Return to Article Details Political Organizations as Social Expressions: The Urban Poor, the Rise of Social Islam, and the Cases of Justice and Charity Group and the Unity and Reform

التنظيمات السياسية تعبيراتٍ اجتماعية: فقراء الحضر ونشأة الإسلام الاجتماعي، حالتا جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح المغربيتين

Political Organizations as Social Expressions: The Urban Poor, the Rise of Social Islam, and the Cases of the Moroccan Justice and Charity Group and the Unity and Reform Movement

رشيد جرموني| Rachid Jarmouni *

الملخّص

تناقش هذه الدراسة فرضية بروز الإسلام الاجتماعي بالمغرب، من خلال دراسة أكبر حركتين للإسلام السياسي، وهما جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح بالمغرب. تركز الدراسة على مفهوم "الإسلام الاجتماعي"، بما يعنيه من تقديم مساعدات مالية وعينية وخدمات صحية وتعليمية ورياضية وفنية وتربوية للعديد من الفئات والشرائح الاجتماعية. تنطلق الدراسة من إشكالية بروز الإسلام الاجتماعي وعلاقته بمفهوم "فقراء الحضر" في ظل "الأزمة" التنموية التي يشهدها المغرب منذ ثمانينيات القرن العشرين، وإبراز الانعكاسات الاجتماعية على أهم طبقة اجتماعية، وهي الفئات المتوسطة الدنيا والفقيرة. تبين الدراسة أن الحركتين الإسلاميتين المبحوثتين استطاعتا أن تشكلا روابط تضامنية جديدة/ قديمة، قائمة على أساس ديني/ عصبوي، عوضت الأشكال التضامنية التقليدية التي كانت تحتضن الفئات المتوسطة والفقيرة في أوقات سابقة.

Abstract

​Most initial readings have exhausted their explanations for failure, or stumbling, of the democratic transition process in Tunisia. Given the country’s weak political performance, lack of economic achievement, and worsening corruption, the need has emerged to consider the role of political culture in events since the Tunisian revolution up until President Kais Saied declared a state of emergency on 25 July 2021. Contrary to the prevailing trend in the literature on democratic transition, which has often overlooked the importance of a minimum level of civil political culture taking root, there is an urgent need to recognize its vital role in ensuring the success of any transitional process, especially in the early stages. This paper argues that the absence of a minimum level of political culture has contributed to the fragility of the transitional process in Tunisia, making democracy vulnerable to failure and to the reproduction of authoritarian patterns. Therefore, strengthening this culture becomes a necessity to ensure the sustainability of the democratic transition and avoid setbacks.

الكلمات المفتاحية:
  • الثقافة السياسية
  • الانتقال الديمقراطي
  • تونس
Keywords:
  • Political Culture
  • Democratic Transition
  • Tunisia

تناقش هذه الدراسة فرضية بروز الإسلام الاجتماعي بالمغرب، من خلال دراسة أكبر حركتين للإسلام السياسي، وهما جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح بالمغرب. تركز الدراسة على مفهوم "الإسلام الاجتماعي"، بما يعنيه من تقديم مساعدات مالية وعينية وخدمات صحية وتعليمية ورياضية وفنية وتربوية للعديد من الفئات والشرائح الاجتماعية. تنطلق الدراسة من إشكالية بروز الإسلام الاجتماعي وعلاقته بمفهوم "فقراء الحضر" في ظل "الأزمة" التنموية التي يشهدها المغرب منذ ثمانينيات القرن العشرين، وإبراز الانعكاسات الاجتماعية على أهم طبقة اجتماعية، وهي الفئات المتوسطة الدنيا والفقيرة. تبين الدراسة أن الحركتين الإسلاميتين المبحوثتين استطاعتا أن تشكلا روابط تضامنية جديدة/ قديمة، قائمة على أساس ديني/ عصبوي، عوضت الأشكال التضامنية التقليدية التي كانت تحتضن الفئات المتوسطة والفقيرة في أوقات سابقة.

This paper discusses the proposition of the rise of social Islam in Morocco by studying the country's two largest political Islam movements, the Justice and Charity Association (jamā ʿ at al- ʿ adl wa-l-i ḥ sān) and the Unity and Reform Movement (ḥarakat al-tawḥīd wa-l-iṣlāḥ). It focuses on the concept of social Islam which implies the provision of financial and in-kind assistance and healthcare, education, athletic, artistic, and pedagogical services to a variety of social strata. The study proceeds from the rise of social Islam, how it relates to the concept of the urban poor under the development "crisis" Morocco has faced since the 1980 s, and highlighting the social implications for the most important social stratum: the lower middle class and the poor. The study shows that the Islamist movements under study have managed to form new and old bonds of solidarity on a religious or tribalist basis, which have replaced traditional forms of solidarity that previously used to embrace the lower and lower middle classes.

Professor of Sociology, University of Moulay Ismail, Meknes, Morocco, and Visiting Professor, Sociology and Anthropology Program, Doha Institute for Graduate Studies.. Email: r.jarmouni@umi.ac.ma; rachid.jarmouni@dohainstitute.edu.qa

مقدمة

لاقت الدراسات والأبحاث والكتب التي تناولت بالدرس ما سمي "الإسلام السياسي" في العقود الأخيرة، خصوصًا في مرحلة ما قبل "الربيع العربي"، اهتممًا كبيرًا عند العديد من الباحثين ومراكز الأبحاث وغيرها. ولم يكن هذا الاهتمم لدواع علمية بحثية في غالبه، بل كان مدفوعًا بأجندات بحثية عالمية، تفترض أن من شأن تركيز الاهتمم على هذا الفاعل أن يساعد صنّاع القرار والحكومات والدول، سواء داخل المنطقة العربية أم الإقليمية أم حتى العالمية، في فهم طبيعته وخطابه ومرتكزاته وخططه واستراتيجياته التغييرية وشبكاته الاجتمعية والسياسية وغيرها. وغيرُ خافٍ على أحد أن هذه الخلفيات البحثية تقوم على مقولة أوغست كونت "أن تعرف كي تتنبأ، وأن تتنبأ كي تتمكّنSavoir pour prévoir, prévoir pour pouvoir " ويمكن القول إن جزءًا لا بأس به من هذه الدراسات استطاع أن يساهم في تحقيق تراكم معرفي تحت عنوان "الإسلام السياسي" والأسئلة الإبستيمولوجية والنظرية والنقدية التي يطرحها هذا العنوان، بالمنطقتين العربية والإسلامية. بيد أنه على الرغم من هذا التراكم، بقيت العديد من الثيمت البحثية أو العناوين في الظل، ولم يتم التركيز عليها في سياق عمل حركات "الإسلام السياسي"، لعل من بينها مفهوم "الإسلام الاجتمعي". في هذا السياق، تأتي هذه الدراسة لتناقش فرضية بروز الإسلام الاجتمعي في المغرب، من خلال دراسة واقع أكبر حركتين للإسلام السياسي: "جمعة العدل والإحسان" و"حركة التوحيد والإصلاح" في المغرب. وعلى نحو أكثر تحديدًا، تسعى هذه الدراسة لتسليط الضوء على مفهوم "الإسلام الاجتمعي"1، بما يعنيه من تقديم مساعدات مالية وعينية وخدمات صحية وتعليمية ورياضية وفنية وتربوية للعديد من الفئات والشرائح الاجتمعية. وقد تبّين، من خلال الدراسة الاستكشافية التي قمنا بها للموضوع، أن حركتي العدل والإحسان والتوحيد والإصلاح أقامتا صرح تجذّرهم الاجتمعي والسياسي على المدخل الاجتمعي التضامني. وبناء عليه، تجادل هذه الدراسة في إشكالية بروز "الإسلام الاجتمعي" وعلاقته بمفهوم "فقراء الحضر" في ظل "الأزمة" التنموية التي شهدها المغرب، بدءًا من ثمانينيات القرن الماضي إلى الآن. وتطرح الأسئلة التالية: كيف انعكست هذه الأزمة على أهم طبقة مجتمعية، متمثلة في الفئات المتوسطة الدنيا والفقيرة؟ وما الأسباب الموضوعية لميلاد الإسلام الاجتمعي؟ وهل يؤشر ذلك على تراجع دور الأحزاب السياسية الوطنية و"اليسارية" في احتضان هذه الفئة التي أصبحت تعيش في

1  يعود استعمال هذا المفهوم الجديد، في الأساس، إلى: آصف بيات، الحياة سياسة: كيف يغّي  ر بسطاء الناس الشرق الأوسط، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ينظر خاصة الفصل الرابع، وسنقف مع التجذير النظري لهذا المفهوم في دراستنا هذه.

هشاشة اجتمعية؟ وهل شكّل ميلاد الإسلام الاجتمعي مرحلة تؤشر على تراجع دور الدولة في تأمين الخدمات الاجتمعية لهذه الفئات؟ وإلى أيّ حد يمكن القول إن حركات الإسلام السياسي قدّمت لهذه الفئات المتوسطة والفقيرة أشك لًا جديدة من التضامن، عوّضتها عن الأشكال التقليدية (الأسرة، القبيلة، الزاوية، وما إلى ذلك)؟ وهل هناك علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين بروز الإسلام الاجتمعي وتداعياته على الحياة السياسية، و"نجاح الأحزاب الإسلامية" (حزب العدالة والتنمية المغربي، الحليف الاستراتيجي لحركة التوحيد والإصلاح في المغرب) التي تشارك في الحراك الانتخابي هناك أو التي لا تشارك في هذه المحطات الانتخابية (جمعة العدل والإحسان)؟ للإجابة عن هذه الأسئلة/ الإشكاليات، تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن بروز الإسلام الاجتمعي لا يمكن إرجاعه فحسب إلى وجود أزمة اقتصادية وتنموية عرفها المغرب في ثمانينيات القرن الماضي إلى الآن، أرخت بظلالها السلبية على مستوى عيش السكان، وخصوصًا الفئات المتوسطة والفقيرة أو ما سمّيناه فقراء الحضر، بل إلى ما أكبر منه، أو يُضاهيه، وهو وجود فراغ وتراجع على مستوى مؤسسات الاحتضان الاجتمعي، مثل الأسرة والقبيلة والمدرسة والأحزاب السياسية الوطنية والجمعيات التنموية، التي عملت الحركات الإسلامية على تقديم جواب عنه بإنشاء مؤسسات وأشكال جديدة/ قديمة للتضامن.

أولا: المنهج البحثي وعينة الدراسة

1. المنهج البحثي

اعتمد البحث على منهج دراسة الحالة Study Case؛ أي "وصف وضع معّين بالاعتمد على الحوار والملاحظة المباشرة والبيانات الأخرى، مبيّنة بشكل دقيق، يسمح بملاحظة السلوك في مكان وزمان محددَين، وهذه الخصائص تتقاسمها جميع الحالات"2. من جهة أخرى، ينسجم منهج دراسة الحالة، باعتباره منهجًا كيفيًا، مع خصوصية الحقل البحثي الذي وقع عليه اختيارنا، لذا، فإنه مُيكّننا من "الكشف عن خبايا السلوك الإنساني وتوجّهاته، وأيضًا من سبر العلاقات داخل المؤسسات الجمعية"3. ونظرًا إلى أن الدراسة تشمل

2  David E. McNabb, Research Methods for Political Sciences, Quantitative and Qualitative Methods (New York/ London: Routledge 2004), p. 358. 3  Ibid.

  1. يعود استعمال هذا المفهوم الجديد، في الأساس، إلى: آصف بيات، الحياة سياسة: كيف يغّي  ر بسطاء الناس الشرق الأوسط، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ينظر
  2. David E. McNabb, Research Methods for Political Sciences, Quantitative and Qualitative Methods (New York/ London: Routledge 2004), p. 358. 3  Ibid.
  3. خاصة الفصل الرابع، وسنقف مع التجذير النظري لهذا المفهوم في دراستنا هذه.

جمعة العدل والإحسان4 وحركة التوحيد والإصلاح6؛ فسيوفّر لنا هذا المنهج معلومات تفصيلية وشاملة ومعمّقة أكثر من المنهج المسحي، ومُيكّننا من النفاذ إلى أعمق الحالة المستجيبة وإدراك المتغيرات المحيطة بها، وتفاعل مختلف الديناميات والسياقات الاجتمعية والاقتصادية والسياسية المتعلّقة بها. من جهة أخرى، قاربت الدراسة الموضوع بالاعتمد على المنهج المقارن، باعتباره سيُساعد في تعميق النظر في خصائص كلتا الحركتين، وذلك من خلال الوقوف عند طبيعة العمل الاجتمعي لديهم، والكشف عن التقاطعات والاختلافات التي مُتيّزهم، وكيف استطاعتا أن تشّكلّا ترابطات تضامنية جديدة. وذلك من خلال الرجوع إلى خلفية الحالة وتاريخها وتطوّرها ووضعها الراهن. وفي هذا السياق، انتهجنا المقارنة الدينامية Comparative Dynamique، وليس المقارنة الستاتيكية (الجامدة)، كم شرحها رايمون آرون في حديثه عن المقارنة الستاتيكية Statique Comparative7. ولعل الفرق واضح بين المقارنة الستاتيكية التي كانت سائدة في علم الاجتمع الوضعي مع إميل دوركايم8 الذي كان يقارب الظواهر الاجتمعية كأنها "أشياء"، والمقاربة الدينامية التي يدعو إليها آرون، خصوصًا أن المقارنة بين حركتين إسلاميتين يطرح على الباحثين الكثير من

المجموعالمقابلات
املفردية
المقابلات
مع الفاعلين
املإسلاميين
منطقة
الدراسة/
امإلمدينة
-22سلا
-11طنجة
-11الدار البيضاء
-11وزان
1055المجموع

الصعوبات الإبستيمولوجية؛ من حيث خصوصية كل حركة على حدة، وطبيعة عملهم، وآليات اشتغالهم، وكذا نوعية المستفيدين من خدماتهم، وعلاقتهم بالسلطة، وما إلى ذلك من حيثيات وشروط وسياقات داخلية وخارجية، تفرض الحذر الإبستيمولوجي في انتهاج المقاربة المقارِنة.

2. 2. العيّنة البحثية وتقنية البحث

نظرًا إلى طبيعة البحث القائم على المنهج الكيفي، اعتمدنا في استخلاص معطيات البحث على عيّنة مجالية، تقوم على مبدأ الحضور القوي للعمل الاجتمعي، بما يعنيه ذلك من وجود شبكات اجتمعية تقدم خدمات للفقراء أو المتعاطفين مع هذا التيار أو ذاك. وقد شكّلت مدينة سلا (قرب العاصمة المغربية الرباط)، بؤرة البحث والتقصي، لكن لاعتبارات خاصة برصد مؤشرات عن الممرسات الاجتمعية الأخرى، فإننا انتقلنا إلى مدن مثل طنجة ووزان (شمل المغرب)،

4  سيأتي تعريف مفصل عن السياق السوسيوتاريخي لميلاد هذه الجماعة في الفقرات التالية. 5  الملاحظة السابقة نفسها. 6  ريمون بودون، أبحاث في النظرية العامة في العقلانية: العمل الاجتماعي والحس المشترك، ترجمة جورج سليمان (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص.277 7  إميل دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة محمود قاسم ومحمد بدوي (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1988)، ينظر خاصة الفصل السادس.

نظرًا إلى غياب ممرسات في مدن، وحضورها في مدن أخرى. في هذا السياق، أنجزنا عشر مقابلات مطوّلة مع فاعلين إسلاميين، ومع بعض المستفيدين أيضًا من الدعم الاجتمعي الذي تقدّمه هذه الحركات، في استخلاص نتائج البحث. ونودّ أن نؤكد أن هذه العيّنة غير شاملة، ولا تُغطّي التراب الوطني المغربي كله، لكن ذلك لا يمنع من الاعتمد على بعض نتائجها في استخلاص التوجّهات الرئيسة للعمل الاجتمعي للحركات الإسلامية، على اعتبار أن هذا العمل لا يمكن فصله عن خصوصية هذه الحركات، سواء في توجّهاتها أم برامجها أم خططها، أم حتى في استراتيجيتها عمومًا. من جهة أخرى، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن البحث يعود إلى صيف 2019، فإن ذلك لا يؤثر في قيمته العلمية، على اعتبار أن العمل الاجتمعي عند هاتين الحركتين الإسلاميتين يُعدّ ثابتًا جوهريًا في عملهم، وليس عرضيًا على الإطلاق. صحيح أنه يمكن أن ينكمش9 أو يزدهر، بحسب السياقات الداخلية والخارجية، لكنه لا يضمر عند هذه الحركات. عيّنة البحث الكيفي

المجموع 5

المصدر: عينة البحث الكيفي،.2019

8  المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 1.22.79 صادر في 18 من جمادى الأولى 1444 (13 ديسمبر 2022) بتنفيذ القانون رقم 18.18 القاضي بتنظيم عمليات جمع التبرعات من العموم وتوزيع المساعدات"، الجريدة الرسمية، العدد 7159، السنة 112، 2023/1/9، شوهد في 2024/6/20، في: https://acr.ps/1L9zOkj وقد خلّف هذا القانون ردات فعل متباينة، بين مرحّب به ومنتقد، لأنه سيُضيّق على

الجمعيات والحركات الإسلامية عبر جمعياتها الخيرية، ولأنه سيمنح أيضًا وزارة الداخلية سلطات واسعة في كبح حركية هذه الأنشطة. ينظر مثلًا: "السطي: اعتبر أنه لا يجب أن يصبح القانون آلية للتضييق على الجمعيات الجادة وأن يتم توظيفه سياسيًا"، موقع حزب العدالة

والتنمية، 2022/4/29، شوهد في 2024/6/20، في: https://acr.ps/1L9zOwH

  1. ريمون بودون، أبحاث في النظرية العامة في العقلانية: العمل الاجتماعي والحس المشترك، ترجمة جورج سليمان (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص.277
  2. إميل دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة محمود قاسم ومحمد بدوي (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1988)، ينظر خاصة الفصل السادس. المصدر: عينة البحث الكيفي،.2019
  3. المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 1.22.79 صادر في 18 من جمادى الأولى 1444 (13 ديسمبر 2022) بتنفيذ القانون رقم 18.18 القاضي بتنظيم عمليات جمع التبرعات من العموم وتوزيع المساعدات"، الجريدة الرسمية، العدد 7159، السنة 112، 2023/1/9، شوهد في 2024/6/20، في: https://acr.ps/1L9zOkj وقد خلّف هذا القانون ردات فعل متباينة، بين مرحّب به ومنتقد، لأنه سيُضيّق على الجمعيات والحركات الإسلامية عبر جمعياتها الخيرية، ولأنه سيمنح أيضًا وزارة الداخلية سلطات واسعة في كبح حركية هذه الأنشطة. ينظر مثلًا: "السطي: اعتبر أنه لا يجب أن يصبح القانون آلية للتضييق على الجمعيات الجادة وأن يتم توظيفه سياسيًا"، موقع حزب العدالة والتنمية، 2022/4/29، شوهد في 2024/6/20، في: https://acr.ps/1L9zOwH

ثانيًا: الخلفية النظرية والمفهومية للبحث

بناء على حكمة بليغة، كان قد تحدّث عنها الباحث والصحافي وعالم السياسة الإيطالي جيوفاني سارتوريGiovanni Sartori (2017-1924) تقول: "تبدأ إعادة مفهوم ما من النظر في أدبياته"10، سنسعى في هذه الدراسة لأن نوضح الخلفية النظرية التي حكمتنا في بناء فرضيات الدراسة وإشكاليتها المركزية، وكيف تمكنّا من بلورة مفهومي: "الإسلام الاجتمعي" و"فقراء الحضر".

التأطير النظري لمفهوم الإس الم الاجتماعي

تعدّدت المقاربات والنظريات المفرّسرة لبروز الحركات الإسلامية، ومردّ هذا التعدد الخلفيات النظرية التي تحكّمت في الباحثين لتقديم تفسير لهذا البروز، ويمكن القول إنها تتوزّع على خمس مقاربات كبرى: - المقاربة الأيديولوجية الاستشراقية، والمقاربة السياسية، والمقاربة السوسيو-اقتصادية، والمقاربة السيكولوجية، وأخيرًا مقاربة الحركات الاجتمعية11. تفترض المقاربة الأولى أن مردّ ظهور الحركات الإسلامية هو التوتر الذي حصل في المجتمعات المسلمة بين قيم الحداثة والقيم التقليدية، وأن هذه "الأزمة" شكّلت ردة فعل، تمثّلت في بروز التيار الإسلامي جوابًا عن هذا الإشكال. وقد تعرّضت هذه المقاربة للعديد من الانتقادات، لعل من أهمها تيار التأويلية الرمزية (ديل إكلمن12 وغيره)، الذي فنّد هذا الطرح القائم على ثنائية "مصطنعة" بين الحداثة والتراث، وبيّنوا أن الحركات الإسلامية، باستلهامها التراث الإسلامي على نحوٍ تجديدي، مثّلت تجارب "ثورية" على الأوضاع السياسية والاجتمعية والاقتصادية، كم هو الشأن بالنسبة إلى الثورة الإيرانية.)1979(في حين نجد تيار المقاربة الثانية، السوسيو-اقتصادية، يقدم تفسيرًا سوسيو-اقتصاديًا لظهور الحركات الإسلامية، بأنه كان نتيجة لردة فعل الطبقات الشعبية ضد إقصائها من مسلسل الحداثة. والدليل الذي يقدمه هذا التيار، بحسب التصوّر النيوماركسي، أن الحركة

9  تاكيس س. باباس، الشعبوية والديمقراطية الليبررالية: تحليل نظري مقارن، ترجمة عومرية سلطاني (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2021)، ص.44 10  ينظر بعض هذه المقاربات في: خليل العناني، داخل "الإخوان المسلمين": الدين والهوية والسياسة، ترجمة عبد الرحمن عباس، مراجعة عومرية سلطاني (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018)، ينظر خاصة الفصل الأول. 11  ديل إكلمان، أنثروبولوجيا المجتمعات الإسلامية، ترجمة مجموعة من المترجمين، تحرير يونس الوكيلي (الرباط: مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2022)، ينظر خاصة الأقسام الأول والثاني والثالث.

الإسلامية تلقى صداها في أوساط الشعوب الأكثر تهميشًا، من جرّاء التدفّقات الكثيفة للهجرة القروية نحو الحواضر، ومسلسل التحديث القسرري، ما شكّل مج لًا لانتعاش تديّن حركي (نسبة إلى الحركات الإسلامية)، عمل على القطع مع "التدين الشعبي"13 الذي كان سائدًا في هذه المناطق. إلا أن الاعتراض الوجيه الذي قُدّم لهذا الطرح هو أنه يمكن أن نفترض زوال هذه الحركات بمجرد تغّير الشروط الموضوعية14، علاوة على كون غالبية منتسبي الحركات الإسلامية تنتمي إلى الفئات المتوسطة من المجتمع، وليس من الفئات الفقيرة والمهمّشة اقتصاديًا واجتمعيًا. أما المقاربة الثالثة، السيكولوجية، فشكّلت هي الأخرى إحدى المقاربات التي أثارت العديد من النقاشات والجدال بين الباحثين. وتفترض أن بروز حركات الإسلام السياسي أو الحركات الإسلامية مرتبطٌ أساسًا بالحالة النفسية التي تعيشها العديد من الفئات والطبقات والحساسيات، والتي تشعر بنوع من الإحباط frustraction La الجمعي، وليس الفردي فحسب، من جرّاء صعوبة الاندماج في المجتمعات المعاصرة. ولذلك تجد في الدعوات الدينية ما يشبع تعطّشها، ويُقلّل من إحباطاتها – خصوصًا في المجتمعات العربية والإسلامية - التي تعاني التسلّط والتحكم وغياب حرية الرأي والمعتقد والفكر. ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى أهم منظّر لهذا التوجه السيكولوجي، أي غوستاف لوبون، الذي عّبر عن كون "الإنسان ليس متدينًا فقط عن طريق عبادة آلهة معيّنة، وإنما أيضًا عندما يضع كل طاقاته الروحية وكل خضوع إرادته، وكل احتدام تعصّبه في خدمة قضية ما، أو شخص ما"15. ويعني هذا التحليل أن المنتسبين إلى حركات الإسلام السياسي يجدون في "العاطفة الدينية"

12  رفعًا لكل لبس، فإن تصنيف نوع التدين إلى "تدين شعبي" وآخر "رسمي" وآخر "حركي"، يعود إلى التراث الكولونيالي وما بعد الكولونيالي الذي بلور هذه النمذجات التصنيفية المعرفية للخريطة الدينية في المجتمعات المسلمة، وإن كنّا نعتقد أن بعضًا من هذه النمذجات لم يعد قادرًا على تفسير الخريطة الدينية الجديدة، فإن ذلك لا يعني أنها لم تعد صالحة بالمطلق. ينظر في هذا الخصوص: رشيد جرموني، الدين والإعلام في سوسيولوجيا التحولات الدينية (الرباط: القرويين للنشر والتوزيع، 2022)، ص.99 13  Mohamed Ababou, "Intégration ou exclusion: Le rôle du religieux chez les jeunes marocains," in: Intégration et exclusion: Quelle société pour le 21 éme siècle? série colloques et séminaires, no. 139 (Casablanca: Publication de la faculté des lettres et sciences Humaines, Rabat, 2007); Samir Amin, "Y a-t-il une économie politique du fondamentalisme islamique," Peuples Méditerranéens , no. 21 (Octobre-Décembre 1982). وفي السياق نفسه، فقد اعتبر ترولتش أن الظلم الاجتماعي وعدم المساواة من العوامل المفرّسرة لاستقطاب الطبقات الفقيرة، ينظر: Danièle Hervieu-léger & Jean-Paul Willaime, Sociologie et religion: Approches classiques (Paris: Presses Universitaires de France, 2001). 14  غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة هاشم صالح، ط 5 (بيروت: دار الساقي، 2013)، ص.92

  1. تاكيس س. باباس، الشعبوية والديمقراطية الليبررالية: تحليل نظري مقارن، ترجمة عومرية سلطاني (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2021)، ص.44
  2. ينظر بعض هذه المقاربات في: خليل العناني، داخل "الإخوان المسلمين": الدين والهوية والسياسة، ترجمة عبد الرحمن عباس، مراجعة عومرية سلطاني (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018)، ينظر خاصة الفصل الأول.
  3. ديل إكلمان، أنثروبولوجيا المجتمعات الإسلامية، ترجمة مجموعة من المترجمين،
  4. رفعًا لكل لبس، فإن تصنيف نوع التدين إلى "تدين شعبي" وآخر "رسمي" وآخر "حركي"، يعود إلى التراث الكولونيالي وما بعد الكولونيالي الذي بلور هذه النمذجات التصنيفية المعرفية للخريطة الدينية في المجتمعات المسلمة، وإن كنّا نعتقد أن بعضًا من هذه النمذجات لم يعد قادرًا على تفسير الخريطة الدينية الجديدة، فإن ذلك لا يعني أنها لم تعد صالحة بالمطلق. ينظر في هذا الخصوص: رشيد جرموني، الدين والإعلام في سوسيولوجيا التحولات الدينية (الرباط: القرويين للنشر والتوزيع، 2022)، ص.99
  5. Mohamed Ababou, "Intégration ou exclusion: Le rôle du religieux chez les jeunes marocains," in: Intégration et exclusion: Quelle société pour le 21 éme siècle? série colloques et séminaires, no. 139 (Casablanca: Publication de la faculté des lettres et sciences Humaines, Rabat, 2007); Samir Amin, "Y a-t-il une économie politique du fondamentalisme islamique," Peuples Méditerranéens , no. 21 (Octobre-Décembre 1982). وفي السياق نفسه، فقد اعتبر ترولتش أن الظلم الاجتماعي وعدم المساواة من العوامل المفرّسرة لاستقطاب الطبقات الفقيرة، ينظر: Danièle Hervieu-léger & Jean-Paul Willaime, Sociologie et religion: Approches classiques (Paris: Presses Universitaires de France, 2001). 14  غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة هاشم صالح، ط 5 (بيروت: دار الساقي، 2013)، ص.92
  6. تحرير يونس الوكيلي (الرباط: مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2022)، ينظر خاصة الأقسام الأول والثاني والثالث.

عزاءً لمعاناتهم وشقائهم، وتعمل هذه العاطفة الدينية على تجييش عواطفهم ولاوعيهم الفردي والجمعي، وتجعلهم أسرى مجموعة من المعتقدات والأيديولوجيات، بل حتى الأشخاص والرموز الذين يُضفون عليهم هالة وقداسة (حالة تعلق منتسبي جمعة العدل والإحسان بشيخهم الراحل عبد السلام ياسين على سبيل المثال). لم تسلم هذه المقاربة من نقد ونقض، لعل من أهم هذه الانتقادات هي أنها "غير علمية"، ومن ثَّمَ تفترض أن عموم الإسلاميين أو منتسبي هذه التيارات والجمعات يعانون أمراضًا نفسية (العصاب névrosé مثلًا)، وإحباطات سيكولوجية، تدفعهم إلى الهروب إلى الدين؛ نظرًا إلى عدم قدرتهم على مواجهة متطلّبات الحياة المعاصرة. والحاصل أن هذا التحليل لا ينطبق على كل الحالات والتجارب، فالعديد من هذه التجارب استطاعت أن تندمج في المجتمع المعاصر، وأن تصبح فاعلة في الحياة الاجتمعية والسياسية وما إلى ذلك. ولهذا، كون هذا المقترب لم يصمد في تقديم تفسير علمي وعملي لبروز ظاهرة الإسلام السياسي، فإنه لم يعد يستهوي الباحثين لاتّخاذه نموذجًا تفسيريًا. في حين مثّلت المقاربة الرابعة، السياسية، إحدى المقاربات التي استأثرت باهتمم بالغ وسط الباحثين؛ نظرًا "إلى الاهتمم المبالغ فيه"16 بدراسة هذه الحركات لأسباب أيديوسياسية في الأساس، ولا يتّسع المجال هنا لتفصيل الحديث عن ذلك. لكن الذي يهمنا هو النظر في نموذجها التفسيري، وإلى أي حد استطاعت أن تقدم تصوّرًا متمسكًا عن خصوصية هذه الحركات؟ انبثقت هذه المقاربة من حقيَلي العلوم السياسية والاجتمعية، وبرزت بصفة لافتة في فرنسا، على يد أوليفيه روا Roy Olivier وجيل كيبيل Gilles Kepelوفرنسوا بورغاFrançois Burgat ومارسيل كوشي Gauchet Marcel، وقبلهم كان السبق للباحث الجزائري محمد أركون في نحت مفهوم الإسلام السياسي. وقد سعت هذه المدرسة لترويج مفهوم "الإسلام السياسي" politique L'Islam. وتقوم هذه المدرسة على تفسير نظري يركز على البعد السياسي في فهم ديناميات حركات الإسلام السياسي، بإرجاع كل منطلقاتهم وأيديولوجياتهم ومبادراتهم وفاعليتهم إلى البعد السياسي. ونجد باحثين تحدثوا عن "أيديولوجية سياسية ومشروع يتم تنفيذه من قبل فاعلين اجتمعيين يريدون

15  يلحظ المتتبع للحقل العلمي، خصوصًا خلفياته الإبستيمولوجية، أن الاهتمام بموضوع بحثي ما ليس من قبيل الصدفة أو الاهتمام الزائد، بل يأتي نظرًا إلى اعتبارات لا تعود إلى

ص.81

البحث العلمي، بل إلى اعتبارات سياسية وأيديولوجية. للمزيد حول هذا الموضوع، ينظر: جاك قبانجي، "لماذا فاجأتنا انتفاضتا تونس ومصر؟ مقاربة سوسيولوجية"، إضافات، العدد 14 (ربيع 2011)، ص.13

تفعيل دور الدين في الحياة اليومية من أجل غايات سياسية"17. والغالب عند جلّ الباحثين الذين درسوا حركات الإسلام السياسي أنهم ركّزوا على البعد السياسي في عمل هذه الحركات وأهدافها ومنطلقاتها وغاياتها. إّلا أنه بداية من سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، وبعد تجربة هذه الحركات الإسلامية في الانتخابات وتدبير دواليب السلطة في العديد من المجتمعات الإسلامية، انبرى العديد من الباحثين لفهم التحّولّات التي عرفتها الظاهرة الإسلامية؛ ومن ثم بدأ الحديث عن تغير في توجّهات هذه الحركات الإسلامية ومنطلقاتها وغاياتها ووسائلها، حيث أطلق أوليفيه روا مفهوم "فشل الإسلام السياسي"، كناية عن فشلها في مشروعها القائل إن "الإسلام هو الحل". وقد توصل روا وكيبيل إلى أن هذا الفشل سيُغّير من استراتيجية هذه الحركات ومشروعها، فبدلًا من خوض المعارك الانتخابية والتنافس على السلطة، عملت على تجذير مشروعها عبر العمل من تحت، وهم يقصدان بذلك العمل الاجتمعي، بما يعنيه من تقديم خدمات اجتمعية إحسانية وخيرية ودعوية تعمل من تحت (أي في البنى الاجتمعية التحتية) وليس من فوق (السلطة). في هذا السياق يتحدث روا عن طبيعة هذا التحول، قائلًا: "ذلك أن العودة للإسلام تتم حول محورين: الإصلاح الفردي بالدعوة، وإنشاء نطاقات إسلامية أو مؤسلمة. وهذه الأخيرة هي إسلامية، إما بمصطلحات مكانية محضة (أحياء مدن)، وإما بمصطلح الممرسات والشبكات (مصارف إسلامية). فلا بد من استباق المجتمع الإسلامي والتحضير له بالنضالية المحلية وبالجمعيات والتعاونيات والمؤسسات الأخرى"18. من جهته اعتبر جيل كيبيل: "أن التحوّل الذي عرفته حركات الإسلام السياسي في بردايماتها التغييرية انتقل من العمل الثوري الذي ورثته عن الحركات الماركسية إلى 'العمل الإصلاحي' الذي بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو ما يمكن أن نطلق عليه عملية الأسلمة من تحت bas du Réislamisation، وذلك عن طريق هيئات المجتمع المدني والدعوي وعبر المساجد"19. بيد أن هذا التحليل "لفشل" حركات الإسلام السياسي، بالحديث عن تغّير في الرؤية الاستراتيجية لهذه الحركات، سيقفز فوق العديد من المؤشرات والمعطيات والوقائع التي أظهرت أن هذه الحركات لم تغير رؤيتها فحسب، بل هي منسجمة في توجّهاتها التي تعلن عنها باعتبارها تشترك مع رؤية الحركات الاجتمعية كم تبلورت في العلوم الاجتمعية والسياسية. إلا أنه قبل أن نُفصّل في

16  طيبي غماري، "أزمة الإسلام السياسي المعاصر: إشكالات التحول من جماعة المؤمنين إلى دولة مواطنين"، في: الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، ج 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.302 17  أوليفييه روا، تجربة الإسلام السياسي، ترجمة نصير مروة (بيروت: دار الساقي، 2016)، 18  Gilles Kepel, La revanche de Dieu, chrétiens, juifs et musulmans à la reconquête du monde (Paris: Editions du Seuil, 1991), p. 38.

  1. يلحظ المتتبع للحقل العلمي، خصوصًا خلفياته الإبستيمولوجية، أن الاهتمام بموضوع بحثي ما ليس من قبيل الصدفة أو الاهتمام الزائد، بل يأتي نظرًا إلى اعتبارات لا تعود إلى ص.81 البحث العلمي، بل إلى اعتبارات سياسية وأيديولوجية. للمزيد حول هذا الموضوع، ينظر:
  2. طيبي غماري، "أزمة الإسلام السياسي المعاصر: إشكالات التحول من جماعة المؤمنين إلى دولة مواطنين"، في: الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، ج 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.302
  3. أوليفييه روا، تجربة الإسلام السياسي، ترجمة نصير مروة (بيروت: دار الساقي، 2016)، 18  Gilles Kepel, La revanche de Dieu, chrétiens, juifs et musulmans à la reconquête du monde (Paris: Editions du Seuil, 1991), p. 38.
  4. جاك قبانجي، "لماذا فاجأتنا انتفاضتا تونس ومصر؟ مقاربة سوسيولوجية"، إضافات، العدد 14 (ربيع 2011)، ص.13

الحديث عن الدواعي العلمية التي تجعلنا نتبنّى الطرح الذي مفاده أن الحركات الإسلامية تمثّل جزءًا من دينامية الحركات الاجتمعية، علينا أن نكمل النقاش بين الباحثين في العلوم السياسية، من المدرسة الفرنسية تحديدًا، الذين اختلفوا في توصيف: هل بالفعل دخلت هذه الحركات في ما سّما ه روا وكيبيل "فشل الإسلام السياسي"؟ يرى بورغا أن مزاعم تحوّل حركات الإسلام السياسي في عملها ومشروعها التغييري بتركها العمل الثوري والتوجّه نحو العمل الاجتمعي، أي التغيير من تحت، لا تُبنى على أسس علمية واقعية. ويؤكد في هذا السياق: "أن دعوى تحوّل حركات الإسلام السياسي من العمل الثوري إلى العمل الاجتمعي تعوزه الأدلّة المقنعة، ذلك أن هذه الحركات ليست موحّدة في تصوّراتها وأهدافها وغايتها، وثانيًا يقتضي التحوّل أن تكون هذه الحركات قد بلورت رؤيتها الثورية في سبعينيات القرن الماضي بصفة واضحة، وحينم تحوّلت إلى العمل الاجتمعي يلزمها أن تكون قد بلورت تصورًا ناضجًا حول ذلك. وثالثًا، يقتضي ذلك أن هذه الحركات التي يعتقد بعضهم أنها كانت ثورية في السبعينيات قد عملت على التحوّل في الثمنينيات إلى العمل الاجتمعي"20. ويضيف أن "العمل الاجتمعي ظل حاضرًا عند كل حركات الإسلام السياسي، بما فيها تلك الحركات التي صُنّفت حركات جهادية"21. ويعطي مث لًا على تهاوي مسألة الانتقال من العمل الثوري إلى العمل الاجتمعي للحركات الإسلامية، ببروز حزب الله في لبنان، وهو يتبنّى الثورة المسلحة خيارًا للمقاومة، أو حتى بروز حركة المقاومة الإسلامية "حمس" فرعًا للإخوان المسلمين في فلسطين، وذلك ما يُفنّد في العمق التحليل الذي ذهب إليه كل من كيبيل وروا22. ولعل هذا التحليل الذي عّبر عنه بورغا هو ما يدفعنا إلى الحديث عن أن للحركات الإسلامية تجذّرًا في البنى المجتمعية، وأنها تختلف عن الحركات الدينية الطائفية المغلقة، كم قدّمها الباحث خليل العناني حينم أكد أهمية البعد الشمولي في النظر إلى ميلاد الحركات الإسلامية، معتبرًا أنه يجب التعامل مع التيارات الإسلامية، "ليس باعتبارها حركات دينية مغلقة Movements Religious Dogmatic، وإنما بوصفها حركات اجتمعية - سياسية تتفاعل وتتأثر بالبيئة المحيطة بها، ولديها تمثيل مجتمعي لا يمكن إنكاره"23.

19  François Burgat, L'Islamisme en face , 3 ème ed. (Paris: La Découverte Poche, 2002), p. 83. 20  Ibid., p. 84. 21  Ibid. 22  خليل العناني، "دور الدين في 'المجال العام' في مصر بعد ثورة 25 يناير"، دراسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (آذار/ مارس 2012)، ص.3

ولهذا يمكن القول إن مقاربة "الحركات الاجتمعية" مثّلت إحدى أهم المقاربات التفسيرية التي حاولت أن تتجاوز الاختزال والتعسّف في قراءة ظاهرة الحركات الإسلامية وفهمها؛ مثل المقاربة السياسية أو الاقتصادية أو السيكولوجية. وبيّنت إلى أي حد وجب على الباحثين المشتغلين بهذا الحقل أن يكونوا حذرين في تحليلاتهم، ومن ثم محاولة تقديم نظرة أكثر شمولية وعمقًا للاقتراب من فهم مطابق للخلفيات النظرية والأيديولوجية التي تقوم عليها هذه الحركات. ولعل في ما توصل إليه الباحث محسن الأحمدي جوابًا عن هذا المعطى، حيث قال: "تُشكّل الحركات الإسلامية رؤية للعالم، كونها تمتلك مشروعًا تغييريًا للعالم ولمنتسبيها في تشكيل رؤية كلية، تشمل منظومة الأخلاق والسياسة والاقتصاد والأخلاق الجنسية، وتعمل هذه الحركات من أجل تكوين إنسان يهتدي بالقيم الأخلاقية الإسلامية المعيارية، وفقًا لقراءتها النصوص الدينية وتأويلها"24.

نخلص، مم سبق عرضه من مقاربات ونماذج تفسيرية للحركات الاسلامية، إلى أن تقديم تفسير واحد ووحيد لبروز حركات الإسلام السياسي يُعدّ اختزلًا للفكر السوسيولوجي، ووقوعًا في "كبح منهجي"، كم سّما ه رايت ميلز، الشيء الذي يجعلنا نتفق مع المقترب الكيّلي لمقاربة تفسير ميلاد هذه الحركات، كونها مُتثّل "فعلًا اجتمعيًا كلّيًا". ولهذا، فإن استحضار مجموع العوامل، سواء منها الاقتصادية أم الاجتمعية أم السياسية، بل حتى السوسيوتاريخية، كفيلٌ بتوضيح خلفيات هذا البروز، وإدراك أن التاريخ الإسلامي كان يعرف، على مر الحقب التاريخية، ظهورًا لحركات دعوية أو تربوية أو سياسية تدعو باسم الدين وتريد أن تُضفي المشروعية على مبرّر وجودها. غير أنه على الرغم من أن هذه المقاربة الشمولية للحركات الإسلامية،

23  Mohsine Elahmadi, Les mouvements islamistes au Maroc (Casablanca: Ittissalat Salon, 2006), p. 26.

  1. François Burgat, L'Islamisme en face , 3 ème ed. (Paris: La Découverte Poche, 2002), p. 83.
  2. Ibid., p. 84.
  3. Ibid.
  4. خليل العناني، "دور الدين في 'المجال العام' في مصر بعد ثورة 25 يناير"، دراسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (آذار/ مارس 2012)، ص.3
  5. Mohsine Elahmadi, Les mouvements islamistes au Maroc (Casablanca: Ittissalat Salon, 2006), p. 26.

التي تستند إلى الخلفية التنظيرية للحركات الاجتمعية كم تخلّقت في حقل السوسيولوجيا، لم تسعف العديد من الباحثين في الكشف عن الجوانب المعتمة في عمل هذه الحركات واستراتيجياتها، ولعل من بينها مفهوم " الإسلام الاجتمعي" باعتباره مكوّنًا أساسيًا لهذه الحركات، الذي لا يشكل بديلًا أو تغيرًا في بقية أهدافها ووسائلها وبرامجها، فإن ما يضفي على هذه الحركات صفة الشمولية هو كونها تنتهج في عملها العديد من الوسائل والآليات، من بينها الخدمات الاجتمعية والنقابية والسياسية والإحسانية والخيرية والتوعوية والاحتضان لفئات من المجتمع، سواء من الفقراء بصفة عامة أم فقراء الحضر أم من الفئات المتوسطة. في هذا السياق، يؤكد بيات أن "ما يُضفي على كل هذه الأنشطة صفة الإسلامية، هو هذه التوليفة بين البديل الذي تقدّمه الدولة والقطاع الخاص، والقناعة الدينية لكثير من النشطاء في المجالين، المشروعات المؤسسة على تمويل إسلامي، وأخيرًا تقديم خدمات اجتمعية ممكنة"25. ومعناه أننا نفترض أن الحركات الإسلامية، سواء في المغرب أم في غيره من المجتمعات المسلمة، تعمل على تجذير مشروعيتها الأيديولوجية والسياسية والفكرية والتربوية والثقافية، اعتمدًا على "الإسلام الاجتمعي" بصفته أحد المداخل الأساسية في مشروعها التغييري، وذلك ما سنناقشه بناء على نتائج البحث الميداني.

التأطير النظري لمفهوم فقراء الحضر

شكّلت مفاهيم الفقر والفقراء والمهمشين والمستضعفين مج لًا للعديد من الطروحات النظرية والبردايمات التفسيرية، فالنظرية الماركسية وظّفت مفهوم "البروليتاريا الرثّة" أو "الحُثالة الاجتمعية" كم وسمها كل من كارل ماركس وفريدريك إنجلز، ب "البروليتاريا غير العاملة، أو العناصر الاجتمعية الخالصة، مثل الشحاذين واللصوص ومتسكّعي الشوارع والمجرمين الذين يتّسمون بالفقر"26. لعل الخلفية التي تحكّمت في بلورة هذا المفهوم الماركسي (البروليتاريا الرثّة)، هي أنهم لم يروا في هذه الفئة عاملًا مساعدًا في التغيير الثوري الذي كانت تروّج له اليوتوبيا الماركسية. وقد استمر النظر إلى مفهوم الفقر والفقراء من خلال العديد من المقاربات غير الماركسية، مثل الوظيفية الكلاسيكية التي رأت فيه مهدّدًا للاستقرار السياسي، خصوصًا في البلدان النامية. إّلا أن التطور الذي عرفته العلوم الاجتمعية أفرز مقاربة جديدة لمفهوم الفقر؛ حيث بدأ ينظر إلى هذا المفهوم من خلال ربطه بالسياق الذي يُبنى فيه

24  بيات، ص.169 25  المرجع نفسه، ص.102

اجتمعيًا. في هذا السياق، شكّلت النقلة النوعية، التي وسم بها جورج زيمل Simmel Georg الفقر، منعطفًا في مقاربة الفقر من منظور سوسيولوجي شمولي، يستحضر البنى الاجتمعية وعلاقتها ببروز الفقر "والبناء المؤسساتي والعلاقات التبادلية بين أفراد المجتمع في لحظة تاريخية معيّنة، فهي التي تعمل على بناء الفقر داخل المجتمع"27. بمعنى آخر، لم يعد يُنظر إلى الفقر باعتباره مفهومًا في الانعزال عن العلاقات الاجتمعية، ومدى حضور العلاقات التبادلية أو غيابها بين أفراد المجتمع. وهذا ما اعتبره سيرج بوغام خروجًا على البردايم الكلاسيكي في النظر إلى الفقر والفقراء كأنهم يشكّلون تهديدًا للاستقرار، أو أنهم غير قادرين على الانخراط في حركات التغيير، بل إنهم (أي الفقر والفقراء) نتاج المجتمع. ولعلّه من خلال هذا التجذير المفهومي سوسيولوجيًا، برزت العديد من النمذج التي حاولت أن تُضفي على الفقراء خصائص تميز بعضهم من بعض، فنجد "الفقراء السلبيين" و"الفقراء واستراتيجية البقاء أو التكيّف" ونموذج "الفقراء السياسيين"، وأخيرًا نموذج "الفقراء المقاومين"28. فالفقراء لم يُعدّوا صنفًا واحدًا، فهم يختلفون بحسب الديناميات التي يتفاعلون معها؛ ما يُنشئ ديناميات جديدة في المفاهيم والبردايمات التفسيرية. في ظل هذا النقاش الإبستيمولوجي حول مفاهيم الفقر والفقراء، بلور بيتر ويرسلي Worsley Peter مفهوم "فقراء الحضر"29، فمذا يقصد بهذا المفهوم الجديد في سوسيولوجيا الفقر؟ يشير بيات إلى أن فقراء الحضر يمثلون: "فئة تجريبية، تعني هؤلاء الناس العاملين ذوي الدخل المنخفض والمهارات المنخفضة والوضع المتدّني، والأمن المتدني"30. وهي فئة سائلة، تقع بين الفئات المنخفضة الأجر والفئات المتوسطة الدنيا عندما تسقط وضعية الهشاشة الاجتمعية31. وهذا يعني أنه يمكن أن نستحضر العديد من الفئات التي يمكن إدماجها في هذا المفهوم: مثل الطلاب الجامعيين الذين لا تتوافر لهم إمكانيات لمتابعة دراستهم، والشبان المقبلين على

26  Serge Pau gam, Les formes élémentaires de la pauvreté , Collection: Le sens social, 3 ème ed. (Paris: PUF, 2005), p. 44. 27  بيات، ص.104 28  المرجع نفسه، ص.103 29  آصف بيات، "عوام الربيع العربي"، ترجمة يسررى مرعي، معهد العالم للدراسات، 2017/5/1، شوهد في 2024/6/12، في: https://acr.ps/1L9zPb9 30  رفعًا لكل لبس، يُقصد بهذا المفهوم: "وقوع الأفراد أو الأسر في هشاشة، يعني عدم قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية والاجتماعية، أو تجاوز وضعية اقتصادية صعبة، ويقاس هذا المؤشر بنسبة السكان ذوي الإنفاق المحصور بين عتبة الفقر و 1.5 من هذه العينة"، ينظر: المملكة المغربية، المندوبية السامية للتخطيط، "مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط: نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، الفصل الثاني من سنة 2022"، ص 23، شوهد في 2024/6/10، في: https://acr.ps/1L9zOHL

  1. بيات، ص.169
  2. المرجع نفسه، ص.102
  3. Serge Pau gam, Les formes élémentaires de la pauvreté , Collection: Le sens social, 3 ème ed. (Paris: PUF, 2005), p. 44.
  4. بيات، ص.104
  5. المرجع نفسه، ص.103
  6. آصف بيات، "عوام الربيع العربي"، ترجمة يسررى مرعي، معهد العالم للدراسات، 2017/5/1، شوهد في 2024/6/12، في: https://acr.ps/1L9zPb9
  7. رفعًا لكل لبس، يُقصد بهذا المفهوم: "وقوع الأفراد أو الأسر في هشاشة، يعني عدم قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية والاجتماعية، أو تجاوز وضعية اقتصادية صعبة، ويقاس هذا المؤشر بنسبة السكان ذوي الإنفاق المحصور بين عتبة الفقر و 1.5 من هذه العينة"، ينظر: المملكة المغربية، المندوبية السامية للتخطيط، "مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط: نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، الفصل الثاني من سنة 2022"، ص 23، شوهد في 2024/6/10، في: https://acr.ps/1L9zOHL

الزواج ولم يجدوا ما يؤمّن لهم تكاليف فتح بيت مستقل، والموظفين الذين يقعون في الاستدانة، وغيرها من الفئات. أما عن علاقة فقراء الحضر ببروز الإسلام الاجتمعي، فدراستنا هذه تتباين مع من يدّعون أن الحركات الإسلامية، عبر عملها الاجتمعي، تستقطب هذه الفئات من فقراء الحضر، ومن المهمّشين والفقراء بصفة عامة فحسب، فذلك ما يجعلنا نقع في اختزال تعسّفي لعلاقة معقّدة ومركبة في الآن نفسه. بل أكثر من ذلك، فالتمهي مع هذه القولة يوقعنا في الادّعاء الذي روّج له العديد من الباحثين وصنّاع القرار، سواء في المنطقة العربية أم في العالم الخارجي، لعل من بينهم الباحث جيل كيبيل32 الذي روّج لهذه العلاقة بين الفقر والتطرف الديني في العديد من كتبه. ولهذا، تُجادل دراستنا بأن العلاقة بين فقراء الحضر والإسلام الاجتمعي ليست علاقة السبب بالنتيجة، لكنها نوعٌ من العلاقة التجاذبية électif Affinité، كم شرحها ماكس فيبر Weber Max، ويقصد بها العلاقة المتداخلة والمتفاعلة مع عدة عوامل ومتغيرات وشروط، وذلك حينم ربط بين بروز الرأسملية ودور القيم البروتستانتية33. من جهة ثانية، فإن عمل الحركات الإسلامية، عبر مدخل الإسلام الاجتمعي، لا ينحصر في هذه الفئة من فقراء الحضر فحسب، بل يشمل العديد من الفئات والمنضوين تحتها، وهذا ما كشفه البحث الميداني. لهذا فإن استعملنا هذا المفهوم يستحضر كل هذه المحاذير المنهجية التي توقّفنا عندها.

ثالثًا: السياق التنموي المغربي وبروز الإسلام الاجتماعي

قبل الدخول في فهم كيف استطاعت الحركات الإسلامية التمكين لنفسها، عبر بوابة العمل الاجتمعي، وإيجاد أشكال جديدة من الترابط والتضامن في المجتمع المغربي، يجمل بنا تأطير الموضوع بخلفية سوسيو-اقتصادية، نقف فيها عند بعض المؤشرات الاقتصادية والرقمية التي تُبّين مستوى الفقر والهشاشة في المجتمع المغربي. وستكون البداية مع مرحلة العقد الأخير من القرن العشرين حتى هذه الأيام (2024). فم أبرز المؤشرات الرقمية التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة التنموية في المغرب، في ما يخص عدد الفقراء الذين يعيشون في وضعية هشاشة؟ وما علاقة ذلك ببروز الإسلام الاجتمعي؟

31  Gilles Kepel, Les banlieues de l'islam: Naissance d'une religion en France (Paris: Points (Essais), 2015). 32  Max Weber, L'éthique protestante et l'esprit du capitalisme , Jacques Chavy (trad.) (Paris: Pocket, 1991 [1904-1905]).

ورث المغرب، من جراء السياسات التنموية السابقة34، وضعًا مقلقًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فقد وصل إلى "حافة الهاوية"، أو كم أطلق عليه العاهل المغربي آنذاك الحسن الثاني "السكتة القلبية"35 التي كانت تعني أن البلاد تعيش على وقع مضطرب، وأن حصاد السياسات السابقة كان مًّرًا، وأن الوضع قابل "للانفجار" في أي لحظة. ولعل من بين الملفات التي كانت تقضّ مضاجع صنّاع القرار السياسي، المعضلة الاجتمعية، التي تتمثّل في انتشار الفقر والهشاشة والهدر المدرسي والبطالة (خصوصًا عند الفئات المتعلمة، وحاملة الشهادات العليا)، فضلًا عن تفاحش مظاهر اللامساواة الاجتمعية والمادية والمعرفية. في المقابل، وبحكم الآثار الإيجابية للعولمة، دخل المغرب مرحلة جديدة في تاريخه السياسي؛ إذ برز الفاعل المدني، وهيمن الخطاب الكوني الحقوقي الداعي إلى تمكين الفئات الاجتمعية من حقّها في الرفاه الاجتمعي. وقد بدا أن التغيير في الآليات والمقاربات والمسلكيات ضرورة حتمية لا مفرّ منها. وهكذا سيقع انفراج في الحياة السياسية؛ إذ سمح النظام المغربي للمعارضة السابقة، ممثلة في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بالمشاركة في السلطة، ودخولها لتدبير الشأن العام. وسيتعزّز هذا المسار بالانفتاح الإعلامي على مجموعة من القضايا التي كانت في دائرة النسيان أو اللامبالاة، ومن بينها معضلة الفقر. بدءًا من الألفية الثالثة، انطلقت دينامية جديدة في المسار التنموي في المغرب، تمثّلت في تحقيق بعض الإنجازات التنموية. فعلى الصعيد الاجتمعي مثلًا، تشير بعض المعطيات إلى انتقال "الميزانيات الاجتمعية من 73 في المئة عام 1993 إلى أكثر من 74 في المئة عام 2002، ثم إلى 53 المئة سنة "200936. ويمكن أن نضيف الدفعة القوية التي أعطيت للملف التعليمي في المغرب، من خلال ضخ أزيد من 84 مليار درهم، كأكبر ميزانية سيعرفها هذا القطاع في تاريخه،

33  نقصد هنا تحديدًا سياسات التقويم الهيكلي التي تبنّاها المغرب بدءًا من ثمانينيات القرن الماضي، والتي كانت نتائجها جد سيئة على الفئات المتوسطة، وعلى الفقيرة تحديدًا. للمزيد حول هذا الموضوع، ينظر: حسن طارق، "السياسات الاجتماعية بين الهاجس الأمني والضرورة التنموية"، المجلة المغربية للسياسات العمومية، عدد مزدوج).2008(3-2 34  في عام 1995، حينما تفاقمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بصفة عامة، طلب الملك المغربي، الحسن الثاني، من البنك الدولي إنجاز تقرير لمعرفة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإدارية للمغرب بموضوعية. وجاء التقرير الشهير، مؤكدًا العديد من المؤشرات الاقتصادية، من بينها أن المغرب يعرف "نسبة المديونية التي بلغت في نهاية التقويم الهيكلي 70 في المئة، أي إن 70 في المئة من الميزانية العامة عبارة عن قروض داخلية وخارجية، وهذه النسبة يمكنها أن تهدد الاقتصاد الوطني بالانهيار". ينظر: "ملخص التقرير الأسود الذي أدى إلى خطاب السكتة القلبية"، الأيام 24 (الإلكترونية)، 2017/4/2، شوهد في 2024/4/7 ف:ي https://acr.ps/1L9zOKx 35  طارق، ص.17

  1. Gilles Kepel, Les banlieues de l'islam: Naissance d'une religion en France (Paris: Points (Essais), 2015).
  2. Max Weber, L'éthique protestante et l'esprit du capitalisme , Jacques
  3. نقصد هنا تحديدًا سياسات التقويم الهيكلي التي تبنّاها المغرب بدءًا من ثمانينيات القرن الماضي، والتي كانت نتائجها جد سيئة على الفئات المتوسطة، وعلى الفقيرة تحديدًا. للمزيد حول هذا الموضوع، ينظر: حسن طارق، "السياسات الاجتماعية بين الهاجس الأمني والضرورة التنموية"، المجلة المغربية للسياسات العمومية، عدد مزدوج).2008(3-2
  4. في عام 1995، حينما تفاقمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بصفة عامة، طلب الملك المغربي، الحسن الثاني، من البنك الدولي إنجاز تقرير لمعرفة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإدارية للمغرب بموضوعية. وجاء التقرير الشهير، مؤكدًا العديد من المؤشرات الاقتصادية، من بينها أن المغرب يعرف "نسبة المديونية التي بلغت في نهاية التقويم الهيكلي 70 في المئة، أي إن 70 في المئة من الميزانية العامة عبارة عن قروض داخلية وخارجية، وهذه النسبة يمكنها أن تهدد الاقتصاد الوطني بالانهيار". ينظر: "ملخص التقرير الأسود الذي أدى إلى خطاب السكتة القلبية"، الأيام 24 (الإلكترونية)، 2017/4/2، شوهد في 2024/4/7 ف:ي https://acr.ps/1L9zOKx 35  طارق، ص.17
  5. Chavy (trad.) (Paris: Pocket, 1991 [1904-1905]).

وذلك من خلال "البرنامج الاستعجالي"37. وموازاةً مع ذلك، يمكن أن نتوقف في هذا المسار التنموي عند عام 2005، حينم أعلن الفاعل الرسمي (الملك محمد السادس)، عن إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي جاءت نتيجة لتردّي الوضع التنموي، المُثقل بالتبعات الاجتمعية والسياسية والأمنية. فقد تزامن إطلاق هذه المبادرة مع تصاعد موجات التطرف الديني، سواء في المغرب أم خارجه، وبصفة مباشرة ما وقع في 16 أيار/ مايو 2003، من تفجيرات هزّت مدينة الدار البيضاء. ولهذا فقد كان الخطاب الملكي مؤطّرًا لهذه المبادرة، وواضعًا استراتيجية الدولة في النهوض بالتنمية. وهكذا، فقد أشار نص الخطاب الملكي المؤسس للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى الربط على نحوٍ غير مباشر بين استغلال الفقر والتهميش والإقصاء من جهة، والتطرف من جهة أخرى. وفي هذا السياق، أعلن الملك أن "المعضلة الاجتمعية" "تتجّلى في كون فئات ومناطق عريضة تعيش ظروفًا صعبة، بل وتعاني من حالات فقر وتهميش، تتنافى مع ما نريده من كرامة موفورة لمواطنينا"38. يضيف الخطاب أيضًا "أن تشخيص الإشكالية الاجتمعية غيرُ كافٍ، بل ينبغي العمل على تحقيقها في أرض الواقع عبر استلهام المبادئ السامية للمبادرة"39. وهنا يشير النص الملكي إلى قضية التطرف واستغلاله الفقر من أجل تحقيق مطالبه، فقد اعتبر الخطاب الملكي أن "أي استغلال للبؤس الاجتمعي، لأغراض سياسوية، أو لإذكاء نعرة التطرف، أو لإشاعة روح التشاؤم والانهزامية واليأس، أمر مرفوض أخلاقيًا، باعتباره ضربًا من التضليل والمغالطة"40. وبناء على ذلك، يمكن القول إن مشروع المبادرة يتجّلى في تجديد المشروع التنموي في المغرب، وهو يمثل أيضًا استجابة للتهديدات الإرهابية التي عرفتها البلاد. وكي نفهم هذا الربط جيدًا، يمكن أن نتقدم بفرضية، قابلة للنقاش، تعتِبر أن صنّاع القرار السياسي في المغرب، يستلهمون فرضية

36  للإشارة، فقد تعرّض العديد من الباحثين بالنقد والنقض لهذا البرنامج، من خلال مجموعة من الملاحظات العلمية، ليس أقواها سوى تغييب مبدأ الإشراك الحقيقي لكل الفاعلين في تدبير هذا القطاع، إّلا أنه على الرغم من هذه الانتقادات، يبقى البرنامج من الناحية المالية وطريقة البناء ومقاربته، وبعض النتائج أيضًا التي تحققت عبر مسار تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين، دالّةً ومؤرّشةً على تحوّل في هذا الملف. ويمكن أن يشكّل هذا البرنامج، اليوم، مج لًا للنقد العلمي والموضوعي من خلال دراسة مستقلة، تبتعد عن ردات الفعل وردات الفعل المضادة، وتسند أدلّتها، بلغة العلم، وليس أي شيء آخر. 37  ينظر: "الخطاب الملكي السامي المؤسس للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، 2005/5/18، شوهد في 2024/6/10، في: https://acr.ps/1L9zOW1 38  المرجع نفسه. 39  المرجع نفسه.

مفادها أن العنف والإرهاب يرتبطان آليًا بضعف البنى التحتية والهشاشة الاجتمعية؛ ولهذا، فالعلاج في نظرهم يتمثل في التقدم في المشاريع التنموية لسد الطريق على كل منفذ للاستغلال الديني والأيديولوجي والمذهبي. لكن أي متتبع للمسار التنموي للمغرب قد يتساءل: هل حققت هذه المبادرات والسياسات العمومية تحسّنًا في مؤشرات التنمية في المغرب؟ إن قراءة متأنية لمسارات التنمية في المغرب، من فترة الثمنينيات إلى التسعينيات من القرن الماضي والمرحلة الحالية، تُبّين بالملموس أن بعض المؤشرات عرفت تطورًا، لكنه لم يكن كافيًا للاستجابة لتطلّعات المجتمع. فبحسب مذكرة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط (جهاز إحصائي رسمي42) في عام 2024، تبّين أنه وقع تحسّن في المستوى المعيشي للمغاربة بشكل عام ما بين عامي 2014 و 2022، مع اتسامه بالارتفاع بين عامَي 2014 و 2019، ثم بالتباطؤ بين عامَي 2019 و 202243. بيد أن هذا التحسّن المسجل في مؤشرات النمو لم يكن شاملًا كل الأسر المغربية، لأنه يُبقي على التفاوتات الفئوية الكبيرة. فبحسب "مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط: نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، الفصل الثاني من سنة 2022"، تبّين أن الأسر التي ينتمي أربابها إلى مجموعة المسؤولين التسلسليين الإداريين والمديرين، والأطر الإدارية والمهن الحرة، تُحقق أعلى متوسط نفقة سنوي للفرد، الذي يبلغ 53833 ا درهم (5000 دولار أميركي)، أي 2.6 ضعف المتوسط الوطني، في حين تحقق تلك الأسر التي ينتمي أربابها إلى مجموعة المستغلين والعمل الفلاحين أدنى مستوى 13298 درهم (1300 دولار)44. وبتتبع ما كشفت عنه المذكرة نفسها، يتبين أن حجم الفوارق الفئوية يزداد تفاقمًا مع مرور السنوات. فبحسب المصدر نفسه (المذكرة): يحقق النصف الأكثر يُسرًا من السكان، أي 50 في المئة من السكان المنتمين إلى أعلى السلّم الاجتمعي، 76.1 في المئة من إجملي النفقات، في مقابل 75.1 في المئة في عام 2019، و 78.8 في

40  على الرغم من كوننا اعتمدنا على مذكرة خاصة ببحث مستوى معيشة الأسر في عام 2022، كي ندعم معطياتنا الرقمية من حيث المؤشرات التنموية، فإننا نعترف أن هذا غيرُ كافٍ لتشكيل صورة عامة عن المسار التنموي في المغرب. لكن مع ذلك، فإن طبيعة هذه البحوث التي تسمى بنيوية، والتي أنجزت منها المؤسسة الإحصائية الرسمية أربعة بحوث وطنية (في الأعوام 2022-2007-1999-1991)، تعطينا صورة تقريبية - ليست شاملة - لكنها تُبّين مستوى التطور التنموي. وتجدر الإشارة إلى أن هذا البحث يهم مجموع التراب الوطني، "بعيّنة تصل

إلى 18000 أسرة، وتمثل كل الفئات السوسيواقتصادية وجهات المملكة". ينظر: المملكة المغربية، المندوبية السامية للتخطيط، "مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط …" 41  المرجع نفسه، ص.4 42  المرجع نفسه، ص.5

  1. للإشارة، فقد تعرّض العديد من الباحثين بالنقد والنقض لهذا البرنامج، من خلال مجموعة من الملاحظات العلمية، ليس أقواها سوى تغييب مبدأ الإشراك الحقيقي لكل الفاعلين في تدبير هذا القطاع، إّلا أنه على الرغم من هذه الانتقادات، يبقى البرنامج من الناحية المالية وطريقة البناء ومقاربته، وبعض النتائج أيضًا التي تحققت عبر مسار تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين، دالّةً ومؤرّشةً على تحوّل في هذا الملف. ويمكن أن يشكّل هذا البرنامج، اليوم، مج لًا للنقد العلمي والموضوعي من خلال دراسة مستقلة، تبتعد عن ردات الفعل وردات الفعل المضادة، وتسند أدلّتها، بلغة العلم، وليس أي شيء آخر.
  2. ينظر: "الخطاب الملكي السامي المؤسس للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، 2005/5/18، شوهد في 2024/6/10، في: https://acr.ps/1L9zOW1
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه.
  5. على الرغم من كوننا اعتمدنا على مذكرة خاصة ببحث مستوى معيشة الأسر في عام 2022، كي ندعم معطياتنا الرقمية من حيث المؤشرات التنموية، فإننا نعترف أن هذا غيرُ كافٍ لتشكيل صورة عامة عن المسار التنموي في المغرب. لكن مع ذلك، فإن طبيعة هذه البحوث التي تسمى بنيوية، والتي أنجزت منها المؤسسة الإحصائية الرسمية أربعة بحوث وطنية (في الأعوام 2022-2007-1999-1991)، تعطينا صورة تقريبية - ليست شاملة - لكنها تُبّين مستوى التطور التنموي. وتجدر الإشارة إلى أن هذا البحث يهم مجموع التراب الوطني، "بعيّنة تصل إلى 18000 أسرة، وتمثل كل الفئات السوسيواقتصادية وجهات المملكة". ينظر: المملكة المغربية، المندوبية السامية للتخطيط، "مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط …" 41  المرجع نفسه، ص.4
  6. المرجع نفسه، ص.5

المئة في عام 2014؛ ما يعني أن النسبة المتبقية من إجملي النفقات، أي 23.9 في المئة، يحققها النصف الأقل يُسرًا ب 24.9 في المئة في عام 2019، و 24.2 في المئة في عام 2014. وهناك مؤشر أكثر وضوحًا45 في المذكرة نفسها، يُبّين بالملموس ارتفاع عدد الفقراء (الفقر النقدي المطلق)46. فعلى المستوى الوطني، بلغ معدل الفقر المطلق 93. في المئة في عام 2022، بعدما كان قد عرف انخفاضًا في عام 2014 من 84. إلى 1.7 في المئة في عام 201947. وإذا انتقلنا من القراءة بالنسب المئوية إلى الأرقام، فسنلحظ ارتفاعًا في عدد الفقراء على المستوى الوطني، من 623 ألفًا في عام 2019، إلى 1.42 مليون في عام 2022، مسجّلًا زيادة سنوية قدرها 733. في المئة خلال هذه الفترة48. إذا كانت المعطيات السابقة تُبّين أن المغرب عرف ارتفاعًا في عدد الفقراء (النقدي المطلق)، فإن ارتفاع نسب الأسر التي دخلت في حالة هشاشة يعطينا بدوره فكرةً عن مظاهر المعضلة التنموية في المغرب. فبحسب المذكرة نفسها، تبَّين أن معدل الهشاشة لدى الأسر سجّل ارتفاعًا كبيرًا في عام 2022، وصل إلى 12.9 في المئة، بعدما كان قد سجّل في عام 2019 ما نسبته 7.3 في المئة49. وبلغة الأرقام فقد انتقل من 2.6" مليون نسمة سنة 2019، إلى 754. ملايين سنة "202250. انطلاقًا من هذا التحليل، وتبعًا لما توصّلنا إليه من نتائج في ما يخص التداعيات الاقتصادية على الطبقات الاجتمعية، أمكننا أن نستلهم مفهوم "فقراء الحضر"، باعتباره مفهومًا تفسيريًا سيساعدنا في فهم وشرح مختلف الترابطات البينية التي تفاعلت لتنتج هذا المفهوم. من جهة أخرى، يُعّبر هذا المفهوم في نظرنا عن عمق الأزمات البنيوية التي يعيشها النسق التنموي المغربي، التي يمكن أن نستخلص من خلالها أن المغرب غني من حيث الثروات المادية واللامادية وأفقر من حيث مؤشرات التنمية.

43  المرجع نفسه، ص.14 44  يقصد به اقتصاديًا، "عدم تلبية الاحتياجات الأساسية أو تلبية الحد الأدنى منها فقط، والتي تعتبر ضرورية للفرد. وبحسب هذا التعريف، يعتبر فقيرًا من لا يملك الموارد اللازمة لتلبية احتياجاته الأساسية الغذائية وغير الغذائية". ينظر: المرجع نفسه، ص.19 45  المرجع نفسه. تجدر الإشارة إلى أن التفسير الذي عرضت له المذكرة الإحصائية يتعلق بتداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) وبالجفاف المتتالي الذي عرفه المغرب، وأخيرًا بارتفاع نسبة التضخم. بيد أننا نعتقد أن "الأزمة" التنموية بنيوية، وليست عارضة فحسب، وكونها تتأثر بهذا الشكل في كل هزّة تُصيبها، فهذا ما يعني أن هذه السياسة لم تستطع أن تخرج من هشاشتها، ومن دورانها في حلقة مفرغة. 46  المرجع نفسه، ص.20 47  المرجع نفسه، ص.24 48  المرجع نفسه.

رابعًا: الحركات الإسلامية وآليات استقطاب الفئات المهمشة اجتماعيًا

جماعة العدل والإحسان: البدايات والمنطلقات الأيديولوجية51

تُعرّف جمعة العدل والإحسان نفسَها بأنها "جمعة إسلامية تفهم الإسلام فهمًا شاملًا، يجمع بين الدنيا والآخرة، وتعمل على إقامة الدين في الأرض وُنصُرة المستضعفين وتغيير واقع الذل والتخلّف الذي تتخبط فيه الأمة بفعل فساد الحكم وفساد فطرة الناس ودينهم. وترفع شعار 'العدل والإحسان' على اعتبار أنهم أم القضايا وأبوها في الدين والدنيا، وفي الدعوة والدولة"52. من خلال هذه المطوية التعريفية، يظهر أن الجمعة تقدم نفسها للمجتمع باعتبارها جمعة تسعى لفهم الدين فهمًا "صحيحًا"، وأنها القادرة على إنقاذ الأمة والوطن من التخلّف الذي يعيشانه، وتعتمد في ذلك على شعار: العدل والإحسان، باعتبارهم مفهومين جامعين لكل القيم والمعاني والرؤى التغييرية. أسس الشيخ عبد السلام ياسين (ت. 2012) جمعة "العدل والإحسان" في عام 1981، بعدما كان قد بعث برسالة مشحونة بنقد شديد إلى الملك الحسن الثاني53. وقد يكون الحضور الكارزمي لشخصية ياسين أهم ما تتميز به الجمعة، فهو، خلافًا لزعمء سائر الجمعات الإسلامية العاملة في المغرب، يملك خلفية نظرية وفكرية مستقلة ومؤصلة. ولذلك، يمكن عده "قائدًا ملهمًا " و"مثقفًا عضويًا"، بلغة أنطونيو غرامشي.

49  تنبغي الإشارة، هنا، إلى أننا لا نستعمل مصطلح "الأيديولوجيا" بالكيفية المتداولة في الحقل السياسي، بل بالمعنى الذي يضفيه الاستعمال الألماني، حيث يعّبر المصطلح عن فلسفة في الوجود أو باللغة الإنكليزية View World، أي الإدراك العام والشامل الذي يملكه الفرد بشأن ماهية العالم ولا سيما العالم الاجتماعي مكوناته، وطريقة أدائه. ينظر: محمود يوسف السماسيري، فلسفات الإعلام المعاصر في ضوء المنظور الإسلامي (هرندن، الولايات المتحدة الأميركية: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2008)، ص.14 50  من الورقة التعريفية (مطويّة)، مكّننا منها المسؤول عن العمل الشبابي في منطقة سلا. ينظر: "من نحن: جماعة العدل والإحسان"، في: https://acr.ps/1L9zOrZ 51  يشرح الشيخ ياسين تفاصيل عن رسالة "الإسلام أو الطوفان" التي بعث بها إلى الملك، قائلًا: "دعوتُ الملك إلى إعادة النظر في نهجه العام والتوبة والرجوع إلى الله. وأكدت أن هذا العمل يُدرج في إطار تقليد إسلامي جرى عليه العلماء الأبرار الذين كانوا لا يترددون في إسداء النصيحة للأمير كتابة وعلانية، تقديسًا منهم للأمانة التي طوّق الله بها أعناقهم، ولا يخافون في الله لومة لائم". ينظر: محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي في المغرب، ترجمة محمد حاتمي وخالد الشكراوي (الدار البيضاء: فنك، 1999)، ص 190. (بتصرف)

  1. المرجع نفسه، ص.14
  2. يقصد به اقتصاديًا، "عدم تلبية الاحتياجات الأساسية أو تلبية الحد الأدنى منها فقط، والتي تعتبر ضرورية للفرد. وبحسب هذا التعريف، يعتبر فقيرًا من لا يملك الموارد اللازمة لتلبية احتياجاته الأساسية الغذائية وغير الغذائية". ينظر: المرجع نفسه، ص.19
  3. المرجع نفسه. تجدر الإشارة إلى أن التفسير الذي عرضت له المذكرة الإحصائية يتعلق بتداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) وبالجفاف المتتالي الذي عرفه المغرب، وأخيرًا بارتفاع نسبة التضخم. بيد أننا نعتقد أن "الأزمة" التنموية بنيوية، وليست عارضة
  4. المرجع نفسه، ص.20
  5. المرجع نفسه، ص.24
  6. المرجع نفسه.
  7. تنبغي الإشارة، هنا، إلى أننا لا نستعمل مصطلح "الأيديولوجيا" بالكيفية المتداولة في الحقل السياسي، بل بالمعنى الذي يضفيه الاستعمال الألماني، حيث يعّبر المصطلح عن فلسفة في الوجود أو باللغة الإنكليزية View World، أي الإدراك العام والشامل الذي يملكه الفرد بشأن ماهية العالم ولا سيما العالم الاجتماعي مكوناته، وطريقة أدائه. ينظر: محمود يوسف السماسيري، فلسفات الإعلام المعاصر في ضوء المنظور الإسلامي (هرندن، الولايات المتحدة الأميركية: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2008)، ص.14
  8. من الورقة التعريفية (مطويّة)، مكّننا منها المسؤول عن العمل الشبابي في منطقة سلا. ينظر: "من نحن: جماعة العدل والإحسان"، في: https://acr.ps/1L9zOrZ 51  يشرح الشيخ ياسين تفاصيل عن رسالة "الإسلام أو الطوفان" التي بعث بها إلى الملك، قائلًا: "دعوتُ الملك إلى إعادة النظر في نهجه العام والتوبة والرجوع إلى الله. وأكدت أن هذا العمل يُدرج في إطار تقليد إسلامي جرى عليه العلماء الأبرار الذين كانوا لا يترددون في إسداء النصيحة للأمير كتابة وعلانية، تقديسًا منهم للأمانة التي طوّق الله بها أعناقهم، ولا يخافون في الله لومة لائم". ينظر: محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي في المغرب، ترجمة محمد حاتمي وخالد الشكراوي (الدار البيضاء: فنك، 1999)، ص 190. (بتصرف)
  9. فحسب، وكونها تتأثر بهذا الشكل في كل هزّة تُصيبها، فهذا ما يعني أن هذه السياسة لم تستطع أن تخرج من هشاشتها، ومن دورانها في حلقة مفرغة.

الإسلام الاجتماعي عند جماعة العدل والإحسان

من خلال البحث الميداني، تمكّنا من تجلية مجموعة من الأمور التي نعتبرها محددة في عمل هذه الجمعة. ذلك أن منطلقات الجمعة تبنى على مسلّمة أنه وجب احتضان المنتسبين إليها بالطرائق والوسائل كافة، بما فيها العمل الاجتمعي الذي لا يشكل مج لًا متميزًا من بقية المجالات، بل يدخل في صلب الالتزام الديني لأعضاء الجمعة. وكم يشرح ذلك روا، فإن حركات الإسلام السياسي عملت على "أسلمة المجتمع من تحت" عبر إنشاء مجموعة من المؤسسات والأشكال التضامنية التي عوّضت المؤسسات التقليدية؛ ويؤكد ذلك بقوله: "كم أنهم يشكّلون خلايا في الجامعات والمصانع والإدارات. ويعيدون ابتكار لحمة مجتمعية أوهنها ضعف شبكات التضامن التقليدية: نوادٍ، مكتبات، دروس مسائية، تعاضد"54. يتّضح، من خلال ما سبق، أن جمعة العدل والإحسان تتبنّى موقفًا أخلاقيًا من العمل الاجتمعي، يعتبر، بحسب ما صرّح به لنا أحد الفاعلين في هذا الجمعة، أنه "التزام مع الله"، وأنه يدخل في "عقيدة كل مسلم يريد وجه الله والدار الآخرة". وهو ما يُحدّثنا عنه عمر أحرشان (عضو الأمانة العامة لجمعة العدل والإحسان)55؛ "فالوضع الطبيعي داخل الجمعة، هو أنها تقوم بعدة مهام، كالتربية والتكوين والدعوة وأيضًا العمل الاجتمعي الموجه بالأساس لأعضاء الجمعة". بيد أنه في ثنايا المقابلة، يُعّبر أحرشان عن تمييزه بين العمل الاجتمعي الذي تؤمن به الجمعة بأنه ليس بديلًا من عمل الدولة ومسؤولياتها في الخدمات الاجتمعية، مثل الصحة والتعليم وبقية الخدمات الأخرى. ولعل هذه الفكرة هي ما تميز العمل الاجتمعي عند الحركات الإسلامية؛ إذ إنه حلقة بينية تتوسط عمل الدولة والقطاع الخاص، لكنه بنفس نضالي إسلامي، فيه من التطوّع والتضحية ما يؤشر على اقتناع هذه الحركات بأن هذا العمل هو واجب ديني. من جهة أخرى، أطلعنا أحرشان على طبيعة العمل الاجتمعي، قائلًا: إن أشكال التضامنات التي تحدث بطريقة عادية داخل الجمعة، ومن دون توجيه مباشر أو قرارات رسمية، والتي ترتبط بالزواج بين أعضاء الجمعة والسلف والإعانات، "يمكن أن يدخل في باب الالتزامات الوجودية التي تؤطر عمل الجمعة".

52  روا، ص.60 53  نص المقابلة التي أجريناها مع عمر أحرشان في 2019/5/15، والتي دامت أزيد من 04 دقيقة عبر الهاتف، وبهذه المناسبة، يود الباحث أن يعّبر عن شكره الجزيل، له ولكل المستجيبين.

موازاةً مع ذلك، بّين أحرشان أن القمع الذي تمارسه أجهزة الدولة على الجمعة حدّ من مستوى عملها الاجتمعي، الذي لا يتلاءم مع حجم الجمعة، من حيث عدد الأطر والإمكانيات والانتظارات. ولهذا يؤكد "أنه مع العهد الجديد56 أُطلقت شعارات ومفاهيم جديدة، 'كملك الفقراء' وحملة 'الحريرة'، 'حملة توزيع المحافظ الدراسية'، بعدما كانت الجمعة هي السبّاقة لهذه الأشكال التضامنية؛ كتوزيع قفة العيد ورمضان وتنظيم الإفطارات الرمضانية وغيرها من الأعمل والتي كانت الجمعة فيها متقدمة". وهذا يعني أن الدولة عملت على التضييق على جمعة العدل والإحسان في عملها الاجتمعي، باستلهامها (أي الدولة) المبادرات نفسها التي كانت تؤديها الجمعة. أما في ما يخص منهجية العمل الاجتمعي، فقد ميّز أحرشان بين نوعين من العمل الاجتمعي: "الأول تقوم به الجمعة الأم بشكل دائم ودوري، والثاني هو بطريقة غير مباشرة عبر جمعيات المجتمع المدني (شخصيات معنوية) (كالتخييم...)، التي لا تتخذ علاقات مؤسساتية (يقصد تنظيمية) مع الجمعة، بل تأخذ مسافة في عملها، وقد يكون فيها أعضاء غير تابعين للجمعة، خشية التضييق الذي تمارسه الدولة". ومن بين عناصر القوة، كم شرح ذلك محاورنا، في منهجية الإسلام الاجتمعي، كم تنتهجه جمعة العدل والإحسان، هو كسب ثقة المجتمع وسياسة القرب، بمعنى تقديم خدمات اجتمعية في مستويات صغرى، كالأحياء الشعبية والتجمعات السكانية. ففي المقابلة السابقة، يؤكد أحرشان أنه عن طريق عمل القرب وعنصر الثقة، في الأحياء التي تتبع للشعب والجهات57 داخل كل تراب المملكة، يتم العمل مباشرةً مع الحالات، ويتم إحصاؤها وتحديد الأوليات، ومن ثم تتم عملية الاستفادة. أما التمويل، فيتم عن طريق المحسنين، وليس من مالية الجمعة التي تبقى محدودة وتغطي نفقات التسيير داخل الجمعة فحسب. من خلال تفحّص خريطة الإسلام الاجتمعي عند جمعة العدل والإحسان نجدها متنوعة، تشمل تنظيم المخيمت الصيفية58 لفائدة أعضائها والمتعاطفين معها وبقية أفراد المجتمع، وتنظيم

54  يقصد تولي الملك محمد السادس الحكم في المغرب بعد وفاة والده الحسن الثاني. 55  يقصد بالشعب مستوى تنظيمي يقع في مستوى المدن، أما الجهات، فهي تتوحد مع التسمية الرسمية لتقسيم المملكة المغربية إلى جهات إدارية، وجماعة العدل والإحسان – مثل بقية الجماعات الإسلامية – تتهيكل تنظيميًا عبر جهات المملكة وعبر مجالس الشعب 56  في ما يخص مجال التخييم، فإن الأعداد التي تستقطبها الجماعة تعد بالآلاف 4 0(ألف مصطاف في عام 1999)، ما أثار حفيظة الدولة وتدخّلت لتمنع الجماعة من هذا النوع من التخييم الإسلامي: في الحوار مع أحرشان، توقفنا عند حادثة منع الدولة للتخييم في عام 1999؛ حيث وصل أحد المخيمات (04 ألف شخص) في شاطئ سيدي بو النعايم (شاطئ في مدينة الجديدة على خط المحيط الأطلسي، جنوب الدار البيضاء)، مع ما يعينه ذلك من تجهيزات وبنى تحتية وتسيير وإدارة وما إلى ذلك.

  1. في مدينة الجديدة على خط المحيط الأطلسي، جنوب الدار البيضاء)، مع ما يعينه ذلك من تجهيزات وبنى تحتية وتسيير وإدارة وما إلى ذلك.
  2. روا، ص.60
  3. نص المقابلة التي أجريناها مع عمر أحرشان في 2019/5/15، والتي دامت أزيد من 04 دقيقة عبر الهاتف، وبهذه المناسبة، يود الباحث أن يعّبر عن شكره الجزيل، له ولكل المستجيبين.
  4. يقصد تولي الملك محمد السادس الحكم في المغرب بعد وفاة والده الحسن الثاني.
  5. يقصد بالشعب مستوى تنظيمي يقع في مستوى المدن، أما الجهات، فهي تتوحد مع التسمية الرسمية لتقسيم المملكة المغربية إلى جهات إدارية، وجماعة العدل والإحسان – مثل بقية الجماعات الإسلامية – تتهيكل تنظيميًا عبر جهات المملكة وعبر مجالس الشعب
  6. في ما يخص مجال التخييم، فإن الأعداد التي تستقطبها الجماعة تعد بالآلاف 4 0(ألف مصطاف في عام 1999)، ما أثار حفيظة الدولة وتدخّلت لتمنع الجماعة من هذا النوع من التخييم الإسلامي: في الحوار مع أحرشان، توقفنا عند حادثة منع الدولة للتخييم في عام 1999؛ حيث وصل أحد المخيمات (04 ألف شخص) في شاطئ سيدي بو النعايم (شاطئ

عملية شراء خروف العيد لمناسبة عيد الأضحى، إلى اقتناء اللوازم المدرسية، إلى قفة رمضان، وغيرها من المجالات والأنشطة الاجتمعية التي تشمل السنة كاملة. ويتم التركيز على بعض المناسبات الدينية خاصة. هذا طبعًا من دون أن ننسى أن الجمعة تقدم العديد من الخدمات الاجتمعية، مثل: تنظيم حملات طبية، لتقديم الخدمات العلاجية في المناطق النائية والمفتقرة إلى البنى الصحية. التكفّل بسجناء الرأي التابعين للجمعة وأسرهم، عبر تقديم المساندة القانونية وتقديم الدعم المالي للمعتقلين وذويهم. من خلال ما سبق، برز توجّه في مقابلتنا مع أحرشان، يقوم على أن العمل الاجتمعي في جمعتهم لا يعني أنهم سينوبون عن الدولة، على اعتبار أنهم مقتنعون بأن "العمل الاجتمعي يُعطّل التغيير" ويُفهم من ذلك أن العمل الاجتمعي عند الجمعة قد يُفضي إلى تغّير في تصوّرهم للتغيير، الذي يقوم على مقولة التغيير الجذري، ولهذا فهم ينتقدون "العمل الجمعوي الذي يقوم على فلسفة الإصلاح وليس على الثورة". رغبة في توسيع مجال الاستقصاء مع بعض الفاعلين داخل جمعة العدل والإحسان، فإننا أجرينا مقابلة مع أحد الأعضاء في مدينة سلا، حيث حكى لنا المستجيب، خالد (94 عامًا): "أن كل من له حاجة في الجمعة يطرحها مع المسؤول التربوي، وبدوره يبلّغها للمسؤولين عن الأحياء، وإذا استطاعوا أن يحلّوا المشكل بتقديم الخدمة المطلوبة للشخص المنتمي، فالأمر منته، لكن إذا تعذّر الأمر، يمكن أن تتدخل الجهات العليا المسؤولة لتقديم الخدمة". وعندما سألناه عن نوعية الخدمات المقدمة للأفراد، أجابنا: "قد يكون طلب سلف مالي، أو إعانة عينية، أو طلب التدخل لقضاء مسألة إدارية، أو التسجيل بالجامعة، أو أي خدمة متعلقة بالتطبيب وما شاكله". ولتحقيق هذه الخدمات، فإن ذلك يقوم على الاتصال المباشر بالمستفيدين والداعمين عبر شبكاتهم العلائقية الداخلية (أي داخل تنظيم الجمعة). من جهة أخرى كشفت لنا معطيات البحث الميداني أن هذه الجمعة بلورت آلية جديدة في دعم الرابط الاجتمعيLe lien social بين أعضائها، عن طريق "نظام الاقتراض غير الرسمي"59؛ حيث وقفنا على شبكة غير رسمية تقوم بالاقتراض في ما بينها، وهي أساسًا مرتبطة

57  لأخذ فكرة إضافية عن هذه العملية الاقتراضية عبر شبكات غير رسمية، يمكن مراجعة ما كتبه آصف بيات وهو يتحدث عن "تجربة العمل الإسلامي في مصر، وكيف أن أوضاع الهشاشة والفقر دفعت هذه الحركات لابتداع أشكال تضامنية غير رسمية، تمثل جوابًا عن كيف يواجه الفقراء الفقر عبر خلق آليات جديدة وفيها إبداع". ينظر: بيات، الحياة سياسة، ص.160

بالجمعة، حيث عنصر الثقة متوافر؛ ما يولّد ارتياحًا بين المستفيدين. في هذا السياق، قالت إحدى المستجيبات، حياة (04 عامًا، موظفة في الإدارة العمومية) وهي تحدثنا عن تجربة الاقتراض غير الرسمي: "كم تعلم فإن ظروف المعيشة ازدادت ارتفاعًا، وطلبات الأبناء لا تنتهي، وحيث إن الأجرة التي نتقاضاها أنا وزوجي لا تكفي لإكمل مصاريف الشهر، فإننا فكّرنا بمعيّة الأخوات داخل الجمعة لتشكيل آلية غير رسمية للاقتراض، وهو ما مكّننا من حل العديد من الإشكالات التي تعترضنا، سواء عند الدخول المدرسي، أم في الأعياد أم في بعض الحالات الطارئة، كالمرض أو ما شابه ذلك". وحينم سألناها: لماذا لا تلجؤون إلى البنك؟ أجابت: "أولًا نحن غير مقتنعين بالاقتراض من البنك لأنه حرام، وثانيًا لأنه يكلفنا الكثير في أجرتنا التي هي أصلًا قليلة، ثم هناك مشكلة التأخر التي تُضاف إلى تراكم الفوائد، لذلك فالاقتراض غير الرسمي يبقى هو الوسيلة الناجعة، خصوصًا ونحن نعرف بعضنا بعضًا، ولدينا ثقة بأعضاء الجمعة، وهذه المسألة تمنحنا طمأنينة كبيرة ودعمًا نفسيًا قبل أن يكون ماديًا".

من خلال ما سبق، يتبّين أن منهجية العمل الاجتمعي التضامني تتم بطريقة مختلفة عن الجمعيات والمنظمت السياسية والجمعوية الموجودة في المغرب. وهو ما يضفي عليه طابعًا، يمكن أن نسميه العصبوي، لأنه يُدرج ضمن علاقات شخصية وعلى شبكة علاقات اجتمعية داخل التنظيم. وهذا يجعلنا نؤكد الفرضية التي انطلقنا منها في بداية هذه الدراسة؛ أن الإسلام الاجتمعي الذي تنتهجه جمعة العدل والإحسان قد أوجد ترابطات تضامنية، يتداخل فيها الحديث مع القديم عبر بلورة عصبيات جديدة، تقوم على الولاء للجمعة.

  1. لأخذ فكرة إضافية عن هذه العملية الاقتراضية عبر شبكات غير رسمية، يمكن مراجعة ما كتبه آصف بيات وهو يتحدث عن "تجربة العمل الإسلامي في مصر، وكيف أن أوضاع الهشاشة والفقر دفعت هذه الحركات لابتداع أشكال تضامنية غير رسمية، تمثل جوابًا عن كيف يواجه الفقراء الفقر عبر خلق آليات جديدة وفيها إبداع". ينظر: بيات، الحياة سياسة، ص.160

حركة التوحيد والإصلاح والبدايات الأولى والرؤية الأيديولوجية أما حركة التوحيد والإصلاح فقد أسّستها في عام 1982 مجموعة من الأطر (غالبيتهم من هيئة التدريس)، بعدما انفصلوا عن التنظيم الأم (الشبيبة الإسلامية)60. وتُعرّف الوثيقة المركزية في الحركة رسالتها ومهمتها ومبرر وجودها، حيث جاء في الميثاق: "تأسست حركة (التوحيد والإصلاح) وهي ثمرة جهود وحدوية اندمجت فيها عدة جمعات إسلامية سابقة، توّجت بالوحدة التي تمّت بين 'حركة الإصلاح والتجديد' و'رابطة المستقبل الإسلامي [...]'، إنها حركة مستقلة عن أي جهة داخلية أو خارجية، مفتوحة في وجه كل مسلم من أبناء هذا الوطن، يريد أن يتفقّه في دينه ويعمل به ويدعو إليه. فليست حركتنا حركة طائفية مغلقة، ولا حركة نخبوية خاصة، بل هي حركة مفتوحة منفتحة، تندمج مع مجتمعها وتتفاعل معه وتعتبر نفسها منه وإليه"61. إذًا يظهر، من خلال قراءة نص الميثاق، أن حركة التوحيد والإصلاح تتبنّى رؤية تغييرية شمولية - كم تدعي - للمجتمع، عبر انتهاج العديد من الآليات والوسائل، لعل من بينها العمل الاجتمعي؛ حيث نقرأ في الوثيقة نفسها المؤطرة لعمل الحركة: "يحدد ميثاق حركة التوحيد والإصلاح، مجموعة من المنطلقات، حدّدها في أحد عشر منطلقًا [...] وفي ما يخص مجالات العمل، فهي الدعوة الفردية والعامة والعمل الثقافي والفكر والعمل العلمي والتعليمي والمجال التربوي والتكويني والمجال الاجتمعي والخيري والمجال السياسي والنقابي والإعلامي والاقتصادي"62. من جهة أخرى، نستشف من هذه الوثيقة أن حركة التوحيد والإصلاح تسعى لأن تقدم مشروعًا مجتمعيًا يشمل كل مناحي الحياة، ولعل هذه التجربة تحتاج إلى العديد من الدراسات والأبحاث لتجلية هذا الأمر. لكننا في هذه الدراسة سرُنكّز على المجال "الاجتمعي والخيري"، وهو المجال الذي استطاعت من خلاله هذه الحركة أن مُتكّن حزب العدالة والتنمية من أن يتبوّأ مكانة معتبرة داخل الحقل السياسي في المغرب طوال سنوات ما بعد الربيع العربي، بين عامَي 2011 و 2021؛ أي بعدما قضى أكثر من عشر سنوات في تجربة الحكم.

58  تتبعت كتابات كثيرة مسار حركة التوحيد والإصلاح، يمكن أن نشير لمن أراد التوسع أكثر إلى الدراسة التوثيقية المهمة: حميد بحاك، الإسلاميون المغاربة بين الدعوة والدولة: حركة التوحيد والإصلاح نموذجًا (الدار البيضاء: منشورات دفاتر سياسية، 2009)؛ بن المصطفى؛ Elahmadi. ويمثل الفصل الثامن من دراسة الطوزي، "الملكية والإسلام السياسي في المغرب"، نموذجًا للحفر السوسيوتاريخي لمسار حركة التوحيد والإصلاح، وعلاقتها بحزب العدالة والتنمية. 59  حركة التوحيد والإصلاح، الميثاق (الرباط: طوب بريس، 2009)، ص 7. 60  المرجع نفسه.

4. آليات الاستقطاب الاجتماعي والخيري

خلافًا لجمعة العدل والإحسان، فإن حركة التوحيد والإصلاح لم تتعرّض لضغوط من النظام في تفريخ العديد من الجمعيات الوطنية المهتمة بالشأَنيَن الخيري والاجتمعي. نذكر على سبيل المثال: جمعية "العون والإغاثة" في طنجة، وهي جمعية خيرية كبيرة، لها مشاريع ضخمة، تفوق في ميزانيتها الجمعة الأم حركة التوحيد والإصلاح. ولها فروع على المستوى الدولي، خصوصًا في أوروبا. تتلقى إعانات مالية ضخمة من هذه الجالية. وقد أصبحت متخصصة ومحترفة في العمل الخيري والإحساني، ولم تعد جمعية متواضعة تقوم على التطوّع. وليست هي الجمعية الوحيدة في المملكة التي تقوم بهذا الدور، والتابعة لحركة التوحيد والإصلاح، بل هناك مئات الجمعيات، نذكر منها على سبيل المثال جمعية "بسمة للعمل الاجتمعي" و"رابطة الأمل للطفولة" و"جمعية الرسالة للتربة والتخييم" و"منظمة التجديد الطلابي" و"منتدى الزهراء للمرأة المغربية". وكلها جمعيات وطنية، لها فروع محلية وإقليمية ووطنية، وتقوم على فكرة التشبيك؛ ما يُعزّز حضورها في كل المناطق والمجالات. ومن بين الأمور التي التقطناها في البحث الميداني أن لهذه الجمعيات وضعيةً مستقلة عن حركة التوحيد والإصلاح، حيث تشتغل في استقلال عن الجمعة الأم، لا من حيث تدبير مواردها المالية والبشرية واللوجستية، ولا من حيث استهداف الفئات المشمولة بخططها. بيد أن هذا الأمر لا يعني إطلاقًا تباعدًا من حيث تحقيق الهدف الاستراتيجي، وهو ضمن ولاء العديد من الفئات لصف حركة التوحيد والإصلاح، ومن ورائها حزب العدالة والتنمية الذي يستفيد بصفة غير مباشرة من هذا الحضور والعمل الخيري والإحساني والاجتمعي. ولعل ما توصلنا إليه في البحث الميداني يُبّين ذلك، حيث صرّح لنا منعم القيادي في حركة التوحيد والإصلاح: "على الرغم من أن الحركة هي التي أسّست ودفعت أعضاءها لتأسيس جمعيات المجتمع المدني، خصوصًا التي تهتم بالعمل الخيري والاجتمعي، فإن ذلك لا يعني أنها تتحكم فيها، فكل هذه الجمعيات تعمل وفق قوانينها الداخلية، ووفق برامجها الخاصة، ووفق استراتيجيتها، التي قد تتعارض مع بعض التوجّهات الخاصة بالحركة"63. إذًا يظهر من خلال هذا التحليل أن العمل الجمعوي والخيري والاجتمعي الذي سهرت على تأسيسه الحركة أصبح متطورًا ومهنيًا، بل احترافيًا، على عكس تجربة جمعة العدل والإحسان. وعلى الرغم من أن الفاعلين داخل الحركة، أو في العمل الجمعوي، ينفون أي علاقة لهم بالحركة الأم، فإن واقع الممرسة الفعلية يُبّين أنهم يشتغلون في مشروع واحد، وبرؤية تكاد تكون موَّحَدة. ولعل دليلنا في ذلك، هو

61  معطيات البحث الميداني.

  1. تتبعت كتابات كثيرة مسار حركة التوحيد والإصلاح، يمكن أن نشير لمن أراد التوسع أكثر إلى الدراسة التوثيقية المهمة: حميد بحاك، الإسلاميون المغاربة بين الدعوة والدولة: حركة التوحيد والإصلاح نموذجًا (الدار البيضاء: منشورات دفاتر سياسية، 2009)؛ بن المصطفى؛ Elahmadi. ويمثل الفصل الثامن من دراسة الطوزي، "الملكية والإسلام السياسي في المغرب"، نموذجًا للحفر السوسيوتاريخي لمسار حركة التوحيد والإصلاح، وعلاقتها بحزب العدالة والتنمية.
  2. حركة التوحيد والإصلاح، الميثاق (الرباط: طوب بريس، 2009)، ص 7.
  3. المرجع نفسه.
  4. معطيات البحث الميداني.

الاستشهادات التي استقيناها من عيّنة من المستجيبين. يقول محمد (أستاذ، 53 عامًا): "منذ أن التحقت بالحي، وجدت جمعية البلاغ64، وهي الجمعية النشيطة في الحي، وتقدم عدة أنشطة، خاصة بالأطفال والمراهقين، ولمّا سألت عنها، قالوا لي إنها تابعة للإخوان، فاطمأن قلبي لهم، وقمت بتسجيل ابني معهم، وقد استفاد الشيء الكثير، وقد قدّموا له الاحتضان اللازم، ما جعله يمر بمرحلة المراهقة من دون مشكلات" أما خديجة (مهندسة، 83 عامًا)، فقالت: "لما بلغت ابنتي سن البلوغ، بدأت أفكر جديًا في إدخالها إلى جمعية دعوية تقوم بتقديم الدعم والمساندة النفسية لها، وقد سألت عن الجمعيات الجادة التي يمكن أن أثق بها، فقالوا لي إنها جمعية 'الرسالة للتخييم'، فالقائمون عليها أناس محترمون، ويخافون الله، ولديهم كفاءات عالية، ونسوية، ولهم خبرة طويلة في العمل الجمعوي، وهكذا كانت ابنتي تتردد على هذه الجمعية، وقد استفادت الشيء الكثير، من حيث بناء شخصيتها، ومن حيث الاحتضان النفسي والاجتمعي الذي تتميز به الجمعية".

إذًا يتّضح، من خلال هذه الشهادات وغيرها، أن الأفراد والأسر المتوسطة يبحثون عن إطار جمعوي لا ليقدم لهم الدعم المادي والاحتضان الخيري فحسب، بل أكثر من ذلك الاحتضان النفسي والتعبير عن الذات؛ وهو ما يشكل في اعتقادنا مج لًا جديدًا لترابطات تقوم على الانتمء الديني.

5. خلق شبكات الاقتراض التضامني

عند المقارنة بين جمعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح، في آليات العمل الجمعوي والخيري الاجتمعي، يمكن أن نلاحظ اختلافات

62  جمعية تقع في مدينة سلا، من أقدم الجمعيات التي أسسها أعضاء في حركة التوحيد والإصلاح، منذ ما يقارب 03 عامًا. تقدم العديد من الخدمات الاجتماعية للأطفال والمراهقين والنساء والتلامذة بصفة عامة. (من معطيات من البحث الميداني)

جوهرية في العمل. فعلى سبيل المثال، ما زال العمل الخيري الاجتمعي لدى جمعة العدل والإحسان يقوم على مفهوم التضامن الآلي بلغة دوركايم، بمعنى أنه تقليدي ويقوم كثيرًا على اعتبارات شخصية؛ بينم نجده عند حركة التوحيد والإصلاح متطورًا، قائمًا على تضامن "عضوي"، وهذا لا يعني أنه لا يعمل على المزاوجة بين كلتا الخاصيتين الآلية والعضوية، إّلا أن السمة الغالبة عليه هي الاستقلالية والوظيفية والمهنية والعقلنة. ومن خلال البحث الميداني، أمكننا استخلاص العديد من الملاحظات التي تستحق كل انتباه. فقد جرّنا الحديث مع أحد الأطر المتوسطة (موظف في الإدارة الترابية، 53 عامًا) حينم سألناه عن موقفه من الاقتراض من أجل شراء السكن، كانت إجابته غير مختلفة عن المستجيبين في جمعة العدل والإحسان؛ إذ يعتبر أن الاقتراض "حرام"، ثم إنه يكلف فوائد إضافية تثقل كاهل الموظف البسيط. وقد أخبرنا المستجيب أنهم توصّلوا إلى إنشاء تعاونية سكنية لتمكين المستفيدين من السكن. يتبّين من خلال هذه الشهادة65 أن حركة التوحيد والإصلاح عملت على إيجاد نماذج بديلة للتضامن الاجتمعي، مختلفة عن بقية الأنماط السائدة التي تقوم على فلسفة التشارك الاقتراضي أو التضامني. وهي وسيلة في ضمن آليات التكافل الاجتمعي، عن طريق تكوين شبكات اجتمعية موزّعة على الربوع المغربية كافة، وتساهم في استقطاب العديد من "المتعاطفين"66 في الحركة (كم حكى لنا بعض المستجيبين). وذلك لأنها تقدم بديلًا عمليًا وغير مكلف، في تمكّن هؤلاء الأفراد من تحقيق استقرارهم المالي والأسري والنفسي حتى.

تنظيم حفلات الزواج الجماعي لفائدة المقبلين على الزواج

من الأشكال التضامنية في عمل حركة التوحيد والإصلاح التي وقفنا عندها، في أثناء إجراء الدراسة الميدانية، نذكر حفل الزواج الجمعي، وهي الفكرة التي تبلورت في سياق صدور مدوّنة الأسرة الجديدة، والتي كانت لها، بحسب ما صرّحت به رئيسة جمعية كرامة لتنمية المرأة67، الكثير من التداعيات "السلبية" على "استقرار" الأسرة و"تماسكها"؛ ما جعلها تُفكّر في برامج وخطط لمواجهة هذه

63  أوصلنا البحث الميداني مع بعض المستجيبين إلى الحديث عن فكرة إنشاء تعاونيات سكنية في ربوع المغرب، وقد كانت تجربة "ناجحة" في الجنوب الشرقي للمملكة، وتم تعميمها في ما بعد. 64  في تصنيف العضوية داخل حركة التوحيد والإصلاح، هناك العضو الكامل العضوية، وهو الذي يستطيع المشاركة في الاجتماعات الرسمية التنظيمية، وله حق التصويت والانتخاب والترشح، في حين أن العضو المتعاطف هو الذي لا يحق له الترشح أو التصويت أو حضور الاجتماعات التنظيمية. 65  جمعية مهتمة بشؤون المرأة، أسّست منذ أكثر من عشرين عامًا في مدينة طنجة (شمال المغرب)، ترأسها وفاء بن عبد القادر. في هذه المناسبة، فإننا نوجه إليها الشكر كله على ما قدّمته لنا من معطيات حول تجربتهم في العمل الاجتماعي.

  1. جمعية تقع في مدينة سلا، من أقدم الجمعيات التي أسسها أعضاء في حركة التوحيد والإصلاح، منذ ما يقارب 03 عامًا. تقدم العديد من الخدمات الاجتماعية للأطفال والمراهقين والنساء والتلامذة بصفة عامة. (من معطيات من البحث الميداني)
  2. أوصلنا البحث الميداني مع بعض المستجيبين إلى الحديث عن فكرة إنشاء تعاونيات سكنية في ربوع المغرب، وقد كانت تجربة "ناجحة" في الجنوب الشرقي للمملكة، وتم تعميمها في ما بعد.
  3. في تصنيف العضوية داخل حركة التوحيد والإصلاح، هناك العضو الكامل العضوية، وهو الذي يستطيع المشاركة في الاجتماعات الرسمية التنظيمية، وله حق التصويت والانتخاب والترشح، في حين أن العضو المتعاطف هو الذي لا يحق له الترشح أو التصويت أو حضور الاجتماعات التنظيمية.
  4. جمعية مهتمة بشؤون المرأة، أسّست منذ أكثر من عشرين عامًا في مدينة طنجة (شمال المغرب)، ترأسها وفاء بن عبد القادر. في هذه المناسبة، فإننا نوجه إليها الشكر كله على ما قدّمته لنا من معطيات حول تجربتهم في العمل الاجتماعي.

التداعيات. وتشرح رئيسة الجمعية لنا ذلك بقولها: "لاحظنا بعد إقرار مدوّنة الأسرة المغربية في عام 2004، ارتفاع نسبة الطلاق وعزوفًا عن الزواج، ما جعلنا نطلق دراسة استكشافية لفهم أسباب ذلك، وقد تمكّنا من حصر أهم الأسباب في ضعف، بل في غياب الفهم السليم لنص المدوّنة وروحها، وغياب التربية الإنجابية والتربية الأسرية أيضًا، وبالجملة هناك غياب ثقافة الزواج، ما يدفع بالعديد من حديثي العهد بالزواج إلى الطلاق، أو أن العديد من الشباب لا يُقدم على الزواج بالمرة، نظرًا إلى تمّثلّات سلبية عنه". يتبّين، من خلال هذا التصريح، أن الجمعية توصّلت إلى فكرة تنظيم "الزواج الجمعي" أسلوبًا جديدًا في نوعية الخدمات المقدمة لبعض المُقبلين على الزواج من فقراء الحضر. وقد كشفت لنا بن عبد القادر أنهم نظموا حتى بداية عام 2019 (زمن إجراء هذه الدراسة) الحملة الثانية عشرة، بأزيد من 120 حالة زواج. وهو ما يدل على تجاوب مع طلب اجتمعي على هذا النوع من الخدمات الاجتمعية التي تهم فئة الشباب خاصة. ويمكن القول إن مثل هذه الأعمل تشكل مجالات اجتمعية، تؤسّس فيها علاقة وثيقة بين الديني والاجتمعي، وتنشئ أشك لًا جديدة من التضامنات التي تعوض البيئات التضامنية التقليدية.

خاتمة

انطلاقًا من إشكالية البحث وإطاره النظري والمفهومي والمتمثل في التساؤل عن علاقة الإسلام الاجتمعي وفقراء الحضر، وبناء على نتائج البحث، يمكن القول إن النتائج التي وقفنا عندها لدى جمعة العدل والإحسان، وحركة التوحيد والإصلاح، تبّين أن العمل الاجتمعي يشكّل مكوّنًا أساسيًا في عمل هذه الحركات، ولم يتأثر بالتحّولّات التي عرفتها حركة التوحيد والإصلاح عند انخراط حليفها السياسي حزب العدالة والتنمية في المعترك الانتخابي. فعلى الرغم من أن الحزب يستفيد من النتائج غير المباشرة للعمل الاجتمعي، فإن ذلك

66  "مدونة الأسرة" عبارة عن مجموعة من القوانين التي تؤطر الحياة الأسرية في المغرب، في كل ما يتعلق بالزواج والطلاق والإرث وما إلى ذلك من نصوص، وقد كان سياق تغيير مدوّنة الأحوال الشخصية، بقانون الأسرة، مثارًا للعديد من النقاشات والصدامات بين تيارين: التيار الإسلامي، ممثلًا في الحركات الإسلامية بكل أطيافها، وعلى رأسها "حركة التوحيد والإصلاح"، والتيار "العلماني" الذي دعا إلى ضرورة تغيير المدوّنة السابقة، وقد كان التدخل الملكي باعتباره يقوم بمهمة التحكيم، كابحًا لاستمرار النقاش، ومن ثم اللجوء إلى الحسم الملكي عبر تشكيل لجنة استشارية عهد إليها باقتراح قانون جديد للأسرة المغربية، يكون متجاوبًا مع روح العصر، وفي الوقت نفسه لا يخرج على القواعد الدينية الفقهية والإسلامية. والآن بعد مرور 20 عامًا على إخراج مدوّنة الأسرة، وبعد ظهور مجموعة من الإشكاليات المجتمعية الجديدة، هناك مطالب بضرورة النظر في إعادة إدخال تغييرات على المدوّنة، وقد برز في عام 2023 موضوع جد حساس، وهو المتعلق بالإرث، حيث هناك من يطالب بتغيير نظام الإرث المعمول به وفقًا للقواعد الفقهية، وهناك من يعترض على ذلك بشدة. وهذا الموضوع يستحق اهتمامًا بحثيًا من

الباحثين في العلوم الاجتماعية في المستقبل.

لا يعني تغيرًا في منهجية العمل لدى هذه الحركات، وهو ما يجعلنا نتباين مع ما توصل إليه كل من روا وكيبيل حينم تحدّثا عن مقولة "فشل الإسلام السياسي"، ومن ثمّ إعادة ترتيب أولوياتهم بالتركيز على الإسلام الاجتمعي، بدلًا منه. من جهة أخرى، كان لسياق توسع الإسلام الاجتمعي بعض الأسباب الموضوعية والشروط الاقتصادية التي وفّرت مناخًا مساعدًا لهذه الحركات، لعل من بينها تراجع دور الدولة من جراء الاقتصادات النيوليبرالية أيضًا القائمة على فلسفة السوق التي عملت على سحق الطبقات الوسطى والدنيا والفقيرة؛ وبالنتيجة أقامت شروخًا كبيرة في التنضيدات الاجتمعية لهذه الدول. كل ذلك شكّل أرضية خصبة لهذه الحركات، كي تنهض على فلسفة التضامن الاجتمعي الجديد وتشكل شبكة من التضامنات الجديدة/ القديمة، من حيث إنها عوّضت الأطر التقليدية التي كانت تؤطر المجتمع، مثل القبيلة والزاوية والحزب والنقابة، وإلى حدٍ ما الأسرة (على اعتبار أن هذه الأسرة ما زالت تقوم بأدوارها في ضمن تماسك المجتمع وحميته من التفكك وفقدان الرابط الاجتمعي). موازاةً مع ذلك، فإن من بين الخلاصات الأساسية التي يمكن أن يستشفّها الباحث، وهو يسبر أغوار العمل الاجتمعي لدى الحركات الإسلامية: التطوعية والفعالية والاستمرارية والتشبيك. ففي ما يخص التطوعية، نجد أن غالبية هذه الجمعيات تدفع أعضاءها إلى الانخراط في العمل الاجتمعي، باعتباره تقرّبًا إلى الله، وهو ما يشكل حافزًا قويًا يضاهي أكثر الحوافز التي يمكن أن يستثمر فيها أي طرف كيفم كان. ولعل هذه الخصيصة هي التي جعلت هذا العمل الاجتمعي يستمر عبر السنين، على عكس الجمعيات المدنية المنتمية إلى التيارات السياسية الاشتراكية. وهذا لا يعني أن كل هذه الحركات لا تتأطر بقوانين داخلية وبأنظمة تسييرية، بل على العكس من ذلك، تعمل هذه الحركات على المزاوجة بين القيم التطوعية والإطارات القانونية؛ ما يخلق لها "تميزًا" من بقية الأحزاب وهيئات المجتمع المدني. أما في ما يخص الفاعلية، فهي سمة تميز الحركات الإسلامية في كل الأنشطة والأعمل، وبطبيعة الحال، العمل الاجتمعي الذي يتطلّب تفاعلًا خاّلقًا لتحقيق نتائج ملموسة تمس الفرد وتقدم له خدمات في الوقت المحدد. وفي ما يخص التشبيك، يمكن اعتباره آلية فعالة في دعم التضامنات عبر الوطن بل والعابرة للأوطان. ففي البحث الميداني، حدّثنا بعض الفاعلين عن أنهم يتتبعون أعضاءهم حتى إذا ما هاجروا إلى أوروبا أو أميركا أو كندا، أو في دول الخليج، وذلك بربطهم بشبكات متعددة لتقديم العون والخدمات المختلفة التي يحتاجها الفرد في مهجره.

  1. مدونة الأسرة" عبارة عن مجموعة من القوانين التي تؤطر الحياة الأسرية في المغرب، في كل ما يتعلق بالزواج والطلاق والإرث وما إلى ذلك من نصوص، وقد كان سياق تغيير مدوّنة الأحوال الشخصية، بقانون الأسرة، مثارًا للعديد من النقاشات والصدامات بين تيارين: التيار الإسلامي، ممثلًا في الحركات الإسلامية بكل أطيافها، وعلى رأسها "حركة التوحيد والإصلاح"، والتيار "العلماني" الذي دعا إلى ضرورة تغيير المدوّنة السابقة، وقد كان التدخل الملكي باعتباره يقوم بمهمة التحكيم، كابحًا لاستمرار النقاش، ومن ثم اللجوء إلى الحسم الملكي عبر تشكيل لجنة استشارية عهد إليها باقتراح قانون جديد للأسرة المغربية، يكون متجاوبًا مع روح العصر، وفي الوقت نفسه لا يخرج على القواعد الدينية الفقهية والإسلامية. والآن بعد مرور 20 عامًا على إخراج مدوّنة الأسرة، وبعد ظهور مجموعة من الإشكاليات المجتمعية الجديدة، هناك مطالب بضرورة النظر في إعادة إدخال تغييرات على المدوّنة، وقد برز في عام 2023 موضوع جد حساس، وهو المتعلق بالإرث، حيث هناك من يطالب بتغيير نظام الإرث المعمول به وفقًا للقواعد الفقهية، وهناك من يعترض على ذلك بشدة. وهذا الموضوع يستحق اهتمامًا بحثيًا من الباحثين في العلوم الاجتماعية في المستقبل.

في المقابل، تفتح نتائج البحث الميداني على خلاصات، قد تبدو متناقضة مع ما سبقها، لكنها تعطينا فكرة عن طبيعة العمل الاجتمعي عند هذه الحركات. فمثلًا إذا ما دققنا في نوعية الخدمات التي يقدمها هذا التيار أو ذاك، وجدناها تبقى في دائرة الخدمات "الإحسانية"، أو مجرد تضامن مع أعضاء جمعة العدل والإحسان، خصوصًا أن الجمعة تعيش على وقع التضييق السياسي والقانوني من الدولة. في حين كشف البحث أن طبيعة العمل الاجتمعي عند حركة التوحيد والإصلاح تنحو نحو المهنية والحرفية والمراوحة بين ما هو إحساني وخيري، إلى ما هو تنموي، وهو ما لاحظناه في تجربة العمل الاجتمعي في مدينة وزان. وهذا لا يعني أن هذا العمل لا يستفيد منه الحليف الاستراتيجي للحركة؛ وهو حزب العدالة والتنمية في المحطات الانتخابية. وتجدر الإشارة إلى أن تحالف فقراء الحضر مع الإسلام الاجتمعي، ممثلًا في الحركات الإسلامية، ليس مسألة آلية وحتمية، بل يخضع للعديد من الاستراتيجيات والاستراتيجيات المضادة التي يفاوض بها كل فاعل على مصالحه وطموحاته. إذا كانت الخلاصتان السابقتان ترتبطان بما هو عملي وإجرائي، فإن الملاحظة التي نود أن نناقشها هنا تكتسي طابعًا نظريًا صرفًا، ويمكن أن نصوغها في شكل مفارقة؛ إذ في الوقت الذي نجد الحركات الإسلامية تنخرط بقوة في العمل الاجتمعي والتضامني، فإنها لا تتوفر على أدبيات تنظيرية كافية لتأطير عملها الميداني. بل أكثر من ذلك، فهي تفتقر إلى منظومة متكاملة من التصورات التي تجعلها مؤهلة كي تقدم مشروعًا مجتمعيًا يقوم على مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة الاجتمعية. فإذا كانت الحركات الدينية المسيحية، خصوصًا الكاثوليكية في أميركا اللاتينية، قد مثلت، باعتمدها على العمل الاجتمعي والخيري، مرحلة أولية لفتح النقاش في المجال العام، في معضلة الفقر والهشاشة الاجتمعيين، بدعمها الحراك السياسي لهذه الفئات وغيرها، فإننا لا نلمس هذا المستوى عند الحركات الإسلامية التي درسناها. ولهذا، فإننا نود أن نؤكد أنه على الرغم من جدالنا في أن الحركات الإسلامية تشترك مع خصائص ومميزات الحركات الاجتمعية، فإنها في المقابل لم تستطع أن تبلور تصوّرًا ناضجًا حول هذا الموضوع. وبناء عليه، يمكن القول إن هذا المجال (الإسلام الاجتمعي) عند الحركات الإسلامية ما زال يحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث والتقّصي في المستقبل، خصوصًا أن هذه الحركات تعرف العديد من التحّولّات الداخلية (خروج حزب العدالة والتنمية من تجربة الحكم)، أو من خلال إعلان جمعة العدل والإحسان

67  وجبت الإشارة إلى أننا أنجزنا مقابلة معمقة مع المسؤول عن العمل الاجتماعي في مدينة وزان، بيد أننا لم نعرض نتائجها في هذه الدراسة لاعتبارات فنية متعلقة أساسًا بحجم وعدد الكلمات المسموح بها للنشر في الدورية.

عن موقفها من المشاركة السياسية عبر وثيقة صادرة في عام 2023 (الوثيقة السياسية لجمعة العدل والإحسان، الدائرة السياسية). وهذه المتغيرات يمكن أن تشكل مج لًا لإعادة التموقع في الحقل السياسي والاجتمعي في المغرب.

  1. وجبت الإشارة إلى أننا أنجزنا مقابلة معمقة مع المسؤول عن العمل الاجتماعي في مدينة وزان، بيد أننا لم نعرض نتائجها في هذه الدراسة لاعتبارات فنية متعلقة أساسًا بحجم وعدد الكلمات المسموح بها للنشر في الدورية.

المراجع

العربية

الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 إكلمن، ديل. أنثروبولوجيا المجتمعات الإسلامية. ترجمة مجموعة من المترجمين. تحرير يونس الوكيلي. الرباط: مؤسسة مؤمنون بلا حدود،.2022 باباس، تاكيس س. الشعبوية والديمقراطية الليبررالية: تحليل نظري مقارن. ترجمة عومرية سلطاني. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2021 بحاك، حميد. الإسلاميون المغاربة بين الدعوة والدولة: حركة التوحيد والإصلاح نموذجًا. الدار البيضاء: منشورات دفاتر سياسية، 2009. بن المصطفى، عكاشة. الإسلاميون في المغرب. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2008 بودون، ريمون. أبحاث في النظرية العامة في العقلانية: العمل الاجتمعي والحس المشترك. ترجمة جورج سليمن. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 بيات، آصف. الحياة سياسة: كيف يغّير بسطاء الناس الشرق الأوسط. ترجمة أحمد زايد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،

جرموني، رشيد. الدين والإعلام في سوسيولوجيا التحولات الدينية. الرباط: القرويين للنشر والتوزيع،.2022 حركة التوحيد والإصلاح. الميثاق. الرباط: طوب بريس، 2009. دوركايم، إميل. قواعد المنهج في علم الاجتمع. ترجمة محمود قاسم ومحمد بدوي. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية،.1988 روا، أوليفييه. تجربة الإسلام السياسي. ترجمة نصير مروة. بيروت: دار الساقي،.2016 السمسيري، محمود يوسف. فلسفات الإعلام المعاصر في ضوء المنظور الإسلامي. هرندن/ الولايات المتحدة الأميركية: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،.2008

طارق، حسن. "السياسات الاجتمعية بين الهاجس الأمني والضرورة التنموية". المجلة المغربية للسياسات العمومية. عدد مزدوج

الطوزي، محمد. الملكية والإسلام السياسي في المغرب. ترجمة محمد حاتمي وخالد الشكراوي. الدار البيضاء: فنك،.1999 العناني، خليل. "دور الدين في 'المجال العام' في مصر بعد ثورة 25 يناير". دراسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (آذار/ مارس 2012). _______. داخل "الإخوان المسلمين": الدين والهوية والسياسة. ترجمة عبد الرحمن عباس. مراجعة عومرية سلطاني. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2018 قبانجي، جاك. "لماذا فاجأتنا انتفاضتا تونس ومصر؟ مقاربة سوسيولوجية". إضافات. العدد 14 (ربيع.)2011 لوبون، غوستاف. سيكولوجية الجمهير. ترجمة هاشم صالح. ط. 5 بيروت: دار الساقي،.2013 المملكة المغربية، المندوبية السامية للتخطيط. "مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، الفصل الثاني من سنة 2022:". في https://acr.ps/1L9zOHL "من نحن: جمعة العدل والإحسان". في: https://acr.ps/1L9zOrZ

الأجنبية

Amin, Samir. "Y a-t-il une économie politique du fondamentalisme islamique." Peuples Méditerranéens. no. 21 (Octobre-Décembre 1982). Burgat, François. L'Islamisme en face. 3 ème ed. Paris: La Découverte Poche, 2002. Elahmadi, Mohsine. Les mouvements islamistes au Maroc. Casablanca: Ittissalat Salon, 2006. Hervieu-léger, Danièle & Jean-Paul willaime. Sociologie et religion: Approches classiques. Paris: Presses Universitaires de France, 2001. Intégration et exclusion: Quelle société pour le 21 éme siècle? Série colloques et séminaires. no. 139. Casablanca: Publication de la faculté des lettres et sciences Humaines, Rabat, 2007.

Kepel, Gilles. La revanche de Dieu, chrétiens, juifs et musulmans à la reconquête du monde. Paris: Editions du Seuil, 1991. _______. Les banlieues de l'islam: Naissance d'une religion en France. Paris: Points (Essais), 2015. McNabb, David E. Research Methods for Political Sciences, Quantitative and Qualitative Methods. New York/ London: Routledge, 2004. Paugam, Serge. Les formes élémentaires de la pauvreté. Collection: Le sens social. 3 ème ed. Paris: PUF, 2005. Weber, Max. L'éthique protestante et l'esprit du capitalisme. Jacques Chavy (trad.). Paris: Pocket,