل جديد من الشاب يؤمن بشرعية الإنجاز، وبتنمية اقتصادية حقيقية تضمن له العيش الكريم (نصف السكان تقل أعمرهم عن 03 سنة)، ولا يؤمن بالخطاب الرسمي المشحون بالشرعية التاريخية المنبثقة من الكفاح ضد الاستعمر الفرنسي، هذا الخطاب غالبًا ما يتم تضخيمه ليمثل خزانًا بقيمته السياسية والرمزية، ويقف في وجه أيّ خطاب سياسي يدعو إلى فك حالة الجمود وتطليق "الريع السياسي" الذي – وإن كان سيختفي دعاته بيولوجيًا – ما زال يأخذ حيّزًا أكبر في الخطاب السياسي في الجزائر، ولا يقتصر ذلك على السلطة الحاكمة فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى المعارضة السياسية، والأحزاب المجهرية، ما يوحي أنّ الخطاب السياسي بات فاقدًا للشرعية الديمقراطية التي هي وقود أيّ مشروع سياسي تكون منطلقاته الأساسية التطوير السياسي والاقتصادي معًا، بعيدًا من الخطاب الشعبوي الذي بات لا يتمشى والحركية المجتمعية في زمن العولمة.
على المستوى المؤسسي: في ضمان الشرعية الدستورية
يحتاج ذلك إلى صوغ دستور ديمقراطي توافقي يضمن توزيع السلطة توزيعًا متوازنًا ومتكافئًا، ويحدّ من هيمنة السلطة التنفيذية45، وهو ما كرسه التعديل الدستوري سنة 0162، بإعطاء السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة ممثلة برئيس الجمهورية46، ولن يتحقق ذلك إلا بمنح السلطتين التشريعية والقضائية صلاحيات واسعة، فضلً عن العمل على ترسيخ استقلالية القضاء وعدالته بما يعزز بناء دولة القانون، وبناء مؤسسات سياسية ديمقراطية تحظى بثقة المواطنين وتعبر عن تطلعاتهم، وتدفعهم إلى الانخراط في الفضاء العام والسياسي47. وفي ذات السياق، وجب تأكيد مبدأ الشرعية الدستورية لإعادة إنتاج علاقة إيجابية بين الدولة والمجتمع، وعدم الاكتفاء بالترسانة القانونية وضخامة التشريعات، بحيث يجمع الكثيرون على أن النصوص الدستورية في الغالب جيدة وتكفل مساحات واسعة للعمل السياسي، لكن الملاحظ على الأقل أن الممرسة السياسية في الواقع بعيدة جدًا من النصوص الموجودة، وهو ما أشار إليه تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 0042 تحت عنوان:"دساتير تمنح الحقوق، وقوانين تصادرها"، ذلك أنّ هذه الدساتير كثيرًا ما تحيل على التشريع العادي تنظيم الحريات والحقوق، وغالبًا ما يعمل التشريع العادي على تقييد الحق، بل مصادرته أحيانًا، وهو ما يفقد النص الدستوري جدواه ويفرغه من محتواه48. والحال هذا مع القوانين العضوية الصادرة في الجزائر 2 012 التي رافقت الإصلاحات السياسية والقانونية. بناءً عليه، سيبقى أيّ إصلاح قانوني، مهم كان جيدًا، عاجزًا عن تحقيق ما يبتغى منه ما لم يرفق بإرادة سياسية جادة وحقيقية في مختلف المستويات. لذلك؛ لا بد من القفز على المقاربة القانونية وجعلها لاحقة
أو موازية للعمل السياسي لا سابقة له، وخاصة في ظل توظيفها من طرف السلطات القائمة لتبرير استمراريتها، وجعلها من إنجازاتها، في حين أن تلك السلطات أول من يتجاهلها. ويرى الخبراء في هذا المجال أيضًا أن مسار صوغ الدستور ينبغي أن يكون منفتحًا، وأن يتضمن مساهمت قطاع واسع من العناصر الفاعلة أبعد من الأحزاب السياسية49. وهي أمور لن تحقق فعاليتها إلا باحترامها وتكريس تطبيقها على صعيد الممرسة العملية.
على الصعيد الاقتصادي: الاستدامة والتفكير في بديل اقتصادي
ظلّ الاقتصاد الجزائري رهين قطاع المحروقات، فمع الإصلاحات الإدارية والاقتصادية منذ الاستقلال، لم يتخلص صانع القرار في الجزائر من التبعية لهذه المادة الإستراتيجية التي تخضع لسوق دولية تتحكم فيها عوامل السياسة الدولية ومحدداتها، ويبدو أنّ السياسة الدولية تأثرت كثيرًا بالأوضاع السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، وزيادة حصة كل من إيران وروسيا من الإنتاج، وغيرها من العوامل التي لا يسمح المقام لمزيد من التفصيل فيها. ولعلّ نقطة التحول هذه باتت تطرح نفسها مع تراجع أسعار البترول في السوق الدولية سنة 0142، وتراجع مدخولات الجزائر من العملة الصعبة، وتراجع احتياطات الصرف، بل وصل الأمر إلى اللجوء إلى صندوق ضبط الإيرادات لمعالجة العجز في الموازنة العامة للدولة50، وإعلان حالة التقشف التي اتخذتها الحكومة شعارًا لها على مدى السنتين الماضيتين. وفي السياق عينِه، يواجه الريع البترولي الذي استعمل كثيرًا في "الإسكات الاقتصادي" وامتصاص غضب الشارع اليوم، النضوب المحتوم، وذلك لعوامل، منها ما سبقت الإشارة إليه بخصوص تراجع الأسعار، وفي المدى المتوسط؛ النضوب والزوال المتوقع لهذه المادة، حال كونها مصدرًا حيويًا للطاقة، فضلً عن أمور عملية، من قبيل تزايد الطلب والاستهلاك الداخلي، بحيث ارتفع حجم الاستهلاك المحلي من النفط والغاز من 62 في المئة من الإنتاج في سنة 0052 إلى 40 في المئة في سنة 010.2 وقد ساهمت ثلاثة عوامل في هذا الاتّجاه، هي تزايد عدد السكان، بحيث من المتوقع أن يصل أو يفوق عدد السكان في الجزائر عتبة 45 مليون نسمة بحلول سنة 0502، والزيادة غير المسبوقة في استيراد السيارات على مدى السنوات الثلاث السابقة51، والانخفاض المصطنع في أسعار الوقود المحلية بفضل الدعم الحكومي الكبير. وقد زادت حصة الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي من 91 في المئة من الإنتاج في سنة 0052 إلى 92 في المئة في سنة 201052. واستنادًا إلى ذلك، أشارت دراسة صدرت في سنة 0082 عن معهد "تشاتام هاوس" إلى أنه لن يكون لدى الجزائر نفط متاح للتصدير بعد سنة 023.2 وتقول دراسة أخرى إن من المرجّح أنه لن يعود لدى الجزائر نفط لكي تصدّره بين سنتَي 0180202 و.2 وتحذر الدراسة نفسها من أنه من دون اكتشاف احتياطيات نفطية جديدة، قد تفقد البلاد مكانتها منتجًا للنفط بحلول سنة 2026. وهي التطورات التي ستحد كثيرًا سياسة إعادة توزيع الموارد الريعية، وتقلص هامش المناورة أمام أيّة محاولة لشراء السلم الاجتمعي بمنطق "الرشوة الاجتمعية" التي مصدرها الريع المنتهية صلاحيته. وفي هذه الحالة، لا مخرج من ذلك إلا بإعادة توليد مصادر طاقة بديلة تعطي للاقتصاد الجزائري حركية، ونموًّا خارج المحروقات، اقتصادًا منتجًا للثروة، أكثر اندماجًا في اقتصاد عالمي تطبعه العولمة الشاملة، مستندًا إلى اقتصاد المعرفة والاستثمر في العنصر البشري، مستجيبًا للتحديات والضغوط الداخلية بالتقليص من حدّة البطالة وضمن تنمية مستديمة تفضي إلى تحقيق الأمن والاستقرار، وهو نموذج اقتصادي جديد بأدوات متجددة، يرتكز أساسًا على المشاركة والفعالية والإدارة الشفافة، والديمقراطية الهادفة للتحكم، وتسيير الموارد المادية والبشرية في خدمة العدالة الاجتمعية، وهي مسائل جوهرية جدًّا يتطلبها اقتصاد بديل قائم على الابداع والمنافسة الحرة، ومشاركة فاعلين من غير الدولة، كالقطاع الخاص والمجتمع المدني.
44 الجزائر والانتقال الصعب: سيناريوهات التغيير
أحيت الثورات العربية المخاوف من تكرار سيناريو 9881، فقد لجأ الخطاب الرسمي إلى إثارة المخاوف عبر المدخل النفسي والاجتمعي، محذرًا من تعقيدات الانحراف نحو العنف، ويبدو أنّ هذا التعامل سيكون ذا فعالية محدودة، إن لم يتم التفكير في أطر بديلة تكون بمثابة الضرورات البنيوية لمواجهة المخاطر والتحديات، على نحو يسمح للنظام السياسي من القيام بمهمته على نحو مؤسسي وقانوني، مع تبني سياسات تمكنها من مواجهة الأخطار وتحمل الالتزامات، استنادًا إلى المحاور التالية: • البناء السياسي مطلبًا لتحقيق الشرعية الديمقراطية. • البناء المؤسساتي مخرجًا لتقوية الأداء. • البناء الاقتصادي والخيار التنموي مطلبًا إستراتيجي. وفي الإجمل يمكون القول إنّ آفاق التغيير والتحول في الجزائر تقف عند مفترق طرق بين احتملين، وفق سيناريوهين مختلفين: السيناريو الأول، يكون بتجاوز الوضع المتأزم والقطيعة مع الماضي، عبر الإصلاح والانتقال نحو الأحسن من داخل النخب الحاكمة، ويكون ذلك أيضًا بفعل القوة الدافعة والعمل الجمعي من داخل المؤسسات السياسية الفاعلة، وفق ميكانيزمات الحكم الديمقراطي، مع توفير الشروط الحقيقية لنهضة اقتصادية حقيقية، عبر التحول إلى فضاء اجتمعي مبدع، وهنا نكون أمام ثقافة الدولة بعيدًا من ثقافة السلطة، فالأولى مخرجاتها الحرية، والثانية في إنتاج الاستبداد. السيناريو الثاني، وهو أشدّ قطيعة مع الأول، ويقوده الشارع، وهو سيناريو ثوري عنيف، وقد يغذي مشاعر اليأس لدى المواطنين، واستثمر الأزمات الداخلية، في شقها السياسي أو الاقتصادي والاجتمعي، على الرغ من أنه سيناريو مستعبد، بسبب الخصوصية الجزائرية، والتراكم التاريخي، اللذين أفرزتهم الأزمة الأمنية في الجزائر، فضلً عن الارتباطات الإستراتيجية بالقوى العالمية (الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا). وتظل المسألة الجوهرية التي تلوح في الأفق هي: متى سيكون التغيير؟ ومن سيقود هذا التغيير؟ ويبدو أنّ حالة الجمود هذه تؤكد بوضوح أنّ عمليات الانتقال ستأخذ وقتًا، نظرًا إلى اعتبارات داخلية وخارجية، جعلت من الجزائر الاستثناء العربي.
الخاتمة
على الرغم من كثرة الأدبيات التي تحدثت عن الربيع العربي، فإنها فشلت في تقييمه تقييمً واقعيًا، بل وقيت حبيسة ثنائية الحرية والاستبداد السياسي. والواقع أنّ التغيير المنشود في سياق الحراك العربي لم يكتمل نضجه، وبات من الضروري الحديث عن الإصلاح بدل التغيير. وبالرجوع إلى الجزائر، يبدو أنّ تأثير "الرّبيع العربي" كان واضحًا على النظام السياسي فيها، ودفعه إلى الإصلاح التدريجي المدروس والمشروط، ولكن مسألة التغيير بقيت مستعصية إلى حد بعيد؛ إذ على الرغم من الحركات الاحتجاجية، لم تتم المطالبة بإسقاط النظام، وفي اعتقادنا أنّ تحليل الحالة الجزائرية وفهمها، يحتاجان إلى نموذج خارج ثنائية الحرية والاستبداد، وذلك للاعتبارات التالية: تعبر الحالة الجزائرية عن فشل مجتمعي أكثر منه سياسيًا، وهو ما أثبتته احتجاجات 3" جانفي 011"2، وأزمة غرداية، وأحداث الجنوب الجزائري (الاحتجاجات المتعلقة بتوفير مناصب الشغل). يجب فهم المزاج المجتمعي الجزائري؛ أهو بالفعل هو راغب في تغيير سياسي حقيقي انطلاقًا من إدراك واعٍ لقيم الديمقراطية وممرساتها، أم أنه يكتفي بتحقيق رضا اقتصادي معيّ؟ محدودية دور المعارضة السياسية في الجزائر على خلاف تونس ومصر. وذلك لخبرة النظام الجزائري معها منذ الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد سنة.1992 وانطلاقًا مم تم بيانه وتفصيله، فإنّ التحول في الجزائر، كم نعتقد، يبقى مرهونًا بمجموعة من المحاور لا يمكن تجاوزها في دراسة الحالة الجزائرية: الدور الكبير للمؤسسة التنفيذية على خلاف البقية في فرض أجندة الإصلاح السياسي. الدور الكبير والغالب للمؤسسة العسكرية، بحيث أدّت دور الضابط، وحققت التوزان تحقيقًا كبيرًا في سياق "الربيع العربي". وهذا لخصوصيتها التاريخية وعلاقتها بالسلطة السياسية. استمرار الإسكات الاقتصادي، ولكن يبقى هذا السلاح ضعيفًا نسبيًا، وخاصة مع تراجع أسعار البترول في السوق الدولية، بداية من سنة.2014 تتابع التراكمت التاريخية لمشكلة اللاثقافة السياسية. ذلك أنّ بناء مجتمع مدني قوي وفاعل يرتبط في الأساس بطبيعة الثقافة السياسية السائدة في المجتمع. غياب التنشئة الاجتمعية والثقافة الديمقراطية لدى أفراد المجتمع الجزائري. الانتقال الإقليمي المكثّف للمشكلات الأمنية الموجودة مسبقًا في المنطقة العربية والساحل الأفريقي، وعودة تحديها للأمن الوطني؛ الأمر الذي يجعل مسألة التغيير ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإفرازاتها.
المراجع
العربية
ألموند، غابريال، بنجام بويل، وروبرت مندت. السياسة المقارنة: إطار نظري. ترجمة محمد زاهي بشير المغيربي. بنغازي: منشورات جامعة قار يونس،.1996
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2004. "نحو الحرية في الوطن العربي". عمّن: المطبعة الوطنية،.2004 جابي، عبد الناصر. "الجزائر: الخوف من التغيير السياسي"، ورقة مقدمة في ندوة خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحوّل الديمقراطي ومآلاته. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. بيروت..2016/1/23-21
سلامة، غسان (إعداد). ديمقراطية من دون ديمقراطيين: سياسات الانفتاح في العالم العربي/ الإسلامي. ط.2 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002
شريف، إدريس. "الجزائر: العلاقة بين مؤسسات الدولة قبيل الانتخابات الرئاسية". تقارير. مركز الجزيرة للدراسات 2.014/3/27. الشوبكي، عمرو (محرر). الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي (مصر، المغرب، لبنان، البحرين، الجزائر، سورية، الأردن). ط.2 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014
مجموعة مؤلفين. الربيع العربي: ثورات الخلاص من الاستبداد دراسة حالات. بيروت: الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية،.2013
هنتغنتون، صموئيل. النظام السياسي لمجتمعات متغيرة. ترجمة فلو عبود. بيروت: دار الساقي،.1993
الأجنبية
Achy, Lahcen. "Algeria Avoids the Arab Spring?" Carnegie Middle East Center. May 31, 2012. at: http:// ceip.org/2mgS8xg
________. "The Price of Stability in Algeria." Carnegie Middle East Center. April 2013. at: http://ceip. org/2luNOWZ
Addi, Lahouari. "The Algerian Regime after the Arab Revolts." Geographical Overview. Maghreb. Mediterranean Yearbook 2013. at: http://bit.ly/2luzTQB
Hachemaoui, Mohammed. "Permanences du jeu politique en Algérie." Politique étrangère (2/2009).
Hamadouche, Louisa Dris-aït. "Algeria in the Face of the Arab Spring: Diffuse Pressure and Sustained Resilience." Mediterranean Politi cs. Maghreb. 2012. at: http://bit. ly/2lYJSzh
Huber, Daniela, Susi Dennison & James D. Le Sueur. Algeria Three Years After the Arab Spring. Mediterranean Paper Series 2014. Washington: The German Marshall Fund of the United States, January 2014. at: http://bit. ly/2mw9ZRu
International Monetary Fund. "Algeria." IMF Country Report No. 12 / 20. January 2012. at: http://bit.ly/2n66fmj __________. "Algeria." IMF Country Report no. 14 / 341. December 2014. at: http://bit.ly/2noGJv8
__________. "Algeria." IMF Country Report no. 16 / 127. May 2016. at: http://bit.ly/2mhbgLH
Khan, Mohsin & Karim Mezran. "No Arab Spring for Algeria." Atlantic Council: The Rafik Hariri Center for the Middle East. May 29, 2014. at: http://bit.ly/1ivfAug Lutterbeck, Derek & Rachid Tlemçani. "Arab Spring à l'algérienne." The Norwegian Peacebuilding Resource Centre. Policy Brief (September 2013(, at: http://bit. ly/2lv5hOZ
O'Neil. Patrick H. "The Deep State: An Emerging Concept in Comparative Politics." SSRN. August 22, 2013. at: http://bit.ly/2mbLB6r
Volpi, Frédéric. "Algeria versus the Arab Spring." Journal of Democracy. vol. 24. no. 3 (July 2013).