الرياضة وحقل العلاقات الدولية: التفكير في الرياضة عبر عدسات النظريات الوضعية
Sports and International Relations: Thinking of Sports through the Lense of Positivism
الملخّص
تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على تأثير الظاهرة الرياضية في السياسة الدولية وكيف يمكن التفكير فيها عبر عدسات المقاربات الوضعية في حقل العلاقات الدولية، لا سيّما أنّ الرياضة في عالم اليوم لم تعد مجرّد هواية أو ترفيه، بل صارت ظاهرة معولمة جرى إضفاء الطابع المؤسسي العالمي عليها، ما يستدعي التوقّف مليًّا أمام تأثيرها في حركة التنظير داخل حقل العلاقات الدولية مستقبلًا، لما تحمله في طيّاتها من تأثير في جموع الجماهير في مختلف أرجاء العالم الذي لم يعد، كما بشّرت العولمة، قريةً صغيرة، بل صار اليوم أشبه ببرجٍ سكني كبير يقيم فيه سكّان المعمورة نتيجة ثورة تكنولوجيات الاتصال والإع (م ICTs) الجديدة، وما يرتبط بها من الانتشار الآخذ في الاتساع لاستخدام وسائل التواصل "الاجتماعي".
Abstract
This book offers an in-depth examination of Qatar's hosting of the 2022 World Cup through an international relations lens. It explores Qatar's objectives, mostly at the international level, that drove the decision to host the event.
- مونديال قطر 2022
- قطر
- القوة الناعمة
- World Cup 2022
- Soft Power
- Qatar
مقدمة
يستطيع الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، في مباراة بين منتخبين وطنيَيّن أو ناديين في إحدى البطولات المحلّية أو الإقليمية، أن يجاري أكبر الأحزاب السياسية في الدول الكبرى ذات التأثير في السياسة الدولية من حيث القدرة على الحشد والتعبئة وإدارة البطولات وتنظيمها، حيث يحتشد عشرات الآلاف الذين ينتظمون في روابط وجمعيات للمنتخبات القومية والأندية فيم يُعرف بالألتراس وفق مجموعة من القواعد وإجراءات الأمن والسلامة التي تفرضها المنظمت الرياضية الدولية، إذ باتت الدول تخضع للقواعد والقوانين التي يضعها "الفيفا" فيم يتعلّق بسعة الملاعب1، وتوافر شروط سلامة المشجّعين وأمنهم فيها، مرورًا بتنظيم حقوق البثّ الفضائي للمنافسات الرياضية التي يشاهدها الملايين حول العالم، وما يرتبط بها من نشاط تجاري تقوم به كبريات الشركات التجارية العابرة للقارّات خلال تلك المباريات التي تحتدم فيها المنافسة. لقد باتت المنافسات الرياضية، التي يجري تنظيمها، على المستوى الإقليمي أو الدولي، أشبه بالمواجهات في ساحات الحرب؛ إذ تدقّ طبول الحرب التي لا نيران فيها سوى ما تشعل به الألعابُ الناريّة السمءَ في بداية كلّ مباراة، ثمّ احتف لً بالفائز في نهايتها. ولا ضحايا فيها إلّ الذين يسقطون من جرّاء الاشتباكات بين ألتراس الفرق الرياضية قبل التحضير للمواسم والفعاليات التي تنظّمها اتحادات الدول الرياضية بالتنسيق مع الاتحادات والمنظمت الرياضية الدولية. ثمّ إنّ الطقوس التي ترافق مباراةً بين فريقين وطنييَن في أيّ رياضة تكون شبيهةً بتحريك القوّات العسكرية نحو أرض المعركة؛ وتتجلّ فيها الأبعاد الرمزية المختلفة، ففي بداية كلّ منافسة يُعزف النشيد الوطني، ويُرفع علم الدولة المشاركة إلى جانب علم الجهة المنظّمة، سواء أكانت اتّحادًا محلّيًا أم إقليميًّا أم دوليًّا، ويمارس المشجّعون دورهم في رفع معنويات فرقهم الرياضية بالهتاف الحمسي، ويحضر رؤساء الدول ويتابعون معارك فرقهم الرياضية من مقصورات خاصّة في ميدان المباراة، وكأنّهم يوجّهون فرقهم ويتشاركون معهم النصر أو الهزيمة. عدا خطط الهجوم والدفاع وانتشار اللاعبين والتكتيكات التي يخبرنا عنها المعلّق وكأنّه مراسل حربي، ويحلّلها من خلفه خبراء رياضيون في استوديوهات التحليل الرياضي في عدد من الفضائيات التي تنقل المباراة في استراحة بين الشوطين التي تشبه استراحة المقاتلين خلال معركة حامية الوطيس. ويمنح قيام المنافسة على أرض أحد الفرق أفضلية جيوسياسية ضمن ما بات يُعرف بأفضلية (الأرض، الجمهور)، وما إن يسقط لاعب نتيجة إصابة على أرض الملعب حتّى يتدخّل المسعفون الذين يشبهون الصليب الأحمر في المعارك ويقومون بنقل الجرحى والقتلى. لقد جرت استعارة هذه الرموز والتمثلّات من الحروب بين الدول في فترات تاريخية مختلفة. في السياق ذاته، تحتلّ الأحداث الرياضية المحلية والإقليمية والدولية، مثل الدوري الإسباني أو البراز ليي أو الإيطالي، وبطولات التنس والألعاب الأولمبية، مساحة كبيرة في الرصد والتحليل الإعلامي المرئي والمقروء، لا تقلّ أهمية عن الأحداث السياسية الكبرى. وقد أصبح خبر انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر أو فوز فريقٍ ما في إحدى الرياضات خبرًا عاجلً، تتناقله وسائل الإعلام على اختلافها. ثمّ إنّ أثر النجوم الرياضيين في المجتمع قد ازداد إلى حدّ بعيد، فقد أظهرت دراسة نشرها مختبر سياسة الهجرة في جامعة ستانفورد أنّ نسبة هجمت الكراهية ضدّ المسلمين في مقاطعة ميرسيسايد البريطانية، التي تقع فيها مدينة ليفربول، تراجعت بنسبة 16 في المئة منذ انتقال اللاعب محمّد صلاح إلى النادي في حزيران/ يونيو 20172، إضافةً إلى تأثير النجوم الرياضيين اجتمعيًّا، الذين أضحت لديهم أدوار سياسية واقتصادية كبيرة، إذ تسبّب اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو عند إزاحته عبوات الكوكا كولا من على طاولته، أثناء مؤتمر صحافي، في خسائرَ كبيرة في أسهم الشركة، وكان السهم الواحد لكوكا كولا في البورصة في حدود 56.1 دولارًا، ليتراجع إلى 55.22 دولارًا، ما سبّب انخفاض المبيعات بنسبة 1.6 في المئة، وتحوّل رصيد الشركة من 242 مليار دولار إلى 238 مليار دولار3. نسعى في هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على تأثير الظاهرة الرياضية في السياسة الدولية وكيف يمكن التفكير فيها عبر عدسات المقاربات الوضعية في حقل العلاقات الدولية، لا سيّم أنّ الرياضة في عالم اليوم لم تعد مجرّد هواية أو ترفيه، بل صارت ظاهرة معولمة جرى إضفاء الطابع المؤسسي العالمي عليها، ما يستدعي التوقّف مليًّا أمام تأثيرها في حركة التنظير داخل حقل العلاقات الدولية مستقبلً، لما تحمله في طيّاتها من تأثير في جموع الجمهير في مختلف أرجاء العالم
الذي لم يعد، كم بشّ ت العولمة، قريةً صغيرة، بل صار اليوم أشبه ببرج سكني كبير يقيم فيه سكّان المعمورة نتيجة ثورة تكنولوجيات الاتصال والإعلام (ICTs) الجديدة، وما يرتبط بها من الانتشار الآخذ في الاتّساع لاستخدام وسائل التواصل "الاجتمعي".
أولّا: الرياضة والعلاقات الدولية، مراجعة في الأدبيّات
ينبغي لنا أوّلً ضبط مفاهيم هذه الدراسة ونطاق انشغالها، خاصّة أنّ الرياضة مفهوم واسع يضمّ مجموعة من النشاطات البدنية. وقد وجب التمييز بين رياضة الهواة والترفيه، ورياضة النخبة/ المحترفين، فالأولى تمارسها شرائح واسعة من المجتمع بهدف تعزيز الصحّة العامّة والترفيه والتسلية. وفي هذا الصدد، عرّف لينكولن أليسون الرياضة بأنّها "إضفاء الطابع المؤسسي على المهارة والبراعة [أثناء ممرسة النشاط الرياضي"]4، في حين أنّ جاي كوكليي قدّم تعريفًا أوسع للرياضة بوصفها "نشاطًا تنافسيًّا مؤسسيًّا يتضمّن مجهودًا بدنيًّا قويًّا أو أنّها استخدام الأفراد الذين يشتركون فيها مهارات بدنية معقّدة نسبيًا ومدفوعة بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية"5. بناءً عليه، تركّز الدراسة على رياضة النخبة أو المحترفين التي تتطلّب تدريبًا شاقًّا وأداءً عالي الجودة، وغالبًا ما تكون بمنزلة مهنة/ وظيفة بدوام كامل وراتب يتقاضاه الرياضي مقابل التنافس البدني في إحدى البطولات التي يمثّل فيها ناديًا محلّيًا أو دولة ما، وتقوم منظّمت رياضية دولية بتنظيمها وإدارتها. ويصف مايكل كوبيريكي المناخ المصاحب لهذا النوع من المنافسات الرياضية بأنّه يشكّل الحدث الرياضي العالمي على نحوٍ يجعل العلاقة بين الرياضة والسياسة علاقة تأثير متبادل6. فالرياضة في هذه الدراسة هي أكثر من مجرّد هواية. إنّها ظاهرة تؤثّر في السياسة الدولية وتتأثّر بها، وعلى وجه التحديد سياسة الدولة، الفاعل الرئيس في النظام الدولي، على المستوييَن الداخليي والخارجي، ففي حالات كثيرة، أوجدت الرياضة حالة من التمسك والتضامن بين مواطني دولة ما، وبين رياضيّيها القومييّن الذين أصبحوا بمنزلة سفراء وممثّلين لها دوليًّا. وتشكّل الرياضة أيضًا صورة رمزية للمواطنين عند أنفسهم، وعند الشعوب الأخرى من حيث تأثيرها ومكانتها وحيويتها، ومثال ذلك البرازيل التي تعدّ بلد مهاجرين، ولا تكاد تخلو أحاديث البرازيليين اليومية من المباريات وصفقات انتقال اللاعبين، إذ ساهمت كرة القدم في دمج هويّات عرقية مختلفة، ثمّ عزّزت سمعتها على المستوى الدولي بوصفها إحدى الدول المهمّة في هذه الرياضة7. لذا، توظّف الدول الرياضة وتأثير الرياضيين في تشجيع الوحدة القومية وتحسين صورتها وهيبتها الخارجية، إذ ارتبطت بالرياضة مصطلحات الشرف والسمعة والهويّة وتعزيز الفخر الوطني عند كلّ انتصار في إحدى المنافسات الرياضية على المستوى الدولي8. أمّا فيم يتعلّق بحقل العلاقات الدولية، فهو الحقل الذي يركّز على دراسة الظواهر الدولية، وتقتصر هذه الدراسة على استعراض تفسيرات المقاربات النظرية الوضعية التي شكّلت الركيزة النظرية الأساسية في هذا الحقل (الواقعية والليبرالية والماركسية) للظاهرة الرياضية التي لم تكن محلّ بحث وتنظير واسعيَن في الحقل، خلافًا لظواهر أخرى كالحرب والسلام والهجرة غير النظامية والمنظمت الدولية وتأثير الفوضى في النظام الدولي. وتعطينا النظريات الوضعية في حقل العلاقات الدولية تفسيرات لأسباب الظواهر الدولية على اختلافها، وتفاعل السياق الدولي معها، ثمّ تزوّدنا بمجموعة من الافتراضات المختلفة بشأن ذلك، فإذا سألنا عددًا من مختصّ الحقل عن رأيهم في تأثير ظاهرة الرياضة في السياسة الدولية، أو العكس، فإنّنا سنحصل على إجابات مختلفة من كلّ مؤيد لنظرية معيّنة. وينشأ الاختلاف فيم بينهم من حقيقة تركيزهم على جوانب مختلفة، فقد يركّز بعضهم على عوامل القوّة المادية (العسكرية والاقتصادية) في تفسير ظاهرة الرياضة على المستوى الدولي، بينم ينظر آخرون إلى دور القانون الدولي والمؤسسات الرياضية الدولية. أمّا فئة ثالثة منهم فقد ترى في الاقتصاد السياسي والرأسملية العامل الأساسي في فهم الدور المؤثّر للظاهرة الرياضية وتأثّرها بالسياسة الدولية، في حين أنّ فئة رابعة ترى في الظاهرة الرياضية ميدانًا يجري فيه بناء الهويّات المتباينة بغرض تعزيز هياكل القوّة على المستويين الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين عدد قليل من الأدبيات النظرية في مجال الرياضة والعلاقات الدولية، ومردّ ذلك
إلى انشغال الجمعة العلمية في حقل العلاقات الدولية بموضوعات كان لها دور أعمّ وأشمل في السياسة الدولية مقارنة بالرياضة. وقد جادل بنجامين لوي بأنّ الظاهرة الرياضية لم تشكّل تحدّيًا فكريًّا ومعرفيًّا في حقل العلاقات الدولية لأنّها هامشية من حيث تأثيرها في النظام السياسي الدولي. ويعدّ الكتاب الذي حرّره لوي، بعنوان: الرياضة والعلاقات الدولية، من أوائل الأدبيات التي تناولت الموضوع، فعلى الرغم من غياب الإطار النظري الناظم لهذا العمل، فإنّه يعتبر أوّل محاولة منهجية سعى لوي بواسطتها إلى تجميع معرفة علمية حول العلاقة المتبادلة بين الرياضة والثقافة والمؤسسات السياسية. وقد ألقى الكتاب الضوء على قضايا مهمّة جرى تجاهلها في الأدبيات السابقة التي ركّزت على الأبعاد النفسية للرياضة (في سياق ما بات يُعرف بعلم النفس الرياضي) على نحوٍ اختزالي. فقد عرضت بحوث الكتاب الرياضة بوصفها أداة للسياسة الوطنية للدول، وحاولت شرح دورها المهمّ في بناء الأمة عن طريق النظر في السياقات السياسية والثقافية التي تثار فيها مسألة هوية الأمة9. ومنذ ذلك الحين، ظهرت مجموعة من المقالات التي تحاول الربط الجادّ بين الرياضة والعلاقات الدولية، فقد تطرّق تريفور تايلور في دراسته "الرياضة والسياسة العالمية: الوظيفية ونظام الدول"10، إلى الإهمل المتبادل بين حقل العلاقات الدولية ودراسات الرياضة، حيث جادل بأنّ تاريخ الرياضة والعلاقات الدولية شابتْهُ حالة من عدم الاهتمم المتبادل غير المقصود، وبرّر ذلك بأنّ علمء الحقل لم يكن لديهم الكثير ليقولوه عن علاقة الرياضة بالعلاقات الدولية11، بخلاف التطرّق إلى بعض الأحداث الكبرى التي ترافق البطولات العالمية. ولا يعني ذلك، في نظر تايلور، أنّ الخلافات السياسية بين الدول لم تجد انعكاسًا لها في الرياضة، إذ جرى توظيف الرياضة أداةً من أدوات السياسة الخارجية لتلك الدول، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، في النظام الدولي لتحقيق مصالحها، ومثال ذلك محاولات اليابان تغيير صورتها النمطية من دولة عدوانية إلى دولة تحاول أن تبني جسور الصداقة مع محيطها عبر أولمبياد طوكيو عام 1964، الذي كان بمنزلة إعادة تأهيل غير رسمية لها ودمجٍ في النظام الدولي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية. وبناءً عليه، قد يتّفق العديد من علمء العلاقات الدولية على أنّ العلاقة بين الرياضة والسياسة على نطاق عالمي هي علاقة مثيرة للاهتمم وتستحقّ البحث والدراسة. ومع ذلك، فإنّ من المحتمل أن تكون ثمّة تحفّظات جدّية حول أيّ تأكيد على أنّ العلاقة مهمّة، لأنّ الرياضة غالبًا ما ترتبط على نحو ضمني أو صريح باللعب Play، ولا يُعتقد عمومًا أنّها عنصر جادّ في الشؤون الإنسانية، على خلاف التركيز على القضايا المرتبطة بالتنافس والصراع أو حتّى التعاون والاعتمد المتبادل بين وحدات النظام الدولي في فترة الحرب الباردة، وهو ما جعل الأدبيات في حقل العلاقات الدولية لا تتعامل بجدية مع الرياضة من الناحية السياسية12. أمّا مايكل شابيرو في مقالته، "تمثيل السياسة العالمية: النصّ البيني للرياضة/ الحرب"، فقد ركّز على الاستعارات الرياضية المستخدمة أثناء الحرب وفق منظورٍ ما بعد بنيوي، حيث أشار إلى أنّ المرء قد يواجه، من الناحية المنهجية، ظواهر تدفعه إلى النظر في النصوص البينية التي تتوسّط الممرسات الاجتمعية المكوّنة لهذه الظاهرة، وهي في حدّ ذاتها ممرسات ذات تعبيرات لغوية13. وهذا ما ينسحب على الطابع الرياضي التنافسي، فهي ممرسة اجتمعية جرى استعارة الخطاب الذي يتمحور حولها من أدبيات الصراع الدولي. لذلك، فإنّ خطاب الرياضة، الذي تشكَّل عن طريق البنى والعلاقات الاجتمعية للمسابقات، له "قابلية تصوير" كممرسة تمثيلية؛ ويواجه رموزًا تفسيرية منتشرة على نطاق واسع، فعلى سبيل المثال، تقدّم ممرسة أدولف هتلر الخطابية مث لً جيّدًا عن الشرعية البلاغية أو التصويرية لخيارات السياسة العنيفة، وقد وجد ذلك تأثيره خلال ثلاثينيات القرن العشرين في الظاهرة الرياضية، إذ كان جزء صغير من الجمهور الفرنسي قد فتُن بالأنظمة الاستبدادية، لأنّ الرياضيين الإيطاليين والألمان حقّقوا نجاحات رياضية عديدة، وبقيامهم بذلك عزّزوا المكانة الوطنية والفخر وكذلك شرعية أنظمتهم السياسية14. وقد جرى في مطلع تسعينيات القرن الماضي نشر سلسلة من الكتب والدراسات التي تناولت الظاهرة الرياضية والعلاقات الدولية، أهمّها كتاب باري هوليهان، الرياضة والسياسة الدولية، الذي يعدّ أحد أهمّ الأدبيات الأكاديمية التي جرى اقتباسها في مجال الرياضة والعلاقات الدولية، حيث وسّع من دائرة تحليل تلك العلاقة عن طريق إضافة مقاربات نظرية جديدة، أهمّها التعددية والماركسية، إضافة إلى النظرية الواقعية15. وقد سبق أن نشر كتابًا آخر ركّز فيه على دراسة
السياسات/ الإدارة العامّة وعلاقتها بالظاهرة الرياضية على المستوى الدولي، هو الحكومة وسياسة الرياضة، الذي تناول فيه دور الهيئات والمؤسسات الحكومية في الدولة في السياسة الرياضية، وركّز على عملية تطوير السياسات الحكومية وتنفيذها في ضبط الممرسة الرياضية. إلّ أنّ الكتاب كان معنيًّا حصرًا بحوكمة الرياضة، وليس بسياسة الرياضة Politics Sport على وجه التحديد، عدا أنّ عنوانه مضلّل نسبيًّا أيضًا، لأنّه يتعامل على نحو شبه حصري مع بريطانيا، على الرغم من تطرّق الكاتب في مواضع محدّدة إلى تجارب كلّ من كندا وفرنسا وجمهورية ألمانيا الديمقراطية على نحو مقتضب16. وفي كتاب حرّره جيمس ريوردان وآراند كروجر، بعنوان السياسة الدولية للرياضة في القرن العشرين، حاول المحرّران وضع الظاهرة الرياضية في سياق تاريخي، وقدّما وصفًا مفصّلً لتأثّر الظاهرة الرياضية بالقضايا الدولية، ولكن دون إسهام نظري معمّق في حقل العلاقات الدولية؛ فقد ركّز القسم الأوّل من الكتاب على دراسة تأثير أكبر منظّمتين رياضيتين دوليتين، هم اللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد الدولي لكرة القدم، وكذلك تأثير الفلسفة الشمولية الماركسية والفاشية في الرياضة؛ بينم ركّز القسم الثاني على دور الدين ودور الرياضة وتأثيرها في نضال حركة السود في الولايات المتحدة الأميركية لانتزاع حقوقهم، وكذلك النضال ضدّ نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا إلى جانب توظيف الحركة النسوية للرياضة في نضالها ونشاطها الداعم لحقوق المرأة17. وركّز بنلوبي كيسودي في دراسته، "الرياضة والسياسة والعلاقات الدولية في القرن العشرين"، على التداخل بين الرياضة والسياسة على المستويات الدولية والوطنية والإقليمية، إذ يُظهر تاريخ العلاقات الدولية، في رأيه، غلبة أطروحة قيام الحكومات بتوظيف الأحداث الرياضية الدولية، وخاصّة الألعاب الأولمبية، لتحقيق مصالحها على المستويين المحلّ والدولي، على أطروحة التفاهم والصداقة والسلام الدولي التي ترافق المنافسات الرياضية. ورصد كيسودي ذلك ببراعة في فترة الحرب الباردة بواسطة مجموعة من الأمثلة على ذلك، خاصّة في المنافسات الأولمبية ومنافسات كرة القدم الدولية، ففي عامَي 1982 و 1987، عندما فازت الأرجنتين وإيطاليا على التوالي بكأس العالم في كرة القدم، كان الجنرال الأرجنتيني خورخه فيديلا Videla Jorge والرئيس الإيطالي ساندرو بيرتينيSandro Pertini حريصيَن كلّ الحرص على ربط نفسيهم بنجاح بلديهم، وسعيهم وراء مصالحهم القومية، وهو ما يجعل من الرياضة موردًا يمكن استخدامه سياسيًا على المستويين المحلّ والدولي18. لقد كانت ندرة المؤلّفات الأكاديمية الجادّة، التي تبحث في تنظير حقل العلاقات الدولية في الظاهرة الرياضية، أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت روجر ليفرمور وأدريان بود إلى تحرير كتاب تمحورت إشكاليته الرئيسة حول معالجة حالة إهمل الظاهرة الرياضية في حقل العلاقات الدولية. وفي هذا الصدد، أشار كريستوفر هيل Hill Christopher، الذي قدّم للكتاب، إلى وجود الرياضة على هامش أجندة حقل العلاقات الدولية، ومردّ ذلك أنّ الرياضة ما هي إلّ للتسلية، ولا تثير أسئلة لدى مختصّ الحقل عن حدود تأثيرها في السياسة الدولية وتأثّرها بها. ولكنّه في الوقت ذاته أشار إلى أنّ قوة هذا الافتراض بدأت تتلاشى مع بزوع فجر الوعي بالدور المتنامي الذي تؤدّيه الرياضة في حياة ملايين البشر في أنحاء العالم، سواء أكانوا أغنياء أم فقراء، ثم بتأثيرها في السياسة الدولية. لذلك، فإنّ هدف الكتاب كان تركيز الاهتمم على الرياضة في حقل العلاقات الدولية والتقليل من هوس مختصّ الحقل بالسياسات العليا بين الدول الذي كرّسه المنظور الواقعي في حقل العلاقات الدولية على نحو مبتذل. وفي المقابل، لفت كريستوفر الانتباه إلى أنّ العدد القليل من مختصّ الحقل في أقسام العلوم السياسية وكثرة الموضوعات التي يتعيّ على حقل العلاقات الدولية دراستها كالصحّة العالمية، والجندر، والأسلحة البيولوجية، والهجرة غير النظامية، قد شكّلت عاملً بنيويًّا في إهمل بحث الظاهرة الدولية19. عربيًّا، لم تكن الكتابة في موضوع الرياضة وحقل العلاقات الدولية أحسن ح لً من الكتابات الغربية، على عكس اهتمم الجمعة العلمية العربية المنشغلة بعلم الاجتمع الرياضي وعلم النفس الرياضي، حيث ظهرت كتابات عديدة في هذين المجالين20. وقد جرى التركيز على ظواهر أعمّ وأشمل في فهم السياسة الدولية، وتأثير سياسات القوى
الكبرى في المنطقة العربية التي تشهد حالةً من التنافس والصراع بينها وبين القوى الإقليمية الأخرى، وهذا لا يعني غياب بعض الكتابات التي تناولت العلاقة بين الرياضة وحقل العلاقات الدولية، فقد نشر محمد سليم السيد ورجاء إبراهيم السيد كتابًا بعنوان الألعاب الرياضية في العلاقات الدولية، قدّما فيه عرضًا وصفيًّا للنظام الرياضي على المستوى الدولي، والمنظمت الرياضية الدولية المرتبطة بالتكتلات السياسية الإقليمية21. ونشر فؤاد شاكر كتابًا بعنوان الألعاب الرياضية: حصاد القرن العشرين، تناول فيه أيضًا التطوّر التاريخي للرياضات على المستوى الدولي، وأهمّ الأحداث التاريخية التي رافقتها في عرض سردي لتاريخ العلاقات الرياضية الدولية22. أمّا على مستوى الدراسات، فقد نشر نور الدين لعسل دراسة بعنوان "الرياضة في العلاقات الدولية: بين القومية والكوسموبوليتانية" حاول فيها استعراض الإمكانات القوية للرياضة، وخاصة الدبلوماسية الرياضية، في العلاقات الدولية23.
ثانيًا: الظاهرة الرياضية: بين العلمية والعولمة
إنّ تحليل الظاهرة الرياضية من منظور علم الاجتمع جديد نسبيًا، على الرغم من أنّ أصولها يمكن أن تعود إلى رياضات اليونان في العصور القديمة، فأوّل ألعاب أولمبية سجّلها التاريخ كانت في أولمبيا في اليونان عام 776 قبل الميلاد، وقد استمرّت ثم توقّفت بأمر من الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس عام 393 م، ثمّ عادت مرة أخرى عام 1896 عن طريق الأرستقراطي الفرنسي بيير دي كوبرتان de Pierre24Coubertin، وكان هدفه المعلن من استعادة الألعاب الأولمبية التنافس الشريف ونشر العلاقات الطيبة والأخلاقيات الحميدة بين الشعوب وذلك بتكريس الرياضة وتعزيزها، وضمن استقلاليتها وديمومتها، ثمّ بتمكينها على نحوٍ أفضل من أداء الدور التربوي المنوط بها في العالم الحديث. إلّ أنّ هناك هدفًا سياسيًّا غير معلن يرتبط أساسًا بتشجيع الأمّة الفرنسية على الرياضة واكتساب القوة الجسمنية على غرار الأمة الألمانية المتفوّقة في هذا المجال، فقد شكّلت الهزيمة القاسية التي لحقت بالإمبراطور الفرنسي لويس نابليون على يد أوتو فون بسمرك عام 1871، عاملً مهًّمًّ لدى النخبة الاقتصادية والثقافية في فرنسا بهدف البحث عن سبل النهوض بالأمّة الفرنسية على مستويات مختلفة من بينها الاعتمد على تفعيل حركة الأولمبياد25.
وقد كانت الألعاب الأولمبية في منتصف القرن التاسع عشر، التي انتظمت في عدد من دول العالم، ساحة دولية للمنافسة أشبه بمهرجان بسيط يضمّ مجموعة من الرياضيين الهواة، ولم تكن الرياضة ذات شعبية عالمية كم هي الحال اليوم. لذلك، ظلّت أهميتها بالنسبة إلى العلوم الاجتمعية عمومًا والعلوم السياسية خصوصًا هامشية إلى حدّ ما. وقد تغيّ الوضع جذريًّا في النصف الأوّل من القرن العشرين، خاصة مع الألعاب الأولمبية التي نقلت الرياضة من مستوى الهواية والتسلية إلى مستوى الحرفة والأداء العالي المنظّم، وهو ما أثار مجموعة من التساؤلات حول الظاهرة الرياضية وعلاقتها بالعلوم الاجتمعية. شكّلت الرياضة في نظر العلوم الاجتمعية ظاهرة معرفية مهمّة في النصف الثاني من القرن العشرين، وعرفت العلوم الاجتمعية
الاهتمم بالظاهرة الرياضية مع عالم الاجتمع الألماني نوربرت إلياس، وذلك بسَكِّه مجموعة من المفاهيم النظرية في حقل الاجتمع الرياضي26، وكذلك أسهم بيير بورديو في معالجة الظاهرة الرياضية من منظور علم الاجتمع. ومنذ ذلك الوقت، عرفت دراسات الرياضة تطوّرًا ملحوظًا، فزاد عدد المؤلّفات الأكاديمية الفردية والجمعية، والمجلّت العلمية المحكّمة باللغات المختلفة، إضافةً إلى تأسيس عدد من الجمعيات والمنظمت ذات الانشغال الكامل ببحث العلاقة بين الرياضة والعلوم الاجتمعية، ومثال ذلك، جمعية أميركا الشملية لعلم اجتمع الرياضة التي تأسست عام 197827، وجمعية عموم آسيا للرياضة والتربية البدنية التي أسّست في أواخر خمسينيات القرن الماضي28، والجمعية البريطانية لفلسفة الرياضة29، والرابطة الدولية لفلسفة الرياضة، والرابطة الدولية لعلم اجتمع الرياضة، التي تأثّرت ظروف تأسيسها ونشأتها بطبيعة التحولّات في النظام الدولي. لقد كانت أجندة المؤتمرات والندوات في تلك الجمعيات والمنظمت ومخرجاتها مصدر إلهام لمزيد من البحث العلمي في ظاهرة الرياضة من منظور العلوم الاجتمعية؛ إذ جرى تكريس مفهوم علم اجتمع الرياضة في أثناء التحضيرات والاستعدادات لإنشاء الجمعية الدولية لعلم اجتمع الرياضة، التي أسّست في مطلع عام 200930. وبذلك، احتلّت علوم اجتمع الرياضة موقعًا في الأكاديميا في مختلف دول العالم، نتيجة تطوّر الظروف المؤسسية والوظيفية والتنظيمية والمنهجية، ما قاد إلى إنشاء وحدات ومناهج أكاديمية، وبرامج دراسية متعلّقة بها، إضافةً إلى مجموعة كبيرة من المجلّت/ الدوريات العلمية المحكّمة التي تركّز على دراسة الأبعاد الأكسيولوجية والثقافية والرمزية والجملية للرياضة. واليوم، يشمل مفهوم علوم اجتمع الرياضة مجموعة من التخصصات والمجالات الأكاديمية، أهمّها علم الاجتمع الرياضي، وفلسفة الرياضة، وعلم النفس الرياضي، وعلم التربية الرياضية، وتاريخ اللياقة البدنية، والرياضة الأولمبية، والسياسة والبيئة الدولية للرياضة، والاقتصاد الرياضي، والمنظمت الرياضية والإدارة، والعلاقات الاجتمعية فيم يتعلّق بتكتيكات التدريب والرياضة، والنظرية الإنسانية لفنون الدفاع عن النفس. اللافت أنّ دراسة العلاقة بين الظاهرة الرياضية وحقل العلاقات الدولية ما زالت في مرحلة جنينية، كم بينّا سابقًا أثناء عرض أهمّ الأدبيات التي حاولت فهم إهمل ظاهرة الرياضة في حقل العلاقات الدولية وتفسيره؛ فقد ركّز باحثو الحقل على دراسة الظاهرة الرياضية الدولية من منظور واقعي، خاصّة في البطولات القاريّة التي يمكن من خلالها تتبّع مسار/ شكل العلاقة بين القوى الدولية الكبرى التي تحاول أن توظّف الرياضة لتكريس نفوذها الذي لا ينحصر في المجالات السياسية والاقتصادية، بل يمكن أن يمتدّ أيضًا إلى المنافسات الرياضية. وخير مثال على ذلك، كم سنوضح لاحقًا، الألعاب الأولمبية في فترة الحرب الباردة، التي كانت تعكس إلى حدّ بعيد حالة التنافس بين القطبين العالميّيَن الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، في الفوز بأكبر عدد من الميداليات. بناءً عليه، كانت الدول توظّف الرياضة لخدمة مصالحها وتحسين صورتها وبناء سمعتها وهيبتها، لذا استمرّ التعامل مع ظاهرة الرياضة الدولية في حقل العلاقات الدولية على أنّها واحدة من الأدوات التي بواسطتها نستكشف جانبًا من سياسات الدولة الداخلية وعلاقاتها الخارجية، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة في النظام الدولي، وما إن دخل العالم في مرحلة جديدة من التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتمعي لا مثيل لها، ضمن ما اصطلح على تسميته بالعولمة Globalization التي أزاحت الكثير من وظائف الدولة، ومنها الرياضة، من دائرة تأثير الدولة المحلّ إلى دائرة تأثير المنظمت الدولية الرياضية فيها. ولكن، ما زال للدولة القدرة على التأثير والتحكّم فيها، فهذا ليس حكمً مطلقًا بأنّ الرياضة أصبحت اليوم خارج سلطة الدولة. أسهمت العولمة في زيادة مساحة تأثير الرياضة في السياسة الدولية، وذلك بسبب التطوّر الذي عرفته البنى المؤسساتية الرياضية الدولية التي تملك مقوّمات مالية وإعلامية وثقافية تتجاوز حدود الدولة القومية. وأصبحت المنظمت الرياضية الدولية فاعلً سياسيًّا في النطاقات السياسية والإعلامية والاقتصادية الدولية، تنافس النطاقات الرسمية التقليدية لأدوار الدول بوصفها الفاعل المنظّم للنشاط الرياضي على المستوييَن المحلّ والدولي، فلا يمكن تجاهل دور
المنظمت الرياضية الدولية التي أسهمت في تطوير علوم اجتمع الرياضة باعتبارها مادّة لدراسة تأثيرها في المستويات السياسية والاقتصادية والاجتمعية، وكذلك أثّرت في السياسة الدولية، ومثال ذلك اللجنة الأولمبية الدولية IOC والاتحاد الدولي لكرة القدم.FIFA لذا، نجد أنّ الترابط بين ما هو محلّ وما هو عالمي قد ألقى بظلاله، دون أدنى شكّ، على الرياضة، التي تحوّلت إلى ظاهرة اجتمعية عالمية تتأثّر بالتطوّر الذي يطرأ على حركة التنظير في العلوم الاجتمعية والإنسانية وتؤثّر فيه؛ فعلى مستوى حقل العلاقات الدولية، أصبح من الضروري المضيّ قدمًا في دراسة العلاقة بين الرياضة والسياسة الدولية وذلك بقراءةٍ نظرية للهيئات البيروقراطية الرياضية الدولية التي تتولّ حوكمة الرياضة الدولية، ودراسة التحولّات التي طرأت على الرياضة نتيجة التغييرات الكبرى التي عرفها النظام الدولي، والانتقال من النظام الثنائي القطبية إلى الأحادي القطبية، مرورًا بالإرهاصات التي تدلّ على التغيير القادم في النظام الدولي. إنّ نظرة سريعة إلى نشرات الأخبار، التي باتت تخصّص مساحة وافية وكافية للأخبار الرياضية على المستوييَن المحلّ والعالمي، قد تشكّل مدخلً لدراسة الرياضة المعولمة بوصفها ظاهرة اجتمعية تتميّز بمكانة خاصّة في تفسير نمط التفاعل بين الدول على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتمعية من ناحية، ومحاولات الدول توظيف الرياضة في تحقيق المكانة وضمن السيادة والتأثير في السياسة الدولية من ناحية أخرى. وهو ما يتطلّب بذل مزيد من الجهد في البحث عن معالجات نظرية في حقل العلاقات الدولية للظاهرة الرياضية التي ركّزت في فهم التأثير المتبادل بين الرياضة الدولية في العلاقات بين الدول وتفسيره، وما نحاوله في الأقسام التالية من الدراسة هو اختبار فرضيات النظريات الوضعية في تعاملها مع الظاهرة الدولية.
ثالثًا: الواقعية: الألعاب الأولمبية ساحة تنافس وصراع بين الدول
تقوم الواقعية على مجموعة من الافتراضات والتصوّرات المتعلّقة بالفرد والدولة والنظام الدولي، فالإنسان، وفق المنظور الواقعي، أناني بطبعه، ويسعى إلى امتلاك القوّة في المجتمع المحلّ الذي يتّسم بوجود سلطة مركزية تشكّلت عن طريق تعاقد أفراد المجتمع لتنظيم أمورهم الحياتية، وجسّدتها الدولة القومية في التنظيم السياسي السائد منذ القرن السادس عشر. أمّا النظام الدولي فيتّسم بغياب السلطة المركزية Anarchy؛ والدولة فيه هي الفاعل الرئيس، وتسعى عبر جهازها التنفيذي الممثّل بالحكومة إلى تحقبق مصالحها القومية. وتفترض المدرسة الواقعية أنّ الدولة فاعل عقلاني عند اتّخاذها القرارات والمواقف على المستوى الدولي، وذلك على نحوٍ يجعلها تعظّم المكاسب وتقلّل من الخسائر، ويضمن لها البقاء في النظام الدولي عن طريق زيادة قوّتها المادية والعسكرية31. وقد أذكت النظرية الواقعية البنيوية، التي أرسى دعائمها كينيث والتز Waltz Kenneth، النقاش بين عدد كبير من الباحثين في حقل العلاقات الدولية حول مقدار القوة، الذي يُعدّ كافيًا بالنسبة إلى الدول، لكي تحقّق مصالحها وتضمن بقاءها في النظام الدولي. وهو ما نجم عنه انقسام الواقعية البنيوية إلى اتجاهين رئيسين: أطلق على الاتجاه الأوّل اسم الواقعية الدفاعية، وعلى الثاني اسم الواقعية الهجومية. ووفقًا للافتراضات السابقة، تعتبر الرياضة مجرّد أداة بيد الدولة التي هي الفاعل الرئيس في النظام الدولي؛ حيث يرتبط التفسير الواقعي للظاهرة الرياضية على نحو أساسي بازدياد شعبيتها على المستوى الدولي، فكلّم ازدادت شعبية الرياضة على المستوى الدولي، أو ما يمكن أن نصطلح على تسميته اليوم "عولمة الرياضة"، ازداد اهتمم الدولة بها بوصفها أداة لتحقيق مصالحها القومية32. لذا، فإنّ التفسيرات الواقعية تسير في اتجاه خطّي واحد، وهو تأثير السياسة الدولية في الظاهرة الرياضية، وتوظيف المنافسات الرياضية في تعظيم مكانة الدولة وهيبتها على المستوى الدولي. ولا تركّز على الاتجاه المعاكس لهذه العلاقة، وهو تأثير الرياضة والمنظمت الرياضية الدولية في السياسة الدولية؛ بما أنّ المنظمت الدولية على اختلافها، وفق المنظور الواقعي، ليست سوى أدوات تستخدمها الدول لخدمة مصالحها القومية. وتبرهن الواقعية على صحّة افتراضها بأنّ الدول الكبرى على المستويين الإقليمي والدولي تسعى إلى بذل قصارى جهدها لإظهار تفوّقها في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، بما في ذلك توظيف الأدوات كافّة التي تدعم تحقيق ذلك التفوّق، ومن بينها المنافسات الرياضية الدولية التي شكّلت أداة مهمّة للدعاية إبّان الحرب الباردة. لقد شكّلت الألعاب الأولمبية ساحةً من ساحات المنافسة بين القوى الكبرى في النظام الدولي من أجل حصد أكبر عدد من الميداليات في محاولة منها لكي تجعل الفوز منسجمً مع مكانتها الإقليمية والدولية، مع التأكيد في هذا الصدد على أنّ الانتصارات الرياضية ليست محصورة في جدول ميداليات الألعاب الأولمبية،
لكنّنا سنركّز في التحليل الواقعي على دورات الألعاب الأولمبية التي تعطي صورة واضحة لحجم التنافس الدولي على الرياضة. وهذا لا يقلّل من أهمية المنافسات الرياضية الدولية الأخرى في مجالات متنوّعة (كرة القدم، والسباحة، والتنس... إلخ) في تجسيد المنافسة الرياضية بين الدول، وأهمية تحقيق الانتصارات على من يمكن وصفهم بالأعداء السياسيين. بناءً عليه، قد يكون جدول الميداليات الأولمبية (ينظر الجدول) هو التقييم الأكثر شفافية للمنافسة الرياضية على نحو قد يكون منسجمً مع افتراضات المقاربة الواقعية من ناحية التنافس على حجز مقعد بين الدول الكبرى التي تحصد أكبر عدد من الميداليات بما ينسجم مع إمكاناتها العسكرية والاقتصادية والسياسية في النظام الدولي، مع الإشارة في هذا المقام إلى أنّ عدد الميداليات الأولمبية لم يجد صداه في العلاقات الدولية في السنوات الأولى للحركة الأولمبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كم هي الحال في مراحل لاحقة من تطوّر النظام الدولي، خاصة في مرحلة ما بين الحربين العالميتين؛ حيث بدأت تظهر أهمية توظيف الدول الكبرى للرياضة على المستوى الدولي إلى حدٍّ بعيد في الألعاب الأولمبية، ولعل المثال الأبرز تمثّل في الدورة التي استضافتها ألمانيا النازية عام 1936، والتي سعت جاهدة فيها إلى حصد أكبر عدد من الميداليات الذهبية، إذ فازت ب 33 ميدالية ذهبية، بينم احتلّت الولايات المتحدة المرتبة الثانية ب 24 ميدالية ذهبية. حينها استخدم النظام النازي تلك المنافسة الدولية بغرض تعزيز الأيديولوجيا النازية، وإبراز تطوّر القدرة واللياقة البدنية للشعب الألماني وتدريب نخبة من المحاربين الرياضيين، على نحوٍ يجعل ألمانيا أمّة متفوّقة جسديًّا وروحيًّا على الديمقراطيات الغربية33. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهد النظام الدولي شكلً جديدًا من أشكال توزيع القوّة بين قوّتين عظمييَن، هم الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وبدأ التنظير في حقل العلاقات الدولية يتمحور حول فهم طبيعة النظام الدولي الثنائي القطبية وتفسيرها، فقد عرف التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي صورًا عديدة (أيديولوجية، وعسكرية، واقتصادية، واجتمعية... إلخ) في إطار ما اصطلح على تسميته بالحرب الباردة. ولاقت تلك الحرب صداها في المنافسات الرياضية. لقد كانت دورات الألعاب الأولمبية بمنزلة ساحة "حرب باردة رياضية"، إذ شكّلت دورة الألعاب الأولمبية في العاصمة الفنلندية هلسنكي عام 1952 بداية المواجهة الشرسة بين القطبين العالميّيَن في مجال الرياضة، وكانت الانتصارات تتأرجح بينهم لاحقًا في دورات أولمبية مختلفة على المرتبتيَن الأولى والثانية، مع الإشارة إلى أنّ الصين، القوّة الدولية الناشئة في تلك الفترة، شاركت في هذه الدورة، ولم تحرز أيّ ميدالية، لتقاطع دورة الألعاب الأولمبية، ثمّ تعود للمشاركة في دورة لوس أنجلوس عام 1984 في الولايات المتحدة، وتحقق الترتيب الرابع دوليًّا بواقع 32 ميدالية منها 15 ذهبية. وبناءً عليه، وفق المنظور الواقعي في حقل العلاقات الدولية، رسمت الحرب الباردة والسلوك الخارجي للقوّتين العظمييَن شكل العلاقة بين الرياضة والعلاقات الدولية باعتبار الرياضة إحدى الأدوات المهمّة في تنفيذ توجّهات السياسة الخارجية للقوى العظمى التي تتأثّر بها ويجري توظيفها من أجل خدمة مصالحها وتعزيز نفوذها، ثمّ إنّها تعكس مكانتها بوصفها قوّة عظمى في بنية النظام الدولي. والأمثلة على ذلك كثيرة، ففي سبعينيات القرن الماضي قامت الولايات المتحدة، في إطار محاولاتها تطويق الاتحاد السوفياتي والحدّ من تأثيره، باستخدام حدث رياضي للتقارب مع الصين ضمن ما عُرف بدبلوماسية البينغ بونغ، حين قبل فريق اتحاد كرة طاولة المضرب الأميركي دعوة من الصين للمشاركة في مباراة ودّية، وقد كانت ثمة تغطية إعلامية كبيرة لتلك المباراة التي مهّدت الطريق لاحقًا لزيارة الرئيس ريتشارد نيكسون للصين في إطار الحرب الباردة ومحاولات واشنطن احتواء الاتحاد السوفياتي34. والجدير بالذكر أنّ المكاسب الرياضية المرموقة خلال الحرب الباردة لم تكن تنطبق على الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي فحسب، بل تنطبق أيضًا على البلدان الأخرى ذات التكتلّات الجيوسياسية المختلفة، وأحيانًا داخلها أيضًا، ومثال ذلك تأثير التوتّر في العلاقات اليوغسلافية - السوفياتية في البطولات الرياضية، فقد شاب تلك العلاقات نوع من التوتّر بسبب رفض الزعيم اليوغسلافي، جوزيف تيتو، سياسة الاتحاد السوفياتي تجاه بلده، وسعى إلى الحفاظ على نوع من الاستقلالية عن سياسة المعسكر الشرقي الذي كان يهيمن عليه جوزيف ستالين آنذاك35، وهو ما لاقى صداه في المنافسات الرياضية، ففي مباراة كرة قدم جمعت فريقَي البلدين، تقدّم منتخب يوغوسلافيا بنتيجة 1-5، ثم قلّص المنتخب السوفياتي الفارق قبل 14 دقيقة، وتعادل بعد ذلك بنتيجة 5-5، ثمّ جرتْ إعادة المباراة بعد يومين، ليفوز فيها منتخب يوغوسلافيا بنتيجة 1-3 في 22 تموز/ يوليو 1952. واللافت أنّ وسائل الإعلام السوفياتية لم تبلّغ عن الخسارة حتّى عام 1953، بعد وفاة ستالين36.
جدول توضيحي يبين ترتيب الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي أثناء الألعاب الأولمبية الصيفية، إبّان الدورات التي تخلّلت الحرب الباردة
| الدورة | ترتيب الولايات المتحدة | الميداليات التي حصلت عليها الولايات المتحدة (الذهبية، الفضية، البرونزية) | ترتيب الاتحاد السوفياتي | الميداليات التي حصل عليها الاتحاد السوفياتي (الذهبية، الفضية، البرونزية) |
|---|---|---|---|---|
| هلسنكي (1952) | 1 | (40، 19، 17) | 2 | (22، 30، 19) |
| ميلبورن (1956) | 2 | (32، 25، 17) | 1 | (37، 29، 32) |
| روما (1960) | 2 | (34، 21، 16) | 1 | (43، 29، 31) |
| طوكيو (1964) | 1 | (36، 26، 28) | 2 | (30، 31، 35) |
| المكسيك (1968) | 1 | (45، 28، 34) | 2 | (29، 32، 30) |
| ميونخ (1972) | 2 | (33، 31، 30) | 1 | (50، 27، 22) |
| مونتريال (1976) | 3 | (34، 35، 25) | 1 | (49، 41، 35) |
| موسكو (1980) | لم تشارك | 1 | (80، 69، 46) | |
| لوس أنجلوس (1984) | 1 | (83، 61، 30) | لم تشارك | |
| سول (1988) | 3 | (36، 31، 27) | 1 | (55، 31، 46) |
عرفت الألعاب الأولمبية مباريات كان للسياق الدولي تأثير مهمّ فيها، ففي عام 1956، في أثناء دورة الألعاب الأولمبية في ميلبورن عام 1956، التي كادت تُلغى بسبب حدثين دوليَيّن بارزين، هم حرب السويس عام 1956، والثورة المجريّة وغزو الاتحاد السوفياتي للمجر، فقد قاطعت الدورة الأولمبية في ميلبورن كلّ من مصر ولبنان والعراق، إضافةً إلى هولندا وإسبانيا. وفي هذه الأجواء الدولية المتوترة، التقى فريق كرة الماء السوفياتي والمجري في مباراة نصف نهائية، وكانت بعد غزو الاتحاد السوفياتي المجر، وكان هذا مث لً كلاسيكيًّا على صدام سياسي داخل تكتّل جيوسياسي تجسّد في مباراة رياضية، على الرغم من أنّه ربما لم تتوقعه حكومتا البلدين، إذ كانت أجواء المباراة متوترة جدًّا ومليئة بالأخطاء بين اللاعبين، حتّى أُطلق عليها مباراة "الدماء في الماء"37. ثمّ إنّ تدهور العلاقات بين السلفادور وهندوراس وجد صداه في مباراة التأهّل لكأس العالم في المكسيك عام 1970. ففي اليوم نفسه، الذي أقيمت فيه المباراة في حزيران/ يونيو 1969، دخلت السلفادور في حرب مع هندوراس فيم بات يُعرف بحرب كرة القدم. ويمكن تلمّس تأثير السياسة الدولية للقوى العظمى خلال الحرب الباردة في الرياضة في فترة الثمنينيات، التي شهدت استخدام سلاح مقاطعة المنافسات الرياضية بوصفها وسيلة للمواجهة وممرسة الضغط على الطرف الآخر؛ إذ رفضت واشنطن ومعها عدد من الدول الأوروبية المشاركة في دورة موسكو 1980 على خلفية احتلال أفغانستان. وفي المقابل، قاطع الاتحاد السوفياتي أيضًا دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس 1984. وبقيت الرياضة إبّان فترة الحرب الباردة أداة بيد الدولة التي تمارس هيمنة على النشاط الرياضي. وكان التحوّل في بنية النظام الدولي، مع انهيار الاتحاد السوفياتي، تحدّيًا أمام المقاربة الواقعية في تفسير التأثير المتنامي للرياضة في السياسة الدولية، خاصّة مع تزايد تأثير المنظمت الدولية والإقليمية الرياضية. ومع ذلك، لم تكن نهاية حقبة الحرب الباردة تعني تراجعًا في أهمية جدول الميداليات الأولمبية في التفسير الواقعي لتوظيف الرياضة في
إطار التنافس على المستوى الدولي، بل شكّلت مؤشّ ا لصعود القوى الدولية وهبوطها، فمع تحوّل النظام الدولي من ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية، نلحظ صعود الصين الدولة الأشد رغبة في الفوز بميدالية الألعاب الأولمبية لأسباب سياسية في إطار تنافسها مع الولايات المتحدة، ففي أولمبياد بيجين عام 2008، حرصت الصين على الفوز بأكثر عدد من الميداليات الذهبية، وإلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة بوصفها القوّة الرياضية العظمى في العالم في السنوات الماضية. ونجحت الصين في احتلال المركز الأوّل من حيث عدد الميداليات الذهبية، عندما حصدت 51 ميدالية ذهبية، بينم احتلّت الولايات المتحدة المركز الثاني ب 36 ميدالية ذهبية38. والجدير بالذكر أنّ أحد أهمّ سهام النقد، التي وُجّهت إلى النموذج الواقعي في هذا السياق، إهمله فهم سعي الدول الصغيرة لتوظيف الظاهرة الرياضية الدولية لخدمة مصالحها وإهمله تفسير ذلك السعي، ومثال ذلك استضافة دولة قطر بطولة كأس العالم 2022، واستضافة سنغافورة دورة الألعاب الأولمبية للشباب 2010، والإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا إمارة أبوظبي التي تستضيف بطولات التنس والغولف الكبرى، في تحدٍّ لهيمنة القوى الدولية الكبرى التقليدية على استضافة المنافسات الرياضية الدولية وفق المنظور الواقعي، إضافة إلى إهمل تفسير دور المنظمت الدولية الرياضية وتأثيرها في السياسة الدولية. لقد هيمن النموذج الواقعي في حقل العلاقات الدولية على دراسة الدول الكبرى أكثر من دراسة الدول الصغيرة، فهي تدور في فلك الدول الكبرى وترتكز عليها في قضايا الأمن39. وغالبًا ما جرت مقاربة دور الدول الصغيرة في النظام الدولي من زاوية تهديدها مصالح القوى الكبرى، ومثال ذلك كوبا والولايات المتحدة، وجورجيا ودول البلطيق وروسيا، وتايوان والصين. لذا، فقد يزوّدنا النموذج الليبرالي الجديد/ المؤسساتي بقدرةٍ أكبر على فهم دور الدول الصغيرة في المنظمت الرياضية الدولية من أجل تحقيق مصالحها القومية في إطار "دبلوماسية الرياضة"، لإظهار مكانتها وهيبتها على المستوى الإقليمي، حيث تركّز الليبرالية المؤسساتية على نطاق واسع من الفاعلين الدوليين، سواء أكانت دولً صغيرة أم كبيرة، وعلى المنظمت والمؤسسات الدولية الحكومية وفوق الحكومية أيضًا، مثل اللجنة الأولمبية الدولية والاتحادات الدولية، بوصفها ساحة من ساحات متابعة الدول مصالحها الوطنية (الرياضية).
رابعًا: الليبرالية المؤسساتية: المنظمات الدولية الرياضية والدبلوماسية الرياضية
تركّز الليبرالية المؤسساتية على دراسة العوامل التي تقود إلى تحقيق التعاون بين الدول والفاعلين الآخرين في النظام الدولي. وتتّفق الليبرالية المؤسساتية مع الواقعية على أنّ تحقيق التعاون في ظلّ النظام الدولي الفوضوي وحالة عدم اليقين أمر بالغ الصعوبة. لكنّه غير مستحيل، فقد عرف النظام الدولي، وفق تنظيرات الليبراليين، تطوّرًا في آليات عمله وفي ازدياد الوحدات الفاعلة فيه على نحو قد يؤدّي إلى تحقيق المكاسب/ المنافع الجمعية في علاقات الدول فيم بينها، ومثال ذلك النموّ المطّرد للمؤسسات والمنظمت الدولية كالأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وغيرها، حيث يسهم التفاعل والتبادل المعلوماتي المتزايد بين الفاعلين في النظام الدولي من الدول، والمنظمت الدولية الحكومية وغير الحكومية، والأفراد... إلخ، في تحقيق مصالحهم الخاصة ومصالح الجهات الأخرى التي تدخل معها في شبكة من الاعتمد المتبادل. ولدى الليبرالية، على خلاف الواقعية، إيمان بقدرة تلك الجهات على تحقيق مخرجات جمعية أفضل تعزّز الحرية والسلام والازدهار والعدالة على نطاق عالمي. ولعلّ المنظمت/ المؤسسات الدولية الرياضية تسهم في توضيح أهمية التصميم المؤسساتي للتعاون الدولي في مجال الرياضة وفق المنظور الليبرالي. أسهم التقدّم التكنولوجي والصناعي الحديث في التأثير في كثير من الظواهر الدولية، بما فيها الرياضة التي بدأت الدول في توظيفها لتحقيق فوائد مشتركة عبر التفاعل مع المنظمت الدولية الرياضية. وكان أحد الاتهامات، التي وُجّهت إلى النظرية الواقعية، هو تقليلها من أهمية المنظمت الدولية بوجه عامّ والرياضية بوجه خاص. يؤكّد الواقعيون أنّ المنظمت الدولية ليس لها تأثير مستقل، إذ تشكّلها وتحدّد دورها الدول التي تؤسسها وتحافظ عليها. وبعيدًا عن مسألة النظرية الواقعية أو التشكيك فيها، لم يولِ الليبراليون المؤسساتيون المنظمت الدولية الرياضية إلّ اهتممًا قليلً. لكنّ المنظمت الدولية عمومًا، وفق المنظور الليبيرالي المؤسساتي، قد تسهم في تحقيق مخرجات جمعية تعزّز السلام والأمن على النطاق الدولي. ويمكن تلمّس ذلك في الدور الذي يؤدّيه الاتحاد الدولي لكرة القدم، واللجنة الأولمبية الدولية التي طوّرت خطابًا رياضيًا عالميًّا، يمكن نعته وفق تصوّرات النموذج الواقعي في حقل العلاقات الدولية بالمثالي والحالم، إذ جاء في الميثاق الأولمبي أنّ هدفها هو الإسهام في بناء عالم سلمي أفضل عبر تثقيف الشباب من خلال ممرسة الرياضة وفقًا للأولمبياد
وقيمها40. وتمتاز الحركة الأولمبية بهيئة بيروقراطية ضخمة، فهي تشمل الاتحادات الرياضية الدولية IFs، واللجان الأولمبية الوطنية NOCs، واللجان المنظمة للألعاب الأولمبية OCOGs، وجميع الاتحادات والمؤسسات والمنظمت الأخرى المعترف بها، وكذلك الرياضيين، والقضاة/ الحكام والمدرّبين والفنيين الرياضيين الآخرين، وتعمل وفق نمط منسّق ومنظم وعالمي ودائم، يجري تنفيذه تحت السلطة العليا للجنة الأولمبية الدولية. والجدير بالذكر في هذا السياق أنّ اللجنة الأولمبية الدولية منظّمة دولية غير حكومية، غير ربحية، ذات شخصية اعتبارية، معترف بها من المجلس الاتحادي السويسري، وهو السلطة التشريعية الاتحادية في سويسرا، بموجب القرار الصادر في 17 أيلول/ سبتمبر 198141. وقد تفرّع عن اللجنة الأولمبية الدولية مجموعة من المنظمت والهيئات، التي تنظّم الرياضة على المستوى الدولي، مثل الوكالة العالمية لمكافحة المنشّطات "وادا" WADA Agency, Anti-Doping World؛ ففي أيار/ مايو 2019، وضعت هذه الوكالة الخطوط الرئيسة لاستراتيجية عملها على المستوى الدولي بعد عشرين عامًا من تأسيسها، حيث هدفت إلى القيام بخطوات عملية غير مسبوقة للتعامل على نحو استباقي مع القضايا الناشئة في الدول فيم يتعلّق بمكافحة المنشّطات، وتوسيع نطاق برامج مكافحتها وتأثيرها؛ وذلك بتعزيز بناء القدرات وتبادل المعرفة بين منظمت مكافحة المنشّطات وتمكين تقديم البرامج على المستوى الوطني المحليي، وكذلك إشراك الرياضيين وتمكينهم من المساهمة في تطوير سياسات مكافحة المنشّطات، وزيادة المساهمة التي تقدّمها برامجها للرياضيين والجهاز الفني المرافق لهم، حتى يتمكّنوا من بناء صحة وحيوية ووظائف مستدامة في الرياضة42. أضف إلى ذلك محكمة التحكيم للرياضة والتضامن الأولمبيCourt Solidarity Olympic and Sport for Arbitration of، التي يرجع تأسيسها إلى ثمانينيات القرن العشرين، حيث أدّت الزيادة المنتظمة في عدد النزاعات الدولية المتعلّقة بالرياضة، وغياب أيّ هيئة مستقلة متخصصة في المشكلات المتصلة بالرياضة ومصرّح لها بإصدار قرارات ملزمة، إلى التفكير في مسألة حلّ النزاعات الدولية في مجال الرياضة، وذلك بتأسيس محكمة التحكيم الرياضي؛ ففي عام 1983، صدّقت اللجنة الأولمبية الدولية رسميًّا على قانون المحكمة الذي دخل حيّز التنفيذ في 30 حزيران/ يونيو 1984. وفي هذا الصدد، للمحكمة تأثير في السياسة الرياضية في دول العالم كافّة، الغنية والفقيرة43. وفي مجال الحوكمة العالمية للرياضة، تقدّم منظمة التضامن الأولمبي Solidarity Olympic مساعدة عالمية للّجان الأولمبية الوطنية، وخاصّة تلك التي هي في حاجة ملحّة إليها، عن طريق البرامج المستهدفة والإشراف المنظّم والمشورة الشخصية، ما يساعد في ضمن عالمية الألعاب الأولمبية. وقد جرى تصميم الدعم المقدّم من منظمة التضامن الأولمبي لزيادة الفاعلية والشفافية في إدارة اللجان الأولمبية الوطنية ونشاطاتها، ويجري تمويلها وفقًا للمبادئ العالمية للحوكمة الرشيدة44. سعت المنظمت الرياضية الدولية بواسطة المعايير والإجراءات إلى أن تضفي الشرعية على حيادها من ناحية، وعلى القضايا الرياضية التي تقع في نطاق عملها من ناحية أخرى، حيث فرضت تلك المنظمت، في سياق حوكمة عالمية للرياضة، على الدول والهيئات الرياضية المحلّية الخاضعة لسلطتها أن تتأقلم45 مع معاييرها وإجراءاتها. ولم تكتفِ بذلك، بل بدأت تدرك أهمية توظيف قوّتها الناعمة في تعزيز القيم الليبرالية في إطار الحوكمة العالمية للرياضة، من خلال التأكيد على قضايا النضال من أجل حقوق الإنسان، والدعوة إلى السلام وحلّ النزاعات سلميًّا، والنضال ضدّ العنصرية وأعمل الكراهية ضدّ الأجانب. ومثال ذلك الفيفا الذي طوّر خطابًا مناهضًا للعنصرية والتمييز، سعى من خلاله إلى تعزيز العلاقات الودية بين الجهات الفاعلة المشاركة في الرياضة، لجعلها تسعى إلى التكيّف مع مبادئ نظامه الأساسي ولوائحه، مع احترام "اللعب النظيف". إضافةً إلى ذلك، يقدم الفيفا أيضًا آليات مؤسسية داخلية لحلّ النزاعات في المجال الرياضي، وفقًا للمدّة الثانية من النظام الأساسي. تتمثّل أهداف الفيفا في التحسين المستمر لكرة القدم والترويج للرياضة عالميًّا، في ضوء قيمه المتمثّلة في تعزيز التضامن الدولي والتعليم والثقافة والإنسانية، وخاصة من خلال برامج التنمية والشباب، وتنظيم المسابقات الدولية الخاصة، وتحديد الأحكام واللوائح وضمن
الامتثال لها، واتخاذ التدابير المناسبة لمنع انتهاكات النظام الأساسي واللوائح والقرارات الخاصة به وقوانين اللعبة، ومنع أيّ أساليب أو ممرسات من شأنها أن تضرّ بنزاهة المباريات أو المسابقات أو تؤدّي إلى إساءة استخدام كرة القدم46. كلّ ذلك جعل الرياضة تتسرّب قليلً من سلطة الدولة إلى سلطة المنظمت الرياضية الدولية، حيث أصبحت تحتلّ مساحة أكبر من كونها هواية ونشاطًا مجتمعيًّا ضمن بيروقراطية الدولة؛ لذا، أصبحت راسخة ضمن آلية الحكومة التي تسعى إلى توظيفها بوصفها إحدى أدوات القوّة الناعمة في سياستها الخارجية. ومن هنا، فإنّ القوّة الناعمة ووسائل استكشاف الثقافة والرياضة تؤدّي دورًا بوصفها أدوات فعّالة ومفيدة بالنسبة إلى الدول في تفاعلات النظام الدولي، إذ تعمل الرياضة أداةً لممرسة القوّة الناعمة للدول في علاقاتها الخارجية. وقد جرى استخدام الأحداث الرياضية الثنائية على نحوٍ متكرّر لزيادة التواصل بين الدول التي شاب علاقاتها نوع من التوتّر والخلاف ضمن "دبلوماسية الرياضة"، إذ تشكّل الأحداث الرياضية فرصة للاجتمعات غير الرسمية للقادة، ويمكن أن تسمح الأحداث الرياضية الضخمة بدبلوماسية واسعة النطاق، إذ يمكن أن يلتقي عدد كبير من القادة السياسيين أثناء الاستمتاع بأداء نخبة الرياضيين، بمن فيهم الرياضيون من دولهم، وغالبًا ما يستغلّ العديد من رؤساء الدول الفرصة لإشراك الأطراف الأخرى في مناقشات غير رسمية حول القضايا، ومثال ذلك ما ذكرناه آنفًا عن كرة الطاولة وكيف أسهمت في التقارب بين الصين والولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي. ومن الأمثلة الحديثة على استخدام رئيس دولة عمدًا حدثًا رياضيًّا للجمع بين دولتين مختلفتين، زيارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما لكوبا عام 2016، إذ لم يعمد خلال رحلته إلى إعادة الاتصال بين البلدين وطيّ صفحة الخلاف مع كوبا بالاعتمد على الدبلوماسية فحسب، بل حضر مباراة بيسبول، لِم للرياضة عمومًا ورياضة البيسبول ذات الشعبية الكبيرة في البلدين من قوّة لا يمتلكها أيّ خطاب سياسي وقدرة على طيّ صفحة الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين كوبا والولايات المتحدة47. وقدّمت لعبة الكريكت أيضًا بين الهند وباكستان مث لً آخر على الدبلوماسية الرياضية الناجحة، عندما زار الرئيس الباكستاني السابق محمد ضياء الحقّ الهند لحضور مباراة جمعت فريقَي البلدين عام 1987. ثمّ زار الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرّف، عام 2005، الهند للهدف ذاته. وقد أسهمت دبلوماسية الكريكت في فتح الحدود بين شطرَي كشمير المتنازع عليها. واستمرّ هذا التقليد الدبلوماسي الرياضي لاحقًا، إذ وافق رئيس الوزراء الباكستاني السابق يوسف رضا جيلاني على دعوة من رئيس الوزراء الهندي السابق مانموهان سينغ لحضور مباراة كريكت كان من شأنها أن تسهم في تحقيق تقدّم إيجابي في علاقات البلدين التي مرّت بمراحل من الصراع والتوتر48. وعندما طُلب من كوريا الجنوبية واليابان المشاركة في كأس العالم 2022 في قطر، استغلّ البلَدان الحدث لبدء حوار بينهم وتحسين علاقتهم ذات المشكلات التاريخية. والجدير بالذكر في هذا السياق أنّ مونديال قطر 2022 شهد مواجهة ساخنة بين فريقَي الولايات المتحدة وإيران، وهو ما قد يطرح مجموعة من التساؤلات عن قدرة الرياضة على إذابة جبل الجليد بين البلدين، وذلك بعد سلسلة من التوترات والتناقضات في علاقتهم، إذ تمثّل كرة القدم أفضل إشارة إلى الصداقة عن طريق التنافس القويّ في الملعب واللعب النظيف الذي يُعتبر أساس كأس العالم49. وفي إطار توظيف الدولة للقوّة الناعمة50 للرياضة، تجدر الإشارة إلى أنّ الولايات المتحدة تسعى جاهدة إلى توظيف الرياضة بوصفها واحدة من أدوات قوّتها الناعمة في علاقاتها الخارجية، فقد أنشأت وزارة الخارجية قسمً للدبلوماسية الرياضية United Sport؛ من أجل استخدامها لمساعدة الشباب في جميع أنحاء العالم لتطوير مهاراتهم في مجال الرياضة وفي مجالات القيادة والتفاهم الدولي أيضًا. ويقوم برنامج القسم على أربع ركائز أساسية، هي: المبعوثون الرياضيون من الولايات المتحدة إلى دول العالم، والزوّار الرياضيون من تلك الدول إلى الولايات المتحدة، والمنح الرياضية، وأخيرًا برامج تمكين النساء والفتيات من ممرسة الرياضة51.
وجاء في وثيقة الاتحاد الأوروبي التي حدّدت أولويات اللجنة الأولمبية الأوروبية فيم يتعلّق بسياسات الاتحاد في مجال الرياضة -2020 2019، ضرورة تمكين المنظمت الرياضية على المستويين المحلّ القومي والجمعي الأوروبي، وتعزيز حوكمتها ودعم الرياضيين والمنافسات النظيفة على نحو فعّال. وحثّت الوثيقة الاتحاد الأوروبي على تعزيز الرياضة بوصفها أداة تمكينية مهمة للتنمية المستدامة، ثمّ إنّ لها دورًا موحّدًا وتثقيفيًّا داخل المجتمعات وفيم بينها. وينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعترف على نحو أفضل بهذا الدور المجتمعي للرياضة من خلال دعم مختلف المبادرات التي اتّخذتها بالفعل المنظمت الرياضية (مثل إدماج اللاجئين والمهاجرين والأشخاص ذوي الإعاقة)52. وفي السياق ذاته، قد تشكّل المنافسات الرياضية عامل جذب سياحي/ ثقافي للدولة المضيفة، إذ تتيح تلك المنافسات المجال من أجل تعريف الملايين حول العالم بسياسات الدولة المضيفة وثقافتها وطبيعتها ومواردها والتقدّم في بنيتها التحتية بواسطة ما يجري بثّه من برامج وندوات وإعلانات تجارية في محطات البثّ التلفزيونية ومنصّات التواصل الاجتمعي، ما يشجّع على السياحة، والاستثمر الخارجي53. ويمكن استخدام الفرق الرياضية أيضًا، والرياضيين العالميين، لتثقيف الناس حول البلدان وتعزيز التفاهم المتبادل للثقافات المختلفة؛ وذلك لأنّ الرياضيين محبوبون أكثر من رجال السياسة، ويمكن أن يوفّروا التعاطف الثقافي بين الناس. وتوفّر الرياضة وجهًا ودودًا وإيجابيًا للدولة، وقد كانت مشاهدة أداء الرياضيين من الطراز العالمي أحد النشاطات لكلّ شرائح المجتمع، من الناس العاديين إلى القادة السياسيين54. ومثال ذلك اللاعب الإنكليزي ديفيد بيكهام وجه كأس العالم في قطر 2022، وسابقًا لاعب كرة السلّة الأم كيرر بيل برادلي، الذي أصبح عضوًا في مجلس الشيوخ الأميركي، وفي عام 1992 كان راعيًا لمشروع قانون يسمّى قانون دعم الحرية الذي سمح بالتبادلات بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وقد أصبح الرياضيون السابقون يرسمون سياسات بلادهم المحلّية والخارجية، ومثال ذلك لاعب كرة القدم الليبيري جورج ويا الذي شغل منصب رئيس الدولة، واللاعب العالمي البراز ليي إدسون أرانتيس دو ناسيمنتو المعروف باسم "بيليه" الذي شغل منصب وزير الرياضة في بلاده في الفترة -1995 1998، والملاكم الفلبيني ماني باكياو الذي كان له دورٌ بارز في الحياة البرلمانية في بلاده. إلى جانب ذلك، في عام 2015 جاء في الفقرة 37 من خطّة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 اعتراف المنظمة بالأهمية المتنامية للرياضة في تحقيق السلام، وذلك بسبب الدور الذي تؤدّيه في تشجيع التسامح والاحترام وتمكين المرأة والشباب في المجتمعات، فالرياضة تسهم إسهامًا فعّ لً في الوصول إلى الأهداف المنشودة في مجالات الصحة والتعليم والاندماج الاجتمعي55. وقد أدركت الأمم المتحدة أيضًا قوّة الرياضيين في بناء علاقات دولية، ولديها برامج سفراء يشارك فيها العديد من الرياضيين، من أمثال العدّاء الأميركي كارل لويس الذي جرى تعيينه سفيرًا للنوايا الحسنة لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو" في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2009، نظرًا إلى دوره المؤثّر في تشجيع الشباب على ممرسة الرياضة، والملاكم الأميركي محمّد عليي كلاي الذي عيّنته الأمم المتحدة سفيرًا للسلام عام 1998، حتى إنّه سافر إلى العراق عشية حرب الخليج عام 1990، وفاوض الرئيس العراقي صدّام حسين من أجل إطلاق سراح 15 رهينة أميركية، ونجح في تلك المهمّة56. إلى جانب الفنّ والموسيقى، تعدّ الرياضة من المشتركات العالمية بين البشر، ما يوجِدُ، من المنظور الليبرالي المؤسساتي، مساحة لتفسير كلّ نشاط رياضي دولي في إطار تحقيق نوع من التعاون والتقليل من النزاعات والصراعات، وحصرها في المنافسات الرياضية التي فتحت الباب واسعًا أمام ما بات يُعرف بدبلوماسية الرياضة. ولكن يبقى جزء من الصورة تعجز عن تفسيره الليبرالية، ويتمثّل في النزعة المثالية في تفسير الإيجابيات التي تحاول الدول أن تركّز عليها في كلّ منافسة رياضية على المستوى الدولي، في حين أنّ هناك الكثير من نقاط الضعف التي تظهر عند كلّ منافسة تتعلق بقضايا البيئة والفساد وحقوق الإنسان والمعايير الصحية ومعدلّات انتشار المرض في تلك الدول، إضافةً إلى الفساد الذي شمل المنظمت الدولية كالفيفا وغيرها، ولعل النزعة النقدية لتسليع الرياضة قد أفردت لها الماركسية مساحة أوسع وأشمل.
خامسًا: الماركسية: الرأسمالية وتسليع الرياضة
تضمّ النظرية الماركسية في حقل العلاقات الدولية مجموعة واسعة من المقاربات المختلفة التي تحاول تفسير الظواهر الدولية، إذ تركّز في مجملها على العامل الاقتصادي في تحليل العلاقات الدولية، وتنطلق من موضوع التفاوت بين الدول المتقدّمة والدول النامية، وتقدّم رؤى حول طبيعة العلاقات بين تلك الدول بناءً على حزمة من المفاهيم النظرية التي طوّرتها كالإمبريالية والتبعية والتبادل اللامتكافئ ونقدها العولمة. والجدير بالذكر أنّ ما يميز الماركسية في حقل العلاقات الدولية من الواقعية والليبرالية وما تفرّع عنهم من مقاربات جديدة، أنّ الواقعية والليبرالية تركّزان على دراسة عالم من الفواعل الاجتمعية المتشكّلة مسبقًا (الفرد، الدولة، المنظمت الدولية، الشركات العابرة للجنسيات... إلخ)، بينم تنشغل الماركسية في فهم العمليات الاجتمعية التي قادت إلى تشكيل تلك الفواعل في النظام الدولي تاريخيًا57. أمّا فيم يتعلّق بالتحليل الماركسي للظاهرة الرياضية، فتنطلق الماركسية من افتراض أنّ قيمة الرياضة بالنسبة إلى الرأسملية ليست في أنّها مصدر للربح فحسب، بل في أنّها وسيلة خفيّة لاختراق المجتمع بالقيم الرأسملية، ما دام المفهوم الرأسملي للرياضة مختلفًا اختلافًا رئيسًا عن المفهوم الذي يجب أن تأخذ به الدول التي تسير في طريقها نحو التنمية والتحديث. ويشير فرانز فانون في كتابه الشهير معذّبو الأرض، إلى أنّه يجب على السياسي الأفريقي ألّ يُعنى بخلق رياضيين، بل بخلق رجال واعين يكونون من جهة أخرى رياضيين، ويجب على الشباب الأفارقة التوجّه نحو الحقول والميادين والمدارس بدلً من الملاعب في مرحلة نضالهم ضدّ الاستعمر لنيل استقلالهم58. لقد هيمن هذا التصوّر للنشاط الرياضي على مختلف المقاربات الماركسية في فترة الحرب الباردة باعتباره وسيلة رأسملية لاختراق قيم المجتمعات، ووسيلة للربح والكسب وتكريس هيمنة دول الشمل الغنية وتفوّقها. ومع التحوّل الذي عرفه النظام الدولي، وانهيار النظام الثنائي القطبية، وانتشار العولمة التي تمحورت حول النزعة الاستهلاكية على المستوى العالمي، توسّعت دائرة التوظيف الاقتصادي للنشاط الرياضي عبر تحويل الأحداث والمنافسات الرياضية والأندية وحتى الرياضيين إلى علامات تجارية وسلع ذات قيمة تجارية مذهلة، حيث نمت الرياضة وباتت مصدر ربح حتّى للأعمل غير الرياضية، مثل البثّ التلفزيوني وتصنيع الملابس والمعدّات الرياضية. وعلى سبيل المثال، سعت شركات كبرى مثل سكاي بي SkyB وكانال بلس +Canal وأن تي أل NTL إلى الاستثمر في الأندية الرياضية، وذلك ما يتيح لها حقوق رعايتها والتسويق لها، وممرسة سيطرةٍ أكبر على المنتج الرئيس الذي يرتبط بتلك الأندية59، إضافةً إلى احتكار البثّ التلفزيوني وحرمان الفقراء من متابعتها. وتجري عملية تصنيع السلع الرياضية، من أحذية وأطقم رياضية باهظة الثمن، في البلدان الأقلّ تكلفة من حيث العملة وظروف العمل، وخاصّة عملة الأطفال الذين لا تتجاوز أعمرهم سبعًا أو ثماني سنوات، والذين يتعرّضون للأذى الجسدي في أماكن العمل السيئة السمعة، بينم تباع السلع في المحلات الكبرى تحت علامات تجارية غربية معروفة بأسعار باهظة. لقد أشار تقرير منظمة العمل الدولية إلى أن 160 مليون طفل (63 مليون فتاة و 97 مليون فتى) كانوا في عملة الأطفال على مستوى العالم في بداية عام 2020، وهو ما يمثل نحو 1 من بين كل 10 أطفال في جميع أنحاء العالم؛ وأنّ نحو 79 مليون طفل، أي ما يقرب من نصف جميع الأطفال العاملين، يعملون في أعمل خطرة تعرّض صحّتهم وسلامتهم وتطوّرهم الأخلاقي للخطر على نحو مباشر60. والجدير بالذكر أنّ نسبة كبيرة من الأطفال تجبر على صناعة المنسوجات والملابس لتلبية طلب المستهلكين في أوروبا والولايات المتحدة، وفي جميع أنحاء العالم. وتشمل البلدان، التي فيها أعلى معدلات العملة في صناعة المنسوجات والملابس، بما فيها الملابس الرياضية في هذا القطاع: الهند (5.8 ملايين)، تليها بنغلاديش (5.0 ملايين)، وباكستان (3.4 ملايين) ونيبال (2.0 مليونان)61. إنّ الترابط بين القوة الاقتصادية والرياضة لا ينبغي أن يكون مفاجئًا، إذ تسعى الدول الرأسملية إلى إنشاء الأسواق العالمية للمنتجات الرياضية وإدارتها بالتنسيق مع المنظمت الرياضية الدولية، وإنّ البلدان التي تهيمن على الاقتصاد العالمي تهيمن أيضًا على الرياضة الدولية والنشاطات التجارية التي ترتبط بها. واللافت أنّ نحو 75
في المئة من إجملي دخل الحركة الأولمبية يأتي من شركات أميركية وأوروبية إمّا على شكل رعاية، وإمّا من الدخل الناتج من بيع حقوق البث62. ثمّ إنّ دول مجموعة الثمني (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وكندا، وإيطاليا، وروسيا، واليابان) التي تهيمن على أكثر من 65 في المئة من التجارة العالمية مع باقي الاقتصادات الوطنية الأخرى، هي ذاتها التي تهيمن على المنافسات الرياضية، وأهمّها الألعاب الأولمبية، فقد حصدت تلك الدول ما نسبته 42.65 في المئة من جميع الميداليات الذهبية في أولمبياد طوكيو 2020. وإذا أضفنا الصين إليها، فستكون الاقتصادات التسعة المهيمنة على الاقتصاد الدولي قد استحوذت على 53.82 في المئة من جميع الميداليات الذهبية63. بناءً عليه، تسعى الدول الرأسملية في النظام الدولي إلى استغلال الرياضة وتوظيفها لخدمة مصالحها القومية، وتحاول احتكار استضافة تلك المنافسات الرياضية لما تحقّقه من نفعٍ سياسي اقتصادي لها، إذ بات من الواضح أنّ للعمليات الاقتصادية أهمية مركزية في دراسة عولمة الرياضة؛ لذا قامت تلك الدول بوضع مجموعة من القواعد والمعايير التي ترتبط بمستوى التنمية الاقتصادية والسياسية لنجاح المنافسة شرطًا لاستضافة المنافسات الرياضية. ثمّ سعت إلى فرضها على المنظمت الرياضية الدولية في محاولة منها لتكريس ما سمّه المفكّر الفرنسي برتران بديع "اللامساواة المهيكلة" التي تحول دون أن يكون للدول كلّها في النظام الدولي فرصٌ متساوية للمشاركة في القرار الدولي، وبذلك تكون لها فرصٌ متساوية للحصول على الموارد64. لقد كان النظام الوستفالي مبنيًّا على القوى المنضوية تحت لوائه، على أنّه تنظيم للعلاقات بين قوى دولية متساوية. إلّ أنّ اكتشاف الآخر الذي يحمل أيديولوجيا وثقافة وديانة وحتى عرقًا آخر، لا يمكن معاملته بالمساواة نفسها وبالندّية ذاتها، فالقاعدة الوستفالية لا تنطبق عليه؛ لأنّ هذا المنتمي إلى "البربرية" "الحيوانية" و"الحمقة" و"التوحّش" على حدّ وصف رجال الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، ليس في إمكانه التوق إلى مكانة مكافئة، ولا حتى الالتحاق بنظام غربي غير مطروح فيه أن تكون دول آسيا وأفريقيا شريكة في إدارته65. ووفقًا لذلك، تتحوّل المركزية الأوروبية إلى شكل من أشكال المركزية العرقية الإثنية باعتبارها مركزًا حضاريًّا وثقافيًّا متفوّقًا على الآخر خارج نطاقها الجغرافي. إنّ هذا "الآخر"، الذي دخل الحياة الدولية من الباب الضيّق، لا يمكن تصوّره إلّ تحت وصاية، خاضعًا، ذليلً، مرغمً على التحوّل أو تصويب المسار؛ أي الانتظام وفق "مقاييس الحضارة الغربية". وفي حال كونه دون مستوى هذه المقاييس، لا يمكنه الإفادة من الحقوق نفسها، بل يمكن أن يكون عرضة لعقوبات أخرى، وهو ما يدفع في اتجاه فرض الإذلال بوعي أو بلاوعي على نمط السلوك الدولي، ويتجسّد ذلك بأشكال دبلوماسية تكاد تكون ممأسسة وعملانية وتعمل بصورة روتينية بوصفها طرائق سلوك نعتبرها بدهية وحتمية ولا مفرّ منها، كأن يجري تنظيم حملات غربية ضدّ استضافة دولة قطر لبطولة كأس العالم.
خاتمة
تُعدّ الرياضة ظاهرة تتأثّر بالسياسة الدولية وتؤثّر فيها عن طريق مجموعة من المنظمت الرياضية الدولية، وذلك في كنف نظام دولي معولم. وقد مثّل اختبار افتراض تأثير الرياضة في السياسة الدولية تحدّيًا للمقاربات النظرية الوضعية المختلفة في حقل العلاقات الدولية (الواقعية، الليبرالية، الماركسية)، التي أهملت الظاهرة الرياضية، وخاصة المقاربة الواقعية التي اقتصر دورها على تقديم تفسيرٍ وفهمٍ محدودَين لتأثير الرياضة في السياسة الدولية، مع تراجع دور الدولة نسبيًّا في النشاطات الرياضية لصالح المنظمت الرياضية الدولية، التي باتت قادرة على التنظيم والإدارة وفق مجموعة من القواعد والإجراءات التي تلزم الدول، سواء أكانت كبرى أم صغرى، بتطبيقها أثناء المنافسات الرياضية. وفي المجال الرياضي على المستوى الدولي يمكن القول إنّ المنظمت الرياضية الدولية، وفق المنظور الليبرالي المؤسساتي، استطاعت إلى حدٍّ بعيد القفز فوق الافتراض الأساسي الذي جاءت به المقاربات النظرية الوضعية في حقل العلاقات الدولية، وهو فوضوية النظام الدولي في المجال الرياضي؛ بمعنى غياب السلطة المركزية التي تنظّم الشؤون الرياضية، وذلك عبر قدرتها على تشكيل سلطة رياضية عالمية قادرة على فرض القواعد والإجراءات والتعليمت على الدول كافّة التي تلتزم طواعية بها، وإلّ فستكون خارج الفعاليات والنشاطات الرياضية الدولية. وفي المقابل، تحاول الدولة، الفاعل الأساسي في بنية النظام الدولي، تجنّب ذلك وعدم الدخول في مواجهة مع المنظمت الرياضية الدولية، وذلك بسبب
أهمية الرياضة التي تُعدّ موردًا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتمعيًّا يمكن استخدامه على المستويين المحلّ والدولي. إنّ تأثير المنظمت الرياضية الدولية في المنافسات الرياضية الكبرى يتجاوز تأثير المنظمت الدولية كالأمم المتحدة، من ناحية تطبيق العقوبات على الدول التي لا تلتزم بالقواعد والإجراءات المعمول بها، وقد يصل إلى حدّ حرمانها من المشاركة أو تنظيم الفعالية في حال مخالفتها تلك القواعد، والأمثلة على ذلك كثيرة. وهو ما يستدعي البحث عربيًا في الرياضة التي تشكّل ظاهرة تتأثّر وتؤثّر في السياسة الدولية عبر تلك المنظمت الرياضية الدولية، في ظلّ نظام دولي معولم، على الرغم من أنّ العلاقة بين الظاهرة الرياضية وحقل العلاقات الدولية ما زالت تخطو أولى خطواتها من حيث التنظير لها.
المراجع
العربية
بديع، برتران. زمن المذلولين: باثولوجيا العلاقات الدولية. ترجمة جان ماجد جبور. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015
الحسن، إحسان. علم الاجتمع الرياضي. عمّن: دار وائل للطباعة والنشر والتوزيع،.2005
حسين، أحمد قاسم. الاتحاد الأوروبي والمنطقة العربية: القضايا الإشكالية من منظور واقعي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021
دان، تيم وميليا كوركي وستيف سميت (محرّرون). نظريات العلاقات الدولية: التخصّص والتنوّع. ترجمة ديما الخضر. سلسلة ترجمن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016
السايح، مصطفى. علم الاجتمع الرياضي. الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،.2007
سعيد، حيدر. "العلوم الاجتمعية والظاهرة الرياضية". سياسات عربية. مج 10. العدد 58 (أيلول/ سبتمبر.)2022
سليم، محمد السيد ورجاء إبراهيم السيد. الألعاب الرياضية في العلاقات الدولية. القاهرة: الهيئة المصرية العامّة للكتاب،.2010
شاكر، فؤاد. الألعاب الرياضية: حصاد القرن العشرين. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية،.2004
الضمد، عبد الستار جبّار. علم النفس الرياضي. عمّن: دار الخليج للنشر والتوزيع،.2015
العزاوي، إياد عبد الكريم. علم الاجتمع التربوي الرياضي. القاهرة: دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع،.2002
فانون، فرانز. معذّبو الأرض. الجزائر: وزارة الثقافة الجزائرية،.2007 فوزي، أحمد أمين. علم النفس الرياضي. القاهرة: دار الفكر العربي للطباعة والنشر،.2002
________. سيكولوجيا الفريق الرياضي. القاهرة: دار الفكر العربي للطباعة والنشر،.2008
لعسل، نور الدين. "الرياضة في العلاقات الدولية: بين القومية والكوسموبوليتانية". مجلّة الناقد للدراسات السياسية. مج 5، العدد 2.)2021(
الأجنبية
Allison, L. (ed.). The Politics of Sport. Manchester: Manchester University Press, 1986.
Alrababa'h, Ala' et al. "Can Exposure to Celebrities Reduce Prejudice? The Effect of Mohamed Salah on Islamophobic Behaviors and Attitudes." Working Paper. no. 19-04. Immigration Policy Lab. Stanford University (2021). at: https://bit.ly/2IiSht2
Arnaud, P. & J. Riordan. Sport and International Politics. London/ New York: E & FN Spon, 1998.
Baker, Robert E., Steven Jackson & Michael Sam (eds.). Case Studies in Sport Diplomacy. Morgantown: Fit Publishing, 2017.
"Child labour in South Asia." International Labour Organization (ILO). at: https://bit.ly/3VZ3LWK
"Child Labour: Global Estimates 2020, Trends and the Road forward." Report. International Labour Organization (ILO). 10/6/2021. at: https://bit.ly/3BfrV7B
Coakley, Jay. Sport in Society: Issues and Controversies. 3rd ed. St Louis, MO: Times Mirror/ Mosby College Publishing, 1986.
________. Sports in Society: Issues and Controversies. New York: McGraw-Hill, 2009. da Silva, Diana, Joao Streapco & Paulo Nascimento. "Society, Nationality and Brazilian Football: Research from Interdisciplinary Group of Studies on Football (GIEF)." Idrottsfourm. 24/11/2010. at: https://bit.ly/3GbHwYA
Di Nolfo, Ennio. Storia delle relazioni internazionali: Dal 1918 ai giorni nostril. 3rd ed. Bari: Laterza, 2009.
FIFA Statutes. Zurich: FIFA, 2021. at: https://fifa.fans/3QFEnDv Finnemore, Martha. National Interests in International Society. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1996.
Hong, F. & L. Zhouxiang. "China's Sports Policy and Politics in the Post-Beijing Olympics Era." International Journal of the History of Sport. vol. 29, no. 1 (2012).
Houlihan, Barrie & Jinming Zheng. "Small States: Sport and Politics at the Margin." International Journal of Sport Policy and politics. vol. 7, no. 3 (2015).
Houlihan, Barrie. The Government and Politics of Sport. London: Routledge, 1991.
________. Sport and International Politics. Hemel Hempstead, UK: Harvester Wheatsheaf, 1994.
Kissoudi, Penelope. "Sport, Politics and International Relations in the Twentieth Century." The International Journal of the History of Sport. vol. 25, no. 13 (November 2008).
Kobierecki, Michał Marcin. "Sport in International Relations Expectations: Possibilities and Effects." Interdisciplinary Political and Cultural Journal. vol. 15, no. 1 (2013).
Levermore, Roger & Adrian Budd (eds.). Sport and International Relations: An Emerging Relationship. London: Routledge, 2004.
Lowe, Benjamin, David B. Kanin & Andrew Strenk (eds.). Sport and International Relations. Champaign, IL: Stipes, 1978.
Mestre, Alexandre Miguel. The Legal and Institutional Framework of Olympic Games: An Introductory Analysis on the Olympic Charter and on the International Olympic Committee. Barcelona: Centre d'Estudis Olímpics, UAB, 2013. at: https://bit.ly/3w4u0ka
Nye Jr, Joseph S. Soft Power: The Means to Success in World Politics. London: Hachette UK, 2009.
"Olympic Charter." International Olympic Committee. at: https://bit.ly/3QGUikm
"Olympic Marketing Fact File." International Olympic Committee (June 2022). at: https://bit.ly/3P72N8M
"Olympic Solidarity." International Olympic Committee. at: https://bit.ly/3zq75ke
"Priorities of the Eoc Eu Office Regarding the Eu Sport Policy 2019-2020." European Olympic Committees (December 2018). at: https://bit.ly/2BKAHvC
Schlegel, John. "Obama: 'Power of Baseball' to Change Attitudes." Major League Baseball (MLB). 23/3/2016. at: https://atmlb.com/3c6SjqS
Shapiro, M. & J. Der Derian (eds.). International/ Intertextual Relations: Postmodern Readings of World Politics. Lexington, MA: D.C. Heath, 1989.
"Strategic Plan 2020/2024." World Anti-Doping Agency (WADA). https://bit.ly/3vyyXS2
Taylor, Trevor. "Sport and World Politics: Functionalism and the State System." International Journal. vol. 43, no. 4 (Autumn 1988).
"Tokyo 2020 Medal Table." International Olympic Committee (IOC). at: https://bit.ly/3uABOc4
"Transforming our World: The 2030 Agenda for Sustainable Development." Department of Economic and Social Affairs, United Nations. at: https://bit.ly/3T59ZUl
Van Gestel, Joannes. Norbert Elias and the Analysis of History and Sport Systematizing Figurational Sociology. London: Routledge, 2020.