العودة إلى تفاصيل المؤلَّف "داخل 'الإخوان المسلمين': الدين والهوية والسياسة"

"داخل 'الإخوان المسلمين': الدين والهوية والسياسة"

"Inside the Muslim Brotherhood: Religion, Identity, and Politics"

محمود عبد العال| Abdalel Mahmoud *

الملخّص

داخل 'الإخوان المسلمين': الدين والهوية والسياسة، المؤلف: خليل العناني، سنة النشر: 2016،الناشر: .Oxford University Press.

Abstract

*  باحث مصري مختص بقضايا التحول الديمقراطي وسوسيولوجيا الأديان. Egyptian researcher specialized in democratic transition and sociology of religion.

الكلمات المفتاحية:
  • الدين
  • الهوية
  • السياسة
  • الإخوان المسلمون
Keywords:
  • the Muslim Brotherhood
  • Religion
  • Identity
  • Politic

Inside the Muslim Brotherhood: Religion, Identity and Politics عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: داخل "الإخوان المسلمين": الدين والهوية والسياسة المؤلف: خليل العناني. سنة النشر: 2.016 الناشر:.Oxford University Press عدد الصفحات: 199 صفحة.

مقدمة

أثار تأسيس جمعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا سنة 1928 عديد التحولات والتطورات على المستويين الحركي والفكري؛ إذ نمت حقول المعرفة التي تهتم بدراسة ظاهرة الحركات الإسلامية. أمّا على المستوى الحركي، فقد ضمن تأسيس جمعة الإخوان المسلمين في مصر بروز حراك سياسي كبير امتدّ أثره إلى المستويات العربية، بل الإسلامية. لذا يحاول خليل العناني، الباحث والأكاديمي المختصّ بالحركات الإسلامية، في كتابه الإخوان المسلمون من الداخل: الدين والهوية والسياسة، الإجابة عن تساؤل مركزي يتعلّق بعملية بناء الهوية في النسق اليومي داخل جمعة الإخوان المسلمين، من خلال تركيزه على الديناميات والتفاعلات الداخلية التي تتشكّل من خلالها. بصيغة أخرى، يسعى العناني إلى بحث: كيف يصبح شخص ما إخوانيًّا؟ وكيف يظهر هذا الانتمء على نشاطاته في النسق اليومي؟

يعتمد الكاتب في تفكيك عملية بناء الهوية لأعضاء جمعة الإخوان المسلمين على رؤية أعضاء الجمعة لأنفسهم، من خلال التركيز على مراحل عملية إنتاج الهوية كالتنشئة، والتلقين، والتفاعلات الداخلية التي يتم من خلالها إنتاج المعاني، والرموز، والقيم التي تُشكِّل السلوك الفردي للأعضاء، وكذلك تصوّرهم للعالم والمجتمع المحيط. يُعدّ الكتاب إضافة كبيرة إلى مكتبة العلوم السياسية، لا سيّم فيم يتعلق بحقل دراسة الحركات الإسلامية؛ إذ إنّه استطاع العمل على سدّ الفجوة المعرفية في الأدبيات التي تتناول ظاهرة دراسة الحركات الإسلامية، وذلك من خلال تركيزه على تفكيك عملية إنتاج الفعل الجمعي للحركة من الداخل عبر دراسة مراحل بناء هذا الفعل من خلال ما أطلق عليه الهوية الإخوانية Ikhwanism، وكذلك دراسة أدوات الجمعة لإنتاج الفرد الإخواني Ikhwani كم سمّه الكاتب. يختلف العناني في تناوله الظاهرة الإسلامية عن بقية الباحثين، باعتباره غرَّد بعيدًا عن السلوك الخارجي للجمعة الذي ترتكز عليه أغلبية الدراسات؛ إذ إنّ الكاتب قدّم نسقًا منهجيًا جديدًا يعتمد على دراسة التفاعلات، والعمليات الداخلية التي تُسهِم في بناء الهوية لأعضاء الجمعة. ويُعدّ هذا النموذج التفسيري الذي عمل عليه العناني دليلً للباحثين المنشغلين بظاهرة الحركات الإسلامية على اختلاف أنماطها؛ سواء السياسية أو الاجتمعية أو حتى الجهادية للالتفات إلى العوامل والبنى الداخلية التي تتحكّم في سلوك أفرادها، بدلً من التركيز على السلوك الخارجي فقط. يحاول الكاتب في كتابه المؤلف من ثمانية فصول ومقدّمة وخاتمة، دراسة الجمعة من الداخل من خلال تفكيك تفاعلات ثلاثية الدين، والسياسة، والهوية، وتأثير الدين والسياسة في مسألة بناء هوية الفرد المنخرط في نشاطات الجمعة. وعلى صعيد آخر، عالج الكتاب مسألة تأثير العمل الجمعي في تشكيل الهوية داخل الإخوان من خلال الإجابة عن تساؤل: كيف تستطيع حركة اجتمعية تغيير رؤية أعضائها وتصوراتهم للعالم؟ وذلك من خلال الإجابة عن عدد من التساؤلات الفرعية المتعلقة بميلي: كيف يتحوّل الشخص العادي إلى شخص إخواني؟ وكيف يتجلّ هذا الانتمء في نسق حياته اليومية؟ برزت أهمية طرح العملية المتعلقة ببناء الهوية لأعضاء جمعة الإخوان المسلمين لدى الكاتب نتيجة ملاحظاته المتعلقة بصمود الجمعة وأعضائها على مدار أكثر من ثمانين عامًا أمام حالات القمع الشديد على مرّ العصور المختلفة؛ وهو ما عزاه إلى أسباب تتعلق ببنية الجمعة نفسها، كونها لم تكن حركة سياسية فقط، ولكنّها حركة اجتمعية تمتلك نظرة كليّة للعالم في إطار الهوية الإسلامية. برزت هذه المقاربة لدى الكاتب من خلال تمحيصه في ظروف الإقصاء التي تتعرّض لها الجمعة في الحقب السياسية المختلفة، وهو ما أطلق عليه "سردية المحنة"؛ إذ حُلّت الجمعة في عهد الملك فاروق أواخر سنة 1948، وتجاوزت محاولات الاجتثاث في عهد الرئيس الراحل جمل عبد الناصر، لتعود مرّةً أخرى وبقوّة في عهد الرئيس أنور السادات، وكذلك تجاوزها محاولات التضييق عليها في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك خاصة أواخر سنة 0102، بل تصدّرها المشهد السياسي بعد ثورة 52 يناير 0112 وصولً إلى محاولات الاستئصال الجارية منذ عزل الرئيس محمد مرسي في 3 تموز/ يوليو.2013

أولا: معضلة المنهج ومسألة دراسة بناء الهوية الإخوانية

قد تبُرز دراسة الظواهر المعقدة في العلوم الاجتمعية والإنسانية عجز المناهج العلمية، وضعف تفسيراتها في عملية التفكيك. وعلى

العكس من ذلك، قد يقدِّم الباحث إسهامًا منهجيًا من خلال دراسته الظواهر المعقّدة كم في الحالة محلّ الدراسة إذا ما أبرز جدية طرحه، وتعامل مع المناهج العلمية المتاحة لتقديم النتائج والتفسيرات العميقة للظواهر من دون الاكتفاء بظاهر الإشكالية. إلحاقًا بذلك، أبرز العناني في الفصل الثالث من الكتاب ضرورة التداخل بين التخصصاتInterdisplinary Approach لدراسة مسألة إنتاج الهوية وتمظهراتها على السلوك الجمعي لدى أفراد جمعة الإخوان المسلمين. فقدَّم العناني، وهو باحث مختص في العلوم السياسية، مثلً يُحتذى للباحثين والمختصين في حقول العلوم الاجتمعية والإنسانية المختلفة، وذلك من خلال تبنّيه منهج التداخل والتكامل بين تخصصات العلوم الاجتمعية المختلفة، من خلال تبنّيه ثلاث مقاربات رئيسة؛ أولاها علم النفس الاجتمعي لفهم سلوك أفراد الجمعة وتحليله، خصوصًا ما يرتبط بفهم دوافعهم للانضمم إلى الجمعة والمشاركة في نشاطاتها، على الرغم من حالة القمع الشديدة التي تتعرض لها. واستفاد كذلك من علم اجتمع الأديان فيم يتعلق بدراسة دور الدين في تشكيل هوية الأفراد، ومدى انعكاس ذلك على سلوكهم الاجتمعي، وأشار هنا إلى أداتية الدين في استقطاب الأعضاء وتنشئتهم؛ إذ يُعدّ الدين أمرًا مهمً فيم يتصل بعمليات التجنيد، والاستقطاب، والتلقين. أما المقاربة الثالثة التي اعتمد عليها الكاتب فتتعلق بنظرية الحركات الاجتمعية، لا سيّم الجانب الخاص بنظرية تعبئة الموارد المتاحة وتوظيفهاResources Mobilization Theory، وكذلك نظرية السلوك الجمعي Theory Behavior Collective وانعكاسات ذلك على عملية التجنيد، والاستقطاب، والتلقين التي تجري لأعضاء حركة الإخوان المسلمين. واستطاع الكاتب الربط بين هذه المقاربات الثلاث، من خلال نظرية البنيوية الاجتمعية Social Constructivism، لتفسير التفاعلات التي تحدث داخل النسق اليومي، وما تتضمنه من عملية إعادة تشكيل رؤية الفرد لذاته وللعالم من حوله. على صعيد أدوات التحليل، اعتمد على أدوات منهج التحليل النوعي، متمثّلة في تحليل الخطاب والملاحظة المباشرة واستخدامه أسلوب المقابلات المنتظمة أو شبه المنتظمة، إضافة إلى تحليل الوثائق والبيانات الرسمية، والكتب التعليمية الخاصّة بعملية التربية داخل الجمعة. يتبنى العناني في دراسته مسألة بناء الهوية داخل جمعة الإخوان المسلمين مفهوم الهوية عند ألبرت ميلوشي؛ فهو يرى أنّها ليست

1 للمزيد عن نظرية الحركات الاجتماعية ومناهجها، انظر: تشارلز تللي، الحركات الاجتماعية 1768 -  04 20، ترجمة وتقديم ربيع وهبة (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 0052)، ص 13 -.17

شيئًا مجردًا Datum أو جوهرًا Essence، لكنّها مُنتجٌ لمجموعة من المفاوضات، والتفاعلات، والنقاشات التي تتم بين الفاعلين لبناء إطار إدراكي مشترك يمكّنهم من التعامل مع بيئتهم المحيطة، وبذلك يتمثّل مفهوم ميلوشي للهوية في القدرة على خلق الرموز والمعاني لجذب الأعضاء وضمن وحدتهم، وتضامنهم.

ثانيًا: تأثير الإرث الفكري للإمام حسن البنا في مسألة الهوية

يوضح الفصل الرابع مركزية الدور الذي يقوم به فكر مؤسس الجمعة الإمام حسن البنا في التأثير في الجمعة حتى الآن؛ فقد أبرز أنّ كتابات البنا ورسائله من أهمّ أدوات عملية التنشئة داخل قسم التربية بالجمعة. ورأى العناني أنّ الظروف السياسية والاجتمعية المحيطة بالبنا أثّرت فيه، سواء من ناحية التنظير الفكري أو تصوّره للحركة؛ فمثّل انهيار الخلافة العثمنية سنة 1924، ونموّ الاتجاه الفكري المؤمن بالنهضة والحداثة على أساس القومية المصرية لا الإسلامية، بيئةً خصبةً لتخمّر فكرة تأسيس جمعة الإخوان المسلمين لإعادة الخلافة. وقد ازداد الأمر حدّةً بعد إصدار الشيخ الأزهري علي عبد الرازق كتابه الإسلام وأصول الحكمسنة 1925، الذي نسف خلاله رواية أن تكون الخلافة من الخطط الدينية؛ إذ اعتبر أنّ الإسلام لم يُحدّد شكلً معيّنًا للحكومة. واعتبر البنا أنّ الأشد ملاءمة لاستعادة الخلافة هو التركيز على تغيير المجتمع، واتبع في ذلك نموذج التغيير من أسفل Bottom-Up القائم على إدماج التعاليم والقيم الإسلامية في كل مناحي الحياة اليومية للفرد. ورأى أن تبدأ العملية من بناء الفرد المسلم، ثمّ الأسرة المسلمة، ثمّ المجتمع المسلم، وصولً إلى الحكومة الإسلامية وأستاذية العالم. من ناحيةٍ أخرى، حاول العناني من خلال تبنّيه منهج التداخل بين التخصصات، كسر قاعدة الفصل الجامد التي يتبعها كثير من المنشغلين بمجال العلوم الإنسانية والاجتمعية، لا سيّم عند تناولهم ظاهرة الحركات الإسلامية، بل استطاع الكاتب في هذا الفصل تقديم بناء نظري قائم على مجموعة التفسيرات والتحليلات المرتبطة بعمليات التنشئة والتلقين داخل جمعة الإخوان المسلمين، وأطلق عليه نموذج الجمعة Paradigm Jema'a The. يقوم هذا النموذج (الرسم التوضيحي 1) على خلق نمط معيّ من الهوية لدى الإخوان،

2 للمزيد حول حكم الخلافة، انظر: علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم: بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام، تقديم عمار علي حسن (القاهرة: دار الكتاب المصري واللبناني، 0122)، ص 23 -.32

معتمدًا على تضامنهم وبروزهم وحدة متمسكة. وعدّ هذا النموذج الذي يُستند إليه في عملية التربية داخل الجمعة من أهم الركائز التي وضعها مؤسس الجمعة حسن البنا، وتُعتبر مسألة التكامل والاتصال بين عناصره، وإدراك الأفراد لها، أحد أهمّ مقومات تفعيل الهوية داخل الجمعة بما في ذلك تحمّل القمع بأشكاله المختلفة. يقوم تصوّر البنا لعملية بناء الهوية على دور الجمعة في ضمن انتقال الأعضاء من الذات إلى المجتمع ثمّ إلى الفعل الجمعي، وكيف يمكن أنْ تساعد الجمعة في سدّ الفجوة بين هذه المراحل المختلفة للوصول إلى هوية مميزة عن باقي الحركات. تنطوي هذه العملية على ما أطلق عليه البنا "الفكرة الإسلامية" التي ترتكز على ثلاث دعائم؛ الأولى شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتمعية أو الثقافية، وتقوم الثانية على المرونة والتكيّف مع الظروف المختلفة لضمن البقاء، بل مد شبكة الاتصال المجتمعي، أمّا الثالثة فتقوم على الإيمان بشمولية المنهج الإسلامي لكلّ شيء، وهو ما أطلق عليه "القابلية للتطبيق".

ثالثًا: بناء الهوية الإخوانية

تمرّ عملية بناء الهوية الإخوانية وترسيخها، وفق طرح العناني، بمجموعة من العمليات والمراحل. وقد أفرد الكاتب الفصول 5، و 6، و 7، و 8، و 9 لدراستها.

11 الاستقطاب والتجنيد

يرى العناني أنّ جمعة الإخوان حركة جمهيرية، لكنْ لديها نظام عضوية شديد التعقيد؛ بحيث لا يلتحق العضو بنفسه كبقية الحركات الاجتمعية، لكن يتمّ انتقاؤه عبر عملية معقّدة أطلق عليها "صيد الفريسة" Prey the Chasing. فقد تناول الفصل الخامس التكتيكات التي تتبعها الجمعة في مرحلة الاستقطاب، وتقوم هذه التكتيكات على الدُعاة، باعتبارهم أهمّ الأدوات الحيوية لتجنيد الأعضاء الجدد. كم تقوم عملية الانتقاء داخل الجمعة على أساس التمحيص والفحص للأعضاء المُحتمَلين قبل دعوتهم للالتحاق؛ وذلك لاختبار قيم الولاء، والالتزام تجاه الحركة وقيادتها. قسَّم العناني عملية الاستقطاب إلى ثلاث مراحل؛ تتمثّل المرحلة الأولى في نشر الدعوة، وتقوم بالأساس على تحسين صورة الجمعة في الأوساط الجمهيرية لمواجهة الدعاية السلبية التي يبثها النظام ضدّ الجمعة، وتعتمد على الحملات الإعلامية، والخطب المسجدية، والمحاضرات العامة. أمّا المرحلة الثانية، فهي الربط العام، وتقوم على نشر فكرة الإخوان المسلمين من خلال التركيز على الأصدقاء، والأقارب، والجيران، ورفاق العمل والدراسة؛ بمعنى أنّها تقوم على العلاقات الشخصية للدوائر الصغيرة المحيطة بالعضو. والمرحلة الثالثة هي الدعوة الفردية، وترتكز على خمس خطوات، هي التالية: التلقين وتغيير سلوك الفرد تدريجيًا من خلال بناء علاقة خاصة بين العضو والعضو المحتمل. الانتقال من المستوى الشخصي في الإقناع إلى المستوى الديني؛ أي أنْ يتمّ التركيز على تذكير العضو المحتمل بواجباته الدينية مثل الصلاة، وحفظ القرآن. الإقناع بفكرة شمولية المنهج الإسلامي من خلال الكتب التي تدعم ذلك، وعلى وجه الخصوص كتاب شمولية الإسلام للشيخ يوسف القرضاوي. تعزيز الشعور بالواجب نحو المسلمين المستضعفين في شتّى بقاع الأرض، ويتمّ تنمية هذا الشعور من خلال الدعوة للتبرّع بالمال لمصلحة المسلمين. العمل الجمعي من خلال المشاركة في الفعاليات كالتظاهرات، والحملات الانتخابية التي تدعو لها الحركة. ويتم في هذه المرحلة دعوة العضو المحتمل للانضمم إلى الجمعة والانخراط في عضويتها. يعتبر العناني أن توليد الفعل الجمعي لأعضاء الجمعة يتم من خلال دعم شبكة العلاقات الاجتمعية. ويستند الإخوان في ذلك إلى تبني إستراتيجيات عديدة مثل استقطاب الأقارب ورفاق العمل والجيران، وتبنّي الزواج بين الإخوة والأخوات في الجمعة لإنتاج أطفال منتمين إلى الجمعة بالوراثة، ما يسهم في سرعة بناء المجتمع المسلم كم أشار مسؤول التربية داخل الجمعة صبحي صالح؛ إذ اعتبر أنّ الزواج من الخارج يؤثّر سلبيًا في أهداف الجمعة وغاياتها. جديرٌ بالذكر الإشارة هنا إلى إغفال العناني تشبيك هذه الرؤية بالنظرية الرائدة لابن خلدون حول العصبية والملك؛ إذ إنّ هناك تشابهًا بين فكر جمعة الإخوان المسلمين تجاه تقوية الروابط الاجتمعية من خلال مدّ أواصر النسب والدم، ونظرية العصبية التي ترتكز على الحلف أو الدم لتقوية الحكم أو زواله إذا ظهرت قبيلة أكثر ترابطًا وتماسكًا من تلك التي ضعفت عصبيتها.

3 عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة (الدار البيضاء: المركز الوطني للبحث العلمي والتقني، 0052)، ص.213

22 التربية وترسيخ الهوية الإخوانية

يهدف العناني من الفصل السادس من كتابه إلى استكشاف عملية التنشئة داخل جمعة الإخوان المسلمين والتكتيكات المختلفة التي تتبعها في تشكيل الهوية الإخوانية للفرد وترسيخها. وسم العناني ما يحدث داخل هذه المرحلة ب "نموذج الحضانات" Incubation Model. ويقوم نموذج الحضانة على الدمج بين عمليتَي الاستقطاب، والتنشئة والتلقين. وتنفرد الجمعة عن بقية الحركات بعملية التربية، وتهدف من خلالها إلى إعادة بناء المعتقدات الفردية للفرد بما يضمن تشكيل تصوّره لذاته، وكذا رؤيته للعالم من حوله. اعتبر البنا أنّ التربية عمليةٌ ممتدّة وتدريجية، وتعدّ بمنزلة الحبل الذي يربط الإخوان ببعضهم. ويُعرّف محاضن التربية بالمكان الذي يجتمع فيه الأعضاء دوريًا بغرض الاتصال وتقوية علاقاتهم ببعض، فضلً عن إسهام هذه النقاشات والتجمّعات في استيعاب الهوية الإخوانية وترسيخها. وتنقسم محاضن التربية، وفق طرح العناني، إلى سبعة مستويات؛ هي: الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية لبناء التنظيم وهدفها التعارف والتضامن فيم بين الأعضاء، والكتيبة بما لها من أهمية في التهيئة الدينية والتنظيمية لتعزيز قيم الولاء والطاعة والالتزام لدى العضو، والرحلة، والمعسكر لتعزيز قيم التضحية وتنمية القدرات العقلية والبدنية للأعضاء، وإقامة الدورات والندوات والمؤتمرات لتنمية المهارات الفكرية والقيادية، وتعميق المعرفة والنقاش حول القضايا المختلفة. وأشار العناني إلى العضوية داخل الجمعة، وتتكون من خمسة مستويات، هي: محب، ومؤيّد، ومنتسِب، ومنتظِم، وعامل. وكم أشرنا سلفًا أنّ أهم الانتقادات التي تتعرّض لها الجمعة انغلاقها على نفسها، لا سيّم في نظام عضويتها، ويُعزى ذلك إلى أسباب تتعلق بالقمع الذي تتعرّض له منذ تأسيسها. لكن، يمكننا ملاحظة استمرار الجمعة في إغلاق نظام عضويتها، على الرغم من حالة الانفتاح السياسي بعد 52 كانون الثاني/ يناير.2011

33 الإخوان: الهيكل والتنظيم والأيديولوجية

يحاول العناني من خلال الفصل السابع فهم أسباب صمود الهيكل التنظيمي للجمعة، على الرغم من عمل الأنظمة السياسية المختلفة على تفكيكه على مدار أكثر من ثمانين سنة. ويتجاوز الفصل الأدبيات التي تناولت الديناميات التنظيمية للجمعة إلى محاولة سدّ الفجوة المتعلقة بتأثير الأيديولوجية في هيكل الجمعة، وكذلك انعكاس القمع السياسي على البناء التنظيمي، ويقوم هذا الطرح على رؤية ميلوشي للحركة الاجتمعية، باعتبارها فاعلً مرتبطًا ومتأثرًا بالصراع، وما ينتج منه من توزيع مراكز القوى داخل المجتمع. أشار العناني في هذا الفصل إلى بنية الهيكل التنظيمي المعقدة للجمعة، كم يبدو في الرسم التوضيحي.)2(واعتبر أنّ التفاعل بين مستويات الهيكل السبعة يقوم على تسهيل العمل والتواصل لإنجاز غايات الحركة. ولكنّه يطرح عددًا من الانتقادات التي ترتبط بهذا الهيكل، خصوصًا فيم يتعلق بالمركزية الشديدة، وتغوّل سلطة مكتب الإرشاد (الجهة التنفيذية) على سلطة مجلس الشورى (الجهة التشريعية)، خصوصًا في اتخاذ القرارات الحاسمة، كالانتخابات أو التفاوض مع النظام. واعتبار مركزية اتخاذ القرار داخل الحركة لا يصحبها مركزية التنفيذ؛ إذ يرى أنّ الجمعة استفادت من ذلك في مواجهة القمع، وكذلك ضمن الصمود أمام آلات القمع التي تتعرض لها؛ بحيث تستمرّ قواعد الجمعة ومكاتبها الإدارية في ممرسة نشاطاتها على الرغم من غياب قياداتها، واستدلّ في ذلك بما حدث للجمعة بعد عزل مرسي في 3 تموز/ يوليو 0132؛ فعلى الرغم من تعرّض قياداتها للسجن والنفي، استطاعت المستويات الدنيا تنظيم نفسها، وخلق حالة احتجاجية في القرى والمدن والجامعات، استمرت فترة طويلة. وينتقد الكاتب عدم التوازن بين السلطة والمساءلة؛ فعلى الرغم من تحديد صلاحيات المرشد العام، فإنّه لا يُكن على مستوى الممرسة محاسبته لما له من قوة روحية ورمزية داخل الجمعة. وأخيرًا يستنكر العناني الهيمنة الذكورية، وغياب تمثيل المرأة في المستويات القيادية للحركة مثل مجلس الشورى، ومكتب الإرشاد.

44 بناء الأيديولوجية الإخوانية

تُعدّ "الأيديولوجية الإخوانية" Ikhwanism، كم سمّها الكاتب في الفصل الثامن، بمنزلة الرمز الشِفري للبنى التنظيمية، والتفاعلات الداخلية التي تتمّ داخل الحركة لإنتاج الفرد الإخواني، بل ذهب إلى اعتبارها طريقة حياة أكثر منها أيديولوجية. وفي هذا الصدد، أفْرَد البنا المبادئ الخمسة التي تقوم عليها في رسالة التعليم: البيعة، وهي مفهوم رمزي يتعلق بالحكم، وله جذور إسلامية تعود إلى عصر صدر الإسلام. الطاعة، تسبّب هذا المفهوم في عديد المشاكل داخل الحركة، خصوصًا لدى صفوف الشباب الرافض فكرة الطاعة العمياء التي توظّفها قيادات الجمعة لرفع غطاء الشرعية عن الحركات المعارضة لها داخل الحركة، إضافة إلى اتخاذ مبدأ "الطاعة" لقياس الولاءات، واعتباره أساسًا للترقّي داخل الحركة. الثقة، وهي تقوم ع مبدأ الطاعة، والثقة في الجمعة وأيديولوجيتها. الالتزام، باعتباره أساس العلاقة التي تحكم الأفراد بأهداف الحركة وفق طرح ميلوشي.

الانتمء والولاء، ويقوم على الإيمان بالمشروع الإسلامي، والانتمء إلى الفكرة الإسلامية وفق رؤية جمعة الإخوان.

55 التماسك القسري: الاستمرارية والبقاء

ركّز العناني في الفصل الأخير من الكتاب على تأثيرات البيئتيَن الداخلية والخارجية في التمسك التنظيمي للحركة. واعتبر أنّ البيئة الداخلية للحركة، وما تتضمنه من عمليات وتفاعلات أشرنا إليها سابقًا كالاستقطاب، والتربية، والتنظيم، والهوية، وغيرها، انعكست إيجابيًا على تماسكها على مدى أكثر من ثمانين عامًا على الرغم من ظروف الإقصاء والقمع السياسي التي تتعرّض لها على مستوى البيئة الخارجية. من ناحية أخرى، يعتبر الكاتب أنّه تمّ توظيف محاولات القمع والإقصاء التي اتبعتها الأنظمة السياسية المختلفة تجاه الحركة لتأكيد ما أطلق عليه "سردية المحنة" لكسب تعاطف الناس، ودعم وحدة الحركة وتماسكها داخليًا لمواجهة هذا القمع.

يرى العناني أنّ علاقة الجمعة بالأنظمة السياسية لم تكن سيئةً دائمًا، ولكنّها كانت تميل نحو ما سمّه ناثان براون "لعبة القط والفأر"؛ بحيث استطاعت الجمعة استغلال الظروف السياسية المختلفة كعودتها في عهد السادات لمواجهة الفكر الناصري والاشتراكي، أو حتّى انشغال النظام في حقبة التسعينيات بمواجهة الحركات الإسلامية العنيفة، ومن ثمّ اتبعت اتجاه المواءمة السياسية لتحقيق مكاسب انعكست على توسيع شبكة نشاطها الاجتمعي، فضلً عن تمكّنها من السيطرة على الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية، وصولً إلى تهديد نظام الرئيس مبارك بعد حصولها على 02 في المئة من مقاعد البرلمان في انتخابات سنة 0052 على الرغم من حالة القمع الأمني والتزوير. وعلى الرغم من تناول العناني ظاهرة الانقسامات داخل الحركة في إطار التباين بين الإصلاحيين والمحافظين، فهو لم يتوسّع في دراسة أسباب الانشقاق وحجمه، لا سيّم أنّه كان من الممكن الاستفادة من المقابلات التي أجريت مع أعضاء سابقين في الجمعة. إضافة إلى ذلك، لم يبُرز العناني التوجهات السياسية والأيديولوجية لهؤلاء الأعضاء، وإن ظلوا يحملون هوية الجمعة أم تخلّوا عنها تمامًا.

خاتمة

أجرى العناني في خاتمة كتابه إطلالة بانوراميّة على تطوّر الأحداث السياسية بعد تنحي الرئيس الأسبق مبارك، خصوصًا أنّ الكتاب لم يكن يركّز على هذه الفترة الزمنية وما شهدته من أحداث، ولكنْ كان من الضروري الإشارة إليها والاستدلال بأحداثها أحيانًا لما شهدته من وصول جمعة الإخوان إلى الحكم أول مرّة بعد حصولها على الأغلبية النيابية، وتمريرها دستور سنة 0122، والوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية، وكذلك نظرًا إلى ما تعرّضت له من حالة قمع شديد بعد عزل الرئيس مرسي في 3 تموز/ يوليو 013.2 وأشار العناني إلى بروز التيار السلفي وتغيّ خريطة الفاعلين الإسلاميين في السياسة المصرية، مُعتبرًا ذلك من أكبر التحديات التي واجهت الحركة بعد الثورة.