العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تقديم

تقديم

Civil-military Relations in Egypt and the Regime's Survival Strategies

عبد الفتاح ماضي| Abdel-Fattah Mady *

** Robert Springborg روبرت سبرنغبورغ|

الملخّص

​تهتم الدراسة بالعلاقات المدنية - العسكرية في مصر منذ عام 2013، وتبحث تحددًيًا في تدابير النظام لتحقيق ثلاثة أهداف: السيطرة على الجيش ومنع انقلابه، وإعاقة أيّّ تعبئة سياسية تؤدي إلى ثورة شعبية على غرار يناير 2011، واستمرار الدعم الخارجي للنظام وقتويض أيّّ دعم خارجي لتغييره. وتنتهي الدراسة إلى أن هذه التدابير ساهمت في إحداث تغييرات جوهرية، أولها تغيير بنية النظام السياسي والاتجاه به نحو نمط الحكم الفردي، الذي يتحكم فيه شخص واحد ونخبة ضيّّقة من أفراد أسرته والموالين له، وثانيها تهديد وحدة الجيش في ضوء إنشاء كيانات مسلحة موازية، أخطرها اتحاد قبائل سيناء، وثالثها قتويض السيادة الوطنية من جرّّاء التوسع في الديون وبيع أصول الدولة والتنازلات الأخرى المدّقّمة للداعمين الخارجيين، فضلًًا عن دور اتحاد قبائل سيناء في ملفات السياسة الخارجية، خاصة ملف غزة. ويكشف التحليل أن التنازلات الممنوحة للجيش لضمان ولائه عزّّزت أضًيًا من استقلاليته، ما يفتح الباب أمام احتمالات عدة إذا ما خلا منصب الرئيس أو انفجر الغضب الشعبي نتيجة سوء إدارة الدولة.

Abstract

The study focuses on civil-military relations in Egypt since 2013, examining measures the regime employs to achieve three objectives: controlling the military to prevent coups, thwarting political mobilization that could lead to popular uprisings akin to the January Revolution, and securing ongoing external support. The study concludes that these measures have brought about fundamental changes. Firstly, they have restructured the political regime towards a personalist regime led by one man, a close-knit elite, and loyalists. Secondly, they have threatened military unity with the emergence of parallel armed entities, notably Sinai's tribal union. Thirdly, they have undermined state sovereignty through expanding debts, selling state assets, and making other concessions to foreign backers. The analysis reveals that concessions granted to the military to ensure loyalty have also strengthened its independence, potentially paving the way for various scenarios if the presidential office becomes vacant or public discontent erupts due to mismanagement of state affairs.

الكلمات المفتاحية:
  • مصر
  • العلاقات المدنية - العسكرية
  • اتحاد قبائل سيناء
  • السياسة الخارجية المصرية
  • الجيش المصري
Keywords:
  • Egypt
  • Civil-Military Relations
  • Sinai Tribal Union
  • Egypt's Foreign Policy
  • Egyptian Army

Introduction

مرّ أكثر من عقد على نشأة النظام السياسي المصري الذي حلّ محل التجربة الديمقراطية القصيرة التي شهدتها مصر في أعقاب ثورة 25 يناير 2011. وصار من الممكن البحث في تفسير طبيعة هذا النظام وخصائصه الرئيسة، والتدابير التي استخدمها للبقاء، واستشراف مستقبله. على المستوى السياسي، وسّع رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، خلال هذا العقد مهمته وصلاحياته، متجاوزًا ما كان لأسلافه الذين قَدِمُوا من المؤسسة العسكرية. وُأسنِدت إلى القوات المسلحة صلاحيات دستورية، أول مرة في تاريخ مصر الحديث، وجرى توسيع أدوارها الاقتصادية والأمنية، وصارت للأجهزة الأمنية والاستخباراتية شركاتها الاقتصادية كذلك. وتنوعت أدوات سياسة الترغيب والترهيب ومساحاتها في التعامل مع القوى السياسية والمجتمعية؛ فقد انتقلت إدارة العلاقات الزبائنية من نظام الحزب الواحد المسيطر إلى وكالات الأمن والاستخبارات والضباط العسكريين المتقاعدين، واتسع مجالها ليشمل الإعلام والفن إلى جانب المساحات الأخرى، من قبيل تقديم الخدمات وإدارة المؤسسات العامة وإدارة المشاريع الاقتصادية. وشهدت مصر سياسة قمع لم يسبق لها مثيل أيضًا في تاريخها الحديث، مع توريط مؤسسات الدولة، من قضاء وجيش وغيرهم، وهي سياسة مستمرة، رغم حالة الاستقرار التي يشهدها النظام. وإلى جانب ما سبق، ساد حرصٌ على الجوانب الشكلانية، فثمة منظومة دستورية وقانونية، لم تشرعن السياسات والممرسات الاستثنائية فقط، بل أوجدت واقعًا تشريعيًا ومؤسساتيًا جديدًا. وهناك أحزاب وانتخابات وبرلمان، بالرغم من أن المجال السياسي ظل مغلقًا تتحكم فيه الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وظهرت تداعياته في انخفاض نسب المشاركة في الانتخابات، وزيادة أعداد المهاجرين أو الراغبين في الهجرة، وتعاظم الغضب الشعبي المكتوم. في هذا السياق، تُطرح الأسئلة الحيوية التالية: ما الذي يفسر هذه التحولات التي شهدها النظام السياسي خلال العقد الماضي؟ أهي تحولات جذرية في طبيعة النظام وخصائصه؟ أم أنها مجرد تعديلات على نظام يوليو 1952 وغرضها الأساسي هو ضمن استقرار النظام وبقائه؟ أمّا على المستوى الاقتصادي، فقد أدير الاقتصاد الوطني بإرادة منفردة من الرئيس الذي تركزت أولوياته على المشاريع الكبرى والبنية التحتية على حساب القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد، فضلًا عن الاستمرار في سياسة منح الامتيازات للفئات الداعمة له. وتعددت مصادر التمويل، لعل أهمها سيطرة الرئيس على موارد الدولة وانفراده بالتصرف فيها، والاعتمد على الدعم الإقليمي والدولي، من مساعداتٍ ومنحٍ وقروض. وساهمت هذه السياسة في بقاء النظام بدلًا من تعظيم الموارد وحل المشكلات الاقتصادية،

ومن ثم ظل الأداء الاقتصادي ضعيفًا، ومعتمدًا على الخارج، فضل عن زيادة الفقر واستمرار الفجوة في الدخل، وزيادة الدين الخارجي أربعة أضعاف1. وفي مطلع 2024، راهنت قوى إقليمية ودولية رهانًا ضخمًا على مستقبل مصر دولةً مستقرة في منطقة تعاني الاضطراب. فقد التزم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بتقديم أكثر من 50 مليار دولار للنظام في شكل منح وقروض وشراء عقارات. ويمثّل هذا الدعم السخيّ "خطة مارشال" حقيقية، لدولة واحدة هذه المرة، ليست في طور التعافي من حرب، بلا تعاني مشكلات مالية داخلية تفاقمت بسبب العواقب الاقتصادية للجائحة، والحرب في أوكرانيا وغزة، والأداء السيئ في إدارة الاقتصاد الوطني. لخطة الإنقاذ هذه دوافع متنوعة، بعضها غير معلن؛ فالولايات المتحدة الأميركية - وهي صانعة القرار الرئيسة وراء سخاء صندوق النقد الدولي - تعتقد أن النظام قد يرضى في النهاية باستضافة اللاجئين الفلسطينيين من حرب غزة، إضافة إلى مصالحها الأمنية الكبيرة في مصر؛ والأوروبيون يهتمون بمنع الهجرة غير الشرعية، ففي استقرار النظام المصري مصلحة لهم. أمّا الإماراتيون والسعوديون، الذين حسب اتفاق قرض صندوق النقد الدولي في كانون الأول/ ديسمبر 2022 اشتروا أسهمًا في الشركات المملوكة للدولة المصرية، فقد أظهروا بحلول ربيع 2024 عدم استعدادهم للاستمرار في تقديم الدعم المالي لمصر بهذه الطريقة، وهم يسعون إلى الاستحواذ على أصول ملموسة في شكل عقارات ساحلية، توحي أسعارها المرتفعة للغاية بأنها قد لا تكون منتجعات سياحية فقط تدرّ عائدًا يسهم في إنقاذ اقتصاد نظام السيسي، بل ربما تكون جاذبيتها أيضًا باعتبارها مواقع استراتيجية لخدمة المصالح التجارية وحتى العسكرية للبلدين الخليجَييَن. وبما أنّ هذه المصالح لن يكون في الإمكان ضمنها إلا إذا بقي نظام السيسي في السلطة ونفّذها، كم يجري حاليًا، فإن السؤال الحيوي الذي يضاف إلى الأسئلة السابقة هو: ما مدى استقرار هذا النظام؟ يتناول هذا العدد الخاص هذه الأسئلة الرئيسة بالتحليل النظري والتجريبي. والرابط النظري بين الدراسات الستّ معًا يجيب عن سؤالين رئيسين، هم: ما التحولات التي شهدها النظام السياسي ومكّنته من تحقيق السيطرة في الداخل وضمن استمرار الدعم الخارجي؟ وكيف تحقّق له ذلك؟ كيف نجا النظام، رغم أنه أساء إدارة الاقتصاد الوطني، وأهدر مليارات على مشاريع عملاقة ذات عوائد مالية ضئيلة، وأفقر نسبة كبيرة من السكان، وأضعف الخدمات العامة الأساسية، وفرض درجة من القمع لم يشهدها من قبل، وقلّص مكانة مصر في المنطقة والعالم؟ في دراستين عن الشرعية، تمثلت الإجابة في أن النظام تمكّن من توليد شكل ما من الشرعية على الرغم من أدائه السيئ جدًا. فيشير بروس روثرفورد، بعد مراجعة الأدبيات ذات الصلة، إلى أن النظام اتبع استراتيجية السعي للحصول على ما يكفي من الشرعية للبقاء، وليس للحصول على الشرعية الحقيقية. وقد اتخذ ذلك شكل إقناع المواطنين بالنظر في تكلفة انهيار النظام، من خلال إدراكهم أن أوضاعهم قد تكون أسوأ بكثير. ما يعزز رسالة واضحة مفادها أنهم إذا حاولوا تغيير النظام، فسوف يواجهون مصيرًا رهيبًا. ويوضح روثرفورد هذا المخطط من خلال مراجعة فكرة أن النظام قد استند إلى سياسة التعليم لتقويض النقد الموجه له، بينم يحاول شرعنته من خلال الإشارة إلى أن هذه السياسة نالت دعمًا دوليًا وهناك أمل في تحسينات أخرى في المستقبل. أما محمد عفان فيعرّف الشرعية من حيث قدرة النظام على الحفاظ على السلطة وترسيخها، ويرى أن هذا هو المعيار الأهمّ. ويقوده هذا إلى تحقيق تجريبي لوسائل سيطرة النظام، التي يصفها بأنها "سيطرة ثنائية" (السيطرة على القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية والجهاز البيروقراطي للدولة والبرلمان، وسيطرة الرئيس وحلقة ضيقة من المقربين على أجهزة الاستخبارات)، مع اعتمده على الدعم الدولي. وشأنه شأن روثرفورد، يتمثل تصور عفان للشرعية في أنّ السكان يقبلون الوضع الراهن من دون أن يكونوا داعمين نشطين له، غير أنه يرى أنّ هذا القبول يعتمد على الخضوع لحقائق القوة، وليس على أداء النظام في توفير السلع والخدمات. ويصف عمد الدين شاهين وعبد الرحمن محمد "الجمهورية الجديدة" للسيسي بوصفها نتيجة لفشل النظام في إنشاء المؤسسات اللازمة لتوسيع قاعدة دعمه أو حتى الإدارة الفعالة للمشاريع العديدة التي توّلى مسؤوليتها. ويريان أنّ هذه لا تستند إلى رؤية

  1. ارتفع الدين المحلي لأجهزة الموازنة العامة خلال الفترة 2022-2012 من 1.4 تريليون جنيه إلى 5.4 تريليون جنيه، بمعدل يتجاوز 270 في المئة. ينظر: جمهورية مصر العربية، وزارة المالية، "الدين الحكومي وهيكل المديونية"، شوهد في 2023/12/1، في: http://doha-institute.org/frP0؛ جمهورية مصر العربية، وزارة المالية، "الموازنة العامة للدولة"، شوهد في 2023/12/1، في: https://doha-institute.org/OrJb. أما الدين الخارجي فقد ارتفع بنسبة 195 في المئة خلال الفترة 2023-2017 ليصل في شهر حزيران/ يونيو 2023 إلى 164.7 مليار دولار. ينظر: جمهورية مصر العربية، وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، "تقرير متابعة الأداء الاقتصادي والاجتماعي خلال العام المالي /22 2023"، ديسمبر 2023، شوهد في 2023/12/15، في: https://doha-institute.org/0rH2

واضحة أو جديدة، بل هي تعبير عن سياسات تسعى في المقام الأول إلى الحفاظ على استمرارية النظام واستقراره، وتجد جذورها في مشاريع قديمة. ويقوم النظام بدور الوسيط في تنظيم المجتمع وتأهيله للاندماج في نظام إقليمي ودولي يعمل وفق قواعد جديدة. ويتطلب هذا مركزَة السلطة والموارد في يد الدولة وإزاحة التيارات السياسية التقليدية. وتُخضع دراستَا عبد الفتاح ماضي وحسام الحملاوي المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية لتحليل دقيق؛ بهدف إظهار دور هذه المؤسسات في إقامة نظام السيسي وترسيخ دعائمه. فيبحث ماضي في العلاقات المدنية - العسكرية منذ 2013. ويتناول التدابير التي يستخدمها النظام في مواجهة التهديد الوجودي للثورات العربية؛ وذلك بهدف السيطرة على الجيش ومنع انقلابه، وإعاقة أيّ تعبئة سياسية تؤدي إلى ثورة شعبية على غرار ثورة يناير، واستمرار الدعم الخارجي للنظام وتقويض أيّ دعم خارجي لتغييره. ويكشف التحليل أنّ الجيش يؤدي أدوارًا مختلفة في تلك التدابير، وأنّ التنازلات الممنوحة له لضمن ولائه عززت أيضًا استقلاليته، ومن ثم، ربما يختار في مرحلة ما الخيار الذي اتخذه مع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. ويركز الحملاوي على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، التي كانت تعمل مع الرؤساء السابقين بوصفها عوامل موازنة ضد الجيش. ويوضح أنّ السيسي قد غّير تلك العلاقة غير المستقرة تغييرًا جوهريًا، حيث أخضع المؤسستين لسيطرته؛ وذلك لمواجهة التهديد الوجودي للثورات الشعبية، وقمع المعارضة بشتى أشكالها، مع إفلاتٍ شبه كامل من العقاب. أخيرًا، يبحث روبرت سبرنغبورغ في الأداء الاقتصادي للنظام، بما في ذلك أسباب أدائه الضعيف ونتائجه؛ وبسبب خضوع الاقتصاد للاحتياجات السياسية لنظام ذي شرعية محدودة، أصبح نقطة ضعف السيسي، ويفتقر إلى نموذج قابل للحياة لتنمية البلاد كم يتضح من التقسيم الاقتصادي، والاستثمر غير الكافي خاصة في الموارد البشرية، وعدم المساواة العميقة، وسوء الإدارة الجسيم الناجم عن التدخل العسكري. وفي ظل غياب الدعم الخارجي، من المحتمل أن ينهار الاقتصاد وقد تنجم عن ذلك عواقب سياسية عميقة. يقدّم العدد تحليلات شاملة ومحدثة للنظام السياسي لحكم السيسي. وقد توصّل المساهمون فيه إلى استنتاجات ممثلة حول طبيعة شرعيته المحدودة، واعتمده على الدولة العميقة التي تقودها المؤسسات القسرية، وعدم قابليته للاستمرار من دون الدعم الخارجي، وهو ما أفضى إلى تغييرات عميقة في النظام السياسي طالت هياكله وأدواره، وستشكل عقبات مضافة أمام أي اصلاح أو تغيير في المستقبل. كم أنّ خطة مارشال الجديدة، رغم حجمها الكبير، تُعتبر حلًا مؤقتًا يحتاج إلى تجديد دوري إذا كان المساهمون فيه لا يزالون يرغبون في إنقاذ نظام السيسي. وللقيام بذلك، سيحتاجون إلى التدخل أكثر في سيادة مصر، على نحوٍ سيفرض ضغوطًا إضافية على النظام. ختامًا، لا يفوت المحرران شكر دورية "سياسات عربية" على نشر دراسات هذا الملف، وهي دراسات مختارة من مخرجات مشروع بحثي، نفّذته وحدة دراسات الدولة والنظم السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تحت عنوان "الدولة والحكم في مصر: طبيعة ومحددات النظام السياسي منذ عام 2013"، واستغرق العمل عليه أكثر من عامين. وقد نوقشت دراسات المشروع وأوراقه البحثية في ورشتي عمل عقدتا في 27-25 حزيران/ يونيو 2022، و 5-4 شباط/ فبراير 2023. وستُنشر دراسات المشروع كاملة في كتابين، أحدهم بالإنكليزية، والآخر سيصدره المركز العربي بالعربية. وسيصدر كلاهم في عام.2025