بين الثروة والقوة: الاقتصاد السياسي لسياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج العربي
Between Wealth and Power: The Political Economy of US Energy Policy in the Gulf
الملخّص
تعالج الدراسة موضوع الثروة والقوة لسياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج العربي وفق مقاربة الاقتصاد السياسي الدولي، الذي يفترض علاقة التأثير المتبادل بين السوق والسياسة الخارجية. وتستند إلى مقاربتين تحليليتين رئيستين، هما: الليبرالية الاقتصادية، والواقعية الاقتصادية "الماركنتيلية". تهدف الدراسة، عبر تتبّع مسار سياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج العربي، إلى استقراء عوامل تقرير مصالح أمن الطاقة الأميركي بين ثنائية الأهداف الاقتصادية والأهداف السياسية، أو هدفَي خلق الثروة وتعظيم القوة، وعوامل الترجيح الأميركية لإحداها على حساب الأخرى أو الدمج بينهما. كما تهدف إلى تقدير ملامح مستقبل التوجه الأميركي حيال المنطقة، في ضوء تفعيل الاستراتيجية الأميركية للاستقلال الطاقوي. تجادل الدراسة بأنه لا يمكن تجاهل التأثير الحاسم للطاقة، وخاصة النفط، في تحقيق التنمية الاقتصادية ورفاهية الأمم.
Abstract
This study argues that relying on the United States for of security and defense has led to the neglect of the Arab Gulf states to varying degrees. These countries failed to build an independent regional security capacity or develop broad security relations with third parties besides the United States. Since President Barack Obama took office in 2009-2016, before Donald Trump replaced him, questioning the regional balance of power, this reliance has destabilized the most stable part of the Arab world. This study examines the implications of the unprecedented regional reality regarding the strategic and security relations between the United States and the Gulf in the context of the divergent views of Washington and its local partners on regional security management methods, in particular the role of the GCC in managing peace and security.
- الأمن
- الخليج
- القوى الإقليمية
- الولايات المتحدة الأميركية
- Security
- The Gulf
- Regional Powers
- United States
مقدمة
لا يُكن تجاهل التأثير الحاسم الذي تضطّلع به موارد الطاقة، خصوصًا النفط، في تحقيق التنمية الاقتصادية ورفاهية الأمم، ومن الواضح أن ذلك كان من العوامل الرئيسة لما وُصف بالإدمان الأميركي على نفط منطقة الخليج العربي التي تُعتبر من أهم المناطق في العالم من حيث إنتاج النفط والغاز، وكذلك من الاحتياطيات العالمية المؤكدة لهذه الموارد. تعيش منطقة الخليج العربي في بيئة غير مستقرة سياسيًا؛ ما من شأنه أن يؤثر في إمدادات النفط الخليجية للولايات المتحدة وأوروبا، ويُلقي بظلاله على تهديد دائم لأمن أميركا القومي وأمن طاقتها. وهذه عوامل مهمة، بقدر تأثير العامل الاقتصادي في تأمين العرض والطلب لموارد الطاقة التي تتحكم فيها الولايات المتحدة. وإذا بقيت المنطقة موطنًا لمنافسين قد يُلحقون الضرر بالمزايا الاستراتيجية والاقتصادية التي تحتكرها الولايات المتحدة في الخليج العربي، فهذا يُبقي على حظوظ استمرار الوجود الأميركي في المنطقة. من هنا يبدو التداخل واضحًا بين الأبعاد السياسية والاقتصادية لموضوع سياسة الطاقة الأميركية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي تحديدًا، وهذا ما يُرشّحه ليكون موضوعًا مهمً في أجندة بحث الاقتصاد السياسي الدولي. تنطلق هذه الدراسة من إشكالية رئيسة ترى أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، احتلت منطقة الخليج العربي مكانة مهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة في تأمين إمداداتها من الطاقة، حيث بدا توافر النفط وبأسعار معقولة أمرًا مهمً للاقتصاد الأميركي المقدم على مشروع مارشال، والذي أخذت الولايات المتحدة معه تربط بين أمن الطاقة وأمنها القومي. ومنذ أزمة الحظر النفطي العربي في عام 1973، أدركت واشنطن أهمية منطقة الخليج ليس فقط لنموها الاقتصادي "الثروة"، وإنما أيضًا لأمنها القومي، والمقصود به "القوة". وهذا ما حفّزها على الاستقرار عسكريًا في المنطقة لحمية مصالحها هناك. نجحت السياسة الأميركية في ضمن استمرارية تدفّق النفط من منطقة الخليج وفق المصالح الأميركية طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنه منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، بدا أن نفط المنطقة أصبح مصدرَ تهديد للأمن القومي للولايات المتحدة لجهة التكاليف الاقتصادية الباهظة وتقليص الخيارات السياسية المُتاحة أيضًا، ما حدا باستراتيجيات الأمن القومي الأميركي منذ عام 2002 إلى تفعيل استراتيجية استقلالية الطاقة الأميركية، على نحو مؤكد وضروري، عن منطقة الخليج والشرق الأوسط عمومًا. تبعًا لهذا التحوّل، تطرح هذه الدراسة السؤال المركزي التالي: هل يؤدي استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة إلى تقليل اهتممها بنفط منطقة الخليج العربي؟ تنطلق هذه الدراسة من فرضيتين وفقًا لمقاربة الاقتصاد السياسي التي تتبنّاها: أولاهم، الليبرالية الاقتصادية: حيث أصبحت الولايات المتحدة، تبعًا لقاعدة أفضلية الثروة على القوة، تملك من البدائل ما يجعلها قادرة على تأمين حاجاتها من الطاقة بعيدًا عن التبعية لمنطقة الخليج، وذلك يعني إمكان تراجع مكانة منطقة الخليج من سلّم أولويات السياسة الأميركية. وثانيتهم، الواقعية الاقتصادية: حيث هناك، تبعًا لقاعدة أفضلية القوة على الثروة، الكثير من الاعتبارات الاستراتيجية التي سوف تمنع الولايات المتحدة من التفكير في الابتعاد من منطقة الخليج حتى وهي قادرة، أو على وشك، تحقيق القدرة على تأمين أمنها في مجال الطاقة. تهدف الدراسة، عبر تتبّع مسار سياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج العربي، إلى استقراء عوامل تقرير مصالح أمن الطاقة الأميركي الواقعة بين ثنائية الأهداف الاقتصادية (الثروة) والأهداف السياسية (القوة)، وقراءة عوامل الترجيح الأميركية لإحداها على حساب الأخرى، أو الدمج بينهم. وعلى نحو رئيس، تهدف الدراسة إلى تقدير ملامح مستقبل التوجه الأميركي حيال المنطقة في ضوء تفعيل الاستراتيجية الأميركية للاستقلال في مجال الطاقة منذ أيلول/ سبتمبر.2001 تستند هذه الدراسة إلى عدد من الدراسات السابقة التي ناقشت سياسة الطاقة الأميركية في الشرق الأوسط عمومًا، أو في منطقة الخليج تحديدًا. ويمكن تلخيص مضامين هذه الدراسات في اتجاهين بحثيين: دراسات تفسّ سياسة الطاقة الأميركية من زاوية استراتيجية لجهة البحث الأميركي عن الهيمنة والنفوذ (القوة)، وأخرى تُفسّها في بعدها الاقتصادي المختزل في البحث عن النفط (الثروة). ولهذا تكمن أهمية هذه الدراسة في معالجة الموضوع، مرتكزةً على علاقة التأثير المتبادل بين الثروة والقوة؛ أي بين السوق والسياسة الخارجية، حيث إن مفهوم أمن الطاقة الجديد ما عاد مرتبطًا بحاجة الدول إلى الطاقة لتعزيز النمو الاقتصادي؛ بالأسواق وارتفاع الأسعار فحسب، بل بعدم الاستقرار في الدول المصدّرة، والممرسات القومية والتنافس الجيوبوليتيكي أيضًا. ويزوّدنا الاقتصاد السياسي الدولي بمقاربتين تحليليتين رئيستين لعلاقة السوق بالسياسة الخارجية، لكل منها فهمها الخاص لطبيعة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وفلسفتها في تفضيلات القوة والثروة: الليبرالية الاقتصادية والواقعية الاقتصادية "الماركنتيلية". والانطلاق من مقاربة كهذه هو ما يحاول أن يتميز به هذا البحث مم سواه من جهود بحثية سابقة.
تأخذ الدراسة الطابع الوصفي التحليلي أساسًا، حيث تستخدم الوصف في بحثها عن تقرير المفهوم الأميركي لأمن الطاقة وكيفية تطوّره وفق ثنائية "أمن العرض" و"الأمن القومي" عبر فحص متغيّاتها واتجاهاتها. وتعتمد التحليل حين تبحث في تحديد طبيعة العلاقة التي تجمع منطقة الخليج العربي والولايات المتحدة عبر النفط؛ إذ تستبدل متغيري أمن العرض والأمن القومي بمفهومي الثروة والقوة، وتسعى لتحليل توجّهات سياسة الطاقة الأميركية في ضوء الخطوات الإجرائية الأميركية تجاه المنطقة عقب أحداث مفصلية، مثل أزمة النفط في عام 1973، وأحداث 11 سبتمبر 2001؛ وإذ تتتبع الدراسة سياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج العربي وفق ثنائية "الثروة" و"القوة" وصفًا وتعقيبًا، فإنها لا تستغني عن مناقشة تبعات استراتيجية استقلالية الطاقة الأميركية، ما يرفع الدراسة إلى طابع الاستكشاف.
أولا: الاقتصاد السياسي لأمن الطاقة: الطاقة بين أهداف إيجاد الثروة وتعظيم القوة
الاقتصاد السياسي الدولي هو ذلك الحقل المعرفي الذي يحاول فهم القضايا والمسائل في السياسة الدولية باعتمد منظورات وأدوات تحليلية من حقلي الاقتصاد الدولي والسياسة الدولية. ويستمد هذا الحقل جدارته التحليلية من الانهيار المتواصل الحاصل للحدود بين التخصصات الاجتمعية، خصوصًا بين الاقتصاد والسياسة، حيث صار فهم الشؤون الدولية المعاصرة وتحليلها، يقتضي تجاوز الحدود التقليدية الجامدة بين الاقتصاد والسياسة. وبناء عليه، يمكن تعريف الاقتصاد السياسي الدولي بأنه "دراسة مجموعة القضايا والمشكلات الدولية التي تحمل علاقة متداخلة بين الاقتصاد والسياسة، حيث لا يمكن فهمها أو تحليلها ضمن ميدان العلاقات الدولية أو الاقتصاد الدولي فحسب، بل هي تقع بالضرورة ضمن الميدان المشترك المُتّسع الذي هو الاقتصاد السياسي الدولي"1. ضمن الاقتصاد السياسي الدولي، يتنافس منظوران رئيسان، إضافة إلى المنظور الماركسي: الماركنتيلية والليبرالية، وما يُرشّحهم ليكونا كذلك هو طبيعة الرؤية الخاصة التي يمتلكانها في فهم طبيعة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وفلسفتهم الخاصة في تفضيلات القوة والثروة، حيث يقدم كلاهم إجابات مختلفة عن عدد من الأسئلة الجوهرية (يُنظر الجدول).
1. الليبرالية الاقتصادية
باعتبارها منظورًا ضمن الاقتصاد السياسي الدولي، تبني الليبرالية افتراضاتها على استقلالية السوق عن الدولة؛ أي الفصل بين عالمَي الاقتصاد والسياسة وفق مقولة "أولوية إيجاد الثروة على تعظيم القوة"؛ إذ تُشكك الليبرالية في قوة الدولة، مُجادِلة بأن لها أثرًا سلبيًا في حرية عمل الأسواق، ما يُهدّد رفاهية الجميع وتطبيق آلية اليد الخفيّة. لذا، تنادي الليبرالية بضرورة الحدّ من تدخّل السياسة في الاقتصاد، بحجة أن الحكومة الأقل تدخلً، أفضل حُكمً. أما عن المصالح القومية، فترفض الليبرالية النظر إلى العلاقات الدولية باعتبارها لعبة صفرية، أي بحيث تكون مكاسب طرف هي بالضرورة خسارة للطرف الآخر. وبدلً من ذلك، يمكن الدول كلها أن تستفيد من سوق عالمية حرّة وموسّعة. أما مسألة الأمن القومي، فسوف يتحقق تلقائيًا إذا تُركت السوق تعمل بحرّية "نظرية السلام من خلال التجارة"2. تؤكد الليبرالية أهمية الاعتمد المتبادلInterdependence في تحقيق أمن الطاقة لفائدة المجتمع الدولي، وليس لكل دولة على انفراد، فمع تزايد درجة التكامل الاقتصادي العالمي ودمج اقتصادات العالم المختلفة واعتمد النموّ العالمي على إتاحة فرص النمو لمختلف اقتصادات العالم، أصبحت مسألة ضمن الوصول إلى الطاقة قضية دولية تخص الدول كلها، وليست مسألة أحادية تخص دولة بعينهاُ
2. الواقعية الاقتصادية "الماركنتيلية"
هي النسخة الواقعية للاقتصاد السياسي الدولي، تبني افتراضاتها على أولوية السياسة على حساب الاقتصاد، وفق مقولة "إخضاع إيجاد الثروة لتعظيم القوة". فبحسب الماركنتيلية، هناك علاقة متبادلة بين الثروة (الاقتصاد) والقوة (السياسة)، وكلاهم هدف لسياسة الدولة، وليس أحدهم بديلً من الآخر؛ فكم هي الثروة شرط ضروري لقوة الدولة، القوة هي أيضًا وسيلة لا غِنى عنها لإيجاد الثروة. لكن، بينم من الممكن على المدى البعيد السعي لتحقيق الهدفين معًا كجزء من الاستراتيجية الماركنتيلية، فإنه على المدى القريب، قد يكون من ال وررري التضحية بالثروة لمصلحة القوة إذا حدث تعارض بينهم، فنتيجة لغياب السلطة المركزية Anarchy في النسق الدولي والتهديد الدائم للأمن، يأتي الأمن القومي للدولة على رأس مصالح الدول القومية3.
| النظرية الفروق | الماركنتيلية | الليبرالية |
|---|---|---|
| أولوية لاقتصاد والسياسة | خضوع الاقتصاد للسياسة | استقلالية الاقتصاد عن السياسة |
| كيف يعمل لاقتصاد؟ | السوق غير محايدة، تحكمها القوة | السوق محايدة وتنافسية |
| أهم فاعل في لاقتصاد | الدولة | الأفراد |
| طبيعة العلاقات لاقتصادية الدولية | صرفرية، مكاسب طرف خسائر للطرف الآخر | غير صفرية، مكاسب طرف ليست خسائر للطرف الآخر |
| الأهداف النهائية للدولة | تعظيم قوة الدولة | تعظيم رفاهية المجتمع |
ثانيًا: أمن الطاقة من منظور الاقتصاد السياسي الدولي
ما هو أمن الطاقة؟ هل هو موضوع للاقتصاد أم للسياسة، أم يقع ضمن الحيّز المشترك بينهم؟ ولماذا تأمين الطاقة؟ هل لأن ذلك أحد شروط إيجاد الثروة؟ أم أحد أسباب تعظيم القوة؟ أم كلاهم معًا؟ شكلت مثل هذه الأسئلة، ولا تزال، موضوعَ نقاش محتدم بين المهتمين بشأن الطاقة. فتقليديًا، غالبًا ما فكر الباحثون وصنّاع القرار الاقتصادي في أمن الطاقة من دون مُراعاة السياسة الدولية، فجاءت الطاقة موضوعًا محضًا للثروة الاقتصادية. وانطبق الأمر نفسه على باحثي السياسة وصانعي قراراتها الذين ربطوا الطاقة كلّيًا بالأمن والمصلحة القومية، لهذا بدت الطاقة موضوعًا للقوة السياسة؛ فبينم اهتمت الفئة الأولى بتفاعلات السوق بمنأى عن سياسة الدول الخارجية، ركّزت الفئة الثانية على الأمن القومي، متجاهلة تفاعلات السوق. وأدى ذلك إلى ظهور مقاربتين لأمن الطاقة، تميل الأولى إلى مناقشة موضوع أمن الطاقة باعتباره مسألة اقتصادية تتعلق بأمن العرض، في حين تميل الثانية إلى تسييس أمن الطاقة باعتباره مسألة أمن قومي4. وكان كلاهم يتجاهل ذلك التفاعل الموجود بين الدولة والسوق، الذي يُيّز الاقتصاد السياسي الدولي للطاقة.
الجدول الفرق بين الماركنتيلية والليبرالية
1. أمن الطاقة باعتباره مسألة اقتصادية: خلق الثروة أولًا
من وجهة نظر اقتصادية، يُختزل أمن الطاقة في سياق ثلاثية تأمين العرض، واستدامة الإمدادات والأسعار التنافسية الحرة5. بهذا المعنى، من الأنسب أن يفهم موضوع الطاقة وفق التصوّر الليبرالي للاقتصاد السياسي، باعتباره موضوعًا لإيجاد الثروة الاقتصادية وفق آلية السوق على نحو منفصل عن حسابات السياسة الدولية. وبذلك يكاد يكون أمن الطاقة مرادفًا لاستقرارها، وحينها يمكن تعريف المفهوم بأنه "الحالة التي يتمتع فيها الأفراد والأعمل بالدخول لموارد الطاقة العالمية وعند سعر مناسب [...] بعيدًا عن خطر التوقف"6. تركّز المقاربة التقليدية لأمن الطاقة على أمن العرض، من خلال توافر الإنتاج الكافي من مصادر الطاقة، خصوصًا النفط، وبأسعار مناسبة. ويشمل تأمين العرض ثلاثة مستويات: مستوى التنقيب والإنتاج، وتأمين خطوط الإنتاج والنقل، والاستثمر وصيانة محطات التكرير وشبكات النقل والتوزيع7.
يعني تأمين الحصول على النفط بطريقة آمنة وكافية تجنّب موقف الأزمة الطاقوية، وهو الموقف الذي تعانيه دولة ما نتيجة نقص في عرض الطاقة؛ ما يؤدي إلى ارتفاع سريع في الأسعار، يُهدّد نموّها الاقتصادي8؛ ذلك أن انقطاعًا طويلً في تدفق ثابت ومستقر للطاقة سوف يؤثر تأثيرًا واضحًا في الاقتصاد الوطني ومؤشرات النمو الاقتصادية. لذا، فإن توافر عرض كافٍ من الطاقة يُعدّ شرطًا مُسبقًا للتنمية الاقتصادية9. تؤكد الليبرالية أن تحقيق أمن الطاقة يتطلّب تبنّي اقتراب تعاوني على المستوى الدولي، فمع اتّساع درجة التكامل الاقتصادي العالمي وتزايد درجة الاعتمد المتبادل بين اقتصادات العالم، أصبح التعاطي مع قضية ضمن الوصول إلى الطاقة، قضيةً عالميةً، وليس مجرد قضية أحادية تخص دولة بعينها. في هذا الإطار، تؤكد الليبرالية دور المؤسسات الدولية في تحقيق أمن الطاقة لفائدة المجتمع الدولي وليس كل دولة على انفراد، وهنا تجدر الإشارة إلى تعريف البنك الدولي لمفهوم أمن الطاقة، وهو "التأكد من أن الدول يمكنها أن تنتج وتستخدم الطاقة باستدامة، وبسعر مناسب، وبما يُساهم في تحقيق النمو الاقتصادي من خلال تقليل الفقر وتحسين مستوى معيشة الأفراد من خلال تسهيل الدخول إلى خدمات الطاقة الحديثة"10.
2. أمن الطاقة باعتباره مسألة أمن قومي: تعظيم القوة أولًا
بعد أزمة الطاقة العالمية في عام 1973 التي تسبَّب بها حظر النفط العربي، بدا جليًّا أن أمن الطاقة ليس مرتبطًا بضمن توفير الإمدادات فحسب، إذ إن هذا التصور قائم على نظرة ضيقة؛ فالاهتمم بأمن الطاقة يجب ألا ينحصر في اختلال العلاقة بين العرض والطلب في السوق، بل يمكن أن يُعزى أيضًا إلى التنافس الجيوسياسي والصراع على المكانة. وهذا ما يجعل من الطاقة موضوعًا للقوة السياسية وفقًا للتصور الماركنتيلي في الاقتصاد السياسي الدولي؛ ذلك أن حاجة الدول إلى الطاقة لتعزيز أسباب القوة السياسية، يجعل من النفط سببًا للتنافس المؤدي إلى التوتر والأزمات السياسية وحتى النزاعات المرتبطة بالطاقة11. لذلك، في أعقاب أزمة عام 1973 النفطية، تطوّر مفهوم جديد لأمن الطاقة، بناءً على استجابة استخدام الدول المصدّرة النفطَ سلاحًا استراتيجيًا، حيث ما عاد أمن الطاقة مرتبطًا بحاجة الدول إلى الطاقة لتعزيز النمو الاقتصادي؛ إذ ارتبط أيضًا بالتهديدات التي تتعرّض لها الدول وتسعى من خلالها للتأثير في مصالح غيرها، وذلك يأتي في سياق التنافس الجيوبوليتيكي بين هذه الدول12.
أظهرت أزمة الطاقة بوضوح البعدَ السياسي لأمن الطاقة وكيفية ارتباطه بالأمن القومي، فبعد أن كان المفهوم محصورًا في البعد الاقتصادي الضيّق، فتح الحدث مرحلة جديدة في المقاربة لأمن الطاقة وفق أبعاد السياسة العُليا. وأصبحت الطاقة موضوعًا للصراع الدولي من حيث محاولة السيطرة على المناطق الغنية بموارد الطاقة، أو إخضاعها لنفوذ قوى دولية في سياق عملية ضمن أمن الطاقة لتلك القوى، واستخدام الطاقة أداةً لإدارة صراع دولي مع أطراف دولية أخرى. من ثم، يمكن التأكيد أنه منذ أزمة عام 1973 النفطية، اتسع نطاق مفهوم أمن الطاقة عمّ كان عليه سابقًا، فإلى جانب الأبعاد الاقتصادية التقليدية، ارتبط المفهوم أكثر بالسياسة والتنافس الجيوسياسي والأمن القومي. ونظرًا إلى تأثير الطاقة المتبادل في إيجاد الثروة وتعظيم القوة، حيث يخدم أحدهم الآخر، يُصبح من المناسب أكثر تناول المفهوم ضمن حقل الاقتصاد السياسي الدولي
ثالثًا: من أمن العرض إلى الأمن القومي: تطوّر الإدراك الأميركي لأمن الطاقة
لا يوجد تعريف محدد تطرحه الولايات المتحدة الأميركية لتصوّرها عن أمن الطاقة، إنما يمكن من واقع السياسات الأميركية المُتّبعة في هذا الشأن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، ملاحظة أن أهداف سياسة الطاقة الأميركية راوحت بين أهداف إيجاد الثروة
الاقتصادية وتعظيم القوة السياسية. وعلى نحو مشابه لتطوّر أدبيات المفهوم من الاقتصاد (أمن العرض) نحو السياسة (الأمن القومي)، وقع التدرّج في الإدراك الأميركي لأمن الطاقة من أولوية الأهداف الاقتصادية في تحفيز نمو الاقتصاد الأميركي والعالمي في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز أزمة حظر النفط، إلى أولوية الأهداف السياسية في السعي لإحكام السيطرة على منابع النفط العالمية. في تدرّج كهذا، تنوّعت الأدوات التي استخدمتها الولايات المتحدة الأميركية في هذا الشأن، إذ مزجت بين أدوات القوى المرنة، من خلال استثمرات شركاتها متعددة الجنسيات والمساعدات الاقتصادية والاستثمر في خطوط نقل النفط، وبين أدوات القوة الصلبة عبر استخدام الوجود العسكري والتدخل المباشر لحمية تدفّق النفط الذي ميّز السياسة الأميركية منذ أوائل الثمنينيات والمعروفة ب "مبدأ كارتر" Doctrine Carter، وهي سياسة أعلنها الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر خلال خطاب حالة الاتحاد السنوي في 23 كانون الثاني/ يناير 1980، ينص المبدأ على السمح للولايات المتحدة باستخدام القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها في منطقة الخليج العربي13.
1. أمن العرض في سياسة الطاقة الأميركية
تحكّمت الاعتبارات الاقتصادية في سياسة الطاقة الأميركية عقب الحرب العالمية الثانية، ولا سيم مسألة الحصول على النفط بأسعار معقولة وعلى نحو مستمر، وذلك من أجل دعم شروط النموّ والازدهار الاقتصادي في الولايات المتحدة. وفي ضوء ذلك، أسّس المفهوم الأميركي لأمن الطاقة على أولوية استمرارية الحصول على الإمدادات النفطية بأسعار معقولة وكميات كافية لتنمية الطلب المتنامي لها ولحلفائها14. حتى إن لم يخلُ من الاعتبارات السياسية، كان الاهتمم الأميركي بأمن الطاقة، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، محكومًا أساسًا باعتبارات التنمية الاقتصادية المحلّية، وبتحمّل واشنطن مسؤوليتها في إدارة النظام الاقتصادي العالمي الجديد، عقب نهاية الحرب. كم أن التوقعات بقرب نفاد الاحتياطيات المؤكدة في الداخل وتراجعها في الخارج، أو ما يُعرف ب "نظرية ذروة النفط"، أوجد حالة من الرغبة الأميركية في السيطرة على الموارد الخارجية لضمن أمن الطاقة، إدراكًا منها للأهمية الاستراتيجية لهذا النوع من القدرات، باعتباره أحد أهم أسباب الثروة الاقتصادية. محليًا، سجّل الاقتصاد الأميركي منذ عام 1948 تفاوتًا متزايدًا بين الإمدادات المحلية وحجم الطلب المحلي على الطاقة، وهذا ما ساهم تدريجيًا في إيجاد فجوة الطلب، بما يتطلّب الاعتمد على الخارج لتغطيتها. فالواقع أن النمو الأميركي الكبير في الاستهلاك لا يقابله نموٌّ ممثل في الإنتاج. لذلك، فإن حاجات الولايات المتحدة إلى النفط ارتفعت على نحو مطّرد من 11.5 مليون برميل يوميًا في عام 1956، إلى 20 مليون برميل يوميًا في عام 2009، أي ما يُقارب ربع الاستهلاك العالمي15. ويقابل ذلك استمرار ارتفاع فجوة الإنتاج التي وصلت في عام 2009 إلى 13 مليون برميل يوميًا. ويتوقع أن تحتاج الولايات المتحدة إلى استيراد ثلثي حاجاتها من الطاقة بحلول عام 2025، ما يجعلها تعتمد اعتمدًا كبيرًا على الواردات النفطية من الخارج16. أما خارجيًا، فبعد أن أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط، وهيمنت شركاتها المتعددة الجنسيات على الصناعة العالمية للنفط، باتت مهتمة بضمن موارد جديدة ورخيصة للطاقة من أجل المساعدة في استعادة الاقتصاد العالمي عافيته. وعلى الرغم من أن اكتشاف نفط رخيص في الخارج كان يُهدّد مصالح المُنتجين الأميركيين الذين كانت تكلفة إنتاجهم أكبر نسبيًا17، فإن أحد أهم العوامل التي أسَّست عليها الولايات المتحدة استراتيجياتها النفطية، يقوم على تحقيق الأرباح السريعة بسبب توقعات زيادة الطلب العالمي18. في هذا الشأن، تبدو هيمنة المصالح الاقتصادية واضحة في التصور الأميركي لأمن الطاقة، وذلك من خلال ما طرحه وزير الطاقة الأميركي سبنسر أبراهام (2005–2001) عن المقاربة الأميركية لأمن الطاقة التي تقوم على "إقامة توازن بين الإنتاج المتزايد وبين تجدد التركيز على الاستخدام النظيف والفعّال للطاقة، والالتزام بالمشاركة الدولية مع الدول المستهلكة والمنتجة، وتنويع مصادر الإمدادات المتعلقة بالطاقة التي تسيّها الأسواق التنافسية والسياسات العامة التي تُحفّز النتائج الفعّالة"19.
2. سياسة أمن الطاقة الأميركي
نظريًا، كلم زاد اعتمد الدولة على الخارج لتلبية حاجاتها من الطاقة، يُصبح من المحتمل أن يرتبط أمن الطاقة لديها أكثر فأكثر بأمنها القومي، فيزداد تباعًا سعيها لتسخير سياستها الخارجية خدمةً لهدف تأمين الطاقة. وفي ظل استمرار الاعتمد الأميركي على الخارج لتوفير حاجاتها من الطاقة، كان لا بد من أن يتزايد تأثير أمن الطاقة في سياستها الخارجية20. والواقع أن أمن الطاقة الأميركي، بدأ بالارتباط أكثر فأكثر بالأمن القومي مع احتدام منافسة القوى الاقتصادية الكبرى وتلك الصاعدة من أجل الهيمنة على مصادر الطاقة الخارجية في مناطق الاحتكار الأميركية21. ولأجل ذلك، باتت عملية التحكم في مصادر الطاقة تعني قدرة الدولة على مراقبة عملية النمو الاقتصادي للقوى المنافسة للهيمنة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، فكان لا بد من أن يكون للطاقة تأثيرٌ متزايدٌ في السياسة الخارجية الأميركية وأمنها القومي. بقيت الولايات المتحدة متحكّمة في تحديد سعر برميل النفط حتى أزمة النفط العالمية في عام 1973، من دون أن يكون للدول المنتجة أي تأثير في تحديد أسعار النفط، وذلك على الرغم من أن هذه الدول تعتبر دولً منتجة للنفط، وبقي سعر برميل النفط متدنّيًا بما يخدم مصالح الدول المستوردة والمستهلكة، وعلى رأسها الولايات المتحدة22. وتغيّ هذا الوضع بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر231973، حين فرض حظر النفط على الدول الغربية التي ساعدت إسرائيل عسكريًا وعلى نحو مباشر في أثناء الحرب. ونتيجة ذلك، تراجعت الكميات المعروضة من النفط عالميًا وارتفع سعر البرميل، الأمر الذي أدّى إلى تداعيات وخيمة على اقتصادات الدول الغربية عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا. منذ ذلك الوقت، قررت واشنطن تغيير أدوات استراتيجيتها في مجال الطاقة عبر التهديد باستخدام القوة، أو استخدامها فعليًا، كي تضمن أمنها القومي من تدفق الطاقة. نتيجة ذلك، لم يعد مسموحًا أن تتُرَك مصادر الطاقة لقوى العرض والطلب، وبدا التدخل أمرًا ضروريًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بهدف السيطرة المباشرة على مصادر الطاقة والتحكم في العرض، بعيدًا عن آلية السوق، وأصبحت قضية أمن الطاقة قضية أمن قومي بالنسبة إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي يتطلّب حميتها بالوسائل كلها، بما في ذلك العسكرية. وفي ظل إدارة الرؤساء ريتشارد نيكسون (1974-1969) وجيمي كارتر (1981-1977) ورونالد ريغان (1989-1981)، أصبحت استراتيجيات الأمن القومي الأميركي تؤكد ضرورة تأمين مصادر الطاقة، فقد جعل الإحساس بمحورية الطاقة للأمن القومي، واشنطن راغبةً في استخدام الأدوات والوسائل كلها لضمن الحصول على النفط من الخارج، خصوصًا في الشرق الأوسط24. إذًا، عزّز انقطاع الإمدادات النفطية الذي تسببت به أزمة النفط في عام 1973 الإدراك الأميركي للنفط باعتباره سلعة استراتيجية حيوية لازدهار الولايات المتحدة وأمنها، ومنذ ذلك الحين، أصبحت الطاقة إحدى أولويات الأمن القومي الأميركي، وأصبح معها تهديد مصادر الإمدادات تهديدًا للأمن والمصالح الأميركية، إلى درجة اعتبر معها الحصول على النفط الخارجي مكوّنًا من مكوّنات الاستراتيجية العسكرية الأميركية وفق مبدأ كارتر الذي رسم معالم سياسة الطاقة الأميركية الجديدة في منطقة الخليج العربي، كم سنناقش تاليًا. ولأجل ذلك، انخرطت الولايات المتحدة في حروب عدة لحمية الوصول إلى نفط المنطقة.
رابعًا: البحث عن الثروة والإدمان الأميركي على نفط منطقة الخليج العربي
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتراجع الدور البريطاني التقليدي في العالم ومنطقة الخليج العربي تحديدًا، بدأت الولايات المتحدة الأميركية تولي اهتممها بمصادر الطاقة في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي خصوصًا، ولا سيم مع تزايد الاعتمد على النفط الخارجي لتغطية ضغوط السوق المحلية. وتجلّ ذلك في سعي الولايات المتحدة لاحتكار عملية إنتاج النفط في كبُرى دول المنطقة الثرية باحتياطيات النفط. إضافة إلى ذلك، ساهمت "خطة مارشال" في عام 1947؛ وهو برنامج أشرفت على تنفيذه الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لمساعدة دول أوروبية في التعافي من الدمار الذي خلّفته الحرب، في تقوية الروابط الأميركية بمنطقة الخليج العربي من خلال تمويل دول أوروبا الغربية لشراء النفط المعروض من الشركات الأميركية25. وارتباطًا بتأثير النفط الحاسم في الاقتصاد الأميركي، اندفع التخطيط الاستراتيجي النفطي في الولايات المتحدة إلى الاهتمم بمنطقة الخليج. مثّلت منطقة الخليج العربي أكثر المناطق حيوية بالنسبة إلى أمن الطاقة الأميركي، نظرًا إلى قدراتها النفطية، باعتبارها أهم منتج وأكبر مستودع للنفط في العالم، وهي السلعة التي أصبح يرتكز عليها النموّ الاقتصادي
العالمي؛ فعُدّت حقول النفط في منطقة الخليج العربي بمنزلة الضامن لاقتصاد مستقر ومزدهر للاقتصاد العالمي. لهذا أصبحت منطقة الخليج بما تحويه من مخزون كبير من النفط، بؤرةً مركزيةً في سياسة النفط الأميركية ومركز استثمراتها26. وما أضفى على المنطقة أهمية إضافية أيضًا، هو ما يُيّز نفط المنطقة من حيث سهولة الاكتشاف وغزارة الإنتاج وانخفاض التكاليف والقرب من المنافذ البحرية التي تُسهّل عملية النقل والتخزين27. شجّعت هذه الميزات الإدارة الأميركية على الاستفادة من نفط المنطقة في إدارة اقتصادها، لذلك اعتبر نفط منطقة الخليج العربي عاملً مهمً في مساندة مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ إذ يُقابل الاستهلاك الأميركي الذي يزداد من الطاقة انخفاضٌ في الإنتاج الأميركي، لذا بدت الحاجة ملحّة إلى استيراد النفط من المنطقة. وهكذا وتدريجيًا بدأ نمو الاقتصاد الأميركي محلّيًا وعالميًا، يقترن بالتبعية لإمدادات نفط الخليج، وهذا ما أكّده تقرير لجنة الميزانية في الكونغرس الأميركي الذي يفيد أن الولايات المتحدة إذا لم تحصل، مدة عام، على النفط السعودي، سينخفض ناتجها القومي بمقدار 272 مليار دولار، ويرتفع معدل البطالة فيها إلى نسبة 2 في المئة28. وزادت حدّة هذا الاعتمد على نفط الخليج إلى درجة بدت معها الآثار السلبية في الاقتصاد الأميركي مباشرة بعد الحظر النفطي العربي في أثناء حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، حتى وُصِفت التبعية الأميركية لنفط الخليج، ب "الإدمان الأميركي". دفعت أهميةُ نفط الخليج الولاياتِ المتحدةَ إلى بناء علاقات ثنائية وثيقة مع الدول المنتجة. وفي ذلك اعتمد نجاح سياسة الولايات المتحدة النفطية وفقًا لمصالحها القومية على هيمنة الشركات النفطية الأميركية على صناعة تنقيب النفط وإنتاجه وتسويقه، فمن خلال الضغط السياسي على الحكومات المحلية، مارست الولايات المتحدة ضغطًا على دول الخليج من أجل إيداع عائدات نفطها بالدولار الأميركي، وهكذا وجدت الدول المستوردة نفسها مساهمة في البنوك الأميركية بقيمة العشُر عند شراء كل برميل نفط خام. وفي مقابل ذلك، حصلت الدول العربية على حمية الولايات المتحدة الأمنية، وعلى فرصة شراء الأسلحة الأميركية29. وإلى غاية أزمة النفط في عام 1973، تمكّنت واشنطن من خلال أدوات القوة المرنة تلك، تأمين حاجتها وحاجة حلفائها خلال الحرب الباردة خصوصًا، من دول الخليج. أظهرت أزمة حظر النفط العربي عن الغرب في عام 1973، وما تلاها من أحداث مفصلية في المنطقة، مثل الثورة الإيرانية (1979) والاحتلال السوفياتي لأفغانستان (1979)، أن حمية المصالح النفطية الأميركية في منطقة الخليج العربي تحتاج إلى أكثر من أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية، وذلك ما كان يستدعي حزمة جديدة من الإجراءات. فجمعيًا، حاولت الولايات المتحدة إنقاذ النظام النفطي القديم من خلال تنظيم الدول الغربية في جبهة موحّدة ضد منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، عبر تنظيم مؤتمر واشنطن للطاقة في عام 1974، الذي وضع الأساس لإنشاء الوكالة الدولية للطاقة التي استهدفت خفض اعتمد الدول الأعضاء على نفط الخليج وتنويع مصادر الطاقة وترشيد الاستهلاك. أما أحاديًّا، فأدركت الولايات المتحدة الأهمية المتزايدة لوجودها العسكري في المناطق الرئيسة المنتجة للنفط من خلال استراتيجية النشر السريع للقوات، كبديل من الوجود العسكري المحدود30. تبعًا لذلك، ارتكزت السياسة الأميركية الجديدة لحمية تدفق النفط في الثمنينيات على التعهد باللجوء إلى القوة المسلّحة لحمية مصالحها وفق "مبدأ كارتر"، بهدف توفير الأمن باستعمل القوة لاستمرار تدفق ناقلات النفط نحو الولايات المتحدة31. وأدركت الولايات المتحدة أهمية امتلاك قوة في الخليج، تكون قادرة على تحقيق هذا الهدف، ما دفع الرئيس كارتر إلى إعلانه عن تكوين "قوة الانتشار السريع المشتركة"، بالتزامن مع الانتشار الموقت للأسطول البحري الأميركي الصغير في منطقة الخليج32. وبذلك أظهرت الإدارة الأميركية صراحةً أن ضمن المحافظة على تدفّق نفط الخليج على نحو آمن وبأسعار معقولة ومنع أي قوة إقليمية أو دولية من التعرض للمصالح الأميركية، هو قضية أمن قومي لها. ومثّل "مبدأ كارتر" التنفيذ الفعلي لتلك السياسة؛ إذ جاء فيه أن "أي محاولة من جانب أي قوة للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج، تُعدّ في نظر الولايات المتحدة هجومًا على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم ردعه بكل الوسائل بما فيها القوة المسلحة"33. وفي عام 1983، أعطى الرئيس ريغان قوة دفع جديدة لهذا المبدأ، حين طوّر قوات النشر المشتركة السريعة إلى مستوى رئاسة إقليمية واسعة، تمثلت في القيادة الوسطى الأميركية، كم أضيفت إليها مهمة حمية تدفق النفط من الخليج إلى الأسواق في الغرب، وهي المهمة التي بقيت عليها حتى اليوم34.
في الحقيقة، أسّس "مبدأ كارتر" لتحوّل في السياسة الأميركية تجاه منابع النفط، تمثّل في إخراج منطقة الخليج من دائرة السوق الاقتصادية، وتحويلها إلى دائرة الأمن القومي الأميركي، والاستغناء عن فكرة الاعتمد على موالاة الأنظمة السياسية ودور الشركات النفطية نحو تعزيز الوجود العسكري المباشر. فضلً عن ذلك، عملت الولايات المتحدة على ربط اقتصادات منطقة الخليج بشبكة من الروابط الاقتصادية وتعزيز الاستثمرات التي تقوم بها دول الخليج في المصارف والعقارات الأميركية، ما يعني التحكم في الثروات النفطية الآتية من منطقة الخليج35. استمر النفط هدفًا رئيسًا للسياسة الخارجية الأميركية في منطقة الخليج بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، وأكّد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب صراحة أن حمية النفط هو الهدف الأساسي لإرسال قوات مسلحة إلى الخليج: بلادنا "الآن تستورد نصف احتياجاتها من النفط، وربما تواجه تهديدًا خطيرًا لاستقلالها الاقتصادي"36. وعلى الرغم من أن واشنطن طرحت مبررات، مثل تحرير الكويت وتدمير أسلحة الدمار الشامل، لتبرير تدخّلها العسكري في العراق (1991 و 2003)، فإن هدف ضمن استمرارية الإمدادات النفطية والتحكم في احتياطيات المنطقة، كانا من ضمن أولويات المصالح الأميركية، خصوصًا مع تزايد نفوذ اللوبي النفطي في ظل إدارة جورج بوش الابن. مع ذلك، لم يحل مبدأ نشر القوات محل سياسة التحالفات التي كانت سائدة قبل ذلك؛ لأن الحاجة إلى تسهيل استراتيجية الانتشار السريع كانت تقتضي استمرار العلاقات الثنائية بكبار منتجي النفط وتعزيزها، خصوصًا المملكة العربية السعودية. وبرزت أهمية سياسة التحالفات تلك في ضوء مجموعة من الأحداث التي شهدتها منطقة الخليج منذ عام 1979، تمثّلت في قيام الثورة الإيرانية والاجتياح السوفياتي لأفغانستان والحرب الإيرانية - العراقية37 والتدخل الأميركي في العراق بعد ذلك في عامي 1991 و.2003 حتى إن نجحت السياسة الأميركية في ضمن استمرارية تدفق النفط من منطقة الخليج وفق مصالحها من حيث كمية المعروض وسعره، مع تقليص مخاطر انقطاع الإمدادات وتهديدات القوى الاقتصادية المنافسة، الصين مثلً، فإن التكاليف السياسية والاقتصادية المصاحبة لذلك النجاح، بدت أحيانًا مُخيّبة، حيث زاد الوجود العسكري الأميركي والتدخل المباشر في شؤون المنطقة، من كراهية الولايات المتحدة في الخارج، كم أن نشر القوات المسلحة أداةٌ مُكلفةٌ اقتصاديًا وغير مرغوب فيها محليًا؛ الأمر الذي أدّى إلى طرح السؤال التالي في دوائر صنع القرار الأميركي: هل الانخراط السياسي الأميركي والوجود العسكري في منطقة الخليج ضروريان لضمن استمرار إمدادات النفط؟ وكيف يمكن التوفيق بين السياسة الأميركية العالمية لنشر الديمقراطية وحمية حقوق الإنسان ومصالح واشنطن في تأمين إمدادات النفط من المنطقة؟ من منظور ليبرالي، مع تراجع المدّ الشيوعي، فإن قوى السوق، وليست العوامل السياسية، هي التي سوف تحكم إمدادات النفط وسعره بغضّ النظر عمن يحكم في دول الخليج؛ لأن أنظمتها مستمرة في بيع النفط لضمن تحقيق مصالحها، حتى إن حدث انقطاع في إمدادات النفط الخليجي لأسباب غير سياسية، يمكن تجاوز الأمر عبر الاعتمد على منتجين جدد في مناطق أخرى38. وعمليًا، أكدت إدارة الرئيس جورج بوش الابن هذا التوجّه حين عبّت عن رغبتها في تنويع مصادر الطاقة والاستثمر في مصادر الطاقة البديلة للتحرر من التبعية لنفط منطقة الخليج، أو ما اعتبره بوش الإدمان الأميركي على النفط الذي يأتيها من دول غير مستقرة. وعلى نحو مفارق، بدا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أن نفط المنطقة أصبح مصدر تهديد للأمن القومي في الولايات المتحدة، لذا راحت استراتيجيات الأمن القومي الأميركي منذ عام 2002، تؤكد ضرورة تحقيق أمن الطاقة الأميركي وفق استراتيجية استقلالية وتنويع المصادر.
خامسًا: استراتيجية تقليل مصادر الطاقة الأميركية وتنويعها: هل تتراجع أهمية منطقة الخليج العربي؟
في الواقع، بعد أزمة النفط في عام 1973 بدأت الإدارات الأميركية المتعاقبة تُدرك مخاطر الافتقار إلى تبنّي خيارات متعددة ومختلفة لتحقيق أمن الطاقة بعيدًا عن منطقة الخليج، ليس أقلّها جعل الإدارة الأميركية خاضعة لحسابات حكومات تلك الدول الاقتصادية، أو حتى الخضوع للابتزاز السياسي، كم حدث خلال حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973. اعتمدت الإدارات الأميركية منذ ذلك الوقت على برامج لأجل استقلالية مصادر الطاقة. وبدأ مشروع استقلالية الطاقة الأميركي مع الرئيس نيكسون وفق ما أطلق عليه "برنامج الاستقلالية" Independence Project، الذي استهدف إنهاء الحاجة الأميركية إلى استيراد الطاقة خلال الثمنينيات، ومن أجله أ نشئت وكالة خاصةُ للبحث في شؤون الطاقة. وفي عام 1975، اقترح الرئيس الأميركي جيرالد فورد (1977-1974) مشروعًا لبناء 200 محطة للطاقة النووية في إطار تشجيع اعتمد الطاقة البديلة. وقد أعلن الرئيس جيمي كارتر أن استقلالية الطاقة هي المرادف الأخلاقي للحرب، بهدف رئيس
هو تحقيق استقلالية الطاقة بحلول عام 1990. ومنذ ذلك الحين بدأ الرؤساء الأميركيون بالحديث عن تحرير أميركا من التبعية لنفط الخارج39، لكنّ أيًّا من المشروعات لم يُحقق النتائج المرغوبة، وبقيت التبعية لنفط الخليج فاعلة، باستيراد نحو 28 في المئة من النفط بين عامي 1973 و 197840. تدريجيًا، أصبح يُنظر إلى حجم النفط الخام المستورد من الشرق الأوسط، وتحديدًا من دول الخليج العربية، باعتباره شكلً من أشكال التبعية، وبدأت تتصاعد معه أصوات الخبراء والاستراتيجيين الأميركيين بضرورة التقليل من الاعتمد على النفط الخليجي، حيث إن التبعية النفطية لدول الخليج، كم عبّ عنها جورج بوش الابن في خطابه عن حاله الاتحاد في عام 2006، بالإدمان على النفط، أصبحت تهديدًا واضحًا لأمن الطاقة الأميركي، وأمن أميركا القومي عمومًا، فقد أضحت تكاليف الحمية العسكرية لمصادر النفط وممرات نقله، ضخمةً، فضلً عن التكاليف السياسية لدعم أنظمة تسلّطية في مقابل النفط41. أصبح الاستهلاك الأميركي المتزايد للطاقة تحدّيًا سياسيًا واقتصاديًا، بأهمية متصاعدة، في السياسة الخارجية الأميركية، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، إذ ساهمت الأحداث في تحول النقاش نحو حجم تأثير التبعية المتزايدة لنفط الشرق الأوسط في تحقيق الأمن الاقتصادي والقومي الأميركي. وتمحور النقاش أكثر حول حجم التكاليف الكبيرة للتدخلات العسكرية الأميركية من أجل حمية تدفق النفط، سواء من حيث التكاليف المادية والبشرية42 أم حجم التنازلات السياسية في دعم الأنظمة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط. بحسب الباحث روغر ستارن Stern Roger، كلّف تأمين النفط في الشرق الأوسط، الولايات المتحدة نحو 7.3 ترليونات دولار أميركي خلال الفترة 2007-1976. وبحسب المحلل الاقتصادي دان فيرغانو Dan Vergano، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، كلفت حمية تدفق النفط الخام من الخليج 225 مليون دولار يوميًا. وكم اعتبر الأدميرال الأميركي السابق ديني ماكغاينDenny McGinn أن الولايات المتحدة دفعت في عام 2008 نحو 386 مليار دولار إلى الخارج من أجل الحصول على النفط، ويُعتبر هذا تحويلً ضخمً للثروة القومية إلى الخارج. وأكثر من ذلك، يذهب خُمس هذا المبلغ إلى دول تعتبرها واشنطن دولً خطرة على أمنها القومي، أو غير مستقرة، ما يضع الولايات المتحدة في مفارقة خدمة مصالحها الاقتصادية في تأمين الطاقة وتقويض مصالحها السياسية في محاربة الإرهاب ودعم الديمقراطية43. تأسيسًا على ذلك، بدأت إدارة بوش الابن تطرح مفهومًا جديدًا لأمن الطاقة. واستندت سياسة الطاقة الأميركية الجديدة إلى تقرير مجموعة تطوير سياسة الطاقة الأميركية NEPDG، وهو جهاز أسّسه بوش ورأسه نائبه ديك تشيني. ففي تقريره النهائي عن سياسة الطاقة القومية المعروف ب "تقرير تشيني"، دعا الحكومة إلى مباشرة مبادراتها لتعزيز الحاجة المتصاعدة إلى الطاقة. وحتى إن ركّز التقرير على ضرورة تحصيل الطاقة، استجابة للحاجة المتزايدة التي من المتوقع أن ترتفع، بالاعتمد على الموارد الطاقوية الداخلية والطاقة البديلة، فإن التقرير دعا أيضًا إلى تعزيز الاعتمد على المصادر الخارجية من مناطق مختلفة44 لتقليص مخاطر الصدمات النفطية. أما استراتيجية الرئيس باراك أوباما لأمن الطاقة، فركّزت أكثر على الاستثمر في الطاقة النظيفة والمتجددة، مثل الرياح والشمس والوقود الحيوي، بهدف الوصول إلى تغطية نسبة 80 في المئة من الحاجة المحلية إلى الطاقة من مصادر داخلية بحلول عام 203545. وعلى الرغم من اتفاق إدارتي بوش وأوباما على ضرورة تقليل الاعتمد على النفط المستورد من منطقة الخليج، وفي حين كانت إدارة بوش "الجمهورية" أكثر اعتمدًا على ضرورة تنويع مصادر الطاقة الأميركية، ركّزت الإدارة "الديمقراطية" في عهدي أوباما على إيلاء أهمية للطاقة البديلة46. في ضوء ذلك، استندت خطة أمن الطاقة الأم كيرر الجديدة إلى استراتيجيتي "الاستقلالية" و"التنويع". وبينم تعني الاستراتيجية الأولى السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي عبر مزيد من مساعي التنقيب عن الطاقة الأحفورية والاستثمر في مجال الطاقة البديلة، استندت الاستراتيجية الثانية إلى تقليل التبعية لإمدادات النفط، خصوصًا تلك الآتية من الخليج من خلال تنويع المورّدين أساسًا، ومن خلال الاعتمد على النفط المستورد من الدول المجاورة، مثل: كندا والمكسيك، وحتى من بحر الشمل وأميركا الجنوبية وآسيا الوسطى وغرب أفريقيا.
1. استراتيجية الاستقلالية
أدّت تقلبات أسعار النفط والابتكارات التقنية ودخول دول جديدة إلى سوق النفط، إضافة إلى زيادة الحساسية لخيارات السياسات البيئية، إلى تغيير وجه النقاشات الدائرة بشأن أمن الطاقة في الولايات المتحدة
خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وأصبحت الولايات المتحدة التي كانت أكثر دول العالم استهلاكًا واستيرادًا للنفط من الشرق الأوسط، بعد أحداث 11 سبتمبر أكثر حساسية لتحقيق أمنها النفطي بالاعتمد على دول الخليج والشرق الأوسط عمومًا، لذا تسعى، عبر استغلال التطورات الهائلة في تكنولوجيا الطاقات البديلة، لتقليل اعتمدها على نفط الشرق الأوسط خلال الأعوام المقبلة47. في الأعوام الأخيرة، باتت الولايات المتحدة تنتج نسبة أكبر من نفطها الخاص، وتستهلك أقل بسبب ارتفاع معدل إنتاج النفط نتيجة التحسينات التي أدخلت إلى تكنولوجيا التصديع المائي، وكذلك التحسينات في مجال كفاءة الطاقة. كم تشهد الولايات المتحدة اليوم ثورة في الوقود الصخريShale Energy الذي قلب خريطة الطاقة العالمية48، خصوصًا أن التفكير عالميًا في مستقبل ما بعد النفط، بدأ يحظى بأهمية كبُرى في ظل دعوات تنذر بقرب نضوب النفط، بحسب أنصار ما يُعرف بنظرية ذروة النفطTheory49 Oil Peak، أو قمة إنتاج النفط؛ أي النقطة التي تتوقف فيها مخرجات النفط الأحفوري عن الزيادة، ويبدأ معها إنتاج النفط بالتراجع تدريجيًا50. فعليًا، منذ عام 2012، انخفض استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة بسبب تحسين التقنيات المستخدمة في وسائل النقل التي تؤدي إلى حرق وقود أقل، وكذلك بسبب ارتفاع مستوى الإنتاج المحلي الأميركي من الطاقة بنحو 30 في المئة في عام 2012 مقارنة بعام 2008. وهكذا أضحت الولايات المتحدة تتّجه تدريجيًا إلى تحقيق اكتفاء ذاتي في مجال الطاقة، بما يحتمل أن يكون له انعكاسات مهمة على سياستها الطاقوية في منطقة الخليج
2. استراتيجية التنويع
يقتضي تقليص آثار أي توقف في إمدادات نفط الخليج ضرورة تنويع مصادر الإمدادات النفطية وتعدد طرائق نقلها. ويُعدّ البحث عن مصادر جديدة للطاقة هدفًا أميركيًا في إطار استراتيجيتها الجديدة لأمن الطاقة. إن الاعتمد على مصدر واحد للطاقة هو مصدر تهديد حقيقي للأمن القومي الأميركي، لأنه يُعرّض اقتصاد الولايات المتحدة لخطر الصدمة المفاجئة، في حين يجعلها عرضة لتقلّب الأسعار51. وأوصى تقرير "مجموعة تطوير سياسة الطاقة الوطنية" التي أسّسها بوش الابن بضرورة تنويع مصادر الطاقة في مناطق مثل: بحر قزوين وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية، لتقليص الاحتملات السلبية لانقطاع الإمدادات على الاقتصاد الأميركي من منطقة الخليج التي تتسم باستقرار هش. وذكر وكيل وزارة الطاقة الأسبق، ستيوارت إيزنستات، في عام 2002 "أن اعتمدنا على نفط الخليج العربي عامة، والمملكة العربية السعودية خاصة، سيُعرّضنا للهجوم في الخارج وفي الوطن على حد سواء"52. في الواقع، يمكن التوترات في منطقة الخليج العربي أن تقوّض مصالح الأمن القومي الأميركي؛ فالاعتمد الأميركي الكبير على واردات النفط من مناطق تُصنّفها واشنطن بأنها غير مستقرة، أو حتى عدائية، تُقلّص من فرص تحقيق أمن الطاقة الأميركي، حيث تبقى معرّضة باستمرار لمخاطر تقلبات الأسعار وانقطاع الإمدادات. وحاجة الولايات المتحدة إلى إمدادات مستقرة وثابتة من النفط، تعني أنها في حاجة إلى نفقات عسكرية مُكلفة53. يعتمد الاستقرار بعيد المدى للاقتصاد الأميركي على ضمن إمدادات النفط من دول مستقرة، بينم تظهر الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط حجم المخاطر المحدقة بالاقتصاد الأميركي من حيث تقلّبات الأسعار وثبات الإمدادات؛ إذ ارتفعت الأسعار على نحو كبير بسبب المخاوف من انقطاع الإمدادات عبر قناة السويس بسبب الأحداث في مصر في عام 2012، وهي مجرد دولة ممر، فكيف سيكون الوضع في حال انتقال الاضطراب إلى كبار المنتجين من دول الخليج العربية؟ أدّت أحداث "الربيع العربي" فعلً إلى حصول اضطرابات في إمدادات الطاقة، حيث أثّرت الصراعات الداخلية في الإنتاج والتصدير في بعض الدول، مثل: ليبيا. ثم إن عدم الثقة بشأن الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، بما في ذلك دول الخليج العربية، يمكن أن يكون له تأثير بالغ في ارتفاع الأسعار، فمثلًارتفع سعر البرميل قرابة 20 في المئة مباشرة بعد الانقطاع في إمدادات النفط الليبية، ويكمن الخطر الحقيقي على الأمن الاقتصادي والقومي الأميركي في إمكان انتقال الاضطراب إلى أهم منتجي النفط في الخليج، المملكة العربية السعودية؛ فأي اضطراب في السعودية تعجز عن احتوائه سوف يكون التهديد الحقيقي لأمن الطاقة الأميركي في الأعوام المقبلة. في ضوء هذه المعطيات والعوامل الاقتصادية والسياسية والتقنية المتداخلة، هل يمكن أن يعني الاستقلال المتنامي للولايات المتحدة في مجال الطاقة أن في وسعها أن تكون أقل قلقًا حيال تأمين نفط منطقة الخليج العربي؟
يمكن التحليلات القائمة على افتراضات النظرية الليبرالية للاقتصاد السياسي الدولي أن تجادل إمكان استقلالية أمن الطاقة الأميركي عن منطقة الخليج العربي، بفضل الطاقة البديلة وتكنولوجيا النفط الصخري من جهة، وباعتمدها على جارتيها كندا والمكسيك، وهم من الدول المستقرة وذات العلاقات الجيدة بالولايات المتحدة، لتغطية الطلب المحلي من جهة أخرى. من شأن ذلك أن يعمل تدريجيًا على تحرير سياسة أمن الطاقة من التبعية لنفط الخليج وتكاليف حمية ناقلات النفط. فإذا كانت الولايات المتحدة ترى في نفط المنطقة مجرد سبب للثروة الاقتصادية، يمكن الليبرالية، حينئذ، أن تجادل أن الولايات المتحدة أصبحت تملك من البدائل ما يجعلها قادرة على تأمين حاجاتها من الطاقة، وذلك يعني تراجع منطقة الخليج من سلّم أولويات سياسة الطاقة الأميركية. فهل فعلً كل ما يعني الولايات المتحدة من نفط المنطقة هو الثروة؟ تُحيلنا النظرية الماركنتيلية للاقتصاد السياسي الدولي نحو رأي مغاير.
سادسًا: سياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج من منظور ماركنتيلي: الثروة في خدمة القوة
انطلاقًا من فرضية خضوع إيجاد الثروة لتعظيم القوة، يرجّح التحليل الماركنتيلي للاقتصاد السياسي استمرارية الاعتمد الأميركي على النفط الخليجي وفق معادلة أن النفط ينتج الثروة، وأن الثروة تنتج القوة، وبالقوة تستمر الهيمنة الأميركية. وأصبح أمن الطاقة مرتبطًا بالأمن القومي الأميركي، بعيدًا عن حسابات السوق التي تزعمها الليبرالية الاقتصادية، وبينم تجادل الليبرالية بكفاية مصادر الطاقة الجديدة، لا تزال الماركنتيلية تؤكد أهمية مصادر الطاقة التقليدية، حيث لا يمكن الاعتمد على أي من البدائل الأخرى لتحلّ محل النفط. وبناء عليه، أولوية المصالح الاستراتيجية الأميركية هي التي سوف تمنع الولايات المتحدة من التفكير في الابتعاد عن نفط منطقة الخليج حتى وهي قادرة، أو على وشك تحقيق القدرة على تأمين أمنها من مصادر الطاقة بفضل استراتيجيتي الاستقلالية والتنويع. تُظهر دراسات وتقارير عدة أن الاستراتيجية الأميركية لتأمين الطاقة في منطقة الخليج، كانت مُكلفة جدًا54، وهذا ما يدعو إلى التساؤل: هل كان النفط هو وحده ما تبحث عنه الولايات المتحدة؟ أم اعتبارات الهيمنة أيضًا؟ فالأموال التي أنفقتها الولايات المتحدة لو استثمرتها في مجال الطاقة البديلة أو الاستيراد من مناطق قريبة، مثل كندا والمكسيك، لكانت كافية لتلبية الطلب المحلي بصورة أسهل وبتكلفة أقل. لذا، فالنفط باعتباره مصلحة اقتصادية، لم يكن المبرر الوحيد وراء الإدمان على نفط الخليج؛ إذ إن لاعتبارات الهيمنة والنفوذ دورًا أيضًا. وفقًا لحسابات الربح والخسارة، تبقى سياسة نشر القوات المسلحة الأميركية في الخليج أداةً مُكلفة، مقارنة بحجم العوائد الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، استنزفت الحرب على العراق بين عامي 2003 و 2010، نحو 704 مليارات دولار. وإذا نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر اقتصادية، فإن التكاليف أكبر من المكاسب، وهذا ما يُرجّح أن هدف تأمين مصادر الطاقة لم يكن الهدف الوحيد من الحرب، وهنا لا بد من مقارنة التكلفة بالعائد في إطار أوسع من النفط، وهو البحث عن الهيمنة55. وهذا ما يؤكد أن الولايات المتحدة تسعى، من واقع سياستها الخارجية لأمن الطاقة، لتحقيق مكاسب تعظيم القوة باعتبارها أولوية على حساب مكاسب إيجاد الثروة. يتمحور السعي الأميركي للهيمنة على منابع النفط في الخليج، حول أهداف عدّة، لعل في مقدمها تحقيق هدف الهيمنة الكاملة على شؤون العالم من خلال التحكم في موارد الطاقة الحيوية اقتصاديًا وسياسيًا، ما يمنحها القدرة على ممرسة النفوذ وتحييد القوى المنافسة التقليدية، وقطع الطريق أمام القوى الإقليمية والدولية الصاعدة من أن تنهج نهجًا معاديًا للمصالح الأميركية، فضلً عن رسم حدود حركة هذه القوى في اقتصاد القرن الحادي والعشرين56. في الواقع، يبقى هناك الكثير من الاعتبارات السياسية والاستراتيجية التي سوف تمنع الولايات المتحدة من التفكير في الابتعاد عن منطقة الخليج حتى وهي قادرة أو على وشك تحقيق القدرة على تحقيق استقلالها الطاقوي، بل إن تزايد إنتاج الطاقة من الولايات المتحدة، يُضاعف نفوذ واشنطن بقوة ويفتح أمامها المجال لتعزيز مصالحها بحزمٍ أكبر على مختلف الجبهات. وأهم هذه الاعتبارات: إذا كانت الليبرالية تعتد بآلية السوق (قانون العرض والطلب) لتفسير الانخفاض المستمر في أسعار الطاقة العالمية منذ عام 2014، فإن الماركنتيلية تؤكد دور المصالح القومية في تحديد الأسعار. فبحسب التحليل الماركنتيلي، مردّ سبب تراجع أسعار النفط سياسي في الأساس، اتفاق بين السعودية والولايات المتحدة موجّه ضد إيران وروسيا للضغط الاقتصادي عليهم لإجبارهم على تقديم تنازلات سياسية، لذا من مصلحة الولايات المتحدة أن تبقى متحكمة في قرار أهم منتجي النفط في الخليج حتى تستمر في استخدام النفط آلية للمكافأة والعقاب في سياستها الخارجية تجاه القوى الإقليمية والدولية المتحدية. فأهمية
المملكة العربية السعودية لا يكمن في أنها تملك أكبر احتياطي مؤكد من النفط فحسب، بل أيضًا في أنها تملك القدرة، بفضل حجم العرض الأكبر بين الدول المنتجة كلها، على تعديل حجم إنتاجها بما يؤثر على نحو حاسم في سوق النفط العالمية، ومن ثم يمكنها في وقت نقص العرض رفع الإنتاج لتعويض الفارق، كم فعلت عقب الغزو العراقي للكويت57. على نحو مفارق، يمكن أن يمنح الشعور بتراجع اعتمد الولايات المتحدة على نفط الخليج مساحة جديدة لواشنطن للمناورة السياسية؛ فانخفاض الطلب الأميركي على استيراد النفط، يعني أن "سلاح النفط" لن يكون مجديًا مستقبلً لكبرى دول الخليج العربية المنتجة للنفط في الضغط على الولايات المتحدة. كم قد يحدّ من تأثير "الخضوع للنفط" أمام اتّباع الولايات المتحدة سياسة الضغط، في مقابل إحداث التغيرات السياسية في الدول غير الديمقراطية في المنطقة. فضلً عن أن انخفاض أسعار النفط، ومن ثم تراجع العائدات، سوف يحدّ، وفق وجهة النظر الأميركية، من قدرة الأطراف الفاعلة في المنطقة على دعم الإرهاب، ما سيعمل على تشجيع رفع درجة التعاون الإقليمي الفاعل مع الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب58. من المحتمل أن يوجد تقليل الاعتمد الأميركي على نفط منطقة الخليج العربي الانطباع بأن الولايات المتحدة تتراجع عن دعم حلفائها في المنطقة. وإذا شعرت الجهات المعادية للمصالح الأميركية في المنطقة أن التزام واشنطن بأمن دول الخليج العربية، يتضاءل، فإنها قد تُقرّر الاستفادة من الوضع، ما من شأنه إلحاق الضرر بالمصالح الأميركية هناك. كم من شأن ارتفاع إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة، أن يقلل فرص توسيع الإنتاج أمام الجهات المنتجة في الشرق الأوسط، وهذا مسارٌ قد يُقوّض ثبات الازدهار القائم على النفط ويُحفّز عدم الاستقرار على المستوى المحلي59. يوحي الحديث عن استقلالية الطاقة الأميركية بأن الولايات المتحدة لن تتأثر بالتقلبات في أسعار النفط وأسواق الطاقة، لكن اقتصاد حلفائها في أوروبا وآسيا سيتأثر حتمً بهزات الأسعار، ما من شأنه أن يؤثر في الاقتصاد الأميركي المرتبط باقتصادات حلفائه، فالولايات المتحدة تستورد سلعًا آسيوية، يُعدّ النفط الخليجي عاملً رئيسًا في إنتاجها، وبناء عليه، سيُلحق ارتفاع أسعارها الضرر تباعًا بالاقتصاد الأميركي60. من المحتمل أن تكون بعض الطاقات المحلية البديلة المعوّل عليها لتحقيق أمن الطاقة الأميركي، مكلفًا في المنظور المتوسط أو البعيد، وعلى سبيل المثال، فإن مادة الإيثانول Ethanol التي تصور داخل الولايات المتحدة على أنها مستقبل محركات السيارات، تُنتج من قصب السكر والذرة والشمندر، وكلها مواد غذائية، ولاحقًا لا بد من أن تتأثر أسعار المواد الغذائية، ما سيُسبب أزمة عالمية إذا ما استمرّ إعطاء الأولوية لمادة الإيثانول باعتبارها وقودًا61. سيكون تقليل الاعتمد الأم كيرر على نفط منطقة الخليج مغامرة اقتصادية، حيث قد تضطر الولايات المتحدة معها إلى استنزاف احتياطياتها النفطية بسرعة، وذلك ما لن تُقدم عليه باعتبارها قوة كبرى تُبقي استعدادها لأسوأ السيناريوهات الممكنة. فضلً عن أن احتياطيات النفط الخليجي، خصوصًا لدى السعودية والإمارات والكويت، أكثر بكثير مم يتوافر لدى بلدان أخرى. وأثبتت بعض الأزمات الأخيرة أن هذه الدول وفي مقدمها السعودية، هي من في وسعها ضخّ الإمدادات في حالة نقص المعروض في السوق العالمية62. إن سياسة أميركية انعزالية تجاه منطقة الخليج العربي، سوف تعزلها عن ممرسة الضغوط السياسية تجاه منطقة الشرق الأوسط، في حين تبقى واشنطن ملتزمة بتحقيق أمن إسرائيل، وحيث إن منطقة الخليج العربي تبقى مرتبطة بالصراع العربي - الإسرائيلي، ستبقى هناك فرصة قائمة من حيث إن الارتباط بين النفط والصراع العربي - الإسرائيلي يمكن أن ينفجر في وجه أميركا، كم حصل في عام 1973، على الرغم من أن مخاطر ذلك قد تقلّصت92. بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، اتّجه النقاش في الولايات المتحدة بشأن علاقة النفط بالأجندة الأمنية الأميركية. وبذريعة سوء حوكمة النفط الخليجي، تظهر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تغييرًا في سياستها لأمن الطاقة حيال المنطقة، بالانتقال من هدف ضمن الوصول الحر إلى نفط دول الخليج، إلى الضغط على الأنظمة القائمة باتجاه استغلال أفضل لموارد النفط؛ أي الانتقال
من "نفط حر" إلى "تحرير النفط". وواقع اهتمم إدارة ترامب بالمصالح الاقتصادية الأميركية في دول الخليج العربية، وفي مقدمها السعودية، يضعف فرضية الانسحاب الأميركي من منطقة الخليج.
خاتمة
لا يوجد تعريف ثابت يمكن أن توصف به سياسة الطاقة الأميركية، فمن واقع السياسات الأميركية المتبعة في هذا الشأن، يمكن ملاحظة أن سياسة الطاقة الأميركية تتعلق أحيانًا بأهداف إيجاد الثروة الاقتصادية، وفي أحيان أخرى بتعظيم القوة السياسية؛ إذ تتحكم الاعتبارات الاقتصادية في سياسة الطاقة الأميركية، ولا سيم مسألة الحصول على النفط، باعتباره سلعةً يرتكز عليها النمو الاقتصادي العالمي بأسعار معقولة وعلى نحو مستمر. كم أنه في ظل استمرار اعتمد الولايات المتحدة على الخارج لتوفير حاجاتها من الطاقة، لا بد من أن يُنظر إلى النفط باعتباره سلعة استراتيجية حيوية للأمن القومي الأميركي. كثيرًا ما اعتبرت حقول النفط في منطقة الخليج العربي بمنزلة الضامن لاقتصاد عالمي مستقر. ولهذا اعتمدت الولايات المتحدة على دول الخليج، ومن خلال الشركات النفطية الأميركية من أجل صناعة النفط والتنقيب عنه وإنتاجه وتسويقه. غير أن أزمة النفط في عام 1973، ساهمت في إخراج منطقة الخليج من دائرة السوق الاقتصادية، إلى دائرة الأمن القومي الأميركي، ولأجل ذلك تعزّز دور الشركات النفطية الأميركية في المنطقة بوجود عسكري مباشر منذ إعلان "مبدأ كارتر". أثبتت أزمة الحظر العربي للنفط في عام 1973 كم هو وهمي الخط الفاصل بين اقتصاد الطاقة وسياستها، وبدلً من استمرار النفط والسياسة الأميركية في مسارات منفصلة، أوجد الحدث مسالك للربط بينهم. وتبيّ أن أمن الطاقة الأميركي، ترتبط فيه مسائل الاقتصاد المرتبطة بالعرض والطلب، بمسائل السياسة المتعلقة بالنفوذ والقوة، لذا أصبح أمن الطاقة الأميركي يُعرف في سياق الحيّز المشترك للاقتصاد والسياسة؛ إذ ينبغي ألا يُختزل الاهتمم الأميركي بنفط الخليج في عرض الإمدادات، إنما يجب أن يتعدّاه نحو الأمن القومي. حتى إن نجحت السياسة الأميركية في ضمن استمرارية تدفق النفط من منطقة الخليج وفق المصالح الأميركية من حيث كمية المعروض وسعره، مع تقليص مخاطر انقطاع الإمدادات، فإن الإدمان الأميركي على النفط الخليجي أصبح تحديًا سياسيًا واقتصاديًا في النقاش بشأن أمن الطاقة الأميركي، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث أدّت التكاليف السياسية والاقتصادية المصاحبة لتحصيل نفط الخليج، إلى تحوّل النقاش بشأن أمن الطاقة الأميركي نحو تبعات تأثير التبعية المتزايدة لنفط المنطقة في الأمن الاقتصادي والقومي الأميركي، لتعيد استراتيجيات الأمن القومي الأميركية منذ عام 2002 تفعيل مشروع استقلالية الطاقة الأميركية عن الارتباط بالنفط الخليجي عبر الاستثمر في الطاقات البديلة وتنويع المورّدين. في الواقع، حتى مع الحمسة الأميركية لتحقيق استقلالية الطاقة، لا تزال تشير التوقعات إلى أن الولايات المتحدة ستبقى دولة مستوردة للنفط بحلول عام 2030؛ إذ ستبقى في حاجة إلى تغطية ما يقارب 30 في المئة من حاجاتها عن طريق الاستيراد. وفي ضوء ذلك، ستبقى منطقة الخليج العربي ذات مكانة مهمة في الإدراك الأميركي لأمن الطاقة اليوم ومستقبلً؛ لأن سوق النفط هي سوق عالمية موحدة، لن تستسلم الولايات المتحدة لقانون السوق الحرة الذي يُهدّد القيادة الأميركية للنظام الاقتصادي العالمي، وستبقى لديها مصلحة في منع أي دولة أو جمعة داخلية معادية من تحصيل السيطرة على نفط منطقة الخليج، يمكن أن تستخدمه على نحو يضرّ المصالح الأميركية. كم لا يبدو خيارًا عقلانيًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، الاعتمدُ بالكامل على مواردها من الطاقة إلى درجة الاستنزاف، فهي في الغالب تفضّل الاحتفاظ بجزء من احتياطياتها النفطية لمواجهة احتملات المستقبل المختلفة. وبناء عليه، فإن ارتفاع تكلفة استخراج الغاز والنفط الصخريين يجعل من العقلاني بالنسبة إليها، في الوقت الذي يتم فيه الاعتمد على تلك الموارد، الاستمرار في الاعتمد، ولو جزئيًا، على الواردات من دولالخليج العربية. لا جدال في أن الولايات المتحدة تبحث عن الثروة من خلال سياستها لأمن الطاقة في منطقة الخليج العربي، لكن اعتبارات القوة السياسية في منطقة استراتيجية لحزمة من المصالح القومية الأميركية، ستجعل واشنطن تمنح الأولوية لأهداف الأمن القومي في استمرارية الهيمنة الأميركية. فإذا كان النفط مصدرًا للثروة، وكانت الثروة مصدرًا للقوة، فإن الولايات المتحدة لن تتخلّ عن نفط منطقة الخليج حتى وهي قادرة على ذلك، ما يُرجّح الفرضية الماركنتيلية لخضوع إيجاد الثروة لتعظيم القوة في تفسير سياسة الطاقة الأميركية حيال المنطقة.
المراجع
العربية
أبو عجيلة، أبو بكر المبروك بشير. "أثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط (2008-2001)". أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية. كلية الدراسات الاقتصادية والاجتمعية. قسم العلوم السياسية. جامعة الخرطوم. الخرطوم، السودان،.2010
توفيق، سعد حقي. "التنافس الدولي وضمن أمن النفط". العلوم السياسية. جامعة بغداد. العدد 43 (كانون الثاني/ يناير.)2011
حبيب، هاني. النفط استراتيجيًا وأمنيًا وعسكريًا وتنمويًا: مصدر ال وررة والطاقة والأزمات. ب وررت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع،.2006
عبد العاطي، عمرو. أمن الطاقة في السياسة الخارجية الأميركية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 عبد الوهاب، لهب عطا. دراسات في الطاقة: أمن الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية. المنامة: مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة،.2012
علوي، مصطفى. "خريطة جديدة: تحولات أمن الطاقة ومستقبل العلاقات الدولية". السياسة الدولية. العدد 204 (نيسان/ أبريل.)2016
علي، سليم كاطع. "أثر النفط في التوجه الأمريكي تجاه منطقة الخليج العربي بعد الحرب الباردة". دراسات دولية. العدد 57 (نيسان/ أبريل.)2014
كلاوسون، باتريك وسايمون هندرسون. "سياسة الطاقة: أمريكا والشرق الأوسط في عصر الوفرة النفطية". معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. المجهر السياسي، العدد 146 (تموز/ يوليو 2016). ف:ي https://bit.ly/2NiHyiQ كلير، مايكل. دم ونفط: أمريكا واستراتيجيات الطاقة إلى أين؟ ترجمة وتحقيق أحمد رمّو. بيروت: دار الساقي،.2011
محمد، خديجة عرفة. أمن الطاقة وآثاره لاستراتيجية. الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية،.2014
الأجنبية
Baumann, Florian. "Energy Security as Multidimensional Concept." Center for Applied Policy Research. Policy Analysis. no. 1 (March 2008).
Cordesman, Anthony H. "The Myth of U.S. Energy Independence and the Realities of Burden Sharing." Report. Center for Strategic and International Studies. 26/10/2013. at: http://bit.ly/2QdAWVO
"Energy Security Issues." The World Bank Group. 5/12/2005. at: http://bit.ly/2VPhXqZ
Falkner, Robert. "International Political Economy." Undergraduate Study in Economics, Management, Finance and the Social Sciences. London School of Economics (2011). at: http://bit.ly/2LSANJ2
Gause, F. Gregory. Oil Monarchies: Domestic and Security Challenges in the Arab Gulf States. New York: Council on Foreign Relations, 1994.
Graefe, Laurel. "The Peak Oil Debate." Economic Review. vol. 94, no. 2 (2009).
Isbell, Paul. "The Riddle of Energy Security." Elcano Royal Institute. Analyses of the Elcano Royal Institute. no. 67 (April 2008). at: http://bit.ly/2HDlWwF
Jaffe, Amy Myers. "Energy Security: Oil-Geopolitical and Strategic Implications for China and the United States." Institute for Public Policy of Rice University (July 2005). at: http://bit.ly/2W91z3S
Klare, Michael & Daniel Volman. "The African 'Oil Rush' and US National Security." Third World Quarterly. vol. 27, no. 4 (2006).
Levering, Ralph B. The Cold War, 1945-19 87. 2 nd ed. Arlington Heights, IL: Harlan Davidson, 1988.
Momayezi, Nasser & R.B. Rosenburg. "Oil, the Middle East and U.S. National Security." International Journal of Humanities and Social Science. vol. 1, no. 10 (August 2011).
Morse, Edward L. "A New Political Economy of Oil?" Journal of International Affairs. vol. 53, no. 1 (Fall 1999). Sandalow, David. "Ending Oil Dependence, Protecting National Security, the Environment and the Economy." Report. The Brookings Institution. 28/2/2007.
Veseth, Michael. "What is International Political Economy?" University of Puget Sound. UNESCO International Encyclopedia Project (2004). updated & revised (2015). at: http://bit.ly/2JZlKLh
Yergin, Daniel. "Ensuring Energy Security." Foreign Affairs. vol. 85, no. 2 (March-April 2006).