الجزائر: تجربة ربع قرن في مكافحة الإرهاب
A Quarter-Century of Algerian Counter-Terrorism
الملخّص
تروم هذه الدراسة الاشتغال بالتجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب بوصفها إحدى التجارب العربية والدولية في التصدي لهذه الظاهرة. وتركز على ثاثة أبعاد رئيسة في قراءة هذه التجربة؛ بعد تاريخي استهدف رصد المراحل المفصلية للتجربة وتتبعها مع محاولة تقديم تصور تحقيبي يعكس سيرورة تطورها؛ وبعد ثانٍ اهتم بمتابعة الاستراتيجيات الرئيسة التي جرى توظيفها في مواجهة الإرهاب، وهي استراتيجيات متنوعة، بيد أنها تهتم أساسًا باستراتيجيات المواجهة الأمنية - العسكرية، ثم الاحتواء السياسي، والتدبير الاقتصادي. وتنتهي في محور أخير إلى الخاصات و"العبرة" التي يمكن استخاصها من المنوال الجزائري في التصدي لآفة الإرهاب، دون أن يمنع ذلك من الوقوف على بعض ثغرات هذه التجربة وأخطائها.
Abstract
The basic hypothesis of the study is summarized in Israel's ongoing efforts to maintain its monopoly on nuclear weapons in the Middle East for as long as possible, and its various political, diplomatic, security, military, and economic activities to prevent Iran and any other country in the Middle East from obtaining nuclear weapons. The study examines Israel's policy, which calls for imposing the maximum international economic sanctions on Iran, manifested in its complete abandonment of the nuclear project or the overthrow of the Iranian regime. It presents Israel's policy towards the negotiations to return to the Iranian nuclear deal and the strategic confusion in which Israel finds itself due to many mistaken assumptions adopted by the Benjamin Netanyahu government regarding the Iranian nuclear project. It also discusses Israel's goals in the "war between wars" it wages against Iran and the major strategy against Iran advocated by the Israeli military establishment, as well as Israel's efforts to establish an Israeli-Arab-American military alliance against Iran. The study also presents the Israeli vision of the Israeli military attack on Iranian nuclear facilities and the risks and problems it faces.
- إسرائيل
- إيران
- البرنامج النووي الإيراني
- Israel
- Iran
- Iranian Nuclear Program
رصد تاريخي ومحاولة في نقد التجربة
A Historical Analysis
مقدمة الدراسة وإشكاليتها
إذا صح أن يسمى قرننا الحالي قرن العولمة الاتصالية، وتعميم التكنولوجيا الذكية، وقرن مجتمع المعرفة والمعلومات، والاستهلاك الوفير، فيصح أيضًا أن يسمى من وجهة أخرى قرن النزال مع الظاهرة الإرهابية والحرب الكونية على الإرهاب. تلك الحرب التي بدأت بتصريح الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بعد الاعتداء على مبنى مركز التجارة العالمي، في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، بأنّ "من ليس معنا فهو ضدنا"، معلنًا عن ميلاد التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. منذ تلك اللحظة، وربما قبلها بقليل، اتسعت الظاهرة حجمً وشكلً، ولم تبق محصورة في بلد أو قارة بعينها، بل أمست ظاهرة كونية عابرة للحدود والقوميات، وتترجَم دوريًا في شكل اعتداءات وتدمير وأعمل عنف في مدن العالم. وعندما بدأ العالم، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية يتحدث علنًا عن الخطر الإرهابي، كانت الجزائر قد قضت أكثر من عشرية كاملة في منازلة الإرهاب الهمجي، وطوّرت وحدها، في ظل شبه عزلة دولية وإقليمية وعربية، تجربتها الخاصة في التصدي له؛ لذلك اهتمت دول العالم بهذه التجربة، فقد رأى بعض الغربيين في الجزائر "مدرسة في مكافحة الإرهاب يجب التعلّم منها"1. ومثلم يقول إرفيه بورج: "لقد أصبحنا نعلم الآن أن العبرة الجزائرية صالحة لكل البلدان، فهي من الآن مرجع إلزامي للتفكير في الإرهاب المعاصر وانتشاره في كل أنحاء العالم"2. لكن، من الغريب أن التسويق السياسي الرسمي الجزائري لهذه التجربة، الذي لا ينفكّ الإعلام الرسمي يتحدث عنه ويبشّ به، لا يضاهيه في المقابل عمل توثيقي يقدّم التجربة في تاريخها ومراحل تطورها وأبعادها واستراتيجياتها للمؤسسة البحثية وللرأي العام الذي يريد الاطلاع على هذه التجربة وعلى حيثياتها، باستثناء أعمل قليلة لبعض الباحثين تتحدث عن تاريخ الإرهاب وتغوص في بعض مباحثه النظرية، مثل مفهوم الإرهاب، وعوامله، وحوامله السوسيولوجية، ولكنها لا تعطي صورة مكتملة عن تفاصيل التجربة3 التي يبشر بها ويسوّق لها الإعلام في كل المناسبات. يدل هذا على شحّ ما نعثر عليه من الأعمل العلمية العامة والمتخصصة التي كُتبت حول التجربة، وكذا لدى البحث عن وثائق أو أعمل صادرة عن الجهات الرسمية ذات الصلة بالموضوع (وزارات، إدارات ذات صلة... إلخ). وهو ما يدعو إلى الاشتغال بالموضوع - التجربة، لتقديم محاولة بحثية ترسم صورة، ولو أولية، عن هذه التجربة التي كثر الحديث عنها وقلّ التدوين بشأنها. وتأسيسًا على ذلك، فإن الإشكالية العامة التي تتمحور حولها هذه المحاولة البحثية تنطلق من هذا المسوّغ بالأساس؛ حيث تروم الحفر في التجربة الجزائرية في التصدي للإرهاب، والوقوف على تطوراتها وتمفصلاتها التاريخية من خلال متابعتها بوصفها حدثًا تاريخيًا. ويمكن تلخيص بؤرة اشتغال هذه المحاولة في مساءلتها لثلاثة متغيرات رئيسة نعتقد أنها كفيلة بإمدادنا بصورة و/أو رؤية كلية بخصوص التجربة، وهذه المتغيرات تحديدًا: المراحل، والاستراتيجيات، والاستخلاصات العامة. بناءً عليه، فمدار الإشكالية محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة المحورية: ما المراحل المفصلية التي مرت بها تجربة مكافحة الإرهاب في الجزائر؟ ما الاستراتيجيات التي وُظفت في مواجهة الإرهاب في التجربة الجزائرية؟ ما العبرة4 التي يمكن أن تتيحها لنا القراءة التتبعية والنقدية للتجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب؟
أولا: الإرهاب والظاهرة الإرهابية في الجزائر: توطئة تاريخية
ينبغي لنا أن نشير، بدايةً، إلى أنّ التجربة الجزائرية في التصدي لظاهرة الإرهاب لم تولد ولادة مكتملة، ولم تكن تجربة ناضجة منذ بدايتها، بل ظلت تتطور تدريجيًا مستفيدة من نجاحاتها ومن عثراتها وأخطائها، وما زالت، على الرغم من مخزون الخبرة الذي حازته، تطوّر أداءها إزاء ما يستجدّ من أشكال الظاهرة الإرهابية وميكانيزماتها وطرق اشتغالها، التي باتت تكيّف نفسها، وتوظّف التكنولوجيات المستحدثة، وتجدّد منهجياتها في منازلة خصومها على نطاق دولي.
إنّ تجربة الجزائر في التصدي للإرهاب تعود إلى فترة متقدمة من الزمن، وتحديدًا إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته، عندما تصدّت أجهزة الأمن الجزائرية لمحاولات بعض الأفراد والجمعات المسلحة التي تشكلّت في تلك الفترة لمقارعة النظام الحاكم، والاحتجاج على خياراته الأيديولوجية، وطريقته في إدارة شؤون الدولة والمجتمع. وإذا كانت معظم الدراسات التي اشتغلت بالسياق الجزائري تتحدث عمّ تسميه "الإرهاب الإسلاموي"، وتحيل على تجربة جمعة الموحدين، بزعامة القيادي الإخواني محفوظ نحناح، التي تأسست سنة 1976، وأعلنت احتجاجها، عبر عمل استعراضي تمثّل في تخريبها بعض منشآت الدولة في منطقة المتيجة وسط الجزائر، على نظام هواري بومدين وعلى خياراته الاشتراكية بعد إعلانه ميثاق ودستور 19765، وتجربة جمعة مصطفى بويعلي، وترى فيها جذرًا تأسيسيًا للعمل المسلّح في الجزائر، فإننا نستفهم عن بعض الحركات والجمعات الأخرى غير الإسلاموية التي كان لها دور مشابه في الاحتجاج على النظام وعلى خياراته السياسية والأيديولوجية، ولكنها لا تصنَّف ضمن الحركات العنفية أو التي مارست العنف والإرهاب، كأن العمل الإرهابي عمل مقصور على جمعات تنسب نفسها إلى الإسلام، تمامًا كم يجري التسويق له اليوم على صعيد كوني عندما يُربط الإرهاب الدولي قصدًا وقصرًا بالإسلام، وبالجمعات التي تنسب نفسها إليه. وكأن الإرهاب حالة إسلامية معاصرة مقصورة عليه دون غيره من الديانات والثقافات. ففي الحالة الجزائرية يمكن الحديث عن بعض الأعمل الاستعراضية التي يمكن تصنيفها، مقارنة بنظيرتها الإسلاموية، على أنها أقرب إلى العمل الإرهابي6، تلك هي حال منظمة المقاومة الشعبية المسلّحة O.R.P Populaire, Résistance de Organisation، مثلً، التي تشكلت إثر انقلاب 19 حزيران/ يونيو 1965 من عناصر ماركسية مقرّبة من الرئيس المنقلَب عليه أحمد بن بلّة7، وقد فكّكها البوليس السياسي. كم يمكن الحديث، قبل ذلك وفي السياق نفسه، عن بعض المجموعات النشطة في منطقة القبائل عقب الاستقلال، عندما نشب بينها وبين أجهزة الدولة احتكاك مسلّح احتجاجًا على خيارات السلطة؛ وقد تصدت الدولة له وأنهته بالقوة وسجنت قياداته، وعلى رأسهم المعارض حسين آيت أحمد8. ما يمكن تسجيله بخصوص هذه الحركات هو سرعة بروزها وتلاشيها؛ ويرجع ذلك بالأساس إلى عامليَن، هم: قوة النظام الحاكم وكاريزما زعاماته (بن بلة، ثم بومدين)، إضافة إلى الهشاشة التنظيمية وضعف الانغراس الشعبي لهذه الحركات.
1. الموجة الأولى من الإرهاب في الجزائر
يتحدث بعض الكتّاب في تتبعهم للفعل الإرهابي عبر العالم عن موجات إرهابية يقسمونها إلى مراحل ثلاث، مبتدئين التأريخ لها بفترة ما بعد الثورة الفرنسية، ثم يتتبعونها إلى وقتنا الراهن9. وإذا تجاوزنا منطقهم التحقيبي الذي يتتبع الظاهرة في أفقها الغربي لنقصره على ما يتصل بالسياق الجزائري، وإذا تجاوزنا الفترة الأولى التي أعقبت الاستقلال، 1979-1962، التي كان فيها الفعل الإرهابي محض أعمل عرَضية وظرفية سرعان ما تظهر ثم تتلاشى تبعًا لما بيّناه سابقًا من العوامل، فإننا سنجد الوضع مختلفًا في الفترة اللاحقة. فمع مقدم عقد الثمنينيات، وتولي الرئيس الشاذلي بن جديد مقاليد السلطة، برزت قوة جديدة استطاعت خلال مدة وجيزة أن تناجز النظام الحاكم، وأن تكون عامل قلق حيث صمدت على خلاف
حال سابقاتها في فترة الستينيات والسبعينيات، واستغرقت عمليات مطاردتها وتصفيتها خمس سنوات كاملة، تلك هي حال جمعة مصطفى بويعلي الإسلامية التي بدأ نشاطها المسلّح تحت مسمى الحركة الإسلامية المسلحة Mouvement MIA Armée, Islamique، في تموز/ يوليو 1982، وامتدّ حتى تصفية قائدها سنة 198710. كانت هرمية الحركة قائمة على كاريزما الأمير ومركزيته، وبعد مقتله يكون مصير الجمعة من مصير زعيمها؛ حيث انتهت باعتبارها تنظيمً مسلحًا، خاصة بعد القبض على جلّ أعضائها وتقديمهم للمحاكمة. لكن السؤال المطروح: هل انتهت النزعة النضالية في فكر الباقين من أعضاء هذا التنظيم المسلح الذين سيجري إطلاق سراحهم بعد حين؟
2. الموجة الثانية من الإرهاب في الجزائر
من اللافت للانتباه أن بعض أبرز "الأنوية" التي قادت العمل المسلح إلى غايته، بعد إلغاء المسار الانتخابي في كانون الثاني/ يناير 1992، ومن ثَم تشكّلت موجة الإرهاب الثانية في الجزائر - وهي موجة أشد عمقًا وشراسة، لما ستخلفه من شروخ خطيرة في بنية الدولة والمجتمع - من قيادات الحركة الإسلامية المسلحة؛ أي من قيادات حركة بويعلي المسجونين (عبد القادر شبوطي، ومنصوري الملياني، وغيرهم) الذين أُطلق سراحهم في تموز/ يوليو 199011. سيشكّل هؤلاء، إذًا، نواة جمعات إسلامية مسلحة تخوض حربها الشرسة ضد "النظام الانقلابي" الذي لم يكن مشايعو الخيار الراديكالي في التغيير يؤمنون في قرارة أنفسهم بأنه سيسمح بميلاد دولة إسلامية في الجزائر، ولم تكن فترة صمتهم بين لحظة إطلاق سراحهم ولحظة إلغاء المسار الانتخابي إلا استثناءً، كان هؤلاء يبحثون فيه عن مبرّر للعودة من جديد إلى نشاطهم الراديكالي لتحقيق هدفهم، وهو تأسيس دولتهم المنشودة. إلى جانب أسلاف العمل المسلّح المحسوبين على قدماء الحركة الإسلامية المسلحة، دخلت على خط العمل المسلح جمعات ما عُرف ب "الأفغان الجزائريين" العائدين من حرب أفغانستان، الذين بدأ دورهم حتى قبل إلغاء المسار الانتخابي، حينم شنّوا هجومهم على ثكنة بلدة قمر في الجنوب الشرقي من الجزائر في 199112. وهو ما يوحي بأنّ النزعة الراديكالية كانت حاضرة ومتخفية، وتكثفت لاحقًا عند إلغاء المسار الانتخابي؛ حيث اندلع العمل المسلح وتوسّعت تنظيمته الإرهابية وتعددت، وكان لهؤلاء الأفغان، بسبب ما حازوه من التدريب والخبرة في هذا المجال، دورٌ خطير في التنظيم والتدريب العسكري لمجمل الملتحقين بالجبال من مشايعي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، المتضررين من التضييق، أو الهاربين من الإجراءات الاستثنائية التي باشرتها سلطة ما بعد الانقلاب ضدهم. إن هذه الموجة الإرهابية الثانية يمكن تحقيبها أيضًا إلى مجموعة من المراحل يمكن اختصارها في ثلاث، هي:
أ. مرحلة تدبير شروط انطلاق العمل المسلح
تبتدئ هذه المرحلة عندما بادر بعض الناشطين الإسلاميين من المحسوبين على التيارات المتأثرة بالفكر الجهادي، من سلفيين وأفغان جزائريين وقطبيين والهجرة والتكفير، الذين كانوا على قناعة تامة بعدم جدوى العمل السياسي، وأن مطلب "الدولة الإسلامية" يتحقق حتمً بالعمل الجهادي المسلح كم رسّخه تكوينهم الفكري في المحاضن التي تشكّلوا فيها، لا بالاقتراع الانتخابي والممرسة الديمقراطية، إلى تدبير شروط إطلاق العمل المسلح. كانت محصلة هذا النشاط ميلاد عدة أنوية لجمعات مسلحة باشرت نشاطها المسلح عندما ألغي المسار الانتخابي. كم تشكّلت أخرى عشية هذا التوقيف، وانخرط الجميع في طريق التغيير الراديكالي والعنف المسلح "لاستعادة الحق المسلوب". من بين هذه الجمعات المسلحة التي تشكلت تحت مظلات تنظيمية وأيديولوجية عديدة: الحركة الإسلامية المسلحة، وحركة الدولة الإسلامية MEI، والباقون على العهد، والجبهة الإسلامية للجهاد المسلح FIDA، وعديد الجمعات الأخرى الصغيرة والمستقلة وذات الحضور المحلي.
ب. الصعود القوي ومحاولات الوحدة (1994 - 1995)
نشأت الجمعات المسلحة منذ البداية على قاعدة انقسامية سوّغتها الظرفية التاريخية الاستثنائية، والاختلافات الأيديولوجية المميزة للمشهد الحركي الإسلامي المتشبع بالفكر الجهادي في الجزائر، وبعضها يعود إلى اختلافات شخصية بين قيادات بدا بعضها متنافسًا، إضافة إلى التميزات الحاصلة حول الخيارات الميدانية التي ينبغي سلوكها. فبعد وحدة تنظيمية وقيادية كانت قد تحققت بها حركة مصطفى بويعلي، وتمثيلها الوطني للعمل المسلح، لم تستطع أي واحدة من الجمعات الناشئة أن تحقق هذا السقف على الرغم من سعي بعضها إليه.
باشر هذا المسعى قادة بعض هذه التنظيمت المسلحة في المحاولة الوحدوية التي حصلت في اجتمع تمزغيدة13 في أيلول/ سبتمبر 1992، لكن "قُدّر لذلك الاجتمع أن يكون سببًا في افتراق الجمعات المسلحة بدل توحدها"14، حيث هاجمت قوات الأمن مكان الاجتمع بعد ساعات من انعقاده وقتلت بعض القيادات فيه، وهو ما ترك شكوكًا لدى هذه الجمعات مفادها أن ما حصل اختراقٌ أمني. أعيدَ بعث هذا المسعى الوحدوي، ولكن بطريقة ناجحة، في أيار/ مايو 1994، خلال ما سُمّي ب "لقاء الوحدة" الذي نشأ بموجبه اتحاد بين بعض الجمعات والفصائل المسلحة السابقة (جناح من جبهة الإنقاذ، والجمعة الإسلامية المسلحة، وحركة الدولة الإسلامية) تحت مسمى الجمعة الإسلامية المسلحة GIA. منذ ذلك الوقت، غدت هذه الجمعة الجسم الأقوى للعمل المسلح في الجزائر، حيث قادته إلى عتبات غير مسبوقة من العنف والقتل والتدمير والإرهاب. ولأنها اعتبرت نفسها منذ لحظة الوحدة المتحدث باسم العمل المسلح و"الإطار الشرعي الوحيد للجهاد" والمحتكر لقيادته، فإن ذلك كان مدعاةً لاقتتال نشب بينها وبين بعض الفصائل المتحدّرة من جبهة الإنقاذ التي رفضت الانصهار ضمن الجمعة المسلحة، وعلى رأس هذه التنظيمت الجيش الإسلامي للإنقاذ.AIS اتّسمت هذه المرحلة "بتوازن الرعب والإرهاق بين الجيش الجزائري والجمعات المسلحة التي خاضت عمليات دموية في قرى ومداشر أدت إلى إبادة قرى بأكملها"15. فخلال سنتَي 1994 و 1995، تبنّت هذه الجمعة، التي عززت صفوفها بعشرات الشبان الملتحقين بالعمل المسلح، استراتيجيات قوامها إنهاك الخصم وإلحاق أكبر الأضرار الممكنة به، ثم عمدت في مرحلة لاحقة إلى توجيه عنفها ليتجاوز رجال الشرطة والدرك والجيش، ويشمل المثقفين وأساتذة الجامعات والأطباء والصحافيين ثم الرعايا الأجانب. ثم تبنّت أسلوبًا يحتكم إلى منطق يمكن تسميته ب "الرعب غير المفهوم" المتمثل بالمجازر الجمعية التي شملت جميع الفئات، بما في ذلك فئة الأطفال، وذهب ضحيتها مئات المدنيين غير المعنيين بالمواجهة المسلحة16.
ج. الانحدار والاندحار أو "بقايا الإرهاب"
ظلت الجمعة الإسلامية المسلحة طوال مرحلة ما بعد الوحدة حتى منتصف 1995 سيدة المشهد الدموي، تجرّب كل أدوات القتل وآليات التدمير والإرهاب، وتنتهج سياسة الأرض المحروقة. وكان اعتلاء جمل زيتوني إمارة الجمعة نقطة انعطاف كلية في مسارها ومصيرها؛ فمن المرحلة التي كانت طاقة الجمعة التدميرية وقوّتها الضاربة متجهة نحو خصمها، النظام والمتعاونين معه، أصبحت قوّتها متجهة نحو الداخل؛ إذ طفَت على السطح الاختلافات الأيديولوجية والخلافات الشخصية والمناطقية، وكان للتصفيات والتطهيرات والصدامات المسلحة دورٌ في إضعاف الجمعة وفي تشظّيها إلى جمعات متناحرة. كم كان للضربات القوية التي وجّهها الجيش دورٌ في تعميق التشظي والانقسام الذي وسم مشهد العمل المسلح بعد ذلك، حيث تأسست جمعات أخرى مثل: الحركة الإسلامية للدعوة والجهاد MIPD، والجمعة السلفية للدعوة والقتال GSPC، والرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد LLID. ومع دخول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قوّت بعض هذه الجمعات الروابط مع الجهاديين الدوليين واندمجت ضمن تنظيمت عابرة للقوميات، حيث ربطت الجمعة السلفية للدعوة والقتال، علاقتها رسميًا بالقاعدة في أيلول/ سبتمبر 2006، وأصبح اسمها، في 25 كانون الثاني/ يناير 2007، "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" AQMI17، كم أعلنت بعض بقايا الجمعات الأخرى الانضمم إلى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الإرهابي18. خلال تلك الفترة، كان الإعلام الرسمي يردد العبارة الشهيرة: "بقايا الإرهاب"، لم ينتهِ الإرهاب على الرغم من أنه آل في الأخير إلى "بقايا" موزعة على بعض المجموعات الضعيفة وقليلة العدد بعد تطبيق سياسات الوئام المدني والمصالحة، بل بقي يسدد بعض الضربات الموجعة كم كان الحال مع هجوم تيقنتورين في 16 كانون الثاني/ يناير 2013، الذي ضرب في عمق منابع الغاز والبترول الجزائري؛ وبين الفينة والأخرى كنا نشهد بعض العمليات الأخرى ولكنها كانت خائبة. إن انتقال العمل الإرهابي في الجزائر من الوطني إلى الإقليمي، وانصهاره في مشروع دولي في اتجاه بعض بقايا الجمعات المسلحة إلى تدويل انتمئها والاشتغال تحت مظلات جمعات وحركات دولية في طبعة جديدة صاغت المشهد الإرهابي على صعيد عالمي، جعلا سيرورة النشاطات والأعمل الإرهابية وجدول أعملها يتغذيان من
أفق جديد، ويشتغلان وفق استراتيجيات وآليات عمل أشد تعقيدًا. ومع ذلك، ينبغي تأكيد أن الجزائر اكتسبت خبرة في التعامل وإدارة الصراع مع هذا الشكل الجديد من العمل الإرهابي بحكم مراسها مع العمل المسلح في مراحله السابقة الذي بقي نشاطه محصورًا في بعض الجيوب الجبلية القليلة في الشمل. ثم انتقل إلى طوبوغرافية جديدة هي الجنوب، ليشمل نشاطه وحركته هذه المرة مساحة أوسع في حجم صحراء مترامية الأطراف تضمّ كل دول الساحل الأفريقي (النيجر، مالي، موريتانيا... إلخ)، لا خريطة الصحراء الجزائرية فقط، وهو ما استدعى تنسيقًا عسكريًا وأمنيًا واسعًا بين حكومات هذه الدول وجيوشها19. وما تزال بعض نشاطات هذا الشكل من العمل الإرهابي متواصلة بوتائر متفاوتة، متقاطعة ومتشابكة مع نشاطات أخرى لا تقل خطورة، شأنها شأن مختلف أشكال التهريب غير المشروع عبر الحدود، كالسلاح والمخدرات والبشر واختطاف الرهائن20، مستفيدة من طوبوغرافية المكان، وحالة الانفساخ الدولتي التي تعرفها بعض دول المنطقة ودول الساحل مثل ليبيا، ومالي، وعوامل سوسيولوجية وتاريخية أخرى21.
ثانيًا: الدولة تخوض حربها على الإرهاب: أو كيف جرى التصدي للإرهاب في الجزائر؟
مرّ التصدي للفعل الإرهابي في التجربة الجزائرية بمراحل عديدة. وخ لاا الفترة 2000-1991، التي يصطلح عليها الجزائريون ب "العشرية السوداء"، كانت الخبرة في مواجهته تتراكم وتتطور تحت طائلة النجاحات والإخفاقات الميدانية. ولعلّ العودة إلى هذه الفترة والتعامل معها بوصفها حدثًا تاريخيًا، والتعامل مع بعض الكتابات المهتمة بالسياق الجزائري فيها، ومراجعة بعض الوثائق الرسمية ذات الصلة22 تعطينا كلها صورة عن أشكال المواجهة التي سلكتها هذه التجربة في تصديها للإرهاب، واستراتيجياتها. تشير وثيقة صادرة عن وزارة الشؤون الخارجية إلى أن الاستراتيجية الجزائرية لمكافحة الإرهاب العنيف استندت إلى محورين أساسيين، هم: "الحفاظ على مستوى من التعبئة واليقظة على مستوى كافة المصالح الأمنية أثناء قيامها بمهمتها المؤسساتية المتمثلة في حمية النظام العام وضمن أمن الأشخاص والممتلكات؛ ومن جهة ثانية، تطبيق سياسة شاملة للقضاء على الراديكالية تمتزج بين إجراءات سياسية واقتصادية وثقافية ودينية في الآن ذاته"23. إنّ هذه الاستراتيجية المزدوجة التي تجمع المقاربة الأمنية والمقاربة الاجتمعية والاقتصادية تنبع، كم تشير إلى ذلك الوثيقة، من قناعةٍ استخلصتها "الجزائر من تجربتها الصعبة في مكافحة التطرف العنيف واستئصال الإرهاب من جذوره [...]، [ف] مهم كانت الأهمية التي قد تتسم بها الهزيمة الأمنية للإرهاب فإنها تبقى جزئية، إذ يسعى الإرهاب إلى إيجاد ما يبرره ويبرّر ما لا تبرير له، ولذلك فإنه يستغل النقائص وأوجه القصور التي توجد في أي مجتمع"24، وإن "أية سياسة ترتكز على القمع غير كافية وحدها في قطع دابر هذه الظاهرة على نحو مستدام"25. وقد لخّصت الوثيقة هذه الاستراتيجية المزدوجة في حزمة مم أسمته ب "التدابير"، بعضها تدابير سياسية، وأخرى اقتصادية، وتدابير في مجالَ القضاء والسجون، وتدابير للحفاظ على النظام العامّ وحمية الأشخاص والممتلكات، وتدابير دينية وثقافية وإعلامية وتربوية، وتدابير في مجال التعاون الجهوي والدولي. في حين حاولت وثيقة ثانية تقييم هذه التدابير بوصفها "نقاطًا مرجعية تتيح فهم سياسة القضاء على الراديكالية التي انتهجتها الجزائر بنجاح"26. ومع اعترافنا بإمكانية أن تحيلنا هذه السرديات الرسمية (الوثيقتان) على بعض مفردات التجربة الجزائرية وعناصرها في التصدي للإرهاب، فإن ذلك لا يمنعنا من القول إن انزلاقًا واضحًا نحو تكريس خطاب احتفائي ومناقبي قد طبع نصوصها في فترة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة
الذي وصل إلى السلطة في 199927؛ حيث جرى التركيز على نجاح مساعيه في إقامة دولة القانون و"توطيد النظام الجمهوري والديمقراطي والمصالحة بين أبناء الجزائر ولمّ شملهم تحت لواء التنمية الاجتمعية والاقتصادية"28. وهو ما يسوّغ لنا عدم الاكتفاء بهذه الوثائق والاستعانة بمصادر أخرى للإجابة عن سؤال: كيف جرى التصدي للإرهاب في الجزائر؟ يمكننا أن نستخلص من بعض الباحثين عددًا من استراتيجيات مواجهة الإرهاب في طبعته الجزائرية وأشكالها، من متابعة هذه التجربة التي مرّ عليها أكثر من ربع قرن، ومرافقتها؛ حيث يختصرها بعضهم في ثلاثة أبعاد أو بدائل، هي29: العمليات العسكرية، والقرارات السياسية، والإجراءات الاجتمعية. ويوسّعها بعضهم30 لتشمل البعدين الأمني والعسكري، والبعد السياسي، والبعدين الاقتصادي والاجتمعي، والبعد الدبلوماسي. لا خلاف، إذًا، على أنّ المواجهة الأمنية والعسكرية كانت الخيار الأول الذي تبنّته السلطات التي أدارت المرحلة الأولى من تفجر العمل المسلح بعد إلغاء المسار الانتخابي، وكان الرهان فيها أساسًا على أن القوة والقمع كفيلان بالقضاء المبرم على الإرهاب الناشئ، ولم يُلجأ إلى الحلول الأخرى إلا عندما اقتنع الجميع بأن القوة ليست هي الحل دائمًا، فلئن استمرت هذه المواجهة وتكثفت وتطورت على هذا الخط (الأمني العسكري) تبعًا لرصيد الخبرة المتراكم جراء النزال اليومي والميداني، فإنها ستفسح الطريق لأشكال أخرى وموازية من المواجهة القائمة على الاستيعاب السياسي والوئام والمصالحة الوطنية. 1. استراتيجية المواجهة الأمنية والعسكرية عندما قرر الفاعلون المركزيون في أعلى هرم الدولة إلغاء المسار الانتخابي، باشرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ FIS، استراتيجية المواجهة الشعبية والسياسية. في مقابل ذلك، انطلقت أول أعمل العنف والقتل في المدن الكبرى ومسّت بعض عناصر الشرطة، وما كادت سنة 1993 تنتصف حتى دخلت مؤسسة الجيش ومعها مختلف القوى الأمنية في حرب عصابات قادتها عديد الجمعات المسلحة. بالاستناد إلى ما كتبه بعض المهتمين بالأزمة الجزائرية، يمكننا أن نمارس نوعًا من التحقيب الزمني يسهّل علينا متابعة التطورات التي طرأت على استراتيجية المواجهة الأمنية والعسكرية مع الإرهاب. وبناءً عليه، يمكننا الحديث عن مراحلَ وأطوارٍ مرت بها هذه المواجهة، نلخصها فيم يلي.
أ. المرحلة الأولى: 1993-1991
يمكن اعتبار أحداث مدينة قمر (في جنوب شرق الجزائر) معلمَ بدايةٍ لمقاومة الراديكالية الإسلامية أمنيًا وعسكريًا. وعندما ألغي المسار الانتخابي شتاء 1992 وأُعلنت حالة الطوارئ31، اضطلعت الوحدات النظامية للجيش بمعيّة أجهزة الدرك والأمن الوطني في هذه المرحلة بضبط الأمن ومواجهة الأعمل المسلحة الناشبة، لكن ما يسجَّل في هذا الصدد أن هذه الأجهزة لم يتهيّأ لها من التكوين والإعداد ما تخمد به هذه "الحرب" الناشبة32، لذلك توسّع العمل المسلح أفقيًا وعموديًا عبر مختلف مناطق القُطر.
ب. المرحلة الثانية: تكوين سلك عسكري مختص بمكافحة الإرهاب
تبتدئ هذه المرحلة في عام 1993 عندما اضطر النظام الذي أدار المرحلة إلى تكييف خطة تصدّيه للوضع الأمني الخطير، فالمدن
الكبرى كم المناطق الريفية والجبلية باتت ساحات للنشاط المسلح في وضع غير مسبوق، يصفه أحد الباحثين بقوله: "لم يتوقع قادة الجيش الجزائري يومًا أن يُطلب منهم مقاتلة أشباح يفرون ويكرّون ويختبئون في الجبال والغابات والأدغال الكثيفة متسلحين بسلاح خفيف، فكان الجيش الجزائري في حاجة إلى الكثير من الوقت حتى يتكيف مع حرب العصابات الجديدة، ويعيد تدريب ضباطه وجنوده على أساليب هذه الحرب"33. دفع هذا الوضع النظام إلى إجراء تغييرات تشريعية وتنظيمية وازنة، ليعطي العمل القمعي الغطاء القانوني ال زاام، ويمنح أجهزته الأمنية والعسكرية قدرة لتسريع حركته، وتسهيل إدارته هذه "الحرب". في هذا الصدد، صدرت حزمة من النصوص القانونية والتشريعات الردعية لمواجهة الظاهرة الإرهابية، كانت بدايتها بإصدار المرسوم التشريعي رقم 92 – 03 المتعلق بمكافحة الإرهاب والتخريب34، ويرى فيه البعض أول تشريع جزائري يحاول تحديد مفهوم الجريمة الإرهابية ويجرّمها، ويؤطّر تحركات الأجهزة الأمنية. شرّعت هذه النصوص بعض التدابير الاستثنائية، كإنشاء مجالس قضائية خاصة بالنظر في الجرائم التي تستهدف أمن الدولة والسلامة الترابية واستقرار المؤسسات، وتغليظ العقوبات على الأفعال الموصوفة بالإرهاب. ولتتجاوب القوانين الجديدة مع الواقع على الأرض، ولإعطاء وسائل شرعية في مجال مكافحة الإرهاب، عُدّلت بعض هذه التشريعات، كم هو حال المرسوم رقم 03/92 الذي عُدل وتُّم بالمرسوم التشريعي رقم 93 - 05 المؤرخ في 19 أبريل 199335، والأمر ذاته حدث بالنسبة إلى قانون الإجراءات الجزائية وقانون العقوبات36. هذا على الصعيد التشريعي، أما على الصعيد التنظيمي والميداني، فقد جرى استحداث قيادة مشتركة تنسق بين مختلف الأسلاك العسكرية، وتعمل بالسرعة اللازمة لتأمين حركة المعلومات وسريتها لتحقيق انتصارات في الميدان37. لقد تشكلت هذه الهيئة العسكرية متخصصة في مكافحة حرب العصابات، حيث اجتمعت فيها وحدات من الجيش والدرك والشرطة بتعداد 15 ألف رجل في البداية، ثم ازداد هذا العدد ليصل إلى حدود 06 ألف رجل عام 199538. كان على رأس هذا الجهاز المكوّن من وحدات النخبة أحد ألدّ خصوم الإسلاميين، وأحد رموز الخيار الاستئصالي في الجزائر الذي كرّس سياسة الكل الأمنيLe tout sécuritaire في مكافحة الجمعات المسلحة، الجنرال محمد العمري، الذي عُيّ قائدًا لأركان الجيش الوطني الشعبي في تموز/ يوليو 199339. باتت القدرات العسكرية الاستراتيجية تحت قيادة الجنرال العمري مركّزة في أيدي الضباط من القيادة العليا، وهذا التركز العسكري للقوة في أيدٍ أقل، وإعادة التنظيم الاستراتيجي للقوات المسلحة، إضافة إلى السعي نحو تزويدها بمعدات عسكرية حديثة، منح الحرب ضد المسلحين الإسلاميين دفعة كبيرة40، لكن ذلك لم يكن يعني تقدمًا حاسمً في احتواء العمل المسلح ودحره41. فالجيش لم يكن في الواقع قادرًا في كثير من الأحيان على "صدّ هجمت حرب العصابات وحمية السكان"42، على الرغم من قوّته النارية المتفوقة.
ج. المرحلة الثالثة: إقحام المجتمع في المنازلة العسكرية مع الإرهاب
مع اتساع نطاق المنازلة الأمنية والعسكرية، دفعت الظروف في اتجاه استحداث أجسام عسكرية جديدة لتسييج الساحة، وتوسيع فئات المجتمع المقحمة في فعل المقاومة والتصدي للمسلحين، سواء داخل المدن أو في المناطق الداخلية والجبلية. وهنا، تجدر الإشارة إلى الأسلاك التي جرى استحداثها، وحجم ما حققته من انعطافة وتطور ميداني في إطار حرب العصابات التي اضطر الجميع إلى خوضها43.
يشير كل المهتمين هنا إلى دفع أصحاب القرار في اتجاه انبثاق وبروز ميليشيات مسلحة تُناط بها مهمت عديدة مكمّلة وداعمة لجهود الأسلاك والأجهزة الأمنية الرئيسة (من الجيش، والدرك، والشرطة). وفي هذا الصدد يتفق محمد مداوي مع لويس مارتيناز في مسؤولية قيادات الجيش عن توفير شروط ولادة هذه المجموعات بانتهاج ما أسمه مارتيناز "تكتيك التعفن" لإيجاد "الظروف المواتية لتنظيم الميليشيات المتكونة من المدنيين الذين أغضبتهم سياسة الأمراء"44، فالجيش في رأي مارتيناز ومداوي "تخلى عن جهات برمّتها للأمراء، وكان يبغي من ذلك أن يدفع السكان الناقمين من الاعتداءات التي ارتكبها الأمراء إلى التحرك وتهيئة شروط دفاعهم المشروع"45. وهكذا، جرى دفع فئات مجتمعية عديدة بقيت إلى فترة قريبة إما غير عابئة وإمّا محايدة، بل ربما مؤيدة لأعمل هؤلاء المسلحين، وإقحامها للانضمم إلى المعركة ضد الإرهاب الذي بات يهدد حياة الجميع ومصالحهم ومستقبلهم. وبناءً عليه، ومع نهاية سنة 1994، أمست هذه الميليشيات جزءًا لا يتجزأ من الحرب ضد العصابات المسلحة46. إذًا، علاوة على الأجهزة العسكرية والأمنية المتخصصة والوحدات العسكرية الخاصة التي تنشط في مجال مكافحة الإرهاب، وفي ضوء ما يمكن وصفه ب "سياسة أمنية" اتجهت نحو عسكرة فئات من المجتمع المدني لإقحامه، كم أسلفنا، في المعركة ضد الإرهاب، جرى استحداث واعتمد المجموعات الآتية: مجموعات الدفاع الذاتي الم وررع Groupes de Légitime GLD Défense,: هي جمعات تشكلت - كم يشير إلى ذلك المرسوم التنفيذي رقم 97 - 04 المؤرخ في 4 [كانون الثاني] يناير 1997 والمنظم لهذا السلك شبه العسكري - لممرسة "عمل الدفاع المشروع الموجه لاتّقاء أعمل الإرهاب أو التخريب أو التصدي لها [...] في إطار منظم وتحت مسؤولية السلطات المكلفة بحفظ النظام العمومي والأمن ومراقبتها. [وتتكون مجموعات الدفاع الذاتي] من مواطنين متطوعين يقودها مسؤول مجموعة منبثق من أعضاء المجموعة، أو عون تابع لقوات النظام العمومي أو الأمن"47. يشير بعض المهتمين إلى أن هذه المجموعات انتشرت أكثر في منطقة القبائل – وإن لم تقتصر عليها - لاعتبارات تتعلق بالتركيبة السياسية والجمعية هناك، فقد كانت بعض أحزاب المنطقة سبّاقة للدعوة إلى تسليح السكان في هذه المناطق، وقد أعطت بعض الحوادث لاحقًا، كاغتيال المغنّي القبائلي معطوب الوناس، شرعية لهذا المطلب48. مجموعات المقاومين Patriotes: هي قوة شبه عسكرية انتظمت بطريقة ذاتية من مواطنين وأفراد تهددهم الجمعات المسلحة، أو من عائلات ضحايا تلك الجمعات49، يشرف عليها مجاهدون سابقون أو أبناء مجاهدين أو أبناء شهداء أو جنود سابقون، تطوّعوا للدفاع عن مناطقهم من هجمت الجمعات المسلحة. كانت الجهات الحكومية في بداية الأزمة متحفّظة إزاء بعض الأصوات التي نادت بتسليح المدنيين، ولكنها تراجعت بعد ذلك تحت ضغط شراسة الإرهاب، لتتبنّى منذ سنة 1994 خيار دعم تشكيل هذه المجموعات، ليجري إلحاقها بعد ذلك بوزارة الداخلية وتعمل إلى جانب قوات الدرك. ساهمت فرق المقاومين في التصدي للإرهاب من خلال ما كانت تقدمه من معلومات ومن دعم لوجستي، ومن خلال معرفة أعضائها وخبرتهم الميدانية بالمناطق التي كانوا يتحركون فيها، وهو ما سهّل خطط تضييق الخناق ومحاصرة الجمعات المسلحة في معاقلها. مجموعات الحرس البلدي: نشأ سلك الحرس البلدي بقرار مشترك من وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، ووُضع تحت سلطة الهيئات التنفيذية البلدية والمسؤولين المحليين50. وقد جرى تشكيله في إطار السياسة الأمنية الرامية إلى التصدي للإرهاب وتعزيز دور الأجهزة الأمنية الأخرى، وخاصة قوات الشرطة داخل المدن والفضاءات الحضرية، ليتسنّى لسلك الجيش والأسلاك العسكرية الأخرى شنّ هجمتها ضد المناطق الجبلية التي باتت الساحة التي تستخدمها الجمعات المسلحة بعد إخراجها من المدن51. إنّ إنشاء كل هذه المجموعات، الدفاع الذاتي والمقاومين والحرس البلدي، ضاعف أعداد الجسم العسكري وشبه العسكري المندمج في معادلة مكافحة الإرهاب؛ ولذلك تتباين تقديرات أعدادهم؛ فبعضهم يرى أنها وصلت في حدود سنة 2000 إلى ما يزيد على 100 ألف رجل، تتلقى عتادها من الجيش وتعويضاتها من الدولة52، بينم
يرى آخرون أن الدولة استطاعت حشد حوالى 200 ألف من رجال الميليشيات53. ومهم يكن، فإن أعداد هؤلاء كانت بلا شك مهمة لأسباب تتعلق بطول فترة الحرب (أكثر من عقد من الزمن)، وشدة المنازلة العسكرية. وينبغي لنا التذكير هنا أن أعدادًا كبيرة من هؤلاء قد قضت في معركة الإرهاب، وأعدادًا منهم أيضًا صارت من الجرحى والمعطوبين. لاحقًا، جرى التخلي عن كل هذه الأجسام شبه العسكرية في حدود الفترة 2010-2009، حيث أعلنت الحكومة عن حل سلك المقاومين والدفاع الذاتي، وإعادة دمج أعضائهم تدريجيًا في المجتمع، كم حلّ وزير الداخلية سلك الحرس البلدي، وتوزعوا بين من سُّح أو أُعيد إدماجه في المؤسسات العسكرية و/أو المدنية للدولة54. إن الحديث عن استراتيجية المواجهة العسكرية خيارًا أساسيًا لمكافحة الإرهاب والمراهنة عليها لحل المشكلة الأمنية الناشبة، بعد إلغاء المسار الانتخابي وما حققته من بعض النجاحات، لا يمكن أن يمرّ من دون الحديث عمّ يمكن تسميته ب "اقتصاد الحرب " الذي سلكته الجزائر في تلك الفترة. إذ لم يكن ممكنًا تحقيق بعض هذا التقدم على الجبهة العسكرية لولا الموارد المالية المجلوبة عبر إعادة جدولة الديون وتطبيق برنامج صندوق النقد الدولي FMI، بشروطه الصعبة في ظل غياب أدنى إمكانية لمعارضة هذا الخيار وتبعاته على المجتمع بسبب سياسة "الكل الأمني". ولذلك، فإن تطبيق الجزائر برنامج صندوق النقد الدولي كان ناجحًا إلى حد بعيد55، ليس لكفاءة الحلول المقترحة لحلحلة الوضع الاقتصادي المترهل، بل للظرفية التي طُبّق فيها هذا البرنامج، التي جرى فيها قمع وتغييب أيّ إمكانية للمعارضة و/أو للاحتجاج ضد هذه الخيارات على الرغم من تكلفتها الاجتمعية الباهظة. فمن أجل التوافق مع توقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كان لا بد من اعتمد تدابير تقشفية شديدة. على الجانب الإيجابي، سمحت هذه الإجراءات للجزائر بخفض عجز ميزانيتها من حوالى 9 في المئة عام 1993 إلى حوالى 3 في المئة عام 1994، ولكن في الجانب السلبي نتج من ذلك خسائر فادحة في الوظائف، حيث فقد آلاف الموظفين أعملهم بسبب غلق المؤسسات العمومية أو خصخصتها56. مع ذلك، مكنت عمليات إعادة الجدولة والحصول على قروض من الحكومات الأجنبية والبنوك والمنظمت المالية الدولية النظام الجزائري من الخروج من الضائقة المالية، والتوفر على كتلة مالية سمحت له ب "تمويل سياسته الاقتصادية الحربية"57، واستخدامها وتوظيفها في58: تحديث جهاز القمع: إن الاحترافية والجاهزية والتسليح الحديث، والخبرة الواسعة التي بات يتمتع بها الجيش الجزائري ومعه مختلف المؤسسات والأجهزة الشبيهة، من درك، وشرطة، وجمرك، باتت محل ثناء. ولعل من المفارقات أن الحرب على الإرهاب في العقدين الماضيين كانت السبب في ذلك، فبفضلها كم يقول مارتيناز "تعمّم استعمل المعلوماتية. فابتداءً من 1994 بادر مجموع الإدارات العسكرية والجمركية والمدنية إلى استخدام الحواسيب، وكانت الثكنات أول من بادرت إلى ذلك، ولمراقبة الوضع العسكري للشبان، تزود الجيش ببطاقيات [كذا] معلوماتية عن الشبان الذين هم في سن الخدمة الوطنية"59، إضافةً إلى تجهيز المطارات والمنافذ والمعابر البرية والبحرية بأجهزة مراقبة متطورة. وعندما صار الإرهاب يستخدم الشبكة العنكبوتية والوسائط الحديثة، باتت للمؤسسات الأمنية جيوشها الإلكترونية لكشف الإرهاب السيبراني ومتابعته وقمعه. توفير موارد مالية لتمويل الجسم العسكري؛ فمن دون هذه الموارد المالية ما كان للنظام استحداث كل تلك الأجهزة شبه العسكرية وتحمل تكلفتها المالية، فضلً عن تسييرها وتجهيزها بالأسلحة والعتاد اللازم، أو توفير الاعتمدات المالية الضرورية لمختلف أجهزة الجيش والمؤسسات الأمنية الاعتيادية. وتشير الأرقام المتوافرة إلى زيادة في الإنفاق العسكري بنسبة 140 في المئة في سنة 1994 مثلً، وكانت ميزانيتا وزارة الدفاع والداخلية مجتمعتيَن حوالى 15 في المئة من ميزانية الدولة60. ومنذ عقود، ما تزال ميزانية وزارة الدفاع الميزانية الأعلى بين ميزانيات كل الوزارات الأخرى، وقد جاوزت عتبة ال 10 مليارات دولار مرات عديدة61، وهو ما يؤكد أولوية "المعطى الأمني" في الخطة الوطنية. إعادة تسليح المؤسسات العسكرية والتدريب على تكتيكات عسكرية جديدة: اضطرت الأجهزة العسكرية بسبب طبيعة
المعركة إلى اعتمد مبادئ الحرب ضد العصابات المسلحة، وبذلك جرى تكييف جزء من التكوين الذي يتلقاه الضباط وضباط الصف. ولتحقيق تقدّم في الميدان، جرى تحديث تسليح الوحدات المقاتلة، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 1994، زودت فرنسا الجزائر بمعدات للاتصالات والرؤية والقتال الليلي، إضافة إلى مروحيات النقل MI24 Mil، وطائرات AS350، ومروحيات هجومية من طرازEcureuil يمكن أن تركّب عليها أجهزة الحرب المضادة للعصابات62. ويبقى الاهتمم قويًا بهذا الجانب لتحقيق الجاهزية اللازمة للتصدي لمختلف أشكال الإرهاب.
2. الاستراتيجية السياسية، أو من إعادة تشكيل الحقل السياسي إلى المصالحة الوطنية
لا يعني حديثنا عن استراتيجية المواجهة الأمنية بوصفها الخيار الأول في التجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب غيابًا تامًا للتعامل السياسي مع الأزمة التي ولّدته. إن هذا التعامل نرقبه من السلطة كم نجده لدى المعارضة السياسية. ففي هذا الصدد يشير بنيامين ماك كوين إلى محاولتين بارزتين لحلّ النزاع قبل 1999. أولً في الفترة 1995-1994، عندما أطلقت بعض الأحزاب السياسية عبر "عقد روما"63 سلسلة من التوصيات لإنهاء الصراع في إطار سياسي، ودعوة الجيش إلى ترك الحياة السياسية في البلاد، أما المحاولة الثانية فتتعلق بالمفاوضات السرية بين القيادة العسكرية العليا وقيادة الجيش الإسلامي للإنقاذ، في المدة 1997-1995، والتي أفضت إلى وقف إطلاق النار64. يمكن التذكير أيضًا بمبادرات أخرى، من قبيل ندوة الوفاق الوطني التي نظمتها السلطة وجمعتها مع بعض الفواعل من المعارضة السياسية، والتي انتهت بالجنرال اليامين زروال رئيسًا للدولة، ثم مبادراته الحوارية مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ65. لكنّ كثيرًا من هذه المبادرات لم يُكتب لها النجاح؛ فم كان يأتي من السلطة كان يُوصف بأنه محض مناورات تفتقد الجدية، أو مجرد وسيلة لاسترجاع بعض المشروعية المفقودة، والظهور أمام الرأي العام المحلي والدولي بمظهر الساعي لحل الأزمة، وما كان يأتي من المعارضة لم يكن مُرحَّبًا به أيضًا. كانت السلطة تريد فرض رؤيتها وأجندتها الخاصة، ولذلك جاء رفضها قاطعًا وعنيفًا لمبادرة عقد روما، وحرمان هذه المبادرة من أي تأثير جوهري للدفع نحو تسوية سياسية في البلاد66. ولذلك مضت السلطة في اتجاه تنفيذ رؤيتها بعد إعلان المجلس الأعلى للدولة زروال رئيسًا للدولة في كانون الثاني/ يناير 1994 لتسيير المرحلة الانتقالية67. في تلك الفترة، استمعنا إلى مفردات كثيرًا ما رددها الخطاب الرسمي، كمفردة "العودة إلى المسار الانتخابي"، و"بناء الصرح المؤسساتي"، ثم "استكمل بناء الصرح المؤسساتي"، والذي عنى المضيّ في طريق استحداث مؤسسات تخلف تلك المؤسسات المجمدة أو المحلولة عشية الانقلاب العسكري، أو بعده. اعتمدت السلطة في تلك الفترة على استراتيجية يمكن أن نسميها استراتيجية إعادة تشكيل الحقل السياسي، فأعلن الرئيس زروال حينها فشل الحوار مع قيادة جبهة الإنقاذ، وتنظيم انتخابات رئاسية في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، وهي انتخابات فاز بها ليتحول من رئيس للدولة إلى رئيس للجمهورية، لتباشر "السلطة الجديدة" عملية "استكمل بناء الصرح المؤسساتي" عبر سلسلة من الخطوات، نجملها فيم يلي.
أ. التعديل الدستوري (دستور 1996)
بعد أن جرى تجاوز دستور 1989، عمدت السلطة إلى الوثيقة التوجيهية الأولى للدولة وأجرت عليها تعديلات وازنة انعكست على مجمل الحياة السياسية والحزبية في الجزائر بعد ذلك. يقوم مبدأ هذه التعديلات على استدراك الثغرات التي أبان عنها المشهد السياسي في الجزائر خلال المدة 1991-1989، والذي تسيّده حزب إسلامي بحصوله على غالبية الأصوات في الاقتراعات التي انتظمت الانتخابات المحلية، والدور الأول من الانتخابات التشريعية. قاد هذا التعديل الدستوري الذي عُرض للاستفتاء الشعبي في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1996 إلى "بدء العمل على تنظيم الحياة الحزبية والانتخابية تحضيرًا للمناسبات الانتخابية القادمة، فجاءت القوانين الانتخابية التي حددت معايير الممرسة السياسية، ثم جاء قانون
الأحزاب السياسية الذي حدد الحقل السياسي، ووضع الأطر التي تُبنى عليها الأحزاب"68، ثم جاء قانون الإعلام الذي أعاد تحديد ضوابط الممرسة الإعلامية.
ب. تنظيم انتخابات تشريعية جديدة في 5 حزيران/ يونيو 1997
بوصف الانتخابات التشريعية خطوة ثانية بعد الانتخابات الرئاسية والتعديل الدستوري لاستعادة الشرعية الشعبية المفقودة، عمد النظام السياسي في إطار استراتيجيته لإعادة تشكيل الحقل السياسي إلى حزمة من التدابير القانونية المهمة ليبقي على هذا الحقل في نطاق حيازته وتحت قبضته قبل تنظيم أي انتخابات جديدة. ومن هذه التدابير يمكن أن نذكر: صياغة مشروع قانون عضوي جديد للأحزاب السياسية: كرّس هذا القانون الذي صدّق عليه المجلس الانتقالي رقابة أكبر للإدارة، ومنحها سلطات واسعة تتعلق بترخيص أحزاب سياسية جديدة وآليات اعتمدها. وبموجب المادة 42 من هذا القانون جرى أيضًا إلزام جميع الأحزاب المعتمدة "الخاضعة لأحكام القانون رقم 11-89 المؤرّخ في 5 تموز/ يوليو 1989 بجعل تسميتها وأسسها وأهدافها مطابقة للمدتين 3 و 5 من هذا القانون، وكذا أي عنصر من عناصر قانونها الأساسي أو نشاطاتها"69، والتكيف معه قبل تاريخ 6 أيار/ مايو 1997. وهو ما اضطر بعض هذه الأحزاب إلى تغيير تسمياتها، وتعديل برامجها لاستبعاد كل ما يشير إلى عناصر الهوية الوطنية وإبعادها عن الاستخدام والتوظيف السياسييَن. أما الأحزاب التي رفضت ذلك فإما أنها حلّت نفسها، وإمّا حلّتها السلطة القضائية، وكان ذلك خطوة أخرى على نهج تسييج الحياة السياسية وإعادة صياغة الخريطة الحزبية في الجزائر70. وضع آليات قانونية تتعلق بنمط الاقتراع المعتمد في الانتخابات71: بدلً من نمط الاق اررع المبني على أساس غالبية الأصوات في الدائرة الانتخابية الواحدة الذي انتظمت على منواله الانتخابات السابقة، جرى اعتمد نمط الاقتراع النسبي على القائمة، وبهذا الإجراء ضَمِن النظام مسبقًا تقييد مخاطر تنامي قوة سياسية معينة كم حصل في انتخابات 1991 الملغاة72. استخدام و/ أو تطويع الجهاز الحزبي الموجود، أو استحداث جهاز حزبي وظيفي: يرى عدي الهواري أن الأحزاب السياسية في الجزائر أقرب إلى كونها "أجهزة دولة" منها إلى تنظيمت مستقلة تمثل التيارات السياسية والأيديولوجية في المجتمع73، وإذا كان هذا الوصف لا ينطبق على جميع الأحزاب، فإنه ينطبق على بعضها على الأقل. وبناءً عليه، وعلى الرغم من آليات الضبط القانونية التي أسفرت عنها استراتيجية إعادة تشكيل المجال السياسي بعد الاستفتاء على دستور 1996، لم يتوانَ النظام في استخدام آليات أخرى قبل هذا التاريخ أو بعده، فآلية الحل كانت الأسلوب في التعامل مع جبهة الإنقاذ، وآلية الاحتواء مع حزب جبهة التحرير الوطني التي أبانت في عهد أمينها العام عبد الحميد مهري عن مسعى للاستقلال عن أداء دور حزب الواجهة أو حزب الإدارة أو الحزب الوظيفي، خاصة عندما اصطفت مع المعارضة الفاعلة ووقّعت معها أرضية العقد الوطني في روما سنة 1995. ودفع هذا المسعى إلى تنسيق ما عُرف ب "المؤامرة العلمية" داخل الحزب "العتيد" التي نجم عنها الإطاحة بمهري واستخلاف بوعلام بن حمودة، الذي اتخذ معه الحزب موقفًا مؤيدًا للنظام في انتظار أن يستند إليه. كم استخدم النظام أسلوب العصا والجزرة مع أحزاب أخرى من خلال ضمّ بعضها إلى الحكومات المتعاقبة كحركة "حمس" و"حزب التجديد الجزائري"، وشهدت أحزاب أخرى انشقاقات داخلية حول المنهجية التي يجب أن يتخذها الحزب تجاه النظام74. وهو مسعى تكثف استخدامه في محطات أخرى عندما صارت "الحركات التصحيحية"، والانقسام والتشظي ضمن المؤسسة الحزبية الواحدة والتجوال السياسي،
ظواهر حزبية لافتة للانتباه. وقد عمد النظام في مناسبات أخرى إلى إنشاء جهازه الحزبي الوظيفي والدفع به في العملية الانتخابية، وهي الحال التي نرقبها مع حزب التجمع الوطني الديمقراطي RND، الذي وُلد وتأسس قبل ثلاثة أشهر فقط من انتظام الانتخابات التشريعية في حزيران/ يونيو 1997. وخلال وقت قياسي كانت له مقاره وأمواله وموارده البشرية، وحصل على أغلبية المقاعد البرلمانية (155 مقعدًا من جملة 380 مقعدًا)، وهو ما منح الرئيس زروال المجلس الذي كان يتوق إليه75. تنظيم انتخابات بلدية وولائية: وهي الحلقة الثالثة في مسار بناء مؤسسات منتخبة واستعادة الشرعية الشعبية المفقودة، وفي هذه الانتخابات التي انتظمت في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1997، تكرر فوز حزب التجمع الوطني الديمقراطي، حيث حصد أغلبية المجالس البلدية والولائية، وصار الحزب الوظيفي الثاني للنظام إلى جانب جبهة التحرير الوطني. إلى جانب ما سبق ذكره من التدابير والآليات، لا ينبغي أن ننسى بعض التدابير الأخرى التي اشتملت عليها أجندة النظام في تلك الفترة لتكون صمم أمان إزاء أي مفاجآت غير محسوبة قد تحملها الانتخابات، ويتعلق الأمر بتنصيص دستور 1996 على استحداث غرفة ثانية للبرلمان، هي مجلس الأمة، مُنح فيها رئيس الجمهورية صلاحية تعيين ثلث أعضائه تحت عنوان الثلث الكابح والمعطِّل، وهو تدبير كفيل بتحقيق الأمان السياسي المطلوب الذي لا يخلّ بأهداف الفاعل السياسي الممسك بزمام الأمور. حققت الاستراتيجية السياسية في خطة مكافحة الإرهاب في التجربة الجزائرية بعض النجاحات المحسوسة؛ إذ إن رحلة المرور من مرحلة السلطة الفعلية، الفاقدة للشرعية الشعبية من جرّاء الانقلاب العسكري، إلى مرحلة السلطة الشرعية، بعد العودة إلى المسار الانتخابي واستكمل حلقاته من الرئاسيات إلى المحليات، لم تكن سهلة، لكن المهم ضرورة الإقرار بتمكن النظام في ظرفية تاريخية استثنائية وخطيرة من إعادة بناء مؤسسات "شرعية، منتخبة، ومكرّسة للخيار الديمقراطي"76. قد يعترض البعض أن هذه الشرعية منقوصة، وأن آلية الانتخاب شابتها عمليات تزوير مفضوحة، وأن ما أنجز خلال تلك الفترة تحت عنوان التغيير لم يكن - إذا استعرنا التعبير من البعض - إلا تغييرًا ضمن إطار الاستمرارية Changement dans la continuité77؛ أي استمرارية النظام نفسه. ولكن هذه السيرورة مهم اختُلِف حول تقييمها فإنها قد نزعت، ولو أفقيًا وجزئيًا، الشرعية عن تيارات سياسية بقيت تشتغل وتناضل تحت عنوان "الحق التاريخي"، وترفض الإقرار بالواقع الجديد. وشيئًا فشيئًا، اقتنعت عديد الفعاليات الحزبية والسياسية المعارضة بنهج المشاركة الانتخابية والسياسية، رغبة، في التموقع والاغتراف من مزايا النسق وخيراته، أو رهبة من الحل، والتفكيك، وغيرهم. وكان هذا المسلك نصرًا جزئيًا على آلة الإرهاب التي تراجعت في مرحلة لاحقة بعد أن باتت تفقد مسوغات وجودها مع الزمن. وتعزز هذا التراجع عندما أطلق النظام مسار الوئام المدني، ثم مسار المصالحة الوطنية في فترة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة78.
3. استراتيجية التنمية: أو الاقتصاد في معادلة مكافحة الراديكالية
لا تكتمل خطة مكافحة الإرهاب بالمراهنة على الحليّن الأمني والسياسي فحسب، إذ تبقى عوامل الفقر والتهميش والاستبعاد الاقتصادي مغذّية للانخراط في مسالك العنف والراديكالية. صحيح أن العامل السياسي كان في الحالة الجزائرية سببًا مباشرًا للانخراط في هذا الخط، ولكن لا يمكن استبعاد العامل الاقتصادي بوصفه مغذيًا، فالإرهاب والحركات العنفية هي نتيجة أزمة، ومناخ الأزمة هو الذي يوفر الشروط الكفيلة بنشوء الظاهرة إن لم تكن موجودة، أو يوفر الشروط المناسبة لتوسعها وانتشارها في حالة وجودها الكامن. إن الإخفاقات التنموية وفشل برامج التنمية، والإحباطات الاجتمعية
والاقتصادية الحاصلة محفز لولادة الراديكالية، ولذلك تصبح الحركات الراديكالية ملاذًا يجمع أولئك الذين أحسّوا بالتهميش، ومن ثَم يسهل تعبئتهم واستخدامهم79. تمدّنا بعض الأرقام المتوافرة حول الوضع الاقتصادي والاجتمعي للسكان في بداية تفجر الوضع الأمني في الجزائر بصورة واقعية عن الحالة التي كان عليها هذا الوضع، فعدد العاطلين عن العمل في الجزائر كان أكثر من مليونَ فرد من مجموع سكاني قُدّر حينها ب 28 مليون نسمة، 55 في المئة من هؤلاء العاطلين من الفئة العمرية الأقل من 20 سنة. ومقارنة بالفئة السكانية الناشطة بلغ معدل البطالة المعلَن 28.1 في المئة، على أن المعطلين الذين لم يسبق لهم مزاولة أي عمل شكلوا ما معدله 73 في المئة من المجموع العام لهؤلاء80، بل إن مناصب العمل الدائمة المعروضة في المدة 2001-1990 تراجعت بنسبة 90 في المئة عمّ كانت توفره سوق العمل قبل ذلك81. وخلال سنة 1992، ارتفعت الأسعار إجملً بنسبة 32 في المئة، وفقد الدينار 70 في المئة من قيمته السابقة، كم انخفض الدخل الفردي الحقيقي لحوالى 14 مليون شخص، مع وجود ما يقرب من 4 ملايين من دون دخل. وضعٌ زادته صعوبةً الضغوطاتُ غير المسبوقة التي بات يشهدها الاقتصاد الجزائري تحت ضغط خدمة الدين الخارجي الذي وصل خلال سنة 1992 إلى حدود 75 في المئة من حجم عائدات صادراته، مشكّلة أعلى نسبة سداد في العالم82، وهو ما دفع في اتجاه اللجوء إلى صندوق النقد الدولي وإنفاذ خطته لإعادة الهيكلة التي فرضت بدورها إكراهات اقتصادية واجتمعية جديدة على عاتق الجزائريين. إذًا، في سياق سوسيو-اقتصادي تسوده الهشاشة، تصبح كل المسالك ميسّة أمام شبكات التجنيد والتعبئة لاستملة ناقمين جدد من الوضع الاقتصادي الم درري، ومن عمليات التهميش والاستبعاد الاجتمعي، مع ما يُذكي فتيلها من إحساس بالإقصاء السياسي لفئات عريضة راهنت في مرحلة ما على بديل سياسي يحقق طموحاتها، ويفتح أمامها ممكنات تحسين الوضع وتحقيق الترقي الاجتمعي وإدخالهم في معادلة الإرهاب، خاصة الفئات الشبابية، فيجد العديد منهم نفسه منغمسًا تدريجيًا في معادلة الراديكالية. لهذه الاعتبارات وغيرها، "كان لا بد للنظام الجزائري من دعم استراتيجيته في مجال مكافحة الإرهاب بخطط سياسية مدعومة ببرامج اجتمعية وثقافية كفيلة بالقضاء الشامل على هذه الظاهرة"83، حيث أصبحت مكافحة التطرف العنيف والإرهاب والوقاية منهم من خلال المناهج الاقتصادية والاجتمعية والثقافية تمثل عناصر مهمة في إطار سياسة التنمية التي قادتها الحكومة الجزائرية84. بناءً عليه، إذا تجاوزنا سنوات التسعينيات (1999-1992) التي انشغل فيها النظام بتدبير الشأن الاقتصادي والمالي وإدارة ما أسمه البعض "اقتصاد الحرب"، لتوفير الموارد المالية الضرورية للمنازلة العسكرية مع الإرهاب، عبر سلسلة القرارات الاقتصادية القاسية التي أشرنا إلى بعضها في عنصر سابق، فإنه سيكثّف جهوده في مرحلة لاحقة (2014-2000) خاصة عندما تحسّن الوضع المالي للبلاد في فترة حكم الرئيس بوتفليقة لإنفاذ حزمة واسعة من التدابير الاقتصادية. ترافقت جهود الحل السياسي (الوئام المدني، المصالحة الوطنية) مع جهود تستهدف البنية الاقتصادية وإعادة إنعاش القطاع الاقتصادي، من خلال إعادة تأهيل المناطق الريفية التي عانت موجات نزوح كبيرة جراء تدهور الوضع الأمني في العشرية السابقة، وتشجيع ساكنتها لإعادة استغلال عقاراتهم وملكياتهم الزراعية. وباشرت الدولة، لتحقيق ذلك، تطبيق برنامج عريض للإسكان الريفي والدعم المالي لتشجيع الفلاحة الريفية وعودة النازحين إلى مناطقهم85. وفي إطار توجهاتها والتزاماتها بوصفها دولة اجتمعية "راعية ورازقة"، رُصدت "تحويلات اجتمعية" ضخمة، حيث "بلغت نسبة نفقات الدولة السنوية لفائدة الفئات المحرومة حوالى 12 في المئة من مجموع الناتج المحلي الخام"86. وفي إطار استراتيجية التنمية التي تستهدف دفع حركية جديدة تستند إلى النمو الاقتصادي القوي، جرى إطلاق سلسلة من المشاريع الاقتصادية استمرت خلال المدة 2014-2001 مدفوعة بالمداخيل الضخمة للريع البترولي الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة بعد ارتفاع أسعاره في السوق الدولية، نذكر منها87:
مشروع الإنعاش الاقتصادي 2004–2001: يؤشر انطلاق هذا المشروع إلى بداية تطبيق سياسة التوسع في الإنفاق العام لتنشيط الاقتصاد الوطني، وقُدّر غلافه المالي المرصود ب 525 مليار دينار (حوالى 7 مليارات دولار). البرنامج التكميلي لدعم النمو 2009–2005: قُدّر الغلاف المالي لهذا البرنامج بنحو 8 أضعاف الغلاف المرصود لمشروع الإنعاش الاقتصادي؛ حيث جاوز عتبة 4202 مليار دينار (نحو 56 مليار دولار)، رُصد منها ما يساوي 1908.5 مليارات دينار جزائري، أي ما يعادل 45.5 في المئة من المبلغ الإجملي، لغرض تحسين ظروف معيشة السكان في مجالات الصحة والسكن والتعليم وتهيئة الإقليم، وغيرها. برنامج توطيد النمو الاقتصادي 2014–2010: الذي قُدّر غلافه المالي الإجملي ب 21124 مليار دينار (286 مليار دولار)، حاز فيه قطاع تنمية المورد البشري على غلاف مالي جاوز 10000 مليار دينار، أي ما يمثّل 40 في المئة من المبلغ الإجملي، رُصد كله للتكفل بمسائل ذات علاقة مباشرة بحاجات الأفراد من عمل وصحة وسكن وتربية وتعليم عالٍ وتكوين مهني وتضامن وطني وحمية اجتمعية88. لقد تركت هذه المشاريع كم يقول أحد الباحثين89 آثارًا اقتصادية واجتمعية عميقة خلال ما يقرب من العقدين من حكم الرئيس بوتفليقة، ونتيجة ذلك حصل تحسن على صعيد عديد المؤشرات الاجتمعية والاقتصادية، كالسكن والشغل والتنمية المحلية. لكن هذه المشاريع كثيرًا ما ارتبطت بمواعيد سياسية كانت فيها وعود التنمية واحدة من أهم سبل تثبيت شرعية بدت غير مستقرة، بسبب الحراك الاحتجاجي الذي لم يكن يتوقف إلا ليندلع من جديد، أصبح معه السلم الاجتمعي المستعاد أهم هاجس للنظام. وبدت عبارة "شراء السلم الاجتمعي" مفهومًا يصف الطريقة التي طفق يستخدمها النظام السياسي لإطفاء الاحتجاجات المستعرة، خاصة عندما بات احتياطي الصرف الذي تراكم خلال سنوات الطفرة النفطية يتآكل تحت وطأة تهاوي أسعاره بعد 2014، وعندما صار الاحتجاج مسلكًا وتطوّر في بعض البلاد العربية مُسقطًا أنظمة بأكملها خلال "الربيع العربي".
خلاصة واستنتاجات
حاولنا في هذه الدراسة الاشتغال ب "التجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب" والبحث في أصل منشئها الأول، ثم مرافقتها عبر مراحل تطورها. وفي سياق مسلك تحقيبنا لهذه المراحل، ركّزنا على أبرز الاستراتيجيات التي جرى اتباعها في التعامل مع الظاهرة الإرهابية، وهي ثلاث أساسية: أمنية - عسكرية، وسياسية، ثم اقتصادية - اجتمعية90. في المجال العسكري والأمني، خرجت أجهزة الأمن والدرك وجلّ المؤسسات العسكرية بخبرة وازنة لم تتحصل عليها من قبل، وهذه الخبرة هي حصيلة سنوات من المكابدة والتدرب والممرسة والاحتكاك مع مواقف شبه يومية لنزال ميداني حقيقي، وليس عبر مناورات متحكَّم فيها أو عبر سيناريوهات متخيلة. بناءً عليه، فالعسكري ورجل الأمن والدركي والجندي الجزائري صاروا في ميزان الحرب على الإرهاب رقمً له وزنه. وليس ادعاءًالقول إن المنوال الجزائري من هذه الناحية صار جديرًا بالاقتداء والمتابعة، فللجزائر رصيد من الخبرة والتدريب يمكن أن تمنحه للغير في مجال التصدي والمجابهة الأمنية للإرهاب، إن لم يكن على مستوى دولي، فعلى الأقل لجوارها العربي و/أو الأفريقي الذي لا يزال الفعل الإرهابي ناشطًا في ساحته. يمكن أن يكون المنوال الجزائري في التصدي الأمني - العسكري للإرهاب مفيدًا وفيه عبِر ودروس مهمة، ولعل أهم درس أنه حافظ على الدولة من السقوط في أيدي جمعات مسلحة وصل بعضها إلى مستوى غير مسبوق من العدمية، في وقت راهن كثيرون على أن ذلك وشيك الوقوع. في المجال السياسي، تمدّنا التجربة الجزائرية بقاعدة مهمة مفادها أن المشاكل السياسية ينبغي أن تُحسم سياسيًا دائمًا، وأن الفرصة عندما تُتاح للحل السياسي لا ينبغي تأجيلها مطلقًا، ولذلك نبّه بعض السياسيين منذ البداية إلى أن عمق الأزمة سياسي بامتياز، وأنّ حلّها لن يكون إلا سياسيًا، ولذلك يمكننا أن نتساءل: هل كان من المحتم أن يستنفد الجزائريون سنوات طويلة في اقتتال داخلي، وهدر لمقدرات الدولة والمجتمع حتى يجري الاقتناع بعد انقضاء ما يقارب العقد من الزمن بجدوى الحلول السياسية؟ لو قُدّر لصوت السياسة أن يتغلب منذ البداية، وأن تجري التسويات على أسس عادلة، لطوى الجزائريون أزمتهم في مراحلها الجنينية، ولكن التقديرات الخاطئة للخصمين (سلطة وإسلاميين) في أن ينهي أحدهم الآخر ويُنزل به الهزيمة، أدخلت الجميع في عنف سياسي أعمى وحرب أهلية مدمرة إن مُحيت آثارها المادية فإن آثارها المعنوية لم تُحَ بعد. أما في المجال الاقتصادي، فيبدو أن الحلول الاقتصادية أيضًا، على الرغم مم حققته، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، حيث انفتح الجزائريون على
شيء من يسر المعاش وتحسن القدرة الشرائية، لم تَقُد إلى بناء النموذج الاقتصادي المأمول، فال 1000 مليار دولار التي حُقنت في جسم الاقتصاد الجزائري لم تكْف لإخراجه من نمط الاقتصاد الريعي المرتهن لأسعار البترول وتقلبات السوق الدولية، كم فشلت في فتحه على المنافسة الحقيقية في إطار علاقات السوق وقواعد المنافسة والشفافية91. لقد بقيت الممرسات الريعية هي المهيمنة، وتحوّل الريع البترولي من مورد اقتصادي كان في الإمكان استثمره في تحقيق الوثبة الاقتصادية "إلى مورد سياسي يُستعمل في إحكام القبضة على المجتمع ومفاصل الدولة ومؤسساتها، ومنع تحرر المجتمع الاقتصادي من قبضة المجتمع السياسي، وتحويله باختصار إلى أداة لضمن البقاء في السلطة"92. نعود إلى القول إن النظام استطاع تسييج الوضع والخروج من مأزق الانقلاب العسكري، واستعادة بعض الشرعية الشعبية المفقودة، وتسويق نفسه سياسيًا أمام المنابر الدولية نظامًا ديمقراطيًا تعدديًا مكرسًا للخيارات والمسارات الديمقراطية التي تمر دوريًا عبر آلة الانتخابات. ولكن الذي بقي محلّ سجال أن هذه "المكتسبات" لم تكن مبنية على قواعد صلبة تكرّس الممرسة الديمقراطية الحقيقية والتداول الفعلي على السلطة، ولذلك لم يكن مفاجئًا أن يتهاوى هذا البناء الذي استهلك من عمر الجزائريين ما يقارب ثلاثة عقود كاملة من دون أن يصل بهم إلى النموذج المنشود، تحت زخم حراك شعبي غير مسبوق طامح إلى جزائر الحرية والكرامة. وينبغي القول أيضًا إن الإرهاب بطبعته التسعينية كم خَبِتها الجزائر على خطورتها قد أكسبت الجزائريين مناعة جنّبتهم وجنّبت بلدهم مخاطر التفكك والفشل كم حصل في بعض دول الربيع العربي مثل سورية وليبيا، إذ أصبحوا أكثر تهيُّبًا من الاندفاع في مسارات تاريخية غير محسوبة العواقب. ولكن ما تشكل قبالتهم من نموذج للدولة لم يكن البتة مكافئًا لضريبة الدم والتكلفة الزمنية والمادية والبشرية التي دفعوها خلال العشرية السوداء؛ دولة استولت عليها نخب، بل عصب93 سياسية ومالية فاسدة وأوصلتها إلى مستوى غير مسبوق من الضعف والترهل؛ ولذلك، لم يكن غريبًا أن يندلع الاحتجاج الشعبي مرة أخرى ليستعيد الدولة "المنهوبة" محاولً وضعها على السكة من جديد. مع ذلك، لم تختفِ مفردة الإرهاب تمامًا من القاموس الجزائري؛ إذ لا تزال حاضرة وفاعلة ويجري استدعاؤها دومًا وتشغيلها عندما يستشعر الفاعل السياسي المركزي خطرًا داهمً يهدد الدولة. فإذا كانت الموجتان السابقتان من الإرهاب، كم تحدثنا عنهم في مبتدأ هذه الدراسة، قد أصبحتا شيئًا من الماضي أو توارتا إلى الهامش، فإنّ هذا لا يعني أن الجزائر قد باتت في منأى نهائي عنه، بل إن أشك لً مستجدة لهذا الإرهاب يجري التحذير منها والتعامل معها بأساليب جديدة. في الإمكان أن نتحدث هنا عن إرهاصات موجة ثالثة، يمكن أن نصطلح عليها تجوّزًا ب "الإرهاب الانفصالي"94 في الجزائر، الذي تقوده بعض الحركات العنصرية، كم هي حال "الحركة من أجل تقرير المصير في منطقة القبائلMouvement pour l'autodétermination de " MAK Kabylie, la الساعية إلى فصل منطقة القبائل عن الجسم الجزائري، عبر بناء تراتبية تنظيمية وتشكيل جيوب مسلحة في هذه المنطقة95. طبعًا، لا يزال الوقت مبكرًا لنحكم على مدى حضور هذا الشكل الجديد من النشاط الإرهابي وانغراسه، وتعوزنا بخصوصه المعلومات المؤكدة، وبناءً عليه، نقول إن الإرهاصات التي تبدّت خلال صائفة 2021 باتت تدل على أن التجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب لا تزال - مهم اختلفنا حول تقويمها - تجربة مستمرة في نطاق الزمن. ولعل الوضع الراهن في الجزائر والوضع الإقليمي والدولي الجديد وما يميزه من عدم الاستقرار، يجعلنا نخلص إلى أن موضوعة "الإرهاب" والتعامل معها ستبقى في الجزائر، حتى فترة قادمة، من الموضوعات التي لم تستفرغ حمولتها بعد96.
References
المراجع
العربية
بن جيلالي، عبد الرحمن. "الحق في تكوين الأحزاب السياسية في التشريع الجزائري ". مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية. مج 4، العدد 1 (15 شباط/ فبراير 2011:). في https://bit.ly/3EsTawX بوكراع، لياس. الجزائر: الرعب المقدس. ترجمة خليل أحمد خليل. الجزائر/ بيروت: منشورات ANEP؛ دار الفارابي،.2003
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. الجريدة الرسمية. العدد 78، السنة الثامنة والخمسون، 6 ربيع الأول عام 1443 ه، 13 أكتوبر سنة 2021 م. في: https://bit.ly/3ATHQYa ________. الجريدة الرسمية. العدد الأول، السنة الرابعة والثلاثون، الأحد 25 شعبان عام 1417 ه الموافق 5 يناير سنة 1997 م. "مرسوم تنفيذي رقم 97 – 04 مؤرخ في 24 شعبان عام 1417 الموافق 4 يناير سنة 1997، يحدد شروط ممرسة عمل الدفاع المشروع في إطار منظّم". في: https://bit.ly/3lTBB2L
________. الجريدة الرسمية. العدد 12. السنة الرابعة والثلاثون. الخميس 27 شوّال عام 1417 ه الموافق 6 مارس سنة 1997 م. "أمر رقم 97 – 09 مؤرخ في 27 شوال عام 1417 الموافق 6 مارس 1997، يتضمن القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية". في: https://bit.ly/3SrrPB9 ________. الجريدة الرسمية. العدد 12.. أوامر 27 شوّال 1417 ه. "أمر رقم 97 – 07 مؤرخ في 27 شوال عام 1417 الموافق 6 مارس سنة 1997، يتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات". في: https://bit.ly/3SjcYsl ________. الجريدة الرسمية. العدد 47، السنة الثالثة والثلاثون، 22 ربيع الأول عام 1417 ه الموافق 7 غشت سنة 1996 م. "مرسوم تنفيذي رقم 96 – 266 مؤرخ في 18 ربيع الأول عام 1417 الموافق 3 غشت سنة 1996، يتضمن القانون الأساسي لموظفي الحرس البلدي". في: https://bit.ly/3YQ4sUl
________. الجريدة الرسمية. العدد 70، السنة التاسعة والعشرون، الخميس 4 ربيع الثاني عام 1413 ه الموافق أول أكتوبر سنة 1992 م. "مرسوم تشريعي رقم 92 – 03 مؤرخ في 3 ربيع الثاني عام 1413 الموافق 30 سبتمبر 1992، يتعلق بمكافحة التخريب والإرهاب". في: https://bit.ly/3Kr44HB
________. الجريدة الرسمية. العدد 25، السنة الثلاثون، الأحد 3 ذي القعدة عام 1413 ه الموافق 25 أبريل سنة 1993 م. "مرسوم تشريعي رقم 93 – 05 مؤرخ في 27 شوال عام 1413 الموافق 19 أبريل سنة 1993، يعدل ويتمم المرسوم التشريعي رقم 92 – 03 المؤرخ في 30 سبتمبر 1992 والمتعلق بمكافحة التخريب والإرهاب". في: https://bit.ly/3ZbsE34
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وزارة الشؤون الخارجية، وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. دور الديمقراطية في مكافحة التطرف العنيف والإرهاب: التجربة الجزائرية (كانون الأول/ ديسمبر). 2016
_________. الجزائر والقضاء على الراديكالية: تجربة للتبادل (أيلول/ سبتمبر 2015:). في https://bit.ly/3ImikyD حامي، حسان. "تحولات دولة الرعاية في الجزائر: السياسات الاجتمعية على محك أزمات الاقتصاد والتنمية". عمران. مج 10، العدد 37 (صيف.)2021
خالد، توازي. "الظاهرة الحزبية في الجزائر: التاريخ، المكانة، الممرسة، المستقبل". رسالة ماجستير. كلية العلوم السياسية والإعلام. جامعة الجزائر..2006-2005
دريس، نوري. "المجتمع المدني في الجزائر المعاصرة: اقتصاد سياسي لتجربة انتقال ديمقراطي غير مكتملة". سياسات عربية. العدد 19 (آذار/ مارس.)2016
سعود، الطاهر. "المصالحة الوطنية في الجزائر: التجربة والمكاسب." سياسات عربية. العدد 34 (أيلول/ سبتمبر 2018).
________. الحركات الإسلامية في الجزائر: الجذور التاريخية والفكرية. دبي: مركز المسبار،.2012
سميرة، باسط، "الإستراتيجية الجزائرية لمكافحة الإرهاب 2014-1999". رسالة ماجستير. كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية - جامعة الجزائر..2014
الطويل، كميل. الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر: من الإنقاذ إلى الجمعة. بيروت: دار النهار،.1998
سعدون، فاطمة. "السياسة الجنائية الإجرائية لمكافحة الإرهاب: جرائم الإرهاب". رسالة ماجستير. كلية الحقوق. جامعة الجزائر. /2013.2014
قوي، بوحنية. "التجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب: تقييم حصيلة"، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. في: https://bit.ly/3IDGzIT
كليمنصو، فرانسوا [وآخرون]. الجمعات الإسلامية المسلحة. ترجمة عبد الرحيم حزل. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2003
مارتيناز، لويس. الحرب الأهلية في الجزائر. ترجمة محمد يحياتن. الجزائر: منشورات مرسى، [د. ت.].
قدرات الأجهزة الأمنية وأثرها في جهود مكافحة الإرهاب. الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2010.
نبيل، دريس. "التدابير والإجراءات الكفيلة بمكافحة الإرهاب: الجزائر نموذجًا". مجلة البحوث القانونية والسياسية. العدد 6 (حزيران/ يونيو.)2016
زرواطي، اليمين. التجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب 2008-1978. لندن: مطبوعات إي-كتب،.2014
الأجنبية
Addi, Lahouari. "Les partis politiques en Algérie et la crise du régime des grands electeurs." Le Quotidien d'Oran. 12-15/10/2003, 13/12/2009. at: https://bit.ly/3KqSvjo
Bariki, Slaheddine. "Algérie chronique intérieure." Annuaire de l'Afrique du Nord. vol. XXXV. CNRS Éditions. 1996.
Boukra, Liess. Le terrorisme: Définition, histoire, idéologie et passage à l'acte. Alger: chihab, 2006.
Cesari, Jocelyne. "Algérie: Chronique intérieur." Annuaire de l'Afrique du Nord. vol. XXXI (1992), CNRS Edition. at: https://bit.ly/3lOZkRz
Frank C. Shanty & Santa Barbara (eds.). Counterterrorism: From the Cold War to the War on Terror. CA: Praeger, 2012. at: https://bit.ly/3Kn7cEg
Kheira, Becharef & Imekhelaf Rachida. "L'efficacité de la politique de dépenses dans le cadre des programmes de développement du troisième millénaire en Algérie." Revue Algérienne d'Economie et gestion. vol. 15, no. 2 (2021). at: https://bit.ly/3Es7RjZ
Le Sueur, James. Algeria since 1989: Between Terror and Democracy. London/ New York: Zed Books, 2010.
MacQueen, Benjamin. Political Culture and Conflict Resolution in the Arab World: Lebanon and Algeria. Australia: Melbourne University Press, 2009.
Medkdour, Mehdi. "Al Qaïda au Maghreb islamique: Fiche documentaire." Groupe de Recherche et D'information sur la Paix et la Sécurité. Note d'Analyse. 25/8/2011. at: https://bit.ly/3XIJ4io
SIPRI. "Military Expenditure by Country, in Constant (2018)." 2020. at: http://bitly.ws/zNY3
Volpi, Frédéric. Islam and Democracy: The Failure of Dialogue in Algeria. London/ Sterling, Virginia: Pluto Press, 2003.