بطء عملية إعادة الإعمار في غزة:
The Stagnation of Reconstruction in Gaza:
الملخّص
تسلّط هذه الدراسة الضوء على دور المانحين في إعادة إعمار غزة منذ أن تسلّمت حركة حماس السلطة في القطاع عام 2006 وإلى الآن. وتناقش عددًا من المحددات التي تعوق وجود دور فعال للمانحين في إعادة إعمار القطاع؛ إذ إنّ عملية إعادة الإعمار لا تزال تدور في حلقة مفرغة مع غياب التسوية، كما أن عدم اتصال حركة حماس بالدول الغربية شكّل عقبةً أمام عمل المانحين، إضافة إلى الانقسام السياسي بين حركتَي فتح وحماس. وتخلص الدراسة إلى أنّ الملامح الرئيسة لسياسات المانحين في إعادة إعمار غزة كانت وما زالت تتمحور حول عدم التعرّض المباشر للاحتلال، والإبقاء على سياسات الحصار، وضمان عدم حصول الحكومة في قطاع غزة على أموال المانحين وعدم إشراكها في التخطيط والتنفيذ، ودعم السلطة الفلسطينية، وتوضح أنّ سياسات المانحين تلك، سياسات متلكئة، تتوانى عن الابتكار لتتخطّى العقبات في سياقٍ ذي ظروف خاصة كسياق غزة.
Abstract
This study distinguishes between three Interrelated theoretical approaches prevalent in writings of researchers seeking to understand the emergence of the Islamic Resistance Movement, "Hamas". The first of these approaches examines the movement from the portal of ideology, stressing the importance of international and regional dimensions and the rise of political Islam after the "setback" (Naksa) of the 1967 Six Day War. The second approaches Hamas as representing a social movement seeking to revisit the historical narrative of Palestinian society. The third considers it to be the heir of the Palestinian national liberation movement, attributing its rise to transformations witnessed in Palestinian identity and the Palestinian community's definition of itself. Although the three readings do not contradict each other, a focus on one of them can lead to oversimplification or exaggeration: emphasis on the first approach is at risk of overlooking transformations in the movement in its later stages and a marginalization at the micro level of local dimensions; emphasis on the second approach can result in the overestimation of the effectiveness of collective action; exaggerated emphasis on the third approach deprives social actors of their effectiveness. Hence this study proposes situating Hamas in the intersection of these three approaches.
- حماس
- الحركات الاجتماعية
- الانتفاضة
- الإخوان المسلمون
- Hamas
- Social Movements
- the Intifada
- the Muslim Brotherhood
تلكؤ المانحين بين الذاتي والموضوعي
Donor Delay over Subjective and Objective Concerns
مقدّمة
تتمثل إعادة الإع راا بعد الحرب في مجموعة من العمليات والسياسات التي يتم وضعها بهدف تلبية الحاجة الملحّة بعد الحرب لإعادة تأهيل المجتمعات وبيئتها المتضرّرة، سواء أكان ذلك على المدى القصير أو الطويل الأمد1. وهي تهدف إلى إعادة بناء المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وإعادة بناء البنية التحتية المادية والمرافق، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الاجتمعية، والإصلاح الهيكلي في القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتمعية والأمنية2. ولكي تنجح عمليات إعادة الإعمر، ينبغي تعبئة كافة الموارد المتاحة على أساسٍ مدروس ومخطط، خاصة وأن تلك العمليات تتطلب أموالً طائلة، لا تتوافر في غالب الأحيان، لدى الدول الخارجة من الصراع، ولا يتسنى الاعتمد على إمكانياتها في تغطيتها، ومن ثم، تكون مضطرّة إلى الاعتمد على دعم المانحين من دولٍ أو وكالات دولية ثنائية أو متعددة الأطراف3. وتعود أسباب تضخم الاحتياجات والأموال المطلوبة لتغطيتها إلى تزامن كلٍّ من الإعمر المادي والتعافي الاقتصادي والإصلاحات السياسية والمصالحة المجتمعية. يتوازى ذلك مع ارتفاع سقف التوقعات عند عامة الشعب، في حال توقف إطلاق النار وعودة الأمور إلى طبيعتها، حتى ولو بشكل محدود جدًّا4. إلا أنّ ذاك السقف يصطدم بحقيقة أنّ كفاءة عملية إعادة الإع راا تبقى مشروطة في الغالب بانتهاء الحروب واستتباب الاستقرار السياسي والأمني، لا مجرد وقف العنف وإطلاق النار5. ويعني ذلك أنه في ظل استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" كم هو الحال في قطاع غزّة، والذي يقف فيه الحصار الإسرائيلي المشدّد القائم منذ 2007 في وجه عمليات إعادة الإعمر، تخرج عملية إعادة الإعمر من هذه المعادلة. وبالفعل، فرغم مرور سنوات على انتهاء الحرب الأخيرة على القطاع، فإن إعادة الإعمر لا تزال بطيئة دون تحقيق نتائج ملموسة تعكس الوقت الذي مرّ ولا ترقى إلى مستوى الاحتياجات في القطاع. وبالطبع، فثمة أسباب متعددة لذلك البطء، بيد أننا في هذه الدراسة سنحاول تسليط الضوء على أحد أهم تلك الأسباب، ألا وهو تواطؤ المانحين وتلكؤهم بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، نظرًا إلى رفضهم التعامل مع الوضع السائد في غزة بشكل مختلف، والذي لا يتمشى مع أنظمة المنح المتعارف عليها، ولعدم قدرتهم على التنسيق المشترك للوقوف في وجه الاعتداء والحصار الإسرائيلي للقطاع، بالرغم من عدم إنسانية السياسات الإسرائيلية. تقدم الدراسة تحليلً لدور المانحين في عملية إعادة إعمر قطاع غزّة، والتي يختلف سياقها عن كل سياقات إعادة الإعمر التقليدية، فقد شهد هذا القطاع ثلاث حروبٍ تدمرت على إثرها آلاف الوحدات السكنية والبنى التحتية والمباني الحكومية وغيرها، إضافة إلى حالة الحصار التي يفرضها الطرف الإسرائيلي على القطاع منذ سنوات، وما نتج منه من قيود تعوق وصول المواد اللازمة وتقف عائقًا أمام مختلف المانحين عند تنفيذ مشاريعهم في إعادة الإعمر، ما يمثل عقبة أمام الوفاء بتعهداتهم. علاوة عن كون الوضع السياسي الداخلي والانقسام والاستقطاب بين حركتي فتح وحمس يعيق تلك العمليات بدوره أيضًا. تعتمد الدراسة على مراجعة أدبية مكثفة، وعلى إعادة قراءةٍ وتحليلٍ لبعض النتائج التي كان قد توصل لها الباحث من خلال عدّة دراسات سابقة تم نشرها في السنوات الماضية باللغة الإنكليزية6، وتحديثها من خلال إجراء مجموعة من المقابلات مع عدد من الخبراء في الشأن الفلسطيني والمعونات الدولية.
أولا: تمويل إعادة الإعمار: المانحون والدوافع وأشكال المساعدات وطرقها
إن الطريقة التي تنتهي بها العمليات العسكرية تترك بصمتها بوضوح على الكيفية التي سوف تدار بها إعادة الإعمر. قد تنتهي الحرب بانتصار حاسم لأحد الأطراف، أو اعتراف طرف ما بخسارته للمعركة كم حدث في الحرب العالمية الثانية، بينم قد تنتهي حرب أخرى بالوصول إلى تسوية سياسية تشمل اتفاقًا بين الطرفين على ترتيبات
ما بعد الحرب، كم حدث في البوسنة7. أما الخيار الآخر، فيتمثل في هدنة تنهي الحرب بلا طرف منتصر ولا طرف مهزوم، مثلم حدث في الحروب الإسرائيلية المستمرة على غزة وجنوب لبنان8. تاريخيًا، كانت الدول تتكلف بإعادة إعمر ما تهدَّم من منشآتها، ثم مع بداية القرن العشرين وبزوغ ملامح النظام الدولي الجديد، فُرضت التعويضات على الدول المهزومة للمشاركة في إعادة الإعمر، فلم يكتفِ المجتمع الدولي الناشئ بحثّ الدول الغنية على مدّ يد العون للدول الفقيرة الخارجة من الحروب، بل عمل أيضًا على إجبار الدول المعتدية أو المهزومة على تعويض جميع الخسائر والأضرار التي ألحقتها بالدول الأخرى نتيجة الحروب التي خاضتها ضدها. وقد عرف تاريخ العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى عددًا من الاتفاقيات الدولية الممثلة، كالتعويضات التي دفعتها ألمانيا عقب هزيمتها عام 1918 بموجب اتفاق فرساي 19199، حيث ناقش الحلفاء التعويضات التي ستفرض على ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية في يالطا10 وبتوسدام11، والتي تبعها اتفاق باريس للتعويضات عام 1947، وقد تم الاتفاق في المؤتمرات الثلاثة السابقة على تحديد مضمون الأضرار التي ينبغي الالتزام بتعويضها، وكيفية سداد قيمة التعويضات، وتوزيع الحصص بين الدول المتضررة، كم اتفق على إنشاء وكالة تعويضات دول الحلفاء، وهذا من أجل تنظيم المطالبة بالتعويض. تكرر ذات الأمر حديثًا في الشرق الأوسط، إذ ألزم مجلسُ الأمن العراقَ على دفع تعويضات للكويت بموجب القرار رقم 692 في عام 199112. وليست التعويضات الوسيلة الوحيدة التي تعتمد عليها الدول في إعادة الإعمر، ففي أغلب الأحيان كانت هناك صعوبات في دفعها ولم تقبل الأطراف الملزمة باستمرار التعويضات بعد التعافي من نتائج الحرب، حيث حدث هذا مثلً في ألمانيا ما بين الحربين13. ولا يزال العراق يدفع أقساط التعويضات للكويت حتى يومنا هذا، عبر لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، والتي تم تفويضها بدفع ما يزيد على 52 مليار دولار14، تبقى منها 3.2 مليارات دولار مستحقة السداد15. في الحين الذي ترفض فيه إسرائيل دفع أي تعويضاتٍ للفلسطينيين، حتى فيم يخص ممتلكاتهم ومنازلهم16، كم ترفض دفع تعويضات للبنان عن تبعات حرب 2006، رغم القرارات الأممية المتكررة بهذا الخصوص17. في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت خطة مارشال (برنامج التعافي الأوروبي) لإعادة تعمير أوروبا، الذي مولته الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية المبادرة الأولى والرائدة في صياغة منظومة إعادة الإعمر، وقدرت تكلفة الخطة بأكثر من 13 مليار دولار في الفترة 1952-1948، أي ما يعادل 2 في المئة من الدخل الوطني الأميركي في ذلك الوقت، أغلبها على شكل هبات، وجزء منها كان على هيئة قروض طويلة الأمد للمساعدة في إعادة إعمر 17 دولة من دول أوروبا الغربية18. وإيمانًا من الولايات المتحدة بأهمية استقطاب الاستثمر من القطاع الخاص، قام برنامج مارشال، وأول مرة بعرض الضمنات النقدية المستخدمة لتشجيع رجال الأعمل الأميركيين على الاستثمر في تحديث أوروبا، والتزم البرنامج بأن عائدات الاستثمر سيمكن الحصول عليها بالدولار. كان دور الخطة فعالً، حتى اقترن اسمها بكل مبادرات التمويل للتعامل مع الأزمات حتى يومنا هذا، وأصبح مطلبًا دوليًا ملحًّا بعد الأزمات الدولية التي تلت الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1949 أطلق الرئيس الأم كيرر هاري ترومان في خطاب تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة برنامجًا للمساعدات الدولية، يحثّ
فيه الدول الغنية على التعاون مع الولايات المتحدة من أجل دعم الدول الفقيرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ومساعدتها. وتزامن ذلك مع تأسيس صندوق النقد الدولي وتحويل تفويض البنك الدولي والذي كان قد أنشئ عامُ 1944 تحت اسم البنك الدولي للإنشاء والتعميرInternational Bank for Reconstruction and IRBD Development, إلى القضاء على الفقر في جميع أنحاء العالم. ويمكن القول إنّ تلك السنوات تمثل نقطة بداية منح إعادة الإعمر والتنمية بعد الحرب في العصر الحديث19. منذ ذلك الوقت بدأ العالم يوظف ما يسمى ببرامج المساعدات التنموية الحديثة وما رافقها من استحداث فكرة الدول المانحة والدول المتلقية للمِنح، أي المستفيدة منها20. تزامن هذا مع إنهاء الاستعمر وحصول دول عدة على استقلالها ومن ثم مشروعيتها الدولية من خلال الانضمم إلى منظمة الأمم المتحدة. وتلا ذلك حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، والتي سادت فيها قضايا الحرب الباردة ومنافساتها بين المعسكرين الشرقي والغربي. منذ تلك الحقبة، انتشرت فكرة قيام المانحين بتمويل عمليات إعادة إعمر البلدان التي دمرتها الحروب وتقديم المساعدات للحكومات المتضررة، من منطلق إنساني واستراتيجي سياسي انعكست أهميته على كمّ التمويل وتفاوته. واختلفت دوافع المانحين في العطاء بحسب طبيعة الدولة المانحة وسياستها21. ويمكن تفسيرها بالاستناد إلى نظريات العلاقات الدولية التي تفسر السياسات الخارجية للدول وتوجهاتها، مثل نظرية الواقعية السياسية والنظرية البنائية. كم تورد دراسة لمعهد التنمية الدولية أن المانحين يمكن أن يُظهروا دافعية "كرجل أعمل"، أو أن يمثلوا القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية "كرجل دين"22. ينطلق هانز مورغنثاو23 وكينيث وولتز24، من منظور الواقعية السياسية، حيث يوضحان أن الدول عادة ما تتصرف بعقلانية ردًا على التحديات والفرص الناشئة ضمن النظام البنيوي25، وعليه تقوم بتحديد خياراتها السياسية أو الإجراءات التي ستتخذها لتحقيق أقصى قدر من الأهداف والغايات الاستراتيجية. ومن هنا يمكن استنتاج أن سياسات المنح والمساعدات الخارجية تقع ضمن السياسة الخارجية للدول المانحة. وتؤكد دراسة معهد التنمية الدولي ODI Institute, Development Overseas، مقتبسةً القولَ بأنه "ليس هناك شك في أنّ المساعدات الخارجية تمكّن من السعي والترويج وتحقيق مصالح الأمة المانحة والدفاع عنها"26؛ أي إنّه ما من دولة ستقدم المساعدة إذا لم تحقق مصلحة ما، أو على الأقل تكون الدولة المستفيدة من المنح تقع ضمن اهتممات الدولة المانحة وأولوياتها. ويفسّ آخرون دافع الجهات المانحة لتقديم المساعدات من خلال النظرية البنائية، فمثلً يرى علاية27 أنّ المعايير والقيم الإنسانية في مجتمعات البلدان المانحة هي التي شكّلت وتشكل البنى الأساسية للسياسات الخارجية في دعم الدول الفقيرة ومساعدتها، حيث يمكن أن تقدم الجهات المانحة مساعداتها استنادًا إلى البعد الأخلاقي والإنساني، والمبني على الأفكار والأعراف السائدة في مجتمع ما، ويبرز هذا التوجّه على سبيل المثال مع صعود مجموعة من الدول الغنية التي ليست لديها أطمع في مقدرات الدول المستفيدة، بما في ذلك الدول الإسكندنافية في حقبة الحرب الباردة. لكن، وعلى الرغم من أخلاقية هذا التدخل ومثاليته، تم توجيه نقدٍ لتلك الدول المانحة فحواه أنها شاركت على نحو بعيد في تقويض سيادة الدول المستفيدة في زمن الحرب الباردة بالتركيز على دعم المجتمع المدني والابتعاد عن العمل مع الحكومات إلى درجة تقويض قدراتها المؤسساتية بشكل مباشر أو غير مباشر، الأمر الذي اعتبر لاحقًا عاملً رئيسًا في توفير بيئة خصبة نشأت فيها التنظيمت الإرهابية28. وتشير دراسة معهد التنمية الدولي إلى وجهة نظرية ترى وجود اعتقاد عالمي بأنّ السلام والازدهار على المدى الطويل لن يتحققا إلا وفق نظام دولي وترتيبات تنموية عادلة29. وتنبع هذه الوجهة من
الاعتراف المتزايد بالمشاكل الكونية المشتركة، مثل الاحتباس الحراري والتغيير المناخي والجوائح الصحية ومشاكل الهجرة. وهذا يقودنا للقول بأنّ دوافع المنح قد لا تكون تبعًا لمدرسة أو نظرية واحدة دون الأخرى، إذ يمكن أن يجمع المانحون بين أكثر من مدرسة في نفس الوقت، كم يمكن أن يتنقلوا من مثالية الداعية الديني إلى براغمتية السياسي من دون حرج30. شكلت الهجمت على برجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 أيلول/ سبتمبر 2001 حدثًا فارقًا في تاريخ المعونة الدولية، حيث أثرت في كثير من برامج المعونة في إطار الحرب ضد الإرهاب، وذلك لإدراك الدول المانحة ضرورة التعاون مع الدول الفقيرة لضمن الأمن العالمي، ولاقتناع المانحين (من دول ومنظمت) بوجود رابط بين انتشار الفقر وتفشّ ظاهرة الإرهاب. وانطلاقًا من ذلك، تمّ توجيه معظم برامج المعونة لمواجهة تحديات التنمية وفشل الدولة، حيث أصبح من المتفق عليه أن هذا الأخير يوفر بيئةً حاضنة للتنظيمت الإرهابية31. وتقوم الجهات المانحة بتقديم المساعدات للدول بأشكال مختلفة، فهي تعتمد أحيانًا المساعدات النقدية التي تشمل المنح والقروض الميسرة، أو تعتمد المساعدات غير النقدية التي تشمل تخفيف عبء الديون، والمنح الدراسية وبرامج التدريب والتأهيل وإعفاءات الرسوم الجمركية، إضافة إلى الهبات المباشرة التي تساهم في عملية إعادة الإعمر كمواد البناء والمعدات والسلع الأخرى32. كم أن ثمة طرائق عدة لتقديم المساعدات؛ فأحيانًا تتعامل الجهات المانحة بشكل مباشر مع الدول المتلقية من خلال وكالات المعونة الخاصة بها، ويُطلق على هذه الطريقة "المساعدات الثنائية"33. وفي أحيان أخرى تقوم الجهات المانحة بتقديم المساعدات من خلال دعم برامج ومشاريع محددة، وتسمى هذه الطريقة "المساعدة متعددة الأطراف"، وتديرها وكالات خاصة مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي34. وظهرت، أيضًا، أنماط جديدة لتقديم المساعدات؛ مثل المؤسسات وصناديق الائتمن العالمية التي أصبحت لاعبًا أساسيًا في هذا المضمر.
ثانيًا: شروط المانحين للشروع في تمويل إعادة الإعمار بعد الحرب
يعتمد المانحون آليات عدة للتمويل، تستند إلى دراسة كل حالة من حالات ما بعد الحرب على حدة، واختيار الطريقة الأنسب للتمويل، وكيفية إدارة المعونة في إطار استراتيجيات إعادة الإعمر35. وعادة ما تكون المعونة المقدمة من الجهات المانحة، الأعضاء في لجنة المساعدات الإنمائية، مشروطةً، وعليه، فإن الاحتياجات الإنسانية في البلدان المتلقية لا تشكّل إلا عاملً واحدًا من العوامل التي تحدد كيفية تخصيص مساعدات هذه اللجنة. ويشير مفهوم المشروطية إلى "الوعد بمعونة أو بزيادة المعونة في حالة امتثال المتلقي للشروط التي وضعها المانح، وسحبها أو تخفيضها في حالة عدم الامتثال"36. وبناء على هذا التعريف، يشير جورج فيركس37 إلى أنّه يمكن توظيف المعونة أداةً لإقناع الأطراف المتنازعة بالجلوس على طاولة المفاوضات للوصول لتسوية سياسية أو تنفيذ اتفاق السلام أو لتوطيد السلام. وغالبًا ما يكون هذا هو منطق الدول المانحة التي تقوم بدور في رعاية عملية إنهاء الصراع. فشروط المعونة، إذًا، هي شكل من أشكال الضغط تمارسه الدول المانحة لتحقّق أهدافها، وتتغير تلك الشروط من زمن إلى آخر ومن سياق إلى آخر. في السابق، كانت المعونة مشروطة بقبول الدخول في سياسات السوق المفتوحة، والتي اعتقد المانحون يومًا ما أنه لا غنى عنها لتعزيز النمو الاقتصادي. لكن، بعد نهاية الحرب الباردة اتجهت المشروطية إلى فرض تعزيز الحكم الرشيد والديمقراطية وتعزيز أجندات حقوق الإنسان والمرأة، حيث يطلب المانحون من البلدان المستفيدة اتباع سياسات اقتصادية وإنشاء هياكل للحكم يعتقدون أنها ضرورية لمساعدة المتلقين في تحسين مستويات النمو والحد من مستويات الفقر38. وتُلزم بعض اتفاقيات المعونة، أيضًا، بشروط أخرى تتعلق بطرائق التنفيذ والشراكات والشفافية المالية، بشكلٍ قد يفسَّ على أنه تقييد للدول المتلقية في إنفاق المعونة المتاحة، ويرى البعض في
ذلك انتهاكًا للسيادة الوطنية لتلك الدول39. لكن، ما من خياراتٍ أمام الدول التي تعاني ويلات الحروب والصراعات سوى قبول تلك المعونة المشروطة، نظرًا إلى الحاجة الملحّة إلى إعادة الإعمر، ولتأزّم الوضع الإنساني في معظمها40. أما عن طرق التمويل، فهي أيضًا متعددة بدورها؛ إذ ثمة طريقة قائمة على المشاريع، تتمثل في تمويل النشاطات الفردية التي تدعم مجالات الصحة والتعليم والتنمية والإسكان وإمدادات المياه والصرف الصحي41، وتنفذها بشكل أساسي المنظمت غير الحكومية أو وكالات الأمم المتحدة تبعًا لشروط الجهات المانحة ومن دون تدخل الدول المتلقية42. ويتم اتباع هذه الطريقة لسد العجز وتحقيق مخرجات ملموسة على أرض الواقع؛ حيث إنها تتميز بالسرعة من خلال التنفيذ المباشر من المانحين والشركاء المنفذين. أما مساعدات البرامج فهي أوسع من حيث التغطية والأهداف، وقد أصبح هناك نوعان من المساعدات البرامجية؛ ففي النوع الأول يدعم المانح أو مجموعة من المانحين قطاعًا معينًا، كالصحة أو التعليم، أما في النوع الثاني فيتم دعم الميزانية. وقد تكون عمليات المنح في شكل مساعدات اقتصادية لتطوير الكوادر وتهيئة الظروف الملائمة للنمو الاقتصادي المستدام، أو في شكل مساعدات سياسية وأمنية وعسكرية لتحقيق الاستقرار السياسي في البلدان المتلقية، على نحوٍ يقلل احتملات نشوب صراعات جديدة ودعم السلام وتعزيز الديمقراطية، وخلق مناطق نفوذ43، إضافة إلى الأموال التي تقدمها تلك الجهات المانحة من أجل دعم جهود إعادة الإعمر في كثير من الدول.
ثالثًا: عقبات متكررة تواجه المانحين
نادرةٌ هي حالات إعادة الإعمر بعد الحرب التي تكلّلت بالنجاح، بل يمكن القول إنها معدودة على أصابع اليد الواحدة. ويمكن إرجاع أسباب تعطيل بعض عمليات إعادة الإعمر أو فشلها، على غرار تلك التي تمّت في العراق وأفغانستان، إلى أنّ مجموعة من العقبات والتحديات تواجه المانحين فيم يخصّ التكلفة المالية الضخمة لإعادة الإعمر والمرتبطة بحجم الدمار الحادث44. أضف إلى ذلك هشاشة البنى السياسية في أغلب الدول الخارجة من الحرب التي تُعتبر بدورها من أكبر العقبات في وجه المانحين؛ فعلى سبيل المثال، لا يزال النظام السياسي في العراق حتى يومنا هذا يعاني هشاشة بنيته، ويُعدّ ذلك من أهم العوامل المحفزة لغياب الاستقرار، بل يشكل خطرًا يهدد الحفاظ على أي مكتسبات قد حققتها عمليات إعادة الإعمر المكلفة45. كم أن انتشار العنف وتردي الأوضاع الأمنية يؤثران في جهود الإعمر من ناحية تثبيط المانحين عن تقديم المِنح والمساعدات، وهو ما يفسر ترددّ كثير من الجهات المانحة في تقديم ما تعهدت به في مؤتمرات المنح. ويساهم أيضًا، من ناحية أخرى، في تعطيل البدء في مشروعات إعادة الإعمر، خوفًا من الهجمت المستمرة وأعمل العنف، والتي ينجم عنها عمليات سلبٍ ونهبٍ تشمل مواقع الإعمر، فضلً عن إهدار الأموال الطائلة من خلال ما تتعرض له المؤسسات والمنشآت من أضرار ودمار بعد إعادة إعمرها46.
يُعدّ الاستقرار الأمني عاملً أساسيًا لتوفير المناخ الذي يساعد في البدء في عمليات الإعمر، وتوفير المناخ الاستثمري الجاذب للإعمر، ويؤمن كثيرون بأنّ في حال غاب الاستقرار الأمني، لا يمكن أن تتم خطوات
شكل يوضح أشكال دعم المانحين لإعادة الإعمر ما بعد الحرب ومداخله
ا ساعدات اائية لدارة والحكم الرشيد
التسوية السياسية/ إنشاء الحكومة ا ساعدات اائية لتقديم الخدمات والتمك اقتصادي
ا ساعدات انسانية
حقيقية في هذا المجال47. ومن بين العقبات الأخرى أيضًا انتشار الفساد وغياب الشفافية48. وعلى صعيد آخر، قد يواجه المانحون تحديًا يتعلق بإمكانية عدم التوافق بين توقيت المساعدات وتمويل إعادة الإعمر وبين القدرة الاستيعابية للدول الخارجة من النزاع، إذ تكون الجهات المانحة من دولٍ ووكالات دولية أكثر حمسة في المراحل الأولى من إعادة الإعمر، وينعكس ذلك في التدفق الكبير
ا شاركة الدولية الوصول إ التسوية السلمية
الدعم العسكري وقوات حفظ السم
للأموال والمساعدات، لكن قدرة الدولة المحدودة على الاستيعاب في الفترة التي تلي انتهاء النزاع مباشرة، تكون سببًا في التخلي التدريجي للجهات المانحة عن التزاماتها على المدى الطويل، وهو ما يمكن استقراؤه من تجارب إعادة الإعمر في كلٍ من أفغانستان والعراق ولبنان49. وبهدف تحقيق نتائج أشد فاعلية للمعونات الدولية، شاركت الدول المانحة الرئيسة الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي
والتنميةOrganisation for Economic Co-operation and OECD Development, في اجتمع في باريس في 2 آذار/ مارس 2005، واتفقت الدول المجتمعة على ما يسمى "إعلان باريس" بشأن فاعلية المعونات50، حيث اتفقت على تنسيق المساعدات الإنسانية والإنمائية في مختلف أنحاء العالم في إطار أجندات البلدان الشريكة والمتعلقة بالنمو وتخفيض أعداد الفقراء، بحيث تكون "مبادئ التنسيق والمواءمة والإدارة" متلائمة مع بيئات تتسم بالضعف في مجالي نظام الإدارة العامة والقدرات52. وقد شملت الوثيقة بنودًا كثيرة في طياتها، ولكن كان هناك مبدأ من بينها نرى أنّه قد يشكل عقبة أمام إعادة الإعمر، وهو التزام المانحين بأن تظهر الدول المانحة احترامها لقيادة البلدان المتلقية للمعونات ومساعدتها على تدعيم قدراتها لممرسة هذه القيادة. صحيحٌ أن هذا قد يبدو أمرًا حسنًا في كثير من السياقات، ولكن من المؤكد أنّه لن يكون مناسبًا لكل السياقات، كم سنرى في دراستنا لقطاع غزة.
رابعًا: المانحون وإعادة إعمار غزة
إنّ علاقة فلسطين بالمانحين الدوليين علاقة ممتدة منذ تبعات زمن النكبة وحتى يومنا هذا. فقد كانت فلسطين عقب أوسلو واحدةً من أكبر متلقّي المساعدة في العالم بحسب نصيب الفرد، حيث تلقت أكثر من 30 مليار دولار أميركي بين توقيع اتفاقيات أوسلو في 1993 و 2019. ومع ذلك، هناك شك حول دور المساعدات في تحقيق تقدمٍ ملموس لتحقيق أي تنمية حقيقية مستقلة. بل، وبحسب كثير من الدراسات، ارتبط الاقتصاد الفلسطيني دائمًا بالاعتمد على الاقتصاد الإسرائيلي وهبات المجتمع الدولي. كم يجادل البعض بأن الدعم الدولي يساعد على تقليل تكلفة الاحتلال. في الثاني من آذار/ مارس 2009 انعقد مؤتمر شرم الشيخ، وذلك مباشرةً بعد انتهاء الحرب. ومثّل المؤتمر المنصة الأولى لإظهار التعهدات بإعمر قطاع غزّة، وقد اشترط قيام السلطة الفلسطينية بتحمل مسؤوليات الإعمر دون إشراك حركة المقاومة الإسلامية حمس، رغم كونها الحاكم الفعلي على الأرض في غزة، ودون معالجة القضايا الأساسية مثل فتح المعابر ورفع الحصار وغيرها من آليات عبور المواد اللازمة للقطاع53. عُقِدَ بعد ذلك مؤتمر القاهرة لإعادة إعمر غزّة برعاية مصرية نرويجية في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2014 في أعقاب حرب تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 2014، وتقدّم فيه المانحون المتمثلون في أكثر من 50 دولة و 20 منظمة إقليمية ودولية، بتعهدات بتقديم أموالهم لإعمر القطاع54، ضمن ثلاثة شروط رئيسة؛ تتلخص في أن تتولى حكومة وفاقٍ وطني شؤون إدارة القطاع، وألا يتم إنفاق أموال التبرعات في أماكن غير مخصصة لها، وأن يتم فتح معابر غزّة لتسهيل إجراءات الإع راا55. تعهّدت قطر في هذا المؤتمر بمنح مليار دولار للقطاع، وتعهّد الاتحاد الأوروبي بتقديم 450 مليون دولار خلال سنة 2015، كم تعهّدت الولايات المتحدة بتقديم 212 مليون دولار مساعدات إضافية، وتعهّدت الكويت بتقديم 200 مليون دولار على مدى 3 سنوات، وقدّمت الإمارات العربية المتحدة مساعدة بقيمة 200 مليون دولار، في حين أعلنت السعودية عن إعادة تقديمها مساعدات بقيمة 500 مليون دولار، كانت قد تعهدت بها في وقت سابق56. تبع مؤتمر القاهرة آلية أقرتها الأمم المتحدة بالاتفاق مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية عام 2014 عرفت باسم آلية إعادة إعمر غزة أو آلية "سيري" نسبة إلى Gaza Reconstruction Mechanism روبرت سيري رئيس مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط آنذاك، والتي حاولت الأمم المتحدة من خلالها تقديم المساعدات اللازمة للقطاع بطريقة تعطي الأولوية لضمن حاجات الأمن الإسرائيلي، من خلال انتشار مفتشي الأمم المتحدة ومراقبتهم عمليات الإعمر واستخدام المواد المخصصة لذلك57، على أن تضمن الأمم المتحدة عدم استخدام كافة المواد والآليات في حفر الأنفاق وبناء الملاجئ تحت الأرض. ساهمت تلك الآلية بطبيعة الحال في تعزيز القبضة الإسرائيلية على القطاع، ومن ثم تقويض ثقة الفلسطينيين بالأمم المتحدة. قام البنك الدولي بإجراء عملية لتقييم التقدم في صرف التمويل الذي تم التعهد به في مؤتمر القاهرة لإعادة إعمر قطاع غزة. وقد كان من
المقرر استيفاء تقديم الدعم المالي خلال ثلاث سنوات (2017-2014) لتمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من تحمل المسؤولية في عملية إنعاش قطاع غزة وإعادة إعمره58. وبحسب إحصائيات البنك لعام 2018، فقد تم صرف نحو 1.884 مليار دولار أميركي فقط من المنح المقدمة إلى غزة، أي ما نسبته 54 في المئة من الدعم الذي تم الإعلان عنه في مؤتمر القاهرة59. والجدير بالذكر أن من بين 53 جهة مانحة في مؤتمر القاهرة، قامت 32 جهة فقط بالإيفاء بتعهداتها الكاملة. كم بلغ إجملي المدفوعات التي تم صرفها من قبل المانحين السبعة الأوائل 1.28 مليار دولار أميركي بنسبة 44 في المئة فقط من إجملي التعهدات الأصلية. وعلى الرغم من تأخّر عملية إعادة الإعمر، فإن بناء المنازل في القطاع بدا الأكثر جذبًا لتمويل المانحين، إضافة إلى بناء المساجد والكنائس والمراكز الثقافية والمواقع التراثية وترميمها، وتأهيل الطرق والجسور، وإعمر المنشآت الصناعية والتجارية والخدمية والتجارية، وإصلاح شبكات الكهرباء والآبار ومياه الصرف الصحي60. تؤكّد الأرقام المذكورة تلكؤ المانحين عن تقديم المعونة، ويتوقّع تقريرٌ أعدته منظمة أوكسفام أنّ عملية إعادة إعمر غزة، لو استمرت بنفس الوتيرة، سوف تستغرق مئة عام61. جدول يوضح الأموال التي تعهدت بها مجموعة من الدول والأموال المصروفة
| الصرف | التعهد | المانح |
|---|---|---|
| 216.06 | 1000.00 | قطر |
| 116.12 | 500.00 | المملكة العربية السعودية |
| 312.28 | 348.28 | الاتحاد الأوروبي |
| 277.00 | 277.00 | الولايات المتحدة الأميركية |
| 82.7 | 200.00 | الكويت |
| 139.48 | 200.00 | تركيا |
| 63.92 | 200.00 | الإمارات العربية المتحدة |
خامسًا: عملية إعمار بالغة التباطؤ
يرى الباحث أنّ هذا التلكؤ من جانب المانحين وقلة حمسهم للمشاركة الفاعلة والسريعة كان عاملً رئيسًا في إبطاء إعادة إعمر غزة، وأنّ له أسبابًا متعددة، أشار إلى عددٍ منها في بعض ما أنجز من الدراسات المنشورة، والتي حلّل فيها جوانب مختلفة حول عملية إعادة الإعمر هذه، أبرزها ما كتبه مؤخرًا، بالاشتراك مع الباحثيَن غسان الكحلوت وسانسوم ملتون، ونشُر في مجلة دراسات الكوارث الدولية Disasters بعنوان "إعادة الإعمر تحت الحصار: قطاع غزة منذ عام "200762. وتتلخص تلك الأسباب في خشية المانحين من الغضب الإسرائيلي وتقديم أمن إسرائيل على أي اعتبارات أخرى، وعدم قبول المانحين التعامل المباشر مع الموظفين المدنيين من حركة حمس، إضافةً إلى عدم استشارة الشارع الفلسطيني في غزة ومعرفة أولوياته. هذا فضلً عن خشية المانحين من تجدد الحرب، وانصرافهم عن الاهتمم بغزة لاستمرار الانقسام الفلسطيني وظهور أزمات كبرى في المنطقة العربية نتيجة للحروب الدائرة في سورية واليمن وليبيا والعراق والسودان. كم يضيف مراقبٌ آخر سببًا متعلقًا بافتقاد القطاع جزءًا كبيرًا من الدعم من المانحين العرب كتبعات للأزمة الخليجية والتغيرات الحادثة في المملكة العربية السعودية. هذا عدا عن صعود اليمين وفوز دونالد ترامب ومحاولاته، بل إجراءاته، لتصفية القضية الفلسطينية ومنها صفقة القرن، وإيقاف دعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الأونروا. وفيم يلي يفصل الباحث هذه النقاط، لينتهي إلى تقديم اقتراح بما يمكن فعله بغية تدارك هذا الوضع شديد التردي.
1. طريقة انتهاء الاقتتال والعنف: حالة "اللاحرب واللاسلم"
أسوةً بغيرها كم أسلفنا، يحكم عمليات إعادة الإعمر في غزّة محددات تتعلق أساسًا بالطريقة التي تنتهي بها الحرب. لقد انتهت الحروب التي شهدتها غزة في 200963 و 201264و 201465 بعقد اتفاقيات هدنة تتوقف على إثرها العمليات العسكرية، وتضمن لإسرائيل أمنها، وتحمّل طرفًا ثالثًا - وهو الدول المانحة - مهمة إعادة الإعمر.
في الحقيقة، ولطبيعة طريقة انتهاء الحرب، لم تهتم أي من تلك "التسويات" برفع الحصار عن غزة أو السعي بجد للوصول لحل للمشكلات المزمنة التي يعانيها القطاع، بل كان التركيز دائمًا على كفة الجانب الإسرائيلي. ومم عزز هدف الحصار ما يلخّصه خيرَ تلخيص بيان لدوف فايسغلاس، كبير المستشارين لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، في عام 2006، جاء فيه "أنّ الحصار بمنزلة لقاء مع اختصاصي تغذية. علينا أن نجعل الفلسطينيين يفقدون الوزن، ولكن يجب ألّ يموتوا جوعًا"66.
إنّ عدم السعي للتوصل إلى تسوية، يجعل إعادة الإعمر مسألة غير مجدية، فتكرار العمليات العسكرية يلغي تلقائيًا استدامة مشاريع الإع راا وبرامجه. في مؤتمر في القاهرة 2014 وجّه جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، نداء للإسرائيليين والفلسطينيين لاستئناف مفاوضات السلام لتأكيد الدول المانحة على أن المشاريع الممولة لن يتم تدميرها في حرب أخرى. وقال: "يجب أن نخرج من هذا المؤتمر ليس بالمال فحسب، بل بالتزام متجدد من الجميع للعمل من أجل السلام الذي يلبي تطلعات الجميع - للإسرائيليين، وللفلسطينيين ولجميع شعوب هذه المنطقة"67، ولكن لم تتوافر رغبة سياسية حقيقية لعمل ذلك رغم دعوة بعض المانحين للتركيز على جذور المشكلة. فقد استنكر وزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية ما أسمه "الصمت الدولي" الذي أحاط بتدمير غزة، وذلك خلال الإعلان عن التعهد الخاص ببلاده. وقال "بينم يحتاج الشعب الفلسطيني إلى دعم مالي، فإنه يحتاج إلى المزيد من الدعم السياسي من المجتمع الدولي... السلام العادل هو الضمن الحقيقي الوحيد لعدم تدمير ما نحن بصدد إعادة بنائه"68. ويعلق أحد الخبراء على هذه النقطة بالقول بأن الطريقة التي تدار بها العملية للبدء في الإعمر من دون اتفاق سلام تجعل منجزات إعادة الإعمر أهدافًا لأي تصعيد محتمل. وهذا يعني العودة إلى المربع صفر، ما يزيد خشية المانحين الدوليين أن يكون انهيار مشاريعهم وبرامجهم مسألة وقت فقط، خاصةً أن الجهات المانحة والمنفذة لا تحصل على أي تعويضات، على الأقل، مقابل استهداف نشاطاتها69، وهو عامل إضافي في إضعاف التمويل وتوجيه الاستثمرات نحو الاحتياجات الأساسية، وهذا بالفعل ما تمثل برد فعل المملكة المتحدة على لسان وزير التنمية الدولية البريطاني ديزموند سوين حين قال في بيان أصدرته الحكومة البريطانية "إن الأموال ستغطي التخلص من الذخائر القابلة للانفجار وإزالة الأنقاض وإعادة الإعمر"70.
2. الانقسام الفلسطيني وتضارب الأجندات والمصالح
على صعيدٍ آخر، فالمشهد الفلسطيني يغلب عليه الوهن، وتضاربُ الأجندات الناتج من الانقسام، فلا موقف موحد ولا رؤية واحدة. وتبعًا لذلك، ينظر كل طرف إلى إعادة الإعمر وفقًا لأهدافه ومصالحه المتناقضة مع الأطراف الأخرى؛ فالمحتل يسعى دائمًا إلى تعطيل تحقيق أي نتائج للإعمر يمكن أن تتنابذ مع سياسات الحصار لديه، فمن المؤكد أن إسرائيل غير معنية بتحقيق تنمية حقيقية أو بناء القدرات الفلسطينية. إن ما يعنيها فقط هو ألا تصل الأمور في غزة إلى حد الانفجار كم جاء على لسان فايسغلاس71، بينم تسعى حمس من جانبها إلى الإبقاء على دورها المحوري في قيادة قطاع غزّة، واستمرار دورها في السيطرة على القطاع دون ترك مساحات قد تستغلها الأطراف الأخرى لفرض نفوذها فيه. أما السلطة الفلسطينية في رام الله فهي تحاول بشتى الوسائل القيام بدور في القطاع واستغلال الاعتراف الدولي بها كممثل وحيد للفلسطينيين في سبيل ذلك. ووفقًا لتلك التناقضات، تسير جهود إعادة الإعمر دون الوصول إلى توافقات أو رؤى مشتركة بين الأطراف الفاعلة، ومن ثم غياب قاعدة أساسية مقبولة لدى الجميع يقوم عليها الإعمر، وعدم وجود تصور أو غاية لمآلاته. ولذا، تبقى العملية برمتها تسير تبعًا لرغبات المانحين وأجنداتهم؛ فبقصد أو بغير قصد، يغيب ذوو الصلة عن أي جهد تنسيقي. ويضرب الباحث مثالً على ذلك بما حدث في مؤتمر القاهرة في عام 2014، حيث غاب المحتل صاحب قدرة المنع والسمح، رغم كونه الطرف صاحب التأثير الأكبر في إنجاح عملية إعمر القطاع أو إفشالها، كم لم تتم دعوة حمس إلى المؤتمر، دون الأخذ في الاعتبار أنها تمثل الحكومة الفعلية في القطاع. أما فيم أطلق عليه "آلية سيري" فقد كان الاتفاق مقتصرًا على إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأمم المتحدة، حيث لم يتم أيضًا إشراك حمس، السلطة الفعلية على الأرض، في النقاشات المؤدّية لإعلان الآلية72.
شجّع الانقسام الفلسطيني الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على تبني استراتيجية، عُرفت باسم "الضفة الغربية أولً"73، وهدفت إلى الاهتمم بتنمية الضفة الغربية وتطويرها على حساب قطاع غزّة. فقد أعلن بورجي بريندي، وزير الخارجية النرويجي الذي قام بدور مهم في تنظيم مؤتمر القاهرة عام 2014، أن نصف المبلغ الإجملي الذي تعهد به المانحون، والبالغ 5.4 مليارات دولار، سيستخدم لإعادة بناء غزة، في حين أن النصف المتبقي مخصص لدعم ميزانية السلطة الفلسطينية حتى عام 201774. كان الانقسام بين حمس وفتح، إذًا، حاجزًا للتفاعل مع الجهات الدولية الفاعلة، ووجّه المانحون الرئيسون في تعهدات إعادة إعمر غزّة، كثيرًا من تمويلهم لغزّة إلى تعزيز السلطة الفلسطينية، باعتبارها الهيئة المسؤولة رسميًا عن إعادة الإعمر، في مقابل حمس التي تعتبر منظمة إرهابية محظورة75. وقد عزز هذه السياسة موقف الولايات المتحدة والمتمثل بمقولة وزير خارجيتها، جون كيري: "يجب تمكين السلطة الفلسطينية والرئيس عباس في كل ما نقوم به من أجل تحديد مستقبل غزة"76.
وحيث إن السلطة الفلسطينية في رام الله هي الجهة الوحيدة المعترف بها دوليًا، فإن جميع المساعدات والمعونات وفقًا للاستراتيجية ستمر عبر السلطة، بما فيها تلك الموجهة إلى غزّة. وبعد نجاح حمس في السيطرة على القطاع، أصبحت أموال المانحين إحدى استراتيجيات الضغط والنزاع بين السلطة الفلسطينية وحمس. وعمّق هذا، بطبيعة الحال، الانقسام بين فتح وحمس. علاوةً على أنّ أول ما فعلته السلطة بعد الانقسام، كان طلبها من موظفيها المدنيين البالغ عددهم 75000، والذين يمثلون 40 في المئة من القوى العاملة النشطة في غزّة، التوقف عن العمل لحساب إدارة حمس، الأمر الذي أثّر بشكل كبير في قدرة قطاع غزّة على الحكم، إذ اضطرت حمس في عام 2007 إلى استبدال موظفي الخدمة المدنية في السلطة الفلسطينية بموظفين جدد عديمي الخبرة، واضطر عديد من الموظفين المتمرسين الذين كانوا قادرين على إدارة عملية إعادة الإعمر إلى الجلوس في منازلهم، حيث تم دفع رواتبهم، دون الاستفادة من توظيف مهاراتهم وخبراتهم في عملية إعادة الإعمر أو غيرها77. وفي إطار ذلك تمثلت إحدى واجبات السلطة في إدارة الموارد البشرية لتوجيه إعادة الإعمر من خلال وزارة المالية، بهدف ضمن الشفافية مع بناء قدراتها، لكن ذلك أدى بدوره إلى المساهمة بصورة كبيرة في إبطاء عملية إعادة الإعمر، نتيجة للانفصال المعنوي والجغرافي بين الإدارة التي مقرها رام الله وقطاع غزّة، بسبب القيود المفروضة على حرية التنقل78.
3. متطلبات الأمن الإسرائيلية: تدرك إرضاء إسرائيل غاية لا
لا تتوقف قضية تباطؤ التمويل والإعمر عند مراعاة الجهات المانحة الاتفاقيات وموقف المجتمع الدولي، إذ يضاف إلى ذلك خشية الدول المانحة من الغضب الإسرائيلي، مم يزيد الأمور تعقيدًا، حيث تخضع الجهات المانحة إلى شروط إسرائيل وطلباتها دون حدود، فإسرائيل وحدها من تمتلك قرار الموافقة أو المنع79، والمجتمع الدولي لا يضغط عليها ليجبرها على إعطاء حريات أكبر للأطراف العاملة الدولية في قطاع غزة، والتي تعاني أصلً صعوبات متعددة من أهمها وصول المواد والمعدات اللازمة لتنفيذ مشاريعها، وصعوبة وصول العاملين والكوادر الفنية المؤهلة لإدارة إعادة الإعمر80. وبالرغم من أن هناك إجمعًا بين المانحين على أن الحصار الإسرائيلي هو العائق الأكبر في سبيل إعادة الإعمر والتنمية، لكنهم لم يجرؤوا ولو مرة واحدة على إجبار المحتل على القيام بواجباته بوصفه محتلً وفق
قواعد القانون الدولي الواضحة. وطوال الأعوام الستين الماضية، فشل المانحون في إقناع إسرائيل بالكف عن سياساتها التدميرية أو تعويض الفلسطينيين عن الدمار اللاحق بهم. بل المتوقع بعد الانتهاء من كل عملية عسكرية أن يهرع المانحون لإعادة البناء دون أن يحصلوا على ضمنات من دولة الاحتلال بعدم تعمّد التدمير مرة أخرى. قد يفسر ذلك بعجز المانحين وإحساسهم بالذنب تجاه الغزّيين، واعترافهم بأن الحصار هو سبب معاناتهم، لكن في كل الأحوال فتلك الممرسة توضح تمامًا أن خيارات المانحين في غزة تبقى محددة، حيث يتعاملون بشكل طبيعي مع الاحتلال ولا يواجهون أي تهديدات باتخاذ إجراءات من شأنها إجبار إسرائيل أو ممرسة أي من أنواع الضغط عليها. ويؤكّد شير هيفير على هذه النقطة بالقول بأن المانحين يتعاملون مع أي هيكلٍ يتفتق عنه ذهن الإسرائيليين81. ومن الأمثلة على ذلك آلية الأمم المتحدة "سيري" لإعادة إعمر غزة التي فرضت الحصار بشكل فعال نيابة عن حكومة إسرائيل، بدلً من تواصل الضغط من أجل رفع الحصار82. وقد توصلت دراسة سابقة للباحث إلى أنّ آلية سيري أضرت الفلسطينيين في غزة من خلال متاهة البيروقراطية التي تفرضها، وترسيخها الحصار، وتقنينها للعقوبات، وافتقارها إلى الملكية المحلية، وضمنها الاستفادة الإسرائيلية من المساعدات الدولية83. وفي هذا السياق، يضيف مسؤول فلسطيني بقوله إن البرامج المدعومة من المانحين تعطي لإسرائيل "طبقة حمية" من اللوم الدولي من خلال التخفيف من عواقب احتلالها الوحشي. والأنكى من ذلك، أن البرامج الممولة من جانب المانحين لا تعمل بشكل جدي على إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية ودعمه، فإسرائيل نفسها راضية عن هذا النهج في استمرار الدعم المحدود للبرامج الإنسانية. ويشير محلل إسرائيلي إلى أن عدم إمكانية الوصول إلى اتفاقية سلام عادلة يدفع المانحين إلى الاستثمر في تدابير من شأنها تقليص فرص النزاع، ويقول في ذلك "إن المانحين مندفعون لبذل مزيد من الجهود من أجل تأخير الجولة التالية من النزاع"84. بعبارة أخرى، قد تؤدي الهبات التي تحسن نوعية الحياة في غزة إلى تغيير حسابات حمس الاستراتيجية من السعي إلى اكتساب شرعية عن طريق النزاع إلى السعي إلى اكتساب شرعية عن طريق الازدهار الاقتصادي85. كم ذكرت آنفًا، يساهم المانحون في دعم الاقتصاد الإسرائيلي في كل جولة من جولات إعادة الإعمر. وفي الواقع، الاقتصاد الإسرائيلي هو المستفيد الرئيس من عقود إعادة الإعمر، على سبيل المثال، اشترطت الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في نيسان/ أبريل 1994 وأيلول/ سبتمبر 1995، أن تشترى المواد من الشركات الإسرائيلية86. ويذكر شير هيفير87 أن القيود المفروضة على الشركات الفلسطينية، تجبر المؤسسات الدولية أيضًا على التعاقد مع خدمات من الشركات الإسرائيلية، ضاربًا المثل على ذلك بمدى استفادة إسرائيل من قيام الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAIDبتمويل الماسحات الضوئية والمعدات الأخرى لنقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية التي يتم من خلالها عبور شحنات المساعدات في موازنة المعونة88. كم يوضح تقرير للأونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) أن على المانحين تحويل الأموال إلى العملة الإسرائيلية89. هذا عدا عن رسوم الموانئ والتخزين، و"رسوم الأمن" التي يتم تحصيلها من كل شاحنة تحمل البضائع إلى قطاع غزة90. وبالطبع، فكل تلك العوامل تساهم في تحويل معونات إعادة الإعمر إلى مصدر دخل مهم للاقتصاد الإسرائيلي. ومن الجدير بالذكر أن مواد البناء خاصة الإسمنت كانت توردها شركة نيشر الإسرائيلية
بعقدٍ تم بين الشركة الإسرائيلية وشركة سند التي أسسها صندوق الاستثمر الفلسطيني للإشراف على عملية التوريد لمستلزمات عملية إعادة الإعمر91.
4. تزامن إرهاق المانحين الدوليين مع استقطاب المانحين العرب وإهمالهم
بعد سنوات طويلة من الإنفاق الكبير على الأراضي الفلسطينية دون نهاية سعيدة تلوح في الأفق، يشعر المانحون الآن بالإرهاق، وهي معضلة متكررة خاصة في النزاعات طويلة الأمد. ويظهر أثر إرهاق الجهات المانحة على قدرة المنظمت الدولية على مواصلة جمع التبرعات لصالح المشاريع التنموية الكبرى والعمل الإنساني الموسع. أضف إلى ذلك تزامن النزاعات في المنطقة والعالم، ومن ثم تزامن مشاريع إعادة الإعمر، حيث يتطلع المانحون الدوليون والإقليميون لإعادة إعمر سورية والعراق واليمن وليبيا، وهو ما يلقي بظلاله سلبيًا على الموازنات المالية المخصصة لعمليات إعادة الإعمر في غزّة. وتقدر الجهات المختصة أن تكلفة عمليات إعادة الإعمر في الدول العربية التي تشهد صراعات وحروبًا على غرار اليمن وليبيا والعراق، بلغت نحو تريليونَ دولار، في وقت قدرت فيه بعض الجهات الدولية تكلفة إعمر سورية وحدها بنحو 900 مليار دولار92. بعد ثورات الربيع العربي، اختلفت مواقف المانحين العرب ولم تعد كم كانت في سابق عصرها. وانقسم المانحون قسمين وازداد الأمر سوءًا بعد الأزمة الخليجية؛ حيث يعارض المحور المصري السعودي الإماراتي حركة حمس93، وتعرب دول المحور عن قلقها إزاء علاقة الحركة بجمعة الإخوان المسلمين. وتدعي الإمارات، مثل المملكة العربية السعودية ذات الوزن الإقليمي الثقيل، أن قطر تستخدم ثروتها الهائلة لتقويض الاستقرار الإقليمي، وذلك في المقام الأول من خلال التدخل في شؤون الدول الأخرى ومساعدة الجمعات الإسلامية المتشددة مثل حمس في غزة والإخوان المسلمين، أقدم جمعة إسلامية في العالم العربي. لا ترغب هذه الدول في إظهار أي دعم لحركة حمس لتفادي تعزيز شعبيتها في الشارع الفلسطيني. وتعتمد أيضًا على افتراض مفاده أنّ إعادة الإعمر البطيئة ستساهم في إضعاف شرعية حمس في قطاع غزة، على نحوٍ يفرض عودةً في نهاية المطاف إلى الترتيبات السياسية التي سبقت انقسام 2007. في المقابل، قدمت قطر94أكبر مجموعة من المساعدات إلى غزّة من بين جميع دول الشرق الأوسط. فعلاقتها راسخة بحركة حمس خاصة وقوى المجتمع المدني الفلسطيني عمومًا، فقد أبدت الدولة الخليجية تحفظاتٍ أقل من جيرانها الإقليميين في تقديم المساعدة عن طريق حكومة الأمر الواقع في غزّة. إلا أنّ ضغوط المحور السعودي مستمرة ضد هذا التوجّه95. فكثيرًا ما انتقدت السعودية والإمارات، اللتان لديهم شكوك عميقة في الحركات الإسلامية الإقليمية بما في ذلك حمس، السياسة الخارجية المستقلة لقطر وتوازيها مع التوجه التركي، حيث تتهمن قطر بتفضيل حمس على السلطة الفلسطينية96. وهو ما أنكره السفير محمد العمدي، المسؤول عن ملف إعادة إعمر غزة حين أصر على أنّ قطر ستواصل تمويل المشاريع في غزة على الرغم من "الحصار" الذي فرضته السعودية وحلفاؤها في الأعوام الثلاثة الماضية. وقال في مؤتمر صحفي "جئنا لنؤكد لكم أننا وقفنا وسنواصل الوقوف مع الشعب الفلسطيني المحاصر وسنواصل عملية إعادة الإعمر... إن سياسة قطر هي دعم الشعب والحكومة الرسمية. نحن لا ندعم حمس، نحن نتعامل مع حمس كجزء من الشعب الفلسطيني"97. ومن الملحوظ تمامًا تراجع الاهتمم بالقضية الفلسطينية في الأوساط الرسمية العربية، بل استمرار الهجوم على الفلسطينيين خاصة أصحاب التوجهات الإسلامية، الأمر الذي يضاعف تقويض خطط إعادة الإعمر في القطاع.
5. الاختباء خلف سياسات المنح التنموية وتشريعات مكافحة الإرهاب
في ضوء تلك الأوضاع، لا يحاول المانحون التأثير في حركة حمس من خلال إدماجها أو استثمر المعونة لتحقيق المصالحة الفلسطينية؛ فبحسب وثيقة باريس للمنحين، يلتزم المانحون بالتعامل مع السلطة الفلسطينية بوصفها حكومة مركزية للشعب الفلسطيني.
ويمكننا القول إنّه منذ فوز حمس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في عام 2006 واجه المانحون وخاصة الغربيون موقفًا صعبًا. لقد اتخذت الجهات المانحة موقفا براغمتيًا، متذرعةً بسياسات العمل في الدول الهشة والدول المتضررة من الحروب، والتي أقرتها أغلب الدول المانحة، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وغالبًا ما يؤخذ التفسير الحرفي لهذه السياسات عذرًا لتفسير سبب التباطؤ في صرف المنح التنموية. فهذا ممثل الاتحاد الأوروبي يزعم أن "إحدى مشاكلنا هي أن هذا برنامج واحد من بين آلاف البرامج التنموية للاتحاد الأوروبي حول العالم ولكن لدينا مجموعة واحدة من القواعد والسياسات والإجراءات. لذلك، لدينا تناقض داخلي. حتى لو طلبنا شراكة بين المستفيدين، ولنقول إنها ممكن أن تكون شراكة حقيقية ومتساوية، لا يمكننا أن نسمح بتوقيع العقود إلا لطرف واحد. لا يتناسب مع إجراءاتنا أن يقوم طرفان بتوقيع عقد"98. وامتدّ تأثير تشريعات مكافحة الإرهاب إلى كل مجالات الحياة في قطاع غزة. كم تبنّت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ عام 2006 سياسات "عدم الاتصال" مع حركة حمس، التي تمثل الحكومة الفعلية في القطاع، ما أخضعَ جميع أموال المانحين وجهودهم لعقباتٍ بيروقراطية متعددة99. وفي خضم سعي المانحين إلى إيجاد طرقٍ للعمل تتجنب التعاون مع حمس، وصل بهم الحال في النهاية إلى تهميش الغزيين فيم يخص أمور معيشتهم، حيث تم استبعاد سكان غزّة إلى حد بعيد من المشاركة الفاعلة في صنع القرار الخاص بإعادة الإعمر، وبشكل ملحوظ لم تكن هناك منظمت مقرها غزة في مؤتمر المانحين. ولم يكن إشراك السلطة في عملية التخطيط يمثل بديلً، إذ غالبًا ما يمنع مسؤوليها من دخول قطاع غزّة، مم يضاعف تعقيد التنسيق بين الجهات المانحة والحكومة. والأهم من ذلك أن الجهات المانحة كانت تتوخى الحذر دائمًا، واضعةً نصب أعينها أنّ دعم إعادة الإعمر سيعتبر دعمً لحمس. فعلى سبيل المثال، سارع وزير الخارجية الدنماركي بير ستيغ مولر بالإعلان أن حزمة المساعدات المقدرة ب 304 ملايين كرونة من الدنمارك إلى غزة لن تقع في أيدي حمس، "نحن نقدم مساهمة يمكن الاستفادة منها حقًا، ولكن من الأهمية بمكان أن نجد الأشخاص المناسبين للاستفادة من تلك الأموال"، كم قال "لن نعطي المال لحمس"، وستستخدم الأموال لمشاريع الدعم الإنساني، مقسمة بين وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" ومشاريع التنمية المحلية داخل قطاع غزة. لم يعمل المانحون جديًا على الخروج بخطط مبتكرة وخاصة لتفعيل عمليات المنح وإعادة الإعمر في غزة، رغم أنه من الواضح كونها حالة خاصة ومختلفة، ومن ثم تتطلب معالجةً خاصة. ولم يضعوا في الاعتبار حقوق الفلسطينيين في غزة أولوية أثناء تخطيط العملية. وإذا كانت جرت العادة على إيجاد توازن بين المصالح الاقتصادية (فرص الاستثمر والاستهلاك)...، والاستراتيجية (قضايا الأمن والهجرة)...، والإنسانية (حقوق الشعب ومصالحه) في خطط إعادة الإعمر، فيبدو جليًا أنّ هذه المعادلة غير مفعّلة في غزة، ومن النادر اتخاذ مواقف إنسانية من قبل المانحين لإعادة وزن المعادلة. من الواضح أنه عند التعامل مع غزة فالغلبة دائمًا لصالح الدوافع الاستراتيجية للدول المانحة من منطلق العلاقات مع إسرائيل وليس من منطلق الدافع الأخلاقي، رغم ذلك، فهناك مصالح استراتيجية في إعمر قطاع غزة على المدى الطويل، من حيث تحقيق الاستقرار في المنطقة والتقدم نحو بناء السلام، يجب التنبه لها ومراعاتها.
خاتمة
اختبرت الدراسة تلكؤ المانحين في إعادة إعمر قطاع غزّة تحت الحصار، حيث تناولت قصور المانحين وأسبابه، والصعوبات التي تواجه المانحين، وهي صعوبات خاصة ومختلفة عن أي سياق آخر لخصوصية المشهد الفلسطيني. وأشارت إلى عديد العقبات التي تحول دون تحقيق تقدم ملموس بما في ذلك طريقة التسوية لإنهاء الحرب، والانقسام الفلسطيني وتضارب الأجندات والمصالح، وقيود التمويل المتعلقة بمختلف المواثيق والتشريعات، وضغوط الطرف الإسرائيلي، وعدم الاستقرار مع تكرار العمليات العسكرية، وإرهاق المانحين بسبب التزاماتهم وتعهداتهم، وانصراف المانحين العرب عن الاهتمم بالقضية الفلسطينية. وتخلص الدراسة إلى أنّ قضية إعادة إعمر غزة تمثل سياقًا مختلفًا عن سياقات إعادة إعمر بعد الحرب، وعليه يجب التعامل معها بشكل مختلف، خاصة أن المانحين لا يرغبون في التعامل مع القضايا الرئيسة وجذور الصراع التي تتمثل في دوام الاحتلال الإسرائيلي والإجراءات العقابية المتواصلة بما فيها الحصار الجائر. وبناء عليه، يوصي الباحث بالتعامل مع قطاع غزة على أساس الاحتياجات الإنسانية لأكثر من مليوني فلسطيني يعيشون
تحت الحصار، تحسبًا لانفجارٍ قادم. ويرى أنّ على المانحين أن يتصرفوا بشكلٍ أكثر انفتاحًا، وأن يتحرروا من التزامات باريس وتطوير استراتيجية عمل أشد فاعلية، تعتمد على الخبرات المحلية الغزية، على نحوٍ قد يستلزم منهم المساعدة في إنشاء مجلس محلي لإعادة الإعمر، بحيث يكون مستقلً عن الفصيليَن، كم يعمل باستقلالية عن مختلف الاستقطابات السياسية. ويخلص إلى أنه يجب أن يكون هناك دور أشد فاعلية للمنحين، فالقضية الفلسطينية، بالرغم من انحسار تأثيرها، ما زالت تمثل قضية مركزية في الوجدان العربي والإسلامي. لذا، فعلى المانحين، لا سيم من الدول الشقيقة، العمل بكل قوة لرفع الحصار وتشجيع المجتمع الدولي على إعادة ضخ الأموال في عدد من المشاريع المهمة في قطاع غزّة، إضافة إلى إزالة العراقيل المفروضة على المنظمت الدولية، والعمل بدأب لتحقيق المصالحة الفلسطينية.
مراجع
عربية
أبو شهلا، علي. "استراتيجيات مواجهة تحديات إعادة الإعمر في قطاع غزة". ورقة مقدمة في الورشة الاقتصادية إعادة إعمر قطاع غزة الواقع والتحديات، مركز التخطيط الفلسطيني، فلسطين. أبوطه، علاء. "الإشكاليات السياسية المتعلقة بإعادة إعمر قطاع غزة". ورقة عمل مقدمة إلى اليوم الدراسي آفاق إعادة إعمر قطاع غزة بعد عدوان 2014، الجامعة الإسلامية،.2014
"إشكاليات معرقلة: تحديات إعادة الإع راا في بؤر الصراعات العربية". مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. 2017/9/25. ف:ي https://bit.ly/2WB2hHq "إعلان باريس بشأن فعالية المعونات الملكية والتنسيق والمواءمة وتحقيق النتائج والمساءلة المشتركة." 2005. في: https://bit.ly/2GHuPZt
"تبعات الانقسام الفلسطيني على النواحي الإنسانية في قطاع غزة." مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. حزيران/ يونيو 2017:. في http://bit.do/eNDjq
إيليا زريق. "المساعدات الإنسانية القطرية لفلسطين". سياسات عربية. العدد 29 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2017
بركات، سلطان وفراس المصري. "إنعاش عملية إعادة إعمر غزة المتعثرة". مركز بروكنجز الدوحة. آب/ أغسطس 2017. في: https://bit.ly/327MgdP
حميد، خالد. "بعيدًا عن نهج استمرار العمل كالمعتاد: إطار عمل مؤسسي لإعادة إعمر ما بعد النزاع في اليمن". مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. 2018/5/29:. في https://bit.ly/3lYX2Ln شعبان، عمر. "ثلاث سنوات على مؤتمر القاهرة لإعادة إعمر قطاع غزة بين وعود التمويل وآلية الأمم المتحدة وبقاء المعاناة". بال ثينك للدراسات الاستراتيجية. 2017:. في http://palthink.org/?p=2336 علاية، موسى. "المساعدات الخارجية بين الأهداف الاستراتيجية والفواعل والمؤثرات الداخلية في الدول المانحة". سياسات عربية. العدد 14.)2015(
محمود، خالد وليد. "إعادة إعمر قطاع غزة: السياقات والتحديات." تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2014/11/12. في: https://bit.ly/3ibhiXW
أجنبية
Abrahams, Fred. "Internal Fight: Palestinian Abuses in Gaza and the West Bank." Human Rights Watch. Al Madani, Ahmed. "Qatar Crisis and its Impact on the Palestinian Cause." International Conference on Contemporary Social and Political Affairs (IcoCSPA 2017). Atlantis Press, 2018.
Ali, Murad & Glenn Banks & Nigel Parsons. "Why Donors Give Aid and to Whom? A Critique of the Historical and Contemporary Aid Allocation Regime." The Dialogue. vol. 10, no. 2 (2015).
Baradan, Berna. "Analysis of the Post-disaster Reconstruction Process Following Turkish Earthquakes, 1999." Paper presented at the International
Conference and Student Competition on post-disaster reconstruction "Meeting stakeholder interests". Florence, Italy, 17-19/5/2006.
Barakat, Sultan & Omar Shaban. "Back to Gaza: A New Approach to Reconstruction." Policy Briefing Brookings Institution. 12/1/2015.
Barakat, Sultan & Sansom Milton & Ghassan Elkahlout. "Reconstruction under siege: the Gaza Strip since 2007." Disasters (2019).
Berthélemy, Jean‐Claude. "Bilateral Donors' Interest Vs. Recipients' Development Motives in Aid Allocation: Do All Donors Behave the Same?." Review of Development Economics. vol. 10, no. 2 (2006).
Benedetta. "Is Reconstruction in Carnegie
Battleground."
Next
Syria's
Endowment for International Peace. 5/9/2017. at: https://carnegieendowment.org/sada/72998
Beinin, Joel & Lisa Hajjar. "Palestine, Israel and the Arab- Israeli Conflict." Middle East: The Middle East Research and Information Project (2014).
Bourloyannis, Christiane. "The Security Council of the United Nations and the Implementation of International Humanitarian Law." Denver Journal of International Law & Policy. vol. 20, no. 2 (1992).
Burnham, Peter. The Political Economy of Post-war Reconstruction. United States: Springer, 1990.
Crook, John R. "The United Nations Compensation Commission—a new structure to enforce state responsibility." American Journal of International Law. vol. 87, no. 1 (1993).
"Danish Gaza Aid Not to Go to Hamas." The Copenhagen Post. 2/3/2009. at: https://bit.ly/35jf9pC
De Long, J. Bradford & Barry Eichengreen. "The Marshall Plan:
History's most Successful Structural Adjustment Program."
National Bureau of Economic Research. no. w3899 (1991).
Dimitris, Bouris. "The Vicious Cycle of Building and Destroying: The 2014 War on Gaza." Mediterranean Politics. vol. 20, no. 1 (2015).
Elgindy, Khaled. "Egypt, Israel, Palestine." The Cairo Review of Global Affairs. 25/8/2012.
Farquharson, John E. "Anglo-American Policy on German Reparations from Yalta to Potsdam." The English Historical Review. vol. 112, no. 448 (1997).
Foster, Mick & Jennifer Leavy. The Choice of Financial Aid Instruments. London: Overseas Development Institute, 2001.
Frerks, Georg. "The Use of Peace Conditionalities in Conflict and Post-conflict Settings: A Conceptual Berti,
Framework and a Checklist." Netherlands Institute of International Relations ('Clingendael'). Conflict Research Unit (2006).
Goodby, James E. "When War Won Out: Bosnian Peace Plans Before Dayton." International Negotiation. vol. 1, no. 3 (1996).
Gulrajani, Nilima & Rachael Calleja. "Understanding Donor Motivations." ODI Working paper 548 (2019). at: https://bit.ly/3k2LsNH
Gilpin, Robert. The Political Economy of International Relations. New Jersey: Princeton University Press, 2016. Gilpin, Robert & Jean M. Gilpin. Global Political Economy: Understanding the International Economic Order. New Jersey: Princeton University Press, 2001.
Hattori, Tomohisa. "Reconceptualizing Foreign Aid." Review of International Political Economy. vol. 8, no. 4 Hever, Shir. "How Much International Aid to Palestinians Ends Up in the Israeli Economy." Aid Watch. (2015).
Hever, Shir. Foreign Aid to Palestine/Israel. Alternative Information Center (AIC), 2006.
Hochberg, Mitchel. "Donors Growing Weary of Reconstructing Gaza." The Washington Institute. 2/2/2016. at: https://bit.ly/2ZhKBk9
Jacoby, Tim & Eric James. "Emerging Patterns in the Reconstruction of Conflict‐Affected Countries." Disasters. no. 34 (2010).
Kumar, Krishna. Rebuilding Societies After Civil War: Critical Roles for International Assistance. United States: Lynne Rienner, 1997.
Manning, Carrie & Monica Malbrough. "Bilateral Donors and Aid Conditionality in Post-conflict Peacebuilding: The Case of Mozambique." The Journal of Modern African Studies. vol. 48, no. 1 (2010).
Martin, Alison et al. (eds.). "Israel Tightens Gaza Blockade, Civilians Bear the Brunt." OXFAM. 27/7/2018. at: https://bit.ly/32aAPCk
Morgenthau, Hans J. "A Realist Theory of International Politics." Realism reader. vol. 53 (2014).
Molloy, Sean. "Truth, Power, Theory: Hans Morgenthau's Formulation of Realism." Diplomacy and Statecraft. vol. 15, no. 1 (2004).
Newman, Edward. "Weak States, State Failure, and Terrorism." Terrorism and Political Violence. vol. 19, no. OXFAM. "Vital Building in Conflict Damaged Gaza to Take more than a Century at Current Rate." 8/2/2015, at: https://bit.ly/35gkdLe
Oberschall, Anthony. "The 2014 Gaza War and the Elusive Peace in Palestine." Corvinus Journal of Sociology and Social Policy. vol. 5, no. 2 (2014).
Paravantis, Spero. "To Pay or Not to Pay: A Historical and Legal Overview of the Question of WWII Reparations." Luxembourg Centre for Contemporary and Digital History. 30/3/2017. at: https://bit.ly/3ibhMNN
Qarmout, Tamer & Daniel Béland. "The Politics of International Aid to the Gaza Strip." Journal of Palestine Studies. vol. 41, no. 4 (2012).
Riddell, Roger C. Does Foreign Aid Really Work?. Oxford: Oxford University Press, 2008.
"Reparations for Palestinians." Fanack (2015). at: https://bit.ly/2UfeAHn
Sari, Bashi. "Justifying Restrictions on Reconstructing Gaza: Military Necessity and Humanitarian Assistance." Israel Law Review. vol. 49, no. 2 (2016).
Spoerer, Mark & Jochen Fleischhacker. "The Compensation of Nazi Germany's Forced Labourers: Demographic Findings and Political Implications." Population Studies. vol. 56, no. 1 (2002).
Stone, Randall W. "Buying Influence: Development Aid Between the Cold War and the War on Terror." Unpublished working paper (2010).
Schiavo-Campo, Salvatore. "Financing and Aid Management Arrangements in Post-conflict Situations." Conflict Prevention and Reconstruction Unit, World Bank. 2003.
Svensson, Jakob. "When is Foreign Aid Policy Credible? Aid Dependence and Conditionality." Journal of Development Economics. vol. 61, no. 1 (2000).
Samhouri, Mohammed. "The 'West Bank First' Strategy." Working paper 2, Crown Centre for Middle East Studies, Brandeis University. October 2007.
Taghdisi-Rad, Sahar. The Political Economy of Aid in Palestine: Relief from Conflict or Development Delayed? London: Routledge, 2011.
United States. Office of the Special Inspector General for Iraq Reconstruction, and Stuart W. Bowen. Hard Lessons: The Iraq Reconstruction Experience. Special Inspector General, Iraq Reconstruction, 2009.
United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). Palestinian Fiscal Revenue Leakage to Israel Under the Paris Protocol on Economic Relations. UNCTAD/GDS/APP/2013/1. New York & Geneva, 2014. Van Dam, Peter & Wouter van Dis. "Beyond the Merchant and the Clergyman: Assessing Moral Claims About Development Cooperation." Third World Quarterly. vol. 35, no. 9 (2014).
Waltz, Kenneth N. "Structural Realism after the Cold War." International security. vol. 25, no. 1 (2000).
World Bank. Reconstructing Gaza: Donor Pledges. March 2018. at: http://bit.do/eNFLg
________. Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee. March 2018.
________. Assessing Aid: What Works, What Doesn't, and Why. Washington, DC: The World Bank, 30/11/1998. at: https://bit.ly/3m2tpsI
Yntema, Hessel E. "The Treaties with Germany and Compensation for War Damage." Columbia Law Review. vol. 23, no. 6 (1923).
Zanotti, Jim. Israel and Hamas: Conflict in Gaza (2008-2009). United States: DIANE Publishing, 2010.