الاقتصاد السياسي للدولة العربية **
The Political Economy of the Arab State
الملخّص
تهتم هذه الدراسة بتطوّر علاقات الدولة - المجتمع وتحولاتها في المنطقة العربية، من منظور المواثيق الاجتماعية وأنظمة الرعاية الاجتماعية. وتسعى للإجابة عن سؤاَل ين رئيسين: كيف استجابتَ حكومات المنطقة للحراك الشعبي خلال الانتفاضات العربية وما بعدها؟ وماذا تكشف هذه الاستجابات عن طبيعة الدولة العربية، أو بالأحرى عن الأشكال المتعددة من الدول العربية في المنطقة؟ وتضع الدراسة تطوّرات ما بعد الانتفاضات فيسياق مسارات تاريخية تعود إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، وتنطلق من هذه الخلفية لتتبّع مساراتٍ متباينة على نحو واضح منذ عام 2010. وُتظهر هذه الاستجابات المتمايزة غياب نموذج واحد لما يمكن تسميته "الدولة العربية"؛ إذ تعكسُ أنظمة الرعاية الاجتماعية والمواثيق الاجتماعية، في ظل أنماط مختلفة من الاقتصادات السياسية، ما لا يقل عن ثلاثة نماذج متميزة للدولة في المنطقة. ففي الخليج العربي الغني بالنفط، تتيح الفوائض المالية الحفاظ على أنظمة رعاية اجتماعية سخية واستراتيجيات تنموية طموحة، في مقابل ترويج حذر لتعزيز دور القطاع الخاص تحت سيطرة محكمة. أمّا في الدول المتوسطة الدخل، فسرعان ما آلت التنازلات الأولية التي أعقبت الانتفاضات، ولا سيما توسيع الإنفاق الاجتماعي والتوظيف، إلى سياسات تقشفية، وأزمات دَين، وبرامج مساعدات موجّهة، وتزايد في القمع؛ ما أسفر عن تراجع الرعاية الاجتماعية وتآكل فرص الطبقة الوسطى. وفي البلدان المنخفضة الدخل والمتأثرة بالنزاعات، أدّت الحروب الممتدة وتفكك الدولة إلى تدمير البنى التحتية لأنظمة الرعاية الاجتماعية، تاركةً للفاعلين في المجال الإنساني مهمة سدّ الفراغات التي خلّفتها الدولة.
Abstract
This study traces the evolution and divergence of state–society relations in the Middle East and North Africa through the lens of social pacts and welfare regimes. It asks how governments across the region have responded to popular mobilization during and after the Arab uprisings, and what these responses reveal about the nature of the Arab state – or, more accurately, Arab states – in the region. By situating post-uprising developments within longer post-independence trajectories, the study traces sharply divergent paths since 2010. These varied responses underscore the absence of a single "Arab state" model. Instead, welfare regimes and social pacts across different types of political economies in the region reflect at least three distinct models of Arab statehood. In the oil-rich Gulf monarchies, fiscal surpluses sustain generous welfare systems and ambitious development strategies, while rulers cautiously promote expanded roles for the private sector under tight control. In middle-income states, initial post-uprising concessions, such as expanded social spending and employment, quickly gave way to austerity, debt crises, targeted assistance, and rising repression, resulting in declining welfare provision and shrinking opportunities for the middle class. In low-income and conflict-affected countries, protracted wars and state fragmentation have devastated welfare infrastructures, leaving humanitarian actors to fill governance vacuums.
- الاقتصاد السياسي
- الدولة العربية
- الرعاية الاجتماعية
- رأس المال البشري
- الدولة الريعية
- الزبونية
- Political Economy
- Arab State
- Social Welfare
- Human Capital
- Rentier State
- Clientelism
ميلاني كامِت| Melani Cammett *
مقدمة
غالبًا ما ينطلق تشخيص علاقات الدولة - المجتمع في العالم العربي من افتراض أنّ "الصفقة السلطوية" شكّلت جوهر"المواثيق الاجتمعية" Social Pacts1 بين الحكّام والمحكومين في المنطقة، خلال مرحلة ما بعد الاستقلال. غير أنّ الأسس الضمنية لهذه الصفقة بدأت تتآكل في أواخر سبعينيات القرن العشرين وخلال ثمانينياته، حينم واجهت حكومات المنطقة أزمات مالية متفاقمة، أدّت إلى تراجع ملحوظ في مستويات الاستثمر العمومي وتدهور الآفاق الاجتمعية - الاقتصادية2. ويشكّل ذلك خلفية مهمة لفهم الانتفاضات العربية؛ إذ تمحورت خلالها المطالب الشعبية حول قضايا جوهرية ذات صلة بالاقتصاد السياسي3، غير أنها، في الوقت نفسه، تميل إلى حجب التنوع القائم في طبيعة الدولة وفي أنماط علاقات الدولة – المجتمع عبر أنحاء العالم العربي. ويتيح تتبّع تطوّر المواثيق الاجتمعية في المنطقة مج لًا لفهم هذا التباين. ومن هنا تبرز الأسئلة التالية: كيف استجابت حكومات المنطقة للحراك الجمهيري أثناء الانتفاضات العربية وما بعدها؟ وماذا تكشف هذه الاستجابات عن الاختلافات البنيوية الواضحة في طبيعة الدولة في أنحاء العالم العربي؟ يمكن تحليل الدول العربية، باستخدام عدسة الاقتصاد السياسي، من زوايا متميزة. تركز إحدى هذه المقاربات على طبيعة رأسملية المحاسيب، بما يسلّط الضوء على المواثيق القائمة بين الحكّام والنخب الاقتصادية المرتبطة بهم. أستكشف في هذه الدراسة التغير في ملامح أنظمة الرعاية الاجتمعية، بوصفه مدخلًا لفهم طبيعة ما يُعرف بالصفقة الاستبدادية مع شرائح واسعة من السكان في أنحاء المنطقة. وأستعرض أولًا، في إيجاز، مسار صعود الاستثمر الاجتمعي العمومي وتراجعه في المنطقة قبل الانتفاضات العربية، وهي مسألة موثّقة جيدًا في الأدبيات المتخصصة4، بما يوفّر خلفية أساسية لفهم التباين المتزايد بين الدول العربية في أعقاب تلك الانتفاضات. ويركّز المبحث الثاني من الدراسة على استجابات الدول منذ اندلاع الانتفاضات العربية؛ من أجل تتبّع المسارات المتميزة لتنمية الدولة في العالم العربي على نحو أوضح. ويُظهر هذا التحليل اتساع الفجوة بين دول الخليج الغنية بالنفط وبقية دول المنطقة. ففي البلدان العربية المتوسطة الدخل، سواء تلك التي تمتلك عائدات نفطية أو التي تفتقر إليها، اتجهت أنماط الحمية الاجتمعية في أعقاب الانتفاضات، في مرحلتها الأولى، إلى استرضاء المطالب الشعبية عبر زيادة الإنفاق الاجتمعي وزيادة التوظيف في القطاع العمومي. غير أنّ مسار التنمية الاقتصادية ظل متعثرًا؛ ما أسهم في نشوء أزمات دَين أو تفاقمها، ودفع الحكومات إلى إعادة ترتيب أولوياتها في اتجاه خدمة الَّدَين على حساب الاستثمر في القطاعات الاجتمعية. وأعقب ذلك طور جديد من تبنّي سياسات تقشفية، تزامنت مع تركيز متزايد على برامج المساعدة الاجتمعية الموجّهة؛ وهو الأمر الذي أفضى إلى مزيد من إضعاف الحراك الاجتمعي وأسهم في تفاقم معدلات الفقر. وفي المقابل، شهدت مجموعة أخرى من بلدان المنطقة أزمات إنسانية ممتدة، ناجمة أساسًا عن الحروب والصراعات. وفي مثل هذه السياقات، لا تمارس الدول سوى قدر محدود من السلطة في أحسن الأحوال، بينم يتولى فاعلون بدلاء، مدعومون محليًا وخارجيًا، السيطرة على أجزاء من أقاليمها الترابية الوطنية. باختصار، تكشف هذه النظرة العامة إلى الاقتصادات السياسية العربية عن تعدد أشكال الدولة وأنماط علاقات الدولة - المجتمع وتباينها في أنحاء العالم العربي؛ وهو اتجاه ازداد حدّة خلال العقد الذي تلا نشوب الانتفاضات العربية منذ عام 2010. ففي حين تسعى دول الخليج لدفع مسارات التنمية وترسيخ موقعها، بوصفها فاعلًا رئيسًا في السياسة الإقليمية، بل العالمية أيضًا، أصبحت العديد من الدول متوسطة ومنخفضة الدخل أشد انكشافًا أمام الانهيار الاقتصادي والتفكك السياسي.
أولا: المواثيق الاجتماعية في المنطقة العربية من الاستقلال إلى عشيّة الانتفاضات العربية
كم هو الحال في العديد من البلدان النامية، تبدو دول الرعاية الاجتمعية في المنطقة العربية، باستثناء بلدان الخليج (وهي نقطة سأتناولها لاحقًا)، أقل وضوحًا وتبلورًا مم هي عليه في معظم البلدان الصناعية المتقدمة، حيث يضطلع القطاع العمومي بدور أكبر في توفير الحمية الاجتمعية وتأمين سبل العيش. ففي هذه البلدان، تحمي
الدول المواطنين، وغالبًا المقيمين من غير المواطنين أيضًا، من مخاطر تبادلات السوق، بدرجات متفاوتة، من خلال سياسات عامة تشمل أنظمة التأمين الاجتمعي، وآليات المساعدة الاجتمعية غير القائمة على الاشتراكات، وما توفره من حمية في حالات الفقر المختلفة، فضل عن تقديم الخدمات الاجتمعية العامة. أما الدول في المناطق النامية، فتجعلها محدودية قدراتها الإدارية والمالية أكثر ميلًا إلى الاعتمد على وسائل غير مباشرة في توفير شبكات الأمان الاجتمعي، كم تجعلها أقل قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، إضافةً إلى قدرتها المحدودة على تعزيز الحراك الاجتمعي. في حالة المنطقة العربية، شكّلت العملة في القطاع العمومي والاستثمر في البنية التحتية والبرامج الأساسية في مجاَلي الصحة والتعليم، إلى جانب دعم الغذاء والوقود، الركائز الرئيسة التي قامت عليها أنظمة الرعاية الاجتمعية في مرحلة ما بعد الاستقلال. وقد حظي عّما ل القطاع الرسمي، على الرغم من أنهم لم يشكّلوا في معظم البلدان العربية غالبية قوة العمل، بامتياز القدرة على الوصول إلى هذه المنافع. وفي ظل قطاعات خاصة محدودة التطور، كانت الوظائف الحكومية، ولا تزال، من أكثر أنواع العمل جاذبية؛ الأمر الذي أسهم في نشوء أسواق عمل مزدوجة، تتسم بحصول من كانوا داخلها على امتيازات في مقابل تهميش من كانوا خارجها5. وقد تفاوت مدى إسهام هذه الترتيبات في إحداث تحسينات ملموسة في حياة سكان المنطقة، باختلاف المكان والزمان. ومع ذلك، شهد سكان المنطقة العربية حراكًا اجتمعيًا صاعدًا ذا أهمية، في العقود الأولى التي أعقبت نيل عدد من بلدان المنطقة استقلالها عن القوى الاستعمرية الأوروبية. وما إن أ رسيت هذه البرامج حتى اكتسبت طابعًا راسخًا، وأصبحُ التراجع عنها ينطوي على تكلفة سياسية عالية بالنسبة إلى القادة6.
1. استقلال المواثيق الاجتماعية في العالم العربي وبناؤها الأوّلي
في السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال عن القوى الاستعمرية الأوروبية، استثمر الحكّام الجدد في كٍّلٍ من الجمهوريات والموناركيات العربية استثمرًا واسعًا في بناء الدولة. واستلزم ذلك إنشاء بيروقراطيات محلية، وبناء أجهزة قسررية، وإقامة بنى تحتية توفر الخدمات الأساسية لشرائح واسعة من السكان. وخلال هذه المرحلة، تميّزت المنطقة العربية بمستويات مرتفعة جدًا من الاستثمر في القطاعات الاجتمعية ونمو العملة، وفق منظور عالمٍّيٍ مقارن يتجاوز جميع مناطق العالم خارج البلدان الشيوعية. وقد أسهم هذا السياق في تحقيق معدلات مرتفعة نسبيًا من الحراك الاجتمعي، وربما عزّز في الوقت ذاته جملة من التوقعات التي بموجبها تخّلى المواطنون عن صوتهم السياسي مقابل توزيع شعبوي للمنافع الاجتمعية؛ وهو ما يشكّل جوهر ما يُشار إليه هنا بالصفقة الاستبدادية. وعلى الرغم من التباين الكبير في مستويات الأداء بين البلدان، حققت المنطقة عمومًا تقدمًا ملحوظًا خلال العقود الأولى التي أعقبت الاستقلال. وبما أنّ معدلات وفيات الرضع تعكس إلى حٍّد بعيد مستوى الاستثمر في البنية التحتية الأساسية للصحة وأنظمة الرعاية الاجتمعية، فإنّ هذا المؤشر يُعدّ مقياسًا رئيسًا لتحسّن رفاه السكان (ينظر الشكل.)1 ويبّين الشكل (1)، من منظور مقارن، انخفاض المعدل الإجملي لوفيات الرضع في المنطقة، أو عدد الوفيات في السنة الأولى من الحياة لكّل 1000 شخص، بمعدل أسرع من أي منطقة أخرى في العالم باستثناء جنوب آسيا، وكان هذا المعدّل أدنى من المعدلات المسجّلة في معظم المناطق النامية الأخرى. وإلى جانب التحسن في قطاع الصحة، حققت الدول العربية كذلك تقدمًا كبيرًا في مجال التعليم خلال السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال؛ ما أسهم في القضاء نسبيًا على أمّية الشباب والحدّ من الفجوة التعليمية بين الذكور والإناث بصفة ملحوظة. مع انسحاب القوى الاستعمرية من المنطقة، عمل حكّام مرحلة ما بعد الاستقلال كذلك على بناء أجهزة الدولة، عبر توسيع البيروقراطيات، وتعزيز قوات الأمن. وأدّى النمو الملحوظ في حجم القطاع العمومي إلى نشوء ما يُعرف ب "برجوازية الدولة"7؛ أي طبقة وسطى تعتمد أساسًا على التوظيف الحكومي. وقد ظل التوظيف في القطاع العمومي مرتفعًا جدًا في معظم الدول العربية على مدى عقدين على الأقل، ابتداءً من ستينيات القرن العشرين، بل إنّ بعض البلدان، مثل مصر، كرّست في تشريعاتها الحق في الحصول على وظيفة حكومية لخريجي الجامعات. وفي مرحلته الأولى، ضمن هذا التوجه وظائف لخريجي الجامعات في القطاع العمومي، قبل أن يُوَسَّع نطاقه ليشمل خريجي المدارس الثانوية المهنية والمعاهد التقنية عام 19648.
باختصار، أسفرت الاستثمرات العمومية الضخمة في الخدمات الأساسية والتوظيف الحكومي عن تحقيق تحسّن ملموس في رفاه السكان خلال ستينيات القرن العشرين وسبعينياته في معظم أنحاء المنطقة، كم أسهمت في ترسيخ توقعات مستقرة من الدولة، ولا سيم لدى الفئات المنخرطة في سوق العمل.
2. نكوص الدولة العربية
في أواخر سبعينيات القرن العشرين وخلال ثمانينياته، بدأ انهيار أ سسُ المواثيق الاجتمعية الضمنية، مع مواجهة حكومات المنطقة العربية أزماتٍ ماليةً متفاقمة. وإلى جانب ذلك، أخفى التقدم الإجملي في مؤشرات التنمية البشرية فجواتٍ وطنيةً ومناطقية وجندرية وطبقية كبيرة في إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية. وقد تفاقمت هذه الفجوات، مع نكوص دور الدولة منذ أواخر السبعينيات فصاعدًا، لتنكشف بوضوح أكبر بعد عقود، ولا سيم خلال الانتفاضات العربية. وأدّت أزمات الَّدَين وبرامج التقشف، التي اعتُمِدت في إطار سياسات الاستقرار والتكيّف الهيكلي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى تراجع ملحوظ في الاستثمر العمومي في القطاعات الاجتمعية، الشكل (1) معدلات وفيات الرضع عبرر الأقاليم من منظور عالمي مقارن
95 80 65 معد ت وفيات الرضع
السنة
وانخفاض عام في مستويات الإنفاق الحكومي، وإنْ بدرجات متفاوتة بين البلدان. فباستثناء دول الخليج، التي حافظت على الإنفاق الحكومي أو عمدت إلى زيادته، تطوّرت المواثيق الاجتمعية في بقية أنحاء المنطقة على نحو يقدّم دعمًا اجتمعيًا أقل؛ ما أسهم في تفاقم انعدام الأمن الاجتمعي - الاقتصادي، وزيادة الاعتمد على أدوات القمع التي تمارسها الدولة لاحتواء السخط الشعبي أو إحباطه. تجّلى نكوص دور الدولة في عدد من القطاعات، من بينها خفض العملة الحكومية، وتقليل الاستثمر في القطاعات الاجتمعية، وتراجع إعانات الغذاء والوقود، وغيرها من المجالات. وقد دعت برامج التقشف، على وجه الخصوص، إلى تخفيضات كبيرة في العملة الحكومية ضمن حزمة أوسع من إجراءات خفض الإنفاق. وعلى الرغم من أنّ وتيرة تراجع الوظائف في القطاع العمومي تفاوتت بدرجة ملحوظة بين بلدان المنطقة، ولم يُنَفَّذ ذلك في كثير من الأحيان بالقدر الموعود نظرًا إلى المخاوف من تداعياته السياسية، فإنّ الاتجاه العام اتسم بانخفاض ملموس في مستويات التوظيف الحكومي. فمنذ سبعينيات القرن العشرين، على سبيل المثال، تراجعت نسبة الوظائف الحكومية التي حصل عليها القادمون الجدد المتعلمون
إلى سوق العمل من نحو 80–75 في المئة في منتصف السبعينيات إلى ما يقارب 35–25 في المئة بحلول عام 2010 في كٍّلٍ من مصر وتونس. أمّا في الجزائر والأردن، فقد بدأ تراجع العملة في القطاع العمومي في مرحلة متأخرة نسبيًا، وكان أقل حدّة في الجزائر على وجه الخصوص، نظرًا إلى استفادتها من عائدات النفط والغاز9. وفي المحصلة، لم تتمكن الحكومات من الحفاظ على الوتيرة السابقة للتوظيف في القطاع العمومي؛ ما أدى إلى نشوء شريحة كبيرة ومتزايدة من المتعلمين العاطلين عن العمل. وفي الوقت نفسه، لم تنجح الوظائف التي وفرها القطاع الخاص في تعويض الانخفاض في العملة الحكومية، وظل المواطنون في مختلف أنحاء المنطقة يبدون تفضيلًا قويًا للوظائف في القطاع العمومي. وعلى الرغم من أنّ أنماطًا مشابهة يمكن ملاحظتها في العديد من البلدان النامية، فإنّ ستيفن هرتوغ يشير إلى أنّ انتشار هذه الظواهر وحدّتها كانا أشدّ وضوحًا في المنطقة العربية على نحو خاص10. خلال مرحلة نكوص الدولة، شهدت الخدمات العامة تدهورًا ملحوظًا، ولا سيم في البلدان متوسطة الدخل في المنطقة؛ ما ترتّبت عليه آثار جسيمة شملت الفئات الفقيرة على نحو خاص. وكان لانحسار المكاسب المالية التي تحققت خلال حقبة الطفرة النفطية في سبعينيات القرن العشرين أثر متفاوت؛ إذ تباينت اتجاهات الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم بين دول المنطقة العربية. وعلى المنوال ذاته، ازدادت النتائج الاجتمعية تباينًا عبر الحدود الوطنية. يبدو أنّ تجميد ميزانيات الصحة والتعليم أسهم في تباطؤ التقدم في التنمية البشرية وتدهور نوعية الخدمات المقَّدَمة، ولا سيم بالنسبة إلى الفئات الفقيرة التي لا تملك القدرة على الحصول على هذه الخدمات من القطاع الخاص الآخذ في التوسع. وعلى مستوى المنطقة عمومًا، شهد معدل الزيادة في مؤشر التنمية البشرية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تباطؤًا ملحوظًا في معظم البلدان بعد الزخم الذي حققه خلال سبعينيات القرن العشرين. ولا شك في أنّ التحسينات المبكرة كانت أسهل؛ إذ انطلقت من مستويات متدنية نسبيًا، وتزامنت مع تشييد البنى التحتية العامة والطفرة النفطية الأولى في تلك الحقبة، فضلًا عن ارتفاع الإنفاق على القطاعات الاجتمعية. غير أنّ مرحلة نكوص الدولة شهدت تراجعًا متزايدًا في وتيرة التقدم؛ ويُعزى ذلك جزئيًا إلى تصاعد القيود المالية. تُبّين الأدبيات المتعلقة بمحددات الصحة اجتمعيًا11 أنّ الإنفاق على القطاعات الاجتمعية لا مُيثّل سوى جزء من المعادلة الخاصة بالصحة وغيرها من المخرجات الاجتمعية؛ إذ إنّ طريقة إنفاق الموارد لا تقُّلُ أهمية عن حجمها، كم أنّ للسياق المالي أثرًا مباشرًا في الرفاه العام، ولا سيم لدى الفئات الفقيرة. ويُعدّ النفاذ إلى خدمات الصحة العامة والتعليم المسارَ الرئيس، الذي يمكّن الفقراء من الإفلات من "مصيدة الفقر" عبر الأجيال، ويؤدي دورًا محوريًا، أيضًا، في الحد من أوجه اللامساواة الصحية12. ونتيجة لذلك، لم يعد ملايين السكان في المنطقة قادرين على تحقيق التقدم الاجتمعي بالوتيرة نفسها التي عرفتها الأجيال السابقة من خلال العمل الشاق والتعليم، ويبدو أّن نكوص دور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية دفع أعدادًا متزايدة منهم إلى براثن الفقر. منذ ثمانينيات القرن العشرين، شهدت المنطقة العربية، على غرار مناطق نامية أخرى، تحولًا متزايدًا عن الخدمات الاجتمعية العامة في اتجاه الخدمات التي تقدمها مؤسسات القطاع الخاص والمنظمت غير الحكومية13. يتجّلى هذا الاتجاه في كلّ من قطاعَي الصحة والتعليم. وبوجه عام، فإنّ خصخصة الخدمات الصحية أكثر انتشارًا في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل؛ حيث تضعف قدرة الحكومات المالية، وربما إرادتها السياسية، على دعم البنية التحتية للصحة العامة. ومع ذلك، شهد قطاع الرعاية الصحية الخاص توسّعًا ملحوظًا في بعضٍ من أعلى بلدان المنطقة دخلًا، ولا سيم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. أمّا في البلدان المنخفضة الدخل، حيث أدّت الحروب والأزمات الاقتصادية إلى تقويض الخدمات الحكومية والبنية التحتية العامة، فيظلّ الإنفاق الخاص على الرعاية الصحية مرتفعًا نسبيًا؛ ويُعزى ذلك جزئيًا إلى عبء كبير في النفقات التي يتحمّلها الأفراد من أموالهم الخاصة في ظلّ غياب آليات المساعدة الاجتمعية. ويتنوّع الأمر على نحو واسع في البلدان المتوسطة الدخل. ففي كٍّلٍ من الأردن ومصر، تشهد النفقات الخاصة على الرعاية الصحية ارتفاعًا ملحوظًا، وإن كانت قد انطلقت من مستوى أعلى
في الحالة المصرية. وفي المقابل، أسهم تنفيذ إصلاح صحّي وطني في المغرب في الحدّ من حجم الإنفاق الخاص على الرعاية الصحية. وعلى الرغم من التزام معظم الحكومات العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال بتوفير التعليم المجاني للجميع، فإنّ خصخصة التعليم أسهمت في تعزيز التحيّز الطبقي داخل النظام التعليمي وزيادة حدّته، كم زاد الَّنَفاذ إلى التعليم الخاص في زيادة أوجه اللامساواة الاجتمعية. ففي مصر وعدد من بلدان المنطقة، يخضع الطلاب لامتحانٍ عام في نهاية المرحلة الثانوية يحدد مسار قبولهم في الكليات الجامعية (مؤسسات التعليم العالي). وقد أسهم ازدهار صناعة التعليم الخاص في دعم هذا النظام، مدفوعًا من جهة بالمعلمين ذوي الأجور المتدنية الساعين لتعويض دخولهم المحدودة من خلال ما يُعرف ب "العمل الإضافي"، ومن جهة أخرى بالآباء القلقين القادرين على شراء خدمات هؤلاء المعلمين. ونتيجة لذلك، نشأ نظام تعليمي مواز غير رسمي، قائم على الأقساط أو الأتعاب، وهو نظام يحابي الأغنياء ويعاقب الفقراء14. تمثّل شبكات العلاقات السياسية والاجتمعية، القائمة على "الواسطة"، بُعدًا إضافيًا من أبعاد اللامساواة في الوصول إلى الخدمات العامة15، لا سيم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في المنطقة. ففي بلدان مثل مصر والأردن ولبنان واليمن، تتوسط الزبونية والمحاباة إمكانية الوصول إلى وظائف القطاع العمومي، فضلًا عن الخدمات الاجتمعية التي يفترض أن تكون من استحقاقات المواطنة أو الإقامة16. ثمّ إنّ ازدياد انتشار مقدّمي الخدمات من غير الدولة قد يضيف مصدرًا آخر إلى عدم التكافؤ في جودة الخدمات، ولا سيم في ظل محدودية قدرة الدولة على التنظيم والرقابة. شكلت إعانات الغذاء والوقود خلال فترة طويلة ركيزةً أساسية أخرى في نظام الخدمات الاجتمعية العربي؛ إذ وفّرت شبكة أمان مهمة للفقراء. غير أنّ هذه الإعانات تُعدّ عبئًا كبيرًا على موازنات الدول، وغالبًا ما تنطوي على آثار عكسية؛ ما دفع المؤسسات المالية الدولية إلى الضغط في اتجاه خفضها واستبدالها ببرامج أكثر استهدافًا للتخفيف من حدة الفقر17. وعلى الرغم من الصعوبات السياسية التي تكتنف الحد من الدعم، فقد شرعت بعض الحكومات في تنفيذ إصلاحات في هذا المجال، وإن اختلفت مقارباتها وأساليبها18. ومع تراجع الاستثمر في القطاع العمومي، وتدهور أشكال شبكات الأمان الاجتمعي التي أرسيت في مرحلة ما بعد الاستقلال، وتزايد عدمُ تكافؤ الوصول إلى الخدمات الأساسية، ارتفعت نسبة سكان المنطقة الذين يعيشون في فقر ملحوظ، كم أصبح الحراك الاجتمعي بعيد المنال على نحو متزايد بالنسبة إلى الطبقات الوسطى في أنحاء المنطقة.
ثانيًا: تطوّر المواثيق الاجتماعية وتبايُن استجابات الدول بعد الانتفاضات
تُقِدِّم هذه النظرة العامة إلى صعود الدولة في المنطقة العربية، بعد الاستقلال ثم تراجعها لاحقًا، خلفيةً لفهم طبيعة دعم الدولة للسكان، في مختلف أنحاء المنطقة، عشية الانتفاضات العربية. فكيف تطوّرت المواثيق الاجتمعية في أعقاب هذه الانتفاضات؟ تتطلب الإجابة عن هذا السؤال إيلاءَ أنماط الاقتصاد السياسي المتباينة عبر المنطقة اهتممًا؛ إذ اتّسمت تاريخيًا بتنوّع أشكال الدول وأنماط علاقات الدولة - المجتمع، غير أنّ هذا التباين ازداد حدّةً ووضوحًا في السنوات التي أعقبت الموجات الأولى من الانتفاضات في عامَي 2010 و 2011. وعلى نحو أولي، تختلف بلدان المنطقة العربية اختلافًا كبيرًا في ملامحها الاقتصادية. ويُظهر الجدول (1) أنّ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجملي يتباين على نحو واسع عبر المنطقة؛ إذ يراوح بين نحو 520 دولارًا أميركيًا في سورية وأكثر من 66 ألف دولار في قطر.
الجدول (1) نظرة عامة: اقتصادات البلدان العربية
| الريع النفطي (بوصفه نسبة من الناتج الإجملي المحلي) | الناتج الإجملي المحلي للفرد دولار)( | الناتج الإجملي المحلي (مليار دولار) | تعداد السكان (مليون) | الفئة الاقتصادية |
|---|---|---|---|---|
| 20.7 | 28445.2 | 1661.2 | 58.4 | البلدان ذات الدخل المرتفع |
| 10.9 | 26567 | 38.8 | 1.5 | البحرين |
| 23.7 | 23186 | 833.5 | 36 | السعودية |
| 23.5 | 19511 | 88.2 | 4.5 | عمن |
| 15.3 | 66794 | 179.7 | 2.7 | قطر |
| 15.7 | 44293 | 415 | 9.4 | الإمارات |
| 27.6 | 24932 | 106 | 4.3 | الكويت |
| 13.7 | 3983.3 | 1094.2 | 274.7 | البلدان ذات الدخل المتوسط |
| 33.1 | 4382.4 | 413.7 | 94.4 | البلدان المصدّرة للنفط ذات الدخل المتوسط |
| 14.5 | 3691 | 163 | 44.2 | الجزائر |
| 42.8 | 4775 | 207.9 | 43.5 | العراق |
| 56.4 | 6357 | 42.8 | 6.7 | ليبيا |
| 1.9 | 3774.3 | 680.50 | 180.3 | البلدان المستوردة للنفط ذات الدخل المتوسط |
| 0 | 3853 | 142.9 | 37.1 | المغرب |
| 1.5 | 3808 | 46.7 | 12.3 | تونس |
| 3 | 3699 | 404.1 | 109.3 | مصر |
| 0 | 4103 | 45.7 | 11.1 | الأردن |
| 0 | 4136 | 23.1 | 5.6 | لبنان |
| 0 | 3664 | 18 | 4.9 | فلسطين |
| 3.9 | 670 | 67 | 100 | البلدان ذات الدخل المنخفض |
| 3.3 | 752 | 34.3 | 45.7 | السودان |
| 4.5 | 665 | 21.6 | 33 | اليمن |
| 4 | 520 | 11.1 | 21.3 | سورية |
| 17.6 | 6516.7 | 2822.4 | 433.1 | إجملي العالم العربي |
إجملي العالم العربي 433.1
تسهم عوامل عديدة في هذا التباين. فمن الطرف الأقصى الأول، مكّنت العوائد الريعية الناتجة من موارد النفط والغاز الحكّامَ في العديد من بلدان الخليج العربي من توفير مزايا اجتمعية سخية للمواطنين، ولا سيم في الدول ذات الكثافة السكانية المحلية المنخفضة. وتوفّر الموازنات السخية هوامش مالية كافية، تتيح للحكّام قيادة برامج طموحة لتنويع الاقتصادات، على الرغم من وجود تساؤلات جدّية عن آفاق نجاحها على المدى الطويل. من الطرف الأقصى الآخر، لم تُسفر الحروب والنزاعات الممتدّة عن أضرار جسيمة بحياة البشر ورفاههم فحسب، بل خلّفت أيضًا آثارًا اقتصادية مدمّرة. فبدرجات متفاوتة، يواجه العراق ولبنان وليبيا
وفلسطين وسورية واليمن تحديات اقتصادية وخسائر اجتمعية وديموغرافية كبيرة، بسبب الصراعات العنيفة والاحتلال. وفي بعض الحالات، سيستغرق الأمر عقودًا طويلة ومبالغ طائلة قد يكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، حشدها، لاستعادة مستويات التنمية التي كانت قائمة قبل الحرب. وبين هذين القطبين، تقع البلدان المتوسطة الدخل، التي يواجه معظمها آفاقًا متزايدة الركود في النمو وأزمات مديونية مقلقة، حتى بالنسبة إلى البلدان التي تتمتع بوفرة في الموارد الطبيعية. ليست الأوضاع الاقتصادية قدرًا محتومًا؛ ذلك أنّ الطريقة التي تحكم بها النخب السياسية، وطبيعة علاقات الدولة - قطاع الأعمل، ومدى شمولية الفرص الاقتصادية، جميعها عوامل تُسهم في رسم مسارات التنمية. وهذه العوامل كلّها ذات طابع سياسي في جوهرها. ومع ذلك، فإنّ توافر الموارد، أو على العكس شُحّها، يحدّد قدرة الحكّام العرب وإرادتهم السياسية، وكذلك قدرة أجهزتهم الحكومية، على توفير المنافع الاجتمعية لمواطنيهم. في أعقاب الانتفاضات العربية، أبدت الدول اتجاهات متباينة في التنمية الاقتصادية والاجتمعية. ففي حين استفادت البلدان الغنية بالنفط من أرباح استثنائية ناجمة عن استغلال قطاعَي النفط والغاز، واجهت معظم بلدان المنطقة الأخرى بيئة خارجية مختلفة تمامًا. ومنذ انتفاضات عام 2010، بدأت الاتجاهات المتعلقة بالتوظيف في القطاع العمومي، والاستثمر الاجتمعي ومخرجاته، وغيرها من أبعاد أنظمة الرعاية الاجتمعية العربية، تتباين بين أنماط الاقتصادات السياسية المختلفة في المنطقة على نحو أشد وضوحًا مم كان عليه سابقًا. ونتيجة لذلك، بات دور الدولة في الاقتصاد وفي دعم رفاه السكان يُعاش ويُخَتبَر بطرائق متفاوتة، إلى حدّ بعيد، في مختلف أنحاء المنطقة العربية.
1. التوظيف في القطاع العمومي
خلال الانتفاضات العربية، أدرك الحكام معنى سخط الجمهير حيال الظروف الاجتمعية الاقتصادية. وظلت العملة في القطاع العمومي مطلبًا رئيسًا، ولا سيم بالنسبة إلى السكان من الطبقة الوسطى الذين وجدوا أنفسهم في أوضاع محفوفة بمخاطر متزايدة19. ورًّدًا على الانتفاضات، حاولت بعض الحكومات في البداية استرضاء المظالم الشعبية، من خلال زيادة الأجور والإعانات وتوسيع العملة في القطاع العمومي. وتؤكد الجهود الهادفة إلى توسيع العملة الحكومية، على الرغم من عقودٍ من الضغط لخفض الإنفاق الحكومي، الطبيعة السياسية للتوظيف في القطاع العمومي في أعقاب الانتفاضات20. وقد زادت بعض البلدان، مثل الجزائر ومصر والأردن والمغرب والإمارات، حصة القطاع العمومي من العملة. وحتى الدول التي شهدت اضطرابات سياسية أقل، دفعها خوفها من "أثر عدوى المعارضة" إلى تبنّي سياسات ممثلة. فقدّمت دول الخليج، بالنظر إلى ما تتميز به من قطاعات عمومية متضخمة، رواتب ومنافع مُحسّنة للمواطنين، وهي سياسة تبنتها دول فقيرة مثل مصر والمغرب والأردن على نطاق أقل21. لكنّ الحكومات في دول الخليج أيضًا أخذت تؤكّد الحاجة إلى الحّد من فرص العمل في القطاع العمومي، على الرغم من أنها توفّر للمواطنين الأمان الطويل الأمد. فعلى سبيل المثال، زادت الإمارات، في أعقاب الانتفاضات العربية، دورَ القطاع العمومي في مجال التدريب والحوافز الأخرى التي تعزز العملة في القطاع الخاص22. وأطلقت الحكومة القطرية في عام 2018 الاستراتيجية الوطنية الثانية للتنمية (2022-2018)، من أجل تطوير البنية التحتية الاقتصادية وتنويع الاقتصاد وتطوير القطاع الخاص وتحسين إدارة الموارد الطبيعية وتحسين التنمية البشرية. أمّا خارج دول النفط الخليجية، فسررعان ما واجهت جهود توسيع فرص العمل في القطاع العمومي، بقصد تهدئة الاضطرابات الشعبية، قيودًا مالية. وبدأت الحكومات ذات الدخل المتوسط في مختلف أنحاء المنطقة بالحدّ من مثل هذه المبادرات وزيادة قمع الحقوق المدنية والسياسية. ففي مصر، خفضت الحكومة العملة الحكومية والإعانات وردعت الاضطرابات باستخدام القمع أو التهديد به. وكانت الانخفاضات في الوظائف الحكومية من بين أشدّها وضوحًا في المنطقة؛ إذ انخفضت من 35 في المئة من حصة مجموع العملة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى 21 في المئة في عام 201723. ونظرًا إلى وجود عدد قليل نسبيًا من بدائل القطاع الخاص الجذابة، لا يزال المواطنون يفضلون العملة الحكومية على عملة القطاع الخاص في البلدان العربية، بما في ذلك مصر والأردن وتونس واليمن24. ومع أنّ فرص العمل في القطاع العمومي لم تعُد جذابة كم كانت من قبل،
فإنهم لا يزالون يفضلونها على الخيارات الأخرى. وفي الموجة الأخيرة من استبيانات الباروميتر العربي التي عادةً ما تشهد مشاركة واسعة، ذكر ما يزيد على 60 إلى 70 في المئة من المستجيبين أنهم يفضلون الحصول على وظيفة حكومية. أمّا في البلدان الفقيرة والمتأثرة بالصراعات، حيث يُنظَر إلى مؤسسات الدول على أنها أقل موثوقية، مثل لبنان والمغرب والسودان، فإنّ الرقم أقل كثيرًا، لكنه لا يزال يتردّد حول 40 في المئة25.
2. الاستثمار في القطاع الاجتماعي
بعد الانتفاضات العربية، أخذ الاستثمر العمومي في الخدمات الاجتمعية وتوفيرها - وهي ركيزة أساسية للمواثيق الاجتمعية في مرحلة ما بعد الاستقلال - يتباعد على نحو ملحوظ في مختلف أنحاء المنطقة. فبلدان الخليج المرتفعة الدخل تزيد من الإنفاق على المنافع الاجتمعية للمواطنين، لكن النفقات تتفاوت على نحو ملحوظ حتى داخل هذه المجموعة، ويعتمد ذلك جزئيًا على مستويات الموارد من النفط والغاز. ففي البحرين، حيث احتياطيات النفط منخفضة، استهدفت خطة العمل الحكومية 2019 - 2022 خفض النفقات الحكومية مع الحفاظ على برامج التعليم والصحة الحكومية. وتتميز البحرين بنظام رعاية صحية شامل، يوفر الرعاية المجانية للمواطنين، ويدعم الرعاية للمقيمين. وفي عُمن، التي من المتوقع أن تنفد منها احتياطيات النفط والغاز في غضون عقدَين من الزمان26، حاولت الحكومة أيضًا خفض الإنفاق من خلال إعادة هيكلة أنظمة معاشات التقاعد والحمية الاجتمعية. وتقع قطر والإمارات، مع ارتفاع احتياطيات النفط والغاز وانخفاض عدد السكان، على الطرف الآخر من الطيف، الأمر الذي يمكّنهم من الحفاظ على منافع اجتمعية سخية نسبيًا للمواطنين، مثل الدخل المعفى من الضرائب، والرعاية الصحية المجانية، وخطط التقاعد السخية. أمّا السعودية فتحتل مكانًا أوسط من ناحية احتياطاتها النفطية المرتفعة، لكن مع تعداد كبير ومتزايد للسكان المواطنين. وبفضل الثروة النفطية، يتمتع البلد بتاريخ طويل من توفير الحمية الاجتمعية السخية للمواطنين. لكن شبكة الأمان الاجتمعي الموسعة تعاني سوء التوجيه؛ فحينم انخفضت أسعار النفط في عام 2014، سعت الحكومة لكبح الإنفاق الاجتمعي وخفض العجز. وفي عام 2016، أطلقت الحكومة برنامج التوازن المالي الذي يهدف إلى موازنة الميزانية بحلول عام 2020، لكن العجز ظل مرتفعًا مع انخفاض عائدات النفط وزيادة الإنفاق. وفي إطار خطة رؤية عام 2030، أطلقت الحكومة برنامج "حساب المواطن الموحد"، الذي يدمج برامج الحمية الاجتمعية لتحسين التوجيه، كم أطلقت استراتيجية متعددة المراحل للنمو والحد من الفقر27. وأمّا البلدان ذات الدخل المتوسط، فلديها حيز مالي أصغر كثيرًا من أن يفي بالتزام الدولة بتوفير المنافع الاجتمعية. ونتيجة لهذا، جرى إصلاح برامج الحمية الاجتمعية العامة في البلدان ذات الدخل المتوسط لكي تصبح وجهتها أدق. وفي عام 2015، استبدلت الحكومة المصرية خطة المعاشات الاجتمعية القديمة ببرنامَجيَن جديدين، يُدعى أولهم "تكافل"، ويستهدف الأسر التي لديها أطفال، ويُدعى الثاني "كرامة"، ويركز على المسّنيّن وذوي الاحتياجات الخاصة. وفي إجراء تكميلي، أطلقت الحكومة بعد ذلك برنامج "فرصة"، وهو يعمل بصفته آخر ملاذٍ للعامل28. يحظى الأردن، بين البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة العربية، بمتوسط مستويات أعلى للاستثمر الاجتمعي. فإنفاق الحكومة على الصحة مرتفع نسبيًا؛ إذ بلغ نحو 8.9 في المئة من الناتج المحلي الإجملي في عام 2020. ومع ذلك، لا يغطي التأمين الصحي العمومي والخاص معًا سوى 55 في المئة من السكان29. وبسبب الافتقار إلى الموارد النفطية، أولى الأردن التعليمَ الأولويةَ. ويميل من يستطيعون تحمّل التكاليف إلى إرسال أطفالهم إلى المدارس الخاصة التي تستوعب حوالى ربع إجملي الطلاب30. تمتعت تونس تاريخيًا بنظام حمية اجتمعية كبير ومتطور مع العديد من خطط التأمين الاجتمعي، والإعانات، والتحويلات النقدية، والتأمين الصحي. ومع ذلك، وكم هو الحال في البلدان العربية الأخرى، فإنّ إعانات الغذاء والطاقة سيئة التوجيه وغير فعّالة؛ مم يحمّل الميزانية العامة عبئًا ثقيل31 ولا يعالج نظام الحمية الاجتمعية على النحو الملائم ارتفاع البطالة بين الشباب والعمل غير
الرسمي32. ويكرّس دستور عام 2014، في تونس، الحق في المساعدة الاجتمعية، بما في ذلك الحق في الرعاية الصحية. وبناءً على ذلك، دعت أول خطة إنمائية خمسية للحكومة بعد الثورة، في الفترة 2016 - 2020، إلى سياسات للحد من معدل الفقر المدقع من 4.6 في المئة في عام 2010 إلى 2 في المئة بحلول عام 2020، وهو هدف حقق بعض النجاح. ولمعالجة الَّدَين العام المتزايد، رفعت الحكومة ضريبة القيمة المضافة في إطار قانون المالية 201833. قد أثارت هذه وغيرها من تدابير التقشف احتجاجات، استجابت لها الحكومة بمجموعة من الإصلاحات الاجتمعية، بما في ذلك المساعدات الطبية المجانية للشباب العاطلين عن العمل، وزيادة معاشات التقاعد الحكومية، والمساعدة المالية للأسر الفقيرة، وإنشاء صندوق الإسكان. وعلى الرغم من هذا، فإنّ القمع في تصاعد مع عودة البلاد إلى السلطوية في عهد الرئيس قيس سعيّد. وأمّا في الجزائر، فقد ساعدت عائدات النفط والغاز الحكومة في الحفاظ على منافع صحية مرتفعة نسبيًا؛ حيث يشمل نظام الرعاية الصحية، الممول من القطاع العمومي، المرضى الذين يعانون أمراضًا مزمنة برعاية مجانية. وفي الوقت نفسه، وطوال أكثر من عقد من الزمن، ظل عمل القطاع الصحي ينظمون احتجاجات للمطالبة بتحسين ظروف العمل، وتحسين المعدات والبنى التحتية الصحية34. نجد، في المقابل، أنّ العراق، في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدّام حسين، لم يستثمر إلا أقل قدر ممكن في البرامج الاجتمعية العامة، على الرغم من احتياطاته النفطية الضخمة. فلا يزال الإنفاق الحكومي على الصحة منخفضًا؛ إذ بلغ 4 في المئة فقط من الميزانية في عام 2019. وبالمثل، أدى انخفاض الاستثمر العمومي والصراعات المتعاقبة إلى تدهور النظام التعليمي. ومن المتوقع لأطفال العراق أن يكملوا 6.9 سنوات فقط من الدراسة، مقارنة ب 11.3 سنة في عموم المنطقة العربية35. وعلى الرغم من سجّل الأداء الرديء، فإنّ نظام الحمية الاجتمعية في العراق يفرض عبئًا ثقيلًا على ميزانية الدولة: في الفترة 2005 - 2012، شكلت المعاشات التقاعدية والإعانات والمنافع الاجتمعية نحو 20 في المئة من النفقات العامة36. ونظرًا إلى أنّ هذه البرامج ممولةٌ عمومًا من عائدات النفط، وهي عائدات شديدة التأثر بتقلبات الأسعار العالمية، وليست من عائدات الضرائب المحلية، فإنها لا تحظى بالاستدامة المالية37. في المتوسط، توفر البلدان العربية، المنخفضة الدخل والمتأثرة بالصراعات، أدنى مستويات الحمية الاجتمعية لمواطنيها، وتظهر في بعض الحالات انتكاسات كبرى في الظروف الاجتمعية. وتشكّل الحروب والصراعات العنيفة في المنطقة عاملًا رئيسًا، يقِّوّض الاتجاهات نحو تحسين التنمية البشرية في هذه البلدان. فقبل الانتفاضات العربية، عملت سنوات الحرب والعقوبات الاقتصادية على عكس التقدم الذي أحرزه العراق في وقت سابق. وتسببت الأزمة السياسية المطولة في ليبيا، بعد ثورة 17 فبراير 2011، مع صراع حكومتين متنافستين من أجل السيطرة على البلاد، في دفعها إلى حالة من الفوضى، وتقييد قدرة السلطات العامة على ضمن النفاذ إلى الخدمات الاجتمعية الأساسية. وعوّق فراغ الحكم هذا الاستجابة الطارئة للدمار الواسع الذي أحدثته الفيضانات وانفجار سَّدَين في أيلول/ سبتمبر 2023، حيث أ بلغ عن وفاةُ أكثر من 11300 شخص وفقدان أكثر من 10000 في مدينة درنة وما حولها38. وأدت الحروب في سورية واليمن إلى أزمات إنسانية كبرى في المنطقة. ففي سورية، دمّرت الحرب البنية التحتية للصحة والتعليم. وعلى الرغم من الحمية التي يوفرها القانون الدولي، ظلت المرافق الصحية هدفًا للعنف، ودُِّمِر أكثر من نصف البنية التحتية الصحية بسبب الهجمت على المرافق الطبية39. وقد بات نظام الرعاية الصحية يعتمد في تمويله اعتمدًا واسعًا على الأمم المتحدة والوكالات الأخرى، مع أنّ المنظمت التي تخدم في سورية بدأت تشهد انخفاضًا في التمويل؛ إذ تركز الدول المانحة على أولويات محلية ودولية أخرى. لقد دمرت الحرب الأهلية نظام التعليم؛ إذ استُخدمت المباني المدرسية لأغراض عسكرية. وأدى التعرض للعنف إلى تضاعف عدد الأطفال الذين تظهر عليهم
أعراض الاضطراب النفسي في عام 2020. وبلغ عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس في سورية 2.45 مليون طفل في عام 2021، في حين بلغ عدد الأطفال اللاجئين غير الملتحقين بالمدارس في البلدان المجاورة 750000 طفل40. وفي اليمن أيضًا، دُِّمِرَت البنية التحتية للرعاية الاجتمعية، على الرغم من أنّ البرامج الاجتمعية الحكومية قبل الحرب كانت أقل تطورًا كثيرًا مم كانت عليه في معظم البلدان العربية الأخرى41. ومنذ بداية الصراع في آذار/ مارس 2015، دمرت الهجمت والاشتباكات المسلحة النظام التعليمي. وبسبب عجز الحكومة عن دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية، لم يحصل قرابة 75 في المئة من معلمي المدارس الحكومية في حوالى نصف محافظات البلاد على رواتب طوال أكثر من عامين، وهو الوضع الذي تفاقم مع تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-). وأدى الصراع في اليمن إلى تدهور نظام الرعاية الصحية الذي أفضى، حينم اقترن بانعدام الأمن الغذائي وزيادة التعرض للأمراض، إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم. فلا يعمل سوى أقل من نصف المرافق الصحية، ثمّ إنّ الأمراض المعدية عادت إلى الظهور. وكانت الحكومة قد سبق أن قدمّت سلسلة من الخطط لإنشاء الحد الأدنى من شبكات الأمان الاجتمعي42، لكن الحرب عطلت هذه الخطط. وعلى سبيل المثال، فإنّ صندوق الرعاية الاجتمعية، وهو البرنامج الوطني الرائد للحمية الاجتمعية الذي قدم تحويلات نقدية فصلية إلى 1.5 مليون مستفيد، قد أوقف عملياته في خضم الصراع المتواصل43. عمومًا، كان لجائحة فيروس كورونا آثار مدمرة في نظم الرعاية الاجتمعية وخطط الحمية والمساعدة الاجتمعية في جميع أنحاء المنطقة العربية؛ ما أدى إلى تفاقم عدم المساواة الموجودة من قبل بين بلدان المنطقة وضمن البلد الواحد على حد سواء. اعتمدت حكومات الدول العربية أكثر من 195 تدبيرًا للحمية الاجتمعية، ركزت على نحو كبير على التحويلات النقدية والعينية، لكنها استهدفت أيضًا دعم الُّنُظم الصحية، واستحقاقات الإجازات، وحمية البطالة44. وتفاوت مدى تبنّي الحكومات مثل هذه المبادرات وفقًا للحيز المالي. وكشفت الجائحة أيضًا عن الحاجة إلى تقديم المساعدة الاجتمعية إلى فئات أبعد من الفقراء، وإلى معالجة ظروف الضعف التي تواجه القطاع غير الرسمي والعمل المهاجرين غير المؤهلين للاستفادة من برامج الحمية الاجتمعية الوطنية45. ترتبط الظروف الاجتمعية الاقتصادية والسياسية المتنوعة في الاقتصادات السياسية المختلفة في المنطقة بنتائج اجتمعية مختلفة؛ إذ تكون البلدان الأكثر ثراءً أقدر على دفع التحسينات المتعلقة برفاه الإنسان واستدامتها. ووفق مقياس غير مباشر، تشير معدلات التلقيح إلى قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية، على الرغم من أنها تعكس أيضًا دعم المانحين في البلدان الفقيرة. يبّين الشكل (2) أنّ النسبة المئوية للأطفال الذين تلقوا لقاحات أساسية تتفاوت تفاوتًا ملحوظًا بين بلدان المنطقة؛ إذ تتمتع البلدان المرتفعة الدخل بمعدلات تلقيحٍ مرتفعة، ويتزايد انخفاض هذه المعدلات في البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل. وقد تباينت المعدلات على نحو أكثر حدة في أعقاب الانتفاضات العربية؛ إذ سجّلت الدول ذات الدخل المنخفض انخفاضًا شديدًا في تلقيح الأطفال، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى سنوات الحرب والعنف الممتدة. وتُظهر البلدان المتوسطة الدخل، أيضًا، انخفاضًا في معدلات التلقيح، لا سيم في العقد الذي تلا الانتفاضات العربية. وفي الوقت نفسه، ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، حافظت الاقتصادات ذات الدخل المرتفع واقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على معدلات تلقيحٍ للأطفال مرتفعة نسبيًا. على الرغم من نكوص الدولة، منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين فصاعدًا في العديد من البلدان العربية، لا سيم البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة، ما يزال المواطنون يتوقعون أن تفي الدول بتعهداتها الضمنية والصريحة المتعلقة بضمن الرفاه الأساسي لسكانها. واستنادًا إلى بيانات حديثة من الباروميتر العربي، يورد الشكل (3) النسبة المئوية للمستجيبين الذين يعتقدون أنّ الصحة والتعليم ينبغي أن يكونا في مقدمة الأولويات بالنسبة إلى نفقات القطاع العمومي في بلدانهم.
الشكل (2) معّدلّات التلقيح بحسب مجموعات الدخل في بلدان المنطقة العربية (2020-1980)
رً(التطعيم الثDPT) (% ا شه 23–12)من ا طفال بعمر
السنة
الشكل (3) تفضيلات المواط ينن لاستثمرات الحكومة في القطاعات الاجتمعية
يبّين الشكل (3) تباينًا كبيرًا بين البلدان، لكن الإنفاق الاجتمعي مهم بالنسبة إلى معظم الناس في معظم البلدان، على اختلاف مستويات الدخل. فعلى سبيل المثال، في مصر وفلسطين والكويت، يؤيد أكثر من نصف المستجيبين زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم. وهذا الرقم هو الأدنى في لبنان، حيث الخدمات الاجتمعية رديئة وتفتقر إلى المساواة في التوزيع، ومع ذلك واجه البلد العديد من الكوارث الطارئة في السنوات الأخيرة؛ ومن ثمّ، فإنّ المواطنين اللبنانيين لديهم كثير من الأولويات التي تتنافس على سلّم اهتممهم. والأرجح أنّ تفضيلات الاستثمر في القطاع العمومي المتنوعة تعكس أنماطًا تاريخية، مع إنفاق حكومي مكثف وتوفير الخدمات الاجتمعية في معظم بلدان المنطقة، ولكن ذلك ليس في جميعها. مع تراجع الأشكال العمومية للمساعدة والحمية الاجتمعية، تطورت نُظم الرعاية الاجتمعية لتشتمل على مقاربات موَّجَهة أكثر فأكثر. وتُعَدّ برامج التحويلات النقدية مقاربة سياسية متزايدة الشعبية، تقدمها المؤسسات المالية ووكالات المعونة الدولية التي ترى أنها وسيلة أشدّ فاعلية لدعم الأسر ذات الدخل المنخفض. وتتحول بلدان في مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك العراق والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين وتونس، إلى برامج التحويلات النقدية من أجل تخفيف حدّة الفقر. ولمخططات هذه التحويلات النقدية تنويعات مميزة؛ إذ توفر برامج التحويل النقدي المشروط النقد للأشخاص دون عتبة فقر معينة، في مقابل المشاركة في برنامج أو إنجاز سلوك معّين؛ مثل تسجيل الأطفال في المدرسة، أو حضور الفحوصات الطبية المنتظمة، أو البحث عن وظيفة. ولا تتطلب برامج التحويل النقدي غير المشروط مثل هذه الالتزامات لتلقّي المدفوعات. وتشبه مثل هذه البرامج مخططات الدخل الأساسي الشاملUniversal Basic UBI Income, لكنها غير موجّهة، ولذلك فهي شبه شاملة46. وتعتمد وكالات المعونة الإنسانية على نحو متزايد برامج التحويلات النقدية. فعلى سبيل المثال، نفّذت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في عام 2013 برنامج تحويل نقدي لُأسر اللاجئين السوريينُ في لبنان، استهدف الأسر في المناخات الباردة خلال أشهر الشتاء، إضافة إلى مساعدة اللاجئين في تلبية احتياجاتهم الأساسية. ووجد كريستيان ليهمن ودانيال ماسترسون47 أنّ البرنامج قلّل من التوترات الاجتمعية بين المواطنين اللبنانيين واللاجئين السوريين. وفي اليمن، ثمة من يرى أنّ برامج التحويلات النقدية كانت أشد فعالية في تقديم المساعدة للفقراء، وسهولة تجاوز المجموعات المسلحة التي كانت تجمع المساعدات الغذائية لدعم سيطرتها على السكان48. تشير الأدلّة إلى أنّ برامج التحويلات النقدية فعّالة في تخفيف آثار الفقر، إلا أنها ليست دواءً لكل داء. وتتعرض هذه البرامج للنقد على أساس أنّ معايير التوجيه الخاصة بها قد تكون مَعيبة أو متلاعبًا بها. فعلى سبيل المثال، في تحليلٍ لبرنامج "تكافل" الأردني للتحويل النقدي، يسلط تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الضوء على حدود هذه المقاربة؛ ذلك أنّ الاعتمد على تكنولوجيا البيانات المكثفة لتحديد الأهلية وتقديم الأموال يظلّ عرضة ل "الخطأ وسوء الإدارة والفساد"، ويخفق في الوصول إلى المستفيدين المؤهلين. وعلاوة على ذلك، يخلق النفاذ المتنوّع إلى البرنامج "توترات اجتمعية وتصورات عن الظلم"49. والأهمّ من ذلك أنّ برامج التحويلات النقدية لا تعالج جذور الفقر البنيوية، وقد تحلّ محلّ مقارباتٍ للضمن الاجتمعي أشدّ ارتكازًا على الحقوق.
3. الإعانات
شكّلت إعانات الدعم للسلع الاستهلاكية الأساسية بندًا رئيسًا في أنظمة الرعاية الاجتمعية العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال، في سياق أنظمة الحمية الاجتمعية الرسمية المُتخِّفلِة. وتخلق هذه الإعانات، ما إن يتمّ إقرارها، فئات مستهدفة متينة ويصعب تفكيكها. غير أنّ الإعانات الشاملة تفرض أعباءً ثقيلة على ميزانيات الدول، ولها آثار انتكاسية؛ لأنّها تُطَبَّق بالتساوي على جميع فئات الدخل، في حين أنّ فئات الدخل الأعلى هي الأكثر استهلاكًا للغذاء، والوقود خصوصًا، مم يجعلها تجني منهم منافع أكبر. شهدت البلدان العربية المرتفعة الدخل، في عقد ما بعد الانتفاضات، انخفاضًا أوليًا في إعانات الوقود بلغ نحو 5 في المئة، ثم حافظت تلك الإعانات منذ ذلك الحين على مستويات ثابتة نسبيًا. وفي البلدان المتوسطة الدخل، انخفضت إعانات الوقود انخفاضًا حاًّدًا، على الرغم من ارتفاع مستويات الاعتمد على هذه الإعانات لدى سكانها. وفي البلدان المنخفضة الدخل، حيث يكون الحيز المالي مقيدًا إلى أقصى حد، كانت مستويات إعانات الوقود أقل كثيرًا في الأصل وزادت بنسبة طفيفة على مدى عقد ما بعد الانتفاضات العربية.
لقد دأبت دول الخليج المرتفعة الدخل والغنية بالنفط، بقدراتها المالية الهائلة، في دعم الوقود للمواطنين والمقيمين. غير أنّ حكوماتها، مع هبوط أسعار النفط والغاز الدولية، أخذت تبحث عن سُبلٍ لتوفير المال. وفي عام 2016، سمحت الحكومة القطرية لأسعار الغاز والديزل المحلية بالتذبذب مع الأسواق الدولية. ومع ذلك، تُعدّ قطر، إلى غاية كتابة هذه الدراسة، آخر دولة خليجية حيث الكهرباء والمياه مجانية للمواطنين50. وحاولت الحكومة الإماراتية وقف بعض المنافع الاجتمعية السخية الممنوحة للمواطنين. ففي عام 2008، اعتمدت دبي إصلاحات تسعير الكهرباء والمياه، ورفعت الأسعار مرة أخرى في عام 2011. وفعلت أبوظبي الأمر نفسه في عام 2015. وفي جميع أنحاء الإمارات، أ لغي دعمُ الوقود، مع تحديد الأسعار شهريًا على أساس الأسواق العالمية، وخلافًا لدول الخليج الأخرى، فإنّ الأسعار متعادلة للمواطنين والمغتربين51. ومع فرض مزيد من القيود المالية، مقارنةً بغيرها من بلدان الخليج الغنية بالنفط؛ نظرًا إلى ارتفاع عدد سكانها نسبيًا، سعت الشكل (4) إجملي إعانات الوقود بوصفه نسبة مئوية من الناتج الإجملي المحلي في مجموعات دخول البلدان العربية
الحكومة السعودية أيضًا لخفض إعانات الدعم وزيادة الضرائب. وفي عام 2015، أعلن ولي العهد، الأمير محمد بن سلمن، عن خطة لرفع أسعار الطاقة إلى المستويات الدولية بحلول عام 202052، مع أنّ الحكومة حددت في عام 2021 سقفًا لسعر البنزين المحلي من أجل تخفيف العبء على السكان. وأدخلت الحكومة في السنوات الأخيرة ضريبة القيمة المضافة، وأزالت بدل تكلفة المعيشة53؛ ما ضاعف ضريبة القيمة المضافة ثلاث مرات، من 5 في المئة إلى 15 في المئة، لتعويض أثر انخفاض أسعار النفط في إيرادات الدولة54. من أجل زيادة الإيرادات من دون خفض النفقات، أدخلت البحرين ضريبة القيمة المضافة في عام 2019. ومن أجل الحدّ من العجز في الميزانية الناجم عن انخفاض أسعار النفط، سعت الحكومة البحرينية للحدّ من العملة في القطاع العمومي، وخفض دعم المياه والطاقة، وتحسين توجيه المساعدات الاجتمعية، وزيادة العائدات
غير النفطية. وبين عامَي 2015 و 2017، خفضت هذه الجهود العجز في الميزانية من 13- في المئة إلى 10.1- في المئة من الناتج المحلي الإجملي55. وفي عُمن، خفضت الحكومة أيضًا الدعم، وفي عام 2021، أصبحت أول دولة خليجية تعلن عن خطط لفرض ضريبة على أصحاب الدخول الأعلى56. من بين البلدان العربية المتوسطة الدخل، تتميز بلدانٌ بقدرة مالية متفاوتة على الحفاظ على الإعانات؛ فعلى الرغم من ثروة العراق النفطية، أنتج الفساد وسوء الإدارة مشكلات اقتصادية مزمنة في البلد. ونتيجة لهذا، حاول صناع القرار خفض إعانات الدعم. وفي عام 2016، أصلحت الحكومة العراقية نظام التوزيع العام، وهو أكبر برنامج دعم عام في العالم لتوزيع الغذاء، من أجل قصَر الوصول على ذوي الدخل المنخفض، لكن الحكومة كانت مترددة في إصلاح النظام نظرًا إلى عدم وجود شبكات أمان فعّالة أخرى57. وفي العام نفسه، قدمت الحكومة مشروع قانون التأمين الاجتمعي الجديد الذي يهدف إلى تحسين استدامة البرنامج مع توسيع التغطية والإنصاف، لكن هذه الإصلاحات لم تعالج احتياجات السكان على نحوٍ كافٍ. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2019، احتج مواطنون على الفساد والبطالة وضعف الخدمات العامة، وهذه الاحتجاجات هي جزء من انتفاضة تشرين. واستجابةً لذلك، عرضت الحكومة تنازلات جزئية إلى جانب القمع. هدأت الانتفاضة مع القيود المفروضة على التجمعات الشعبية خلال تفشي جائحة فيروس كورونا؛ ما شكّل نهاية أكبر وأطول حركة احتجاجية منذ عام 200358. واتّبعت مصر، في شأن الإعانات، اتجاهًا إقليميًا لزيادة الأسعار بين الحين والآخر، مع إيلاء خفض إعانات الطاقة الأولوية، مع تجنب إجراء تخفيضات كبيرة في إعانات الغذاء. غير أنّ الحكومة اعتمدت في عام 2019، مع تزايد عدد المستفيدين من الإعانات الغذائية، إصلاحات لاستبعاد أكثر المستفيدين ثراء59. وقبل ذلك، في عام 2016، أعلنت عن ضريبة للقيمة المضافة بنسبة 13 في المئة وارتفعت إلى 14 في المئة في عام 2017؛ ما أثقل كاهل الفقراء على نحو غير متناسب. وكانت تدفقات كبيرة من المساعدات الخارجية، في المقام الأول من الخليج الذي أفادت تقارير أنّه قدّم حوالى 92 مليار دولار من المساعدات إلى مصر بين عامي 2011 و 2019، قد وفرت الدعم لميزانية الدولة. وتجنبت الدولة احتجاجات جمهيرية من خلال مزيج من "الجزرة والعصا"، بما في ذلك الوعود باستعادة الدعم أو التهديد بالعنف60. وعمل الأردن على خفض دعم الغذاء والطاقة، وراوحت سياساته في السنوات الأخيرة بين رفع الأسعار وإعادة تقديم الدعم. وفي عام 2008، بدأت الحكومة خطة لإصلاح أسعار الطاقة المحلية، لكنها عكست خططها بعد اندلاع الاحتجاجات خلال الانتفاضات العربية. وفي عام 2012، اضطرت الحكومة مرة أخرى إلى الحد من الإنفاق العام، بما في ذلك إعانات دعم الوقود، في إطار اتفاق صندوق النقد الدولي الذي يهدف إلى معالجة التوترات الاقتصادية المرتبطة بأزمة اللاجئين السوريين. وقد قوبل هذا الإصلاح أيضًا باحتجاجات، استجابت لها الحكومة بإنشاء برنامج التحويلات النقدية المباشرة للأسر الفقيرة61. وفي عام 2018، أدت الإصلاحات الحكومية مرة أخرى إلى المعارضة، وكانت هذه المرة متعلقة بقانون الضرائب الصارم الجديد الذي أقره صندوق النقد الدولي. ومع استمرار الحكومة في خفض الإنفاق، لم يتمكن القطاع الخاص من معالجة الركود؛ ما ترك الاقتصاد في أزمة مستمرة62. وفي عام 2014، حينم شرعت الحكومة اليمنية في استيراد الوقود لتعويض النقص في الإنتاج المحلي، أجبرها العبء المالي على رفع أسعار الطاقة المحلية63. لكنها سرعان ما عكست المسار؛ إذ كانت أضعف من أن تتحمل ضغوط الاحتجاجات، لا سيم من المعارضة الحوثية، وأعادت سياسة الدعم.
4. القمع
إذا كانت المنافع الاجتمعية هي "الجزرة"، فإنّ القمع - أو التهديد بالقمع - هو "العصا" في عدة أدوات السلطوية. ومع تراجع دول المنطقة العربية عن عناصر رئيسة في المواثيق الاجتمعية لما بعد
الاستقلال، زاد بعضها من القمع لكبح الاحتجاجات القائمة أو المتوقعة. ويبّين الشكل (5) مستويات عنف الدولة ضد المدنيين من عشية الانتفاضات العربية إلى عام 2023 في بلدان عربية مختارة، حيث تشير القيم الأعلى على مقياس من 0 إلى 1 إلى مزيد من القمع. كم يشير الشكل (5)، يقع القمع الحكومي في بلدان من جميع فئات الدخل في المنطقة. ففي البلدان الصغيرة في منطقة الخليج الغنية، يحصل المواطنون على مجموعات سخية نسبيًا من المنافع؛ ما يمنحهم سببًا أقل إلحاحًا للسخط، ومعظم المقيمين هم من غير المواطنين الذين لا يتمتعون بالحقوق المدنية والسياسية، فلا يمكنهم الاحتجاج على سياسات الدولة. والأمر الأشدّ جوهرية هو أنّ دول الخليج تمارس رقابة محكمة على سكانها، فتتجنب الحاجة إلى تطبيق عمليات قمع صريحة لردع الاضطراب الاجتمعي. يختلف الأمر في البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل في المنطقة، حيث وقعت أغلب الاحتجاجات خلال موجات الانتفاضات العربية.
دول مرتفعة الدخل اغرب الكويت
وفي هذه البلدان، يعاني الجميع باستثناء الأغنياء ظروفًا معيشية محفوفة بالمخاطر على نحو متزايد، ويتصاعد السخط تصاعدًا مطّردًا. ففي مصر، حيث نفّذت حكومة عبد الفتاح السيسي بعض أكبر تخفيضات الإنفاق الاجتمعي في المنطقة، ارتفع عنف الدولة ارتفاعًا حادّا، ولكن خفّت حدّته بعد ذلك، ويرجع هذا جزئيًا إلى أنّ القمع كان سببًا في ردع التعبير الصريح عن السخط بين السكان. ومن بين البلدان المتوسطة الدخل، شهدت الجزائر ارتفاعًا في القمع ضد المعارضين. وفي البلدان ذات الدخل المنخفض، لا سيم السودان وسورية واليمن، كان عنف الدولة مرتفعًا على نحو خاص في سياق الصراعات المستمرة، ولكنّ عنفها انخفض في السنوات الأخيرة. ويبقى أن نرى كيف سيتطور هذا المزيج المعروف من "الجزرة والعصا" في سورية الجديدة تحت قيادة الأمر الواقع في فترة ما بعد سقوط نظام آل الأسد. الشكل (5) عنف الدولة في بلدانٍ مختارة من المنطقة العربية (2023-2008)
اتجاهات عنف الحكومات ك تعكسه مؤات حقوق السمة الجسدية)تش القيم اع إ انتهاكات أشد (
دول متوسطة الدخل دول منخفضة الدخل تونس ا ردن
| لبنان | و س | ا ردن | |||||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| عُ ن | |||||||||||
| ا مارات | العربية ا | تحدة | الجزائر | الس | سودان | اليمن | |||||
| البحرين | |||||||||||
| البحرين | الع م¤ | عراق | و ن | ||||||||
| السعودية | ة | ليبيا | سورية | ||||||||
0.4 القيمة
سورية
السنوات
لقد ظهر نمط عام بعد الانتفاضات، إذًا، حيث زادت دول المنطقة العربية - لا سيم في البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة - المنافع الشعبية في البداية، لكنها تخلّت عن ذلك تدريجيًا لمصلحة جهود متجددة لسَِّنِ سياسات التقشف والمساعدة الاجتمعية الموجهة. ولذلك شدّدت حكومات عديدة الإجراءات القمعية، بل أخذت تجرّم المطالب الاقتصادية، لا السياسية فحسب64. وقد اختلفت هذه السياسات باختلاف البلدان، ويرجع هذا جزئيًا إلى مستويات الدخل الوطني المتباعدة التي توفّر للحكام مستويات مميزة من الحيز المالي.
استنتاجات
حَلّلتُ، في هذه الدراسة، الدول العربية من خلال تطوّر المواثيق الاجتمعية بين الحكام والمحكومين في مختلف أنحاء المنطقة. ويكشف هذا التحليل عن تباعد متزايد بين الدول العربية؛ وهو نمط سبق الانتفاضات العربية لكنه تفاقم في أعقابها. وبدلًا من نموذجٍ واحدٍ للدولة العربية، تُسلّط استجابات الحكام للانتفاضات، أو التهديد بالانتفاضات، الضوء على المسارات المميزة لتفاعل الدولة مع شعوبها في مختلف أنحاء المنطقة العربية. ويُعدّ هذا التباين أشدّ وضوحًا في الفجوة بين الدول الغنية في الخليج وبقية المنطقة. ففي المجموعة الأولى من البلدان، يواصل الحكّام توفير المنافع الاجتمعية لمواطنيهم، حتى في الوقت الذي يشددون فيه على ضرورة تعزيز دور القطاع الخاص في جميع جوانب الاقتصاد، بما في ذلك القطاعات الاجتمعية. وقد مكن الحيّز المالي السخي، نسبيًا، بلدان الخليج من متابعة خطط تنموية طموحة، ومن أداء أدوار أشدّ أهمية في المجالين الإقليمي والعالمي. وفي البلدان العربية المتوسطة الدخل، بما في ذلك البلدان التي تملك عائدات نفطية والتي لا تملكها، يكشف الواقع العام عن تراجع الخدمات الاجتمعية واتجاه عام نحو زيادة قمع المواطنين أو تهديدهم به. وفي أعقاب الانتفاضات، سعى الحكام الجدد أو الحاليون في البداية لتهدئة المطالب الشعبية من خلال زيادة الإنفاق الاجتمعي والعملة في القطاع العمومي. ومع ركود التنمية الاقتصادية وتصاعد أزمات الَّدَين، أعطت الدولُ خدمةَ الَّدَين الأولويةَ على الاستثمر في القطاعات الاجتمعية. واستلزمت الجهود الهادفة إلى تنفيذ تدابير التقشف تحولًا نحو برامج مساعدة اجتمعية موَّجَهة أكثر فأكثر، وفرضت عقبات إضافية أمام الحراك الاجتمعي. أخيرًا، شهدت البلدان المنخفضة الدخل في المنطقة أزمات إنسانية كبرى، تُعزى عمومًا إلى طول أمد الحروب والصراعات. وتميل الدول في هذه الحالات إلى حيازة سيطرة جزئية فحسب على أقاليمها الترابية الوطنية، في حين تحكم المجموعات المسلحة والزعمء المحليون المناطق المتبقية، بدعم خارجي في كثير من الأحيان. وفي هذه السياقات، يكون السكان إزاء سلطات دولة وبرامج رفاه عمومية لا تقدم سوى القليل من الدعم، هذا إن قدّمته. باختصار، تشير مراجعة المواثيق الاجتمعية في المنطقة العربية إلى التباعد المتزايد بين أشكال الدول وأنماط علاقات الدولة - المجتمع في مختلف أنحاء المنطقة بعد الانتفاضات العربية. لقد كشفت هذه الانتفاضات، منذ عام 2010 وما تلاه، عن أوجه قصور عميقة في الدول العربية، لا سيم في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. ومع أنّ سردية "الشتاء العربي" تعلن نهاية الانتفاضات، فإنّ الأمر لم ينته بعد؛ إذ تشير موجات متجددة من الحراك الجمهيري في عام 2019 في بعض أنحاء المنطقة إلى أنّ الحكومات فشلت في معالجة الجذور الكامنة للسخط. ويشكّل تدهور البنية التحتية للرعاية الاجتمعية والبرامج الاجتمعية العمومية شاغلًا محوريًا، لا سيم بالنسبة إلى الفقراء، وعلى نحو متزايد بالنسبة إلى الطبقة الوسطى التي تشهد تضاؤل فرصها في البقاء. إنّ بناء أنظمة رعاية اجتمعية أوسع شمولًا يتطلب تحولات سياسية جوهرية، وهو ما يهدد الساسة الحاليين الذين جرّموا حتى المطالبات غير السياسية نسبيًا بالإصلاح وقمعوها على نحو متزايد.
المراجع
Abouzzohour, Yasmina. "Oman, Ten Years after the Arab Spring: The Evolution of State-Society Relations." Arab Reform Initiative. vol. 9 (2021).
Al Sakbani, Nisreen & Juline Beaujouan. "Education in Syria: Hidden Victim of the Conflict or Weapon of War?" Journal of Peace Education (2024).
Al-Ajlouni, Reem & Abeer Al Rabayah. "Will Jordan Be Closer to UHC after the COVID-19 Pandemic?" Journal of Global Health. vol. 10, no. 2 (2020).
Assaad, Ragui. "The Effects of Public Sector Hiring and Compensation Policies on the Egyptian Labor Market." The World Bank Economic Review. vol. 11, no. 1 (1997).
Assaad, Ragui & Caroline Kraf (eds.). The Egyptian Labor Market in an Era of Revolution. Oxford: Oxford University Press, 2015.
Assaad, Ragui & Ghada Barsoum. "Public Employment in the Middle East and North Africa." IZA World of Labor (August 2019).
Assessment Capacities Project.(ACAPS). Update on the Impact of Storm Daniel in Derna District. Thematic Report (15/9/2023).
Barnett, Carolyn. Workforce Development in Tunisia and Jordan: Changing Attitudes under New and Old Systems. Center for Strategic and International Studies. Washington, DC: 2015. at: https://acr.ps/1L9F2B7
Blaydes, Lisa. Elections and Distributive Politics in Mubarak's Egypt. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.
Braithwaite, Jeffrey et al. (eds.). Health Systems Improvement Across the Globe: Success Stories from 60 Countries. London: CRC Press, 2017.
Brooke, Steven. Winning Hearts and Votes: Social Services and the Islamist Political Advantage. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2019.
Cammett, Melani. Compassionate Communalism: Welfare and Sectarianism in Lebanon. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2014.
Cammett, Melani & Lauren M. MacLean. The Politics of Non-State Social Welfare. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2014.
Cammett, Melani et al. A Political Economy of the Middle East. Boulder, CO: Westview Press, 2015.
Cardarelli, Roberto, Mercedes Vera-Martín & Subir Lall. Promoting Inclusive Growth in the Middle East and North Africa: Challenges and Opportunities in a Post-Pandemic World. Washington, DC: International Monetary Fund, 2022.
Chelak, Khushbu & Swarupa Chakole. "The Role of Social Determinants of Health in Promoting Health Equality: A Narrative Review." Cureus. vol. 15, no. 1 (2023).
Chen, Bradley & Melani Cammett. "Informal Politics and Inequity of Access to Health Care in Lebanon." International Journal for Equity in Health. vol. 11, no. 23 (May 2012).
Corstange, Daniel. The Price of a Vote in the Middle East: Clientelism and Communal Politics in Lebanon and Yemen. Cambridge: Cambridge University Press, 2016.
Desai, Raj M., Anders Olofsgård & Tarik M. Yousef. "The Logic of Authoritarian Bargains." Economics & Politics. vol. 21, no. 1 (2009).
Devereux, Stephen. "Social Protection and Safety Nets in the Middle East and North Africa." Report. Institute of Development Studies and partner Organisations. 2016. at: https://acr.ps/1L9F374
Devi, Sharmila. "Health in Syria: A Decade of Conflict." The Lancet. vol. 397, no. 10278 (2021).
Diwan, Ishac & Ahmed Galal (eds.). The Middle East Economies in Times of Transition. London: Palgrave Macmillan, 2016.
Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA). Social Protection Country Profile: Tunisia (Beirut: 2016). at: https://acr.ps/1L9F2EQ
Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA). Targeted Social Protection in Arab Countries before and During the COVID-19 Crisis. 2021. at: https://acr.ps/1L9F2Tr
Galal, Ahmed & Hoda Selim. "The Elusive Quest for Economic Development in the Arab Countries." Middle East Development Journal. vol. 5, no. 1
Gentilini, Ugo et al. Exploring Universal Basic Income: A Guide to Navigating Concepts, Evidence, and Practices. Washington, DC: World Bank Publications, 2019.
Hertog, Steffen. Locked Out of Development. Cambridge: Cambridge University Press, 2023.
Heydemann, Steven. "Rethinking Social Contracts in the MENA Region: Economic Governance, Contingent Citizenship, and State-Society Relations after the Arab Uprisings." World Development. vol. 135 (November 2020).
Human Rights Watch. Automated Neglect: How the World Bank's Push to Allocate Cash Assistance Using Algorithms Threatens Rights. 2023. at: https://acr.ps/1L9F2T0
International Crisis Group. Iraq: Staving Off Instability in the Near and Distant Futures. 31/1/2023. at: https://acr.ps/1L9F2Cr
International Labour Organization (ILO). World Social Protection Report: Regional Companion Report for the Middle East and North Africa (MENA) Region. Geneva: 2022. at: https://acr.ps/1L9F33Q
_______. World Social Protection Report 2020–22: Regional Companion Report for the Middle East and North Africa (MENA) Region. Geneva: 2021.
International Monetary Fund. Economic Prospects and Policy Challenges for the GCC Countries. Washington, DC: 2016.
_______. "Saudi Arabia – Staff Concluding Statement of the 2021 Article IV Mission." 3/5/2021. at: https://acr.ps/1L9F2O1
Jumet, Kira D. Contesting the Repressive State: Why Ordinary Egyptians Protested During the Arab Spring. Oxford: Oxford University Press, 2018.
Kawamura, Yusuke. "Public Sector Employment as a Social Welfare Policy: The 'Social Contract' and Failed Job Creation for Youth in Egypt." Contemporary Review of the Middle East. vol. 9, no. 1 (2022).
Krane, Jim & Francisco Monaldi. "Oil Prices, Political Instability, and Energy Subsidy Reform in MENA Oil Exporters." Center for Energy Studies. Baker III Institute for Public Policy, Rice University. 2017.
Kulaksiz, Sibel. Over the Horizon: A New Levant. World Bank. Washington DC: 2014. at: https://acr.ps/1L9F2KF
Lehmann, M. Christian & Daniel T. R. Masterson. "Does Aid Reduce Anti-Refugee Violence? Evidence from Syrian Refugees in Lebanon." American Political Science Review. vol. 114, no. 4 (2020).
Livani, Talajeh & Carol Graham. "Do Social Protection Programs Improve Life Satisfaction? Evidence from Iraq." World Development Perspectives. vol. 16 (2019). Luciani, Giacom (ed.). Combining Economic and Political Development: The Experience of MENA. International Development Policy series 7. Geneva: Graduate Institute Publications; Boston: Brill- Nijhoff, 2017.
Lust, Ellen. "Democratization by Elections? Competitive Clientelism in the Middle East." Journal of Democracy. vol. 20, no. 3 (2009).
Marmot, Michael & Richard Wilkinson. Social Determinants of Health. Oxford: Oxford University Press, 2005.
Moosa Elayah, Qais Gaber & Matilda Fenttiman. "From Food to Cash Assistance: Rethinking Humanitarian Aid in Yemen." Journal of International Humanitarian Action. vol. 7, no. 1 (2022).
Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate (eds.). The Oxford Handbook of Historical Institutionalism. Oxford: Oxford University Press, 2016.
Osorio, Rafael Guerreiro & Fábio Veras Soares. "Social Protection after the Arab Spring." Policy in Focus
Sdralevich, Carlo A. et al. Subsidy Reform in the Middle East and North Africa: Recent Progress and Challenges Ahead. Washington, DC: International Monetary Fund, 2014.
Sdralevich, Carlo, Ishac Diwan & Tarik Akin. "Fifty Years of Fiscal Policy in the Arab Region." Working Papers 914. Economic Research Forum. May 2015. at: https://acr.ps/1L9F38K
Serres, Thomas. "The Algerian Healthcare System in the Time of COVID-19." Jadaliyya. 20/8/2020. at: https://acr.ps/1L9F302
Sobhy, Hania. "The De-Facto Privatization of Secondary Education in Egypt: A Study of Private Tutoring in Technical and General Schools." Compare:
A Journal of Comparative and International Education. vol. 42, no. 1 (2012).
Tadros, Mariz. "State Welfare in Egypt since Adjustment: Hegemonic Control with a Minimalist Role." Review of African Political Economy. vol. 33, no. 108 (2006).
UNICEF. Vaccination in Yemen: Saving Lives, Protecting the Economy. Yemen: 2024. at: https://acr.ps/1L9F2Jr
Vidican, Georgeta Auktor & Markus Loewe. "Subsidy Reforms in the Middle East and North Africa: Strategic Options and Their Consequences for the Social Contract." Discussion Paper. 2021.
Waterbury, John. The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1983.
World Bank. Unlocking Sustainable Private Sector Growth in the Middle East and North Africa: Evidence from the Enterprise Survey. Washington, DC: 2022. at: https://acr.ps/1L9F36F
Yon, Ryan Merlin (ed.). Improving Quality of Life: Exploring Standard of Living, Wellbeing, and Community Development. IntechOpen, 2021.