انتخابات الكنيست الإسرائيليّة 2013
The 2013 Israeli Parliamentary Elections: Between Political Continuity and Social Change
الملخّص
يهدف هذا البحث إلى تحليل نتائج انتخابات الكنيست (البرلمانيّة) الإسرائيليّة التاسعة عشرة التي جرت في كانون الثاني / يناير 2013. يدّعي البحث أنَّ النتائج الأخيرة شكَّلت استمراريّة لتغيّراتٍ سياسيّة واجتماعيّة كانت قد حدثت ولا تزال في السّياسة والمجتمع الإسرائيليّين، مثل تراجع الأحزاب الكبيرة، والاستمراريّة في بعض أنماط التّصويت التقليديّة في المجتمع الإسرائيليّ. إلاّ أنها من جهة أخرى شهدت تحولّاتٍ جديدةًَّ، أهمّها هيمنة اليمين على المشهد السياسي الإسرائيليّ، فقد أظهرت الانتخابات غياب البديل السياسي لحزب الليكود في إسرائيل. ولأوّل مرّة لا يظهر حزبٌ سياسي ينافس الليكود على تأليف الحكومة. وجاء ذلك في إطار تعزيز قوّة اليمين الجديد في إسرائيل وتراجع معسكر أحزاب اليسار. كما بيَّنت نتائج الانتخابات، لأوّل مرّة، غلبة العامل الاجتماعي- الاقتصادي على قرار التصويت، بعدما كان العامل السياسي - الأمنيّ هو المهيمن على السلوك الانتخابي الإسرائيليّ. وقادت هذا التّغيير الطبقات الوسطى والعليا الإسرائيليّة بتأييدها الكبير حزب "يش عتيد " الذي وضع مصالح الطبقة الوسطى الإسرائيليّة في مركز خطابه الاجتماعي. في المجمل، يبيِّن البحث أنَّ منظومة اليسار واليمين التحليليّة لا تجدي في فهُم أنماط التّصويت في الانتخابات الإسرائيليّة.
Abstract
An analysis of the results of the 19th Israeli Knesset elections, held in January 2013, indicates a continuation of the political and social changes currently underway in Israeli politics, such as the decline of the major parties and the continuation of traditional voting patterns in Israel. On the other hand, new transformations have been noted, most importantly the dominance of the right on the Israeli political scene. The elections showed the lack of an alternative to the Likud Party. For the first time there was no other party to compete with it to form the government. This came in the context of the increasing strength of the new right in Israel and the decline in the camp of the leftist parties. The election results also showed for the first time the preponderance of the socio-economic factor in determining how to vote, whereas previously the political-security factor had been dominant in determining electoral behavior. This change led the Israeli middle classes to strongly back the Yesh Atid party, which placed the interests of the middle class at the center of its social discourse. Overall, the study makes clear that the analytic of left and right is inadequate for understanding voting patterns in Israeli elections.
- انتخابات الكنيست
- إسرائيل
- Israeli Knesset
- Political Continuity
- Likud Party
- Yesh Atid
بين الاستمرارية السياسيّة والتغيير الاجتماعيّ
الخريطة الحزبيّة الإسرائيليّة في انتخابات الكنيست التاسعة عشرة
أجريت انتخابات الكنيست التاسعة عشرة في كانون الثاني / ينايرُ 2013 قبل موعدها المقرّر نهاية العام، وذلك بعد قرارٍ اتّخذه رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في تشرين الأوّل / أكتوبر 2012 بإجراء انتخاباتٍ مبكِّرة على خلفيّة الخلاف داخل مركّبات الحكومة بشأن ميزانيّة الدولة المرتقبة؛ إذ وصل عجز الميزانيّة إلى نحو عشرة مليارات دولار. أراد نتنياهو إجراء تقليصٍ في الإنفاق الحكوميّ وزيادة الضرّائب لسدِّ العجز. لكنَّ أحزاب الائتلاف الحكوميّ عارضت ذلك، وأعلنت معارضتها الميزانيّة المقترحة. علاوةً على ذلك، جاءت حاجة نتنياهو إلى إجراء انتخاباتٍ مبكِّرة، لتجديد ثقة الجمهور الإسرائيليّ بقيادته وبحزب الّليكود. اعتقد نتنياهو أنَّه يتمتّع بشعبيّة كبيرة. وأراد استغلال شعبيّته لتحقيق فوزٍ كبير في الانتخابات قبل عرض الميزانيّة، والحصول على شرعيّة جمهيريّة لمواقفه تجاه الملفِّ النوويّ الإيرانيّ والقضايا الإستراتيجيّة الأخرى، خاصّة أنَّ قرار تقديم الانتخابات جاء مباشرةً بعد خطابه الشهير في الأمم المتّحدة في أيلول / سبتمبر 2012 عن المشرع النووي الإيرانيّ. اعتقد نتنياهو أنَّ الشارع الإسرائيليّ سيعيد الثّقة الانتخابيّة بقيادته وبحزبه بسبب التحدّيات الأمنيّة والإستراتيجيّة التي تواجهها إسرائيل؛ إذ ظهر نتنياهو الوحيد القادر على مجابهة هذه التحدّيات. كلّ ذلك دفع نتنياهو إلى تقديم الانتخابات بدالً من أن تسقط حكومته في التّصويت على ميزانيّة الدولة، لأنَّ التّصويت ضدّها يشكِّل حجب ثقةٍ عن الحكومة. كم أراد نتنياهو أن يعزِّز تمثيل حزب الّليكود في الكنيست، ففي الانتخابات السابقة في عام 2009 حصل الحزب على 27 مقعدًا، ولم يُتوَّج الحزب الأكبر؛ إذ حصل حزب كاديما على 28 مقعدًا. وبسبب معارضة تسيبي ليفني فحسب، رئيسة الحزب آنذاك، التحالف مع الأحزاب الدينيّة، أ عطي نتنياهو فرصة تأليف الحكومة. وحكمتُ حكومة نتنياهو أطول فترة منذ عام 1992، فقد أكملت عامها الرابع، ولم تعلن الانتخابات إلا بقرار نتنياهو نفسه. ولتحقيق مطمحه في تحويل الليكود إلى الحزب الأكبر في الانتخابات وبفارقٍ كبير عن أي حزبٍ آخر. ولتعطيل أيّ تكتّلٍ لأحزاب تعمل ضدهّ بما يمنعه من
1 يهوناتن ليس، "نتنياهو يُعلن: انتخابات خلال ثلاثة أشهر"، صحيفة هآرتس، 2012/10/9، ص.1
تأليف الحكومة القادمة، ولتحرير نفسه من ضغط الأحزاب الشريكة في الائتلاف الحكومي، عقد نتنياهو تحالفه مع حزب "يسرائيل بيتينو" الذي يرأسه أفيغدور ليبرمان. جرت مفاوضات الحلف بسريّةٍ تامّة. وجرى الإعلان عنه بطريقة مفاجئة. كان نتنياهو يهدف من التحالف إلى بناء حزب كبير في الخريطة السياسيّة الإسرائيليّة يحصل على أكثر من 40 مقعدًا، ويعيد إلى الأذهان الأحزاب الكبيرة التاريخيّة، وذلك لضمن تأليفه حكومة مستقرّة لا يكون فيها تابعًا للأحزاب الصغيرة والمتوسّطة. علاوةً على ذلك، كان يهدف إلى ضمن بقاء ليبرمان وحزبه في ائتلاف حكومته القادمة؛ فهو قادر على أن يشكِّل حالة توازنٍ بين معسكر الأحزاب المعارضة لنتنياهو والليكود وحلفائه في الحكومة. أمّا ليبرمان الذي بدأ حياته السياسيّة في حزب الليكود، وأنشأ بعدها حزبًا قطاعيًّا يعتمد على قواعدَ اجتمعيّة روسيّة، فيطمح إلى أن يكون وريث نتنياهو، رئيسًا للحكومة وزعيم اليمين في المستقبل، بعد انتهاء عهد نتنياهو. فكان التحالف، بالنّسبة إليه، فرصةً ليكون زعيم الليكود المستقبليّ، ومرشّحه لرئاسة الحكومة.
انطلق الزعيمن من قراءةٍ مبسّطة لجدوى هذا التحالف. واعتقدا أن الائتلاف بينهم (سُمّي الليكود - بيتنا) سيحقِّق، على الأقلّ، حصيلة المقاعد التي حصلا عليها في الانتخابات السابقة (42=15+27). وتعهَّد ليبرمان بأن يحصل الائتلاف الجديد على أربعين مقعدًا على الأقلّ. اختار ليبرمان أعضاء حزبه الذين سيكونون في الائتلاف الجديد. بينم ذهب الليكود إلى انتخاباتٍ داخليّة لاختيار أعضاء القائمة الانتخابيّة. وكشفت نتائج هذه الانتخابات، سيطرة النّخبة اليمينيّة الجديدة على الليكود؛ فقد فازت بالمواقع المتقدّمة في القائمة، ودحرت القيادة اليمينيّة القديمة في الحزب ذات التوجّهات القوميّة - الليبراليّة. يمكن اعتبار هذه النخبة، الجيل الثالث في الليكود. وهي نخبةٌ شبيهة بنخبة اليمين المتطرِّف في أوروبا الذي ينظر إلى مسألة الأقليات ومطالبها كتهديد للدولة ونسيجها الثقافي - الاجتمعي.
في المقابل، أقصت الانتخابات التمهيدية داخل الليكود النّخبة الليكوديّة ذات التوجّهات القوميّة - الليبراليّة التي شكَّلت الجيل الثاني في الليكود، من أمثال: بيني بيغن (ابن رئيس الحكومة ورئيس الليكود السابق مناحيم بيغن)، ودان ميريدور، وميخائيل ايتان، اللذين مثَلّا التوجّهات الليبراليّة في الليكود، ووقفا ضدّ التشريعات القانونية والممرسات السياسية التي قادتها النخبة الجديدة في الليكود. وعلى يمين الليكود، قامت أحزاب التيّار الدينيّ القوميّ واليمين الاستيطاني بالتحالف في إطار حزب "البيت اليهوديّ" (هبايت هيهودي). انتخب أعضاء الحزب الجديد "نفتالي بينيت"، رئيسًا للحزب. بدأ بينيت حياته السياسية مديرًا لمكتب نتنياهو. ثمّ أصبح مديرًا عامًّا لهيئة مجالس المستوطنات. يُعدّ بينيت من الجيل الجديد في الصهيونيّة الدينية؛ فقد تخرَّج في فرقة النّخبة العسكريّة "متكال"، وهي إحدى الفرق القتاليّة التي أصبح أبناء الصهيونيّة الدينية أكثر حضورًا في صفوفها، فهؤلاء يمجِّدون القيم العسكرية والدولة بمستوى قداستهم للدين. جاء بينيت بخطابٍ جديد لا يركِّز على قضيّة الصراع والمستوطنات فحسب. فهو شخصيًّا لا يسكن في مستوطنة، بل في إحدى المدن الغنيّة داخل الخطّ الأخضر (رعنانا). وأصبح ثريًّا نتيجة نجاحه في سوق الصناعات التكنولوجية. أراد "بينيت" أن يكون البيت اليهودي،ّ بيتًا لكلِّ اليهود داخل الخطّ الأخضر وخارجه. فركَّز في خطابه على القيم اليهوديّة: المساواة في توزيع العبء الاقتصادي والعسكري (تجنيد الجميع في الجيش أو في الخدمة المدنية). وأدخل إلى قائمته مرشّحة غير متديِّنة، للتأثير في قطاعاتٍ اجتمعية جديدة في المجتمع الإسرائيليّ. وروّج أنّه شخصيّة متديِّنة متنوِّرة وعصريّة. عدهّ الحزب شريكًا طبيعيًّا في الحكومة القادمة التي سيقودها نتنياهو. فكانت دعايته الانتخابيّة تطرح، فيم تطرح، دعم نتنياهو رئيسًا للحكومة، بهدف جذب قواعدَ اجتمعية من الليكود وطمأنتها بأنَّها في تصويتها للبيت اليهوديّ لن تسقط نتنياهو بوصفه رئيسَ حكومة، بل ستقوّيه من جهة اليمين. خاصّةً وأنه ضدّ إقامة دولة فلسطينيّة، ويطالب بضم المناطق C (التي تشكِّل %60 من مساحة الضفّة الغربيّة) إلى السِّيادة الإسرائيليّة. من الجانب الآخر، ركَّز حزب العمل برئاسة شيلي يحيموفيتش على الخطاب الاجتمعي - الاقتصادي. وانطلقت يحيموفيتش من ادّعاء
2 انظر برنامج الحزب السياسي، تحت عنوان "خطّة التهدئة"، في موقع الحزب على الرابط، http://www.baityehudi.org.il
أنَّ الخطاب الاقتصادي - الاجتمعي النابع من توجّه دولة الرفاه، سوف يضرب نقطة الضّعف الأساسيّة في سياسة حكومة نتنياهو، ولا سيّم بعد الاحتجاج الاجتمعي الكبير للطبقة الوسطى في صيف 2011. غيّب حزب العمل المسألة السياسية والرصّاع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، والقضايا الأمنيّة لأنَّها، باعتقاده، نقطة قوّة نتنياهو في الشارع الإسرائيليّ. بل إنَّ يحيموفيتش تبنَّت مواقفَ سياسيّةً قريبة من اليمين، مثل قولها إنَّ البناء الاستيطاني والاحتلال ليس لهم علاقة بالواقع الاجتمعي والاقتصادي الصعب داخل الخطّ الأخضر. كم عدّت المستوطنات شرعيّة لأنَّها أنشئت بقرارات حكوميّة رسميّةُ. وأيَّدت إقامة جامعة في مستوطنة أرييل. وفي إحدى تصريحاتها للابتعاد عن الصبغة اليساريّة لحزب العمل، صرَّحت بأنَّ حزب العمل لم يكن يومًا حزبًا يساريًّا، بل كان حزب المركز السياسي. حÓÓاولÓÓت يحيموفيتش مÓÓن خÓ ل Ó ل الÓ رتكÓيÓز عÓ ىل الخطاب الاقتصادي - الاجتمعي أن تستقطب الطبقات الوسطى الإسرائيليّة، وتعيدَ القواعد الاجتمعيّة التقليديّة لحزب العمل بعد أن ابتعدت عنه في العقد الأخير، خاصّةً تحت رئاسة إيهود براك. بدت سياسة يحيموفيتش مجديةً، فقد أعطت استطلاعات الرأي الحزب أكثر من عشرين مقعدًا. وساهم انضممُ جزء من قيادة حركة الاحتجاج الاجتمعي لصفوف الحزب، في تعزيز الثّقة داخل الحزب بجدوى هذا الخطاب الذي يحاول أن يطرح بديالًاجتمعيًّا واقتصاديًّا لحكومة نتنياهو وتغييب القضيّة السياسيّة والأمنيّة عن النقاش العام.ّ أفرزت الانتخابات الداخليّة في حزب العمل مرشّحين جددًا تنافسوا على مقاعد القائمة الانتخابيّة. فقد انتُخ ب في الأماكن العشرة الأولى عضوان مهامّن في حركة الاحتجاج الاجتمعي الإسرائيليّ لا يتجاوز عمرهم الثلاثين عامًا. كم انتُخ ب عسكريٌّ متقاعد، وهو عومر بار ليف، نجل رئيس هيئة الأركان الإسرائيليّة الثامن حاييم بار ليف. وبار ليف هو الشخصيّة العسكريّة الوحيدة الجديدة في قائمة الحزب، إذ كان قائدًا لفرقة النّخبة "متكال". فقد فشل الحزب في جذب شخصيّات عسكريّة لها ثقلها في المجتمع الإسرائيليّ، فيم كان الأعضاء الآخرون من قيادات حزب العمل القدماء والتقليدييّن. وقد ألغت يحيموفيتش مبدأ تمثيل مرشّحي القطاعات والدوائر في الانتخابات التمهيديّة كم كان متّبعًا في الحزب في السابق، لهذا جاء ممثّلو القطاعات والدوائر
3 عوزي باروخ، "يحيموفيتش: لا أرى في المستوطنات خطيئةً وجريمةً"، انظر الرابط، http://www.inn.co.il/News/News.aspx/224599 4 يهوناتن ليس، "يحيموفيتش: إنَّ وصف حزب العمل كحزبٍ يساريٍّ ظلمٌ تاريخيٌّ"، هآرتس، 2012/11/8، ص.1
المختلفة، مثل العرب والكيبوتسات - التجمّعات التعاونيّة، في أماكن متأخّرة في قائمة الحزب. وتنافست، داخل التيّار الديني الأرثوذكسي، حركتان في الانتخابات: حركة "يهدوت هتوراه"، وهي حركة دينيّة أرثوذكسيّة غير صهيونيّة تحظى بدعمٍ من القواعد الدينيّة الأرثوذكسيّة الأشكنازيّة، وتتميَّز قواعدها الاجتمعيّة بالثبات، مم ينعكس على استقرار نسبة تأييدها في الانتخابات؛ إذ تصوِّت هذه القواعد للحركة لعواملَ دينيّة مجرَّدة. وهي قواعد يزداد ثقلها الانتخابي بسبب الزيادة السكانيّة الطبيعيّة في صفوفها. تتركّز قواعدها في التجمّعات الدينيّة الأرثوذكسيّة ذات الطابع الأشكنازي، مثل مدينة القدس، وموديعين، وبيت شيمش، إذ تحصل الحركة فيها على أعلى نسبةِ تأييد، نظرًا لطابعها الديني الأرثوذكسي. وقد مرَّت الحركة بعمليّة صَهيَنة ضعيفة مقارنةً بحركة شاس الدينيّة الشرقيّة. أسُِّست حركة "شÓ اس" في بداية الثمنينيّات. وهي حركة دينيّة أرثوذكسيّة يتزعّمها رجال دين من أصولٍ شرقيّة، وتقوم باستعمل مكثَّف لسياسات الهُويّة في صفوف اليهود الشرقييّن. وتتوزّع قواعدها بين القواعد الدينيّة الأرثوذكسيّة الشرقيّة، والقواعد الاجتمعيّة الضّعيفة اقتصاديًّا من اليهود ذوي الأصول الشرقيّة. وعلى عكس حركة يهدوت هتوراه، فإنَّ قواعدها الاجتمعيّة غير ثابتة، فهي تنافس حزب الليكود على القواعد الاجتمعيّة الشرقيّة الضّعيفة، وتحاول مواجهة الليكود من خلال استعملٍ مكثَّف لسياسات الهُويّة أمام الليكود الأشكنازي. مرَّت الحركة بعمليّة صَهيَنة كبيرة؛ فهي تصنِّف نفسها حركة يمينيّة في القضايا السياسيّة والأمنيّة. ومن الصعوبة الادّعاء أن هذه الحركة هي حركةٌ دينيّة أرثوذكسيّة غير صهيونيّة. توقَّعت الحركة أن تعزِّز قوَّتها في انتخابات الكنيست التاسعة عشرة. وتزيد تمثيلها في البرلمان، وذلك بسبب ثلاثة عوامل: أوّلها، الحضور القويُّ للقضيّة الاجتمعيّة - الاقتصاديّة في النقاش العام،ّ وتصنيفها أولويّة متقدّمة بالنّسبة إلى المجتمع الإسرائيليّ على القضيّة السياسيّة - الأمنيّة. وثانيها، تراجع الليكود بسبب سياساته
الاقتصاديّة، وهذا سيسهِّل مهمّة الحركة في اقتطاع جزء من قواعده الاجتمعيّة في الطبقات الدنيا. أمّا العامل الثالث، فهو عودة الزّعيم
5 يهوناتن ليس، "رغم صيحات الاحتجاج، يحيموفيتش تلغي المقاعد المحصّنة في حزب العمل"، هآرتس، 2012/10/30، ص.4 6 الياهو بن موشيه، تغيير في مبنى وتركيبة السكّان في إسرائيل حسب القطاع الثقافي - الدينيّ في العقدين القادمين وانعكاساته على سوق العمل (القدس: وزارة الصناعة والتجارة والتشغيل، 2011)، ص 28 (بالعبريّة.) 7 مهند مصطفى، "تسييس الأحزاب الحريدية وصهينتها: حالة حركة شاس الدينيّة"، مجلة قضايا إسرائيليّة، العدد 40-39 (2010-112)، ص.121
السياسي التاريخي للحركة، ارييه درعي، إلى صفوف الحزب بعد أن أمضى فترةً في السجن بسبب قضايا فسادٍ مالي، والتي وُصفت بأنَّها ملاحقةٌ سياسيّة له بسبب انتمئه الشرقيّ.
أمّا الحزب الأخير الذي نتطرّق إليه في هذا المبحث، فهو حزب "يش عتيد" (يوجد مستقبل) الذي أسَّسه الإعلاميّ يائير لبيد، وهو ابن الصحفي يوسف تومي لبيد (2008-1931). انضمّ أبوه من قبْله إلى حزب "شينوي" (التّغيير)، وهو حزبٌ عرّف نفسه بأنَّه حزب المركز. وانطلق من خطابٍ معادٍ للمتديّنين اليهود الأرثوذكس. وقد حقَّق الحزب نجاحاتٍ انتخابيّةً كبيرة. لكن، لم تكن حال حزب "شينوي" مختلفة عن حال كلِّ الأحزاب التي أطلقت على نفسها أحزاب المركز؛ إذ ظهرت كلّها في الحياة السياسيّة الإسرائيليّة واختفت منها، بعد نجاحاتٍ مرحليّةٍ حقَّقتها في الانتخابات. أنشأ لبيد الابن حزب "يش عتيد"، كحزب مركز. وتوجَّه بخطابه إلى الطبقة الوسطى الإسرائيليّة، مركِّزًا على موضوع المساواة في العبء، أي فرض الأعباء الاقتصاديّة والعسكريّة على كلِّ قطاعات المجتمع الإسرائيليّ، وذلك بادّعاء أنَّ الطبقة الوسطى الإسرائيليّة العلمنيّة هي التي تتحمّل الأعباء وحدها، بينم هناك قطاعاتٌ، خاصّةً المتديّنين اليهود، لا يشاركون في هذه الأعباء. كلمة "عبء" هي المصطلح المتداول إسرائيليًّا للإشارة إلى أنَّ هناك من يقوم بواجبات، وهناك من يأخذ حقوقًا فحسب من دون أن يقوم بأيّ واجبات. وهذا الخطاب، وإن أظهره لبيد خطابَ مركز الخريطة السياسيّة، هو في الحقيقة خطاب اليمين؛ فحزب "يسرائيل بيتينو" الرّوسيّ الذي قاده ليبرمان، حصل على 15 مقعدًا في انتخابات 2009، بسبب رفعه شعار "لا حقوق من دون واجبات". وكان موجّهًا أساسًا ضدّ الفلسطينييّن
8 لمعرفة المزيد عن ظاهرة أحزاب المركز في الخريطة السياسيّة الإسرائيليّة عامّة، وحزب "شينوي" خاصّة، انظر دراسة: مهند مصطفى، "انتخابات 2006: انهيار حركة شينوي"، مجلة قضايا إسرائيليّة، العدد 22 (2006)، ص.61-54
داخل إسرائيل. وقد استبدل هذا الشعار في الانتخابات الأخيرة بشعار "المساواة في العبء". اختار لبيد قائمته الانتخابيّة بصفة شخصيّة؛ فالحزب لم يُجرِ انتخابات تمهيديّة داخليّة لاختيار أعضاء القائمة، سالكًا طريق الأحزاب الدينية مثل "شاس" و"يهدوت هتوراه"، إذ يختار مجلس رجال الدين أعضاء القائمة، وطريق الأحزاب الشخصيّة مثل حزب "يسرائيل بيتينو" بزعامة ليبرمان. تألَّفت قائمة لبيد من شخصيّات ذات توجّهات متباينة، جمعتها قضيّة "المساواة في الأعباء" بصورة رئيسة. اتّخذ لبيد نهجًا مختلفًا عن أبيه؛ فلم يُظهر حزبه معاديًا للمتديّنين بصورة كاملة، بل بوصفه منتصرًا للطبقة الوسطى. وقد أدرج في قائمته رجال دينٍ يتبنّون مواقفَ متقدّمة في قضايا الاقتصاد والمجتمع. في موقع الحزب، يظهر الأساس الأيديولوجي للحزب بصيغة "من نحن." ويعدِّد الحزب المحاور الأساسيّة لتوجّهه الأيديولوجي في القضايا السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتمعيّة. يحدِّد الحزب أواّلً رؤيته لهُويّة الدولة: "نحن نؤمن بكون إسرائيل دولة يهوديّةً ديمقراطيّة بروح تصوّر أنبياء إسرائيل، نحن نؤمن بحقّنا في العيش في دولة مع أغلبيّة يهوديّة تعيش في حدودٍ آمنة وقابلة للدفاع". ويشير إلى رؤيته للعلاقة بين دولة إسرائيل ويهود العالم: "نحن نؤمن أنَّ من واجب الدولة أن تعمل كمركزٍ للشعب اليهوديّ، الاهتمم بكلِّ يهوديٍّ ملاحق بسبب يهوديّته على وجه الأرض". يشير الأساس الأيديولوجي إلى أنَّ الحزب انطلق من داخل الإجمع الصهيوني - اليهوديّ على هُويّة الدولة؛ فالدولة بالنّسبة إليه لا تكون يهوديّة في هُويَّتها وتوجّهاتها الثقافيّة فحسب، بل عليها أن تكون ذات أغلبيّة يهوديّة، ودولة الشعب اليهوديّ في كلِّ مكان. وفي الجانب الاقتصاديّ، ينادي الحزب بزيادة المشاركة في سوق العمل لدى قطاعات غير فاعلة في المجتمع الإسرائيلي. وعلى الدولة الاهتمم بالطبقة الوسطى، لأنَّها الطبقة المنتجة في السوق. تظهر يمينيّة الحزب في الجانب السياسي من برنامجه، إذ جاء فيه: "لا يوافق حزب "يش عتيد" على الاتّهامات الذاتيّة التي يطلقها جزء من الجمهور الإسرائيليّ واليهوديّ في مسألة السلّام، نحن نعتقد أن الفلسطينييّن... رفضوا مرّةً بعد مرّة يد إسرائيل الممدودة للسلام، هكذا في الانتفاضة الأولى والثانية، وهكذا بعد انفصال أحادي الجانب عن غزّة، فبدالً من أن يبنوا مستشفياتٍ ومدارسَ مكان مستوطنات
9 انظر موقع الحزب، http://www. yeshatid. org.il
غوش قطيف في غزّة، فضّلوا إطلاق آلاف الصواريخ على المدنييّن، وهكذا برفضهم اقتراح إيهود أولمرت الحلّ". يقترح الحزب تبنّي حلّ الدولتين. ولكن، ليس بدافع الاعتراف بحقوق الفلسطينييّن الوطنيّة، بل بدافع الحفاظ على إسرائيل دولة يهوديّة مع أغلبيّة يهوديّة. ويَعدّ المستوطنين صهاينة حقيقييّن، إذ يشير البرنامج إلى أنَّ "السلّام هو الحلّ المعقول الوحيد للتهديد الديموغرافي ولأفكار مثل دولة كلّ مواطنيها ودولة ثنائيّة القوميّة". أمّا بالنسبة إلى شكل الحلّ النهائي الذي يقترحه الحزب، فيتمثَّل في حلّ الدولتين، من دون العودة إلى حدود السادس من حزيران / يونيو 1967، والإبقاء على الكتل الاستيطانيّة في الضفّة الغربيّة، والإبقاء على القدس عاصمة موحّدة وأبديّة لإسرائيل، حلّ مشكلة اللاجئين في الدولة الفلسطينيّة فحسب، تملك إسرائيل الحقّ في محاربة "الإرهاب" حتّى داخل الدولة الفلسطينيّة التي ستقام. يُوضّح برنامج الحزب السياسيّ أنَّه لا يقدِّم تصوّرًا مختلفا عن تصوّر نتنياهو في خطاب بار ايلان، غير أنَّ نتنياهو يريد من الفلسطينييّن الاعتراف بإسرائيل دولة يهوديّة. أمّا لبيد، فيريد انتزاع ذلك على أرض الواقع. إلى جانب هذه الأحزاب، شاركت في الانتخابات الأحزاب العربيّة الثلاثة: التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ الذي يمثِّل التيّار القوميّ الديمقراطيّ في صفوف الفلسطينييّن في إسرائيل، وقد تعرّض لحملة تحريضٍ كبيرة خلال الدّورة الماضية. وكانت هناك محاولة لجنة الانتخابات المركزيّة إلغاء مشاركة عضو الكنيست حنين زعبي في الانتخابات بسبب وجوده على سفينة مرمرة التي حاولت كسر الحصار على قطاع غزّة. وكذلك القائمة العربيّة الموحّدة، وهي تحالفٌ يضمّ الحركة الإسلاميّة التي تشارك في الانتخابات وبعض الحركات السياسيّة الأخرى. وأخيرًا الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة، وهي حركةٌ تعرِّف نفسها بأنّها حركة عربيّة يهوديّة، ويشكِّل الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ عمودها الفقري. كم شارك في الانتخابات حزب كاديما الذي تراجعت شعبيّته تراجعًا كبيرًا في الدّورة الأخيرة، ومرَّ بسلسلة انشقاقات كان أبرزها خروج رئيسته السابقة تسيبي ليفني التي شكَّلت حركة "هتنوعا" (حركة الحركة) التي ركَّزت في خطابها على موضوع التسوية السياسيّة مع الفلسطينييّن. كم تنافست حركة ميرتس اليساريّة التي أعلنت مسبقًا
10 http://yeshatid.org.il/programmes/national/ 11 http://yeshatid.org.il/programs/national/main
أنَّها لن تشارك في أيّ حكومة يؤلِّفها نتنياهو. والحقيقة أنَّ هذه الحركة بقيت في المعارضة منذ عام.2001
قراءة سياسيّة في نتائج الانتخابات
وصلت نسبة التّصويت في الانتخابات الأخيرة إلى %66.6، مقارنةً مع %65 في الانتخابات السابقة. عمومًا، لم يحدث تغييرٌ جوهري على نسب التّصويت في العقد الأخير؛ فقد تراجعت نسبة التّصويت تراجعًا كبيرًا منذ انتخابات رئاسة الحكومة في عام 2001، ومنذ ذلك الوقت وهي في حالة استقرار. استطاعت اثنتا عشرة قائمة تجاوز نسبة الحسم (%2) من بين اثنتين وثلاثين قائمة تنافست في الانتخابات. أغلبيّة القوائم التي لم تجتز نسبة الحسم كانت قوائم صغيرة في معسكر اليسار. وتشير النتائج أنَّ اليسار يفقد في كلِّ دورة انتخابيّة خمسة مقاعدَ بسبب عدم نجاح قوائم صغيرة في تجاوز نسبة الحسم. بيّنت النتائج إخفاق تحالف الليكود - بيتنا. توقَّع كلٌّ من نتنياهو
وليبرمان أن يحصل تحالفهم على أربعين مقعدًا على الأقل. إال أنَّ النتائج جاءت أقلَّ من نتائج الاستطلاعات التي توقَّعت حصول التحالف على 35 مقعدًا. حصل التحالف على 31 مقعدًا، بنسبة %23.3. بينم حصل الحزبان معًا في انتخابات 2009 على 42 مقعدًا، بنسبة %33 من الأصوات، وذلك عندما خاضا الانتخابات منفردين؛ بمعنى أنَّهم خسرا ربع مقاعدهم في الانتخابات الحاليّة. توقَّع نتنياهو وليبرمان أن يؤدّي تحالفهم إلى تكاتف قواعدهم الاجتمعيّة، علاوة على أنَّه سيجذب قواعدَ جديدة من اليمين. إالّ أنَّ التحالف أبعد الكثير من قواعدهم التقليديّة، بسبب تحالفهم. يحظى حزب ليبرمان، "يسرائيل بيتينو" (إسرائيل بيتنا)، بدعم اليهود الرّوس بالأساس، فهو حزب قطاعي، %75 من الذين صوّتوا للحزب في انتخابات 2009 كانوا من اليهود الرّوس. حقَّق الحزب منذ تأسيسه
12 موقع لجنة الانتخابات المركزيّة للكنيست ال 19، http://www.votes-19.gov.il/nationalresults 13 ينير يغنا، "ليبرمان: الاستطلاعات لا تعكس الواقع، سنحصل على أربعين مقعدًا"، هآرتس، 14 انظر، على سبيل المثال، استطلاع صحيفة هآرتس قبل الانتخابات، هآرتس 2013/1/18، ص.3-1 15 Mohanad Mustafa, "The Empowering of the Israeli Extreme Right: The
عام 1999 نجاحاتٍ انتخابية كبيرة وصلت ذروتها في الانتخابات السابقة بحصوله على 15 مقعدًا. وظهر زعيمه أفيغدور ليبرمان زعيامً مقبالً لليمين. تتميَّز قواعد الحزب بعلمنيّة معادية للدين، إذ خاض الحزب صراعاتٍ مع الأحزاب الدينيّة على قضايا الدين والدولة. كم تتبنّى قواعده مواقفَ يمينيّة متطرِّفة من الÓّصرّاع العربي - الإسرائيليّ، ومن مكانة الأقليّة الفلسطينيّة داخل إسرائيل. تبني نتائج الانتخابات في المدن ذات الأغلبيّة الرّوسيّة، أنَّ الرّوس امتنعوا عن التّصويت في هذه الانتخابات؛ فقد تراجعت نسبة تصويتهم ب %10، مع العلم أنَّ القوّة الانتخابيّة للقطاع الرّوسيّ تصل إلى عشرين مقعدًا. تراجعت نسبة مشاركة الرّوس في الانتخابات بسبب خيبة أملهم في حزب "يسرائيل بيتينو" الذي لم يعمل بصورة كافية على تحقيق مطالبهم من خلال الحكومة. تشير المعطيات إلى أنَّ الرّوس ينتمون إلى الطبقة الوسطى الدنيا في المجتمع الإسرائيليّ، ومع ذلك لم تعمل حكومة نتنياهو - ليبرمان على دعمهم، بل زادت أعباءَهم الاقتصاديّة. كم أنَّ التحالف مع الليكود أفقد الحزب هُويَّته القطاعية بوصفه حزبًا للمهاجرين الÓ رّوس الذين يصل عددهم إلى مليون روسيّ، لهم احتياجاتهم الخاصّة في المجالات الثقافيّة
والاقتصاديّة والاجتمعيّة. كم أنَّ التحالف بين قواعد الحزب العلمنيّة المعادية للدين والقواعد المحافظة والمتديّنة في الليكود قد أدَّى إلى عزوف الكثير من الرّوس عن التّصويت للتحالف الجديد، خاصّةً بعد صعود النّخبة الجديدة في الليكود التي تضمّ الكثير من المتديّنين أو المحافظين. أمّا الليكود، فقد تنبّأت استطلاعات الرأي بحصوله على أكثر من 30 مقعدًا قبل التحالف مع حزب ليبرمان، إالّ أنَّ التحالف أفقده قواعدَ اجتمعيّة كثيرة، ولا سيّم قواعده الليبراليّة التي ترى في حزب ليبرمان يمينًا متطرِّفا بينم تنظر إلى الّليكود على أنّه يمين ليبرالي قريب
Rise-up of the Yisrael Beteinu Party", in: Priya Singh and Susmita Bhattacharya (eds.), Perspectives on West Asia (New Delhi: Shipra Publications, 2012), pp. 37-57, pp. 50-51. 16 تمار هوروفيتس، "ازدياد القوّة السياسيّة لمهاجري الاتحاد السوفياتي السابق في إسرائيل: من مواطنة سلبيّة إلى مواطنة فاعلة"، في: موشيه ليسك واليعزر ليشم (محرران)، من روسيا إلى إسرائيل: هُويّة وثقافة في حالة انتقال (تل أبيب: هكيبوتس هموئحد، 2001)، ص.123-100 17 الكس تانصر، "الرّوس المنسيّون"، هآرتس، 2013/2/26، ص.15 18 المصدر نفسه. 19 فلورا ديفوديفوتش، معطيات ديموغرافيّة حول السكان في إسرائيل: عرض لأبحاث (القدس: مركز البحث والمعلومات التابع للكنيست، 2011.8)، ص
من مركز الخريطة السياسيّة. عزَّز هذا التوجّه نتائج الانتخابات الداخليّة في الليكود، إذ جرى انتخاب النّخبة اليمينيّة المتطرِّفة في الليكود إلى مواقع متقدّمة في القائمة، وإقصاء النّخبة الليبراليّة إلى مواقع غير مضمونة في القائمة. وهذا دفع قطاعاتٍ يمينيّة ليبراليّة إلى التّصويت لحزب "يش عتيد". كم أنَّ التحالف مع حزب ليبرمان أدّى إلى انتقال الكثير من المصوِّتين، خاصّةً من المتديّنين القومييّن، إلى حزب البيت اليهودي - الديني القومي، ومن المصوِّتين الشرقييّن المحافظين إلى حركة شاس. فهذه القطاعات لا تعادي الدين، وترى في تحالف الليكود مع حزب معادٍ للدين ضربةً لقيمها الدينيّة. فهي مستعدّة للالتقاء معه في القضايا السياسيّة والأمنيّة، لكن ليس في القضايا الاجتمعيّة والدينيّة. علاوةً على ذلك، قامت الأوضاع الاجتمعيّة - الاقتصاديّة الصّعبة التي مرَّت على المجتمع الإسرائيليّ في فترة نتنياهو، بدورٍ في تراجع الحزب، فسياساته الاقتصاديّة أضرَّت بالطبقات الدنيا، وزادت أعباء الطبقة الوسطى، خاصّةً في مجال المسكن. وعندما أصبح الموضوع الاقتصادي - الاجتمعي ساحة المعركة في الانتخابات، خسرها الليكود - بيتنا، خاصّةً بعد نشر معطيات تبينِّ حجم التدهور الاقتصادي والعجز الماليّ الكبير الذي ينتظر إسرائيل في عام 2013، الأمر الذي يتطلَّب إجراء تقليصات كبيرة في الإنفاق الحكومي، وفرض ضرائب جديدة لسدِّ العجز والخروج من الأزمة. وهو ما أدّى إلى انتقال مصوِتّي الليكود من الطبقات الوسطى إلى التّصويت لأحزاب طرحت خطابًا داعامً للطبقة الوسطى، وتوزيع العبء على الجميع، وفي مقدّمهم "يش عتيد." كان فوز حزب "يش عتيد" برئاسة لبيد مفاجأة الانتخابات، إذ حصل الحزب على 19 مقعدًا (%14.3 من الأصوات)، في أوّل دورةٍ انتخابيّة يشارك فيها. وتُوِّج الحزب الثاني في الانتخابات. هناك الكثير من العوامل التي أدَّت إلى فوز الحزب؛ منها ما يتعلَّق بشخصيّة لبيد نفسها التي تمثِّل الإسرائيليّ الطامح إلى حياة رغيدة وهادئة، بعيدًا عن ألاعيب السياسة. كم ظهرت خلال حملته الانتخابيّة. وعلى عكس أبيه، لم يكن خطاب لبيد معاديًا للمتديّنين. لكن ذلك لا يعني أنَّ قواعده الاجتمعيّة التي صوَّتت له تحمل المودّة للمتديّنين
20 عمير فوكس، "اليمين الليبرالي حسم أمره"، هآرتس، 2013/1/30، ص.2 21 حاييم لفينسون، "البيت اليهوديّ نجح في جذب ناخبي الّليكود المحافظين"، هآرتس، 2013/1/23، ص.5 22 ارئيلا شدمي، "يئير بينيت"، هآرتس، 2013/1/25، ص.23
الأرثوذكس، إنمَّا لا تريد حزبًا يؤسِّس خطابه على ذلك فحسب. جاء لبيد بقائمة لم يكن أفرادها أعضاء سابقين في البرلمان، بل أسَّس قائمة تدمج شرائحَ مختلفة من المجتمع الإسرائيليّ التقت على الإجمع الصهيونيّ في القضايا السياسيّة والاجتمعيّة والاقتصاديّة. دمج الحزب في خطابه السياسيّ والاقتصاديّ مركّباتٍ من خطاب اليمين الليبرالي ومركّبات من خطاب دولة الرفاه. ركَّز خطابه الاقتصاديّ على دعم الطبقة الوسطى الإسرائيليّة، وهي طبقةٌ تتركّز جغرافيًّا في مركز البلاد وتتكوّن أغلبيتها من اليهود الأشكناز. لكنَّه لم يطالب بأن تكون إسرائيل دولةً اشتراكيّة - ديمقراطيّة في نظامها الاقتصادي. بمعنى أن خطابه الاقتصادي لم يشدِّد على دعم الطبقات المهمّشة، والضّعيفة في المجتمع الإسرائيليّ، بل أكّد على مساندة الطبقات الوسطى العليا. يمكن تفسير مفاجأة "يش عتيد" أيضًا بغياب الثّقة بالأحزاب التقليديّة، وفي مقدّمها حزب العمل. فقدَ حزب العمل ومعه اليسار الإسرائيلي الكثير من صدقيّته في العقد الأخÓ ري. وجاء لبيد طارحًا خطابًا استطاع من خلاله التواصل مع قواعد انتخابيّة على يمين الخريطة الحزبيّة ويسارها. علاوةً على ذلك، استطاع الحزب أن يجذب القواعد الاجتمعيّة الوسطى والعليا التي قرّرت التّصويت لحزب العمل في أعقاب الاحتجاج الاجتمعيّ، لكنها بقيت متحفِّظة تجاهه بسبب الرصّاعات الداخليّة في الحزب، فرأت في "يش عتيد" بديالً عن حزب العمل. وهذا ما أكَّدته استطلاعات الرأي خلال الفترة الماضية التي بيّنت تراجع حزب العمل وتقدّم حزب "يش عتيد." وعندما تولَّت شيلي يحيموفيتش رئاسة حزب العمل، قادت خطابًا شدَّد على القضايا الاقتصاديّة والاجتمعيّة، في محاولةٍ لضرب اليمين في نقطة ضعفه الأساسيّة. لكنَّ تركيز الحزب على الخطاب الاقتصادي أدّى إلى عزوف العديد من قواعده الاجتمعيّة التقليديّة عن التّصويت له، فهي تريد للحزب أن يكون بديالً سياسيًّا لحزب الليكود وليس بديال اقتصاديًّا واجتمعيًّا فحسب؛ إذ تعتقد هذه القواعد أنَّ تراجع الحزب السياسيّ في العقد الأخير كان نابعًا من غياب الرؤية السياسيّة البديلة لرؤية اليمين. بينم اعتقدت يحيموفيتش أنَّ تغييب الموضوع السياسيّ سيجعل حزب العمل البديل الاجتمعي - الاقتصادي لليكود.
23 انظر: البرنامج الاقتصادي - الاجتماعي لحزب "يش عتيد" على رابط الحزب التالي، http://yeshatid.org.il/programmes/economy 24 غولان لاهط، صعود وانهيار اليسار الإسرائيلي 2003-1993 (تل أبيب: عام عوبيد، 2004) (بالعبريّة.) 25 المصدر نفسه، ص.13
وقد هاجمها الأديب الإسرائيليّ عاموز عوز على هذا التوجّه، إذ قال إنّها "أسوأ من إيهود براك، فالأخير قال إنَّه لا يوجد حلّ، وهي تقول إنَّه لا يوجد مشكلة". أدّى تركيز يحيموفيتش على الخطاب الاقتصادي - الاجتمعي إلى اقترابها من رؤية اليمين السياسي، محاولة مخاطبة قواعد يمينيّة من خلال الاهتمم بالقضايا الاجتمعيّة والاقتصاديّة. اعتقدت يحيموفيتش أنَّها تستطيع أن تكسر التحالف التاريخي بين الليكود وقواعده الاجتمعيّة الضّعيفة اقتصاديًّا والمحافظة دينيًّا، والتي تصوِّت لليكود لأسباب تاريخيّة وسياسيّة. إالّ أنَّ يحيموفيتش لم تفهم أنَّ هذا التحالف التاريخي لا يمكن كسره بسبب أزمة اقتصاديّة عابرة تمرُّ بها إسرائيل، ولا سيّم أنَّ قضيّة الرصّاع العربي - الإسرائيلي لم تصل إلى نهايتها بعد. وأدَّت مغازلة يحيموفيتش هذه القواعد إلى خسارتها قواعدها التقليديّة، وفي الوقت نفسه أخفقت في جذب قواعد الليكود الضّعيفة اقتصاديًّا التي تفضِّل التّصويت لحركة "شاس" الدينيّة الشرقيّة، إذا أرادت تغليب العامل الاقتصادي - الاجتمعي في قرار تصويتها، وليس لحزب العمل. حصل حزب العمل على 15 مقعدًا بزيادة مقعدين فقط عن 2009، وأقلّ بثلاثة مقاعد من انتخابات 2006. أي أنَّ يحيموفيتش أخفقت في إعادة الحزب إلى دوره بوصفه حزبًا قادرًا على تأليف الحكومة، فقد جاء في المرتبة الثالثة بعد الليكود وحزب "يش عتيد." شهد حزب العمل خلال العقد الأخير انشقاق أربعة من قادته الذين تزعّموا الحزب في مراحلَ مختلفة؛ فقد انشقَّ شمعون بيريز عن الحزب وانضمّ إلى حزب "كاديما" برئاسة شارون. وانشقَّ "عمير بيرتس" رئيس الحزب في انتخابات 2006، وانضمّ إلى حركة "هتنوعاه" برئاسة تسيبي ليفني. وانشقَّ عمرام متسناع رئيس الحزب في انتخابات 2003، وانضمّ أيضًا إلى حزب ليفني. وقبْلهم انشقَّ إيهود براك وزير الدّفاع في حكومة نتنياهو، في أعقاب قرار الحزب الخروج من حكومة نتنياهو، وخرج معه عددٌ من أعضاء الكنيست، وهو ما أضعف الحزب. إذًا، من بين ستّ شخصيّات كانت في رئاسة الحزب، بعد مقتل إسحاق رابين عام 1995، انشقَّت أربع منها وانضمّت إلى أحزابٍ ذات توجّهات يمينيّة.
26 يوسي فارتر، "عاموز عوز: يحيموفيتش أسوأ من براك - هو قال لا يوجد حلّ، هي تقول لا يوجد مشكلة"، هآرتس، 2013/1/11، ص.6 27 غدعون ليفي والكس ليبك، "بار ايلان خاصّتها"، هآرتس، 2012/12/21، ص.13
انهار حزب "كاديما" في هذه الانتخابات، إذ حصل على مقعدين فقط. ويمكن إرجاع انهياره إلى عوامل تاريخيّة تتعلّق بنشأته، وعوامل داخليّة تتعلَّق بالرصّاعات داخله. عندما أنشأ شارون الحزب عام 2005 كان في ذروة شعبيّته الجمهيريّة. وقد نبعت شعبيّة الحزب من شعبيّة "شارون" بالأساس. كان شارون الصّمغ الذي جمع الكثير من التناقضات داخل الحزب. فضالً عن أنَّ الحزب قد نشأ حزب سلطة، وليس معارضة. لقد خاض الحزب الانتخابات أوّل مرة في عام 2006 من دون شارون الذي أقعده الشّلل الدماغيّ. وقاده أولمرت وحصل على 29 مقعدًا. وقد بينّت نتائج الانتخابات أنَّ قواعد الحزب كانت الشرائح الاجتمعيّة الوسطى والعليا في المجتمع الإسرائيليّ التي انتقلت من حزب العمل والليكود إلى كاديما. قاد حزب كاديما الحكومة الإسرائيليّة خلال الفترة من عام 2006 إلى عام 2009، أخفق خلالها في حربين: تمّوز 2006 في لبنان، وكانون الأوّل 2008 في غزّة. كم أنَّه لم يتقدّم في مسار التسوية السياسيّة مع الفلسطينييّن. وانتهت الحكومة باستقالة أولمرت على خلفيّة قضايا فسادٍ ماليّ. وعندما أجريت انتخاباتُ 2009، قادت تسيبي ليفني الحزب وحصلت على 28 مقعدًا، بفارق مقعدين عن الليكود، إال أنَّها لم تؤلِّف الحكومة وفضّلت البقاء في المعارضة. وكان ذلك النقيض الجوهري لفكرة الحزب بوصفه حزب سلطة. بدأت الرصّ اعات الداخليّة تدبّ في جسم الحزب؛ صراعÓ ات على السلطة أساسًا، وصراعٌ على الدخول إلى الحكومة أو البقاء في المعارضة، وصراعٌ على رئاسة الحزب. إنَّ الذين فضَّلوا البقاء في المعارضة لم يكن خيارهم حبًّا في المعارضة، بل راهنوا على أنَّ حكومة نتنياهو سوف تسقط أمام الضّغط الدولي والأميركيّ. إالّ أنَّ نتنياهو استطاع أن يتجاوز هذا الضّغط ببراعةٍ كبيرة مستغ الأوضاع الدوليّة والإقليميّة والانشقاق داخل حزب العمل. أدّى بقاء "كاديما" في المعارضة إلى اندلاع صراعاتٍ داخليّة ساهمت في تفتيت الحزب؛ إذ بعد أن خسرت تسيبي ليفني الانتخابات الداخليّة على رئاسة الحزب أمام شاؤول موفاز، انشقَّت عن الحزب عشيّة
28 تسفي تسيكي ابيشر، شارون: خمس سنوات من كاديما (القدس: د. ن، 201110)، ص بالعبريّة.)(29 اشار اريان وآخÓ رون، "كاديما في جهاز حزبي هشّ"، في: اشار اريان وميخال شامير)(محرران، لانتخابات في إسرائيل 2006 (القدس: المعهد الإسرائيليّ للديمقراطيّة، 2008)، ص 61-2536. (ص بالعبرية.) 30 مهند مصطفى، "الإستراتيجيّة الإسرائيليّة التفاوضيّة 2012-2009: نصف تسوية ونصف مصالحة"، المجلة العربيّة للعلوم السياسيّة، عدد، ص 38 (2013.163-147)
الجدول (1) يبينِّ نتائج الأحزاب المشاركة في الدّورات لانتخابيّة الثلاث الأخيرة
| 2013 | 2009 | 2006 | ||||
|---|---|---|---|---|---|---|
| المقاعد | %م | المقاعد | %م | المقاعد | %م | |
| 31 | 23.3 | 27 | 21.6 | 12 | 9 | املليكود |
| 2 | 2 | 28 | 22.5 | 29 | 22 | كاديما |
| 15 | 11.3 | 13 | 9.9 | 19 | 15.1 | العمل |
| 19 | 14.3 | يش عتيد | ||||
| 11 | 8.7 | 11 | 8.5 | 12 | 9.5 | شاس |
| 7 | 5.1 | 5 | 4.4 | 6 | 4.7 | يهدوت هتوراه |
| تحالف مع الّليكود | 15 | 11.7 | 11 | 9 | يرسرائيل بيتينو | |
| 6 | 4.5 | 3 | 3 | 5 | 3.8 | مميرتس |
| 1ي2 | 9ي.1 | 3 | 2.9 | 9 | 7.1 | المفدال - البيت اليهودي ّ |
| تحالف في إطار البيت اليهودي | 4 | 3.3 | لامتحاد الوطني | |||
| 7 | 5.9 | حزب المتقاعدين | ||||
| 6 | 4.9 | هتنوعاه (الحركة) | ||||
| 3 | 2.5 | 3 | 2.5 | 3 | 2.3 | التجمّع الوطني ّ املديمقراطي ّ |
| 4 | 2.9 | 4 | 3.3 | 3 | 2.7 | املجبهة الديمقراطيّة |
| 4 | 3.6 | 4 | 3.4 | 4 | 3 | القائمة العربيّة الموحّدة |
الموحّدة 3
المصدر: تقارير لجان الانتخابات المركزيّة. (تصميم وإعداد الكاتب.) لجنة انتخابات الكنيست ال:19 http://www.votes-19.gov.il/nationalresults لجنة انتخابات الكنيست ال:18 www.knesset.gov.il/elections18/heb/results/main_Results.aspx لجنة انتخابات الكنيست ال:17 http://www.knesset.gov.il/elections17/heb/results/Main_Results.asp
الانتخابات الأخيرة. أمّا كاديما برئاسة موفاز، فقد دخل الحكومة لمدّة شهر في محاولةٍ لتمرير قانون التجنيد للمتديّنين الأرثوذكس، وبذلك أنقذ موفاز حكومة نتنياهو من السقوط بسبب صراعه مع شركائه من الأحزاب الدينيّة المعارضة بشأن هذا القانون. إالّ أنَّ موفاز فشل في تمرير القانون، ما أدّى إلى خروجه من الحكومة. وخرج الحزب منشقًّا على نفسه؛ فقد انشقَّ قسمٌ من أعضائه في البرلمان وانضمّ إلى
الليكود، وانضمّ قسمٌ آخر إلى حزب العمل، وانضمَّ الباقون إلى حزب تسيبي ليفني الجديد "هتنوعاه." إلى جانب تراجع الليكود - بيتنا في معسكر اليمين، ازداد تمثيل البيت اليهوديّ في هذه الانتخابات؛ فقد ضمَّ البيت اليهوديّ حزب المفدال، وهو حزب الصهيونيّة الدينيّة وحزب الاتحاد الوطنيّ، وحصل الحزبان على سبعة مقاعد في الانتخابات السابقة. بينم حصل البيت اليهودي في الانتخابات الحاليّة على 12 مقعدًا. يعود سبب ارتفاع رصيد الحزب اليهوديّ، إلى سياسة زعيمه الجديد نفتالي بينت الذي وجّه خطابه إلى كلِّ القطاعات الاجتمعيّة، وليس إلى قواعد المستوطنين فحسب. وهي قواعد الحزب التقليديّة. ورفع شعار مثل "البيت اليهودي بيت الجميع". كم شدَّد الحزب على مواقفَ تتعلَّق بالقضايا الاقتصاديّة والاجتمعيّة، إلى جانب تركيزه على قضيّة الرصّاع والمستوطنات. وخاطب الطبقات الوسطى بتبنِّيه خطاب "المساواة في العبء". كم اتّبع تكتيكًا انتخابيًّا جذب من خلاله قواعدَ انتخابيّة من الليكود. وهو تأكيد الحزب أنَّه سيكون ضامنًا لحكومة نتنياهو من اليمين، بمعنى أنَّ من سيصوِّت لحزب البيت اليهوديّ لن يخسر نتنياهو رئيسًا للحكومة.
تحليل سوسيولوجي لأنماط التصويت في انتخاباتّ2013
يهدف هذا المبحث إلى تبيان القواعد الاجتمعيّة للأحزاب السياسيّة في إسرائيل، وذلك من خلال تحليل إحصائي يجمع بين بنية المجتمع الإسرائيليّ سوسيولوجيًّا وأنماط التصويت. أثّرت عدّة عوامل في تحديد أنماط التّصويت في المجتمع الإسرائيليّ، إالّ أنَّ أهمّها كان العامل السياسي - الأمنيّ الذي يتعلَّق بالرصّاع العربيّ الإسرائيليّ والسّياسة الخارجيّة، والعامل الاقتصادي - الاجتمعي الذي يتعلَّق بالسيّاسات الاقتصاديّة للأحزاب السياسيّة. إالّ أنَّ الأبحاث التي أ جريت على أنماطُ التّصويت في إسرائيل أشارت إلى أنَّ العامل السياسي - الأمني ظل العامل المهيمن على قرار التّصويت لدى الناخب الإسرائيليّ مقارنةً مع العامل الاجتمعيّ - الاقتصادي. يزعم البحث الحالي أنَّ الانتخابات الأخيرة هيمن عليها العامل الاقتصادي - الاجتمعي على حساب العامل الأمني - السياسي في
31 بنيامين نويبرغر، الأحزاب في إسرائيل (تل أبيب: الجامعة المفتوحة، 1997) (بالعبريّة.)
الجدول (2) يبينِّ نمط التّصويت في المجتمع اليهوديّ بحسب التّصنيف لاجتاعي - لاقتصادي للبلدات اليهوديّة
| شاس | البيت اليهودي ّ | العمل | الليكود | يش عتيد | عدد البلدات في العنقود | العنقود |
|---|---|---|---|---|---|---|
| %1 | %5.5 | %16 | %20 | %27 | 2 | 10 |
| %2 | %9 | %17 | %19 | %26.5 | 10 | 9 |
| %5 | %7 | %17 | %20 | %23 | 24 | 8 |
| %6 | %8 | %14 | %28 | %20 | 21 | 7 |
| %9 | %10 | %11 | %33 | %17 | 15 | 6 |
| %10 | %9 | %11 | %37 | %13 | 23 | 5 |
| %16 | %11 | %6 | %29 | %8 | 22 | 4 |
| %37 | %12 | %2 | %18 | %2 | 4 | 3 |
| %26 | %3.5 | %1 | %4 | %1 | 3 | 2 |
| %23 | %1 | 0 | %1 | 0 | 2 | 1 |
| %8.1 | %9.1 | %11.3 | %23.3 | %14.3 | النّسبة العامّة | |
المصدر: نتائج الانتخابات في كلِّ بلدة على حدة، مأخوذة من موقع لجنة الانتخابات المركزيّة لانتخابات الكنيست ال:19 http://www.votes-19.gov.il/nationalresults
الجدول (3) يبينِّ نمط التّصويت في عيِّنة من بلدات الأطراف المركزيّة)%(
| شاس | البيت اليهودي ّ | يش عتيد | العمل | الليكود | |||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 2013 | 2009 | 2013 | 2009 | 2013 | 2013 | 2009 | 2013 | 2009 | |
| 44 | 38 | 11 | 7.5 | 2 | 1 | 2 | 27 | 39 | ن°ت°ي°ف° وت |
| 27 | 20 | 10 | 6 | 4 | 4 | 6 | 27 | 42 | اوف°°ك°°ي°° م |
| 20 | 16.5 | 14 | 5 | 14 | 6 | 5.5 | 32 | 52 | ديم°°°°ون°°°° ا |
| 16 | 13 | 16 | 8 | 5 | 3 | 5 | 37 | 56 | س°°°°° دروت |
| 13 | 11 | 12 | 5 | 11 | 8 | 7 | 38 | 53 | ب° ري السبع |
| 23 | 18 | 16 | 20 | 4 | 5 | 7 | 28 | 36 | ك°°°ري°°° ات م° ل ° خ°°° ي |
| 19 | 18.5 | 16 | 11 | 6 | 6 | 4 | 25 | 21 | ي°°روح°° م |
المصدر: موقع لجنة الانتخابات المركزيّة للكنيست ال 18، وال.19
قرار التّصويت لدى قطاعات اجتمعيّة. هذا لا يعني أنَّ العامل الأمني - السياسي انتهى حضوره، إالّ أنَّ العامل الاجتمعي - الاقتصادي كان أكثر حضورًا في بلورة أنماط التصويت، وذلك كم يشير الجدول رقم.)2(يوضّح الجدول (2) العلاقة بين التّصنيف الاجتمعي - الاقتصادي للبلدات اليهوديّة ونمط التّصويت فيها. اعتمد هذا الجدول على التّصنيف الذي تقوم به دائرة الإحصاء المركزيّة الإسرائيليّة للتجمّعات السكنيّة الإسرائيليّة، إذ يجري توزيع التجمّعات على عشرة عناقيد اجتمعيّة واقتصاديّة بناءً على متغريّات اجتمعيّة - اقتصاديّة عديدة، منها المستوى التعليمي داخل التجمّع السكنيّ، ونسبة الجامعييّن والأكاديمييّن بين السكّان داخل البلد، والدخل الشهريّ للفرد، والبطالة والتشغيل، والخدمات التعليميّة والاجتمعيّة والثقافيّة، وغيرها من المتغريّات التي تُصنَّف بموجبها التجمّعات السكنيّة في إسرائيل على محور من عشرة عناقيد اجتمعيّة - اقتصاديّة، بحيث يمثِّل العنقود العاشر التجمّعات السكنيّة ذات المستوى الاقتصادي - الاجتمعي الرفيع. بينم يمثِّل العنقود الأوّل التجمّعات السكنيّة الضّعيفة اقتصاديًّا واجتمعيًّا. وقد استعملنا التّصنيف الذي قامت به دائرة الإحصاء المركزيّة للتجمّعات في إسرائيل. وبعدها قمنا بإجراء تحليل إحصائي للتصويت في كلِّ عنقود؛ إذ جمعنا كلَّ الأصوات الصحيحة في كلِّ عنقود، وعدد النّاخبين لكلِّ حزب على مستوى العنقود، بحيث يكشف الجدول بوضوح مميِّزات التّصويت في كلِّ عنقود اجتمعي – اقتصادي. لا يهدف الجدول رقم (2) إلى فحص القوّة الانتخابيّة للأحزاب في العناقيد المختلفة، بل إلى فهم مؤشرِّ ات التّصويت في هذه العناقيد بحسب العامل الاقتصادي - الاجتمعي. إنَّ تصنيف تجمّع سكاني معينَّ في عنقود مرتفع لا يعني غياب شرائحَ ضعيفة في المجتمع، والعكس صحيح. ولكن مؤشرِّ ات التّصويت واضحةٌ بحسب الترتيب الاقتصادي - الاجتمعي للتجمّعات السكانيّة. وطبعًا، يحتاج الأمر إلى تحليل إحصائي أعمق في أبحاث أخرى. أمّا تحليل النتائج المذكورة بحسب العناقيد الاجتمعيّة - الاقتصاديّة، فهو من تصميم الباحث وتحليله وإعداده. أوّلً: يبينِّ الجدول أنَّ حزب "يش عتيد" العلمني هو حزب الطبقة الوسطى والعليا الإسرائيليّة، فهو الحزب الذي حصل على أعلى نسبة
32 انظر: القائمة رقم 1 في موقع دائرة الإحصاء المركزيّة، التي تصنّف التجمّعات السكنيّة الإسرائيليّة وفق المتغريّات الاجتماعيّة الاقتصاديّة، http://www.cbs.gov.il/publications/local_authorities06/pdf/t02.pdf
مصوِّتين في البلدات الموجودة في العناقيد العاشر والتاسع والثامن (%27، %26، %23 على التوالي). بينم حصل على نسبة تأييد في العنقودين السابع والسادس تفوق نسبة تأييده العامّة (%20، %17 على التوالي). ويبينِّ الجدول بطريقة لا تقبل الشكّ أنَّه كلّم تراجع تصنيف البلدات اجتمعيًّا واقتصاديًّا تراجعت نسبة التّأييد لحزب "يش عتيد". ويبرز التراجع الواضح من العنقود الخامس حتّى العنقود الأوّل (%8، %2، %1، %0 على التوالي). وهذا يؤكِّد أنَّ الحزب ليس له حضور في الطبقات الدنيا الإسرائيليّة الموجودة في بلدات الأطراف (انظر الجدول رقم.)3 ثانيًا: في مقابل حزب "يش عتيد" العلمني، يبينِّ الجدول من الجهة الأخرى، أنَّ حركة شاس الدينيّة - الشرقيّة لا تحظى بتأييد في العناقيد العليا للمجتمع الإسرائيليّ، بل نجد أنَّه كلّم تراجع تصنيف التجمّعات السكنيّة الاقتصادي -ن الاجتمعي زادت نسبة التّأييد للحركة. ويبي الجدول أنَّ الحركة تحظى بأعلى تأييد في العناقيد الثلاثة الأخيرة، العاشر والتاسع والثامن (%23، %26، %37 على التوالي). بينم تنخفض نسبة تأييد الحركة في العناقيد العليا؛ فمثالً وصلت نسبة تأييد الحركة في العناقيد الأربعة الأولى إلى %1، %2، %5، %6 على التوالي. وتبدأ نسبة تأييد الحركة تزيد عن نسبة تأييدها العامّة من العنقود السادس. ويؤكِّد الجدول أيضًا بصورة غير مباشرة أنَّ اليهود الشرقييّن، خاصّةً المتديّنين الأرثوذكس الذين يؤلِّفون القواعد الاجتمعيّة التقليديّة للحركة، يوجدون في التجمّعات السكنيّة الفقيرة في إسرائيل وفي بلدات الأطراف التي يعيش فيها أغلبيّة اليهود الشرقييّن (انظر الجدول رقم 3). ثالثًا: يبينِّ الجدول أنَّ حزب الليكود - بيتنا يحظى بتأييد في أغلبيّة العناقيد. إالّ أنَّ نسبة تأييده تتراجع بصورة كبيرة في العنقودين الأخيرين. وهم عنقودان تحظى فيهم الأحزاب الدينيّة الأرثوذكسيّة (شاس ويهدوت هتوراة) بتأييد كبير، نظرًا لكونهم مؤلَّفين من بلدات دينيّة أوضاعها الاقتصاديّة مترهِّلة. كم يبينِّ الجدول أنَّ القواعد الاجتمعيّة لحزب الليكود ليست متجانسة كم هي حال القواعد الاجتمعيّة لحزب "يش عتيد"، فحزب الليكود يحظى بتأييد الطبقات الوسطى العليا والطبقات الوسطى الدنيا، ويتمتّع بأعلى نسبة تأييد في العناقيد السابع والسادس والخامس والرابع (%28، %33، %38، %29 على التوالي). كم يحظى في هذه العناقيد بنسبة تأييد تزيد على نسبة تأييده العامّة. وشهدت هذه الانتخابات تراجعًا لحزب الليكود في
33 يوآف بيلد، "النّجاح الانتخابيّ المستمرّ لحركة شاس: تحليل بحسب نموذج توزيع العمل الثقافيّ"، في اشار اريان وميخال شامير (محرِّران)، لانتخابات في إسرائيل 1999 (القدس: المعهد الإسرائيليّ للديمقراطيّة، 2001)، ص 170-137 (بالعبريّة.)
الأطراف لمصلحة حركة شاس الدينيّة، كم يوضّح الجدول رقم 4. وتبني نسبة التّصويت لليكود في 27 بلدة تطوير (وهي بلدات في الأطراف تحظى بدعمٍ حكومي بسبب ضائقتها الاقتصاديّة)، أنَّ الليكود تراجع فيها من %47 في انتخابات 2009، إلى %33 في انتخابات 2013. وهذا نابعٌ من السياسات الاقتصاديّة التي اتّبعتها الحكومة الحاليّة. رابعًا: يبينِّ الجدول أنَّ حزب العمل الذي شدّد خلال الانتخابات على القضايا الاجتمعيّة، ظلَّ حاضرًا بصورة رئيسة في الطبقات الوسطى والعليا في المجتمع الإسرائيليّ. ولم يسعفه خطابه الاجتمعي بتعزيز حضوره في القواعد الاجتمعيّة الضّعيفة. وبقي حزب الطبقة الوسطى العليا. وهذا الأمر ليس بجديد بالنّسبة إلى حزب العمل منذ السبعينيّات. راهن الحزب على أنَّ التشديد على الموضوع الاجتمعيّ والاقتصاديّ سيؤدّي إلى إضافة قواعدَ اجتمعيّة جديدة للحزب، وهو ما لم يحصل. وعلى الرّغم من ذلك، بقي حزب العمل ضعيفًا في صفوف الطبقات الاجتمعيّة الفقيرة. يبينِّ الجدول أنَّ حزب العمل يحظى بتأييد القواعد الاجتمعيّة العليا؛ ففي العناقيد العليا، العاشر والتاسع والثامن والسابع حصل الحزب على نسبة تأييد أعلى من نسبة تأييده العامّة (%16، %17، %17، %14 على التوالي)، إالّ أن تأييده يبدأ في الانخفاض تدريجًا من العنقود السابع إلى الأوّل. وهذا يدلُّ على أنَّ القواعد الاجتمعيّة لحزب العمل في الانتخابات الأخيرة هي قواعده التقليديّة الأشكنازيّة من الطبقة الوسطى العليا (ويؤكِّد ذلك أيضًا الجدول رقم.)3 خامسًا: يُشير الجدول إلى أنَّ حزب البيت اليهودي يحظى بتأييد قواعد اجتمعيّة متنوِّعة في المجتمع الإسرائيليّ. وتتركّز قواعده من العنقود الثالث إلى العنقود التاسع. وهذا يعني أنَّ البيت اليهودي بوصفه حزبًا يمثِّل التيّار الدينيّ - القوميّ لا يوجد مثالً في العنقودين الأخيرين الفقيرين، وهي عناقيدُ تشمل بلداتٍ دينيّة أرثوذكسيّة. وهذا يدلُّ على أنَّ الخلاف الثيولوجي بين التيّار الدينيّ القومي والتيّار الأرثوذكسيّ لا يزال حاضرًا في القطاع الدينيّ اليهوديّ. كم يوجد البيت اليهوديّ في قواعده الطبيعيّة في المستوطنات، فقد هزم منافسه الأساسيّ في هذه القواعد، وهو حزب الليكود - بيتنا الذي حصل على 31 ألف صوت في المستوطنات بنسبة %27 من أصوات المستوطنين. بينم حصل البيت اليهوديّ على 41 ألف صوت.
34 اور كشتي، "لبيد جيد للأغنياء"، هآرتس، 2013/1/25، ص.12 35 Ashar Arian, The Election in Israel 1977 (Jerusalem: Academic Press, 1980). 36 حاييم لفينسون، "البيت اليهوديّ انتصر على الليكود - بيتنا في المستوطنات"، هآرتس، 2013/1/26، ص.12
خلاصة
ناقش البحث نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيليّة التاسعة عشرة. وقد بيَّنت نتائجها النقاط التالية: أوّلً: قام العامل الاقتصادي - الاجتمعي بدورٍ مهمّ في أنماط التّصويت في هذه الانتخابات. وظهر ذلك جليًّا في صعود حزب "يش عتيد"، وتراجع تحالف الليكود - بيتنا. ويمكن أن تسجَّل هذه الانتخابات أوّل انتخابات يهيمن فيها العامل الاجتمعي - الاقتصادي على العامل السياسي - الأمني، وهو ما أضعف الليكود أيضًا. ثانيًا: أكَّدت هذه الانتخابات هيمنة اليمين السياسيّة في إسرائيل، إذ على الرّغم من تراجع الليكود وخسارته ربع مقاعده، فهي المرّة الأولى في تاريخه التي لا يوجد فيها حزبٌ في الخريطة السياسيّة الإسرائيليّة ينافسه على تأليف الحكومة. كم أنَّ معسكر أحزاب اليمين حافَظ على قوَّته الانتخابيّة؛ فحزب "يش عتيد" هو أقرب إلى اليمين منه إلى المركز أو اليسار. ثالثًا: شكَّلت هذه الانتخابات استمرارًا للتغريّات التي حدثت في الخريطة السياسيّة الإسرائيليّة منذ عقدين. وأهمّها استمرار غياب الحزب الكبير المهيمن، فهناك استمرارٌ في تراجع الأحزاب الكبيرة. وهو ما حاول نتنياهو فعله في تحالفه مع ليبرمان وأخفق فيه. علاوة على ذلك، شهدت الانتخابات استمراريّة أنماط التّصويت التاريخيّة، مثل تصويت اليهود الشرقييّن والمتديّنين الأرثوذكس والمستوطنين والطبقات الوسطى. رابعًا: أوضحت أنماط التّصويت بحسب المكانة الاجتمعيّة - الاقتصاديّة للتجمّعات السكنيّة اليهوديّة، أنَّ منظومة اليسار واليمين لا تصلح لتفسير أنماط التّصويت في المجتمع الإسرائيليّ؛ فحزب الليكود، على سبيل المثال، يحظى بتأييد كلِّ القطاعات الاجتمعيّة في المجتمع الإسرائيليّ؛ من النخب الاقتصاديّة، مرورًا بالطبقة الوسطى، وانتهاء بالطبقات الاجتمعيّة الضّعيفة. وعلى الرّغم من كونه حزبًا له توجّهات اقتصاديّة ليبراليّة ويدفع باقتصاد السّوق وانسحاب الدولة من الاقتصاد، لم يمنع ذلك قطاعات اجتمعيّة ضعيفة ومهمّشة اقتصاديًّا من التّصويت له. وبخلاف ذلك، فإنَّ حزب العمل الذي ركّز في هذه الانتخابات على خطاب اجتمعي، انحصرت قواعده الداعمة في الطبقات الوسطى العليا في المجتمع الإسرائيليّ، ومن دون حضور يُذكر في الطبقات الدنيا التي كان يُفترض أن تؤيِّده لتوجّهاته الاجتمعيّة الدّاعمة لها.