التدين وتأثيره السياسي
Religiosity and its Political Effects
الملخّص
ما تأثير التدين في الرأي العام؟ لقد ارتبط التدين في العالم العربي بمجموعة متنوعة من المخرجات السلبية، بما في ذلك الاستبداد والعنف. ومع ذلك، فقد أكد عديد من العلماء أنه لا توجد في الواقع علاقة بين التدين في العالم العربي والنتائج السياسية السلبية؛ لذلك لم يتم حل الجدل حول المسألة. ولتوضيح هذه المسألة، نستخدم في هذه الورقة بيانات المؤشر العربي لعام 2016 لدراسة تأثير التدين الفردي في الرأي العام والسلوك السياسي. وتبيّن لنا بعد التحليل عدم وجود أي صلة بين زيادة نسبة التدين الفردي والآراء السلبية نحو الديمقراطية، بل وجدنا أن العلاقة هي عكس ذلك؛ أولًا، كان التدين على المستوى الفردي مرتبطًا بآراء أكثر إيجابية نحو الديمقراطية. ثانيًا، لا توجد صلة بين التدين والمشاركة السياسية. وأخيرًا، هناك علاقة إيجابية بين التدين والتسامح السياسي.
Abstract
This paper is an attempt to delineate the concept of the deep state and assess its value in understanding aspects of authoritarian and illiberal politics. Driven politically by a logic of tutelage and exercising a high degree of autonomy, the deep state justifies itself through the need to defend the nation against purported existential threats. The paper began by expanding on the term, discussing which elements are central to the concept of the deep state and which are not. Secondly, it related the deep state to a number of other concepts in comparative politics. The paper then briefly considers these elements to address the contexts in which a deep state may emerge before looking at cases of deep states in Turkey, Pakistan, and Iran.
- الدولة العميقة
- السياسة المقارنة
- تركيا
- باكستان
- إيران
- Deep State
- Comparative Politics
- Iran
- Pakistan
مقدمة
حظي تأثير التدين في الرأي العام السياسي في العالم العربي باهتمم كبير لدى الأوساط الأكاديمية الأميركية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 001.2 وكثيرًا ما تم توظيف الفهم الضعيف والتعميمي للإسلام وربطه بمجموعة متنوعة من المخرجات السلبية، بما في ذلك الاستبداد والعنف. وقد رد بعض الباحثين على هذه التعميمت من خلال دراسات إحصائية شككت في طبيعة هذه الروابط بين "الإسلام" والعنف والاستبداد. ومع ذلك يظل النقاش حول العلاقة بين "الإسلام" والمخرجات السياسية السلبية مثيرًا للجدل. ظهر عديد من هذه الدراسات في خضم "الحرب على الإرهاب" التي تلت أحداث 11 سبتمبر، وفي فترة غزو العراق أيضًا. وفي نهاية المطاف، تحول البحث الأكاديمي حول هذه المسألة من التركيز على الثقافة السياسية إلى دراسة الأحزاب والمؤسسات الإسلامية. ومثّل ذلك التحول محاولة من المختصين في العلوم السياسية لشرح التحولات والمخرجات السياسية في العالم العربي بمزيد من الدقة والتمعن. وتزايد الاهتمم بالإسلام السياسي خاصة مع تفجر الربيع العربي وصعود الأحزاب الإسلامية وسقوطها في فترة قياسية بعد الانقلاب العسكري في مصر عام.2013 من المنطقي إذًا الجزم بأن الآراء الفردية للمواطن العربي حول الدين والديمقراطية قد تأثرت بآخر التحولات في السياسة العربية. وبناء عليه، من المهم إعادة تقييم مدى ارتباط الرأي العام بشأن الديمقراطية بفهم الفرد ورؤيته للتدين وطبيعته. نحاول في هذه الورقة، تحليل العلاقة بين التدين على المستوى الفردي وتأثير ذلك في آراء الفرد حيال المشاركة السياسية، والديمقراطية، والتسامح/ الانفتاح السياسي. وتبين لنا بعد التحليل عدم وجود أي صلة بين زيادة نسبة التدين الفردي والآراء السلبية نحو الديمقراطية؛ بل وجدنا أن العلاقة هي عكس ذلك، أولً، كان التدين على المستوى الفردي مرتبطًا بآراء أكثر إيجابية نحو الديمقراطية. ثانيًا، لا توجد صلة بين التدين والمشاركة السياسية. ثالثًا، لا توجد أي علاقة بين المستويات الفردية للتدين والتخوف من الأحزاب الإسلامية، على الرغم من وجود علاقة بين زيادة التدين والتخوف من الأحزاب العلمنية. وأخيرًا، هناك علاقة إيجابية بين التدين والتسامح السياسي. وفي هذه الورقة، نقدم أولً عرضًا لبعض المؤلفات ذات الصلة بالتدين والآراء السياسية. ثانيًا، نعرض مقياسًا للتدين مستمدًا من مؤشر الرأي العربي، ونوظّفه هنا. ثالثًا، نقدم نتائج تحليل البيانات. وأخيرًا، نختتم بمناقشة هذه النتائج.
أولا: سبر الأدبيات
ارتبط الإسلام في العالم العربي بعدد من المخرجات السلبية؛ إذ يرى بعض الباحثين أن الإسلام والديمقراطية غير متوافقيَن، معللين الاستبداد في العالم العربي بطابعه وخلفيته الإسلاميَيّن. وعلى هذا المنوال، يكتب خدوري الذي يعد "خبيرًا" في "الثقافة السياسية العربية": "فكرة السيادة الشعبية كأساس للشرعية الحكومية، وفكرة التمثيل، أو الانتخابات، والاقتراع الشعبي، والمؤسسات السياسية التي تنظمها القوانين التي تضعها الجمعية البرلمانية، وحمية هذه القوانين والحفاظ عليها عن طريق سلطة قضائية مستقلة، والأفكار المتعلقة بعلمنية الدولة، والمجتمع المكون من عدد كبير من الجمعات والجمعيات ذاتية العمل، كلها أفكار غريبة جدًا عن التقاليد السياسية الإسلامية"1. وقد ذهب بعض الباحثين إلى تقدير استقرائي أبعد من هذه الحجج؛ فعلى سبيل المثال، حاجج بعض الباحثين بأن النظام الأبوي في الإسلام تحديدًا هو الذي يربطه بالسلطوية2. وحتى عندما يجادل بعض الباحثين بعيدًا عن تبني مثل هذه الحجج مباشرة، يناقَش الإسلام والديمقراطية باعتبارهم مفهومين متناقضين وغير مرتبطين ببعضهم3. وأخيرًا، يأخذ بعض الباحثين نهجًا وسطًا ويجادلون أن الإسلام غير مسؤول عن المشهد السياسي المضطرب في العالم العربي، لكن في الوقت نفسه، لا يمكن توقع ظهور إسلام ليبرالي متوافق مع الديمقراطية4. وردًا على هذا الاتجاه من هذه الأدبيات التي تناقش علاقة الإسلام بالديمقراطية، اختلف بعض الباحثين مع المفاهيم التي بُني عليها هذا الاتجاه واختبروا إمبريقيًا مدى وجود صلة بين الإسلام والمخرجات السياسية السلبية. وجد تيسلر، على سبيل المثال، أن الواقع مختلف تمامًا، عند استخدام بيانات الرأي على المستوى الفردي Individual Level اعتمدًا على الدراسات المسحية Surveys؛ إذ لم يكن ل "التعلق الإسلامي القوي" Attachment Islamic Strong أي تأثير كبير في
دعم الديمقراطية، أو عدم دعمها5. ومن الواضح أننا عندما نفحص بيانات المسح الإحصائيSurvey Data بدلً من الاعتمد على الآراء الشخصية للباحثين أو التحليل الكمي الذي يعتمد على متغيرات على المستوى الكلي أو الجمعي Level Macro Aggregate/، يمكننا أن نفهم هذه العلاقات بطريقة أدقّ. وبالنظر أيضًا إلى أن عديد التحليلات التي تؤطر للعلاقة السلبية بين الإسلام والديمقراطية تم إصدارها خلال الحقبة المضطربة التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر، فمن المنطقي أن يتم إعادة النظر في هذه الاتجاهات.
ثانيًا: البيانات وقياس المتغيرات
استُخدمت بيانات المسح الإحصائي لمؤشر الرأي العربي لعام 0162 لإجراء هذا التحليل، وقمنا في هذا المسح، بجمع عدد من المؤشرات التي يتم عن طريقها قياس مفهوم "التدين"، والمشاركة السياسية، والمشاعر حيال الديمقراطية، والتسامح السياسي. أولً: بدءًا بمفهوم التدين، فسنقوم بتحويله إجرائيًا Operationalize باستخدام السؤال: " كيف تقيّم درجة تدينك الشخصي، بغض النظر عم إذا كنت تذهب إلى المسجد أم لا؟" وتشمل الإجابات عن هذا السؤال أربع فئات؛ وهي "متدين جدًا" إلى "لا يؤمن"، ونظّمت هذه الفئات من 1 إلى 4 لتطوير متغير ترتيبي Variable Ordinal نسميه "التدين الشخصي". ثانيًا: بالنسبة إلى مفهوم المشاركة السياسية، فهناك مؤشران مختلفان يبُرزان جوانب متعددة متعلقة بالمشاركة السياسية. وشملت هذه المؤشرات عددًا من المؤشرات المختلفة التي تم دمجها في مقياس واحد. بالنسبة إلى المؤشر الأول، فهو يقيس المشاركة السياسية مباشرة. ويشمل هذا المؤشر الأسئلة التالية: 11. هل شاركت في توقيع عريضة؟ 22. هل شاركت في احتجاج أو مسيرة غير عنيفة؟ 33. هل أنت عضو في مجموعة معارضة؟ تم قياس الإجابات عن هذه الأسئلة باستخدام مقياس رقمي لكلٍ منها، يشير فيه الرقم 1 إلى "لم أشارك"، و 2 إلى "شاركت مرة واحدة"، و 3 إلى "شاركت أكثر من مرة". وعند دمج هذه الأسئلة لتتحول إلى مؤشر واحد مركب يعمل كمتغير ترتيبي، كانت نتيجة اختبار كرونباخ ألفا لقياس الاتساق الداخلي لهذا المؤشر 0.749، ويعني ذلك أن المؤشر الذي تم عن طريقه تكوين المتغير الترتيبي "المشاركة السياسية" متسق داخليًا بدرجة متوسطة. أما المؤشر الثاني، فيشمل مؤشرًا مركبًا أوسع للمشاركة يتعدى العامل السياسي إلى المشاركة المدنية Participation Civic عمومًا. ويأخذ هذا المؤشر في الاعتبار عمل بوتنام وغيره فيم يتعلق بكون الترابط الاجتمعيSocial Embeddedness مؤشرًا على الممرسات الديمقراطية السليمة6. وشمل هذا المؤشر أربعة أسئلة عن المشاركة في المجموعات التالية: 11. المجموعات الثقافية. 22. النقابات. 33. الجمعيات المهنية. 44. المجموعات الخيرية. تم قياس الإجابات عن هذه الأسئلة باستخدام المقياس الرقمي نفسه الذي استُخدم في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالمشاركة السياسية، وتم دمج الإجابات عن هذه الأسئلة لتكوين مؤشر واحد مركب يعمل كمتغير ترتيبي نسميه "الترابط الاجتمعي". وقد كانت نتيجة اختبار كرونباخ ألفا لقياس الاتساق الداخلي لهذا المؤشر 0.84، ما يعني أنه مقياس ثابت جدًا ل "الترابط الاجتمعي". ثالثًا: لتقييم الآراء تجاه الديمقراطية، اعتمدنا على سؤالين مختلفين في المسح متعلقيَن بالديمقراطية/ الممرسات الديمقراطية. وتستفسر هذه الأسئلة عن مدى توافق المستجيبين مع الأفكار التالية: "الديمقراطية لديها مشاكلها ولكنها أفضل شكل من أشكال الحكم." 22. "مجتمعنا غير مناسب للديمقراطية." تم قياس الإجابات عن هذين السؤالين باستخدام مقياس رقمي من 1 إلى 4، يشير فيه الرقم 1 إلى "أوافق بشدة"، و 4 إلى "أعارض بشدة". وبذلك يصبح لدينا متغيران ترتيبيان للديمقراطية، يقيس الأول آراء الأفراد حيال الديمقراطية بوصفها نظامًا عمومًا ونسميه "دعم الديمقراطية". أما المتغير الثاني فيقيس رأي الأفراد في مدى توافق المجتمعات العربية مع الديمقراطية ونسميه "عدم تقبل المجتمع للديمقراطية".
وأخيرًا، حاولنا قياس التسامح السياسي من خلال طرح سؤال حول تداول الأحزاب السياسية المختلفة للسلطة. على وجه التحديد، سألنا سؤالين: إذا كان المستجيب قلقًا بشأن وصول الأحزاب الإسلامية إلى السلطة، وإذا كان المستجيب قلقًا بشأن وصول الأحزاب العلمنية إلى السلطة. وقد قمنا بتقييم هذه الأسئلة على نحو منفصل. وأخيرًا، طرحنا السؤال التالي ثلاث مرات: "إذا لم يحصل ____ على المقاعد اللازمة في انتخابات نزيهة وحرة، هل تؤيد أن ___ يأخذ السلطة؟" وتشمل الاختلافات في هذا السؤال الذي سألناه ثلاث مرات، مرة بإدراج حزب سياسي لا يوافق عليه المستجيب عن السؤال، وثانية بإدراج حزب إسلامي، وثالثة بإدراج حزب غير إسلامي. وقمنا بدمج الإجابات عن هذه الأسئلة الثلاثة، لإنشاء مؤشر واحد مركب يعمل كمتغير ترتيبي نسميه "التسامح السياسي"، وقد كانت نتيجة اختبار كرونباخ ألفا لقياس الاتساق الداخلي لهذا المؤشر 0.77، وكم ذكرنا سابقًا، فإن هذه النتيجة تعني أن المؤشر متسق داخليًا بدرجة متوسطة.
اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ اﻟﺴﻮدان اﻟﻜﻮﻳﺖ اﻟﺠﺰاﺋﺮ اﳌﻐﺮب اﻟﻌﺮاق اﻷردن دﻋﻢ اﻟﺪ ﻘﺮاﻃﻴﺔ
ثالثًا: التحليل الإحصائي
نستخدم المتغيرات التي تم تكوينها أعلاه لتقييم الدلالة الإحصائية Statistical Significanceللعلاقة السببيةCausal Relationship بين التدين (متغير مستقل) والآراء حيال الديمقراطية والمشاركة السياسية والاندماج الاجتمعي والتسامح السياسي (متغيرات تابعة). وإذا ما بدأنا بالعلاقة بين "التدين الشخصي" و"دعم الديمقراطية"، فيوضح الشكل (1) مستويات "التدين الشخصي" في كل بلد بموازاة مقدار "دعم الديمقراطية" في كل بلد. وقد استُخدم متغير "دعم الديمقراطية" الذي تم قياسه من خلال الإجابة عن السؤال: "ما مدى موافقتك على البيان التالي: إن الديمقراطية لها مشاكلها ولكنها أفضل شكل من أشكال الحكم" كم وضحنا في القسم السابق. ويمكن الاطلاع على النتائج في الشكل.)1(
ﻣﻮرﻳﺘﺎﻧﻴﺎ ﻟﺒﻨﺎن ﻣﴫ اﻟﺘﺪﻳﻦ
| النموذج 2 "مجتمعنا ليس مستعدًا للديمقراطية" | النموذج 1 "الديمقراطية هي الأفضل" | |
|---|---|---|
| **0.052)0.022( | ***0.131)0.022( | التدين الشخصي |
| ***0.023)0.005( | ***0.053)0.006( | البلد |
| ***0.116)0.021( | ***0.192)0.023( | وجهة النظر نحو الاقتصاد |
| **-0.097)0.042( | ***-0.136)0.043( | وجهة النظر نحو الأمن |
| 0.007)0.043( | **0.107)0.044( | نوع الوظيفة |
| ***-0.005)0.002( | ***0.011)0.002( | العمر |
| **-0.117)0.046( | -0.047)0.047( | الجنس |
| **0.015)0.007( | ***0.055)0.006( | الدرجة التعليمية |
| 7.959 | 7.959 | حجم العينة (N) |
| 76.15 | 329.18 | Wald chi 2 (8) |
| 0.000 | 0.000 | Prob > chi 2 |
يوضح الشكل (1) أن العلاقة بين "التدين الشخصي" و"دعم الديمقراطية" ليست قوية. فعلى سبيل المثال، تترافق في بعض البلدان مستويات عالية من "التدين الشخصي" مع دعم منخفض للديمقراطية، كم هي الحال في السعودية. أما في بلدان أخرى، فترتبط المستويات العالية ل "التدين الشخصي" بِ "دعم الديمقراطية"، كم هو الحال في موريتانيا، إذ كان معامل الارتباط بين المتغيرين منخفضًا أيضًا، أي بنسبة.0.08 فقط تصبح الأمور أكثر وضوحًا عندما نقوم بإجراء تحليل الانحدار Analysis Regression لتحديد العلاقة بين المتغيرات الآنف ذكرها. في تحليل الانحدار الآتي، الذي نستعمل فيه نوعًا من تحليل الانحدار يسمى Logit Ordered نظرًا إلى طبيعة المتغير التابع الترتيبية، نقيّم إذا ما كان هناك أي علاقة سببية بين "التدين الشخصي" والمتغيرَين المتعلقيَن بالديمقراطية ("دعم الديمقراطية" و"عدم قبول المجتمع للديمقراطية"). وتكمن أهمية تحليل الانحدار في إتاحته المجال للباحث
اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ اﻟﺴﻮدان اﻟﻜﻮﻳﺖ اﻟﺠﺰاﺋﺮ اﳌﻐﺮب اﻟﻌﺮاق اﻷردن ”ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ ﻟﻴﺲ ﻣﺴﺘﻌﺪًا ﻟﻠﺪ ﻘﺮاﻃﻴﺔ “
بأخذ تأثير المتغيرات الضابطةControl Variables الأخرى المحتملة في المتغير التابع. وتشمل هذه المتغيرات العمر والجنس وحالة العمل والآراء نحو الاقتصاد والأمن، والتدين الشخصي، والدرجة التعليمية. بخلاف المتوقع، نجد أن "التدين الشخصي" له تأثير إيجابي ذو دلالة إحصائية في "دعم الديمقراطية" (النموذج 1)، وفي الوقت نفسه له تأثير إيجابي ذو دلالة إحصائية في متغير "عدم قبول المجتمع بالديمقراطية" الذي يعبّ عن فكرة مناهضة للديمقراطية (النموذج.)2 ويتضح أنه رغم أن تأثير "التدين الشخصي" في "دعم الديمقراطية" أعلى من تأثيره في "عدم قبول المجتمع للديمقراطية" نظرًا إلى المعامل الأكبر والدلالة الإحصائية الأعلى، فإنه لا يمكن القول إن "التدين الشخصي" له تأثير أحادي في التوجهات الديمقراطية لدى الفرد، لأنه من خلال قراءتنا لتحليل الانحدار يتضح أن ارتفاع نسبة "التدين الشخصي" يؤدي إلى ارتفاع متغيرَين متناقضين في جوهرهم هم "دعم الديمقراطية" و"عدم قبول المجتمع بالديمقراطية".
ﻣﻮرﻳﺘﺎﻧﻴﺎ ﻟﺒﻨﺎن ﻣﴫ ”اﻟﺪﻘﺮاﻃﻴﺔ ﻫﻲ اﻷﻓﻀﻞ“
| النموذج 2 "الاندماج في المجتمع" | النموذج 1 "المشاركة السياسية" | |
|---|---|---|
| -0.021)0.016( | ***-0.056)0.011( | التدين |
| -0.005)0.006( | ***-0.018)0.003( | البلد |
| 0.029)0.020( | 0.012)0.009( | وجهة النظر نحو الاقتصاد |
| -0.007)0.039( | **0.040)0.019( | وجهة النظر نحو الأمن |
| 0.017)0.039( | ***0.084)0.020( | نوع الوظيفة |
| -0.001)0.002( | ***0.003)0.001( | العمر |
| -0.016)0.041( | **-0.041)0.021( | الجنس |
| **0.015)0.007( | **-0.005)0.002( | الدرجة التعليمية |
| 2.489 | 7.959 | حجم العينة (N) |
في الواقع، عندما ننظر إلى العلاقة بين المتغيرين اللذين يشكلان مؤشرًا للديمقراطية، نجد أن هناك ارتباطًا كبيرًا بينهم 0.433. وبالنظر إلى الشكل (2) للعلاقة بينهم، نجد أنه كلم ارتفعت قيمة المتغير "دعم الديمقراطية" (متمثلً بالإجابة عن سؤال ما إذا كانت الديمقراطية هي النظام السياسي الأفضل على علاته (، فإن قيمة المتغير "عدم قبول المجتمع للديمقراطية" تزداد أيضًا. ويعتمد حجم هذه العلاقة على الدولة المعنية؛ ففي بعض الدول نجد أن الفرق بين القيمتين ليس كبيرًا جدًا، وفي البعض الآخر نجد أن الفرق كبير. ويشير ذلك إلى أن هناك أسبابًا خاصة بكل بلد تجعل الناس يعتقدون أن المجتمع غير مناسب للديمقراطية في بعض الأماكن أكثر من غيرها. ومع ذلك، فإن الشكل (2) يؤكد أن التدين له تأثير متناقض في مؤشرات الديمقراطية. أما بالنسبة إلى العلاقة بين "التدين الشخصي" و"المشاركة السياسية" و"الاندماج الاجتمعي"، فإن العلاقة بين "المشاركة السياسية" و"التدين الشخصي" ضعيفة جدًا، عند -0.068، وهذا يدل على أنه لا توجد علاقة قوية بين التدين والمشاركة السياسية المباشرة. ويحدد المتغير الثاني مستوى اندماج الفرد في المجتمع، باعتباره شكلً أوسع من أشكال المشاركة المدنية في المجتمع تتعدى البعد السياسي، ونجد أن العلاقة بين "الاندماج الاجتمعي" و"المشاركة السياسية" منخفضة عند -0.0388. ونجد عند الإشارة إلى تحليل الانحدار في هذا الصدد، عدم وجود ارتباط بين المتغيرات الآنف ذكرها إلى حد ما كم يوضح الجدول (2)؛ إذ يوضح تحليل الانحدار في هذا الجدول أن "التدين الشخصي" ليس له تأثير ذو دلالة إحصائية في "الاندماج الاجتمعي".
وحتى مع وجود دلالة إحصائية لتأثير "التدين الشخصي" في "المشاركة السياسية"، ولا سيم التأثير السلبي، فإن المعامل صغير جدًا، وإذًا، يمكن اعتبار التأثير ضعيفًا إلى حد بعيد. وأخيرًا، قمنا بتحليل تأثير "التدين الشخصي" في "التسامح السياسي". وكم ذكرنا سابقًا، قمنا بتقييم "التسامح السياسي" من خلال النظر في ما إذا كان المستجيبون متقبلين وصول الأحزاب الإسلامية أو العلمنية إلى الحكم. عندما ننظر إلى معامل الارتباط بين التدين والخوف من الأحزاب الإسلامية، فمن غير المفاجئ أن يكون الارتباط ضعيفًا جدًا عند 0.051، ويتضاعف هذا الارتباط عندما ننظر إلى العلاقة بين "التدين الشخصي" والخوف من الأحزاب العلمنية، ليصل إلى 0.102، لكنها نسبة لا تزال تعتبر ضعيفة نسبيًا. وأخيرًا، ولنتمكن من معالجة العلاقة السببية بين المتغيرات معالجةً أدق، فسنعتمد مجددًا على إجراء تحليل الانحدار بين المتغيرات. وبالنظر مرة أخرى إلى طبيعة
| النموذج 2 "القلق من الأحزاب العلمنية" | النموذج 1 "القلق من الأحزاب الإسلامية" | |
|---|---|---|
| ***0.154)0.016( | -0.031)0.023( | التدين |
| **-0.014)0.006( | ***0.031)0.006( | البلد |
| ***0.267)0.021( | ***0.066)0.022( | وجهة النظر نحو الاقتصاد |
| ***0.198)0.042( | ***-0.358)0.043( | وجهة النظر نحو الأمن |
| ***-0.304)0.045( | ***0.194)0.044( | نوع الوظيفة |
| ***-0.007)0.002( | ***0.006)0.001( | العمر |
| -0.067)0.047( | 0.009)0.047( | الجنس |
| ***-0.019)0.006( | **0.028)0.006( | الدرجة التعليمية |
| 7.959 | 7.959 | حجم العينة (N) |
المتغير التابع الترتيبية، فسنستخدم نوعًا من تحليل الانحدار يسمى Logit Ordered. ويمكن الاطلاع على النتائج في الجدول.)3(ويؤكد تحليل الانحدار أن تأثير "التدين الشخصي" في "القلق من الأحزاب الأخرى" بسيط؛ في حين أن "التدين الشخصي" ليس له تأثير يذكر في الخوف من الأحزاب الإسلامية، ولكن له تأثير إيجابي طفيف في الخوف من الأحزاب العلمنية. وهذا يعني أن الأفراد الأكثر تدينًا هم الأكثر عرضةً للخوف أو عدم التسامح مع الأحزاب التي تعتبر علمنية. ولإلقاء نظرة أكثر شمولً على التسامح السياسي، نستخدم المؤشر المركب الذي يعمل كمتغير ترتيبي وسميناه "التسامح السياسي" لإجراء تحليل انحدار آخر يركز على هذا الجانب. ونلاحظ أن هذا المؤشر يلتقط فكرة التسامح مع مجموعات مختلفة في المجتمع على نحو أدقّ. ويمكن الاطلاع على نتائج هذا الانحدار في الجدول.)4(
| Model 1 "التسامح/ القبول السياسي" | |
|---|---|
| التدين | ***0.047)0.009( |
| البلد | ***0.025)0.002( |
| وجهة النظر نحو الاقتصاد | ***0.115)0.009( |
| وجهة النظر نحو الأمن | **0.034)0.018( |
| نوع الوظيفة | ***-0.057)0.019( |
| العمر | -0.001)0.001( |
| الجنس | 0.043)0.019( |
| الدرجة التعليمية | ***0.015)0.002( |
| حجم العينة (N) | 7.959 |
ومن المثير للاهتمم أن في المقياس الأكثر شمولً ل "التسامح السياسي"، يكون ل "التدين الشخصي" في الواقع أثر إيجابي ذو دلالة إحصائية مهمة في "التسامح السياسي". وهذا يتناقض مع ما يعبَّ عنه في كثير من الأحيان بشأن الإسلام السياسي والمحافظة في العالم العربي.
رابعًا: نقاش ختامي في نتائج البحث
تشير النتائج التي توصلنا إليها في هذه الورقة إلى أن ثمة حاجة إلى إعادة تقييم مفهوم التدين في أدبيات العلوم السياسية حول هذا الموضوع. فلم يكن للتدين في كثير من الحالات أي تأثير في الآراء أو السلوكيات السياسية، بل في بعض الحالات وجدنا أن له أثرًا إيجابيًا في جوانب مهمة مثل التسامح السياسي أو دعم الديمقراطية. عند التفكر والتأمل في الظروف السياسية والسياقات المحددة للعالم العربي بعد الربيع العربي، تصبح هذه النتائج أكثر وضوحًا؛ ففي أعقاب الربيع العربي، أدت عودة الأنظمة الاستبدادية واضطهاد الإسلام السياسي إلى وضع سياسي يرجح فيه استهداف الأفراد الذين يتبنون التدين أو المحافظة في حياتهم اليومية، أي أولئك الذين يرجح أن يدعموا العناصر الإسلامية الفاعلة والحركية في المجتمع. وبناء عليه، يجنح أصحاب هذا التوجه إلى دعم الديمقراطية والتسامح من أجل الحفاظ على أنفسهم. لذا، فإن
أحد التفسيرات للعلاقة الإيجابية بين التدين ودعم الديمقراطية يكمن، من وجهة نظر هؤلاء المستجيبين، في كونها طريقة لتجنب قمع الأنظمة الاستبدادية، إذ إن دعم النظام السياسي الديمقراطي يعني دعم نظام فيه ضمنات ضد الاضطهاد. كم أنّ انتصارات الفاعلين الإسلاميين الانتخابية بعد الربيع العربي، جعلتهم يدركون أن الديمقراطية ستساعد أحزابهم على الوصول إلى السلطة. لكن ما زالت هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتوضيح الآليات السببية التي تؤدي إلى هذه النتائج، ولكن هذه الفرضيات المبدئية التي طرحناها من شأنها أن تساعد على تفسير النتائج التي نراها في هذه الورقة. ويأتي دور البحوث المستقبلية في استخدام النتائج الإحصائية المبينة في هذه الورقة لاستكشاف التفسيرات السببية للعلاقات بين المتغيرات التي تم بحثها.
المراجع
Brumberg, Daniel. "Islam is not the Solution (or the Problem)." The Washington Quarterly. vol. 29. no. 1 Fish, M. Steven. "Islam and Authoritarianism." World Politics. vol. 55. no. 1 (2002).
Huntington, Samuel. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York, NY: Simon & Schuster, 1996.
Kedourie, Elie. Democracy and Arab Political Culture. 2nd ed. London, UK: F. Cass, 1994.
Putnam, Robert D. Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993.
Tessler, Mark. "Do Islamic Orientations Influence Attitudes toward Democracy in the Arab World? Evidence from the World Values Survey in Egypt, Jordan, Morocco, and Algeria." International Journal of Comparative Sociology. vol. 43. no. 3 - 5 (October 2002). Tessler, Mark. "Islam and Democracy in the Middle East: The Impact of Religious Orientations on Attitudes toward Democracy in Four Arab Countries." Comparative Politics. vol. 34. no. 3 (April 2002).
Tibi, Bassam. "Why They Can't Be Democratic." Journal of Democracy. vol. 19. no. 3 (2008).