العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الهجرة القسرية للأقليات الإثنية والدينية في المناطق المتنازع عليها في العراق: دراسة حالة الأقلية الإيزيدية بعد عام 2014

الهجرة القسرية للأقليات الإثنية والدينية في المناطق المتنازع عليها في العراق: دراسة حالة الأقلية الإيزيدية بعد عام 2014

The Nation-State in the Transition of Islamic Thought in the Indian Subcontinent

ماجد حسن علي| Majid Hassan Ali *

الملخّص

تتناول هذه الدراسة الهجرة القسرية والنزوح الداخلي للأقليات الإثنية والدينية في المناطق التي تسمى "المتنازع عليها" في العراق، من خلال التركيز على الأقلية الإيزيدية. فمنذ الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، جرى استهداف سكان هذه المناطق من التنظيمات "الجهادية" والجماعات المسلحة، ولا سيما أبناء الأقليات الدينية غير المسلمة، ووصل الأمر إلى ذروته بعد غزو تنظيم الدولة الإس مااية في العراق والشام "داعش" معظم تلك المناطق عام 2014 وارتكاب عمليات إبادة جماعية بحق الأقلية الإيزيدية، فوقع الفرار والتشريد والنزوح والهجرة القسرية إلى المناطق الكردية في الشمال، وإلى المناطق العربية في وسط العراق وجنوبه. وكانت هذه الأقلية من أكثر الجماعات التي نزحت نزوحًا شبه كامل إلى مدن إقليم كردستان. تغطي هذه الدراسة التطورات والفجوات السياقية التي تتعلق بإحدى الأقليات العراقية في المناطق المتنازع عليها، وتناقش أساسًا العوامل والعقبات التي تقف وراء عدم عودة النازحين الإيزيديين إلى منطقة سنجار.

Abstract

​The Muslim response to colonialism has varied country to country and region to region. The dawn of colonialism created ruptures in Muslim political reasoning, forcing them to find and reconfigure an Islamic response to the changing political realities. The Indian subcontinent never came under an Islamic Caliphate of the Umayyad or Abbasid Empires. Most military expansionist ambitions in India stemmed from the volatile Central Asian Khanates who played a major strategic role between the Caliphate and Indian subcontinent, preventing the Caliphate from controlling India directly and maintaining an advanced independent politics. This paper profiles the political context of Muslim political thought and its response to the rise of nation-state, which was shaped more of political realism, setting aside the Islamic vocabularies of Dar al Islam or Dar al Harb. This paper concludes that, the South Asian Muslim mind had accepted nation-state either in its composite or in a distinctively Muslim format which resulted in the two nation-states of India and Pakistan. Both formats have evolved within a strong Islamic context that challenges Pakistan's "Islamic credentials" against India.

الكلمات المفتاحية:
  • دار الإسلام
  • الهند
  • الطابع الإقليمي
  • الدولة الوطنية
  • الطابع الوطني
  • الخلافة
Keywords:
  • Dar al Islam
  • India
  • Regional Character
  • Nation-state
  • National Character
  • Caliphate

Forced Migration of Ethnic and Religious Minorities in the Disputed Territories of Iraq: A Case Study of the Yazidi Minority after 2014

مقدمة

شهد العراق غداة حرب الخليج الثالثة والغزو الأميركي للعراق في عام 2003 تطوراتٍ سياسيةً واسعةً، أفرزت واقعًا جديدًا لفئات المجتمع العراقية كافة؛ إذ نشبت صراعات دينية ومذهبية وقومية عنيفة في مختلف مناطق العراق، وتسببت في معاناةٍ ودمار جسيميَن. وأدت هذه الصراعات إلى تشريد مئات آلاف العراقيين، وإلى موجات نزوح وهجرات جمعية كبيرة للجمعات الدينية والمذهبية داخل العراق وخارجه. وكانت إحدى تبعات تلك الصراعات تقسيم المناطق بين القوى والأحزاب التي تمثل الجمعات الكبرى المتصارعة (الشيعة، السنة، الكرد)؛ فظهر ما يسمى المناطق المتنازع عليها1 بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية العراقية، التي تتميز بالتنوع العرقي والديني والمذهبي، وهي موطن أغلبية الأقليات الدينية والإثنية، ولا سيم الأقلية الإيزيدية في سنجار وشيخان، ومن ضمنها سهل نينوى. أدت الصراعات الأهلية والهوياتية في العراق إلى نشوء عناصر ما يسمى المقاومة المسلحة والتطرف الإسلامي من داخل المذهبين الشيعي والسني، وتشكيل تنظيمت وميليشيات عسكرية، وإلى زيادة الكراهية والعداوات المذهبية والدينية. وتوسعت الشروخ الاجتمعية بين كثيرين من أبناء هذه المناطق، ولا سيم بعد انضمم العديد من المواطنين المسلمين ممّن يتبعون المذاهب الإسلامية السنية والشيعية إلى التنظيمت المسلحة بدوافع مختلفة؛ ما أدى إلى العنف المسلح وتسبب في تشريد ونزوح وهجرة مئات الآلاف داخليًا وخارجيًا. وقد جعل الاقتتال والمجازر بين المجموعات المتنازعة الأقليات العراقية ضحايا هذا الصراع، ومن بين هؤلاء الضحايا الأقلية الدينية الإيزيدية التي تعتبر مجموعة دينية من غير "أهل الكتاب". إذًا، ما حصل للأقلية الإيزيدية من مجازر وعمليات إبادة جمعية في تلك المناطق ما هو إلا إحدى نتائج الصراع المذهبي والديني في العراق2 الذي أدى إلى نزوحهم الاضطراري الجمعي المستمر من مناطقهم الأصلية إلى مناطق أكثر أمنًا، ولا سيم إلى مدن إقليم كردستان، ومنها انطلقت الهجرة إلى خارج العراق. ومعظم المناطق الإيزيدية في سنجار ما تزال غير مأهولة ومدمرة ومهجورة، وتقطن أغلبيتهم اليوم، وفق آخر التقديرات، في مخيمت إقليم كردستان، ويقدّر عددهم ما بين 250 و 003 ألف نسمة، بحسب الإحصاءات الرسمية لدائرة مجلس الإغاثة والشؤون الإنسانية التابعة لمحافظة دهوك لعام 2019. وفي سياق تطور هذه الأحداث وإفرازاتها، يمكن3طرح سؤالين إشكاليين: كيف نخلق أرضية مناسبة لعودة النازحين المستدامة من مخيمت إقليم كردستان إلى مناطقهم الأصلية؟ وما العوامل التي تعرقل عودتهم؟4تهدف هذه الدراسة إلى معرفة العوامل التي تعرقل عودة هؤلاء النازحين، وكذلك مناقشة التطورات وأنواع النزاعات والتقسيمت الداخلية للأقليات، باعتبارها من عوامل عرقلة هذه العودة وإمكان إعادة التصالح وتحقيق السلم الاجتمعي بين مكوّنات هذه المناطق. تستخدم الدراسة المنهج النوعي الكيفي. وقسّمت مبحثين رئيسين: الأول نظري وتاريخي، يتمثل بمرجعية معرفية للدراسة، جُمعت معلوماته من مصادر مختلفة، منها الأدبيات والتقارير والدراسات السابقة حول الموضوع، وقد جرى توظيف معلوماتها لدعم أسئلة البحث التي تتعلق بمسائل التغيرات الديموغرافية والنزوح والعودة. والثاني ميداني؛ إذ على الرغم من صعوبة إجراء العمل الميداني في ظل الحرب والصراع الدائرَين في العراق، فإنّ الباحث سعى، منذ بداية آب/ أغسطس 2019، لإجراء عدد من المقابلات مع النازحين، خلال زيارات إلى المخيمت، ولا سيم المخيمت الخاصة بالنازحين الإيزيديين في المدن والبلدات التابعة لمحافظة دهوك في إقليم كردستان. ونظرًا إلى صعوبة الوصول إلى مناطق العرب والمسلمين السنّة في سنجار لأسباب أمنية بحتة، ركزت المقابلات على اختيار عينة من النازحين الإيزيديين وإجراء مقابلات شبه منظمة معهم في إطار بداية متواضعة واستشارية للبحث، ومن ثمّ، أصبحت العينة المادة الرئيسة للمبحث الميداني، فحاولت من خلال المقابلات تقصّ الحقائق والاطلاع على الآراء للبتّ في كيفية تناول الموضوع. وفق المنهج المخطط، طرحت على الذين قابلتهم نحو أربعة عشر سؤالً، وقد أجريت المقابلات أولً عشوائيًا مع خمسة من أبناء

  1. المناطق المتنازع عليها هي مناطق على شكل خط فاصل بين العرب جنوبًا والمنطقة الكردية شمالً، وتشمل معظم محافظة كركوك والأقضية والنواحي التابعة لمحافظة نينوى
  2. U.S. Department of State, The Bureau of Democracy, Human Rights, and Labor, International Religious Freedom Report 2008 , Iraq, 19/9/2008, accessed on 19/4/2021, at: https://bit.ly/3ntsbYE 3 يشمل هذا العدد جميع الإيزيديين في سنجار ومناطق سهل نينوى بموجب إحصاء لمجلس الإغاثة والشؤون الإنسانية التابعة لمحافظة دهوك BRHA، تقرير مفصل لعام.2019 Duhok Governorate, Board of Relief and Humanitarian Affairs (BRHA), Executive Directorate, "IDPs and Refugees in Duhok Governorate: Profile and General Information," 2019.
  3. وأجزاء من ديالى، تقطنها أقليات متعددة، منها الأقلية الإيزيدية التي تمتد مناطقها من قضاء سنجار إلى قضاء شيخان، وبينهما عدد كبير من القرى والبلدات، ولا سيما في سهل نينوى. وجدير بالذكر هنا أنّ الدستور العراقي الدائم لعام 2005 حدد آلية معالجة النزاع على هذه المناطق وفق المادة 140 منه، إلا أنّ هذه المادة لم تطبق وبقيت آليات التطبيع من دون حل حتى الآن.
  4. إلى جانب هذه الأسئلة، طرحتُ أسئلة إضافية عدة على النازحين عن طريق المقابلات الشخصية حول مسألة العودة، وحللتها ووظفت معلوماتها في الدراسة. للاطلاع على الأسئلة المطروحة في المقابلات، ينظر الملحق في آخر هذه الدراسة.

الأقليات غير الإيزيديين، في أحد المخيمت المجاورة لمدينة دهوك، للوقوف عند أسباب هجرتهم، وكانت أغلبيتهم من المذهب الشيعي. وبعدها، أجريتُ مقابلات شبه منظمة مع 25 شخصًا من أبناء الأقلية الإيزيدية في ثلاثة مخيمت منتشرة في البلدات التابعة لمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق. وشمل كل مخيم التوزيع الجغرافي المتنوع لمنطقة سنجار بشكل عام، وراوحت أعمر من قابلتهم بين 18 و 80 عامًا، أي الفئة العمرية المناسبة التي يمكن استقاء المعلومات الضرورية منها، ذلك أنّ جميع الذين قابلتهم مدركون لأوضاعهم وممن تضرروا من غزو داعش، وفقد بعضهم أفرادًا من عائلته ودُمّرت بيوتهم. ولتلبية بعض متطلبات الدراسة، أجريتُ مقابلات عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتمعي المتوافرة من أجل إغناء المعلومات وتوثيقها. وللحفاظ على خصوصيات من قابلتهم، حجبت أسمءهم بدوافع أمنية ومهنية أخلاقية. وإضافة إلى ما سبق، كان هناك اعتبار خاص في إجراء المقابلات مع بعض من ممثلي الأقليات الذين يعملون رسميًا في دوائر الحكومة المركزية وحكومة الإقليم من أجل معرفة الأسباب الحقيقية التي تعرقل عودة النازحين، والوقوف عند حيثيات دور الأجهزة الأمنية والاطلاع على المواقف الرسمية للحكومتين، المركزية والإقليمية، بشأن مدى جدّيتهم في تشجيع عودة النازحين إلى تلك المناطق التي تقع خارج إطار صراعاتهم. بعد عملية جمع المصادر والبيانات وإجراء المقابلات، دُمجت المعلومات بعضها مع بعض، وجرى توظيفها وتحليل محتوياتها في الدراسة للوصول إلى نتائج واضحة المعالم. وتقصّت الأسئلة الموجهة في أثناء المقابلات مدى ما يعرفه الإيزيديون عن العودة، ومواقفهم منها. وكانت معلوماتهم وآراؤهم في هذا الجانب مفيدةً لتقييم الأوضاع العامة وقضية النزوح والأسباب والعوامل التي تعرقل العودة. تقسم الدراسة، إذًا، مبحثين رئيسين. يتناول الأول المرجعية التاريخية للتطورات الداخلية في العراق وانعكاساتها على الأقلية الإيزيدية منذ نشأة الدولة العراقية حتى غزو داعش، وفيه بُحثت قضايا التعريب والاستيلاء على الأملاك والأراضي والتغيرات الديموغرافية في سنجار. ويُعنى الثاني بهجوم داعش وتداعياته، وهو الأساس في الدراسة؛ إذ يناقش مستجدات وتداعيات ما بعد الغزو منها النزوح القسري وسيطرة الأحزاب والفصائل المسلحة، ثم البتّ في العوامل التي تعرقل عودة النازحين إلى سنجار. وينتهي البحث بخاتمة فيها إعادة تذكير بمحتويات البحث وأهم الاستنتاجات التي توصل إليها، ثم تقديم مقترحات في قضية النازحين وإمكانات عودتهم إلى مناطقهم الأصلية في سنجار.

أولا: التطورات الداخلية في العراق وانعكاساتها على ديموغرافية الأقلية الإيزيدية قبل عام 2003 وبعده

يُعتبر العراق أكبر دولة تحضن الأكثرية العددية الإيزيدية، مقارنة ببقية الدول الأخرى التي يوجد فيها إيزيديون؛ إذ يراوح عددهم بشكل غير رسمي بين 500 ألف و 550 ألف نسمة داخل العراق. لكن لا يمكن معرفة تعدادهم بدقة في العراق، على الرغم من وجود بيانات رسمية معتمدة في وزارة التخطيط العراقية، اعتمدت، بدورها، على إحصاءات عام 1997 التي جرت في العراق. وكانت هذه الإحصاءات قد شملت جميع إيزيديي العراق عدا الذين أصبحوا ضمن مدن إقليم كردستان منذ عام 1991، مثل مجمعات5 شاريا وخانكي وبلدة باعدري. وبموجب بيان وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، بيّ "عدد نفوس الإيزيديين في العراق والخاص بالتعداد العام للسكان لعام 1997، والذي لم يشمل محافظات إقليم كردستان، وإنما فقط في 15 محافظة هو 205379 نسمة، وعند احتساب عدد سكان الإيزيدية وفق معدل النمو السكاني في العراق لعام 2010، المقدر ب 2.6 في المئة، فسيكون 273319 نسمة"6. ويمثل هذا عدد سكان 15 محافظة، عدا محافظات إقليم كردستان، وبحسب قانون منح مقعد للكوتا في مجلس النواب العراقي لكل مئة ألف نسمة للأقليات المعترف بها، مُنح مقعد واحد للإيزيدية. وإذا اعتمد هذا الإحصاء لوزارة التخطيط حتى عام 2010، الذي يعتمد في الأصل على التعداد العام في العراق لعام 1997، فذلك يعني أن الإيزيديين يستحقون على الأقل مقعدين للكوتا. ومم لا شك فيه أن تعدادهم أكبر من هذا العدد الآن، لأن الإيزيديين في انتخابات عام 2010 حصلوا على سبعة مقاعد لمجلس النواب العراقي، وبأصوات إيزيديي المناطق المتنازع عليها فحسب؛ ما يفسر أن عددهم أكبر من العدد المعلن، ويصل إلى نحو 500000 نسمة. وبناءً على ما سبق، ووفق التقديرات المذكورة

  1. تطلق تسمية المجمع (جمعها مجمعات) على البلدات التي استحدثتها الحكومة العراقية بعد تهجير وتدمير معظم القرى الإيزيدية في منطقتي سنجار وشيخان بين منتصف السبعينيات وأواخر الثمانينيات، حيث جمع سكان عدد من القرى في مجمع واحد للسيطرة عليها بسهولة، وكذلك أصبح بعض البلدات أكثر حضرية من القرى، بعد توفير الماء والكهرباء فيها، وأطلقت عليها صفة المجمعات، وبأسماء عربية ذات دلالات قومية وإسلامية، مثل مجمع أبو فراس الحمداني لمجمع شاريا، ومجمع بني أمية لمجمع خانكي وبعد أن أصبحت المجمعات المذكورة ضمن منطقة إقليم كردستان منذ عام 1991، جرت إعادة تسميتها من سكان المنطقة الأصليين نسبة إلى إحدى قراهم القديمة.
  2. وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي العراقية، الجهاز المركزي للإحصاء، "بيان عدد نفوس المكون الإيزيدي في العراق"، العدد 428/8/3/13، صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء وتكنلوجيا المعلومات، بتاريخ 6 أيار/ مايو 2010، الكتاب موجه إلى المحكمة الاتحادية العليا، موقع من د. مهدي محسن العلاق رئيس الجهاز المركزي للإحصاء، بتاريخ 2 أيار/ مايو 2010 (وثيقة غير منشورة في حوزة الباحث).

واستمرار الهجرة بعد عام 2003، فإن عدد المسيحيين الباقين اليوم في العراق قد لا يتجاوز 000003 نسمة، وبذلك قد يحتل الإيزيديون محل المسيحيين بوصفهم ثاني ديانة من حيث عدد السكان، بعد أن فقد المسيحيون مركزهم تدريجًا في العراق بسبب عامل الهجرة من البلاد. تعرّض الإيزيديون للاضطهاد بشكل كبير بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، وكانت الهجمت الكبرى بالسيارات المفخخة التي نسبت إلى تنظيم القاعدة ضد المجمعات السكنية الإيزيدية في كل من كرعزير وسيبا-شيخدر في منطقة سنجار في عام 2007، وأسفرت عن قتل وجرح أكثر من 500 شخص، واعتبرت هذه العملية من أكبر العمليات والهجمت الانتحارية التي حصلت في العراق منذ عام 20037. وكانت هناك استهدافات مستمرة ضد الإيزيديين عن طريق عمليات الاغتيالات في المدن والقصبات المجاورة لقراهم وبلداتهم، وتُوّج استمرار تلك الهجمت في نهاية المطاف بهجوم واسع لتنظيم داعش في آب/ أغسطس 20148 على سنجار وسهل نينوى، حيث خلّف آلاف القتلى والجرحى والمخطوفين والسبايا من النساء والأطفال.

ثانيًا: لمحة تاريخية عن التغيرات الديموغرافية منذ نشأة الدولة حتى الاحتلال الأميركي

في الفترة الممتدة بين تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عام 1921 والاحتلال الأميركي (2003)9، تعرّض الإيزيديون لحملات عسكرية عدة من الجيش العراقي لأسباب مختلفة، من أهمها مسألة استيطان القبائل العربية والمسلمة في مناطقهم؛ الأمر الذي أدى إلى قيام ثورات وتمردات عدة ضد الحكومات العراقية المتعاقبة، ولا سيم في منطقة سنجار، أهمها وأبرزها الحركات المسلحة في المدة 1935-1925، بقيادة الزعمء الإيزيديين المعروفين، مثل داوود الداوود وحمو شرو، التي كانت تطالب بإعادة الأراضي إلى الإيزيديين وطرد العشائر العربية التي جرى استقدامها إلى المنطقة10. وتجدر الإشارة إلى أن التمرد الإيزيدي في عام 1935 كان على العلن، ردًّا على التجنيد الإجباري الذي جرى تشريعه في العام نفسه، ويشير مضمون الوثائق البريطانية إلى أن التمرد كان مرتبطًا بالنزاع على الأرض بين الإيزيديين وسياسات توطين العشائر في مناطقهم11. وبسبب استمرار المشكلة، تجددت الحركات والتمردات الإيزيدية المسلحة في حقبة الستينيات في وجه العهد الجمهوري، وللأسباب السابقة نفسها، ولا سيم حركة التمرد في عام 1964 بقيادة سيدو حمو شرو التي أدّت نتائجها إلى دفع الحكومة العراقية إلى وضع خطط وبرامج طويلة الأمد من أجل السيطرة التامة على أي تمردات أو حركات مستقبلية من الإيزيديين12، ولضمن الاستمرار في توطين العشائر في مناطقهم في الفترات اللاحقة. ومن بين الخطط الحكومية تجاه الأقلية الإيزيدية، اشتداد حملات التعريب في ظل نظام حزب البعث (2003-1968)؛ فقد باشرت

  1. Human Rights Watch. World Report 2008 (Washington DC: 2008), p. 479.
  2. بعد سيطرة داعش على مدن ومساحات واسعة بين عامي 2014 و 2017، شهد العراق موجة كبرى من النزوح الداخلي. وبحسب تقرير مجموعة حقوق الأقليات الدولية، قُدّر عدد المشردين بأكثر من ثلاثة ملايين شخص، ينظر: Crossroads: The Future of Iraq's Minorities after ISIS (Brussels: The Institute for International Law and Human Rights, Minority Rights Group International,
  3. بعد أن أصبح العراق دولة ناشئة ومستقلة عن الدولة العثمانية التي خسرت الحرب العالمية الأولى، أصبح الجزء الأكبر من الإيزيديين جزءًا من الدولة الناشئة، ولا سيما بعد تسوية مشكلة الموصل وضمها إلى العراق في عام 1925، وكان وجود الإيزيديين يتركز في منطقتي سنجار وشيخان ووسطهما سهل نينوى، حيث أصبحتا المركزين الرئيسين والتاريخيين للحضور الإيزيدي في العراق الجديد، ويضمّن معبد لالش، وهو المعبد الرئيس لجميع إيزيديي العالم.
  4. Majid Hassan Ali, "Religious Minorities in Early Republican Iraq (1958-1968): Between Granting Rights and Discrimination: A Socio-Political and Historical Study," PhD dissertation,University of Bamberg, Bamberg, 2017, pp. 98-102.
  5. ينظر الوثائق البريطانية التي تناولت قضية النزاع والتجنيد: British Archive, Foreign Office (F. O.) 371/ 18949, Extract from R.A.F. Intelligence Summary, Iraq, November 1935, paras 595-605, (Internal security); British Archive, Foreign Office (F. O.) 325/22/42, British Embassy, Baghdad, 23 August, 1942; British Archive, Foreign Office (F.O.) 325/27/42, British Embassy Baghdad, 31 st October 1942. 12  Ali, pp. 117-133, 220-270. المصدر: من إعداد الباحث وعمله والمؤشرات فيها مستوحاة من: International Crisis Group, "Iraq and the Kurds: Trouble Along the Trigger Line," Middle East Report , no. 88 (8/7/2009), p. 30.
  6. 2017), accessed on 14/4/2021, at: https://bit.ly/3affPxF

الخريطة (1) المناطق المتنازع عليها

الحكومة منذ سبعينيات القرن العشرين بتجريد الإيزيديين من ممتلكاتهم وإجبارهم على ترك أراضي أجدادهم. ولتحقيق ذلك أقدمت الحكومة على هدم معظم القرى الإيزيدية، وتم تجميعهم في مجمعات سكنية، سُميت بأسمء عربية، نذكر بعضها في منطقة سنجار في الجدول. جدول يبين أسمء عدد من المجمعات الإيزيدية في سنجار

أسماء المجمعات التي سُمّيت بأسماء عربيةأسماء المجمعات باللغة المحلية
القادسيةدهولا
القحطانيةگرعزير
الجزيرةسيبا-شيخدر
العروبةزورآڤا
العدنانيةگرزرك
الوليدتل بنات
الأندلسگوهبل
التميمخانە صور
حطيندووگري
اليرموكبورەك

بعد ذلك، أقدمت الحكومة على تشجيع مواطنين آخرين من أبناء العشائر العربية، ومعظمهم من السنة، على الاستقرار في تلك القرى الإيزيدية وما حولها13. ومن بين العشائر العربية السنية التي انتقلت من صحراء الجزيرة في جنوب غرب الموصل، وبشكل جمعي، نحو المناطق الإيزيدية، نذكر على سبيل المثال قبائل الحديدي والجحيش والشمر والمتيوت، التي استقرت جميعها في القرى الإيزيدية بعد أن وزّعت الدولة عليهم أراضي الإيزيديين بعقود إيجار في بداية الأمر14، ليتحولوا إلى الاستقرار الدائم لاحقًا والاستحواذ على المزيد من الأراضي والممتلكات، ومن ثم، بقاء المشكلات. على الرغم من تلك الإجراءات، فإن السكان الإيزيديين بقوا في منطقة سنجار، ولم يحصل نزوح جمعي منها إلى المناطق البعيدة، ولم تحدث أيضًا هجرة جمعية إيزيدية خارج العراق في تلك الفترة، وبقوا مستقرين في تلك المجمعات المستحدثة حتى تسعينيات القرن العشرين. وفي أعقاب حرب الخليج الثانية عام 1991، قسمت مناطق الإيزيديين وبقية الأقليات بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان العراق، بقرار من مجلس الأمن رقم 688، ووُضع خط العرض 63 شملً لمنع الطيران فوق المناطق الكردية، ونتيجة ذلك، ومنذ تلك الفترة، بدأت هجرة الأفراد نتيجة الحرب وتبعاتها والحصار الاقتصادي على العراق وتشكيل المنطقة الآمنة في إقليم كردستان. وبقي الأمر حتى مستجدات ما حدث بعد عام 2003، التي أنتجت بدورها ما يسمى المناطق المتنازع عليها، واندلاع الصراعات الدينية والمذهبية والعرقية في عموم العراق، الأمر الذي أدى إلى حركات النزوح الجمعي الواسعة والهجرة إلى خارج العراق.

ثالثًا: التطورات بعد عام 2003 وانعكاساتها على الأقلية الإيزيدية

أفرزت حرب الخليج الثالثة (غزو العراق عام 2003) النعرات الطائفية بين مختلف التشكيلات الاجتمعية للشعب العراقي، الشيعة والسنّة والعرب والأكراد. وحدثت داخل بعض المجتمعات نفسها انقسامات على الأساس المذهبي، وانعكس هذا الأمر مباشرة على الأقليات الدينية غير المسلمة أيضًا. وأطلقت هذه النعرات العنان لتهديد وجودي شامل للأقليات الدينية، لم يسبق له مثيل، وخصوصًا الأقلية الإيزيدية في العراق، واختلطت الطائفية مع الانتمء الديني لغير المسلمين، وخصوصًا لجهة اعتبار الإيزيديين من غير أهل الكتاب أو من الكفار وعبدة الشر. ولهذا، غالبًا جرى استهدافهم بنسبة أكبر من غيرهم من الأقليات الأخرى في المناطق المتنازع عليها، وكان الضغط عليهم بالقتل والتهديد أكبر في سهل نينوى والموصل، ثم في بغداد، وأقل في القرى والريف والبلدات ذات الكثافة السكانية الإيزيدية؛ نظرًا إلى الوحدة السكانية التي تعوّق خرق قراهم. وهكذا، تعرض الإيزيديون لعمليات التصفية والاغتيالات واستهداف معابدهم ومزاراتهم الدينية15، ورافق ذلك كله نتائج سلبية وحدوث تفكك داخلي كبير في الأوساط الاجتمعية الإيزيدية. وإضافة إلى تلك

  1. أعيد توطين نحو 100 ألف مواطن إيزيدي، بعد إخلائهم من قرى كثيرة في سنجار قسرًا وتدميرها، في مجمعات سكنية أسستها الحكومة العراقية المركزية منذ السبعينيات، ولمزيد التفاصيل بشأن هذه العمليات، ينظر: UN-Habitat: For A Better Urban Future, Emerging Land Tenure Issues Among Displaced Yazidis from Sinjar, Iraq: How Chances of Return May be Further Undermined by a Discrimination Policy Dating Back 40 Years (November 2015), pp. 6-16, accessed on 15/4/2021, at: https://bit.ly/3skk15v
  2. Claims in Conflict: Reversing Ethnic Cleansing in Northern Iraq," Human Rights Watch, 2/8/2004, accessed on 15/4/2021, at: https://bit.ly/3v0ETAJ
  3. على سبيل المثال، ينظر: Majed Eshoo, "The Fate of Assyrian Villages Annexed to Today's Dohuk Governorate in Iraq and the Conditions in these Villages Following the Establishment of The Iraqi State in 1921," Assyrian International News Agency , accessed on 15/4/2021, at: https://bit.ly/3mP4w4z

الأحداث، كانت مناطق الإيزيديين، ولمّا تزل، تواجه قضية أخرى، هي التغيرات الديموغرافية التي يمكن تسميتها "الأسلمة الديموغرافية"16، لتجاوز مصطلحَي التعريب والتكريد اللذَين يؤديان في النتيجة إلى أسلمة مناطق الإيزيديين وبقية الأقليات غير المسلمة ديموغرافيًا في جميع أنحاء العراق17، حيث تستمر عمليات التجاوز والانتهاكات لحقوق الأقليات غير الإسلامية في ما يتعلق بالسكان والأرض والملكية في العراق وإقليم كردستان. يرافق التطورات السياسية كلها والعوامل المرتبطة بها منذ عام 2003 وحتى الوقت الحاضر، ولا سيم استمرار النزاع بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان، إجراء عمليات للتغيرات الديموغرافية شبه المنهجية في مناطق الأقليات والسكان الأصليين. وبقدر ما يتعلق الأمر بالمناطق المتنازع عليها، وعلى الرغم من احتواء المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005 تفاصيل تدعو إلى التطبيع في تلك المناطق، ولا سيم قضية التغيرات الديموغرافية، وفيها أن الحكومتين، المركزية وحكومة إقليم كردستان، ملزمتان بإعادة الأراضي والممتلكات إلى أصحابها الأصليين ممن هُجروا أو جرى ترحيلهم في العهود السابقة، لم يتمكّن الإيزيديون من استرجاع أراضيهم وممتلكاتهم. وليس ذلك فحسب، بل إن الصراعات بين الأحزاب السياسية من أجل السيطرة على تلك المناطق، وفقدان الأمن وعوامل الاستقرار، من العوامل التي أدت إلى استمرار ممرسات التمييز من المسيطرين على المشهد السياسي فيها؛ ما تسبب في موجات إضافية من التهجير والنزوح إلى مناطق أخرى. إلى جانب عامل النزاع بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان بشأن مستقبل تبعية تلك المناطق18، وبسبب تبعات مرحلة ما بعد داعش، هناك قوات وميليشيات عسكرية شُكّلت من أبناء أقليات هذه المناطق من طرفَ النزاع. وبذلك انقسمت كل أقلية، داخليًا، في ولاءاتها وتبعيتها إلى إحدى الحكومتين؛ الأمر الذي يشكّل عائقًا جوهريًا وإشكالية كبرى في عودة أغلبية النازحين من أبناء الأقليات، الأمر الذي قد تؤثر نتائجه، على المدى البعيد، في حالة عدم بذل الكثير من المحاولات الجدّية من أجل إعادة السلم الاجتمعي إلى المنطقة وتشجيع عودة النازحين.

رابعًا: هجوم داعش على سنجار: النزوح القسري والعوامل التي تعرقل العودة

فرضت طبيعة ال اررع في العراق نفسها على المشهد السياسي العراقي؛ فقد أصبحت الأقليات الدينية غير المسلمة ضحية الصراع الدائر بسبب ازدياد التشدد الديني والمذهبي19. وباعتبار الإيزيديين أقلية دينية غير إسلامية، رآها المتطرفون فرقة "كافرة" ومن غير أهل الكتاب، وتاريخيًا جرى الترويج الاجتمعي والإعلامي على أن الإيزيديين هم "عبدة الشيطان". وبرر هذا الأمر أمام تنظيم القاعدة، وداعش لاحقًا، استهدافهم وإجبارهم إما على اعتناق الإسلام وإما قتلهم من دون منحهم فرصة دفع الجزية وإما الهروب. وعلى المنوال نفسه، نسج تنظيم داعش في فعله مع المسيحيين في مدينة الموصل، وذلك بمنحهم فرصة دفع الجزية أو مغادرة المدينة، إذا لم يدفعوها؛ باعتبارهم ينتمون إلى ديانة من أهل الكتاب. في هذا السياق، وبعد سيطرة داعش على أجزاء واسعة من المناطق السنية في شمل العراق، والهجوم الشاسع على مناطق سنجار وسهل نينوى، وفي الليلة الثانية من آب/ أغسطس 2014، هاجم التنظيم المناطق الإيزيدية، بعد الانسحاب التام للمنظومة الأمنية الكردية بسرعة فائقة من دون قتال يذكر. وجرّاء ذلك، نزح مئات الآلاف من إيزيديي القرى

  1. يقصد بمصطلح "الأسلمة الديموغرافية" عمليات استيلاء المسلمين على أراضي غير المسلمين من أبناء الأقليات الدينية الأخرى في العراق وممتلكاتهم وقراهم وبلداتهم واستيطانها، سواء بصفة قانونية أم غير قانونية، بعد تورّط الحكومات العراقية بصورة مباشرة أو غير مباشرة في انتهاكها قضايا السكن والملكية والأرض وتقديم المساعدة إلى العشائر والمواطنين المسلمين للاستيلاء عليها، وتؤدي هذه العمليات في النتيجة إلى فقدان تلك المناطق خصوصياتها الديموغرافية ذات الصبغة التاريخية، ويفرض عليها الطابع الإسلامي.
  2. هناك مطالبات كثيرة من الممثلين المسيحيين بشأن مسألة إيقاف التغيرات الديموغرافية في منطقتهم في سهل نينوى وإقليم كردستان.
  3. بشأن طبيعة العنف والصراع في المناطق المتنازع عليها، ينظر: Dlovan Brwari & Ernesto Londoño, "Blasts Kill at Least 53 in
  4. Iraq," The Washington Post , 11/8/2009, accessed on 15/4/2021, at: https://wapo.st/339npGd 19  Corey Flintoff, "Some Displaced Iraqi Christians Ponder Kurds' Role," NPR , 28/10/2008, accessed on 15/4/2021, at: https://n.pr/3suhYvD

والبلدات والمجمعات في سنجار نحو جبل سنجار المحصن، وكل من لم يستطع أن ينجو بنفسه، ألقى القبض عليه عناصر تنظيم داعش، وجرت تصفية الرجال وكبار السن من الذين رفضوا اعتناق الإسلام منذ بداية الغزو، وأسِ وسُبي أكثر من ستة آلاف امرأة وطفل، وتعرّضوا للعبودية الجنسية، ولا يزال مصير أكثر من ثلاثة آلاف امرأة وطفل مجهولً.

في أثر الانتهاكات والتداعيات التي حصلت بعد غزو داعش ومستجداتها، برزت قوى وفصائل عسكرية جديدة سيطرت على أجزاء ورقع جغرافية واسعة في المناطق المتنازع عليها، ولا سيم في مناطق سنجار وسهل نينوى، الأمر الذي عقّد المشهد الأمني وتسبب في صراعات مسلحة أدّت إلى عمليات تهجير وارتكاب المزيد من الانتهاكات وانتزاع الملكية من الناس. يمكن تصنيف القوى والفصائل المسلحة الرئيسة والمهيمنة على سنجار كالآتي: • قوات حمية إيزيدخان HPÊ بقيادة حيدر ششو. قوات البيشمركة الإيزيدية بقيادة قاسم ششو التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني. قوات وحدات مقاومة سنجار Ş YB، تتشكل من الإيزيديين، من أبناء سنجار، تتبنّى فكر زعيم حزب العمل الكردستاني باعتباره أيديولوجيا تنظيمية، تتمركز أساسًا في بلدة خانصور، بالقرب من الحدود السورية. • فصائل ووحدات لالش التابعة للحشد الشعبي. • وحدات من قوات الجيش العراقي. بسبب العامل الجيوستراتيجي للمنطقة، لا يزال الصراع مستمرًا من أجل السيطرة على منطقة سنجار، الأمر الذي يعرقل عودة ما بين 250 و 003 ألف نازح إيزيدي من مخيمت مدن إقليم كردستان. ورصدنا في هذه الدراسة أنّ السلطات الكردية في إقليم كردستان أيضًا قد لا ترغب أو تسمح بعودة النازحين خشية انضمم العائدين إلى القوى الأخرى الموجودة على الساحة، ولا سيم القوى المنافسة ذات الحضور والتنظيم القويّ مثل قوات وحدات مقاومة سنجار ووحدات الحشد الشعبي. ويعود ذلك إلى أن هذا الأمر قد يقلل حضور أحزاب إقليم كردستان ونفوذها، ولا سيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وتأثيره أو آماله المستقبلية للسيطرة على سنجار، وخصوصًا إذا حصل الاستفتاء حول مصير المناطق المتنازع عليها، وباعتبار منطقة سنجار إحدى مناطق الثقل الرئيسة إلى جانب محافظة كركوك بالنسبة إلى إقليم كردستان وتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي الذي يدعو إلى إجراء استفتاء في هذه المناطق والإقرار بانضممها إلى الحكومة المركزية أو إلى إقليم كردستان. من الجدير ذكره هنا أيضًا أن جميع القوى والأحزاب المذكورة علنًا تدعو إلى الدفاع عن وجود الإيزيديين في العراق، وأن الغرض من تشكيلها هو الدفاع عن الوجود الإيزيدي في مناطقهم التاريخية وحميته. ولكن يمكن أن نفسر وجود قوى عسكرية، على هيئة وحدات عسكرية وميليشيات مسلحة في مناطق الإيزيديين، باعتباره عاملً لا يبشّ بالإيجاب، بل يحمل في طيّاته المزيد من المخاطر على وجود الإيزيديين. وكم هو معروف، هناك خلافات عميقة بين بعض فصائل الحشد الشعبي والبيشمركة الكردية، وأن توزيع بعض تلك الوحدات الإيزيدية بين هذين الطرفين لا يساهم في جلب الحمية أو الاستقرار إلى المنطقة؛ لأن القوى الكبرى (حكومتا المركز والإقليم) أيضًا قد تصطدم في ما بينها بمواجهات مسلحة في أي لحظة بسبب التنافس الشديد حول المناطق المتنازع عليها. لذلك قد يتم توظيف بعض هذه الوحدات الإيزيدية في أجندات تلك القوى؛ فللعامل الطائفي والقومي والمذهبي والديني دوره الفعال في التأثير في عدم عودة النازحين الإيزيديين إلى مناطقهم، ولا سيم الصراع بين إقليم كردستان ذي التوجهات القومية وبغداد، وكذلك الصراعات المذهبية بين الشيعة والسنة، وخصوصًا الوجود التركمني في تلعفر المقسّم بين الشيعة والسنة، حيث انضمت أغلبية من السنة إلى تنظيم داعش واتُّهمت بالقيام بمجازر ضد التركمن الشيعة والإيزيديين. 1. نزوح الإيزيديين القسري وهجرتهم الجماعية على صعيد النزوح القسري والهجرة الجمعية جراء غزو داعش، تشير الإحصاءات التي اطلّعنا عليها إلى أنّه نزح ما بين 504003 و

ألف20 إيزيدي من منطقتي سنجار وسهل نينوى منذ بداية الهجوم، بينم بلغ عدد الذين هاجروا إلى خارج العراق من هؤلاء الإيزيديين منذ ذلك التاريخ، نحو 100 ألف نسمة21. ووصل عدد الضحايا في الأيام الأولى من الهجوم إلى 1293 ضحية، وبلغ عدد الأيتام بعد الغزوة 2745 طفلً، وعدد المختطفين 6417، منهم 5483 فتاة و 2869 ذكرًا. أما عدد الناجيات والناجين، بحسب آخر إحصاءات "مكتب إنقاذ المخطوفين"22، فبلغ 5093 أشخاص، منهم 1192 امرأة، و 733 رجلً، و 1033 طفلة و 947 طفلً، بينم بلغ عدد المختطفين الباقين 2908 أشخاص، بينهم 1323 فتاة، و 1585 ذكرًا23. وبلغ عدد المقابر الجمعية المكتشفة في سنجار حتى الآن 80 مقبرة، إضافة إلى العشرات من مواقع المقابر الفردية. أما عدد المزارات والمراقد الدينية التي فجّرها تنظيم داعش، فبلغ 68 مزارًا24.

2. العوامل والعقبات التي حالت دون عودة النازحين عمومًا والإيزيديين خصوصًا إلى منطقة سنجار

هناك مجموعة عوامل وعقبات تعتبر أسبابًا لعدم عودة النازحين عمومًا، والإيزيديين خصوصًا، إلى منطقة سنجار؛ إذ تشمل العوامل التي تعرقل عودة النازحين الإيزيديين، كم ذكرنا سابقًا، الصراعات بين القوى السياسية والمسلحة، والنزاع بين إقليم كردستان والحكومة المركزية اللذين فقدا توازنهم من أجل السيطرة على المنطقة، والفراغ الأمني وانعدام الحمية الكافية وزيادة التوترات والمخاطر على مستوى السلم الاجتمعي بين الإيزيديين والعشائر العربية والمسلمة، والتدمير شبه التام للمنازل، وانهيار منظومة الصرف الصحي وغياب محاولات إعادة توفير الخدمات اللازمة، مثل الكهرباء والماء، وانتشار حقول الألغام والمتفجرات التي زرعها داعش في أرجاء المنطقة، لذلك نناقش هذه المسألة وفق ما أنجز من هذه الدراسة في المبحث الميداني.

خامسًا: مناقشة بيانات العينة وتحليلها وفق منظور النازحين

نناقش في هذا المبحث من الدراسة آراء النازحين في ما يتعلق بمعوّقات عودتهم إلى مناطقهم الأصلية من خلال المقابلات والاطلاع على المواقف المختلفة. وتُظهر الدراسة وجود بعض المتفائلين ممن يعتقدون بضرورة بقاء الإيزيديين في العراق، ومن بينهم بعض المثقفين وعدد من أعضاء الأحزاب السياسية. وهم يرون أن ضمن بقاء الإيزيديين مرهون بمنحى التغييرات الضرورية في شكل الأنظمة السياسية والقانونية في العراق خصوصًا، وبقية البلدان العربية والإسلامية عمومًا. وفي هذا السياق، قال أحد النازحين من مجمع خانصور: "إن بقاءنا في العراق مرهون بالتغيرات الجذرية، وبتحوّل أنظمة الحكم في العراق وإقليم كردستان إلى أنظمة ديمقراطية مدنية تكفل حقوق جميع المواطنين، بغض النظر عن انتمءاتهم الدينية وضرورة فصل الدين عن الدولة"25. هناك نخب إيزيدية من الذين يشغلون وظائف ومناصب ويسيرون مع سياسات الأحزاب المهيمنة والمسيطرة على الحكم، تنظر إلى الواقع نظرة مغايرة، ورؤيتها هذه نابعة من مصالح شخصية وفئوية26.فهي ترى ضرورة بقاء الإيزيديين وتطالب بعودة الأوضاع إلى ما قبل عام.2014 في المقابل، هناك أيضًا من لا يرجون أملً في بقاء الإيزيديين في العراق، نظرًا إلى عدم وجود أرضية وضمنات حقيقية تحميهم. تشير الدراسة إلى أن كثيرين من الإيزيديين يشعرون بمخاوف من الحاضر والمستقبل في حالة بقائهم في العراق وإقليم كردستان العراق، وذلك بسبب الشرخ الكبير الذي حصل للنسيج الاجتمعي هناك، وكذلك التصاعد المستمر للتطرف الديني.

  1. يشمل هذا العدد جميع إيزيديي سنجار ومناطق سهل نينوى بموجب إحصاء لمجلس الإغاثة والشؤون الإنسانية التابع لمحافظة دهوك BRHA، ينظر: Duhok Governorate, Board of Relief and Humanitarian Affairs (BRHA), Executive Directorate, "IDPs and Refugees in Duhok Governorate: Profile and General Information," 2019; Emre Basci, "Yazidis: A Community Scattered in between Geographies and its Current Immigration Experience," International Journal of Humanities and Cultural Studies , vol. 3, no. 2 (July- September 2016), p. 342.
  2. هذا الرقم تقريبي، وذلك وفق إحصاءات المجلس المركزي الإيزيدي في ألمانيا ZÊD، وهي مؤسسة رسمية، الذي أعلن أن مجمل عدد الإيزيديين في ألمانيا بلغ نحو 230 ألف نسمة في عام 2019، وهذا الرقم مأخوذ من السلطات الألمانية.
  3. أسس مكتب خاص بهذا الاسم في مدينة دهوك بقرارٍ ودعمٍ من رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرڤان بارزاني لشراء السبايا الإيزيديات.
  4. كشفت هذه الأرقام، عن حصيلة ضحايا تنظيم داعش من الإيزيديين منذ 3 آب/ أغسطس 2014، وهي أرقام مسجلة بدقة ومحفوظة لدى مكتب إنقاذ المختطفين الإيزيديين في دهوك، واطلع عليها الباحث شخصيًا؛ حسين كورو إبراهيم، مقابلة شخصية، دهوك،.2019/8/12
  5. عن عدد المزارات التي تم تدميرها، ينظر: Destroying the Soul of the Yazidis: Cultural Heritage Destruction During the
  6. مثقف إيزيدي من مجمع خانصور، مقابلة شخصية، مخيم شاريا،.2019/8/3 26 استُنتج هذا التفسير بعد إجراء المقابلات الشخصية مع عدد من النازحين في المخيمات المنتشرة في محافظة دهوك، في إقليم كردستان، خلال العمل الميداني في آب/ أغسطس 2019، حيث كان بعضهم أعضاء في الأحزاب السياسية المتنفّذة. المصدر: تم تعريب الخريطة وإضافة المعلومات بتصرف من الباحث، المصدر الأصلي في: "Gulal - Iraq Capital City Map, Png Download," PngJoy, accessed on 25/5/2021, at: https://bit.ly/3hXkj0R
  7. Islamic State's Genocide Against the Yazidis (Munich: Rashid International; Lincoln, NE: Yazda; Oxford, UK: Endangered Archaeology in the Middle East and North Africa, 2019). accessed on 16/4/2021, at: https://bit.ly/3tqErv4

الخريطة (2) نزوح الإيزيديين المهاجرين

وقد لاحظ الباحث رغبة كبيرة عند فئة الشباب الإيزيديين – في المناطق المتنازع عليها وإقليم كردستان معًا – في ترك البلد والهجرة إلى الدول الغربية. ويخبرنا عدد من الأشخاص من فئة الشباب الذكور من الفئات العمرية بين 20 و 40 عامًا، الذين أجريت معهم اتصالات ومقابلات شخصية (كانت أغلبيتهم نازحة في المخيمت وبعض آخر منهم كان نازحًا مقيمً في المدن الكردية في إقليم كردستان)، أنهم جميعًا يطمحون إلى الهجرة، والسبب، بحسب رأيهم هو الاستهداف المستمر وتنامي التطرف الديني والإرهاب وعدم وجود أي أفق لمستقبل أفضل في مناطق وجودهم، وفي العراق عمومًا27. تعتقد أغلبية الإيزيديين أن معظم أبناء العشائر العربية والتركمن السنة ممن بقي في المنطقة، ولم يهرب أو ينزح، بعد هجوم داعش، انضموا إلى التنظيم مباشرة وأصبح كثيرون منهم ضالعين في ممرسات القتل والسبي بحق الإيزيديين. وهو الأمر الذي يعزز العداوة والكراهية، وربما سيتأثر به مستقبل المنطقة فترات طويلة؛ إذ من المتوقع أن يجري الانتقام وباستمرار؛ فلا يمكن فرض القانون على المنطقة في ظل ضعف أجهزة الدولة وقضية استمرار الصراعات المذهبية ورفض أغلبية السنة العرب ممرسات الحكومة المركزية التي أتت نتيجة الغزو الأم كيرر، والتي منحت للقوى والأحزاب الدينية الشيعية أساسًا. وفي هذا السياق، قال أحد الإيزيديين الذين قابلتهم: "انضمّ معظم جيراننا من أبناء عشائر المتيوت والخاتونية والجحيش والتركمن السنة من تلعفر إلى داعش، وقام بسبي بناتنا وأطفالنا وقتل الرجال ونحن نعرفهم جيدًا، وهم الآن يقطنون في سنجار، وسيعود الهاربون أيضًا، فكيف لنا أن نعيش معًا من جديد بعد الذي حصل"28. كانت هذه العشائر المذكورة، التي انضمت إلى التنظيم، هي نفسها التي سبق أن استقرت في الأراضي التي يقطنها الإيزيديون واستولت على ممتلكاتهم. وفي هذا السياق، فإن أسباب خشية الإيزيديين من جيرانهم المسلمين من أبناء العشائر المذكورة الذين انضموا إلى التنظيم لا تزال قائمة، وعلى الرغم من تحرير مناطقهم، فإن الإيزيديين لا يزالون يخشون الرجوع إلى تلك المناطق خوفًا من هؤلاء الذين قد يكونون خلايا نائمة للتنظيم. وفي هذا الصدد، تقول إحدى النازحات الإيزيديات من سنجار: "نحن نخشى من جميع الناس ومن جميع جيراننا الذين دعموا داعش، لقد تم غسل دماغهم بالأفكار الدينية المتطرفة، حتى الأطفال تم تدريبهم للقتل، ولا يوجد عدالة ولا قانون يحمينا"29. القضية، نسبيًا، هي الخشية من عدم وجود أمان وقانون يضمن حميتهم؛ أي إن هناك فقدان الثقة بالأجهزة الأمنية والمجتمعات الإسلامية المجاورة، ما يعني أن المؤتمرات والبيانات والتصريحات الإعلامية، سواء الخاصة بالأحزاب السياسية أو بالمسؤولين الإيزيديين في الأحزاب السياسية، في ما يتعلق بالهجرة والخروج من البلاد، لا تعبّ بالضرورة عن تطلّعات الشارع الإيزيدي، وأنّ أغلبية الباقين من الإيزيديين، سواء في مخيمت النازحين في إقليم كردستان أم في مخيمت تركيا واليونان ودول أخرى، تتطلع إلى الخروج والهجرة، وبالفعل يخرج كل يوم العشرات من أفراد وعوائل من تلك المخيمت. في هذا الصدد أيضًا، عبّ أحد زعمء العشائر الإيزيدية النازحين من سنجار عن مخاوفه وانعدام الثقة لديه، بقوله: "على الرغم من انتهاء العمليات العسكرية ضد داعش، فإن هذا لا يعني أننا مستعدون للعودة مهم كان الوضع والظروف. وأنا أشتاق إلى العودة إلى بلدتي في سنجار. لكن المشاعر القوية ليست دافعًا كافيًا للعودة، أنا ما زلت أخشى تنظيم الدولة الإسلامية والقوى المتطرفة التي قد تسعى للانتقام". وأضاف: "أهم شيء فقده الإيزيديون في هجرتهم قسرًا ليس ملكًا وأرضًا، بل الثقة بأبناء وبنات المناطق والقرى العربية والتركمنية السنية المجاورة الذين انضموا إلى تنظيم داعش"30في سؤال موجّه، عبر اللقاءات الشخصية ووسائل التواصل المتوافرة، إلى سبعة شبان ذكور وخمس شابات إيزيديات، في مخيمت محافظة دهوك (باجد-كندالا 1 وشاريا وخانكي)31، ستة منهم من مركز قضاء سنجار وستة من القرى والبلدات المجاورة، من بين الأسئلة المطروحة عليهم: هل أنهم سيرجعون إلى مناطقهم في سنجار إذا تحسنت الظروف في مختلف المجالات؟ كانت ردودهم متشابهة تقريبًا؛ إذ إن أربعة منهم قالوا نعم، لكن إذا توافرت شروط الأمن والسلامة. أما الباقون فيعتقدون أن لا أمل في العودة، بل يحاولون الخروج من العراق بأي طريقة كانت. ويتبيّ من خلال إجاباتهم، على الرغم من الصعوبات في المخيمت، أنهم يفضلون البقاء والرضا بنمط الحياة الصعب في المخيمت ما دام الأمن في سنجار غير متوافر، بعيدًا عن القلق والإرهاب بسبب الاختلاف الديني والتعصب، وأكدوا أنهم فقدوا الثقة بقيادتهم الدينية والسياسية. وأكدوا أيضًا أنهم منقسمون ومشتتون بين التوجهات والأحزاب السياسية؛ ما يجعلهم

  1. مقابلات واتصالات شخصية مع 21 شابًا وشابة إيزيديين في مخيمات النازحين في
  2. نازح في مخيم خانكي، مقابلة شخصية،.2018/8/12
  3. إحدى النازحات، مقابلة شخصية، مخيم شاريا،.2019/8/6 30 أحد رؤساء العشائر الإيزيدية البارزة، مقابلة شخصية، مخيم خانكي،.2021/8/12
  4. محافظة دهوك وبعض القاطنين في بلدات شاريا وخانكي، في الفترة.2019/8/17-5
  5. طالب معظم من أجريت معهم المقابلات بعدم ذكر اسمه.

يشعرون بعدم وجود مرجعية حقيقية تحميهم32. والمثير في هذا الأمر أن بعض الإيزيديين ممن يؤمن بالفكر القومي الإيزيدي، يؤكد أنه سيرجع إلى سنجار إذا تم تشكيل منطقة مستقلة إداريًا33، بينم يعتقد الإيزيديون غير القوميين أن ليس هناك شيء قد يستحق الرجوع إليه ومن أجله. قد يكون طرح تشكيل منطقة آمنة ومستقلة إداريًا حلًّ للعودة مرتبطًا بأجندات الحزب السياسي الذي ينتمي إليه هذا القيادي؛ لأنه في حالة تداول هذه المسألة، فسيكون لهذا الحزب دور وموقع في القضية المطروحة. لكن هو أيضًا مطلب كثير من الفئات والنخب الإيزيدية، ويشير هذا الأمر إلى فقدان الثقة بالحكومات والقوى التي كانت مسيطرة وتدير شؤون سنجار أمنيًا وسياسيًا منذ عام 2003 حتى غزو داعش في عام 2014. وفي المقابل، يعتقد كثير من الإيزيديين أن مسألة العودة مرتبطة بأجندات الأحزاب السياسية في المركز والإقليم؛ فقد ذكر أحدهم: "إن عوامل الصراع في سنجار وعدم عودة النازحين إليها لا تزال قائمة، وللأحزاب الكردية في إقليم كردستان أجنداتها الخاصة في سنجار، وكذلك حال الأحزاب الحاكمة في الحكومة المركزية، وأغلبيتها قد ترتبط بأجندات الدول الإقليمية التي ترغب في وضع قدم في سنجار لأسباب وطموحات جيوستراتيجية"34. كم بيّنا في متن الدراسة، وجود أحزاب وفصائل عدة مسلحة تسيطر على سنجار - فإن لكل حزب وفصيل أجنداته الداخلية والخارجية - يعرقل المساعي التي تحاول تشجيع عودة النازحين؛ إذ يتهم الحزب الديمقراطي الكردستاني، علنًا، حزب العمل الكردستاني بالسيطرة على سنجار وعرقلة المساعي في عودة النازحين. وفي هذا الصدد، قال أحد النازحين: "إن الاتهامات المتبادلة بين الأحزاب الكردية ما هي إلا صراعات حزبية حول المصالح والنفوذ، وإن الفصيل المتهم بأنه فرع لحزب العمل الكردستاني في سنجار ما هو إلا حزب مكوّن من أبناء الإيزيديين في سنجار، على الرغم من أنهم يتبنون أيديولوجية حزب العمل الكردستاني وفكره، فإنهم ليسوا جناحًا أو إحدى أذرع ذلك الحزب"35. على الصعيد العام، أظهرت هذه الدراسة أنه على الرغم من المساعي الكبيرة لبعض أعضاء الأحزاب السياسية الإيزيدية والكردية لتشجيع البقاء في العراق وعدم الهجرة إلى خارجه، فإنه لا يوجد خطاب موحد للأحزاب والتيارات السياسية حول مسألة عودة النازحين الإيزيديين إلى مناطقهم، ولا سيم إلى سنجار، ولا يوجد تنسيق مع الفصائل الإيزيدية المسلحة والمنتشرة في سنجار؛ لأن أغلبيتها إما تنساق وراء سياسات الأحزاب والقوى الكبرى المتنفذة في الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان، وإما لعدم الرؤية الواضحة بشأن مستقبل المنطقة من ناحية ارتباطها إداريًا، سواء بالمركز أم بالإقليم، لذلك شُطرت جهودهم كلها وقُسمت كتلً، وتزداد أمور الإيزيديين سوءًا يومًا بعد يوم ويتناقص عددهم باطّراد. إضافة إلى العوامل المذكورة، فإن أغلبية مناطق مدينة سنجار والقرى والبلدات الإيزيدية الأخرى ومساكنها شبه مدمرة بالكامل، والطرق أيضًا مدمرة، ولا تتوافر خدمات الكهرباء والماء؛ لذلك فإن عامل إعادة بناء مدينة سنجار والقرى والبلدات الإيزيدية المجاورة كفيل بعودة عدد من النازحين الإيزيديين إليها من جديد. وحتى هذه اللحظة، وعلى الرغم من تحرير تلك المناطق من داعش منذ عام 2016، فإنها لا تزال تفتقر إلى أبسط الخدمات الضرورية ووسائل المعيشة وانعدام فرص العمل ومشاريع التنمية، ولا توجد خطط واضحة لإعادة البنية التحتية إلى تلك المناطق، وخطوات فعلية قد تحفّز كثيرين من الإيزيديين إلى التفكير في العودة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لوحظ رغبة بعض الأهالي في العودة للحد من مأساتهم داخل المخيمت. ففي آب/ أغسطس (فترة زيارة الباحث للمخيمت)، رجعت نحو 03 عائلة إيزيدية طوعًا إلى مناطقها في سنجار، من دون أي دور للحكومتين المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، لكنْ هناك دورٌ أهمّ للمنظمت الدولية والمجتمع المدني التي تشجع تلك المحاولات وتحاول أن بعض الخدمات الضرورية للعائدين. على الرغم من ذلك، أيضًا، فإن العامل المتعلق باستقرار المنطقة يبقى هو الحاسم بشأن عودة النازحين إلى مناطقهم. ومع أنه قد مر أكثر من ست سنوات على هجوم داعش، فإنّ الأوضاع لا تزال غير مستقرة أمنيًا، والصراع بين القوى والأحزاب والقوات المسلحة والميليشيات المختلفة لا يزال قائمًا. وفي هذا الصدد، أعربت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس- بلاسخارت، عن أسفها للإخفاق الحالي في تحقيق الاستقرار في مناطق الإيزيديين. وشدّدت في تقرير لمكتب الأمم المتحدة لمساعدة العراق UNAMI، على "أن الاستقرار أمر حاسم لهذا المجتمع المنكوب من أجل عودة أفراده إلى ديارهم وإعادة بناء حياتهم"، داعيةً بغداد وأربيل إلى إيجاد حلول عاجلة تضع احتياجات الناس في المقام الأول. وأشارت بلاسخارت إلى

  1. استنتجت من آراء أصحاب هذا الرأي، بشأن عدم وجود مرجعية تحميهم، أنه بعد وفاة الأمير تحسين سعيد بگ، أمير الإيزيديين في العراق والعالم، وتعيين أمير جديد بطريقة ذات تأثيرات سياسية، ما أفقد ثقة الجماهير الإيزيديين عمومًا، وبينهم النازحون، بمرجعية الأمير الجديد، كونه عيُن بطريقة وضعت شرعيته محل الشك، ومن ثم، أفقدته مكانته بصفته مرجعية.
  2. قيادي في الحركة الإيزيدية من أجل الإصلاح والتقدم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي،
  3. أحد النازحين من خريجي الجامعات، مخيم باجد -كندالا 1،.2019/8/15
  4. عضو في حزب ال YBŞ، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سنجار، في.2019/8/22

أن الطريق نحو السلام الدائم والتنمية والازدهار طويلة ومعقدة، مؤكدةً أن هيكليات الحكم والأمن المستقرة تمثل خطوة حاسمة أولى لا تزال غائبة حتى بعد سنوات من تحرير سنجار36. إلى جانب الأسباب والعوامل التي ذُكرت باعتبارها عوائق كبرى تقف في طريق عودتهم، يجب الإشارة إلى العامل النفسي الذي يؤدي دورًا كبيرًا، مثل انعدام الثقة الذي أفقدهم الرغبة في الرجوع؛ فلا تزال الآثار النفسية والاجتمعية مؤثرة في أذهان ذوي الضحايا، وخصوصًا من الذين تعرّضوا لأشد أنواع العنف الجسدي والنفسي والقتل والذبح والتشريد والسبْي. والكثير من القرى أشبه بمقابر جمعية دُفن فيها الضحايا، ولا تزال شاخصة، ولم يفتح الكثير منها بعد. وفي هذا السياق، قال أحد زعمء العشائر الإيزيدية: "كيف لنا الحق في الحديث عن تشجيع الناس على العودة؟ أو كيف نستطيع إقناع أبنائنا بالعودة في الوقت الراهن، على الرغم من معرفتنا بأن العودة مسألة مصيرية، ولا بد منها للحفاظ على أرض أجدادنا، ولا يمكن التخلّ عن أرضنا التاريخية، على الرغم مم أصابنا من ويلات؟"37. الحقيقة أن أحداث التاريخ تنقل الكثير من الأمثلة الممثلة عن أن هجرة الإيزيديين هذه ونزوحهم مشابهة للهجرات التي حصلت في أواخر الدولة العثمنية للأقليات الدينية، ولا سيم مغادرة عشرات آلاف المسيحيين من إقليم هكاري (بالتركية: ili Hakkâri) (جنوب شرق تركيا حاليًا) إلى الولايات المجاورة (في العراق وسورية، وبعضهم إلى الدول الأخرى)38. لكن، تختلف الهجرة في العصر الحديث؛ فهي اليوم من دول الشرق إلى دول الغرب. وهكذا، تعني مغادرة الإيزيديين موطنهم الأصلي فقدانهم أرض أجدادهم، ولا سيم أن سياسات الاستيلاء على أملاكهم وممرسة "الأسلمة الديموغرافية" وتطبيقها، على نحوٍ منهجي، ترافق عمليات النزوح والهجرة، سواء بصفة قانونية أم غير قانونية.

خاتمة

في سياق الأحداث وتطورات الساحة العراقية، ناقشت هذه الدراسة أعمل الجمعات الدينية المتطرفة التي ظهرت في العراق، وبرزت بعد حرب الخليج الثالثة (2003)، ونتائجها وتداعياتها وإفرازاتها التي أدت إلى زيادة نفوذها. وأظهرت الدراسة أن العوامل التاريخية والنزاعات الدينية والمذهبية في العراق وفشل الأحزاب السياسية الفاعلة في ضمن حقوق المواطنين، ولا سيم بعد الغزو الأميركي، ساهمت على نحوٍ كبير في النزوح الداخلي والهجرات إلى خارج العراق، لأبناء الأقليات الدينية التي تعرضت للاضطهاد واستهداف مستمر نتيجة تصاعد التطرف الديني، وخصوصًا بعد أن وصل الأمر إلى ذروته في عام 2014 نتيجة سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من مناطق شمل العراق، من بينها سنجار وسهل نينوى وبقية المناطق المتنازع عليها. وعلى الرغم من تحرير سنجار وبقية مناطق العراق من داعش، فإن عوامل الاستقرار والعودة إلى الحياة الطبيعية لا تزال غير متوافرة لأسباب كثيرة ذُكرت في متن الدراسة، منها الأسباب السياسية وانعدام الأمن وتدمير معظم المساكن والطرق وغياب خدمات الماء والكهرباء. والأهم من ذلك كله التوترات الاجتمعية والعداوة بين أبناء بعض العشائر المسلمة التي انضمت إلى داعش والإيزيديين، فضلً عن سيطرة الوحدات العسكرية والفصائل والميليشيات المسلحة على سنجار؛ ما أدى إلى حدة التنافس والصراعات السياسية بسبب الأجندات السياسية المختلفة لكل وحدة عسكرية أو فصيل مسلح. بناءً على مجموعة من المقابلات والعمل الميداني ومراجعة الأدبيات، يمكن القول إنه ليس هناك برامج وحلول دائمة للعودة المستدامة للنازحين الإيزيديين المقيمين في مخيمت ومدن إقليم كردستان إلى مناطقهم الأصلية. ويفضل معظم النازحين الهجرة إلى خارج العراق؛ نظرًا إلى عدم الاستقرار السياسي وخيبة الأمل من المجتمعات المجاورة، فضلً عن وجود إحساس بالتهميش السياسي وغياب التمثيل العادل في مؤسسات الدولة وغياب العدالة الاجتمعية وبقاء أسباب الصدمة الناتجة من الجرائم التي ارتكبها داعش في حق الإيزيديين.

  1. أسامة مهدي، "طالبت بالإسراع في تحقيق الاستقرار لسنجار وإعادة مواطنيها: الأمم المتحدة غاضبة لاستمرار ظروف الإيزيديين المروعة"،، 2019/8/1، شوهد في إيلاف 2021/4/16، في: https://bit.ly/3ajNTc3
  2. أحد رؤساء العشائر الإيزيدية النازحة من سنجار، يقيم في بلدة شاريا، 2019/8/9، تمت المقابلة مع رئيس إحدى العشائر الإيزيدية المعتبرة من سنجار (يتم التحفظ بذكر اسمه الشخصي واسم عشيرته لأسباب موضوعية)، وهو مقيم في بيت مستأجر بمجمع شاريا.
  3. ماجد حسن علي، "انحسار الوجود وفقدان الهوية: هجرة مسيحيي العراق وسوريا بين مواقف التشجيع والرفض"، قسم الدراسات الدينية، مؤمنون بلا حدود، 2019/4/2، ص 4، شوهد في 2021/4/16، في: https://bit.ly/3uX0XMt

ملحق

أسئلة معدة للطرح في أثناء اللقاءات الشخصية حول الموضوع

في أثناء اللقاء، كنت أقدّم نبذة عن مشروعي الذي أنوي إجراء دراسة حوله، بعنوان: "الهجرة القسرية للأقليات الإثنية والدينية في المناطق المتنازع عليها في العراق: دراسة لحالة الأقلية الإيزيدية بعد عام 2014"، ومن خلال ذلك كنت أطلب تعاونهم في الإجابة عن الأسئلة المطروحة بدقة وموضوعية للحصول على نتائج أكثر صدقًا خدمة للبحث العلمي، وأكدت أن هذه الأسئلة مخصصة لأغراض البحث العلمي فقط، لذلك تجنّبت ذكر الأسمء. وتجدر الإشارة إلى أن اللغة المستخدمة في أثناء المقابلات كانت لغتهم السنجارية الكرمانجية. • الجنس: ذكر......، أنثى......، أرفض التصريح به....... • العمر:....... التحصيل الدراسي: ابتدائي......، إعدادي......، جامعي....... الحالة الاجتمعية: أعزب......، متزوج......، أرمل......، مطلّق....... الوظيفة: موظف......، عاطل......، منخرط في حزب سياسي.......

أسئلة القسم الخاص بالبحث الميداني

هل تتوقع أن تعودوا إلى سنجار قريبًا؟ متى؟ كيف؟ وما هي العوامل التي تعرقل عودتكم؟ هل دمر منزلكم بعد غزو داعش؟ هل كانت الملكية الخاصة بكم مسجلة رسميًا في العهود السابقة؟ هل هناك مؤشرات لتحسين وضعكم المعيشي في حالة عودتكم إلى سنجار؟ في حالة عودتكم إلى سنجار، هل لديكم عمل أو وظيفة، يمكن أن يؤمّن لكم ولعائلتكم دخلً ماديًا في ظل التدهور الأمني المستمر والصراعات السياسية القائمة في سنجار؟. 5 هل تتخوّفون من جيرانكم المسلمين ومن أبناء العشائر العربية؟. 6 هل تتخوّفون من عودة داعش من جديد؟ هل أثّر هجوم داعش في النسيج الاجتمعي بينكم وبين جيرانكم من الأقليات والطوائف الدينية الأخرى؟ هل هناك أمل أو إمكانية في بناء السلم الاجتمعي وإعادة التعايش السلمي، أم تتخوّفون من التعايش السلمي مع المجموعات الدينية والمذهبية الأخرى في سنجار؟ هل تثقون بدور الدولة العراقية أو الحكومة المركزية أو حكومة إقليم كردستان في حميتكم في حالة العودة؟ 1 0 هل ترغبون في الانتمء إلى أي طرف سياسي أو فصيل مسلح؟ هل تشعرون أن الأحزاب السياسية العراقية والكردية تستغل القضية الإيزيدية في سنجار؟ 1 2 هل تخشون أن يحصل صراع مسلح بين الأحزاب السياسية هناك؟ 1 3 هل تشعرون أن البقاء في المخيمت أفضل من العودة إلى سنجار؟ في حالة عودتكم إلى سنجار، هل تشعرون أنكم ستكونون محميين من الحزب السياسي المهيمن على منطقتكم؟

المراجع

العربية

علي، ماجد حسن. "انحسار الوجود وفقدان الهوية: هجرة مسيحيي العراق وسوريا بين مواقف التشجيع والرفض". قسم الدراسات الدينية. مؤمنون بلا حدود 2019/4/2.فيhttps://bit.ly/3uX0XMt:.

وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي العراقية، الجهاز المركزي للإحصاء. "بيان عدد نفوس المكون الإيزيدي في العراق". وثيقة مرقمة ب 428/8//31/13، صادرة الجهاز المركزي للإحصاء وتكنلوجيا المعلومات، بتاريخ 6 أيار/ مايو 2010، الكتاب موجه إلى المحكمة الاتحادية العليا، موقع من د. مهدي محسن العلاق رئيس الجهاز المركزي للإحصاء، بتاريخ 2 أيار/ مايو 2010 (وثيقة غير منشورة في حوزة الباحث).

الأجنبية

Ali, Majid Hassan. "Religious Minorities in Early Republican Iraq (1958-1968): Between Granting Rights and Discrimination: A Socio-Political and Historical Study." PhD dissertation. University of Bamberg. Bamberg, 2017.

Basci, Emre. "Yazidis: A Community Scattered in between Geographies and its Current Immigration Experience." International Journal of Humanities and Cultural Studies. vol. 3, no. 2 (July-September 2016).

British Archive, Foreign Office (F. O.) 371/ 18949, Extract from R.A.F. Intelligence Summary, Iraq, November 1935, paras 595-605 (Internal security).

_______. (F. O.) 325/22/42, British Embassy, Baghdad, 23 August, 1942.

_______. F.O. 325/27/42, British Embassy Baghdad, 31st October 1942.

"Claims in Conflict: Reversing Ethnic Cleansing in Northern Iraq." Human Rights Watch. 2/8/2004. at: https://bit.ly/3v0ETAJ

Crossroads: The Future of Iraq's Minorities after ISIS. Brussels: The Institute for International Law and Human Rights, Minority Rights Group International, 2017. at: https://bit.ly/3affPxF

Destroying the Soul of the Yazidis: Cultural Heritage Destruction During the Islamic State's Genocide Against the Yazidis. Munich: Rashid International; Lincoln, NE: Yazda; Oxford, UK: Endangered Archaeology in the Middle East and North Africa, 2019. at: https://bit.ly/3tqErv4

Duhok Governorate, Board of Relief and Humanitarian Affairs (BRHA). Executive Directorate. "IDPs and Refugees in Duhok Governorate: Profile and General Information." 2019.

Human Rights Watch. World Report 2008. Washington, DC: 2008.

UN-Habitat: For A Better Urban Future. Emerging Land Tenure Issues Among Displaced Yazidis from Sinjar, Iraq: How Chances of Return May be Further Undermined by a Discrimination Policy Dating Back 40 Years. November 2015. at: https://bit.ly/3skk15v

International Crisis Group. "Iraq and the Kurds: Trouble Along the Trigger Line." Middle East Report. no. 88 U.S. Department of State, The Bureau of Democracy: Human Rights, and Labor. International Religious Freedom Report 2008, Iraq. 19/9/2008. at: https://bit.ly/3ntsbYE