لجان الحقيقة في أميركا اللاتينية: دراسة مقارنة في ديناميات التأسيس وسياسات الذاكرة
Latin America's Truth Committees: A Comparative Study of Institutional Dynamics and Politics of Memory
الملخّص
تسعى هذه الدراسة للكشف عن الأدوار التي قامت بها لجان الحقيقة في أميركا اللاتينية في إرساء العدالة الانتقالية، وذلك في سياق مقارن يستدعي ث ث تجارب رئيسة، هي: الأرجنتين، وتشيلي، وبيرو. وتحاول تسليط الضوء على السياقات التي أتاحت لهذه التجارب الالتحام بالتحول الديمقراطي واستيعاب تعقيداته، من خ لاا مساءلة الديناميات التي رافقت تأسيس لجان الحقيقة، والتعرف إلى أدوار الفاعلين في إدارة التوتر بين مطالب الضحايا من جهة، ومتطلبات المصالحة والسلم الأهلي من جهة أخرى. وتبيّن الدراسة أن تأسيس لجان الحقيقة ارتبط بطبيعة التحديات التي واجهتها البلدان اللاتينية في التحول الديمقراطي وتجاوز إرث الانتهاكات السابقة. وبقدر ما اختزلت هذه التحديات أزمة الشرعية التي عصفت بهذه الأنظمة ودفعتها إلى الانخراط في هذا التحول، أبرزت أيضًا الإمكانات التي وفّرتها هذه اللجان للفاعلين لتدبير توترات هذا التحول.
Abstract
This study discusses the institutional legacy of economic liberalization policies in shaping the contemporary reality of civil-military relations in Arab Spring states, and the future challenges of democratic transformation in these countries. It argues that economic openness through the application of liberalization policies has led to the emergence of a military oligarchy operating under a civilian cover, formally extending the dominance of the Arab armies from the political to the economic sphere. The outcome of this dynamic was the consolidation of the positions and political dominance of the military, which poses great challenges to the future of democratic transition in these countries. The study reviews its hypothesis through the cases of Egypt, Tunisia, Sudan and Algeria, and draws analytical comparisons between them.
- العلاقات المدنية العسكرية
- التحول الديمقراطي
- الربيع العربي
- سياسات التحرير الاقتصادي
- Civil-Military Relations
- Democratic Transition
- Arab Spring
- Economic Liberalization Policies
مقدمة
تمثّل العدالة الانتقالية1 أبرز آلية لمعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان2، وتكاد أهميتها السياسية تفوق أهميتها الحقوقية؛ بالنظر إلى أدوارها في تغذية مختلف ديناميات التحول الديمقراطي. ورغم أنها ليست وليدة اليوم3، فإن تأثيرها أصبح جزءًا من هذا التحول، خاصة فيم يتعلق بوضع سياسات عامة للذاكرة تنبني على إعادة قراءة الماضي، وإنتاج الحقيقة، وتدبير جدل العدالة والمصالحة، في أفق بناء عقد اجتمعي جديد وفق توافقات تتباين سياقاتها من بلد إلى آخر. وهو ما يتطلب، بتعبير المفكر العربي عزمي بشارة، خطةً وبرنامجًا تتفق عليهم أوسع قوى سياسية ممكنة لضبط عملية التحول الديمقراطي وتوجيهها4. بهذا المعنى، تتُرجم العدالة الانتقالية إجابة الفاعلين عن الانتهاكات التي حدثت إبان حكم النظام السابق على هذا التحول. لكنها، في الوقت نفسه، تُشكّل أفقًا يتطلع، من خلاله، هؤلاء، بمن فيهم المسؤولون عن هذه الانتهاكات، إلى إضفاء الاستقرار على التوافق الذي يتوصلون إليه واستيعابِ هذه الانتهاكات، ضمن تحدٍّ مجتمعيّ بعدم تكرارها؛ ما يعكس الحاجة إلى شرعنة النظام الجديد ودفع إعادة البناء الوطني إلى الأمام5، وفق توازنات اجتمعية وسياسية معينة. إن أي تحول ديمقراطي عادة ما يسوده التوتر بين قوى تتطلع إلى النسيان وتجاوز الماضي وإقامة الديمقراطية من دون تكاليف كبيرة، وقوى أخرى ترى أن إنجاز ذلك لا يتأتى من دون تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا وإصلاح شامل للمؤسسات يضمن عدم تكرار الانتهاكات وحفظ الذاكرة الوطنية وجبر الضرر6؛ الشيء الذي يجعل العدالة الانتقالية مفهومًا متحركًا، يرتبط بالمعضلات التي تواجهها المجتمعات خلال المراحل الانتقالية. ورغم عدم وجود علاقة عضوية بين التحول الديمقراطي وهذه العدالة7، فإن الارتباط الوثيق بينهم في كثير من التجارب ساعد على أن تبقى النقاشات الأكاديمية ذات الصلة مفتوحة8 ومحتفظةً براهنيتها، وبالأخص في ظل الإكراه الذي يلازم آليات هذه العدالة، والذي يتبدَّى، على نحو أساسي، في علاقات القوة وأولويات النخب، إضافة إلى ما يُعرفُ بزمنيةTemporalité هذه العدالة9، سواء من حيث صلتها بعلاقات القوة التي قد تتغير، أو بالجدولة الزمنية المفترضة لهذا التحول الذي قد تطول مدته أو تقصر. وقد تفاعلت معظم لجان الحقيقة والمصالحة10 مع هذه المسارات، عبر الأدوار التي أدّتها في سياسات الذاكرة واجتراح سردية جديدة للصراع السياسي الذي نتجت منه الانتهاكات، من خلال بيان ملابساته ونتائجه والعبر المستخلصة منه. ومنذ بداية الثمنينيات، غدت أميركا اللاتينية مختبرًا رئيسًا للعدالة الانتقالية في ظل تحول عدد من بلدانها إلى الديمقراطية. وهو
وضع فرض على لجان الحقيقة والمصالحة الالتحام بسيرورات هذا التحول11. وفي هذا السياق، اخترنا ثلاث تجارب (الأرجنتين، وتشيلي، وبيرو)؛ لاعتبارات، أبرزها أنها تجمع بين الانتهاكات التي نتجت من عنف الدولة الذي مارسته الدكتاتوريات العسكرية (الأرجنتين، وتشيلي)، وتلك التي نتجت، بنسبة كبيرة، من الحروب الأهلية (ب ورر). ورغم اش اررك هذه التجارب في سمت كثيرة، فإن لكل واحدة سياقاتها وتوتراتها الخاصة. فالتجربتان الأرجنتينية والتشيلية تندرجان ضمن الموجة الثانية من العدالة الانتقالية التي شهدتها الثمنينيات والتسعينيات، والتي طبعها جدلُ العقاب والعفو، بينم تندرج التجربة البيروفية، إلى حد بعيد، ضمن سياقٍ دولي اتسم بعولمة العدالة الانتقالية في ضوء تزايد النزاعات والحروب الأهلية وعدم الاستقرار. يهدف هذا البحث إلى مساءلة الديناميات التي واكبت تأسيس لجان الحقيقة في البلدان الثلاثة، وطبيعة "الحقائق" التي أنتجتها، والأدوار التي أداها الفاعلون في إدارة التوتر بين مطالب الضحايا بإقرار العدالة من جهة، ومتطلبات المصالحة والسلم الأهلي من جهة أخرى. وكل ذلك ضمن محاولة بناء إطار تحليلي لتَشكُّل سياسات الذاكرة وتطورها في هذه البلدان انطلاقًا من التساؤل المركزي التالي: إلى أي حدّ ساهمت هذه اللجان في التحول الديمقراطي، وإنجاز المصالحة والسلم الأهلي، واستعادة الذاكرة وتطويعها لتغذية النقاش العمومي بشأن الماضي وموقعه في مخاض بناء الديمقراطية؟ هذا التساؤل المركزي تتفرع منه تساؤلات أخرى ترتبط بدور هذه السياسات في صياغة عقد اجتمعي جديد، وإعادة تأسيس شرعية الدولة، وتوظيف الأجيال الجديدة للذاكرة في الصراع السياسي12. وذلك كلّه ضمن أفقٍ يتوخى استخلاص الدروس التي قد تفيد الحالة العربية في إنجاز التحول الديمقراطي بأقل التكاليف الممكنة. وبموازاة مع ذلك، ستعمل هذه الدراسة على تأطير هذه الإشكالية ضمن مقاربة منهجية تجمع بين وصف الوقائع ومحاولة تفسيرها وتحليلها، ثم إعادة تركيبها في رؤية متكاملة تهدف إلى وضع التجارب المدروسة في أفق مقارن، انطلاقًا من رصد الخصائص التي تميز كل تجربة على حدة؛ بما يعنيه ذلك من حرصٍ على المزاوجة بين المقاربة القانونية التي تقتضي استدعاء النصوص القانونية ذات الصلة، والمقاربة التاريخية التي تستدعي معالجة الوقائع في ضوء سياقاتها التي أنتجتها.
أولا: لجان الحقيقة والمصالحة: ديناميات التأسيس
يرتبط تأسيس لجان الحقيقة في الأرجنتين13 وتشيلي14 وبيرو15بالتحديات التي واجهتها هذه البلدان في التحول نحو الديمقراطية، وتجاوز إرث الانتهاكات التي ارتكبتها الأنظمة السابقة بأقل الخسائر. وبقدر ما اختزلت هذه التحديات أزمة الشرعية التي عصفت بهذه الأنظمة ودفعتها إلى الانخراط في هذا التحول، أبرزت، أيضًا، الإمكانات التي وفرتها هذه اللجان للفاعلين لتدبير توترات هذا التحول. ولذلك
اندرج تأسيسها ضمن ديناميات تعلقت، أساسًا، بمواجهة مشكلة الإفلات من العقاب16، وصياغة سردية جديدة، وتدبير تحولات نسق الفاعلين، سواء المنتمين إلى النظام السابق أو الجديد.
1. قوانين العفو: شرعنة الإفلات من العقاب كًان تأسيس لجان الحقيقة في الأرجنتين وتشيلي وبيرو حلقةً أساسية في مسار التحول الديمقراطي نظرًا إلى ما مثّله ذلك من خطوة على درب تدبير ماضي الانتهاكات وأعمل العنف، وإعادة إنتاجه بواسطة سردية جديدة متوافَقٍ عليها. بيد أن هذه اللجان اصطدمت، منذ انطلاق أشغالها، بعقبات قانونية وسياسية، أبرزها قوانين العفو الموسومة بقوانين الإفلات من العقاب17، التي تحولت إلى ظاهرة في عدد من بلدان أميركا اللاتينية18. كان مرسوم العفو 9121، الصادر في تشيلي في 91 نيسان/ أبريل 9781، أول قانون يصدر في هذا السياق19. وقد حصّن هذا القانون المؤسستين العسكرية والأمنية من أي متابعة على خلفية الانتهاكات التي ارتكبتها. وإذا كان هذا المرسوم لم يمنع إجراء تحقيق في هذه الانتهاكات، فإنه منع تحديد المسؤوليات الجنائية الفردية20. ورغم المؤشرات الإيجابية التي اكتساها تسليم الجنرال أوغستو بينوشيه Pinochet Augusto) 1974 - 990(1 السلطة للمدنيين، وانتخاب الرئيس باتريسيو أيلوين Aylwin Patricio) 1990 - 994(1 في عام 9901، فإن التوازنات السياسية لم تكن تسمح بإلغاء هذا المرسوم، بسبب عدم توفر المعارضة، آنذاك، على الأغلبية في مجلس النواب؛ ولذلك لم تَطرح حكومة أيلوين مسألة إلغائه مخافة الفشل الذي كان في وسع اليمين أن يستغله، ما كان سيُفضي إلى إضعافها في ملفات أخرى، الأمر الذي جعلها تفضل التروّي وعدم المجازفة بإضعاف موقفها بانتكاسة داخل المجلس21. استمر سريان هذا المرسوم حتى بعد التحول نحو الديمقراطية، إلا في بعض الحالات مثل حالة مانويل كونتريراس Contreras Manuel.22ورغم بعض محاولات إلغائه عن طريق القضاء23، فإنها باءت بالفشل بسبب نفوذ اليمين داخل مؤسسات النظام الجديد، فضلً عن الإشكالات القانونية التي طرحها24، والتي زادت من تعقيد ظروف عمل اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة. لكن بدءًا من عام 9941، سيقع تحول في التعامل مع هذا المرسوم، بفعل تطور النقاش العمومي بشأن الوقائع السابقة على عام 9781، وهو ما أزعج المؤسسة العسكرية ودفعها إلى القيام باستعراض قوةٍ أمام القصر الرئاسي؛ ما أثار مخاوف الحكومة من حدوث انقلاب عسكري، وجعلها تقتنع بأن التحقيقات يجب أن تظل محدودة25، وألا تذهب بعيدًا في استفزاز العسكر؛ الأمر الذي كان له بالغ الأثر في عمل اللجنة.
أما في الأرجنتين، فقد كان الوضع مختلفًا إلى حد ما. فلم يتم إصدار قانون السلم الوطني 22 924. القاضي بالعفو عن المسؤولين عن الانتهاكات التي وقعت ما بين 52 آذار/ مارس 97371 و 1 حزيران/ يونيو 9821، إلا في 22 أيلول/ سبتمبر 198326، أي قبل تسليم العسكر السلطة للرئيس راؤول ألفونسين Alfonsín Raúl 988-1983)(1 الذي انتخب في 03 تشرين الأول/ أكتوبر.9831 عكست هذه السرعة في إصدار هذا القانون حالةَ الارتباك التي سادت النظام العسكري في تلك اللحظة التاريخية الفارقة، ولا سيم في ظل فشل الخيارات الاقتصادية التي انتهجها، وأزمة الشرعية التي تفاقمت بعد الهزيمة أمام بريطانيا في حرب فوكلاند Malvinas las de Guerra) 982(1، وتصاعد موجة الاستنكار الدولي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان27. ولذلك ألقى هذا القانون بظلاله على اللجنة الوطنية حول اختفاء الأشخاص، فلم تحظَ بترحيب الطبقة السياسية التي كانت متخوفةً من حدوث انقلاب عسكري مضاد يقبر التحول الديمقراطي في مهده، وكانت ترى أن من الأفضل إسناد ملف العدالة الانتقالية إلى لجنة برلمانية28 وتجنب الاصطدام بالعسكر. ورغم أن الرئيس ألفونسين كان يدرك مخاوفها، فإنه كان مقتنعًا بخيار التحول نحو الديمقراطية. فكان أن ألغى البرلمانُ هذا القانون لعدم دستوريته29. وتم اتخاذ تدابير أخرى للحد من نفوذ المؤسسة العسكرية بتقليص الميزانية المخصصة لها والتصدي لنزعة التسيّس داخل صفوفها30، في أفق جعلها أكثر مهنيةً وتكيُّفًا مع متطلبات هذا التحول. وفي الوسع القول إن النقاش العمومي الذي عرفته الأرجنتين بعد نهاية الحكم العسكري، بشأن معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات، أحدث تحولً طفيفًا في ميزان القوى، خاصة في ظل الحيوية التي أبدتها المنظمت الحقوقية وعائلات الضحايا؛ ما منح ألفونسين هامشًا للمناورة ساعد على إلغاء هذا القانون. وهو ما لم يكن متاحًا في التجربة التشيلية، بحكم نفوذ المؤسسة العسكرية الذي ظل حتى بعد تسلم المدنيين السلطة وانسحاب بينوشيه من المشهد السياسي. أما في بيرو، فقد كان الوضع مختلفًا بسبب ارتباط نسبة كبيرة من الانتهاكات بالحرب الأهلية التي شهدتها البلاد بين عامي 9801 و 0002، والتي تَواجهت فيها الدولةُ مع تنظيمت اليسار المسلح، ممثلة - على وجه الخصوص - في حركة الدرب المضيء الماوية، والحركة الثورية توباك أمارو Amaru Túpac) 972-1945(1، وهي الحرب التي خلفت آلاف القتلى والمفقودين، فضلً عن أن بيرو عرفت تعاقبَ ثلاثة أنظمة خلال هذه الحرب31؛ ما جعل تحديد المسؤوليات عن الانتهاكات وأعمل العنف التي حدثت أمرًا بالغ الصعوبة في كثير من الأحيان. غير أن اللافت في حالة بيرو كان صدور قانونين اثنين للعفو أقرّهم مجلس النواب تباعًا في حزيران/ يونيو 9951؛ يتعلق الأمر بقانون 26 79.، وقانون 432 26 92.، اللذين ترجم نزوعًا واضحًا نحو 433مأسسة الإفلات من العقاب عن الانتهاكات التي تم ارتكابها34، حيث خاض نظام الرئيس ألبرتو فوجيموريAlberto Fujimori) 1990 - 000(2 معركة قانونية وسياسية لأجل تكريس شرعيتهم، عبر التشديد على دستوريتهم. وإذا كان هذان القانونان قد صدرا ضمن ميزان قوى كانت فيه الأغلبية في مجلس النواب لصالح فوجيموري، فإن دخول المحكمة الأميركية لحقوق الإنسان على الخط خلط الأوراق، بعد أن أصدرت في 14 آذار/ مارس 0012 قرارًا يقضي باعتبار القانونيَن غير مطابقين لمقتضيات الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان
الصادرة عام 9781، ما جعلهم مفتقدَين القوة القانونية اللازمة بعد أن طالبت المحكمة بإلغاء التدابير المترتبة عليهم فيم يتعلق بالمتابعة القضائية في حق المسؤولين عن الانتهاكات المرتكَبة35. تتقاطع قوانين العفو في البلدان الثلاثة في سعي واضعيها لشرعنة الإفلات من العقاب، وجعله سلاحًا سياسيًا يحمي المسؤولين عن الانتهاكات وأعمل العنف من المتابعة، ويضع، من ثمّ، حدودًا قانونية وسياسية لمخاض التحول الديمقراطي؛ وهي حدود تحيل على إعادة صياغة ميزان القوى بين النخب، من خلال تحديد نخب النظام السابق التي سيكون لها دور في النظام الجديد، وتلك التي ستُستبعد مع العفو عنها أو خضوعها للمتابعة. وقد ترجمت هذه القوانين استراتيجية الأنظمة الدكتاتورية لحمية نفسها، ومصادرة حق الضحايا في ذاكرةٍ تستوعب معاناتهم. بيد أن التدافع السياسي والاجتمعي الذي عرفته هذه البلدان في سياق تحولها نحو الديمقراطية جعل استمرار سريان هذه القوانين مكلفًا على أكثر من صعيد. وبقدر ما شكّلت هذه القوانين عناوين بارزةً لمخاض التحول الديمقراطي، خاصة في الأرجنتين وتشيلي، كان لها أثرٌ، بدرجة أو بأخرى، في مقاربة لجان الحقيقة للانتهاكات وأعمل العنف، ودورها في صياغة سردية سياسية جديدة تتوخى إيجاد نقطة توازن يقف عندها الفاعلون.
2. تقارير لجان الحقيقة: نحو سردية سياسية مغايرة
أدت تقارير لجان الحقيقة في الأرجنتين وتشيلي وبيرو أدوارًا متفاوتة في صياغة سردية سياسية مغايرة، ترتكز على استعادة الانتهاكات وأع لاا العنف المرتكبة، وتوظيفها لتعبئة موارد بناء التحول الديمقراطي وترسيخه. ومن ثمة، غذّت هذه التقارير سردية هذا التحول، وفتحت أمامها إمكانية تجديد الثقافة السياسية والاجتمعية للبلدان المعنية وتأهيل نخبها لمواجهة الماضي وإعادة قراءته. اندرج الانقلاب العسكري الذي شهدته الأرجنتين في 24 آذار/ مارس 9761، بحسب تقرير اللجنة الوطنية حول اختفاء الأشخاص، "ضمن سلسلة قطائع شهدها المسار الديمقراطي للأرجنتين المعاصرة، منذ انقلاب 03 أيلول/ سبتمبر 9301 الذي أشَّ على بداية تدخل الجيش في السياسة"36. وبقدر ما عطلت هذه القطائع التطور الديمقراطي، كانت لها تكلفتها الحقوقية، خاصة إبان فترة الحكم العسكري 1976 - 9831. ومن هنا، لم يتوخَّ التقريرُ، فقط، إعادة قراءة السنوات السبع لهذا الحكم باعتبارها قطيعة مكلفة داخل مسار الديمقراطية الأرجنتينية، بل توخى، أيضًا، وضعها ضمن رؤية استشرافية يكون فيها للضحايا موقع اعتباريّ في إعادة صياغة الذاكرة وترميم فصولها المختلفة، وإن كان ذلك، لا يعني، بالضرورة، الانحياز الراديكالي إلى خيار المتابعة الجنائية للمسؤولين عن الانتهاكات التي تعرض لها هؤلاء الضحايا.
لا تنبع أهمية هذا التقرير، فقط، من كونه أول تقرير متكامل في تاريخ العدالة الانتقالية، بل من قدرته، كذلك، على استيعاب التوترات التي صاحبت التحول الديمقراطي في الأرجنتين، وإعادة إنتاجها في سردية جديدة حظيت بقدر كبير من التوافق الوطني. وفضلً عن كونه صار رمزًا للنضال من أجل حقوق الإنسان في الأرجنتين37، أصبح، في الوقت نفسه، مرجعية تؤطر هذا التحول وتفتح أمامه إمكانات ترسيخه. وإذا كان قد مثَّل الأساسَ الذي استند إليه القضاء في توجيه الاتهام إلى العسكريين التسعة المسؤولين عن الانتهاكات والذين حوكموا لاحقًا38، فإنه، في المقابل، مثّل، أيضًا، مصدر وعيٍ عام بضرورة الانخراط في مصالحة وطنية تضمن عدم تكرار ما حدث من انتهاكات. لا تختلف حالة تشيلي كثيرًا، فرغم أن تقرير اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة لم يحظَ بقبول القوى اليمينية، خاصة داخل الجيش، فإنه نجح في بناء حالة سياسية في بداية التحول الديمقراطي، بفتحه نقاشًا عموميًا واسعًا داخل المجتمع39؛ الأمر الذي ترجم تطلع
هذا المجتمع نحو توافق وطني بشأن إحداث قطيعة مع الحكم العسكري، تؤطرها سرديةٌ جديدة عنوانها الأبرز التحول الديمقراطي وضمن عدم تكرار الانتهاكات التي ارتُكبت في الماضي. إنّ تأكيد هذا التقرير على أنّ كشف الحقيقة وحده كفيل بإنصاف الضحايا وردّ الاعتبار إليهم40 كان رسالةً معبّة ممن صاغوه إلى هذه القوى اليمينية المساندة للحكم العسكري مفادها أن استمراره صار مكلفًا جدًا، وأن الوقت حان لإنجاز تحول ديمقراطي في تشيلي بأقل الخسائر. ولكي يكتسي كشفُ الحقيقة هذا دلالاته السياسية، شدّد التقرير على ضرورة جعل جبر الضرر المعنوي والمادي مدخلً أساسيًا نحو هذا التحول41، ومن ثمّ، إضفاء مزيد من الشرعية عليه، وخصوصًا أن نظام بينوشيه حصل على ضمنات بعدم متابعة رموزه بعد تسليمه السلطة للمدنيين. وإذا كانت هذه الضمنات مثّلت حمية سياسية لأعوان هذا النظام من أيّ متابعة قضائية، فإنها تركت، في الوقت نفسه، المجال مفتوحًا لإيجاد التوازن داخل سردية التحول الديمقراطي، من خلال كشف الحقيقة وتوثيقها، وجبر الضرر المادي والرمزي للضحايا، وضمن عدم تكرار الانتهاكات. أما في بيرو، فقد اتسم تقرير لجنة الحقيقة والمصالحة بالتوازن في توزيع المسؤوليات بين الجمعات المسلحة المختلفة، وقوات الأمن. وكان تحميلُ التقرير الجناحَ الماوي للحزب الشيوعي المسؤوليةَ الكبرى في أعمل العنف التي حدثت أمرًا ذا دلالة42؛ ما يعكس، إضافةً إلى هاجس الحقيقة التاريخية، نزوعًا نحو سردية متوافقٍ عليها، ليس فقط من الفاعلين السياسيين، ولكن، أيضًا، من بعض الجمعات الأهلية التي تعرضت، على امتداد تاريخ بيرو المعاصر، للإقصاء السياسي والاجتمعي، وهو ما طرح البعدَ الثقافي والمجالي للذاكرة في بيرو. فبقدر ما انشغلت اللجنة بالانتهاكات وأعمل العنف التي عرفتها البلاد (القتل، والاختفاء القسري، والتعذيب، والاغتصاب، واحتجاز الرهائن، والعنف ضد الأطفال والنساء... إلخ)، انشغلت، كذلك، بالإشكالات الثقافية المتعلقة بالحقوق الجمعية لسكان منطقة الأنديز، والسكان الأصليين، بوجه عام، باعتبارهم جزءًا من النسيج الوطني والأهلي43. هذا الانشغال المزدوج في أداء اللجنة يفسر الحضورَ اللافتَ للقانون الدولي الإنساني في تقريرها44، ويضعنا أمام سردية مختلفة نسبيًا. فالتحول الديمقراطي لم يكن مجرد قطيعةٍ مع الحكم الدكتاتوري والعنف الأهلي والاجتمعي، ولا مجرد مدخلٍ نحو نظام جديد يرتكز على الديمقراطية والمساواة واحترام الحقوق والحريات، بل كان، أيضًا، مصالحة ثقافية ومجالية مع جزء من التاريخ والجغرافيا في بيرو (منطقة الأنديز)؛ ما يحيل على تنوع نسبي في روافد هذه السردية ومكوناتها. تتقاطع التجارب الثلاث في انشغالها بصياغة سردية مغايرة تستجيب لإكراهات التحول الديمقراطي وبناء دولة الحق والقانون، وتتجنب، في الوقت نفسه، الاصطدامَ بالنظام السابق المسؤول عن الانتهاكات. لكنها تختلف في طرائق صياغة هذا السردية وتدبير توتراتها، وهو أمر يعود، بدرجة أو أخرى، إلى نسق الفاعلين والتحولات التي طرأت عليه داخل كل تجربة على حدة.
3. تحولات نسق الفاعلين
لا تختلف التجارب الثلاث عن غيرها في تعدد الفاعلين المتدخلين في سيرورة العدالة الانتقالية45. فهناك الأنظمة التي انبثقت من التحول الديمقراطي، والتي أدى فيها الرؤساء ألفونسين في الأرجنتين، وأيلوين في تشيلي، وبانياغوا في بيرو، دورًا لافتًا في ترسيم هذه العدالة، عبر إحداث لجان الحقيقة. بيد أن ذلك لم يرافقه تعديل نوعي في ميزان القوى؛ إذ ظلت نخب الأنظمة السابقة فاعلةً ومؤثرةً في الوقائع والأحداث، ولا سيم فيم له صلة بكشف الحقيقة، وإقرار العدالة الجنائية مع ما يستتبع ذلك من تداعيات على علاقات القوة. إضافة إلى ذلك، أدت المنظمت الدولية دورًا لا يستهان به، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. فقد كان تأثيرها واضحًا منذ بدء مسار
العدالة الانتقالية في الأرجنتين عام 9831، إذ ساعدت على إحداث حالة سياسية وحقوقية حدّت من احتمل تدخل العسكر لإجهاض التحول الديمقراطي، وفتحت المجال أمام اللجنة الوطنية حول اختفاء الأشخاص للقيام بمهمتها. وقد ساهم النظام الأميركي لحمية حقوق الإنسان في ذلك، ولا سيم عبر اللجنة الأميركية لحقوق الإنسان Inter - American Commission on Human Rightsالتي كان لها دور، إلى جانب الدولة والمجتمع المدني وعائلات الضحايا، في فتح حوار مجتمعي لإسمع صوت الضحايا46، وإيصال مطالبهم القاضية بكشف الحقيقة وإقرار العدالة وجبر الضرر المادي والمعنوي. ومثّلت قوانين العفو موضوعًا لتقارير عديدة أصدرتها هذه اللجنة47، حيث اعتبرتها، إضافة إلى أنها تَحرم الضحايا من حقهم في متابعة الجناة ومعاقبتهم، لا تتطابق مع الضمنات القضائية المنصوص عليها في الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان48. تحولت هذه الدينامية التي أحدثها النظام الأميركي لحمية حقوق الإنسان إلى مورد حيوي بالنسبة إلى الحركة الحقوقية الأرجنتينية بمختلف أطيافها، ومكّنتها من الانتقال إلى طور جديد في أدائها، تجلى في المطالبة بإلغاء هذه القوانين أمام القضاء49؛ ما عكسَ إصرارها على ترسيخ التحول الديمقراطي والقطع مع أي إمكانية للرجوع إلى الوراء. وفي تشيلي، كان الوضع مختلفًا إلى حد ما؛ فرغم الدور الذي أدته المنظمت الحقوقية منذ نهاية الثمنينيات، وبالأخص فيم يتعلق بمتابعة مسؤولي نظام بينوشيه، فإن السياق الدقيق الذي اندرج فيه التحول الديمقراطي، والذي احتفظت فيه القوى اليمينية المصطفة حول هذا النظام، وعلى رأسها الجيش، بنفوذ واضح، ساعد على عدم ذهاب هذه المنظمت بعيدًا في التأثير في مسار العدالة الانتقالية. لكن رغم ذلك، أسهمت اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة في تقليص شعبية بينوشيه، وفي تعديلٍ نسبيٍّ في ميزان القوى، وفتح المجال أمام متابعة الجناة. وفي أيار/ مايو 9941، تم استدعاء عسكريين للإدلاء بشهادتهم بشأن انتهاكاتٍ حدثت قبل صدور مرسوم العفو عام 9781؛ ما أثار غضب الجيش ليتم التراجع عن هذه الخطوة بعد ذلك. لكن وفاة بينوشيه، عام 0082، فتحت ثغرة داخل هذه القوى اليمينية، وسمحت بفتح نقاش بين المجتمع المدني والجيش50، خاصة بعد أن تعززت منظومة العدالة الانتقالية باللجنة الوطنية للاعتقال السياسي والتعذيب51 التي أنيطت بها مهمة معالجة الملفات العالقة التي لم تُعرض على اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة. أما بالنسبة إلى تجربة بيرو، فهي تقترب من نظيرتها الأرجنتينية في الشق المتعلق بدور النظام الأميركي لحقوق الإنسان52؛ إذ وجدت مبادرةُ تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة جذورها في القرار الذي أصدرته المحكمة الأميركية لحقوق الإنسان في 14 آذار/ مارس 0012، الذي اعتبرت فيه قانونَ العفو 26 79.264 و 92.4 غير مطابقين لمقتضيات الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان، ما يجعلهم بلا قوة قانونية ملزمة53. وتُعَدُّ قضية باريوس ألتوس Barrios Altos54نموذجًا لمدى تأثير هذا النظام في الحقل الحقوقي والسياسي في بيرو. فأيامًا قليلة بعد إقرار مجلس النواب قانونَ العفو، تقدمت المنسقة الوطنية لحقوق الإنسان إلى اللجنة الأميركية لحقوق الإنسان بشكوى بشأن هذه القضية في 03 حزيران/ يونيو 9951، فأحالتها اللجنة، مع قضايا أخرى، على المحكمة الأميركية التي أصدرت قرارها المذكور آنفًا، والذي كان له أثر واضح في نسق الفاعلين المعنيين بتدبير تركة الانتهاكات التي عرفتها بيرو، وكان أحد مصادر الاجتهاد القضائي للمحكمة الدستورية فيم يتعلق بشرعية نظر القضاء في هذه الانتهاكات55. أسهمت هذه الدينامية في خلق سياقٍ جعل دور لجنة الحقيقة والمصالحة لا يقتصر على معالجة هذه التركة، بل يمتد إلى تحديد المسؤولين عنها وتقديمهم إلى المحاكمة، فضلً عن جبر الضرر الفردي
والجمعي56؛ باعتبار ذلك مدخلً رئيسًا للمصالحة مع الذاكرة الجمعية، وإعادة بناء الهوية الوطنية على أساس الاعتراف بما حدث في الماضي. ورغم محاولات بعض القوى استصدار قانون عفو شامل عن المسؤولين عن الانتهاكات وأعمل العنف57، فإن ذلك باء بالفشل في ظل تشكّل ميزان قوى جديد، مسنود بمجتمع مدني قوي وفاعل، استثمر، على نحو جيد، عولمةَ العدالة الانتقالية واتساع رقعتها مع بداية الألفية الجديدة. يتضح مم سبق أنه بقدر ما يتسع نسق الفاعلين المعنيين بسيرورة العدالة الانتقالية، تزداد التوترات التي تواكب هذه السيرورة وتطبع تحولاتها؛ على اعتبار أن ذلك لا يرتبط فقط بالتجاذبات التي تحيل على الانتهاكات وأعمل العنف المرتكبة خلال فترات الصراع السياسي في الماضي، بل، أيضًا، بصراع القوة والنفوذ بين النخب، سواء تلك التي تنتمي إلى النظام السابق أو الجديد.
ثانيًا: لجان الحقيقة وسياسات الذاكرة
تُعد صياغة سياسة عامة للذاكرة العنوان الأبرز لعمل لجان الحقيقة الذي يُفترض أنه يستوعب إشكالات هذه الذاكرة58، سواء فيم له صلة بآلام الضحايا ومعاناتهم مع الانتهاكات التي تعرضوا لها، أو بإعادة البناء الوطني بما هو تفعيل مفتوح للإصلاح السياسي والاجتمعي. وتجتهد مختلف لجان الحقيقة في الاشتباك مع هذه الإشكالات والتفاعل معها، بحسب ما يسمح به هامش المناورة وعلاقات القوة؛ فتعمل على ترميم الذاكرة الجمعية وتدبير توازناتها بما يتوافر لديها من وقائع وأحداث تكون محطّ تقاطبٍ حادٍّ بين مختلف الفاعلين. وتكاد التجارب الثلاث لا تشذ عن هذه القاعدة. فمنذ تأسيسها، عملت لجان الحقيقة على استدعاء هذه الإشكالات وإعادة صياغتها وفق سردية جديدة، عبر إيجاد التوازن بين حق الضحايا في الحقيقة والعدالة من جهة، وحق المجتمع في المصالحة الوطنية والسلم الأهلي من جهة أخرى؛ ما يعني، بالضرورة، بلورة سياسات متوازنة بشأن الذاكرة. يتعلق الأمر بالبحث عن توافقٍ حول تأويل الماضي لأجل استعادته من دون تكاليف كبيرة. وتكشف جدليات الحقيقة والعدالة والصفح والسلم الأهلي في هذه التجارب الطبيعةَ المتعددة الأوجه للعدالة الانتقالية، وما يحيط بها من تعقيدات تتداخل فيها إكراهات السياسة ومتطلبات الاستقرار الاجتمعي. فلم تسلم أنظمة الأرجنتين وتشيلي وبيرو من مواجهة الإشكال التقليدي في هذه العدالة، الذي يرتبط بمعايير تحديد الجلاد والضحية، وتترتب عليه، بالضرورة، سلسلةُ نتائج تطبع أي تجربة في هذا الصدد59، وخصوصًا فيم يتعلق بإنتاج الحقيقة وسجال العدالة والمصالحة والصفح والنسيان.
1. رهانات إنتاج الحقيقة
يُعدُّ إنتاج حقيقة تاريخية بشأن الانتهاكات وأعمل العنف تحديًا بالنسبة إلى الفاعلين، بما أن ذلك حقٌّ جمعيٌّ يحيل على الذاكرة60؛ ما يتطلب حدًّا أدنى من التوافق بين هؤلاء. فليس إنتاج الحقيقة بالأمر السهل في ظل تقاطب رؤيتين. فالرؤية الأولى تعبر عن الضحايا الذين يحصرون الحقيقة في أبعادها الذاتية والأخلاقية والرمزية، ويتوقعون استعادتَها بما هي معلومات حول الانتهاكات وأعمل العنف التي حدثت، واستتباعَ ذلك بمحاكمة المسؤولين عنها، وجبر الضرر المادي والمعنوي. أما الرؤية الثانية، فتبقى محكومةً بخلفية واقعية بحتة، من خلال انحيازها إلى رهان التحول الديمقراطي وترسيخه61؛ تجنبًا لأي انتكاسة قد تعيد الأمور إلى مربع الصفر. ورغم أن البحث عن الحقيقة في بلدان أميركا اللاتينية صار جزءًا من منظومة حقوق الإنسان، فإن لجان الحقيقة كانت حريصة على تقديم
خطاب انتقائي لهذه الحقيقة، خاصة بالنسبة إلى الأرجنتين وتشيلي. ففي الأرجنتين كان من اللافت للانتباه توظيفُ الرئيس ألفونسين ما عُرف بنظرية الشيطانيَن، من أجل توزيع تركة الانتهاكات بين اليسار المسلح من جهة، والعسكر من جهة أخرى62. ويتعلق الأمر بمقاربة تاريخية لهذه الانتهاكات، تنطلق من وعي بضرورة إدارة التوترات التي يفرزها جدل الحقيقة والعدالة. فإقرارُ العدالة يرتبط بتوازنات المسار الانتقالي، ومن ثمة تصبح الحقيقة بديلً ممكنًا من العدالة، أو بتعبير الرئيس التشيلي الأسبق أيلوين: "توضيح الحقيقة وإقرار العدالة في حدود الممكن"63؛ إنه الممكنُ الذي يعكس العلاقة المركبة بين الحقيقة والإفلات من العقاب. شكّل كشفُ حقيقة الانتهاكات وأعمل العنف التي شهدتها البلدان الثلاثة جزءًا من توترات التحول الديمقراطي. فلم تكن الحقيقة مجرد بيانات تخص وقائع وأحداثًا معينة جرت في الماضي، بقدر ما كانت رهانًا سياسيًا ومجتمعيًا تجاذبته إراداتُ الفاعلين وأولوياتُهم؛ فظل حاضرًا في السرديات التي أنتجها هؤلاء بشأن ما لحق بالضحايا من ظلم وقمع. وفي هذا الصدد، أكد تقرير اللجنة الوطنية حول اختفاء الأشخاص في الأرجنتين أن "الدكتاتورية العسكرية أفرزت أكبر مأساة في تاريخ البلاد وأكثرها وحشية"64. ولم يتردد في وصف الانتهاكات التي ارتُكبت تحت حكم هذه الدكتاتورية بالإبادة65. وقدمت اللجنة خلاصة ما توصلت إليه بشأن هذه الانتهاكات التي اقتصرت، فقط، على المختفين66، ضمن أفقٍ بدا أنه يقترب أكثر من خطاب الضحايا وعائلاتهم. لكن في الوقت نفسه، كانت هناك مؤشرات دالة على نزوعٍ نحو إحداث بعض التوازن إزاء المؤسسة العسكرية، من قبيل الصعوبات الجمة التي واجهتها اللجنة المذكورة في الوصول إلى الأرشيف والوثائق ذات الصلة بمهمتها67، خاصة بعد صدور المرسوم 2726 83/ المتعلق بإتلاف الوثائق المرتبطة بمرحلة الحكم العسكري68. زيادة على ذلك، لم يرد في مرسوم إحداث اللجنة ما يحيل على تحديد المسؤوليات الفردية بشأن الانتهاكات التي حصلت. ومن ثمة، كانت الحقيقة توافقيةً في التجربة الأرجنتينية؛ ليس فقط من ناحية الإكراهات التي فرضها العسكر، بل حتى فيم يتعلق بالفترة التي تغطيها الانتهاكات، والتي كانت مثار رهانات متباينة69. سيستمر هذا المد والجزر في التعامل مع الحقيقة لاحقًا؛ فمع مطلع التسعينيات، في 3 آذار/ مارس 9921، أصدر الرئيس الأرجنتيني الأسبق كارلوس منعم Menem Carlos) 1989 - 999(1 مرسومًا يسمح بفتح الأرشيف السري للأمن والوصول إلى المعلومات70، وفي أيار/ مايو 9951 كشف أحد العسكريين عن بعض أعمل القتل والتعذيب والاختفاء التي قام بها الجيش خلال فترة حكمه71؛ ما أفضى إلى إعادة فتح النقاش العمومي حول هذه الانتهاكات، وأعاد إلى الواجهة جدل الحقيقة والعدالة، واعتُبَِ، من ثمّ، تحديًا جديدًا أمام الديمقراطية الأرجنتينية الفتية آنذاك، في ضوء استمرار الضحايا وعائلاتهم في المطالبة بكشف الحقيقة كاملةً من دون نقصان. وفي تشيلي، أنيطت باللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة مهمة بناء إطار متكامل لملابسات أعمل القتل والاختفاء التي حدثت ما بين 11 أيلول/ سبتمبر 9731 و 11 آذار/ مارس 9901، وذلك بجمع
المعلومات الكفيلة بتحديد هوية الضحايا ومعرفة مصيرهم72. وقد توصلت في تقريرها النهائي إلى مجموعة خلاصات73، وهو ما اعتبُر مؤشرًا على درب كشف الحقيقة والاعتراف بالانتهاكات المرتكبة. بيد أن هذه الخطوة، على أهميتها، لم تحُل دون بقاء التجربة التشيلية ضمن حدودها السياسية؛ فقد أخفقت اللجنة، على غرار نظيرتها الأرجنتينية، في تنظيم جلسات استمع عمومية، وترجم ذلك قوة النظام السابق بوصفه رقمً أساسيًا في ميزان القوى الجديد. كم أن اللجنة، بحكم صلاحياتها المحدودة، لم تعالج مساحة واسعة من الانتهاكات التي حصلت، والتي تتعلق، أساسًا، بالاعتقال السياسي والتعذيب، وكان على تشيلي أن تنتظر مرور 51 عامًا ليتم إحداث اللجنة الوطنية للاعتقال السياسي والتعذيب، وقد وسّعت هذه اللجنة من هامش الحقيقة التي أنتجتها اللجنة الأولى74، وفتحت الباب أمام إمكانية صياغة ذاكرة أكثر توازنًا وإنصافًا. وفي بيرو، توصلت لجنة الحقيقة والمصالحة، في تقريرها، إلى خلاصات بشأن الانتهاكات وأعمل العنف التي حدثت إبَّان الحرب الأهلية خلال الفترة 1980 - 200075. فعلاوة على أن التقرير كان بمنزلة الوثيقة الأكثر أهمية في تاريخ البلاد حول هذه الحرب76، كان من اللافت تحميله حركة الدرب المضيء النسبة الأكبر من هذه الانتهاكات وأع لاا العنف77، كم اتسمت تجربة بيرو بجلسات الاستمع العمومية التي نظمتها اللجنة78، والتي يمكن اعتبارها بمنزلة جلسات مواجهة بين الضحايا والجلادين. وقد أتاح ذلك للفاعلين هامشًا أكبر لإنتاج حقيقةٍ تُحفز على إعادة بناء الهوية الوطنية بمختلف روافدها، ولا سيم في ضوء مشكلة التهجير القسري التي واكبت الحرب الأهلية. إن الاتساع النسبي لقاعدة الحقيقة التي أنتجها الفاعلون في بيرو كان لها تأثير فيم سيأتي من وقائع. فلم يكن الحكم بالسجن على الرئيس الأسبق، ألبرتو فوجيموري، في آذار/ مارس 0092، مجرد سابقةٍ في الاجتهاد القضائي لحقوق الإنسان، بقدر ما فتح الباب، أيضًا، أمام إمكانية أن يتحول تقريرُ اللجنة والوثائقُ التي كُشفت إلى أدلة ضد الجناة79. وإذا كانت تجربة بيرو تشترك مع نظيرتَيها، في الأرجنتين وتشيلي، في وجود قوى سياسية واجتمعية تعمل، بشتى الوسائل، على تفنيد ادعاءات المسؤولين عن الانتهاكات بعدم وجودها، فإنها تتجاوزهم، إلى حد ما، في إنتاج حقيقة أكثر جرأة وأكثر قابلية لمضاعفة امتداداتها المجالية والثقافية، ضمن أفق إعادة البناء الوطني على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وحفظ الذاكرة.
2. جدل العدالة والمصالحة
تنبئنا التجاربُ المقارنة في العدالة الانتقالية بأن المصالحة تظل محط رهانات متباينة بين مختلف الفاعلين. فبالنسبة إلى الضحايا تعني كشفَ الحقيقة وإقرارَ العدالة ومحاكمةَ المسؤولين عن الانتهاكات، بينم تُعدّ بالنسبة إلى القوى الديمقراطية مجالً مفتوحًا للتنازلات المتبادلة وبناء التوافقات مع النخب المعتدلة في النظام السابق. إنه مخاضٌ عسير للتوفيق بين العدالة التي تقتضي إنصاف الضحايا من ناحية، وتلك التي تنحاز إلى خيار المصالحة الوطنية من ناحية أخرى، ولا سيم فيم يتعلق بالإفلات من العقاب وما يطرحه من إشكالات قانونية وسياسية واجتمعية. ولعل ما يلفت الانتباه في التجارب الثلاث أن النزوع نحو خيار المصالحة اندرج في سياق حرص الفاعلين، أو قطاع منهم على الأقل، على إنجاز التحول الديمقراطي من دون تكاليف كبيرة، وإن كان ذلك لا يعني، بتاتًا، استبعاد خيار العدالة، خاصة حينم تتحول الانتهاكات إلى جرائم ضد الإنسانية، بحيث يصبح إقرار العدالة ضروريًا80. تُعدّ الأرجنتين من البلدان القليلة التي حوكم فيها بعض رموز النظام السابق. فقد أصدر الرئيس ألفونسين مرسومًا بمحاكمة تسعة عسكريين81. وإذا كان ذلك جرى في سياق ترسيخ التحول الديمقراطي، فإن انتقائية المحاكمت عكسَت تطلُّعَ ألفونسين إلى إدماج الجيش في ديناميات هذا التحول. ولتعزيز ذلك عمل على الحد من نزعة
التسيّس في صفوفه من خلال عدة تدابير، انصبّ معظمها على إعادة بناء علاقة هذا الجيش بالسياسة وفق رؤية أكثر مهنية82. غير أن ذلك لم يَرُق العسكرَ الذين أرسلوا إشارات على عدم رضاهم عن هذا النزوع المدني في أداء حكومة ألفونسين، ما ترتب عليه صدور قوانين ترجمت براغمتيةَ النظام الجديد، أبرزها قانون 23 92.4 بشأن إنهاء محاكمة العسكريين83، وقانون 23 521. بشأن الطاعة الواجبة84. ثم منح كارلوس منعم، الذي خلف ألفونسين، عفوًا عن العسكريين سواء المدانين أو المتابعين أمام المحاكم، كم منح عفوًا عن بعض قادة التنظيمت المسلحة الذين كانوا متابعين أيضًا85، ووطد علاقته بالجيش86 من أجل توسيع هامش الحركة أمام النظام الديمقراطي الجديد. تم التخلي عن المتابعة الجنائية للمسؤولين عن الانتهاكات، بعد أن تبين أنها تنطوي على أسئلة إشكالية، لا تتعلق فقط بإقرار العدالة في حد ذاتها، بل، أيضًا، بتحديد من يجب أن يقع عليه العقاب، وعلى أي أساس، وما يجب فعله إزاء الضحايا الذين يطالبون بالقصاص باعتبار ذلك شرطًا ضروريًا لإنجاز المصالحة. وقد كان لاستمرار هؤلاء في التمسك بمحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات دورٌ في قرار المحكمة العليا الصادر في 14 حزيران/ يونيو 0052، القاضي بمشروعية قانون 25 779. الصادر في 2 أيلول/ سبتمبر 200387، المتعلق بإلغاء قانونَ إنهاء محاكمة العسكريين، والطاعة الواجبة، بسبب عدم دستوريتهم88. ثم ما لبثت أن أعقبته بقرار آخر في 13 تموز/ يوليو 0072، أعلنت فيه عدم دستورية العفو الذي أصدره كارلوس منعم عن العسكريين المذكورين من قَبل. أسهمت هذه القرارات في إطلاق دينامية جديدة، تَجلّت في إعادة فتح المحاكمت، ولا سيم بعد عرض بعض القضايا على المحكمة الأميركية لحقوق الإنسان، فتم اعتقال العسكريين الذين كان قد عفا عنهم منعم، مجددًا، وفي عام 0102 تمت إدانة 011 أشخاص بارتكاب انتهاكات، في حين تمت تبرئة 9 أشخاص89؛ ما أعطى الانطباع بالانتصار لصوت الضحايا والتقدم في تحقيق العدالة التي كانوا يتوقعونها. لكن الأوراق ستختلط مجددًا بعد أن أصدرت المحكمة نفسها قرارًا في 3 أيار/ مايو 0172 يقضي بتطبيق القانون 24 90.3، المعروف بقانون "اثنان في واحد" على الأشخاص الذين اقترفوا جرائم ضد الإنسانية90. وقد أثار قرارها استياءَ الأوساط الحقوقية داخل الأرجنتين وخارجها، واعتبُر شرعنةً للإفلات من العقاب، غير أن البرلمان سرعان ما صدّق، أيامًا قليلة بعد ذلك، قانون 27 62.3، وقد نص على أنه لا يمكن تطبيق مقتضيات قانون "اثنان في واحد" على الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجمعية أو جرائم الحرب91. وقد ترجم هذا المدُّ والجزرُ توترات العدالة الانتقالية في الأرجنتين الناتجة، أساسًا، من الوزن السياسي الذي بقي يحتفظ به رجالات الحكم السابق داخل النظام الجديد.
وفي تشيلي، كان استفتاء 5 تشرين الأول/ أكتوبر 198892 لحظة أساسية في التحول الديمقراطي، غير أن ذلك لم يمنع نظام بينوشيه من الوقوف على ترتيبات هذا التحول حفاظًا على مصالحه93. وقد كان أيلوين، الذي خلف بينوشيه، مدركًا لنفوذ الجيش، فعمل على طمأنة قياداته الأساسية، وبدا ذلك في تشكيلة اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة التي ضمت عضوين سبق لهم أن شغلا مناصب وزارية في عهد بينوشيه94؛ ما عبّ عن اقتناع النظام الجديد بضرورة الحفاظ على التوازن داخل اللجنة تجنبًا لأي توجه راديكالي بشأن المتابعة الجنائية لرموز النظام السابق. سيتجلى هذا الانشغال بجدل العدالة والمصالحة في التقرير الذي أنجزته اللجنة الوطنية للاعتقال السياسي والتعذيب، حين أقرت بأن بعض الضحايا ارتكبوا أيضًا انتهاكات، غير أن ذلك "لا يبرر احتجازهم في معتقلات سرية وتعذيبهم"95. ولا يعكس الحرص على التوازن، فقط، حقيقةَ الانتهاكات التي حدثت بقدر ما يعكس، كذلك، إكراهات التحول الديمقراطي التي كانت تتطلب بعض "الحكمة" في التعامل مع هذه الانتهاكات بإعادة جدولتها وتوزيعها بين المعنيين بها، تمهيدًا لوضعها داخل سردية تاريخية تحظى بالتوافق، وتعزز، من ثمّ، التوازن في استدعاء الذاكرة وإعادة صياغتها. بيد أن اعتقال الجنرال بينوشيه، في لندن في 81 تشرين الأول/ أكتوبر 9981، فتح أفقًا جديدًا أمام الضحايا وعائلاتهم، وأعطى زخمً لمسار العدالة الانتقالية، خاصةً فيم يتعلق بمحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات. فتمت متابعة عدد منهم بتُهم ثقيلة كالاختفاء القسري والإعدام خارج القانون96؛ ما جعل خطاب الضحايا وعائلاتهم ينتعش من جديد. أما في بيرو، فقد أكدت لجنة الحقيقة والمصالحة في تقريرها، الذي قدمته في 5 أيلول/ سبتمبر 0032، أن التحول الديمقراطي، الذي يتخلى عن تسوية حسابات الماضي وتثبيت المسؤوليات، يتسم بعجز كبير في شرعيته97. وبدا جليًّا انشغالُها بإحقاق العدالة، رغم أن جزءًا من الطبقة السياسية أبدى انزعاجه من المسؤوليات التي أثارها تقريرها. فأحيل عدد من أفراد الشرطة وعناصر حركة الدرب المضيء على القضاء98، وتوالت المحاكمت99. ورغم أنها، إجملً، اندرجت في سياق التوازن في توزيع المسؤوليات بين الدولة وهذه الحركة، فإن ذلك لم يمنع من أن تواجهها بعض العراقيل100. وكانت محاكمة فوجيموري101 لحظة دالة بالنسبة إلى مناهضة الإفلات من العقاب وإنصاف الضحايا، حين بدا للنظام الجديد أن ميزان القوى بدأ يميل إلى صالحه. بيد أن بعض التدابير التي قام بها الرئيس، آلان غارثيا García Alan) 1985 - 990(1، بددت هذا الانطباع، وجعلت التجربة البيروفية أقرب إلى نظيرتها الأرجنتينية من حيث حالة المد الجزر التي طبعتها. ففي أيلول/ سبتمبر 0102، صدّق غارثيا مرسوم قانون 0971 الذي اعتبُر بمنزلة قانون عفو جديد، وإنعاشٍ لخطاب الإفلات من العقاب. لكن ضغط المنظمت الحقوقية داخل البلاد وخارجها دفع البرلمان إلى إلغاء المرسوم، ومع اقتراب انتهاء ولاية غارثيا أعلنت الدولة أنها ستوفر المساعدة القضائية لكل موظفي الدولة المتابعين بارتكاب انتهاكات102؛ ما عزز الانطباع بأن حكومته شكّلت بسياستها سياقًا عنوانه الأبرز تراجع حركة المطالبة بعدم الإفلات من العقاب. تقع التجارب الثلاث ضمن خيار المصالحة الوطنية الذي فرض نفسه على الأنظمة الجديدة، ولا سيم في ظل استمرار نفوذ رجالات
الأنظمة السابقة خلال فترات التحول نحو الديمقراطية. ولذلك لم تُث المساءلة، إلا في الحدود التي لم تؤثر في هذه المصالحة؛ باعتبارها شرطًا ضروريًا لإكمل هذا التحول من دون تكاليف باهظة.
3. الذاكرة ومأسسة النسيان
تُعدّ حقوق الضحايا103 محورًا مركزيًا في صياغة الذاكرة الجمعية؛ فاحتفاظها بشحنتها العاطفية وتأثيرها السياسي يتطلب سياسات عمومية لإنعاشها وتحفيزها على نحو مستمر؛ لما لذلك من تأثير في الاستجابة المؤسسية لترسيخ الديمقراطية والتنشئة السياسية للأجيال الجديدة104. ويُعدّ النسيان والصفح أهم رهانات هذه الذاكرة، حيث تُفسِح الاعتباراتُ القانونية المرتبطة بالعدالة المجالَ للاعتبارات الأخلاقية التي تحيل على منظومةٍ يمثّل الصفح عصبها الأساسي105. ومن هنا، يصبح التمييز بين الذاكرة والنسيان شرطًا لفهم التوترات التي تسِمُ معظم تجارب العدالة الانتقالية، فالذاكرة لا تعني تذكّر كل شيء بقدر ما لا تعني، أيضًا، نسيانَ كل شيء؛ ويتعلق الأمر بمواجهة النسيان من خلال مأسسته وفق ميزان القوى بين نخب النظام السابق والجديد. وفي هذا الصدد، كان الفاعلون في التجارب الثلاث مدركين استحالة تجاوز الماضي والدفع به نحو النسيان، وكانوا متوافقين على أن الذاكرة من دون عدالة لا تعني شيئًا غير النسيان، لكن الاختلاف كان حول طبيعة هذه العدالة؛ أتقتصر على الاعتراف بالضحايا وإعادة الاعتبار إليهم، أم تتجاوز ذلك نحو محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات؟ ولذلك مثّلت مأسسة النسيان الأفقَ الذي تقاطعت عنده هذه التجارب، بدرجات متفاوتة، عبر برامج جبر الضرر والتعويض والذاكرة. وفي الأرجنتين، واجه النظام الجديد إشكالات الذاكرة على نحو لا يؤدي إلى "خلع عباءة من النسيان على الماضي"، كم قال الرئيس ألفونسين في خطاب تنصيب اللجنة الوطنية حول اختفاء الأشخاص106. فصدرت قوانين انصبت على إعادة إدماج الموظفين الذي فُصلوا من عملهم لأسباب سياسية وتعويضهم107. وبالنظر إلى أن اللجنة كانت تتعلق بالاختفاء فقط، فقد تم الاعتراف بضحايا الاعتقال السياسي بواسطة قانون جبر الضرر الذي صدر في عهد كارلوس منعم (9911)، والذي منحهم تعويضات سخية في إطار سياسة منتظمة لجبر الضرر108؛ ما ترجم تعديلً للاختلالات التي ترتبت على تعليق محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، ومن ثمّ التوصل إلى توافق بشأن الذاكرة. بيد أن الوقائع اللاحقة أثبتت أن عامل الزمن ليس فاعلً رئيسًا في سيرورة النسيان، في ضوء الحيوية التي ظلّ الضحايا يُبدونها بتشبثهم بالعدالة التي لا تتحقق فقط بجبر الضرر، وإنما، أيضًا، بمتابعة المسؤولين عن الانتهاكات، وهو ما عكَسه موقف حركة "أمهات ساحة مايو" التي رفضت التعويضات الممنوحة للضحايا، وبقيت تتطلع إلى نسيانٍ يقترن بإصلاح مؤسساتي شامل، تُعتبر استعادةُ الذاكرة التي تنبني على العدالة الجنائية أهمَّ فصل فيه. ولم يتوقف تقاطب الرهانات عند فترة الحكم العسكري 1976 - 9831، بل امتد إلى ما قبل انقلاب عام 9761، إذ رفض التيار البيروني منح تعويضات عن الانتهاكات التي جرت قبل هذا التاريخ109، في حين يحيل على صراع حول إعادة قراءة الذاكرة وتأويل بعض فصولها. وفي تشيلي، وأثناء تقديم تقرير اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة في 4 آذار/ مارس 9911، طلب الرئيس أيلوين الصفح من عائلات الضحايا، كم طالب قواتِ الجيش والأمن وكل من شارك في الانتهاكات بالاعتراف بالمسؤولية والتعاون لتضميد الجراح. لكن ميزان القوى لم يكن يسمح بهذا الاعتراف، في ظل النفوذ الذي بقي يحتفظ به الجيش بعد التحول الديمقراطي. ولعل ذلك ما يفسر تميز التجربة التشيلية على صعيد وضع سياسات وبرامج متكاملة لجبر الضرر، بوصفها نوعًا من التوازن في مواجهة مطالب الضحايا بإقرار العدالة ومحاكمة
الجناة، وتنفيذ توصيات اللجنة110. واتُخذت، في هذا السياق، تدابير قانونية وإدارية تمنع تكرار الانتهاكات، من قبيل إحداث الهيئة الوطنية لجبر الضرر والمصالحة بموجب القانون 9 1.321111، ووضعِ برنامج جبر الضرر والرعاية الصحية الشاملة PRAIS، وقد اندرج ذلك في سياق مقاربة براغمتية لإشكالات الذاكرة، تنطلق من ميزان قوى لم يعرف تعديلً كبيرًا منذ تنحي بينوشيه عن السلطة. أما في بيرو، فقد اتخذ تدبير الذاكرة وجبر الضرر الجمعي بعدًا مختلفًا، بحكم العدد الهائل من المهجرين وما أفرزته مشكلة الأرض من تداعيات اجتمعية واقتصادية112. فتم إنشاء البرنامج الوطني لدعم إعادة التوطين وتنمية المناطق المتضررةPAR عام 995. ونص 1113تقرير اللجنة على توصيات بشأن جبر الضرر المادي والجمعي114، في ربطٍ بين الانتهاكات وأعمل العنف التي شهدتها البلاد من جهة، والسياقات الثقافية والاجتمعية والمجالية المرتبطة بمشكلة الأرض من جهة أخرى، ولا سيم في منطقة الأنديز التي شهدت تهجير عدد كبير من ساكنتها. ولتعزيز هذا التوجه، اُقِرَّ قانون التهجير الداخلي الذي نص على إنصاف هؤلاء وتأهيلهم وإعادة إدماجهم داخل المجتمع115، من أجل إنجاز مصالحة وطنية تستهدف إعادة بناء الذاكرة الجمعية وتأهيلها. وفي السياق ذاته، تم إحداث لجنة عليا متعددة القطاعات CMANللإشراف على تنفيذ توصيات اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة116، ضمن مقاربة أفقية تأسست على دمج التداعيات الحقوقية والاقتصادية والاجتمعية للانتهاكات وأعمل العنف التي عرفتها بيرو خلال الحرب الأهلية. ورغم ذلك، تعتبر بيرو من التجارب القليلة التي ظلت فيها صفة "الجلاد" و"الضحية" مثار تقاطب بين الفاعلين، وتجلى ذلك، أساسًا، في الصراع بين عائلات الضحايا المنتمين إلى حركة الدرب المضيء ممن تعرضوا لانتهاكات على يد قوات الأمن، وأولئك الذي كانوا ضحية الانتهاكات التي ارتكبتها هذه الحركة خلال الحرب الأهلية117، الأمر الذي ألقى بظلاله على النقاش العمومي بشأن الذاكرة. أسهمت الإكراهات القانونية والسياسية التي واكبت المسارات الانتقالية في البلدان الثلاثة، في الانحياز، بدرجات متفاوتة، إلى ذاكرة متوازِنة من خلال التعامل مع مطالب الضحايا بإقرار العدالة الجنائية، والاستجابة لها بواسطة برامج جبر الضرر المادي المتمثل في التعويضات والخدمات الاجتمعية (كالتربية والصحة والسكن)، وجبر الضرر المعنوي المتمثل في اعتراف الدولة بالانتهاكات وإعادة التأهيل وإقامة النصب التذكارية وبناء متاحف ومراكز الذاكرة118. ورغم الأهمية الرمزية التي اكتساها جبر الضرر المعنوي بالنسبة إلى الضحايا، فإنه في بعض الأحيان تحوّل إلى مغذّ للصراع حول الرموز119، وفي أحيان أخرى إلى محفز لإنعاش ذاكرة من عاشوا القمعَ السياسي على نحو مباشر، ونقْلِ مضامينها إلى الأجيال الجديدة كم هو الشأن، مثلً، بالنسبة إلى أماكن الذاكرة في تشيلي120. وسواء تعلق الأمر ببرامج جبر ال ررر المادي أو المعنوي، فقد اندرجت كلها ضمن تطلع الأنظمة الجديدة إلى الحد من راديكالية خطاب الضحايا، وتأسيس ما يسميه البعض ميثاق النسيان الذي ينبني على العفو (النسيان القانوني) والصفح (النسيان الأخلاقي والاجتمعي)121، في أفق تحقيق المصالحة بوصفه شرطًا أساسيًا لإنجاز التحول الديمقراطي.
خاتمة
مثّل تأسيس لجان الحقيقة في الأرجنتين وتشيلي وبيرو لحظة أساسية في مسار التحول الديمقراطي وإعادة بناء شرعية الدولة على أسس جديدة. واستطاعت هذه البلدان، عبر هذه اللجان، إحداثَ تعديل نسبي في علاقات القوة بين القوى الاجتمعية المصطفة حول الأنظمة السابقة وتلك المتطلعة إلى صياغة عقود اجتمعية جديدة تعزز المسارات الانتقالية، وتدفع بها قدمًا نحو إقامة أنظمة ديمقراطية حقيقية تضمن عدم تكرار انتهاكات الماضي.
بيد أن ذلك لم يكن سهلً؛ بالنظر إلى نجاح نخب الأنظمة السابقة (في الأرجنتين وتشيلي على وجه الخصوص) في الحفاظ على الحد الأدنى من نفوذها. وهو ما بدت نخب الأنظمة الجديدة واعيةً به؛ ما أنتج توترًا بين سرديتين: سردية شدّدت على ضرورة احترام ذاكرة الماضي بتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا من خلال المساءلة الجنائية للمسؤولين عن الانتهاكات، وسردية أخرى ركّزت على تجاوز الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية، والنظر إلى المستقبل، عبر إنجاز المصالحة والسلم الأهلي اللذين يحيلان على منظومة يمثّل العفو (القانوني) والصفح (الأخلاقي) أبرز عناوينها وأكثرها دلالةً، وهو ما يصب في "نسيانٍ" متوافَقٍ عليه، يُتيح تجنب "إساءة استعمله"122 بتعبير بول ريكور. فالصفح لا يمكن فرضه بمرسوم أو قانون بحسب هذه السردية. كم أن النسيان يتطلب توافقًا حول صيغته وأدواره حتى لا يصير "نسيانًا بالأمر"123، غير قادر على مجابهة التحديات الأخلاقية والسياسية المطروحة. ومن هنا، يمكن فهم مخاوف الأنظمة الجديدة من ارتفاع التكلفة السياسية لمقاربة شمولية لا اختلال فيها بين الحقيقة والعدالة وجبر الضرر. ولذلك، اتسم أداؤها بواقعية سياسية نابعة من إدراكها أن خطر انتكاس التحول الديمقراطي يظل واردًا في أي لحظة، خاصة في ظل تسيُّس الجيوش وانخفاض حسها المهني وتوجسها من حكم المدنيين، إضافة إلى راديكالية مقاربة الضحايا لإشكالات الماضي وتطلعهم إلى العدالة الكاملة. إن التوصيات التي وضعتها لجان الحقيقة في البلدان الثلاثة، وإن كانت قد فتحت المجال، نظريًا، أمام تَشكُّل مختبر مفتوح للإصلاح السياسي والمؤسساتي والاجتمعي والثقافي، فإن استمرار جدل العدالة والمصالحة يُسائل بقوةٍ نزوعَ البعض نحو اعتبار العدالة الانتقالية بمنزلة براديغم لدولة الحق والقانون124. هذا في الوقت الذي ما زال فيه "قوس الحقيقة" مفتوحًا (حالة الأرجنتين)125، بما ينبئ بأطوار جديدة في هذا الصدد. وفي الإمكان القول إن التجارب الثلاث عكست، بدرجة أو أخرى، الجدليات الكبرى التي حكمت الموجتين الثانية والثالثة للعدالة الانتقالية، والتي تجد تمظهرها الأساسي في سجال الجلادين والضحايا، وتأثيره في قضايا استعادة الذاكرة وإعادة البناء الوطني وترسيخ التحول الديمقراطي. ومن ناحية أخرى، تطرح هذه التجارب أسئلة تتجاوز النقاش التقليدي بشأن العدالة الانتقالية، فإشكالات الذاكرة لا تقتصر، فقط، على كيفية استعادتها وإعادة قراءتها وتأويلها، بل تتجاوز ذلك نحو إمكانية نزع الطابع السياسي عن هذه الذاكرة، وتحريرها من التقاطبات السياسية والمجتمعية التي عادة ما تلاحقها، بحيث لا تعني استعادتُها، بالضرورة، الإحالة على ماضي الانتهاكات126، بقدر ما تعني تجديد الثقافة السياسية والاجتمعية، بما يسمح بإيجاد طرائق مغايرة للاشتباك مع هذه الإشكالات. ولعل هذا أبرز ما يمكن استخلاصه بالنسبة إلى السياق العربي الراهن؛ فارتباط كيفية التحول الديمقراطي بخصوصية كل بلد127، يجعل خيارات الفاعلين محدودةً في مواجهة الإشكالات الثقافية والاجتمعية التي يطرحها تفعيل العدالة الانتقالية الذي يبقى أمرًا مؤجلً في معظم البلدان العربية.
المراجع
العربية
باراني، زولتان. "القوات المسلحة وعمليات الانتقال السياسي". سياسات عربية. العدد 24 (كانون الثاني/ يناير 2).017
بشارة، عزمي. في الثورة والقابلية للثورة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.0122
ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديدة المتحدة،.0092
"ما هي العدالة الانتقالية؟". المركز الدولي للعدالة الانتقالية. في: https://bit.ly/3 gKDo38 هانتنجتون، صامويل. الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين. ترجمة عبد الوهاب علوب. مع مقدمة تحليلية بقلم سعد الدين إبراهيم. الكويت: دار سعاد الصباح،.9931
الأجنبية
Allerbon, Daniela (ed.). El Nunca más: Y los crímenes de la dictadura. Buenos Aires: Ministerio de Cultura Presidencia de la Nación, 2015.
Argenti Argentina. Ministerio de Justicia y Derchios Humans. Informacion Legislative. Defensa Nacional Principios básicos. Finalidad y estructura del sistema. Organización de las Fuerzas Armadas. Servicio de Defensa Nacional. Organización Territorial y Movilización. Disposiciones generales y transitorias , Ley no. 23.554. 26/4/1988. at: https://bit.ly/32XdS6j
Congress of the Republic of Peru. "Conceden amnistía general a personal militar, policial y civil para diversos casos Ley N° 26479." Justia Perú (May 1980). at: https://bit.ly/2Mqv6iU
________. "Precisan interpretación y alcances de amnistía otorgada por la Ley Nº 26479 Ley N° 26492." Justia Perú (June 1995). at: https://bit.ly/2 XqVAHt
De Gamboa Tapias, Camila. "Justicia transicional: Dilemas y remedios para lidiar con el pasado." Revista de Estudios Socio - Jurídicos (Universidad del Rosario, Bogotá, Colombia). vol. 7 (2005).
De Greiff, Pablo. "Los esfuerzos de reparación en una perspectiva internacional: El aporte de la compensación al logro la justicia imperfecta." Revista de Estudios Socio - Jurídicos. vol. 7 (2005).
"Decreto 187 /83." Comisión Nacional sobre la Desaparición de Personas. 15 /12 /1983. at: https://bit.ly/2 BuaEvp
"Decreto Ley 2191." Biblioteca del Congreso Nacional de Chile. 19 /4 /1978. at: https://bit.ly/2 XUa7 dQ
Elster, Jon. Rendición de cuentas: La justicia transicional en perspectiva histórica. Ezequiel Zaidenwerg (trad.). Buenos Aires: Katz, 2006.
Febres, Salomón Lerner et al. "Informe Final de la Comisión de la Verdad y Reconciliación. Versión en cinco fascículos." Instituto de Democracia y Derechos Humanos (2008). at: https://bit.ly/3ed2cyi
González, Eduardo & Howard Varney (eds.). En busca de la verdad: Elementos para la creación de una comisión de la verdad efi caz. Brasilia: Comisión de Amnistía del Ministerio de Justicia, 2013. at: https://bit.ly/3gKEmf3 González, Lorena (ed.). Presente y futuro de los derechos humanos: Ensayos en honor a Fernando Volio. San José: Instituo Interamericano de Derechos Humanos, 1998. Hazan, Pierre. "Mesurer l'impact des politiques de châtiment et de pardon: Plaidoyer pour l'évaluation de la justice transitionnelle." Revue Internationale de la Croix Rouge. vol. 88, no. 861 (March 2006).
________. "Les dilemmes de la justice transitionnelle." Mouvements. vol. 1 , no. 53 (2008).
Joinet, Louis (dir.). Lutte contre l'impunité: Dix questions pour comprendre et agir. Paris: La Découverte, 2002.
Lefranc, Sandrine. "Politiques du pardon: Amnistie et transitions démocratiques, une approche comparative." Institut d'études politiques de Paris (cycle supérieur d'études politiques). Thèse pour obtenir le doctorat en science politique. Paris, 2000.
"LEY Nº 19.123 Crea Corporacion Nacional De Reparacion Y Reconciliacion, Establece Pension De Reparacion Y Otorga Otros Beneficios En Favor De Personas Que Señala." Biblioteca del Congreso Nacional de Chile. at: https://bit.ly/2 ZarbOo
Martin, Arnaud (dir.). La mémoire et le pardon: Les commissions de la vérité et de la réconciliation en Amérique Latine. Paris: L'Harmattan, 2009.
Ministerio de Justicia u Derechos Humanos. "Ley N° 24.043 Otórganse beneficios a las personas que hubieran sido puestas a disposición del P.E.N. durante la vigencia del estado de sitio, o siendo civiles hubiesen sufrido detención en virtud de actos emanados de tribunales militares. Requisitos." 1991. at: https://bit.ly/2ZeAZam ________. "Ley 24.390 Plazos de prisión preventiva." 2 /11 /1994. at: https://bit.ly/3 iHy7 dz
________. "Ley 27362 Conductas delictivas. Delitos de lesa humanidad, genocidio o crímenes de Guerra." 2017. at: https://bit.ly/2 O6 MAl8
Morales, Ethel Nataly Castellanos. "Verdad, justicia y reparación en Argentina, El Salvador y Sudáfrica. Perspectiva comparada." Revista de Estudios Socio - Jurídicos. vol. 7 (2005).
Reátegui, Félix (ed.). Justicia Transicional: Manual para América Latina. Yolanda Chavez (trans.). Brasilia: Comisión de Amnistía del Ministerio de Justicia; Nueva York: Centro Internacional para la Justicia Transicional, 2011.
República de Chile. Ministerio del Interior. "Subsecretaría del Interior crea comisión nacional sobre prisión política y tortura, para." Decreto Supremo. no. 1.040. 26/9/2003. at: https://bit.ly/2MraR4Q
________. Informe de la comisión nacional sobre presión política y tortura (November 2005).
Reyes, María J., María A. Cruz & Félix Aguirre. "Los lugares de memoria y las nuevas generaciones: Algunos efectos políticos de la transmisión de memorias del pasado reciente de Chile." Revista Española de Ciencia Política. no. 41 (Julio 2016).
"Senor Presidente." Memoria Abierta. 2018. at: https://bit.ly/2 ZU4 Qnh
Teitel, Ruti G. "Transitional Justice Genealogy." Harvard Human Rights Journal. vol. 16 (2003).
Verbitsky, Horacio. El vuelo. Buenos Aires: Planeta Espejo de la Argentina, 1995.
Yupanqui, Samuel Abad. "Retos jurídicos del Informe de la CVR: La necesaria garantía del derecho a la verdad." Derecho PUCP. no. 57 (2004).