النظام الإقليميّ العربيّ: إستراتيجيّة الاختراق وإعادة التشكيل

وليد عبد الحي

الملخّص

تناقŽŽŽش هذه الدراسŽŽŽة الإطار النظري لتحليŽŽŽل ظاهرة الاختراق، مسŽŽŽتعرضة نظريات العلاقات الدوليŽŽŽة التي يجŽŽŽري تعريف الن ظŽŽŽم المخترقة بناءً عليهŽŽŽا. من صور الاختŽŽŽراق المختلفة التي عددتها الدراسŽŽŽ ة: التهديد العربي - العربي، والتنافس بين الŽŽŽدول العربية على احتلال موقع المركز، والإرث التاريخي، والشŽŽŽركات المتعددة الجنسŽŽŽية. ناقشŽŽŽت الدراسŽŽŽة أيض ا دور النخب العربيŽŽŽة فŽŽŽي عمليŽŽŽات الاختراق عŽŽŽن طريŽŽŽق ارتباطها بالقŽŽŽوى والمصالŽŽŽح الدولية. ولمسŽŽŽت يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع الدراسŽŽŽة الاختراق عن طريق اللغة، والتعليم، ووسائط الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني. مŽŽŽن جهة، والمجتمع والفŽŽŽ رد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار كما تعرضت لما أسمته "الاختراق الخشن"، كاحتلال العراق ونشر القواعد الأجنبية. في جانبٍ تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسŽŽŽموح له بممارسŽŽŽة فعله آخر، ناقشŽŽŽت الدراسŽŽŽة اختراق دول الجوار الإقليمي للوطن العربي. وترى أن تباين مسŽŽŽتويات عنها فشŽŽŽل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسŽŽŽة لتعدد الإشŽŽŽكاليات الطائفيّة التطور في النظم السياسŽŽŽيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة بين الدول العربيّة يترتب عليه تباين فŽŽŽي العالŽŽŽم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شŽŽŽيعيّة أخذت تتضخŽŽŽم خصوصيتها إلى فŽŽŽي مسŽŽŽتويات الاختŽŽŽراق الأجنبŽŽŽي للدولŽŽŽة، أو التغلغل فيهŽŽŽا، أو النفŽŽŽوذ عليهŽŽŽا. والنظر إلى درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن المنطقة العربيّة كمنظومة إقليمية واحدة، يكشف مستوىً عميق ا من الاختراق العسكري أمŽŽŽانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُ ŽŽŽنيَّة لا تزال فكرة الحكم السŽŽŽ لطاني - الذي يغلب ثقافة والسياسŽŽŽيّ والاجتماعŽŽŽي والاقتصŽŽŽادي، فالخلافŽŽŽات البينيّŽŽŽة تُسَ ŽŽŽهِّ ل علŽŽŽى القŽŽŽوى الخارجيّة على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين. التسلل من خلال شقوق الخلاف لاختراق الدولة والتلاعب بها.

مقدّمة

يمثّل التداخل والتفاعل المطّرد بين وحدات المجتم ع الدوليّ اتّجاهًا تاريخيًّا تؤكِّده المؤشرِّات الكميّة في القطاعات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتستدعي منهجيّة تحليل الظاه رة الدوليّة في نطاق هذا التفاعل، التمييز بين منظورين للنظام الدولي؛ أوّلهما تجزيئي Reductionism يرى المجتمع الدوليّ وحداتٍ مستقلّة ومتباينة لكنها تترابط بشبكة من التفاعلات ذات الصبغة التكتيكيّة العابرة والنفعيّة. أمّا ثانيهما، فهو منظور كلاني Holism يرى المجتمع الدوليّ بنيةً واحدةً تنطوي بداخلها وحداتٌ تتباين في بعض س امتها لكنّها تتفاعل بكثافةٍ مطّردة، ولتصبح هذه التفاعلات بين الوحدات هي الأساس الذي يُبنى عليه التحليل للظاهرة الدوليّة، بينما تمثّل تباينات الوحدات تنوّعًا داخل بنية النظام الدولي. وتنتمي ظاهرة النظم السياسيّة المخترق ة penetrated إلى منهجيّة وسيطة بين العمليات والوحدات. وعليه، سنبني تحليلنا لهذه الظاهرة في النظام الإقليميّ العربيّ استنادًا إلى هذه المنهجيّة الوسيطة.

الإطار النظريّ لتحليل النظم المخترقة

إنّ انتقال التحليل السياسيّ تدريجيًّا من نموذج "كرة البلياردو" الذي لا يولي العوامل الداخليّة أهميّة في تحليل التفاعل الدولي Billiard Ball إلى نم Model وذج بيت العنكبوت cobweb حيث تنتقل الحركة من م كانٍ إلى آخرَ بفعل الترابط بين الوحدات، يجعل القدرة على تحديد ما هو متغي رِّ داخلي (يدخل في نطاق الس يادة) وما هو متغي رِّ خارجي (البيئة الدوليّة) أمرًا في غاية التعقيد، وهو ما يس مّى تماهي الحدود. Blurring Boundaries وتمثِّل ظاهرة فيضان البيئة الدولية على بنية البيئة المحلّية أمرًا يجعل من تحديد معنى دقيق لمفهوم الاختراق مطلبً ا في غاية التعقيد، إذ لا بدّ من معيارٍ نستند له يمكنه تحديد ما هو دولي وما هو داخلي، وبالتالي تحديد متى يمكن الإشارة إلى اختراقٍ ما، وهو ما يفترض التمييز بين مفهوم النف وذ Influence ومفهوم الاعت ام د المتبادل ومفهوم التغلغ interdependence ل entryism ومفهوم الاختراق penetration، وهي مفاهيم متداولة في العلاقات الدولية لكن، يشير كلّ منها إلى بعدٍ معنيّ في إطار التفاعل بين وحدات المجتمع الدولي. وتعدّ مساهمة العالم الأم ري كيّ جيمس روزيني و James Rosenau الأك ث ر رواجًا في معالجة النظم السياسيّة المخترقة، إذ يرى أنّ العصر الحالي بسمات الترابط والتدويل التي تسمه، يجعل من تعيين الحدود الفاصلة بين ما هو داخلي وما هو خارجي أمرًا ليس باليسر الذي يبدو للوهلة الأولى، غير أنّ النقطة الجديرة بالاهتمام هنا هي أنّ حدود النظام السياسيّ تتعنيّ بالفعل أو النشاط وبالعمليّات activities and ولي processes س بالجوانب القانونيّة legalities، ولعلّ ذلك هو ما دفعنا إلى التمييز بين النف وذ والتأثير والتغلغل، والاختراق1، فالنظام المخ رت ق هو "نظام يكون فيه أطراف من خارج المجتمع الوطني يش اركون بطريقةٍ مباشر ة وسلطويّة مع أطراف وطنيّة في قرارات توزيع القيم أو حشد الدعم لأهداف يتبنّونها"، وهو أمرٌ تتزايد مظاه ره نتيجة التداخل المتواصل بين المتغيرِّ ات الخارجيّة والمتغي رِّ ات الداخليّة في تشكيل توزيع القيم أو تحديد القرار المتّخذ.

وي رى روزينيو أنّ ما يحدِّد قابليّ ة النظام للاختراق أو عدمها، هو ما أس ام ه "القدرة التكيفيّ ة accommodative capability "، ويحاول نموذج روزينيو تحديد مدى تدخّل الأطراف الخارجيّة أو التي يسمّيها "غ ري العض و nonmembers " في عملية صنع القرار واتّخاذه، مع ضرورة التمييز بين المشاركة في "شؤون متع دّدة multi-issue " أو في "ش أن واحد single-issue "، أي بين تدخّل في صنع القرار في شأنٍ محدَّد ينتهي معه التدخّل بانتهاء هذا الشأن، وبين تدخّل في شؤونٍ مختلفة ومتعدّدة. وق د رأى براون Brown.L. Carl في دراسة قديمة نس بيًّا أنّ إقليم الشرق الأوسط هو الإقليم الأكر "اختراقًا" بين النظم الإقليميّة الأخرى إذا اعتمدن ا منظور روزينيو للنظم المخترقة2، غير أنّه أضاف لنظريّة

  1. James N.Rosenau, The Scientific Study of Foreign Policy (London: Frances Pinter, 1980), pp. 136-52.
  2. Leon. Carl Brown, International Politics and the Middle East: Old Rule, Dangerous Game , (Princeton: Princeton University Press,1984), pp. 3-5.

روزينيو اش رتاط أن يكون المشاركون الخارجيّون في العمليّة السياسيّة من "القوى الكبرى ويشاركون في مجالاتٍ متعدّدة." كما أضاف أنّ النظام حتّى يعدّ مخترقًا لابدّ من وضع الزمن موضع الاعتبار، إذ إنّ مشاركة طرفٍ خارجيّ في العمليّة السياسيّة لمرّة واحدة أو لفترةٍ قصيرة لا تدلّ على اختراق. ويوافق ريمون هينبوت ش Raymond Hinnebusch على اعتبار النظام الإقليميّ الشرق أوسطي أنه النموذج الأك ث ر وضوحًا للنظم الإقليميّة المخترقة، مشيرًا إلى استثمار القوى الرأسماليّة لثلاثة مواضيع لتحقيق هذا الاختراق؛ وهي النفط، والصراع العربيّ الصهيونيّ، وتفتّت القوى المحليّة3.

مؤش رات الاختراق

إن الإقرار بالمتغيرِّ المركزي في مفهوم الاختراق - أي المشاركة المباشرة في صنع القرار واتّخاذه - يستدعي تحديد فضاءات هذا الاختراق: اختراق السلطة: وقد يكون الاختراق هنا من خلال المستش ار الخارجي أو المندوب الدوليّ في هيئات السلطة. وتش ري دراسة أعدَّها خبير عسكري أم ري كيّ عمل لعدّة سنوات في الدول الإسلاميّة إلى أنّ الخبراء يتدخّلون في صنع القرار، ويقول "في عالم ما بعد 11 سبتمبر، يمكن لمنصب استشاري في المستوى السياسيّ والإستراتيجي في العالم الإسلاميّ أن يكون له نتائج مهمّة وفوريّة للمصالح الأميركيّة، ويجعل من المستشار الأميركيّ شخصيّة رئيسة في عمليّة صنع القرار للزعيم الأجنبيّ "4.prime figure اختراق المجتمع: وقد يأخذ الاختراق هنا أش كاالً مثل التس ميم السياسيّ الذي سنأتي عليه لاحقًا، أو ارتباط قوى سياسيّة معيّنة بقوى خارجيّة تتحكّم في قرارها بنسبةٍ ما. اختراق النخبة: ويتمثّل الاختراق هنا بما أسمته دراسات التكامل الدوليّ ولا سيمّا التيّار الوظيفي منها بتذويت internalization النخب الداخليّة لأهداف نخبٍ خارجيّ ة، أي تتبنّى الأهداف ذاتها التي تتبنّاها نخبة الدولة التي تمارس الاختراق.

قياس الاختراق

يبدو أنّ أغلب الدراس ات تقيس مؤشرّ الاختراق من خلال منهجيّتين هما: الأولى: تتبع الإج راءات Process Tracing: وتعني تحديد الهدف الأولّي ثمّ متابعته خلال مراحل تطوّره وتحديد التغي رُّ الذي أصابه عند كلّ إجراء، ثمّ تحديد الأطراف التي تق ف وراء التغيرُّ، وتحديد دور الأطراف "غير العضو" في هذا التغيير. الثانية: النفوذ المدّعى Influence Attributed: من خلال استجواب الجماعات الضاغطة عن تقييمه ا لتأثيرها أو تأثير جماعاتٍ غيرها في عمليّة صنع القرار، إذ يجري قياس الفارق بين ما بدأت به السلطة باعتباره الهدف الأفضل لها، وما انتهت إليه في قراراتها وتفسير الفارق على أنّه نتيجة تدخّل الجماعة الضاغطة.

نظريّات العلاقات الدوليّة والنّظم المخترقة

إذا انتقلنا إلى نظريّات العلاقات الدوليّة المعاصرة في تفس ريها للنظم المخترقة بالمعنى الذي حدّدناه، نجد ما يلي5:. أ النظريّ ة الواقعيّة الجدي دة Neorealism: ترى هذه النظريّة الت ي يعربّ عنها كينيث والت ز Waltz kenneth أنّ "الفوضى" في النظام الدوليّ نظرًا لعدم وجود سلطة دوليّة عليا، تجعل من الأمن المتغي رِّ الرئيس في إستراتيجيّة الدولة، وهو ما يجعل الاختراق يجري من هذه الناحية، إذ تسعى الدولة إلى مشاركة الآخرين في ضمان أمنها من خلال مساهمتهم في صوغ إستراتيجياتها الأمنيّة، وقد يكون مجلس التعاون الخليجي مث االً نموذجيًّا على حالة الاختراق هذه من منظور المنهج الواقعيّ الجديد.. ب البنيويّ ة (الماركس يّة) Structuralism: والت ي تبني تحليلها على أساس أنّ البنية الرأس ام ليّة للنظام ال دوليّ تجعل التبعيّة الاقتصاديّة إحدى ركائز النظام، ويجري الاختراق من خلال هذه التبعيّة، إذ تحدَّد وظيفة الكيان السياسيّ في إطار بنية النظام الرأس ام لي الدولي، ويتركّز الاختراق بصورةٍ جليّة في ما يطلق عليه إيمانويل والرس تاين Wallerstein Immanuel في نظريّته عن النظام العالميّ تسمية دول المحيط وشبه المحيط، إذ تقوم هذه

  1. Raymond Hinnebusch, The International Politics of the Middle East , (Manchester: Manchester University Press, 2003), p. 14.
  2. Michael J.Metrinko, The American Military Advisor: Dealing with Senior
  3. Foreign Officials in the Islamic World , Peacekeeping and Stability Operations Institute and Strategic Studies Institute, 2008, pp. 3, 5 , 52. 5  R.Hinnebusch & Anoushiravan Ehteshami, (ed.), The Foreign Policies of Middle East States , (USA: Lynne Rienner, 2002), pp. 1-5.

الدول بدور ميكانيزم التكيّف لدول المركز الرأسمالي عند مواجهة أزمةٍ ما، ويكون الاخ رت اق هنا بنيويًّا يصع ب معه الفصل بين مقوّمات بنية المركز وبنية الأطراف.. ج البنائيّ ة Constructivism: والتي تف رت ض طبقًا لوين دت أنّ هويّ Alexander Wendt ة identity الدولة تتحدَّد بأنماط التفاعل مع الأطراف الأخرى، أي أنّ التفاعل يش كِّل منظومة القيم والأهداف والإس رت اتيجيات للدولة، بمعنى آخر أنّ هويّة الدولة ليست سابقة للتفاعل بل تتحدَّد من خلاله، ذلك يعني أنّ الاخ رت اق جرى من خلال صوغ هويّة الدولة التي تحدَّدت بدورها من خلال التفاعل مع الكيانات أو الأطراف الأخرى في النّسق موضوع الدراسة.

هل النظام الإقليميّ العربيّ نظام مخترق؟

إنّ المناقشة النظريّة الس ابقة تفترض أواّلًالبحث في مدى مش اركة الأطراف "غير العضو" في بنية النظام الإقليميّ العربيّ وفي صوغ "التوجّهات والقرارات الإس رت اتيجية العربيّة"، كما تفترض ثانيًا تحديد أبعاد الاختراق استنادًا للمنظور الواقعي الجديد أو المنظور البنيوي أو المنظور البنائي بالدلالات التي أتينا عليها سابقًا.

مصادر الاختراق

يحتاج الاخ رت اق بالمفهوم الذي تناولناه إلى بيئ ة تمهيديّة لولادته، وتتمثّل الملامح الكبرى لهذه البيئة في الظروف التمهيديّة التالية:

أ التهديد العربيّ العربيّ

ونقصد به تهديد الدول العربيّة لبعضها بعضًا ولو بمس تويات تهديد مختلف ة، وهو ما يدفع ك منها للبحث عن "حامٍ" لها، وهو الخطوة الأولى أمام الاختراق، وقد يأخذ التهديد أشكاالً مختلفة لكنّها تتمحور في مضمونها في شكلين؛ الأوّل يتمثل في تهديد السيادة الإقليمية للدولة والذي كثيرًا ما كان حول المناطق الحدوديّة، بينما يتمثّل الشكل الثاني في تهديد النظام السياسيّ والعمل على تغييره بطريقة قسريّة. وتدلّنا البيانات الكمّية المتاحة على أنّ الدول العربيّة تعرّضت للتهديد الأمني المتب ادل بطريقة مباشرة أو غير مباشر ة خ الل الفترة -1947 م 010 ا مجموعه 7 2 3 مرّة، وهو معدّل كافٍ للتأكيد على حالة عدم الاستقرار في العلاقات العربيّة البينيّة، فضالً عن الصراعات الداخليّة في كلّ بلدٍ عربيّ6. وتشير المؤشرِّات الكميّة إلى أنّ منطقة الشرق الأوسط شهدت في مرحلة ما بعد غزو الع راق عام 0032، وحتّى قبل اندلاع موج ة الثورات العربيّة مباشرةً، ما يقرب من 76 حالة صراعيّة، و 12 صراعًا إقليميًّا، وأكر من 0 4 صراعًا داخليًّا.

من ناحيةٍ أخرى، تتّسم صراعات المنطقة العربيّة بنس بةٍ عالية من الصراعات الممتدّة، فهناك 0 3 صراعًا استمرّ لمدّةٍ تزيد على ثلاثين سنة، وثمانية صراعات مس تمرّة لأكر من عشرين س نة، وأحد عشر صراعًا مستمرًّا لأكر من عشر سنوات تقريبًا، ونحو ستّة صراعات تجاوزت حاجز الخمس س نوات، والمفاجأة هي أنّ هناك ستّة وعشرين صراعًا مس تمرًّا لأكر من سنة، ما يعني تسارع معدّل الصراعات القصيرة المدّة، وهو ما يش ري إلى قدرةٍ متدنّية ع ىل التعايش، وضبط النفس على الساحة الإقليميّة7. نتيجة لذلك، تضاعفت اتّفاقات التعاون الأمني ب ني دولٍ عربيّة وأحلافٍ ودول أجنبيّة، وهو ما يفتح المجال لتكييف الحاجات الأمنيّة للدولة العربيّة مع احتياجات القوى الخارجيّة. ولعلّ اتفاقيات التعاون الأمني بين دول الخليج وحل ف الناتو منذ عام 006 2 دليل على ذلك8، كما أنّ الولايات المتّحدة مارست نشاطًا عسكريًّا ضدّ دولٍ عربيّة منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية إلى عام 0122 ما مجموعه 21 مرّة9، ولكن هذه الممارسات كانت تلقى الموافقة العلنيّة أو الضمنيّة

  1.  http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_modern_conflicts_in_the_ Middle_East - http://www.historyguy.com/list_of_middle_east_wars.html
  2. محمد عبد الس ال م، "إدارة الصراعات الداخلي ة في المنطقة العربية"، مجلّة السياس 7 ة الدولية، العدد 918، (تمّوز/يوليو 012)2، الافتتاحية.
  3. R. Chuck Mason, Status of Forces Agreement (SOFA): What Is It, and How Has It Been Utilized? (Washington: Congressional Research Service, 2012), pp. 27-29.
  4. http://academic.evergreen.edu/g/grossmaz/interventions.html

من دولٍ عربيّة أخرى، ولعلّ مثال التدخّل العسكريّ لحلف الناتو عام 0122 في ليبيا يعزِّز هذا التوجّه. ذلك يعني أنّ التهدي د البيني في الوطن العربيّ يقود الدول الأضعف غالبًا إلى البحث عن سندٍ دوليّ عبر الاتفاقيّات أو التحالفات مع القوى الخارجيّة لمواجهة تهديد الدول العربيّة الأخرى، وهو ما يمثّل قاعدة للاختراق وتكييف القرارات السياسيّة وغيرها للدولة بما يخدم مصالح القوى الخارجيّة.

. ب الدولة الإقليميّة المركز

ونعني به التناف س بين الدول العربيّة لاحتلال موقع "الدولة المركز" في المنطقة، وكثيرًا ما لجأت بعض الدول للقوى الخارجيّة لمساندتها في تحقيق هذا الموقع، وهو ما يغري الدول الخارجيّة باستثمار التلهّف على موقع الدولة المركز لانتزاع تنازلات من الدولة العربيّة في موضوعات معيّنة تُعنى بها الدولة الخارجيّة10.

. ج الإرث التاريخي والشركات المتعدّدة الجنسيّة

إنّ العلاقات الاستعماريّة القديمة أبقت شبكة م ن الروابط بين المستعمر السابق وقطاعات في الدولة بعد الاستقلال (لاحظ أنّ أغلب تجارة دول المغرب العربيّ مع فرنسا، وليبيا مع إيطاليا...إلخ) من ناحية، كما أنّ مصادر الدخل في الدول العربيّة تتداخل مكوّناتها مع الخارج من خلال المساعدات (الأردن والولايات المتّحدة) أو الاعتماد ع ىل الضرائب والجمارك في قطاع التجارة الخارجيّة (مصر، والأردن، والمغرب) أو الاعتماد على عائدات النفط طبقًا لمتطلّبات السوق الخارجيّة، وكلّ ذلك يقود بشكلٍ أو بآخر إلى مستوى من مستويات الاختراق. وتمثّل الشركات المتعدّدة الجنسيّة إحدى أدوات الاختراق من حيث تأثيرها في صنع القرار ولا سيمّا الاقتصادي، وتشير بعض الدراسات إلى تأثير الشركات في عددٍ من الميادين من هذه الناحية11: استعانة الشركات المتعدّدة الجنس يّة بحكوماتها للضغط على الدولة المضيفة باتّجاه تبنّي مواقف معيّنة. الضغط باتّجاه دفع منظمّات دوليّة لتبنّي مناقشة سياسة معيّنة أو إقرارها. مب اشر ة الضغط على سفارة الدولة المضيفة م ن خلال نفوذ الشركة في الدولة التي يوجد فيها مقرّها الرئيس. التأثير في حكومة الدولة المضيفة من خلال شبكة علاقات تقيمها الشركة مع وزراء أو شخصيّات ذات نفوذ في الدولة المضيفة. الضغط المباشر على الدولة من خلال التهديد بسحب استثماراتها أو الانتقال لدولةٍ أخرى ما لم تستجب الدولة المضيفة بالتنازل عن بعض الشروط البيئيّة أو شروط العمل أو النظام الضريبي..إلخ. وقد أشار عددٌ كبير من الدراسات إلى أشكالٍ مختلفة لهذه الممارسات ولا س يمّا شر كات الب رتول وشركات الطيران وشر كات إنتاج الأس لحة، ووضّ حت دراسة كميّة وجود علاقة بين حجم أرباح الشركات المتعدّدة الجنس يّة ومؤشرّ الفساد في الدولة المضيفة، أي أنّه كلمّا كان الفساد أعلى ازدادت أرباح الشركة، امّ يعني أنّ جزءًا من أرباح الشركات هو نتيجة لبيئة الفساد التي تعمل في نطاقها، إذ يوفّر الفساد بيئة ميسرِّة للاختراق12. وقد قدّمت صحيفة فاينانش ال تايم ز البريطانيّة نماذجَ للعلاقة بين الفساد والشركات المتعدّدة الجنسيّة في الدول العربيّة مثل ليبيا والسعوديّة ومصر وتونس واليمن13. وتحدِّد بعض الدراسات المتخصّصة نماذجَ للتأثير الذي تمارسه الشركات المتعدّدة الجنسيّة في الدول العربيّة، إذ يشير بعض هذه الدراسات إلى الدعم الماليّ لأصحاب النفوذ ولبعض الأحزاب والمس اهمة في الدّعاية الانتخابيّة، بل والتدخّل في موضوعات التوريث السياسيّ وتبادل السجناء ب ني دولٍ عربيّ ة ودول أجنبيّة...إلخ14، ولعلّ من المفيد التذك ري بدور شر كات البترول في تشكّل بعض الدول العربيّة أو في

  1. 13  http://www.ft.com/cms/s/2/23fe9960-6712-11e1-9e53-00144feabdc0. html#axzz24lghxy4g
  2. Everon Koksal, The Impact of Multinational corporations on International Relations , (Turkey: M.E.Technical University, 2006), pp112-113. - John Baylis and Steve Smith, The Globalization of World Politics , (Oxford: University Press, 1998), p. 292.
  3. Christos Pantzalis, “Corruption and Valuation of Multinational Corporations”, Journal of Empirical Fianance , vol.15.no. 3 (June, 2008), pp. 387-417.
  4. 10  Marc Lynch , The Arab Uprising: The Unfinished Revolutions of the New Middle East (New York: Public Affairs, 2012), chapter 4.
  5. انظر التفصيلات في: أ-  صفية حمدي، "دور الشركات متعددة الجنس يات في عملية نقل السلطة في مصر"، جريدة الدستور المصرية، 2010/11/13 ب-   محمد السيد س عيد، ال شركات متعددة الجنس ية وآثاره ا الاقتصادي ة والاجتماعية والسياسية، (القاهرة: الهيئة العامّة للكتاب، 97878)1، ص 2 وما بعدها.

تحديد الحدود السياس يّة لبعض الدول، بل وفي صوغ بعض سياسات البعض الآخر15. وتمثِّل المساعدات بأشكالها المختلفة، مثل المس اعدات العسكريّة والمس اعدات التقنيّة أو المنح الماليّة أو القروض ولا سيمّا الميرسّة منها إحدى أدوات الاختراق. وقد بيّنت إحدى الدراسات علاقة ارتباط وثيقة ب ني الروابط التاريخيّة الاستعماريّة وتقديم المساعدات من الدول الاستعماريّة التقليديّة إلى دول دون غيرها، وأنّ طريقة التصويت في الأمم المتّحدة (مع مش اريع الدولة المانحة أو ضدّها) تمثّل عامالً أكر أهمّية من نمط البنية الاقتصاديّة أو طبيعة النظام الانتخابي، امّ يعني أنّ السلوك الس ياسيّ للدولة المتلقّية للمساعدة يعدّ مدخالً للاختراق وتكييف القرار الس ياسي16. وتتعزَّز هذه التصوّرات بالدراسات الأمبريقيّة الخاصّة بالعلاقة بين أنماط التصويت في الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة وتلقّي المساعدات، فقد أثبتت دراسةٌ متخصّصة للفترة 002-1973 2 الترابط الوثيق بين حجم مساعدات الولايات المتّحدة للدول النامية ومواعيد تقديمها، وأنماط التصويت في الأمم المتّحدة17. وتتأكّد هذه النتيجة من خلال دراسةٍ أخرى تتبّعت حجم المساعدات للدولة النامية وعضويّة مجلس الأمن، إذ وجدت هذه الدراس ة أنّ حجم المساعدات للدولة يتزايد خلال ف رت ة عضويّتها في المجلس، ولا سيمّا في الفترات التي تُعرض فيها ع ىل المجلس قرارات ذات طبيعة إستراتيجيّة18. غير أنّ هذه القاعدة لا تنطبق بصورة كبيرة على الحالة العربيّة، فعند مقارنة أنماط التصويت العربيّ ودرجة اتّس اقه مع المواقف الأميركيّة تبّينّ أنّ هناك تباينًا واضحًا في أغلب الأحي ان19، فأعلى درجات التوافق في التصويت مع الولايات المتّحدة كان م ع الكويت وقطر والمغرب (وهي الأقلّ حصوالً على مساعدات ماليّة)، بينما كان أدناه مع سورية وموريتانيا (وه ام أيضًا ضمن ال دول الأقلّ حصوالً على المساعدات الأميركيّة)، غير أنّ استبعاد الموضوعات الخاصّة بالقضيّة الفلسطينيّة نظرًا لصعوبة تصويت الدولة العربيّة بصورة توافقيّة فيها مع الولايات المتّحدة يجعل القاعدة السابقة (التوافق بين التصويت وحجم المس اعدات والقروض) أكر وضوحًا، ويلاحظ أنّ مصر التي تحصل على أكبر قدرٍ من المساعدات من الولايات المتّحدة ليست هي الأعلى في درجة التوافق مع الولايات المتّحدة في التصويت. وفي دراسةٍ أخرى، يتبّينّ لنا أنّ هناك تباينًا بين الدول المانحة في دوافع تقديم المساعدات، إذ تدلّ الدراسة من خلال مقارنة اتّجاهات المساعدات لعددٍ من الدول المانحة أنّ دولة مثل الولايات المتّحدة تعطي أولويّة للأبعاد "الأمنيّة"، بين ام تركِّز اليابان ع ىل "المنافع التجاريّة"، في حين تذهب فرنس ا نحو "النفوذ الكولونيالي"، كما يتبنيّ أن لا علاقة ارتباطيّة بين مستويات الفقر والمساعدات من الدول المانحة، مما يعني أنّ دوافع الاختراق أكبر من الدوافع الإنسانيّة20. وفي مجال القروض أو العلاقة مع المؤسّسات الدوليّة الماليّة، تش ري دراسة للقروض التي قدّمت من خلال صندوق النقد الدوليّ خلال خمس سنوات، إلى أنّ أك ث ر المستفيدين من هذه القروض هم "الحكومات والأفراد الذين ساهموا في ترتيب الاتّفاق"، دون أن ينعكس ذلك بجدوى اقتصاديّة، ويصبح هؤلاء ثقوبًا يتسلّل من خلالها نفوذ القوى الخارجيّة ولا سيمّا الدول صاحبة المساهمات الأكبر في الصندوق21، ولعلّ الإعفاءات التي حصلت عليها بعض الدول العربيّة نتيجة معاهدات السلام مع إسرائيل أو نتيجة المشاركة في الحرب على العراق تأكيد لهذه الآراء. فإذا ربطنا هذه الم ؤشرّات بتبعات ما سُمّي بإجماع واش نطن Washington consensus منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي (تحرير التجارة، تقليص تدخّل الدولة في النشاط الاقتصادي، وحقوق

  1. Giacomo Luciani- oil and Political Economy in the International relations of the Middle East. http://www.princeton.edu/~gluciani/pdfs/Chapter%20in%20Fawcett.pdf
  2. Alesina Alberto, and Dollar David, “Who Gives Foreign Aid to Whom and Why?”, Journal of Economic Growth , Vol. 5, No. 1, (2000), pp. 33-63.
  3. Dreher Axel, Nunnenkamp Peter, and Thiele, Rainer, “Does US Aid Buy U N General Assembly Votes? A Disaggregated Analysis,” in Public Choice , Vol. 136, (2008), pp. 139-164.
  4. Ilyana Kuziemko, and Eric Werker, “How Much is a Seat on the Security
  5. - http://www.thepowerhour.com/news2/islamics_votes.htm - http://www.jewishvirtuallibrary.org/jsource/UN/Arab_freq10.html - http://www.fas.org/sgp/crs/mideast/RL32260.pdf 20  Ward Warmerdam with Arjan de Haan, The Role of Aid in Politics , (The Hagne: International Institute of Social Studies, 2011), pp. 14-26.
  6. Council Worth? Foreign Aid and Bribery at the United Nations,” Journal of Political Economy , Vol. 114, No. 5, (2006), pp. 905-930.
  7. Barro Robert J. and Lee Jong Wha, “IMF Programs: Who is Chosen and What are the Effects?”, Journal of Monetary Economics , Vol. 52, (2005), pp. 1245-1269.

ملكيّ ة أكر انضباطًا..إلخ)، فإنّ ذلك يش ري إلى تأثير البيئة الدوليّة في تكييف القرار الاقتصادي للدولة التي تقبل هذه الشروط. ومن ب ني جوانب الاخ رت اق للاقتصاد العربيّ ظاهرة غسيل الأموال MoneyLaundaring، والتي تتمثّل في العمل على تحويل الأموال ذات المصدر "القذر"، مثل عمولات بيع الس الح، أو تجارة الرقيق الأبيض أو المخدّرات..إلخ إلى أموال تبدو أنّ لها مصدرًا شر عيًّا، وتسهم في عمليّة الغسيل مؤسّ سات عديدة مثل بعض البن وك بالإيداع أو إعادة الإقراض، أو شيكات قابلة للتظهير أو تجزئة الإيداعات smurfing، أو البورصات، أو شر كات التأمين، أو صناديق الاستثمار، أو عبر التجارة الإلكترونيّة، أو الوسائط الإلكترونيّة مثل البطاقات الذكيّة، والتحويل الإلكتروني للنقود، أو الش يكات الإلكترونيّة، أو من خلال الفواتير والمستندات المزوّرة، أو من خلال أوراق اليانصيب والجوائز، أو عبر شركات الرصّافة والشركات المتعدّدة الجنسيّة...إلخ. وقد أخضعت الولايات المتّحدة العديد من المراف ق الاقتصاديّة العربيّة للرقابة والضبط لضمان عدم تسرّب الأموال عبر هذه القنوات إلى جهاتٍ معادية للولايات المتّحدة22.

. د النخب العربيّة

ونعني بذلك وجود نخب مرتبطة بقوى خارجيّة س واء عبر الرباط اللغويّ الفرانكوفي يل Francophile وليس فقط الفرانكوفوني francophone، أو عبر الرباط التجاريّ (كفئة الكومبرادور)، أو الرباط الديني (كبعض الشرائح المذهبيّة..)إلخ، إذ تذوِّت internalize هذه النخب توجّهات الخارج لتصبح جزءًا من توجّهاتها. في مجال اللغة، يعدّ التعليم أحد مظاهر الاخ رتاق، فهو يمثّل أداة تنظيم الإدراك الإنساني للذات والكون والآخر، ويؤدّي الشّكل الذي يأخذه هذا الإدراك إلى تحديد أنماط السلوك والتفاعل، ويتكوّن التعليم من ثلاثة أبعاد؛ هي اللغة والمنهج والمعلومة. وتش كِّل اللغة لا بصفتها أداة تواصل فقط بل هي جسد الأفكار كما يقول بعض الفلاسفة. أمّا المنهج، فيمثّل الدرب الذي يقود إلى مكانٍ ما، بينما المعلومة هي كلّ ما نكتشفه. وتش ري المعطيات الكمّية إلى تزايد انتشار اللغات الأجنبيّة في الوطن العربيّ (الإنجليزيّة والفرنسيّة..إلخ)، وهي أمور قامت فيها الظروف التاريخيّة بالدور الأكبر. ولا ريب أنّ وس ائل الإعلام تعزِّز س طوة اللغات الأجنبيّة في الثقافة العربيّة المتداول ة بصورةٍ تعزِّز الخلل في بني ة الوجدان الفرديّ وتعمِّق الانفصال بين الفرد وإرثه التاريخيّ23. فإذا علمن ا أن هناك فضائيّ 750 ة عربيّة عام 010 2 تشكل الموادّ المس توردة من الدول الأجنبيّة %60 م ن برامجها، أدركنا عمق مؤشرّ الاختراق الثقافي24.

ولا س ولكي نثبت أنّ التعليم-يمّا التعليم الجامعي أداة سياس -يّة، نش ري إلى الدعوات الأميركيّة وتوصيات مراكز الدراس ات الغربيّة إلى زيادة دور برامج الدراسات الشرق أوسطيّة في البرامج الأكاديميّة الأميركيّة من ناحية والدراسات الأميركيّة ودورها في الجامعات العربيّة من ناحيةٍ أخرى (البرنام ج الأوّل بدأ عام 000 2 في الجامعة الأردنيّة)25، وهي دعوات تعيد للأذهان آليّات الاستشراق والتبشير التي عرفتها المنطقة في فترات تاريخيّة ليست بعيدة. ونش ري في المجال نفسه إلى إنش اء المجلس الأعلى للفرنكوفونيّة عام 970 1، والذي تلته دعوة الرئيس الفرنسيّ فرنسوا ميتران إلى أوّل "قمّة 1 في فرس فرنكوفونيّة" عام 986 اي، وشارك فيها رؤساء الدول الناطقة جزئيًّا أو كليًّا بالفرنس يّة 41(رئيسًا)، وتحوّل ت القمّة بعد إحدى عشرة سنة إلى "المنظّمة الدوليّة للفرنكوفونيّة" برئاسة شخصيّة عربيّة (بطرس غالي)، وعقدت المنظّمة أوّل قمّة لها في عاصمة بلد عربيّ هي ب ريوت عام أيلول / س 002 بتمبر 2 وجاءت في أعقاب حوادث 001 2 فاقتصرت أعمالها على إدانة الإرهاب.

  1. أكاد خصاونة، "العلاقة بين العولمة وعمليات غسيل الأموال عالميًّا"، رس الة ماجستير، قسم العلوم السياسية، جامعة اليرموك، 012.108-86.2، ص
  2. كمال ب رش، "اللغة العربية بين العروبة والعولمة"، مقالة مقدّمة في مؤتمر مجمع اللغة في دورته الثامنة والس تين يوم الاثنين 18 من محرم س نة 1423 ه الموافق 1 من نيسان/أبريل سنة 2002 www.arabicademy.org.eg.
  3. http://www.alriyadh.com/Contents/05-04-2004/Mainpage/ Thkafa_11132.php
  4. Robert Satloff , "Devising a Public Diplomacy Campaign toward the Middle East (Part II)", Policywatch.580, The Washington Institute for Near East Policy , October 31, 2001.

وتش تمل عضويّة المنظّمة على عددٍ من الدول العربيّة، هي: المغرب ولبنان وتونس وم رص وجزر القمر وجيبوتي، والملفت للنظر غياب الجزائر وسورية، وهما تاريخيًّا أقرب للغة الفرنسيّة من مصر، مما يعني أنّ البعد السياسيّ حاضر في وظيفة هذه المنظّمة ذات الطّابع اللّغوي. إذ تقاوم حكومة البلدين فكرة تدعيم اللغة الفرنسيّة على حساب اللغة العربيّة. وتش ري دراسة لمؤسّسة الفكر العربيّ إلى أنّ للاختراق. "الهدف المعلن لهذه المنظّمة هو دعم العلاقات الثقافيّة الفرنكوفونيّة، لكنها تحوّلت إلى أداة للعمل الس ياسيّ المباشر، بل إنّ حركة الترجمة التي تشجّعها تجري وفقًا لمعاييرَ سياسيّة تعتمد في انتخاب نوعٍ معنيّ من ذلك النتاج الفكري والأدبي دون غيره، خدمةً للمصالح الفرنس يّة في العالم، ففي عام 007 2 أُنشئت في المنظّمة "خليّة تفكير إستراتيجيّة" مهمّتها التفكير في القضايا الآتية: الهويّة الفرنكوفونيّة في زمن العولمة، أوروبا والفرنكوفونيّة، حوار الحضارات، الهجرات في العالم، الصناعات الثقافيّة والتعليم26. وقد س عت النخبة الفرنكوفيليّة إلى بعض السياسات التي تعزِّز فكرة الاختراق مثل27: وقف تعميم اللغة العربيّة والدفاع عن الفرنسيّة (وهو ما أكَّده رئيس الحكومة الجزائريّة السابق رضا مالك.) تعطيل المشاريع التي تساهم في الاستقلال الاقتصادي عن فرنسا (وأكّده محمد بوخالفة الرئيس الس ابق للجنة التخطيط والماليّة في البرلمان الجزائريّ.) ارتفاع نسبة فرنسا في المش اريع الجزائريّة (أكّده رئيس الجبهة الوطنيّة موسى تواتي.) مقاومة تجريم الاستعمار(أشار له خ ري الدين بوخريصة رئيس جمعيّة 8 ماي 945 1). الضّ غط للانضمام للمنظم ة الفرنكوفونيّة (شرح الجهد في هذا الاتّجاه بوجمعة غشير رئيس الرابطة الوطنيّة للدفاع عن حقوق الإنسان.)

الاختراق الخشن

أي استخدام القوّة والاحت ال ل في الحالات التي تس عى فيها قوى إقليميّة عربيّة إلى ترتيب المنطقة العربيّة بطريقة قد تؤثّر في المصالح الإس رتاتيجيّة للدول الكبرى (ناصر بعد 956 1، صدّام حس ني في فترة التسعينيات من القرن الماضي..إلخ)، فإذا كانت الأدوات السّابقة تمثّل "اختراقً ا ناعامً " فإنّ القوّة العسكريّة والأمنيّة تمثّل الوجه الخشن

ويوضّ ح الجدول التالي توزيع القوّات الأميركيّة في المنطقة العربيّة حتّى كانون الأوّل / ديس مبر 011 2 28، ويتبنيّ منه أنّ منطقة الخليج هي منطقة تركّز القوّات الأميركيّة ولا سيمّا أنّه ا الأكر احتواءً على المصالح الأميركيّة، ولا سيمّا ما اتّصل منها بالطاقة. ويوجد حتّى منتص ف عام 0122 نحو 0 4 ألف عسكريّ أميركيّ في منطقة الخليج، منهم 23 ألفًا في الكويت29.

غ ري أنّ الاختراق الخشن أخذ مظاهرَ جديدة م ن خلال منح أدوار لل رش كات الأمنيّة في ضب ط إيقاع الحراك في المجتمع المحيلّ، وتش ري الدلائل كافّةً إلى انتشار الشركات الأمنيّة الأجنبيّة لحماية الأشخاص والمصالح النفطيّة وغيرها في الدول العربيّة، وقد سردت التقارير الصحفيّة فيضًا من هذه المعلومات ولا سيمّا في بعض دول الخليج والأردن30، وتتمثّل أبرز نشاطات الاختراق الذي تمارسه هذه الشركات الأمنيّة في المظاهر التالية31:

  1. http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=499129
  2. http://www.algeriatimes.net/algerianews17125.htm
  3. http://siadapp.dmdc.osd.mil/personnel/MILITARY/history/hst1112.pdf
  4. http://www.southasiaanalysis.org/%5Cpapers49%5Cpaper4895.html
  5. http://www.nytimes.com/2011/05/16/world/middleeast/16prince.html
المجموعجمويةمارينزأساطيلمشاةالدولة
10262الجزائر
213530272218112البحرين
238262322617مصر
00000العراق
391216011الأردن
00000الكويت
50005لبنان
10010ليبيا
1951022المغرب
34201013عمان
596192304370قطر
270762820641السعودية
70502سورية
151914تونس
1758869216الإمارات
1801107اليمن
35964684981879751المجموع

تشجيع الكفاءات العس كريّة على الهروب من مؤسّساتها تحت إغراء الرواتب العالية التي تصل إلى حدّ ألف دولار يوميًّا. ضغط الشركات الأمنيّة على الحكومات لإع ادة النظر في بعض تشريعاتها بصورةٍ تتيح لهذه الشركات حرّية العمل الأمني داخل هذه الدول. قيام الشركات في بعض الأحيان بنقل الأس لحة عبر الحدود دون الخضوع لرقابة السلطات الحكوميّة في الدولة التي تعمل فيها الشركة، وتش ري الدراسات إلى أنّ الشركات تنقل الأسلحة في خمس ني دولة في العالم منها دول عربيّة، وبل غ عدد الشركات الأمنيّة التي عملت في العراق حتّى عام 011 2 نحو 55 شر كة.

الجدول 2: القوات الأميركيّة في الدول العربيّة 31– كانون الأول / ديسمبر 2011

تم ارس الشركات عمليات تجنيد للأفراد عبر الحدود وتنقلهم من دولة إلى أخرى، بل يشير محمد حسنين هيكل إلى أنّه "يعرف أنّ ولو باس لشركة بلاك ووتر -م جديد للشركة - ستّة آلاف عنصر يعملون في داخل وخارج سورية"32. ومن الضروري الربط أيضًا في هذا المجال بين ظاهرة "عولمة السّجون" وظاهرة الاختراق، إذ تشير الدراسات إلى أنّ هناك 66 دولة فيها سجون معولمة منها تسع دول عربيّة، وتعني عولمة السجون أن تحتجز دولة معيّنة في س جونها أفرادًا من دولةٍ أخرى لحساب دولةٍ ثالثة، ويُنقل

  1. http://digital.ahram.org.eg/Policy.aspx?Serial=907290

السجناء إليها عبر شركات طيران أو وسائط نقل تابعة لدولة رابعة33، بل إنّ الأمر امت دّ إلى القضاء، فحتّى عام 0072 كان هناك 003 قاضٍ دولي يعملون في قضايا مختلفة ويحقّقون فيها خارج نطاق عمل السلطات القضائيّة المحلية، ومن بين الدول العربيّة التي وقعت ضمن دائرة عمل القضاة الدولييّن السودان ولبنان وليبيا وفلسطين34.

ويتبّينّ لنا من زاويةٍ أخرى، من تقرير منظّمة الش فافية أنّه من بين 93 ميزانيّة دفاعيّة جرت دراس تها لدولٍ مختلفة، هناك 13 منها فقط فيها حدٌّ معقول من الشفافية، كما أنّ قطاعات الإنش اءات حقّقت درجة شفافية طبقًا لمقياس المنظّمة تص ل إلى 5.3 من 01، والدفاع 6.6 من 0 1، وهما من القطاعات الأكر معرفة للفساد، كما أنّهما من القطاعات التي تعتمد فيها الدول العربيّة على الشركات الأجنبيّة أكر م ن غيرها35. بل يتبنيّ من التحقيقات الصحفيّة الغربيّة أن %40 من الفس اد في التجارة الدوليّة حتّى عام 011 2، يتركّز في تجارة السلاح36، غير أنّ المنطقة الأعلى في حجم شر اء الأسلحة هي المنطقة العربيّة، وأنّ تقديم الرشى لمس ؤولين عرب لدفع دولهم لعقد صفقات التسلّح هو أمر ش ائع، وتقدم الصحف الغربيّة وبرقيات ويكيليكس ك من التقارير عن هذه الرشى37. العربيّة.

الاختراق الإقليمي

أدّت الثورة الإيرانيّة تحديدًا لإثارة مدى الاخ رتاق الإيرانيّ للنظام الإقليميّ العربيّ، ولعلّ "التماثل" المذهبي ب ني قطاعات في المجتمع العربيّ والمذهب السائد في إيران هو ما وضع هذه المسألة موضع المناقشة، ونظرًا لظروف تاريخيّة، ولعلّ ما وصل إليه تقرير لجنة بس يوني في البحرين يعزِّز وجود المبالغة، إذ انتهى تقرير هذه اللجنة التي تشكَّلت بقرار من ملك البحرين إلى عدم وجود أدلّة على دورٍ إيرانيّ في الأزمة البحرينيّة المعاصرة38.

منظ مات المجتمع المدني وظاهرة التغلغل

تمثّل فكرة "التغلغل" محاولة من الدول الكبرى ولا س يمّا الولايات المتّحدة، للعمل على التشابك مع القوى السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة ومحاولة التأثير في النسيج المجتمعي بكامله سواء بالانخ راط المباشر في هذه الق وى أو بالتغلغل غير المباشر من خلال الأفراد الذين يتبنّون المنظور الأميركيّ. وقد تكون إحدى دراسات مؤسّس ة راند RAND لمواجهة ما تعدهّ تطرّفًا إس ال ميًّا ومعاديًا للسياسة الأميركيّة بالخصوص والغربيّة عمومًا نموذجًا واضحًا لهذا التوجّه، وتستند هذه الدراسة الإس رت اتيجيّة في توجّهها المركزي39 إلى تصوّر يرى أنّ أغلبيّة المسلمين ينتمون للاتّجاه المعتدل في الفكر الإس ال ميّ، لكن المتطرّفين تمكّنوا من بناء ش بكاتٍ وتنظيماتٍ مكَّنتهم من السيطرة، في الوقت الذي يفتقر فيه المعتدلون للإ مكانيّات، الأمر الذي يجعلهم في "حاجة ماسّة إلى الخارج." واستنادًا لخبرة الولايات المتحدة في فترة الح رب الباردة ضدّ الاتّحاد السوفياتي، ترى الدراسة إمكانيّة الاستفادة من هذه الخبرة ولا سيمّا في نطاق تطوير المنظمّات والهيئات الليبراليّة، وتكرار ذلك في توظيف هذه الخبرة في بناء شبكات إسلاميّة في الدول الإسلاميّة وبخاصّة الدول

ويقوم مشروع راند على العمل على مستوياتٍ ثلاثة هي التنظيمات الإس ال ميّة المعتدل ة الموجودة فعالً، والتركيز ع ىل التنظيمات القابلة للتوجّه المعتدل، وأخيرًا خلق بيئة ثقافيّة تشجّع الاعتدال والتسامح.

  1. Stephen Lendman, America's Secret Prisons, http:// dissidentvoice.org\2010\03\amiricas-secret-prisons
  2. وليد عبد الحي، "أثر العولمة على حقوق الإنس ان والحريات العامة"، مجلة الرس 34 الة، المركز الوطني لحقوق الإنسان، السنة الثانية، العدد 5، (كانون الثاني، 006.18.)2، ص
  3. http://www.ft.com/cms/s/2/23fe9960-6712-11e1-9e53-00144feabdc0. html#axzz24lghxy4g - http://bpi.transparency.org/bpi2011/results/
  4. http://www.guardian.co.uk/commentisfree/2012/aug/16/serious-fraud- office-arms-trade
  5. http://bristolagainstarmstrade.wordpress.com/military-sales-to- middle-eastn-africa/
  6. Mahmoud Cherif Bassiouni, “Report of the Bahrain Independent Commission of Inquiry”,Bahrain,Dec, 2011, p.387,paragraph no.1584.
  7. Angel Rabasa, Building Moderate Muslim Network , Rand Center for Middle East Public Policy, 2007, pp. 63-70,113.

وتدعو الدراسة إلى البدء بتنظيمات - حتّى وإن كانت سرّية - والعمل معها، ع ىل أن تكون موثوقة. مع التركيز ع ىل الليبرالييّن والعلمانييّن ورجال الدين الشّبان والنشطاء الاجتماعييّن والنساء المنخرطات في دعوات المساواة والصحفييّن والكتّاب المعتدلين. وتتحدّث الدراسة عن التنظيمات والهيئات المختلفة المرشّحة في المنطقة العربيّة لتكون من بين الركائز للانطلاق في هذه الإستراتيجيّة. من ناحيةٍ أخرى، تدلّ المعطيات التي قدّمتها "نيويورك تايمز" على أنّ الولايات المتّحدة قام ت بتدريب عناصرَ من دولٍ عربيّة على "تعزيز الديمقراطيّة" في دولهم من خلال برامجَ موّلتها الولايات المتّحدة عبر مؤسّسات مثل المعهد الجمهوري الدولي international Republican Natioal Democratic Institute ي والمعهد الديمقراطيّ الوطن وبيت الحريّ Institute ة والصن Freedom House دوق الوطني للديمقراطيّة National Endowment for Democracy، وهو الأمر الذي كان يثير حفيظة الأنظمة السياسيّة الأك ثر تناغامً في توجّهاتها الإس رت اتيجية مع الولايات المتّحدة، ولمّا كانت هذه المؤسّسات تتلقّى الدعم المالي من الولايات المتّحدة، فمن غ ري الممكن فصل توجّهاتها عن التوجّهات الإس رت اتيجية للحكومة الأميركيّة، فالصندوق الوطني للديمقراطيّة الذي أُنش ئ عام يتلقّ 983 ى دعامً بقيمة 00 1 1 مليون دولار سنويًّا من الحكومة الأميركيّة، كما أنّ بيت الحرية يتلقّى القسط الأكبر من ميزانيّته من الحكومة الأميركيّة عبر وزارة الخارجيّة40. وتعود تقاليد التغلغل في جسد الهيئات السياسيّة ومنظمّات المجتمع المدني لفترة مبكرة، ولعلّ الولايات المتّحدة هي الأكر اس تخدامًا لهذا النمط من التغلغل، وقد كشفت الدراس ات المختلفة الخاصّة بهذا الموضوع ولا سيمّا من الممارس ني لها داخل الجهاز الحكومي الأميركيّ مثل وكالة الاستخبارات الأميركيّة نماذجَ واسعة من التغلغل، ويوجز أحد الكتب المهمّة في هذا المجال هذا النمط من التغلغل في ثلاثة أشكال41: الشكل الأوّل: تجنيد أجهزة الاستخبارات الأجنبيّة لبعض أفراد النخب البارزين في البلد موضع التغلغل، ويُطلب منهم إنش اء منظمّات أو هيئات معيّنة ولا سيمّا ذات الطابع العلمي؛ للترويج لأفكارٍ وسياسات معيّنة تعود في محصّلتها النهائيّة بالنفع على الدولة المتغلغِلة. والش كل الثاني: تقديم المساعدات الماليّة لمنظمّات قائمة فعالً، بهدف دفعها نحو مساندة سياسات داخليّة معيّنة تريدها الدولة المتغلغِلة. الش كل الثالث: المساندة السياس يّة والمعنويّة لمنظمّات معيّنة مثل منظمّات حقوق الإنسان، ويجري الدعم بطريقة غ ري مباشرة من خلال: الدعوة إلى المشاركة في فعاليات مؤتمرات دوليّة تك ون معنيّة بموضوعات معيّنة تهمّ الدولة المتغلغلة. توظيف بعض أفراد النخب كمستشارين في هيئاتٍ معيّنة، أو للعمل في الجامعات كأكاديمييّن س واء في هيئات تابعة للدولة المتغلغلة أو في هيئات دوليّة بهدف تعزيز فرص هؤلاء الأفراد في الترقية في مناصبهم ببلاده م ليصبحوا أكر تأثيرًا في صنع القرارات في مستويات مختلفة بدولهم أو أكر تأثيرًا في توجّهات الرأي العامّ المحيلّ. كما يش ري تقرير حديث ومفصّل في مجلّة المستقبل العربي إلى أشكال الاختراق للجسد الس ياسيّ والاجتماعي العربيّ، ويشير التقرير إلى42 "مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط" التي أطلقتها الخارجيّة الأميركيّة في كانون الأوّل / ديسمبر 002 2، ويتضمّن برنامجها مساعدة المنظمّات الأهليّة في المنطقة، وقد أعلن مكتبها ومقرهّ في تونس في شهر شباط / 2، فتح باب الترش فبراير عام 008 يح للحصول على مساعدات موجّهة للمنظّ ام ت المهنيّة والجامعات والهيئات غ ري الحكوميّة وجماعات النساء، ووصلت المبالغ المخصَّصة لعام 008 2 إلى ثلاثة ملايين دولار. ويش ري التقرير إلى أنّ المبادرة قامت بإنشاء ثلاث ة مكاتبَ إقليميّة؛ الأوّل ويشمل لبنان وش ام ل أفريقيا، والثاني في أبوظبي وهو موجّه لبلدان الخليج العربيّ، والثالث في القاهرة مخصّص لمصر. وقد أطلقت السفارة الأميركيّة في تونس برنامج المبادرة المحيلّ تحت عنوان '' المبادرة للتحوّل في تونس'' وتشمل مسؤولياته إدارة برام ج المبادرة في كلٍّ من الجزائر ومصر ولبنان وليبي ا والمغرب وتونس وإسرائيل والأراضي الفلس طينيّة والأردن، وتبلغ قيمة الاعتمادات الماليّة المخصّصة لهذه المبادرة س نويًّا أكر من خمس ني مليون دولار، ويعمل في المكتب الإقليميّ في تونس عشرة موظّفين يشملون دبلوماسييّن أميركيين وموظّفين من المنطقة لهم تجارب في مجالات الإصلاح الديمقراطيّ

  1. http://www.nytimes.com/2011/04/15/world/15aid.html?_
  2. Philip Agee, Inside The Company: CIA Diary, (Penguin, 1975), pp. 69-79. أحم د نظيف، "أسرار الاختراق الأميركي لمنظمات المجتمع المدني في تونس"، المس 42 تقبل العربي، العدد 14.،.2012/4/14
  3. r=1&pagewanted=all

وأنشطة المجتمع المدني وإدارة المنح والمساعدات الماليّة، ويقوم هؤلاء جميعًا بالتنسيق مع سفارات الولايات المتّحدة في المنطقة. وينظِّم المكتب الإقليميّ في تونس مؤتمرات إقليميّة (مؤتمر نس اء الأعمال ومؤتمر القادة الطالّ ب)، كما يس اهم في برامج التبادل (منحة القادة الش بّان وبرنامج تدريب سيدات الأعمال الشابّات)، كما يوفِّر المكتب العديد من آليّات التمويل (المنح الصغرى والمنح المختصّة)، ويساهم في تنظيم المؤتمرات وتسهيل تبادل الزيارات وإعداد الندوات ودورات التكوين. وقد موَّلت المبادرة ع ام 011 2 منظّمة مغربيّة تس مّى '' منتدى المواطن ة'' في برنام ج شر اكة مع نادي اليونسكو، ويهدف البرنامج إلى تكوين القيادات الشبابيّة بمنظور أميركيّ ولا سيمّا في ما يتعلّق بالصراع العربيّ الصهيوني، وقالت مسؤولة البرنامج في معرض حديثها ع ن أهدافه المعلنة '' يعتزم مكتب المبادرة تخصيص عشرين مليون دولار لدعم التحوّل في تونس، وهو أمرٌ من شأنه أن يساعد في ترسيخ المكتسبات التي تحقّقت في تونس في حقبة ما بعد الرئيس بن علي، ومساعدة التونسييّن وهم يحقّقون تقدّمًا نحو التطوّر الديمقراطيّ والرخاء الاقتصادي المستدامين. ويشير تقرير المستقبل العربي المشار إليه سابقًا إلى نشاطات الوكالة الأميركيّة للتنمي ة الدوليّة USAID في تونس (وهي منظّمة حكوميّة تتبع وزارة الخارجيّة الأميركيّةيعنيّ مديرها ومساعده الرئيس الأميركيّ، ويصادق عليهما الكونغرس الأميركي، وهو ما يح ول دون تصنيفها كمنظّمة غير حكوميّة مستقلّة)، إذ إنّها "رصدت ما يزيد على ستيّن ملي ون دينار تونسيّ (نح و 41.3 مليون دولار)، ومن مشاريع تلك الوكالة تمويلها ما يس مّى ب "مدارس المواطنة" في كلّ البلاد التونسيّة، وهي نواد مسيَّس ة تجري فيها استمالة الطالّ ب الأذكياء الذين يرجّح أن يتبوَّأ بعضهم مناصبَ مهمّة مستقبالً. وقامت الوكالة بعد الثورة التونس يّة ببرنامج إطلاق "شبكات المجتمع المدني الإقليميّة"، والتي تهدف إلى جمع مجموعة كبيرة من الجمعيّات في إطار شبكات ينسِّق في ما بينها أحد العاملين بالوكالة، والتي تهدف إلى إنشاء أكبر قاعدة بيانات بخصوص المجتمع المدني، ونجحت الوكالة في إنشاء الشَّبكة الإقليميّة بالجنوب الشرقي، وشبكة الوسط43.

أدوات الاختراق المساعدة

إذا كانت الأدوات السابقة التي أتينا ع ىل عرضها تمثّ ل المحاور الإس رت اتيجيّة للاختراق، فإنّه ا تتّكئ أحيانًا على متغي رِّ ات مساعدة، وتتمثّل في:

Political Intoxication أ. التسميم السياسي

ويعني محاولة نشر أفكار أو قيم معيّن ة في مجتمعٍ معنيّ، والعمل ع ىل نقل مكانة هذه الأفكار والقيم من مستوى القيم التابعة إلى مستوى القيم العليا في المجتمع المستهدف. ويُنجز هذا الهدف بطريقةٍ غير مباشر ة من خلال استقطاب نخبٍ فكريّة وثقافيّة مختارة تتبنّى هذه الأفكار والقيم في المرحلة الأولى، لتقوم في ما بعد بترويجها بطريقة منظّمة بين صفوف المجتمع من خلال وسائل الإعلام والثقافة والمناهج التعليميّة المختلفة45. ويجري التركيز في التسميم الس ياسيّ على تشكيك الفرد والمجتمع في عدالة قضاياه بطريقة تدريجيّة ليصل حدّ خلخلة البنية العقيديّة والتماس ك النفسيّ للمجتمع، ولا بدّ أن تستند عمليّة التّشكيك هذه من خلال الفهم الجيّد للبنية العقيديّة والمركب السيكولوجي للمجتمع لتحديد نقاط الضعف والتسلّل من خلالها، وتتعزَّز هذه العمليّة من خلال تقديم المنظومة القيميّة للمهاجم كبديل أكر نجاعة. ويعدِّد د. رفعت س يد أحمد ستّ عشرة جهة أميركيّة تمارس التسميم السياسيّ في المجتمع الم رص يّ من خلال فروع له ذه الجهات تعمل داخل مصر مع مفكّرين ومثقّف ني وإعلامييّن وهيئات مجتمع مدنيّ، وهو أمر يمكن الاستدلال على تكرار نموذجه في عدد من الدول العربيّ ة46. ويمكن اعتبار الكثير من التقارير الخاصّة بالحرّيات في العالم العربيّ التي تصدرها هيئات أميركيّة أو غربيّة كنماذجَ في بعض ما تورده على التسميم السياسي، إذ تختلط بعض الحقائق في بنية فكريّة توحي بتوجّهات معيّنة تستهدف تحطيم التماس ك النفسي

  1. 44 حامد ربيع، "احتواء العقل المصري"، الأهرام الاقتصادي، العدد 31،33،.1983/1/7
  2. أحمد نظيف، المرجع نفسه.
  3. مثل: الجامعة الأميركيّة في القاهرة، ومؤسسة راند الأميركيّ ة، والمركز الثقافي الأميركي، ومرك ز البحوث الأميركيّة في القاهرة، ومؤسسة فورد فاونديشن، وهيئ ة المعونة الأميركيّة، ومعهد ماساشوس تس وفرعه في القاهرة معهد “إم أي تي” في مبنى جامعة القاهرة، ومؤسسة روكفار للأبحاث، ومؤسسة كارنيغي، ومعهد التربية الدوليّة والمتخصص في منح السلام، ومعهد بروكسنجر، ومعهد دراسات الشرق الأوس ط الأميركي، ومعهد المشروع الأميركي، والأكاديميّة الدوليّة لبحوث الس ال م، ومشروع ترابط الجامعات المصرية والأميركيّة، ومقرهّ المجلس الأعلى للجامعات في القاهرة. انظر التفصيلات في: رفعت سيد أحمد، علماء وجواسيس، ص 43.،

للمجتمع المتلقّ ي47. وإذا كان الخطاب الأيديولوجي والدع ائي السوفياتي يتوجّه للطبقة العاملة، والخطاب الديني يتوجّه للعامّة في الغالب، ف إنّ الخطاب الأميركيّ تحديدًا يركِّز على النخب اعتقادًا أنّ تسميم العقل النخبوي يقود إلى تسميم الثقافة السائدة، ويمكن ملاحظة نماذج التسميم في تغييب قيمٍ معيّنة مثل المقاومة لصالح الس ال م، أو تغليب قيم حوار الأديان على حساب أولويّة الحقوق بين الأديان، أو إعلاء قيمة النموّ على حساب عدالة التوزيع أو تغليب تعبير الانتحاري على الاستشهادي أو الإرهاب على المقاومة أو القضيّة الشرق الأوسطيّة بدالً عن القضيّة الفلسطينيّة...إلخ. وعلى الرغم من أنّ القيم التي يراد ترويجها لتسميم المنظوم ة القيميّة تبدو ذات مدلول إيجابي ويصعب أحيانًا رفضها، فإنّ إع ال ء مكانة تلك القيم يستهدف إعادة تركيب المنظومة بما يستجيب لأهدافٍ معيّنة.

ب. حلف الضواحي

تتمثّل الفكرة المركزيّة في هذه الإس رت اتيجيّة في تعزي ز النزعات الانفصاليّة للثقافات الفرعيّة في المجتمع العربيّ، ومحاولة مدّ جسور العلاقة مع الكيانات السياسيّة التي ستنبثق عن هذه الثقافات الفرعيّة، ولعلّ دراسة أوديد ينون حول إس رت اتيجيّة إسرائيل في الثمانينيّات48، وما كتبه زئيف ش يف في الفترة نفسها تقريبًا - ودعا مؤشرّات على هذا التوجّه49فيه إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دول -. وتقبَّلت بعض الأقلّيات دور الحليف للقوى الكبرى بفعل عاميلَ ضغط؛ أوّلهما الخوف من السلطة المركزيّة، وثانيه ام الخوف من الأقلّيات الأخرى المنافسة لها، وتطوَّر هذا الدور إلى تحوّل تدريجي من هويّات ثقافيّة إلى كيانات سياس يّة واقتصاديّة بل وعسكرة هذه الهويّات50. ولعلّ العلاقات الإسرائيليّة مع الأقلّيات في جنوب السودان وأكراد العراق وبعض القوى المسيحيّة في لبنان بل ومحاولات التواصل مع أمازيع المغرب العربيّ مؤشرّات على كلّ هذه الإستراتيجيّة المساعدة.

ج. الفوضى الخلاقة

لن نعود إلى تأصيل مفهوم الف وضى الخالّ ق ة creative chaos في التنظير السياسيّ ومدى اشتقاقه من مفاهيم العلوم الطبيعيّة ولا سيمّا نظريات بريجوج ني وغيره51، غير أنّ طرح المفهوم لمعالجة أوضاع الشرق الأوسط ولا سيمّا بعد أزمة الاحتلال العراقيّ للكويت وما ترتّب عليه، تبلور بوضوح ع ام 005 2 مع ما طرحته وزيرة الخارجيّة الأميركيّة السابقة كونداليزا رايس استنادًا إلى بعض أدبيات المحافظين الجدد. وتقوم الفكرة المركزيّة لهذا المفهوم على تدمير بني ة قائم ة مختلَّة، بهدف تشييد بنية جديدة من ركام البنية القديمة، وقد رأت الوزيرة راي س والمحافظون الج -دد - أنّ منطقة الشرق الأوسط منطقة مضطربة لأسبابٍ سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، وأنّ عدم الاستقرار يحتاج إلى إعادة تشكيل المنطقة بصورة تعالج مواطن الخلل في هذه البنية الشرق الأوسطيّة.

إستراتيجيّة إعادة التشكيل: نموذج الشرق الأوسط الكبير

عرفت العقود الأربعة السابقة عددًا من التح ولّات في بنية النظام الدوليّ من ناحية والنظام الإقليميّ الشرق الأوسطي من ناحيةٍ ثانية، وقد دفعت هذه التحولّات إلى التأثير في إس رت اتيجيات القوى الدوليّة والإقليميّة في نطاق تفاعلها المتبادل.

  1. http://www.ahram.org.eg/Issues, Views/News/109102.aspx
  2. http://cosmos.ucc.ie/cs1064/jabowen/IPSC/articles/article0005345.html
  3. Ze'ev Schiff, Ha'artz,6-2-1982
  4. Saad Eddin Ibrahim, "Management and Mismanagement of Diversity", http://www.unesco.org/most/ibraeng.htm
  5. Joan Pere Plaza, Chaos Theory and its Application in political Science , (Spain: UAB, 2006).

1، وتس وتمثّلت هذه التحولّات في: الثورة الإيرانيّة عام 979 لّل النزعة التصالحيّة بين العرب وإسرائيل بمس توياتٍ مختلفة، وتنامي الحركة الإس ال ميّة، وانهيار الكتلة الاش رت اكيّة، وعدم تحقيق إس رت اتيجيّات وكالة الطاقة الدوليّة في التحكّم في قطاع الطاقة أيّ نجاح ذي شأن، وتداعيات حروب الخليج والتي أدّت إلى تنامٍ متسارع في ظاهرتين ه ام تزايد الإنفاق الدفاعي، وتزايد الوجود العسكري الأجنبيّ ولا س يمّا الأميركيّ في المنطقة بما في ذلك حلف الأطلسي، ثمّ تنامي المكانة الصينيّة والعودة التدريجية للدور الروسيّ، وأخيرًا الأزمة الاقتصاديّة العالميّة، وتنامي التيّار الفكري ب ني دارسي العلاقات الدوليّة بدخول الولايات المتّحدة مرجل التراجع في المكانة الدوليّة، واستمرار الضغط المتزايد على الوظيفة التقليديّة للدولة. ما دفع إلى تراخي مفهوم السيادة بكلّ ما لذلك من تداعيات على التفاعلات الدوليّة ولا سيمّا مفهوم التدخّل الإنسانيّ وحقوق الإنسان...إلخ. وقد كان ذلك نتيجة لتنامي ظاهرة العولمة التي جعلت التدفّق المالي والسلعي والفكري يؤثِّر كث ريًا في مفاهيم المواطنة التقليديّة وفي مكانة الأيديولوجيات ودرجة تماس ك الثقافات الفرعيّة في ظلّ العلمنة وفي إيقاعات القدرة على التكيّف مع تغريّ سريع ومتس ارع في كلّ أنساق المجتمعات، امّ جعل الهياكل التقليديّة عاجزة عن القدرة ع ىل البقاء في وجه هذا التغي رُّ. ومن المؤكّد أنّ المنطقة العربيّة لم تكن بمنأى ع ن تبعات هذه التحولّات الجذريّة، الأمر الذي دفع لبروز النقاش بشأن آليّات المنطقة للتكيّف مع هذه التحولّات ل ك ييلا يصل الأمر إلى حالة الانهيار، وقد برز تيّاران في إطار آليات التكيّف: التكيّف الداخلي، والذي تكفّلت به القوى المحليّ ة في المنطقة، ويمكن اعتبار ظاهرة "الربيع العربيّ" في بع ض ملامحها مؤشرًّا على محاولة هذه القوى المحليّة "إعادة تشكيل" بنية المنطقة من خلال الإرادة الذاتيّة، والتي تجلّت في التغي رُّ ات التي أصابت بعضًا من النظم السياسيّة العربيّة (وهو أمرٌ لا يدخل في جوه ره في نطاق ورقتنا البحثيّة هذه.) التكيّف الخارجي، والذي قام على فكرة إعادة بناء الشرق الأوس ط وتوظيفه في إطار التناف س الدولي، وشر عت القوى الدوليّة وبعض القوى الإقليميّة في البحث في مسألتين من هذه الناحية؛ الأولى ما هي أنس ب الطرق لإعادة تشكيل بنية المنطقة؟ والثانية، ما هو نمط البنية الجديدة؟ ولعلّ ذلك هو الذي يفس رِّ مشروع الشرق الأوسط، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، والمشروع المتوسّطي، ومشروع الاتّحاد من أجل المتوسّط، وممرّ السلام الياباني، وغيرها من المشروعات. وقد ترافق ظهور هذه المشروعات في فترات مختلف ة من العقود الأربعة المشار اليها سابقًا مع جهدٍ فكريّ لبلورة الإجابة عن السؤالين السابقين، ولكنها تس عى إلى تقديم تصوّرات ل "البنية أو الشكل" الجديد للمنطق ة طبقًا لتوجّهات الدولة الموجِّهة لهذه المشروعات الفكريّة52. ويمكن اعتبار مشروع الشرق الأوسط الكبير الم رشوع الأكر اندفاعًا نحو التحقّق (كما سنوضّ ح)، ولا سيمّا أنّ الدولة الأعظم هي التي كما س تتبنّى هذا المشروع، كما أنّ كثيرًا من معالم المشروع -نوضّ ح - تعكس آليّات الاختراق التي أتينا على مناقشتها في الصفحات السابقة.

من الضروريّ بداية تحديد "الشرق الأوس ط" في المنظور الأميركيّ، إذ نجد أنّ معهد الشرق الأوسط في واشنطن يطابق بين الشرق الأوسط والعالم الإسلاميّ، بينما تحدِّده وزارة الخارجيّة الأميركيّة بأنّه "المنطقة الممتدّة من شمال أفريقيا والهلال الخصيب ودول الخليج"، ويستثني التحديد تركيا، بينما تشتمل مسؤوليات القيادة المركزيّة في تقسيمات وزارة الدفاع الأميركيّة دول القرن الأفريقي ومصر والس ودان والأردن وإيران والعراق وأفغانستان وباكستان، وهو ما يعني أنّ الشرق الأوسط ليس مفهومًا جيوسياسيًّا أو جيوس رت اتيجيًّا مح دّدًا، وإمنّ ا يضيق ويتّسع تبعًا لنطاق المصالح الإستراتيجيّة العليا، وهو أمر تؤكِّده تباينات تعريفات الإقليم في الموس وعة الفرنسيّة عن تعريفات المعهد

  1. من نماذج هذه الدراس ات الخاصة بإعادة تشكيل المنطقة العربية أو الشرق الأوسطية سياسيًّا واقتصاديًا واجتماعيًا، انظر: a. Carl Conetta, Charles Knight & Lutz Unterseher, Toward Defensive Restructuring in the Middle East Research Monograph 1,PDA.1991. b. Roger Owen-State , Power and Politics in the Making of the Modern Middle East, 3rd, (London: Routledge, 2003), pp. 113.219-229. c. Vicki Preibisch, The Political Logic of Economic Restructuring in The Middle East, (Grin, 2006), pp. 15-17.

المل ك البريطانيّ أو التعريفات الإسرائيليّة، غير أنّ تقس يم الإقليم إلى مركز Heartland وحواف periphery، يش ري تقريبًا إلى أنّ المنطقة العربيّة تقع في معظم التعريفات الغربيّة في القلب أو المركز53. ودون الع ودة إلى مقدِّمات ظهور هذا الم رشوع (كمشروع الشرق الأوسط الذي طرحه شمعون بيريز عام 993 1)54، فإنّ أوّل ذكرٍ لفكرة الكبير جاءت في دوريّة الشرق الأوسط Joint Force Quarterly عام 1 56 من خلال سلسلة وثائقيّة وتحليليّ 995 ة للمفهوم، وتمحورت كلّها حول فكرة محدَّدة هي توسيع نطاق عمل القيادة العس كريّة الأميركيّة الوسطى لتمتدّ نحو آسيا الوسطى، وتقوم الأفكار الرئيسة على الربط بين الشرق الأوسط التقليديّ (الصغير) ودول آسيا الوسطى والدول المحاذية لها في باكستان وأفغانستان، ويتمثّل هذا الترابط في57: الثورة النفطيّة في الخليج العربيّ وحول بحر قزوين وآسيا الوسطى. شبكة الأنابيب النفطيّة العابرة لروسيا وإيران وتركي ا والهند وباكستان وأفغانستان. تنشيط طريق الحرير الجديد لربط آسيا بأوروبا من خلال التنسيق المشترك بين الصين وإيران. هذه المنطقة فيها أكبر عدد من الدول النوويّة (روسيا، الصين، الهند، باكستان، إسرائيل، فضالً عن الهواجس من المشروع النووي الإيرانيّ.) تشكيل تركيا لمفصل يربط ب ني المنطقة ومنطق ة عمل الحلف الأطلسي. طغيان الطابع الإسلاميّ على هذه المنطقة من الناحية الثقافيّة، مع تزايد في مكانة الإسلام السياسي. وتعزَّز الجهد الفكري الخاصّ بإس رت اتيجيّة الشرق الأوس ط الكبير بالدراسة التي أنجزها معهد بروكنغز ع ام 997 1 58، ثمّ نشر معهد بحوث السياسة الخارجيّة الأميركيّ دراسة مستقبليّة بعد ذاك بعامين عن الشرق الأوسط الكبير واشتملت على س يناريوهين؛ أحدهما متشائم يفترض استمرار النظم الس لطويّة والحروب، والآخر متفائل يف رت ض تطوّرًا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا في الشرق الأوسط الكبير59، وعادت فكرة الشرق الأوسط الكبير لتبرز بصورة رسميّة في اجتماع مجلس الناتو في براغ عام 0032 عندما تقدَّم المندوب الأميركيّ نيكولاس بيرنز بورقة تحت عنوان "الناتو والشرق الأوس ط الكبير"، وجاء فيها ما نصّه "إنّ على الناتو أن يتّجه جنوبًا وشر قًا ليغطّي نشاطه الشرق الأوسط الكبير"، وقد جاء النصّ على النحو التالي:

NATO’s mandate is still to defend Europe and North America. But we don’t believe we can do that by sitting in Western Europe, or Central Europe, or North America. We have to deploy our conceptual attention and our military forces east and south. NATO’s future, we believe, is east, and is south. It’s in the Greater Middle East.

وتوالت التأكيدات الأميركيّة والأوروبيّة بعد ذلك للمشروع على لسان الرئيس بوش في شباط / فبراير 0042، كما بحث وزراء خارجيّة الاتحاد الأوروبيّ في آذار / م ارس عام 2 موضوع الشرق الأوس 004 ط الكبير، وبحثه اجتماع مجموعة الثمانية G.8، وصوالً إلى تصريحات كونداليزا رايس التي أشرنا إليها سابقًا.

مضمون مشروع الشرق الأوسط الكبير

ينطوي المشروع في أبعاده الرئيسة الواردة في الدراس ات التي أشرنا إليها على تصوّرات تقوم في هدفها النهائي على الاختراق بطرقٍ مختلفة لبنية المنطقة باتّجاه إعادة تشكيلها، ولعلّ أبرز المحاور تظهر في الآتي:

أ. البعد السياسي، ويتمثّل في ما يلي:

العمل على تطوير نظم ديمقراطيّة مع إي الء أولويّة ل "القوى الإسلاميّة" المعتدلة، ولعلَّ مساعي مؤسّسة راند الأميركيّة واضحة في هذا المجال، فقد أشر نا في الصفحات السابقة إلى تقريرها في هذا المجال (انظر الهامش 41)، كما كانت المؤسّس ة قد أنجزت تقريرًا آخر ع ام 2 عن التوجّه نفس 003 ه، ويتبَّينَّ لنا من خلال هذه المساعي التركيز على "إضعاف الإس ال مييّن المعادين

  1. Ted C.Snyder, Turkey's Role in Greater Middle East , Joint Forces Quarterly, no.9, (Autumn,1995).
  2. Shimon Peres, The New Middle East , Holt and Co.N.Y,1993.
  3. Joint force Quarterly, pp. 31-64.
  4. Geoffrey Kemp, Robert Harkevy, Strategic Geography and The Changing M.E., (Brookings Press.1997).
  5. Adam Garfinkle, The Greater Middle East in 2025 , The Foreign Policy Research Institute,1999. 58  Nicholas Burns, The New Nato and the Greater Middle East. in Nato and The Greater Middle East , Conference Proceedings, Prague , Prague Security Studies Institute, 2004, p. 189.
  6. 55 - Hans Binnendijk, Focus on the Middle East , Joint Force Quarterly, pp. 4-5 - J.H.Binford Peay, The Greater Middle East: The Five Pillars of Peace in The Central Region , Joint Force Quarterly, pp. 32-35.
  7. Cheryl Benard, Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies , Rand Corporation,2004, pp. 25-48.

للولايات المتّحدة، وتش جيع الليبرالييّن والحداثييّن، والعمل على نشر الإنتاج الفكري للمؤيديّن للولايات المتّحدة في المنطقة وتوزيعه، وتشجيع الشباب الليبرالي على الكتابة لوسائل الإعلام، وإدخال الفكر الليبرالي في مناهج التعليم الديني، وإيجاد منابر (كالفضائيّات) ليعرض الليبراليّون أفكارهم من خلالها، وتنبيه الشباب إلى التاريخ العربيّ قبل الإسلام أو التاريخ العربيّ المنفصل في تطوّره عن التراث الإسلاميّ، وتشجيع منظمّات المجتمع المدني، وتعزيز التباينات بين الإس ال مييّن والق وى التقليديّة (كالأقلّيات والقبائل وزعماء الريف)، والعمل على تشجيع التعاون بين الليبراليّ ني والتقليديين، وتش جيع المبادئ الفقهيّة التي تساند السلّام مع إسرائيل، وتشجيع الطرق الصوفيّة، وربط "المتطرّفين" بحركات غير شر عيّة، والتأكيد على عجز القوى المتطرّفة عن إدارة الدول، وتعزيز مش اعر الدونيّة لدى المنتمين للحركات المعادية للولايات المتّحدة، وتشجيع ن رش الفضائح التي قد يقع فيها الإس ال ميّون المعادون للولايات المتّحدة، وتعزيز الانشقاقات في صفوف الإسلامييّن، وتأكيد فكرة أنّ فصل الدين عن الدولة يؤدّي إلى تعزيز الدين..إلخ. العمل على تسوية النزاع العربيّ الصهيونيّ بصفة خاصّة من خلال الضغط المستمرّ على القوى المقاومة للسلام مع إسرائيل. تطوير التنسيق الأوروبيّ الأميركيّ في معالجة مشكلات المنطقة. ينطوي المشروع على تصوّرٍ يطالب بإعادة رسم الحدود السياسيّة في المنطقة للتناغم مع الحدود الاجتماعيّ ة، إذ إنّ التنوّعات الإثنيّة في الشرق الأوسط الكبير هي المس ؤولة - في رأي بيرنز - عن التوتّ رات في المنطقة، ولِلَجم هذه التوتّرات لا بدّ من إعادة تشكيل المنطقة لتطابق حدودها الاجتماعيّة (التنوّعات اللغويّة والطائفيّة والقوميّة واللغويّة..إلخ) مع الحدود السياسيّة، وهو أمر يتّسق مع فكرة الدولة اليهوديّة التي يطالب بها رئيس الوزراء الإسرائيليّ نيتنياهو.

ب. البعد العسكري

ويتمحور حول: توسيع نطاق عمل حلف ش امل الأطلسي ليتّج ه جنوبًا وشرقًا (وهو ما تعزَّز بالهجوم على ليبيا عام 012 2). إع ادة توزيع القوّات الأميركيّة في المنطقة بما يتلاءم مع المهامّ ت الجديدة.

ج. البعد الاقتصادي والاجتماعي

ويتمثّل في التصوّرات التالية: تعزيز الانفتاح الاقتصادي وتنمية القطاع الخاصّ في دول الشرق الأوسط الكبير. التأكيد على إعادة النظر في مناهج التعليم في المنطقة. التأكيد على حقوق المرأة. تسهيل دخول دول المنطقة في منظمة التجارة العالميّة. أولويّة النموّ الاقتصاديّ على عدالة التوزيع.

الخلاصة

نظرًا إلى تباين مستويات التطوّر في النظم السياس يّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة بين الدول العربيّة، فإنّ شبكة تفاعلاتها تتباين من دولةٍ إلى أخرى، امّ يترتّب عليه تباين في مستويات الاختراق الأجنبي للدولة أو التغلغل فيها أو النفوذ عليها طبقًا لما أوضحناه في بداية البحث. غير أنّ النظر إلى المنطقة العربيّة كبنية مترابطة، يكش ف عن مستوى عميق من الاختراق العسكري والسياسيّ والاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي يُفقد المنطقة كنظامٍ إقليميّ القدرة ع ىل التخطيط المستقلّ، كما يجعلها أسيرة الخلافات البينيّة بقدرٍ يسهّل على القوى الخارجيّة التسلّل من خلال شقوق البنية الإقليميّة للتلاعب بها. وتسعى دول الاختراق والتغلغل إلى ضمان التدفّق الطاقوي لأسواقها، وضمان الأمن الإسرائيليّ، وتوظيف قدرات المنطقة في تنافس القوى الدوليّة المختلفة.