العودة إلى تفاصيل المؤلَّف احتواء حماس: صعود مقاومة فلسطينية وركودها لطارق بقعوني

"احتواء حماس: صعود مقاومة فلسطينية وركودها"

"Hamas Contained: The Rise and Pacification of Palestinian Resistance"

مجد أبو عامر| Majd Abuamer *

يارا نصّار| Yara Nassar **

الملخّص

عنوان الكتاب: سنوات التنمية الضائعة في قطاع غزة (2007-2018). المؤلف: مازن العجلة. الناشر: مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية. سنة النشر: 2020. عدد الصفحات: 210 صفحات.

Abstract

عنوان الكتاب: سنوات التنمية الضائعة في قطاع غزة (2007-2018). المؤلف: مازن العجلة. الناشر: مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية. سنة النشر: 2020. عدد الصفحات: 210 صفحات.

الكلمات المفتاحية:
  • غزة
  • حماس
  • فلسطين
  • إسرائيل
  • الحصار الإسرائيلي
Keywords:
  • Gaza
  • Hamas
  • Palestine
  • Israel
  • the Israeli siege

عنوان الكتاب: احتواء حمس: صعود مقاومة فلسطينية وركودها. المؤلف: طارق بقعوني.Tareq Baconi | الناشر:.Stanford University Press سنة النشر:.2018 عدد الصفحات: 368 صفحة.

. Hamas Contained: The Rise and Pacification of Palestinian Resistance عنوان الكتاب في لغته:

مقدمة

يندرجُ كتاب طارق بقعوني، احتواء حمس: صعود مقاومة فلسطينية وركودها، في فضاء دراسات الحركات الإسلامية والدراسات الفلسطينية التي حاولت فهم ظاهرة حركة المقاومة الإسلامية "حمس"، بوصفها حركةً تجمع بين الهوية الفلسطينية والإسلامية، والتي اختلفت في مقاربتها؛ فمنها مقاربات عالجتها باعتبارها حركةً اجتمعية1، أو حركة إسلامية2، وأُخرى باعتبارها منظمةً إرهابية3. ومن حيث الموضوع، اهتمت بعض الدراسات ببحث علاقات حمس بالقوى الفلسطينية الأُخرى4، أو علاقاتها الخارجية5، في حين ركّزت أُخرى على البنية الداخلية لحمس6، أو نشأة حمس وتحولّاتها7، أو موقف حمس من الديمقراطية8، إضافةً إلى السيّر الذاتية وشهادات قادة حمس التي تُوثّق تجربة الحركة من منظور الفاعلين9. إنّ دراسة الحركات ذات الطابع الإسلامي دراسةً أكاديميةً موضوعيةً يُعدّ أمرًا مهمًّ، بالنظر إلى ما شهدته من تصاعدٍ في العقدِ الأخير، بحيث باتت تحتلّ مواقع سياسية واجتمعية بعد فترةٍ من التهميش، إضافةً إلى ما يشوبُ هذه الحركات من سريةٍ، على مستوى التنظيم والإدارة والتمويل، يحافظُ عليها المُنتسبون إليها. وفي المقابل، تجنُّب من هم خارجها الانخراط فيها، أو التعرُّف إليها. وينطلي ذلك على الحالة الفلسطينية التي تتّسم بخصوصية يفرضها السياق الاستعمري الإحلالي. ومن هذا المُنطلق، تأتي الدراسات، التي من بينها كتاب بقعوني، لتكشف جانبًا من هذا الغموض وتُقدم قراءةً في تجربة مُغايرة. يغطّي الكتاب المعالم الرئيسة التي مرّت بها حمس، في الفترة 2017-1987، بطريقةٍ سردية، وذلك بمَوْقَعة حمس في السياق الفلسطيني الأوسع. ولا يدّعي المؤلف أنّ كتابه يُقدم تاريخًا شامل للعقود الثلاثة، أو يُراجع السياسات الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية، كم أنه لا يدّعي شرح التعقيدات المتشابكة لحمس، مثل العلاقة بين حمس الداخل والخارج، أو بين الأجنحة العسكرية والسياسية للحركة، بل يُحاول شرح الديناميكية بين حمس والسُّلطة الفلسطينية من جهة، وبين حمس وإسرائيل من جهةٍ أخرى، وفهم ديناميات العزل والتشويه التي تعرّضت لها حمس منذُ نحو عشر سنوات، والتي على إثرها باتت مُعاناة نحو مليونَ فلسطينيّ داخل قطاع غزة أمرًا مقبولً. إضافةً إلى ذلك، يهدف الكتاب إلى تتبُّع الحرب ضدّ الاحتلال الإسرائيلي من منظور حمس، وذلك بالابتعاد عن الجدل المشحون، وغير الفعّال، المرتبط باستخدام مُصطلحات مثل الإرهاب والعنف وغيرها، من أجل قراءة حمس بطريقةٍ نقدية تفتقر إليها الكثير من الأدبيات. وفي حين لا يستكشفُ الكتاب الأسس النظرية لأيديولوجيا الحركة، فإنه يُعالج كيفية تأثير المُعتقدات الدينية في النظرة السياسية لحمس بوصفها حزبًا سياسيًا، وليس دينيًا. مع الإشارة إلى أنّ حمس تُعرّف نفسها بأنها حركة إسلامية بموجب ميثاقها وإيمان قيادتها وقاعدة أعضائها. وبذلك، فإن الكتاب يُسلّط الضوء على جمعة مهمّشة رغم مركزيتها في الحركة الوطنية الفلسطينية (ص xxiii xx-xxi,.)xi-xii, ويعتمد الكتاب تحليل الخطاب منهجًا، استنادًا إلى مجموعة واسعة من الأدبيات المختلفة التي ضمّت مصادر أرشيفية من آلاف الوثائق العربية التي تحتوي على خطابات شفهية وبصرية ومكتوبة نشرتها حمس، بين عامَي 1987 و 2017، مثل مجلة فلسطين المسلمة، وصحيفة الرسالة، ومنشورات السفير، فضلً عن البيانات الصادرة عن حمس، وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، والفصائل الأخرى، وأجنحتها العسكرية، ومنشورات إخبارية محلّية وإقليمية ودولية تتحدّث عن حمس،

  1. Michael Irving Jensen, The Political Ideology of Hamas: A Grassroots Perspective (London: I.B. Tauris, 2009).
  2. Andrea Nusse, Muslim Palestine: The Ideology of Hamas (London: Routledge Curzon, 1998).
  3. Jeroen Gunning, Hamas in Politics: Democracy, Religion, Violence (New York: Columbia University Press, 2008); Mosab Hassan Yousef, Son of Hamas: A Gripping Account of Terror, Betrayal, Political Intrigue, and Unthinkable Choices (Illinois: Tyndale Momentum, 2010).
  4. عبد الإله بلقزيز، أزمة المشروع الوطني الفلسطيني: من "فتح" إلى "حماس "  (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)؛ شاؤول مشعال وأبراهام سيلع، أزمة المشروع الوطني الفلسطيني من فتح إلى حماس، قراءة وتعليق علي بدوان (دمشق: دار صفحات للدراسات والنشر، 2009)؛ سميح حمودة، موقف حماس من الحركات الإسلامية الفلسطينية (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2015)؛ سعود المولى، من فتح إلى حماس: البدايات الإخوانية والنهايات الوطنية (بيروت: دار سائر المشرق للنشر والتوزيع،.)2018
  5. سليم محمد الزعنون، سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الحركات الإسلامية في المنطقة العربية: دراسة حالة حركة المقاومة الإسلامية (حماس): 2007-2001 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،)2011؛ خالد محمود وآيات حمدان، "حماس ومصر: المأزق ومآلات العلاقة"، سياسات عربية، العدد 7 (آذار/ مارس 2014)؛ رائد إشنيور، التقارب بين حماس وإيران بين الضرورة والخيار (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2014)؛ عبد الحكيم حنيني، منهجية حركة حماس في العلاقات الخارجية: سورية نموذجًا 2015-2000 (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.)2018
  6. Azzam Tamimi, Hamas: Unwritten Chapters (London: C. Hurst & amp. Co., 2009).
  7. مهيب سليمان أحمد النواتي، حماس من الداخل (عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2002)؛ عدنان أبو عامر، الحركة الإسلامية في قطاع غزة: بين الدعوة والسياسة (القاهرة: مركز الإعلام العربي،)2006؛ زكي شهاب، حماس من الداخل: القصة غير المروية عن المقاومين والشهداء والجواسيس (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008)؛ أحمد سعيد نوفل [وآخرون]، حركة المقاومة الإسلامية حماس: دراسات في الفكر والتجربة (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2014)؛ Khaled Hroub, Hamas: Political Thought and Practice (Washington, D.C: Institute for Palestine Studies, 2000).
  8. عقل صلاح، حركة حماس وممارستها السياسية والديمقراطية 2012-1992:  (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2016
  9. إبراهيم غوشة، المئذنة الحمراء: سيرة ذاتية (وررت: مركز الزيتونة للدراسات ب والاستشارات، 2008)؛ موسى أبو مرزوق، مشوار حياة: ذكريات اللجوء والغربة وسنوات النضال، ط 2 (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.)2019

وتتضمّن تصريحات أدلى بها أعضاء حمس، والمنشورات الإلكترونية للحركة. إضافةً إلى ذلك، أجرى المؤلف مُقابلات مع أعضاء حمس في لبنان والأردن وقطر والضفّة الغربية وقطاع غزة، ومع سياسيين ومحللين وأكاديميين وناشطين إسرائيليين وفلسطينيين، إلى جانب اعتمده على أدبيات ثانوية باللغتين العربية والإنكليزية، واستفادته من زياراتٍ ميدانية قام بها متعلقة بأرشيف "مجموعة الوثائق العربية" لمعهد الدراسات الفلسطينية، وأرشيف "الوثائق الفلسطينية" (خلال الأعوام 2011-2005) لمركز الزيتونة في بيروت، إضافةً إلى زيارته لقطاع غزة عام 2015، واطلّاعه على أرشيف صحيفة الرسالة. وقد أراد المؤلف هذا التنوّعَ في مصادر كتابه مراعاةً للتميُزات الدقيقة داخل الحركة، فهو يعتقد أنّ حمس ليست كلًّ واحدًا، بل هي حركة مُنظّمة مُعقّدة ولامركزية وذات أوجه مُختلفة، تعملُ على موازنة توتُّراتها الداخلية باستمرار (ص.)xx-xxiii يقع الكتاب في ستة فصول وصفية/ سردية، وخاتمة تحليلية. وفي الفصل الأول، يتتبّعُ المؤلف تطوّر نشاط الحركة الإسلامية في فلسطين، منذ إنشاء فرعٍ لجمعة الإخوان المسلمين عام 1945 حتّى الانطلاق الرسمي لحمس عام 1988. أمّا الفصل الثاني، فيُعالج العلاقة المضطربة بين حمس والسلطة الوطنية الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو حتّى وصمها بالإرهاب. وفي الفصلين الثالث والرابع، يبحثُ المؤلف، تحوّل حمس تجاه العمل السياسي من خلال انخراطها في الانتخابات المحلّية التشريعية، وتداعيات سيطرتها على قطاع غزة. وينتقلُ في الفصل الخامس إلى معالجة الكيفية التي أدّى من خلالها حُكم حمس الإداري في قطاع غزة إلى مأسسة الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني. أمّا الفصل السادس، فهو يبحثُ أثر الاضطرابات العربية منذُ عام 2011 في سُلوك حمس السياسي. وفي الخاتمة، يُراجع المؤلف - نقديًّا - تحوُلّات حمس المفصلية، مُقيمجّ أخطاءَها، حيث يخرج عن النه السردي المعتمد في بقية الكتاب لإجراء تدخلات تحليلية حول حمس والمرحلة الحالية من القومية الفلسطينية.

أسلمة القومية الفلسطينية: الانتفاضة الأولى وصعود "حماس"

بحسب المؤلف، بدأت العلاقة بين الإخوان المسلمين وفلسطين مع افتتاح جمعة الإخوان المسلمين أول فرع رسمي لها في القدس عام 1945، ليُصبح لديها نحو خمسة وعشرين فرعًا داخل فلسطين بحلول عام 1948. وقد أسّست الجمعة – التي انضمَّ إليها الشيخ أحمد ياسين (2004-1936) مُنذ تأسيسها – معسكرات تدريب عسكرية في قطاع غزّة لدعم المهمت المُسلّحة التي تهدفُ إلى تحرير الوطن الفلسطيني، وذلك بالنظر إلى أنّ الخطط الصهيونية، وتوسيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، من أكبر تهديدات العالم الإسلامي (ص 8-4، 11). إلا أن ريتشارد ميتشل يُشير إلى أنّ "علاقة الجمعة بفلسطين بدأت منذ عام 1935 عندما زار عبد الرحمن البنا، شقيق حسن البنا، فلسطين والتقى بالحاج أمين الحسيني مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في ذلك الوقت"10. ويُجادل المؤلف بأنّ الخلاف المُبكّر بين الإخوان المُسلمين والأعضاء الإسلاميين في الحركة الوطنية الفلسطينية يعودُ إلى لحظة تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، عام 1959، من جانب ياسر عرفات (2004-1929) – الذي ع بَ كعضو غير رسمي في معسكرات الإخوان المُسلمين – ورفاقه، لاعتقاد الجمعة أنّ غياب الأجندة الإسلامية مقابل "العلمنية" سيمنع تحقيق الأهداف القومية للقضية الفلسطينية (ص. 13). واستمر هذا الخلاف لتستغله إسرائيل فيم بعد، حيث وافقت سلطات الاحتلال الإسرائيلية على طلب ترخيص الجمعية الإسلامية الذي تقدمَ به ياسين عام 1976، لطموحها إلى إنتاج قوة مضادة تُضعف الحركات القومية الفلسطينية الأخرى، من خلال "زراعة" الإخوان في قطاع غزّة ونمو الحركات الإسلامية عمومًا. وفي المقابل، اعتبرت قيادة الإخوان هذا التفاهم الضمني مع إسرائيل، وسيلةً لتوسيع نطاقها ومواجهة التأثير العلمني للفصائل القومية. وقد أدى هذا التنافس بين الإسلاميين والقوميين إلى نزاعات دموية وعنيفة، على مرأى من قوات الاحتلال الإسرائيلية التي تقاعست عمدًا عن إنهاء هذه المواجهات لتمكين نمو الإخوان (ص. 17) وخلافًا للقوميين الذين استجابوا لنداء الكفاح المُسلّح لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعلى النقيض من تجربة حركة الجهاد الإسلامي التي رفضت التعامل مع إسرائيل، وركّزت مثل منظمة التحرير على مواجهة الاحتلال بدلً من بناء المؤسسات الإسلامية، لإيمانها أن تحرير فلسطين هو الطريق نحو إحياء الأمة الإسلامية، وأنّ التفاني الأعمى للأسلمة يُضعف النضال الفلسطيني، حافظَ الإخوان المُسلمون على ارتباطهم البراغمتي بإسرائيل، ليعطي ياسين ورفاقه الأولوية للأسلمة على حساب المقاومة الفورية للاحتلال، حيث ركّزوا على توسيع بنيتهم​ التحتية الاجتمعية والخيرية والتعليم والإحياء الديني داخل الأراضي المُحتلّة؛ ما أدّى إلى استياء كبير بالنسبة إلى القوميين وأعضاء قاعدتهم أيضًا، الأمر الذي دفعَ الإخوان المُسلمين إلى تسريع انخراطهم في مُقاومة الاحتلال، ليبدأ الشيخ ياسين ورفاقه بتخزين الأسلحة سرًّا في منزله بغزة، ولتستحدث الجمعة في أواخر عام 1985

  1. زياد أبو عمرو، أصول الحركات السياسية في قطاع غزة 1967-1948:  (عكا: دار الأسوار، 1987)، ص.63

عدّة أجهزة، منها مقاتلو الجهاد الفلسطيني، وهي منظمة عسكرية تركز على استهداف الجنود الإسرائيليين والمستوطنين اليهود في قطاع غزة (سها صلاح شحادة ترأّ)، ومنظمة الجهاد والتبشير التي تعاملت مع الفلسطينيين المتعاونين مع الاحتلال (ص. 17-20) بسبب حادث سير في 8 كانون الأول/ ديسمبر 1987، بين عربة تابعة للجيش الإسرائيلي وسيارات تقلُّ عمّل المياومة الفلسطينيين من عملهم في إسرائيل إلى منازلهم في قطاع غزة، أسفرَ عن مقتل أربعة فلسطينيين (ثلاثة منهم من مخيم جباليا للاجئين)، اندلعت أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى من مخيم جباليا لتشملَ كل الأراضي الفلسطينية. وفي حين كان الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات يسعى من منفاه في تونس إلى توجيه منظمة التحرير الفلسطينية لتولي دور قيادي لأحداث الانتفاضة للاستفادة من هذه الهبّة الجمهيرية وضمن بقائها سلمية، اجتمع الشيخ ياسين ورفاقه ليبحثوا كيفية الاستفادة من هذه المشاعر الشعبية، ثمّ إنهم عمّموا منشورًا في 14 كانون الأول/ ديسمبر – لم يحمل اسم "حمس" – يشيد بالانتفاضة ويرفع شعار "الإسلام هو الحل والبديل"، مُستنكرين بذلك فشل منظمة التحرير الفلسطينية في إنهاء الاحتلال (ص. 1-3). وقد نافست حمس القيادة المحلية التي تعمل بالتنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية، بل إنها اقترحت تواريخ إضراب بديلة من تلك التي أعلنتها، واستخدمت في منشوراتها لغةً مختلفة توظّف عنصرًا دينيًا، ونشرت رسوماتها التي تهاجم اليهود والمسيحيين والقوميين العلمنيين، الأمر الذي أدى إلى اتهامها بتقويض الوحدة من جانب منظمة التحرير الفلسطينية (ص. 25) وبعد بضعة أسابيع من اندلاع الانتفاضة، أسّس ياسين ورفاقه حركة المقاومة الإسلامية "حمس" رسميًا في كانون الثاني/ يناير 1988، استنادًا إلى بناء مؤسسي متين طُوِّر على مدى عقود داخل قطاع غزة، عن طريق نجاح المؤسسات الاجتمعية والخيرية للجمعية الإسلامية (ص. 3-4)، لتتنقل حمس ومُمرساتها بالتدريج من حركة ذات طابع دعوي ديني على النمط الإخواني الكلاسيكي إلى حركة وطنية جهادية من نوعٍ جديد11. وفي آب/ أغسطس 1988، أصدرت حمس ميثاقها ليحدد مهمتها وقيمها وأهدافها تحت عنوان "ميثاق الله: منهج حركة المقاومة الإسلامية (حمس)"، وليكون شعارها: "الله غايتنا، الرسول قدوتنا، القرآن دستورنا الجهاد سبيلنا، الموت في سبيل الله أسمى أمانينا". ومع أنّ الميثاق يُعرّف حمس بأنها جناح لفرع الإخوان المسلمين في فلسطين، فإنّه أظهر فَلسطنة حمس بوصفها حزبًا إسلاميًّا وطنيًّا. ومن خلال تعريف القومية بأنها "جزء لا يتجزأ من أيديولوجيتها الدينية"، أظهر قادة حمس أن الإسلام هو أساس أيديولوجيتها السياسية12. ولم يقدم الميثاق أي إشارة إلى طبيعة الدولة أو الكيان الإسلامي الفلسطيني الذي تسعى إليه، إلا أنه تحدث عن السلام مع المسيحيين واليهود في ظل الحكم الإسلامي، رغم تضمّن الميثاق إشارات معادية للسامية بُنيت على بروتوكولات حكمء صهيون13، والصور النمطية القديمة عن الشعب اليهودي. ومن خلال ميثاقها، عبّت حمس عن رفضها الاعتراف بدولة إسرائيل، وشددت على عدم قابلية تجزئة أرض "فلسطين التاريخية" (ص. 21-23) ويرى المؤلف أنّ العلاقة بين حمس وإسرائيل تحوّلت إلى مواجهة - بعد أن كانت إسرائيل تعتبر حمس مؤسسة اجتمعية غير سياسية - عندما عرّفت حمس نفسها بأنها حركة مقاومة، لتُصنفها إسرائيل منظمةً إرهابية في أوائل عام 1989 عندما أسرت جنديين إسرائيليين وقتلتهم، ثمّ إنّ إسرائيل اعتقلت ثلاثمئة من أعضائها، بمن فيهم الشيخ ياسين، وأعلنت أن التعامل مع حمس جريمة يُعاقب عليها. وقد دفع هذا الأمر حمس إلى نقل صنع القرار إلى الخارج، حيث أنشأت فروعًا تشريعية وتنفيذية، مع الحفاظ على قيادة سرية داخل الأراضي المحتلة، ليكون ذلك بمنزلة إضفاء الطابع المؤسسي الرسمي على ما سيعرف فيم بعد بالقيادة "الداخلية" و"الخارجية" لحمس. وإلى جانب ذلك، أضفت حمس الطابع المؤسسي على وحداتها العسكرية بتوحيدها تحت جناح مسلح بقيادة صلاح شحادة، عام 1991، تحت اسم "كتائب عز الدين القسّام"، تكريمًا للشخص الذي اعتبرته سلفها، ولتبدأ بعد ذلك – على غرار منظمة التحرير الفلسطينية – حملة عسكرية تستهدفُ مواقع الجيش الإسرائيلي وتجمعات المستوطنين. ثمّ إنّ إسحاق رابين اعتقل 413 عضوًا من أعضاء حمس والجهاد الإسلامي، في كانون الأول/ ديسمبر 1992، وجرى ترحيلهم إلى منطقة مرج الزهور في جنوب لبنان، ليلتقي قادة حمس المعزولين تحت الاحتلال مع نظرائهم في القيادة الخارجية، وليبدؤوا قنوات اتصال مع منظمت أخرى، مثل حزب الله وإيران، بشكل غير مباشر. وبحلول التسعينيات، تحوّلت حمس إلى لاعب

  1. سعود المولى، "المقاومة الإسلامية في فلسطين: التباسات البدايات، واقعية المسارات "، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 95 (صيف 2013)، ص.56
  2. لم تُبلور حماس منهجًا أو فكرًا نظريًّا سياسيًّا واضحًا منذُ نشأتها، بل استندت في بلورتها لقواعدها النظرية العامة ولفكرها السياسي إلى أدبيات جماعة الإخوان المُسلمين باعتبارها امتدادًا لها. يُنظر: سميح حمّودة، "موقف حماس من الحركات الإسلامية الفلسطينية"، في: محمد محسن صالح (محرّر)، حركة المقاومة الإسلامية حماس: دراسات في الفكر والتجربة (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2014)، ص.178
  3. بروتوكولات حكماء صهيون": هي وثيقة ظهرت على يد الكاتب الروسي سيرغي نيلوس (1929-1862) عام 1905 في روسيا القيصرية، وتتضمن 24 بروتوكولً تدعي وجود خطة لليهود للسيطرة على العالم.

قوي في المنطقة، ليتحول التنافس بين الحركات الإسلامية والقومية التي تعود إلى السبعينيات والثمنينيات إلى نزاع حول هوية ومسار القومية الفلسطينية في المستقبل. ويُشار في ذلك إلى أن حمس استفادت من قرارها في إدانة غزو صدام حسين للكويت عام 1990، خلافًا لمنظمة التحرير الفلسطينية التي انحازت إلى صدام حسين14. فرغم أن موقفها لم يكن محبوبًا على المستوى المحلي، فإنه حسّن وضعها مع دول الخليج التي أعادت توجيه أموالها نحوها، وأغرقت منظمة التحرير في أزمة مالية (ص. 26-28)

مُعارضة "أوسلو" مع الانخراط في مؤسساتها: "حماس" من المقاومة إلى السياسة

عارضت حمس مفاوضات "عملية السلام" التي انطلقت بعد توقيع اتفاق إعلان المبادئ "أوسلو" في أيلول/ سبتمبر 1993، ورفضت المشاركة في أولى انتخابات رئاسية وتشريعية فلسطينية عام 1996، لتجنب إضفاء الشرعية على اتفاقيات أوسلو، واستمرت في عملياتها الانتحارية/ الاستشهادية لإخراج عملية السلام عن مسارها. وفي المقابل، استمرت السلطة الوطنية الفلسطينية حملتها القمعية على حمس، بالتعاون مع إسرائيل ضمن آليات التنسيق الأمني، إضافةً إلى إعلان الأردن عن عدم قانونية وجود حمس في البلاد، بضغطٍ من إسرائيل، والولايات المتحدة التي صنفتها منظمة إرهابية عام 1997؛ ما ألحق أضرارًا بالغة بالحركة (ص 27،.)34-29 ومع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، أشادت حمس بما أسمته "التدخل الإلهي" الذي أخرجَ العملية الدبلوماسية عن مسارها. ورغم خطابها الحمسي، فإنّ عسكرة حمس – كم في الانتفاضة الأولى – تخلّفت عن ركب الفصائل الفلسطينية الأخرى، لاعتقادها أن عرفات يستغل الانتفاضة من أجل موقف تفاوضي أفضل مع إسرائيل. وقَبلت حمس فكرة الدولة الفلسطينية على حدود 1967، كم فعلت منظمة التحرير الفلسطينية من قبل، من خلال إشارتها إلى أن عملياتها العسكرية – من عمليات استشهادية وإطلاق الصواريخ من غزّة – تقتصرُ على هدف تحرير الأراضي المحتلة، وأنها ليست من أجل تدمير إسرائيل. ورغم وضوح عسكرة حمس، فإنّ إسرائيل واصلت تركيزها على السلطة الفلسطينية بدلً منها، ووضعت خططًا لتدمير مؤسساتها ونزع سلاح الحكومة الإدارية وقواتها الأمنية (ص. 36-47) مُستغلةً مناخ هجمت 11 سبتمبر 2001، أظهرت إسرائيل الانتفاضة الثانية على أنها "حرب إسرائيل على الإرهاب". ومع ذلك، رفضت حمس خطّة الإصلاح التي قدمها الرئيس الأميركي جورج بوش في حزيران/ يونيو 2002، رغم تهدئة نشاطها العسكري، وهو ما أشار إلى استعدادها لتعليق كفاحها المسلح أثناء الانخراط في مفاوضات داخلية مع السلطة الوطنية الفلسطينية. إلا أنّ حركة حمس استأنفت عملياتها الانتحارية في خريف عام 2002، بعد اغتيال قائدها شحادة، وأدانت وصف رئيس وزراء السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس للمقاومة الفلسطينية ب "الإرهاب"، عام 2003، بوصفه نزعًا لشرعيتها. وفي المقابل، صرّحت بأنها لن تحرج عباس إذا تمكن من الحصول على وعد من شارون بإنهاء الاغتيالات والغارات ضدّها (ص 48-47،.)59-54 وبعد جدالٍ دار داخل أروقة الحركة، قرّرت حمس المشاركة في الانتخابات المقرر إجراؤها في تموز/ يوليو 2005، مستفيدةً من أدائها القوي في الانتخابات البلدية، إلا أن عباس قرّر تأجيلها، خلافًا لاتفاق القاهرة، بضغطٍ دولي وموافقة أميركية، لكبح طموحات حمس السياسية، وإعطاء حركة فتح المزيد من الوقت للاستعداد. ورغم تأجيل الانتخابات إلى كانون الثاني/ يناير 2006، فإنّ حركة حمس استفادت من كونها حزب معارضة، ومن إحباط الشارع الفلسطيني تجاه فتح وزعيمها، وفازت وفق برنامجها الانتخابي "التغيير والإصلاح" في الانتخابات – التي بلغت نسبة المشاركة فيها 77 في المئة، والتي اعتبرها المراقبون الأجانب نموذجًا للديمقراطية في المنطقة – بغالبية المقاعد (76 مقعدًا من أصل 132 مقعدًا)، مقابل 43 مقعدًا لحركة فتح (ص. 83-96) ورغم ادّعاء إدارة بوش حرصها على تعزيز الديمقراطية، فإنّها تبنّت استراتيجية مُزدوجة لعزلِ حمس وتأكيد هيمنة حركة فتح عسكريًا وماليًا ودبلوماسيًا، وبدأت برنامجًا سريًّا لدعم فتح وتسليحها. وعليهِ، فُرِضَ حصار ماليٌّ على حكومة حمس. كم لوّحت اللجنة الرباعية الدولية باحتملية تراجع المانحين عن تقديم المُساعدات إلى أي حكومة في حال عدم التزامها بمبادئ اللّعُنف والاعتراف بإسرائيل والاتفاقات المبُرمة سابقًا بما فيها "خارطة الطريق". ومن جهتهم، أطلقت الولايات المُتّحدة وإسرائيل استراتيجية الجدار الحديدي (بحسب وصف حمس) لخنق حكومة حمس، وإجبارها على قبول شروط اللّجنة أو دفع عباس إلى الدعوة لانتخاباتٍ جديدة. في حين

  1. انقسم موقف قادة منظمة التحرير الفلسطينية بين مؤيد ومُعارض للغزو، لكن زيارة رئيس المنظمة ياسر عرفات للعراق بعد يومين من الأزمة، وتصويت المنظمة ضدّ قرار القمّة العربية في شجبِ الغزو، أدّيَا إلى توتّر العلاقة الفلسطينية - الكويتية. وكذلك فعلَ إعلان صدام (12 آب/ أغسطس 1990)؛ بربطه للانسحاب من الكويت، بانسحاب إسرائيل من المناطق المُحتلّة. يُنظر: شفيق الغبرا، النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.254-248

لم تصنف روسيا (عضو اللجنة الرباعية) حمس مُنظمةً إرهابية، كم يشير المؤلف إلى استعداد إيران لدعم حمس ماليًا (ص. 97-100)، الأمر الذي يوضّح – بحسب العربي صدّيقي – أنّ نشر الديمقراطية بالطريقة الأميركية يُنتج التّفرد بدلً من التعددية. وفضلً عن ذلك، يتّضح أنّ الولايات المتحدة عندما تعتمدُ الاستقطاب فإنها تلجأ إلى سياسية الترهيب (لا الحوافز). فحملة إرهاب حمس تُشبه حملة إدارة ريغان في إرهاب الساندينيين بنيكاراغوا في الثمنينيات15. يرى المؤلف أنّ حكومة حمس التي ضمّت كبار أعضاء المكتب السياسي لحمس كحركة، مثل محمود الزهّار وإسمعيل هنية، حاولت الخروج من فخّ الحكم الذاتي وإضفاء الطابع المؤسسّي على مفهوم "المُقاومة" في فلسفة النظام الفلسطيني، ذلك أنها طمحت إلى استبدال قوّات الأمن بجيش مُقاومة، وتعزيز الاقتصاد الوطني، ومُعالجة الفساد، وبناء نظام قانوني مُستقل، إلا أن هذا الطموح اصطدم بالقصورِ الداخلي والتهميشِ الدولي (ص. 103-106). ورغم تفاقُم التوتُّرات بين حكومة حمس ومكتب عبّاس بسبب جهود حمس لتسليح نفسها في ربيع عام 2006، فإنّها قدّمت تنازلات كبيرة في اتفاق مكّة (عام 2007) لإيجاد أرضية مُشتركة مع عباس، وتحقيق مطالب المجتمع الدولي؛ من أجل رفع الحصار وتهدئة المخاوف الدولية، إلا أن الاشتباكات بين مسلّحي فتح وحمس عادت بعد اتفاق مكة بأسابيع لتنتهي بسيطرة حمس الكاملة على قطاع غزة في 14 يونيو/ حزيران 2007 (ص 110، 128-126،.)133

سيطرة حماس على غزة: مأسسة الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني

بعد سيطرة حمس، فُرضَ الحصار على قطاع غزّة لدفعِ سُكّانها، بسبب المعاناة، إلى الثورة ضدّ سُلطة حمس وإطاحتها، حيثُ عُزِلَ القطاع عسكريًّا ودبلوماسيًّا واقتصاديًّا، وتحوّل إلى سجنٍ جمعي لنحو مليونَ نسمة. وبذلك، تحوّلت حكومة حمس إلى سُلطة إدارية بحُكم الواقع Facto De تعمل تحت إشراف الحركة، التي خلقت بيئةً داعمة للنضال المُسلّح ضدّ إسرائيل، ليزداد إطلاق الصواريخ تجاه إسرائيل، من جانب حركة الجهاد الإسلامي غالبًا، وتتصاعد الغارات الجوية والتوغُلّات البرّية الإسرائيلية في غزة في المقابل، لتُعلن إسرائيل بحلول أيلول/ سبتمبر 2007 أنّ غزة "منطقة مُعادية"، وتعملُ على تدويل الدعم الذي يصل إلى القطاع من خلال سيطرتها على الحدود، إلا أن حمس تمكّنت من تخفيف الحصار عن طريق اقتصاد الأنفاق (ص 136-135، 140،.)153 وبصرف النظر عن طبيعتها الإسلامية، يُرجع المؤلف قوّة حمس الأيديولوجية إلى عاملين: أولً، امتلاكها ما تراه انتصارًا مُدويًا يبُرِّر الكفاح المُسلّح ويُثبت جدواه، وفي هذا السياق نشير إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان (عام 2000) ومن قطاع غزة (عام 2005). ثانيًا، الفشلُ السابق لمُنظّمة التحرير الفلسطينية في إقامة دولة فلسطينية ونبذُها الكفاح المُسلّح، إضافةً إلى تعنُّت حمس الأيديولوجي، فهي لم تتنازل عن أيّ مبدأ من مبادئها الأيديولوجية الأساسية مثلم فعلت منظمة التحرير، خصوصًا برفضها الاعتراف بإسرائيل، ذلك أنها تُفسّ قبولها بحُدود 1967 بأنه تكتيك تفاوضي؛ كون إسرائيل نفسها ترفُض الاع اررف بشرعية هذه الحُدود، كم أنّها قدمت عروضًا مُتكرّرة لإنهاء عُنفها مُقابل المُعاملة بالمثل من جانب إسرائيل، إلا أن إسرائيل تجاهلت باستمرار هذه العروض (ص. 228-231) هَدفت إسرائيل من خلال عملية "الرصاص المصبوب" (2009-2008) إلى إجبار حمس على التهدئة وإضعافها من دون إعادة احتلال القطاع بشكلٍ مُباشر وتحمُّل مسؤولية سُكّانه. وبالفعل، بدأ سكّان القطاع يستاؤون من حمس، حيث أتت استطلاعات الرأي بتأييدٍ لفتح بنسبةِ 35 في المئة مُقابل 19 في المئة لحمس، وذلك بسبب ما لحق بهم من بؤسٍ خلال حكمها، وقمعها للفصائل المنافسة، وتقويضها للمجتمع المدني وزيادة القيود على المنظمت غير الحكومية، واستغلالها لبيئة الحرب (حروب الأعوام: 2008، و 2012، و 2014) والفوضى لتسوية حساباتها السياسية، وتنفيذ عمليات اغتيال خارج نطاق القضاء لأعدائها المحلّيين، بمن فيهم أعضاء فتح المُحتجزين في سُجونها (ص 163-156، 217). وهذا لا ينفي وقوع الكثير من سياسات حمس في صميم الاهتممات الشعبية؛ فخلال عملية "الجرف الصامد" مثلً، وصل الدعم لحمس إلى نحو 40 في المئة، وتأييد مفهوم "المُقاومة" إلى أكثر من 90 في المئة (ص. 227-228) لقد فشلت استراتيجيتا القوّة في قطاع غزّة والدبلوماسية في الضفة الغربية في الحصول على أيّ تنازلُات سياسية من إسرائيل، بل أدّتا إلى تفاقُم الانقسام الداخلي؛ ما مأسس الانقسام الفلسطيني الذي استفادت منه إسرائيل بذكاءٍ وفاعلية، بحيث واصلت مسارات التفاوض المُباشرة وغير المُباشرة مع كلِا الطرفين بشكلٍ مُنفصل، مع عرقلة أيّ وحدة بينهم (ص. 169-170). وقد أبرمت العديد من الاتفاقيات بين فتح وحمس لإنهاء الانقسام؛ منها "اتفاق الدوحة"

  1. العربي صدّيقي، إعادة التفكير في الدمقرطة العربية: انتخابات بدون ديمقراطية، ترجمة محمد شيّا (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص.269-262

(عام 2012) الذي أظهرت فيه حمس مرونةً كبيرة في تقديمِ التنازلُات، حيث وافقت على تأجيل الإفراج عن السجناء السياسيين لدى السلطة الفلسطينية إلى ما بعد المُصالحة، كم سمحت حمس لعباس برئاسة الحكومة، إضافةً إلى تأكيدها على دور المُقاومة الشعبية غير المُسلّحة في النضال ضدّ الاحتلال، ومنها كذلك "اتفاق الشاطئ" (عام 2014) الذي تنازلت فيه حمس عن جميع المناصب الوزارية، ووافقت على إشراف السُّلطة الفلسطينية على حُدود رفح، مع تأكيدها على عدم نزع سلاحها. لكن حكومة الوحدة الوطنية التي شُكِّلَت ظلّت رمزيةً، فقد حافظت حمس على سيطرتها القوية على القطاع من خلال كتائب عز الدين القسّام، وتطويرها لهيكل حُكم في غزة مُنفصل عن المؤسّسات الإدارية والوزارية للحُكومة؛ ما أتاح لإسرائيل فُرصةً لإضفاء الطابع الرسمي على الوسائل المُختلفة لفصلِ غزة عن بقيّة فلسطين، بتقديم حمس على أنها منظمة إرهابية من المبرّر تهميشها ومحاصرة مليونَ فلسطيني، وبتصوير عمليات الجيش الإسرائيلي ضدّ غزة على أنّها شكل مشروع للدفاع عن النفس. وفي ذلك، يرى المؤلف أنّه من الدِّقة أن يُقال إنّ حمس أصبحت مُهمّشة بسببِ غزة، بدلً من تهميش غزة بسببِ حمس، وإنّ حمس لا تُثّل مُشكلة لإسرائيل، بل مشكلتها هي فلسطين (ص 188، 209، 223،.)227-225 يُجادل المؤلف بأنّ حمس تتحمّلُ درجة كبيرة من المسؤولية عن حالةِ التجزئة داخل الأراضي الفلسطينية. ففي ظلِّ ترسُّخها في قطاع غزة وسيطرتها الاستبدادية المُتزايدة على الحكومة، اتخذت حمس قرارات مُدمّرة في المجالين السياسي والعسكري المُتشابكين. سياسيًا، بدأ الضرر مع قرار الحركة خوض الانتخابات التشريعية، فهي سعت للانضممِ إلى المؤسّسات نفسها التي رفضتها، مُعتبرةً انتصارها الديمقراطي تفويضًا لتفكيكِ وإعادة تجميع هياكل "الدولة" بأكملها، لتفشل في فهمِ مبادئ الحُكم الديمقراطي؛ فهي تبنّت الديمقراطية ليس من أجل تشكيل حكومة، بل من أجل قيادة النضال الفلسطيني. ولا علاقة لهذا الفشل بالتعارُض بين الإسلام والديمقراطية، بقدر ما يتعلّق بحُدود السيادة والعلاقات بين بناء الدولة والثورة. فقد افترضت الحركة خطأ أنّ الثورة يُكن أن تنطلق من داخل الأنظمة التي أنشئت من أجل تدجين النضال الوطني، كم أدى العُنف الذي أطلقته حمس ضدّ الفلسطينيين الآخرين إلى تعريض النضال الفلسطيني للخطر. إضافةً إلى ذلك، أعطت حمس بقاءَها أولويةً على حساب المُصالحة وتحقيق الوحدة، مبرّرةً ذلك بحمية الفلسطينيين من مزيدٍ من تنازلُات مُنظّمة التحرير الفلسطينية. أمّا عسكريًا، فقد فشلت حمس استراتيجيًا في تحقيق غايات الجهاد، وأدى اعتمدها على العنف إلى تهديد النسيج الاجتمعي للمُجتمع الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، حيث استُخدم العُنف كتكتيكٍ لتحقيقِ غايات سياسية، وسهّل تجريد المُعارضين من إنسانيّتهم. لقد ساهمت حمس – وفتح بالتأكيد – بشكلٍ فعّال في تقسيمِ نضال التحرير الوطني إلى مسارين مُتنافسين، وفي تحويل العلاقات الداخلية إلى معاركٍ ضارية لامُتناهية. وبطبيعة الحال، عرقلت كُلٌّ من السُّلطة الفلسطينية وإسرائيل الجُهود المبذولة للتخلّ عن مسؤوليات الحُكم والعودة إلى حركة التحرير (ص. 240-245)

احتواء حماس: محاولة فهم تحت الحصار تعقيدات حركة إسلامية

يُرجع المؤلف بقاء حمس إلى ما يصفهُ باحتواء حمس، حيث عملت إسرائيل منذ عام 2007 على احتواء حمس في قطاع غزة وتحويلها إلى سُلطة إدارية شبيهة بالسلطة الفلسطينية في الضفّة الغربية من خلال "إدارة المقاومة"، وذلك عن طريق سياسة "جز العُشب" التي تعتمدُ على الاستخدام المُتقطع للقوّة العسكرية؛ تقويضًا لأيّ نموّ لفصائل المُقاومة في غزة. فإسرائيل تحتاجُ إلى حمس ضعيفة بما يكفي حتى لا تُهاجم إسرائيل من جهة، ومُستقرّة بما يكفي للتعامُل مع الجمعات الإرهابية المُتطرّفة في غزة من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى انخراط كل من إسرائيل وحمس في عملية الحفاظ على التوازُن، بحيث تعتمد حمس على إطلاق الصواريخ لإزعاج إسرائيل، في حين تستخدم إسرائيل القوّة العسكرية لإضعافِ حمس (ص. 232-233) وبعد أن فشلت حمس في تحمُّل مسؤولياتها الحكومية، وبعد أن أصبح التمسك بمشروع التحرير مُرهقًا، اتخذت إجراءاتها الخاصّة، خلال عامَي 2015 و 2016، لتعزيزِ إيراداتها من خلال زيادة الضرائب المحلّية، وإحياء الجُهود الدبلوماسية للحفاظِ على العلاقات الإقليمية. وبات التأييد الشعبي لحمس يتشكّل من خلال نوعية إدارتها لقطاع غزة، وليس من خلال التزامها بالمُقاومة. صحيح أنّ اتهامات فتح لحمس بخضوعها خلف الأبواب المُغلقة مُبالغ فيها للمصلحة الذاتية، إلّ أنها تنطوي على جانب من الحقيقة. ففي كُلّ مُحادثات وقف إطلاق النار الموقّعة مع إسرائيل بين عامَي 2009 و 2012، وافقت حمس على مساعٍ قصيرة المدى لكبحِ جمح المُقاومة مُقابل الاستقرار والوعد بتخفيفِ الحصار في المُستقبل (ص. 233-234) وأصدرت حمس "وثيقة سياسية" جديدة في أيار/ مايو 2017، لتُعبّ عن تحولّات الحركة خلال عقدٍ من حكمها لغزة. فقد وافقت فيها على إنشاء دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وقرار الأمم المتحدة رقم 194 الخاص بحق العودة، وتقييد الكفاح المسلح للعمل في حدود القانون الدولي، وفصل ارتباط حمس بمنظمتها الأم الإخوان المسلمين، موضحةً التزامها بالقومية الفلسطينية (ص. 245)

يستنتجُ المؤلف من تجربة حمس مدى تعقيدِ الحركات الإسلامية؛ ففي حين تدعو إلى الكفاح المُسلّح ضدّ الاحتلال، فإنها تُظهِر "موقفًا مُعتدلً" تجاه العملية الديمقراطية محليًّا، مع قمعها للتعدُّدية السياسية وحفاظها على نظام اجتمعي مُحافظ وإظهار قُدرتها على تبنّي نهج حداثي وعملي للحُكم. كم توفّر تجربة حمس بعد سيطرتها على قطاع غزة نظرةً أكثر قُربًا لنهجها في الحُكم. فبينم ركّزت قبضتها على السُّلطة، أثيرت مخاوف بشأنِ رغبتها في فرضِ نظام اجتمعي مُحافظ مثل تطبيقها لقوانين الفصل بين الجنسين؛ إذ إنها تهدفُ إلى إنشاءِ نظام يُكن من خلاله أن تتطوّر الشريعة بشكلٍ عُضوي، وبناء هوية تلتفُّ حول المُقاومة (ص. 239-240). وينبغي الإشارة هنا إلى أن حمس لم تحكم غزة بمعايير الدولة الدينية، إلا أن توجهاتها الدينية واضحة، خصوصًا من خلال تصريحات قياداتها التي أشارت إلى الدولة الإسلامية والخلافة صراحةً، وهو أمرٌ اختلفَ بعد وصولها إلى الحكم16. يؤكد المؤلف على أن فهم الشرعية الواسعة النطاق لحركاتٍ مثل حمس أمرٌ ضروري، حيث إنّ العديد من الدوافع السياسية التي تقوم عليها أيديولوجيّتها تُشكّل مبادئ أساسية للنضال الفلسطيني من أجل تقرير المصير. وفي حين يبدو أنّ وحشية حرب عام 2014 على غزة تضمنُ فترة تهدئة أطول من التصعيد السابق، فإنّ هذا الشأن لا ينفي هُجومًا آخر وشيكًا بوصفه استمرارًا لاستراتيجيةِ إسرائيل في "جزّ العُشب"؛ إذ إنّ الاحتواء الفعّال لحمس من جانب إسرائيل يعني إلغاءَ احتملية ظهور قرار نهائي من شأنه تلبية المطالب الفلسطينية، وتسهيل إلقائها اللّومَ على إرهاب حمس باعتباره السبب الأساسي للاضطرابات. ويُكن لحمس من جانبها، تجنّب تقديم تنازلُات أيديولوجية إضافية بالقول إنّ إسرائيل نفسها فشلت في قبول الوفاء بالحقوق الفلسطينية أو شرعية حُدود 1967. وبهذه الطريقة ستواصل حمس الحفاظ على قوّتها، وتواصل إسرائيل استعمرها للضفّة الغربية وسيطرتها على قطاع غزة، في حين يواصل الفلسطينيون دفع الثمن الأعلى (ص. 247-249) يرى بقعوني أنّه بات من الصعب على حمس، بعد أكثر من 13 عامًا من إدارتها قطاع غزة، أن تحافظ على الموازنة بين نشاطاتها العسكرية ومسؤولياتها في الحكم، بوصفها لاعبًا براغمتيًّا يتحكّم في التزاماته الأيديولوجية الطويلة المدى ويتعامل مع الوقائع السياسية القصيرة المدى. إنّ ترحيب حمس بمسيرات العودة الكبرى (2019-2018) ومن ثمّ مشاركتها فيها، يظهر سعي الحركة إلى تنويع وسائلها لممرسة الضغط على إسرائيل، بما يتجاوز استخدام التكتيكات العسكرية التقليدية مثل إطلاق الصواريخ. كم يُظهر وقف إطلاق النار المتقطّع الذي أعقب ذلك بين حمس وإسرائيل منذ عام 2018، رغبة حمس في كبح جمح نشاطاتها العسكرية مقابل التزام إسرائيل بتخفيف الحصار والقيود المفروضة على غزة، الأمر الذي أبدى الفلسطينيون في غزة اعتراضًا عليه، إلى جانب فصائل أخرى، على اعتباره تقييدًا لنشاطات المقاومة وأهدافها السياسية المتمثّلة بالتحرير. وتكمن بعض الحقيقة في ذلك، فالقوّة العسكرية التي تستخدمها إسرائيل ضدّ الفلسطينيين ثبّطت جميع أشكال المقاومة الفلسطينية بنجاح، وحصرت ك لً من حركة حمس والسلطة الفلسطينية في أدوار السلطات الحاكمة في المناطق الفلسطينية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. وغالبًا ما تُبدي حمس، على المدى القصير على الأقل، مسؤولياتها في الحكم على المقاومة العسكرية. وعملت حكومة حمس، بوصفها كيانًا حاكمً يعمل في ظروف استثنائية، بشكل جيّد نسبيا في بعض المجالات، مثل التعامل مع أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، بينم تصرّفت بطريقةٍ سلطوية في مجالات أخرى، بما في ذلك قمع حرّية التعبير وقمع أشكال الاحتجاج الشعبي، جعلت الحياة في غزة أكثر صعوبة. أمّا على الصعيد الإقليمي، فتسير الحركة، كم هو الحال بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، على خطٍّ رفيع، كونها تدير تحالفات إقليمية سريعة التحوّل، ليس أقلها مع دول مثل مصر والمملكة العربية السعودية، والتي تعمل على توسيع تحالفاتها الأمنية مع إسرائيل وتؤيّد الثورات الإقليمية المضادّة، ومع دول أخرى فاعلة مثل إيران وتركيا وقطر، والتي تقدّم الدعم الجيوسياسي والمالي لحمس17.

خاتمة

فيي كتابه تأريخًا نقديًّا لحمس بوصفها جمعة مركزية يُقدّم المؤلف ومهمّشة في الحركة الوطنية الفلسطينية مُعتمدًا على منهج تحليل الخطاب لسرد سيرة الحركة كم وردت في خطاباتها ووثائقها، ويرصد - كرونولوجيًّا - التحولات الرئيسة التي مرّت بها الحركة، ليعود في ذلك إلى امتدادها التاريخي بإنشاء أوّل فرع للجمعة الأم (الإخوان المسلمون) في فلسطين عام 1945، ومن ثمّ إلى بدايات تبلورها مع تأسيس الجمعية الإسلامية عام 1976 من جانب مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين، ثُمّ نشأتها عام 1987، وصولً إلى سيطرتها على غزة، ومن ثمّ حصارها وخَنقها، وصولً إلى احتوائها من خلال مُعادلة "التوازُن الضمني"، بحسب وصف المؤلف، بين حمس وإسرائيل. ومع أنّ الكتاب يروي حكاية حمس، فإنّه يروي حكاية

  1. سنية الحسيني، "الانقسام وحدود التباين الفكري بين فتح وحماس"، مجلة الدراسات
  2. الفلسطينية، العدد 105 (شتاء 2016)، ص.142 17 طارق بقعوني، مقابلة بالبريد الإلكتروني،.2020/10/12

الحركة الوطنية الفلسطينية من جهة، ويشرح تطوُّرات الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، والانقسام الفلسطيني - الفلسطيني بين السلطة الفلسطينية وحمس من جهةٍ أخرى. ويعزو المؤلف ذلك إلى فترة السبعينيات من القرن الماضي، وليس إلى أحداث الاقتتال الفلسطيني عام.2007 وتمتاز مساهمة المؤلف بتحرّرها من الحمولات الأيديولوجية، بل إنه كان محايدًا إلى حدٍّ بعيد. فمثلً، يدين المؤلف استهداف المدنيين من كلا الجانبين؛ الفلسطيني والإسرائيلي (ص x-xii). كم أنه ينتقدُ مُحاولات إخضاع السياق الفلسطيني لمفاهيم لا تنطبق عليه بموضوعية، مثل الإرهاب والحرب والسلم والعنف. ومن خلال ذلك يشير إلى أنّ استخدام العنف في النضال الفلسطيني المسلّح يُدان في كثير من الأحيان، مع تناسي أنّ العنف أثارَ العديدَ من مسارات التحرُّر المُناهِضة للاستعمر، وإغفال السياق التاريخي الذي أدّى إلى ظهور حمس بوصفها حركة مقاومة مسلّحة (ص xviii-xix xv,.)x, لقد نجح المؤلف في توصيف وتحليل قرارات الحركة التي اتّخذتها للتكيّف مع تطوّرات علاقتها بالسلطة الوطنية وصراعها مع إسرائيل، من دون أن يسقط في الانحياز الذي قد يقعُ فيه من يستندُ إلى المصادر الأولية لفاعلٍ واحد من دون باقي الفاعلين؛ فهو قد تفادى، بموضوعية، تحوُّل مؤلَّفه إلى انعكاس لصوت الحركة كم تريد أن تُقدِّم نفسها. كم يُشادُ في ذلك، بالعمل الميداني الذي قام به المؤلف، ورجوعه إلى كمٍّ كبير من المصادر ووثائق الحركة التي تجعلُ الكتاب شاملً، وقادرًا على المُقارنة بين خطاب الحركة ومُمرساتها. إلا أن منهج تحليل الخطاب رغم إتاحته التّعرف إلى سردية الفاعل، كم يرويها المؤلف نفسه، ينطوي على جوانب من القصور يُحدِّد منها المؤلف عدم سمحه بقياسٍ علمي لواقع حمس18، ثمّ إنّه لا  يُكّن من فهم كيفية تشكّل هوية حمس، وأنماط التعبئة والتحشيد التي تتبعها الحركة، والاقتصاد السياسي للحركة ومصادر تمويلها، إضافةً إلى إغفال الجانب السوسيولوجي للحركة؛ فالكتاب يُقدم قراءة في كيفية صمود حمس في غزّة، لكن ماذا عن بنية حمس الداخلية وقاعدتها؟ وما هي البنية الرأسية لحمس؟ إنّ بنية حمس تُشبه إلى حدٍّ بعيد بنية تنظيم الإخوان المسلمين، حيث تتسلسل قيادتها من المكتب السياسي وجهاز الدعوة والذراع العسكرية حتّى الشعبة والأسرة. أمّا الإشكالية الرئيسة في كتاب المؤلف، فهي تتمثّل في غياب المعالجة النظرية أو المفاهيمية، حيث لم يحدّد المؤلف طريقة دراسته لحمس (ليس منهجيًّا، بل نظريًّا)؛ فهو لم يقدّم تعريفًا لحمس من جهة أنها حركة اجتمعية، أو حزب سياسي، أو ميليشيا مسلحة، أو جمعة دون الدولة19، كم أنه لم يوضّح الحقل العلمي الذي يُدرج فيه كتابه. وفي حين راوحت الدراسات في بحثها للحركات الإسلامية بين اقترابات نظرية مختلفة؛ مثل اقتراب الأزمة، والاقتراب الماهوي/ الجوهراني، أو اقترابات نظرية الحركات الاجتمعية (اقتراب العملية السياسية، واقتراب بنية الفرص السياسية، واقتراب التأطير الثقافي)20، فإنّ المؤلف لم يستند إلى أيّ اقتراب نظري في دراسته لحمس رغم تعقيداتها بوصفها حركة إسلامية في سياق استعمري. ختامًا، يُعتبر هذا الكتاب، احتواء حمس: صعود مقاومة فلسطينية وركودها، مرجعًا مهمًّ للتعرُّف إلى تاريخ حمس، وديناميات صعودها واحتوائها، خاصةً أنّه لا يعزلها عن سياقها الفلسطيني الأوسع كم يلاحظ في العديد من الدراسات التي صوّرت حمس بوصفها حركة دخيلةً على الحركة الوطنية الفلسطينية. ولعلّ الكتابة عن حمس، في حدِّ ذاتها، مغامرة محفوفة بالعديد من المخاطر، حتى إنه يصعبُ الابتعاد عن "مطرقة" المبالغة في المدح و"سنديان" النقدِ الأيديولوجي المتطرف، حيث يلحقُ بالمتعاطف مع الحركة اتهامات بالأصولية ودعم الإرهاب، وبمنتقديها تُهَم العلمنة والاستشراق ومُعارضة المقاومة. يضاف إلى ذلك شُحّ الأدبيات التي بحثت هذه التجربة الفريدة، في السياق الفلسطيني، وسياق الحركات الإسلامية بشكلٍ عامّ.

  1. طارق بقعوني، "تخندق حماس في غزة"، في: قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، الجزء الأول: في الهوية والمقاومة والقانون الدولي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.517
  2. على سبيل المثال، يُعرّف سعود المولى حماس بأنها حركة جهادية بالمعنى الواسع للجهاد بحسب أيديولوجيا مؤسّسيها، ومن جهةٍ أخرى هي حركة شعبية تُعبّ عمليًا عن تيار فلسطيني شعبي واسع. يُنظر: المولى، "المقاومة الإسلامية في فلسطين"، ص.57
  3. خليل العناني، داخل "الإخوان المسلمين": الدين والهوية والسياسة، ترجمة عبد الرحمن عياش، مراجعة عومرية سلطاني (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018)، ص.56-41

المراجع

العربية

أبو عامر، عدنان. الحركة الإسلامية في قطاع غزة: بين الدعوة والسياسة. القاهرة: مركز الإعلام العربي،.2006

أبو عمرو، زياد. أصول الحركات السياسية في قطاع غزة 1967-1948:. عكا: دار الأسوار،.1987

أبو مرزوق، موسى. مشوار حياة: ذكريات اللجوء والغربة وسنوات النضال. ط 2. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2019 إشنيور، رائد. التقارب بين حمس وإيران بين الضرورة والخيار. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2014

بلقزيز، عبد الإله. أزمة المشروع الوطني الفلسطيني: من "فتح" إلى "حمس". بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2006

الحسيني، سنية. "الانقسام وحدود التباين الفكري بين فتح وحمس". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 105 (شتاء.)2016

حنيني، عبد الحكيم. منهجية حركة حمس في العلاقات الخارجية: سورية نموذجًا 2015-2000. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2018

الزعنون، سليم محمد. سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الحركات الإسلامية في المنطقة العربية: دراسة حالة حركة المقاومة الإسلامية (حمس:) 2007-2001. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 شهاب، زكي. حمس من الداخل: القصة غير المروية عن المقاومين والشهداء والجواسيس. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2008

صدّيقي، العربي. إعادة التفكير في الدمقرطة العربية: انتخابات بدون

ديمقراطية. ترجمة محمد شيّا. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010

صلاح، عقل. حركة حمس وممرستها السياسية والديمقراطية: 2012-1992. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2016

العناني، خليل. داخل "الإخوان المسلمين": الدين والهوية والسياسة. ترجمة عبد الرحمن عياش. مراجعة عومرية سلطاني. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2018

الغبرا، شفيق. النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 غوشة، إبراهيم. المئذنة الحمراء: سيرة ذاتية. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2008

قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، الجزء الأول: في الهوية والمقاومة والقانون الدولي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

محمد محسن صالح (محرّر). حركة المقاومة الإسلامية حمس: دراسات في الفكر والتجربة. ب وررت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2014

محمود، خالد، وآيات حمدان. "ح س وم:رر المأزق ومآلات العلاقة". سياسات عربية. العدد.)2014(7

مشعال، شاؤول، وأبراهام سيلع. أزمة المشروع الوطني الفلسطيني من فتح إلى حمس. قراءة وتعليق علي بدوان. دمشق: دار صفحات للدراسات والنشر،.2009

المولى، سعود. "المقاومة الإسلامية في فلسطين: التباسات البدايات، واقعية المسارات". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 95 (صيف.)2013 ___________. من فتح إلى حمس: البدايات الإخوانية والنهايات الوطنية. بيروت: دار سائر المشرق للنشر والتوزيع،.2018

النواتي، مهيب سليمن أحمد. حمس من الداخل. عمن: دار الشروق للنشر والتوزيع،.2002

نوفل، أحمد سعيد، وآخرون. حركة المقاومة الإسلامية حمس: دراسات في الفكر والتجربة. ب وررت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2014

الأجنبية

Hroub, Khaled. Hamas: Political Thought and Practice. Washington D.C: Institute for Palestine Studies, 2000. Jensen, Michael Irving. The Political Ideology of Hamas: A Grassroots Perspective. London: I.B. Tauris, 2009.

Nusse, Andrea. Muslim Palestine: The Ideology of Hamas. London: Routledge Curzon, 1998.

Tamimi, Azzam. Hamas: Unwritten Chapters. London: C. Hurst & Co., 2009.

Yousef, Mosab Hassan. Son of Hamas: A Gripping Account of Terror, Betrayal, Political Intrigue, and Unthinkable Choices. Illinois: Tyndale Momentum, 2010.