إسرائيل والتغيّرات الجيوستراتيجية في الوطن العربيّ

محمود محارب

الملخّص

تتابŽŽŽع إسŽŽŽرائيل التغيّŽŽŽرات الإسŽŽŽتراتيجية فŽŽŽي الوطŽŽŽن العربŽŽŽيّ الناجمة عŽŽŽن الثŽŽŽ ورات العربيّة بقلŽŽŽقٍ بالŽŽŽغ، فهي تŽŽŽدرك أنّ فرصها في التحك م فŽŽŽي عملية التغيير التي تجŽŽŽري، وفي مجمل التطوّرات الناجمة عنها محدودة للغاية. ولكن، على الرغم من ذلك، تسŽŽŽعى إسرائيل بقدر اسŽŽŽتطاعتها إلى التقليل من الآثار السŽŽŽلبيّة لتلك التغيّرات عليها وعلى مكانتها ودورها في يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع المنطقة. تعالج هذه الدراسة المواقف الإسرائيليّة من هذه التغيّرات الجيوستراتيجية الجارية مŽŽŽن جهة، والمجتمع والفŽŽŽ رد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار الآن فŽŽŽي الوطŽŽŽن العربيّ نتيجŽŽŽة لثورات الربيŽŽŽع العربيّ، والتŽŽŽي يأتي في مقدّمتها سŽŽŽقوط تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسŽŽŽموح له بممارسŽŽŽة فعله العديد من أنظمة الاسŽŽŽتبداد التي اعتمدت إسŽŽŽرائيل على بعضها فŽŽŽي ضمان أمنها. فقيام عنها فشŽŽŽل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسŽŽŽة لتعدد الإشŽŽŽكاليات الطائفيّة أنظمŽŽŽةٍ ديمقراطيŽŽŽةٍ في العديŽŽŽد من الŽŽŽدول العربيّة جعل صŽŽŽوت الشŽŽŽعوب العربية يطفو على السŽŽŽطح مما أخذ يهدّد بالإخلال بالميزان الذي كانت كفته راجحة لصالح أمن إسŽŽŽرائيل. فŽŽŽي العالŽŽŽم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شŽŽŽيعيّة أخذت تتضخŽŽŽم خصوصيتها إلى درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن وتناقش الدراسŽŽŽة أيض ا تراجع نفوذ الولايات المت حدة فŽŽŽي المنطقة العربيّة، واحتمالات تغيّر أمŽŽŽانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُ ŽŽŽنيَّة لا تزال فكرة الحكم السŽŽŽ لطاني - الذي يغلب ثقافة العلاقات الإسŽŽŽ رائيليّة - الأميركية. كما تناقش قضيّة الأسلحة غير التقليدية، واحتمال فقدان على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين. إسرائيل احتكارها بسبب الربيع العربيّ. وتعْ رض الموقف الإسرائيليّ من الثورة في سورية.

عوامل الاهتمام الإسرائيلي بالربيع العربيّ ومنطلقاته

منذ انطلاق الربيع العربيّ، ما انفكّت إسرائيل تنظر بقلقٍ ش ديدٍ إليه وإلى الواقع السياسيّ الجديد الذي تشكّل ولا يزال يتشكّل، من جرّاء المنطقة. الثورات العربيّة. فإسرائيل تهتّم اهتمامًا كبيرًا بما يجري في الوطن العربيّ ولا سيمّا في الدول المجاورة لها، لاعتقادها أنّ ما يجري في الدول العربيّة يؤثّر بصورةٍ مباشرةٍ وغير مباشر ةٍ في مكانتها ودورها في المنطقة وأمنها القوميّ وسياس اتها العدوانية تجاه العرب وقضاياهم بصورةٍ عامّةٍ والشعب الفلسطينيّ بصورةٍ خاصّة. فإسرائيل التي أقامت وجودها في عام 948 1 على حساب الشعب الفلسطينيّ، ثمّ استكملت احتلال باقي الأراضي الفلس طينية وأراضٍ عربية أخرى في عام 967 1، لا تعدّ نفسها دولةً عاديّةً مثل باقي الدول في المنطقة من حيث الدور والمكانة. وفي س ياق توسّعها الإقليميّ وتعزيزها مكانتها ودورها دولةً مهيمنةً ومهابةً، وذات نفوذٍ واسعٍ في المنطقة، خاضت إسرائيل حروبًا منذ عام 948 1 وحتّى اليوم أكرَ من أيّ دولةٍ أخرى في الع الم، ولم تعتدِ فقط على الدول العربيّ ة المجاورة لها، وإمنّ ا اعتدت أيضًا على عددٍ كبير من الدول العربيّة الأخرى التي تبعد عنها مئات الأميال. وهي الدولة الوحيدة في العالم التي دمّرت مفاعلاتٍ نوويةً، إذ دمّ رت مفاعلينْ نووييّن؛ أحده ام في العراق في عام 981 1، والآخر في س ورية في عام 007 2، وذلك في سياق إصرارها على الاستمرار في احتكار السلاح النوويّ في المنطقة؛ فإستراتيجية إسرائيلَ تجاه الدول العربيّ ة تعتمد على منطلقات القوّة والحرب والردع وموازين القوى. واستندت إسرائيل في إدارة صراعها مع الدول العربيّة إلى عوامل قوّتها الأساسية وضعف الدول العربيّة. وهناك قلقٌ في إسرائيلَ من أنْ تمسّ الثورات العربيّة، على المديين المتوس ط والبعيد بجوانب من عوامل قوّتها من ناحيةٍ، وتنهي عوامل ضعف الدول العربيّة أو تقلّصها من ناحيةٍ أخرى. وتكمن أهمّ العوامل الأساسية لقوّة إسرائيل في: علاقاتها الخاصّة مع الولايات المتّحدة الأميركية، وتفوّقها العسكريّ في الأسلحة التقليدية على جميع الدول العربيّة، واحتكارها الس ال ح النوويّ في المنطقة، ووضعها الاقتصاديّ المتطوّر، وامتلاكها إرادة سياسية موحّدة في قضايا الأمن القوميّ في ظلّ نظامٍ ديمقراطيّ قائمٍ على مسلمّاتٍ أمنيّةٍ وأيديولوجيةٍ عنصريّةٍ معاديةٍ للعرب. وم نْ ناحيةٍ أخرى، ساهمت عوامل ضعف الدول العربيّ ة - وفي مقدّمتها وجود أنظمةٍ عربيةٍ حاكمةٍ مستبدّةٍ وفاسدةٍ، تحتدم الصراع ات بينها، وتفتقر شعوبها إلى إرادتها الوطنية، فتقمع مواطنيها وتحرمهم من أبسط حقوقهم وتحرم مجتمعاتها من التط وّر - في المزيد من تعزيز مكانة إسرائيل وسطوتها في المنطقة، ولا سيمّا أنّ الغالبية العظمى من هذه الأنظمة المستبدّة كانت خاضعةً للأجن دة الإسرائيليّة - الأميركية في

وع ىل الرغم من الصدمة المفاجئة الأوّلية من اندلاع الثورات العربيّة، فإنّه سرعان ما احتلّت هذه الثورات وتطوّراتها والتغيرات الإستراتيجية التي أحدثتها مكانةً مهمّةً عند صانعي القرار الإسرائيليّ في المؤسّستينْ السياسية والعس كرية ولدى مراكز الأبحاث والمؤسّسات الأكاديمية ووسائل الإعلام الإسرائيليّة. وانطلاقًا من المفاهيم والفرضيات المتأصّلة في الثقافة السياسية الإسرائيليّة، وفي مقدّمتها العداء للديمقراطية في الدول العربيّة والعداء للوحدة العربيّة والعمل العربيّ المشَترَك، ناصب ت إسرائيل الثوراتِ العربيّةَ العداءَ منذ بدايتها واتّخذت ضدّها موقفًا واضحًا وضدّ أهدافها المطالِبة بإسقاط أنظمة الاستبداد والفساد وإقامة أنظمةٍ ديمقراطيةٍ تحترم حقوق المواطن وتُقي م العدالة الاجتماعية. وعّبرّ ت إسرائيل عن مواقفها هذه علنًا عبر تصريحات رئيس الحكومة والوزراء وقادة المؤسّسة الأمنيّة، ومن خلال تحليلات المؤسّس ات الأكاديمية ومراكز الأبحاث ووس ائل الإعلام الإسرائيليّة. وشكّكت إسرائيل في قوى التغيير في الوطن العربيّ وفي أصالتها وفي

قناعاتها وفي الأهداف التي تناضل من أجله ا، ودافعت في الوقت نفسه عن أنظمة الفساد والاستبداد العربيّة، ولا سيمّا تلك التي صنّفتها في خانة "الدول المعتدلة"، وتمسّكت بأفكارٍ عنصرية مدّعيةً أنّ نظام الحكم الديمقراطيّ لا يلائم العرب وأنّ أنظمة الحكم المطلق هي الملائم ة لهم. وانس جامًا مع هذه القيم والأحكام، أعربت إسرائيل من خلال قادتها ومؤسّ ساتها المختلفة، عن إعجابها بإتقان أنظمة الاستبداد والفساد العربيّة قمع الشعوب العربيّة ونجاحها في فرض أنظمة حكمٍ قويّةٍ ومستقرّةٍ، إدراكًا منها أنّ أنظمة الاستبداد القويّة في قمعها لشعوبها تنتج دوالً ضعيفةً، خاصّة في مواجهة العدوّ الخارجي.

إنّ التغ ري ات الإس رت اتيجية في الوطن العربيّ الناجمة ع ن الثورات العربيّة، لا تزال تجري وتتفاع ل، ولم تكتملْ معالمها بعد. وتتابع إسرائيل هذه التغيرات بقلقٍ كبيرٍ، وهي تدرك محدودية تأثيرها في عملية التغيير التي تجري وفي التطوّرات الناجمة عنها. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ إسرائيل تسعى بقدر استطاعتها إلى التقليل من آثارها السلبية عليها وع ىل مكانتها ودورها في المنطقة. وسنعالج في هذه الدراسة المواقف الإسرائيليّة من هذه التغيرات الجيوس رت اتيجية في الوطن العربيّ المرتبطة بالربيع العربيّ، والتي يأتي في مقدّمتها سقوط العديد من أنظمة الاستبداد، وإقامة أنظمةٍ ديمقراطيةٍ في العديد من الدول العربيّة، وتراجع نفوذ الولايات المتّحدة في المنطقة العربيّة، والعلاق ات الإسرائيليّة - الأميركية، والأسلحة غ ري التقليدية، والعزلة الإسرائيليّة في ضوء الربيع العربيّ، والعلاقات الإسرائيليّة - المصريّة بعد ثورة 25 يناير والموقف الإسرائيلي من سيناريوهات الثورة في سورية.

سقوط العديد من أنظمة الاستبداد

مثّل س قوط العديد من أنظمة الاستبداد والفساد، وفي مقدّمتها نظام مبارك، خسارةً إستراتيجيةً لإسرائيل. فقد كانت هذه الأنظمة خاضعةً بصورةٍ عامّةٍ للأجندة الإسرائيليّ ة - الأميركية في المنطقة، وتساهم بص ورةٍ مباشرةٍ وغير مباشر ةٍ في تعزيز عوامل قوّة إسرائيل من ناحيةٍ، وفي إضعاف عوامل قوّة الدول العربيّة من ناحيةٍ أخرى. وسنتطرّق إلى نظام مبارك بتفصيلٍ أكرَ بهذا الشأن لاحقًا.

إقامة أنظمة ديمقراطية في العديد من الدول العربيّة

تقف إسرائيل منذ إنشائها وحتّى اليوم ضدّ إقامة أنظمةٍ ديمقراطيةٍ في الدول العربيّة، فهي ترى في ذلك تهديدًا لها ولسياس اتها تجاه العرب؛ إذ يساهم مساهمةً أساسيةً في فتح المجال أمام الشعوب العربيّة للتطوّر والتقدّم بحرّيةٍ في مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية، ويقود إلى تقليص الفجوة بين الشعب وقيادته المنتخبة ديمقراطيًّا بخصوص المواقف من إسرائيل وسياساتها العدوانية ضدّ الش عوب العربيّة، امّ يؤدّي إلى تغيير الإس رت اتيجية العربيّة تجاه إسرائيل من سياسة الخنوع والخضوع لها إلى سياسة مواجهتها ومقاومتها. كما أنّ إقامة أنظمةٍ ديمقراطيةٍ في الدول العربيّة تحمل بين ثناياها تعزيز العمل العربيّ المش رت كَ أيضً ا، قد تقود إلى تحقيق الوحدة العربيّة التي تقف إسرائيل ضدّها وترى فيها خطرًا عليها وعلى سياساتها العدوانيّة تجاه العرب. والعداء للديمقراطية والوحدة العربيّتينْ قديمٌ وعميقٌ ومتجذّرٌ في الفكر والثقافة السياسية الأمنية الإسرائيليّة، ولا يزال س ائدًا في إسرائيل حتّى اليوم. وقد أعرب دافيد بن غوريون مؤسّس إسرائيل وواضع نظريتها الأمنيّة عن خشيته من إمكانيّة أنْ يؤسّس العرب أنظمةً ديمقراطيةً ويحقّقوا وحدتهم السياسية، واعتقد أنّ ذلك يهدّد وجود إسرائيل؛ فقد كتب بن غوريون في يوميات ه في عام 1 أنّ العرب يس 949 عوْن إلى تحقيق الديمقراطية والوحدة السياسية، مش ريًا إلى أنّهم يتجاهلون المعوقات الداخلية والخارجية والزمن المطلوب لوحدتهم، واستخلص مدى خطر ذلك على إسرائيل قائالً: "يا ويلنا يا ويلنا إذا لم نعرف استغلال هذا الزمن لنَكربُ ولنحتلّ مكانةً في العالم قبل أنْ يحقّق العرب هدفيْها".

تصاعد قوّة الإسلام السياسي ووصوله إلى الحكم

هناك اتّفاق في إسرائيل على أنّ ازدياد قوّة الإس الم السياسيّ وتضاعف شعبيته وصعوده إلى سدّة الحكم في العديد من الدول العربيّة من جرّاء الثورات العربيّة، يمثّل تهديدًا لإسرائيل ولسياساتها تجاه القضيّة الفلس طينية والصراع العربي - الإسرائيليّ. ومما يزيد القلق الإسرائيلي من هذا التهديد هو وصول أحزاب الإس ال م السياسيّ إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع وفي سياق عملية البناء الديمقراطيّ الناجمة عن الثورات العربيّة. وتعود الخشية من ازدياد قوّة الإسلام السياسي ووصوله إلى الحكم إلى الأسباب التالية: إنّ تحوّل المنطقة العربيّة والشرق الأوسط أيضًا، إلى معقلٍ للإسلام السياسي الراديكاليّ المستند إلى تأييدٍ ش عبيّ متينٍ في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، يضع حدًّا لأطماع إسرائيل في تطبيع علاقاتها مع الدول العربيّة، وفي إقامة علاقاتٍ إس رت اتيجيةٍ قويّةٍ مع دولٍ محوريةٍ في المنطقة كالعلاقات التي أقامتها إسرائيل مع مصر مبارك ومع تركيا في العقد الذي سبق وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم فيها في عام 002 2. إقام ة الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبييّن علاقاتٍ إيجابية مع أحزاب الإس ال م السياسيّ وخاصّةً مع الإخوان المسلمين، وهو ما قد تكون له آثارٌ سلبيةٌ على سياسات أم ري كا في المنطقة وعلى علاقاتها مع إسرائيل. احتفاظ الأحزاب الإس ال مية السياس ية بعد وصولها إلى الحكم، بمشروعها المعادي لإسرائيل ولسياس اتها في المنطقة، حتّى وإن اتّبعت هذه الأحزاب سياسةً براغماتية. وصول الإس ال م الس ياسيّ إلى الحكم في مصر، يحدّ من "الحرية" التي كانت تتمتّع بها إسرائيل في الاعتداء على الفلسطينييّن في قطاع غزّة. فم ن أجل الحفاظ على العلاقات مع مصر ولو في حدّه ا الأدنى، فإنّ إسرائيل مرغمةٌ على اتّباع سياسة "ضبط النفس" وعدم شنّ حربٍ أو عدوانٍ كبيرٍ ولف رت ةٍ زمنية طويلة. فأيّ حرب أو عدوان واسع على غزّة، ولفترة طويلة، قد يؤدّي إلى تدهور علاق ات إسرائيل مع مصر وتركيا ويسيء إلى علاقاتها مع الولايات المتّحدة.

تراجع نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة العربيّة

هناك ش به إجماع بين الباحثين المختصيّن والقادة الإسرائيلييّن على أنّ النفوذ الأم ري كيّ في المنطقة العربيّة قد تراجع بصورةٍ ملحوظةٍ بعد انطلاق الثورات العربيّة. ويعيدون سبب هذا التراجع إلى جملة أسباب تتصدّرها الثورات العربيّة وموقف الولايات المتّحدة منها وتعاملها مع تطوّر أحداثها. وينتقد المختصّون والقادة الإسرائيليّون الإدارة الأميركية بشدّةٍ لأنّها تخلّت عن نظامَي الاستبداد والفساد في تونس ومصر بسرعة، ولم تس مح لهما باستعمال القوّة الملائم ة للبطش بالمتظاهرين لإنهاء هذين الثورتين، ولأنّها أيّدت تأسيس نظام ني ديموقراطيين فيهما، وأقامت علاقاتٍ مع حركات الإس ال م السياسيّ؛ وهو ما ألحق ضررًا إستراتيجيًّا بالمصالح الأميركية بحسب المحلّلين الإسرائيلييّن. ومن الملاحظ أنّ المختصيّن والمسؤولين الإسرائيليين يربطون ربطًا وثيقًا بين المصالح الأميركية والإسرائيلية واستمرار أنظمة حكم الاستبداد والفساد في الدول العربيّة، ليس مع تلك الأنظمة التي سقطت فقط، وإمنّ ا مع تلك التي لا تزال تحكم أيضًا؛ إذ يؤكّد ميخائيل ميلشتاين أنّ تخّليّ الولايات المتحدة عن نظامَي بن علي ومب ارك "أثّر في ثقة حلفاء أميركا في المنطقة، بأنفسهم وفي ثقتهم بالولايات المتّحدة كركيزةٍ إس رت اتيجية لهم ليس فقط ضدّ تهديداتٍ خارجية كالتهديد الإيرانيّ، وإمنّ ا أيضًا ضدّ التحدّيات والتهديدات الداخلية".

ويث ري تراجع نفوذ الولايات المتّحدة في المنطقة قل ق إسرائيل، لأن الولايات المتّحدة هي الحليف والداعم الأساسيّ لها، والتي لا يزال مصيرها ودورها ومكانتها في المنطقة يرتبط ارتباطًا وطيدًا بمكانة الولايات المتّحدة ونفوذها في المنطقة والعالم، وبعلاقتها بها.

الربيع العربيّ والعلاقات الإسرائيلية الأميركية

اهتمّ الباحثون والمسؤولون الإسرائيليّون بموضوع أثر الربيع العربيّ في طبيع ة العلاقات الإسرائيليّة الأميركي -ة. ويظهر من كتابات الباحثين المختصيّن الإسرائيلييّن وجود قلقٍ وخشيةٍ في إسرائيل من إمكانية تأثير الثورات العربيّة ونتائجه ا في طبيعة العلاقات الإسرائيليّة - الأميركية، وفي الموقف والفعل الأميركييّن تجاه سياسات إسرائيل وخطواتها في المنطقة، والتي تخالف السياسة الأميركيّة أو لا تتماشى معها. أكّد أفرايم عنبار مدير مركز بيغن - السادات للأبحاث الإستراتيجية في جامعة بار إيلان في دراس ةٍ له، أنّ الأمن والردع الإسرائيلييّن يعتمدان ع ىل عواملَ مهمّةٍ يتصدّرها التزام أميركا بأمن إسرائيل وس ال متها واس تعدادها لأنْ تهُبّ لتقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماس ية عندما تقتضي الضرورة. وأضاف أنّ هناك قلقًا في إسرائيل بشأن عدم التزام أميركا في تقديم هذه المساعدات الضرورية لل ردع الإسرائيليّ ومكانتها ودورها في المنطقة دون شر وط. إذ إنّ التجربة أظهرت أنّ الإدارة الأميركية خيّبت آمال العديد من حلفائها وتخلّت عنهم عندما كانوا في أمسّ الحاجة إلى مساعدتها. إلى جانب ذلك هناك خش يةٌ منْ أنْ تحدّ الإدارة الأميركية من "حرية" إسرائيل في القيام بحربٍ أو بعملياتٍ عسكريةٍ كبيرة في المنطقة، أو بخطواتٍ لا تتماشى مع السياسة الأميركية، وأنّها إذا قامت بذلك دون الموافقة الأميركية فإنّها ستلحق ضررًا كبيرًا بعلاقات إسرائيل مع أميركا. وذكّر عنبار بأنّ هذه الحسابات ليس ت جديدةً ولكنّها تحتلّ أهميةً كبيرةً في هذه المرحلة بالذات التي تشهد تغّيرّ اتٍ مهمّةً في المنطقة من جرّاء الثورات العربيّة. واستخلص أنّ ع ىل إسرائيل أخذَ الحيطة الشديدة في علاقاتها مع أميركا في الس نوات القادمة وعليها أالّ تأخذ طبيع ة هذه العلاقات معطى ثابتًا ودائم ًا في هذه الظروف المتغيرة، وتحرص بش دّةٍ على الحفاظ على طبيعة هذه العلاقات ونوعيتها مع أميركا التي لا بديلَ لها. وقد كان داني روتشيلد أكرَ وضوحًا في رؤية المخاطر التي تهدّد العلاقات الإسرائيليّة في أعقاب الربيع العربيّ. وأش الأميركية-ار داني روتشيلد إلى أنّه كان من المفترض أنْ تظه ر إسرائيل بعد الثورات العربيّة بوصفها ذخرًا إس رت اتيجيًّا لأم ري كا لأنّها حليفٌ مستقرّ ودائ مٌ، ولكن حدث عكس ذلك تمامًا؛ إذ باتت الإدارة الأميركية ترى أنّ إسرائيلَ وسياساتها وممارستها في المنطقة، في ضوء الربيع العربيّ، تمثّل عبئًا على السياسة الأميركية في المنطقة. وأكّد روتشيلد أنّ هناك حوارًا إستراتيجيًا نقديًا يدور في مراكز الأبحاث الأميركية المحسوبة على المعسكر الديمقراطيّ، وفي الصحافة الليبرالية إثر الثورات العربيّة، ضدّ السياسات والممارسات الإسرائيليّة في المنطقة، يشبه الحوار النقدي ال ذي تتبنّاه النخب في أوروبا تجاه إسرائيل، والذي يؤكّد على أنّ القضية الفلسطينية هي لبّ الصراع في الشرق الأوسط، وأنّ المواقف الإسرائيليّة هي السبب في عدم التوصل إلى حلّ لهذه القضية المركزية.

الربيع العربيّ والأسلحة غير التقليدية

أثارت الثورات العربيّة اهتمامً ا ملحوظًا في إسرائيل بمدى تأثير هذه الثورات في وضع الأسلحة غير التقليدية في الدول العربيّة، ولا سيمّا في الدول التي حدثت فيها ثوراتٌ، وفي السياسة النووية التي ستتبعها مصر ما بعد الثورة. كانت إسرائيل مرتاحةً جدًّا لسياسة مصر النووية في ظلّ حكم مبارك، نتيجة يقينها أنّه ق د أخذ قرارًا صارمًا بأالّ تطوّر مصرُ مشروعًا نوويًّا عس كريًّا. ولكن الخشية في إسرائيل أنْ تتّجه مصر بعد سقوط نظامه، وبعد أنْ تستقرّ الأوضاع فيها نحو تطوير مشروع نوويّ. أمّا في ما يخصّ الأس لحة الكيماوية والبيولوجية، فقد ظهر قلقٌ في إسرائيل من إمكانية عدم تمكّن أجهزة الدولة في سورية من الحفاظ

ع ىل سيطرتها الكاملة على هذه الأسلحة التي تعتق د إسرائيل أن س ورية تمتلك كميّاتٍ كبيرةً جدًّا منها. وتخشى إسرائيل من أنْ يتسرّب جزءٌ من الأسلحة الكيماوية في ظل استمرار الصراع في سورية إلى حزب الله، أو بعض المجموعات المسلّحة التي تقاتل النظام. وترى إسرائيل أنّ ذلك يهدّدها تهديدًا خط ري ا؛ إذ تعتقد أنّ بإمكانها ردع النظام السوريّ عنْ استعمال هذه الأسلحة ضدّ إسرائيلَ، ولكنّها تجد صعوبةً كب ري ة في ردع حزب الله والمجموعات المسلّحة. وق د يؤدّي حصول حزب الله على هذه الأسلحة الكيماوية إلى تأسيس الردع المتبادل بينه وبين إسرائيلَ، وهذا ما لا تريد إسرائيل حدوثه بتاتًا.

إسرائيل والتغيير في مصر

اهتمّت إسرائيل منذ نشوئها وحتّى اليوم اهتمامًا كبيرًا بمصرَ وبدورها المه م في معادلة الصراع العربي الإسرائي -يلّ وبقدرتها على التأثير في مجمل العلاقات العربيّ ة - الإسرائيليّة، سواء في مرحلة الحرب بين الدولت ني أو في مرحلة ما بعد توقيع اتّفاقية الس ال م مع مصر في عام 979 1. ويرجع ه ذا الاهتمام إلى عاملينْ أساس يّينْ، أوّلهما قوّة مصر الذاتية بوصفها دولةً كبيرةً ومتماس كةً وذات طاقاتٍ عظيمةٍ كامنة،ٍ تجعلها الدولة العربيّة الأقدر على الصمود أمام إسرائيل والتصدّي له ا. وثانيهما، دور مصر العربيّ والإقليميّ المهمّ، الذي مكّنها من تبوّؤ صدارة العمل العربيّ المشترَك وقيادته فترةً طويلةً. وانطلاقًا من هاتين الحقيقت ني، وإدراكًا منها أنّ م رص تمتلك "مفتاح" المنطقة العربيّة إلى حدّ بعيدٍ، لم تكن إسرائيل ترى أنّ اتّفاقية كامب ديفيد أنهت ال رصاع بينها وبين مصر، وإمنّ ا اعتقدت أنّه دخل طورًا جديدًا واتّخذ صورةً جديدةً مغايرةً لما كان عليه. فبعد توقيع اتّفاقية كامب ديفيد تمسّ كت إسرائيل بمنطلقاتها الأساسية بشأن الصراع العربي - الإسرائيليّ واستمرّت في صراعها مع مصرَ على جملةٍ واسعةٍ م ن القضايا التي أحرزت فيها إنجازاتٍ مهمّةً لمصلحتها، وفي مقدّمتها التقليل من مكانة م رصَ وتهميش دورها العربيّ والإقليميّ، وتقليص تأثيرها في تطوّر الأح داث في المنطقة، وفرض الأجن دة الإسرائيليّة - الأميركية عليها في ما يخصّ قضايا الصراع الأساسية في المنطقة بصورةٍ عامّةٍ، والقضية الفلسطينية بصورةٍ خاصّةٍ، ولا سيما في النصف الثاني من فترة حكم مبارك. و امّ ساعد إسرائيلَ في تحقي ق أهدافها وجود نظام حكمٍ في مصرَ قائمٍ على الاستبداد والفس اد ويسعى إلى توريث السلطة لابنه كغيره من أنظمة الحكم في الدول العربيّة. لقد أثّر انتصار ثورة 25 يناير 011 2، وإسقاط نظام الاستبداد والفساد في وضع إسرائيلَ الجيوستراتيجيّ في المنطقة؛ ووضع أمام إستراتيجيتها المعادي ة لمصرَ والدول العربيّة تحدّياتٍ ومخاطرَ جديدةً. فقد فقدت إسرائيل أهمّ حلفائها في المنطقة في العقود الأخ ري ة، والذي قدّم لها خدماتٍ جمّةً وصفها المس ؤولون الإسرائيليّون بأنّها لا تقدّر بثمنٍ. وح دث تطوران مهامّ ن للغاية كانت إسرائيل تخشى حدوثهما لما لهما من تأثيراتٍ إس رت اتيجيةٍ على مصير م رص والمنطقة: الأوّل، الشروع في إقامة وتأس يس نظامٍ ديمقراطيّ في مصرَ، والمضي قدمًا في تعزيزه على الرغم من الصعوبات التي تواجهها عملية تأسيس النظام الديمقراطيّ. والثاني، وصول الإسلام السياسيّ الذي يحمل مشروعًا معاديًا لإسرائيلَ، إلى سدّة الحكم في مصرَ عن طريق صناديق الاقتراع. لقد غّيرّ ت ث ورة 25 يناير المصرية، ولا سيمّا بعد انتخاب محمد مرسي رئيسًا لمصر، طبيعة العلاقات بين مصر وإسرائيل ونوعيتها. ووضعت حدًّا للشراكة الإس رت اتيجية بين الدولتين وحرّرت الإرادة الوطنية المصريّة من تبعيتها للأجندة الإسرائيليّة - الأميركية في المنطقة بصورةٍ عامّةٍ وفي القضية الفلس طينية بصورةٍ خاصّةٍ. وعلى الرغم من صعوبة أوضاعها الاقتصادية، وصعوبة مرحلة عملية التأسيس لنظامٍ ديمقراطيّ وما يرافقها من صراعاتٍ داخليةٍ شديدةٍ، بدأت مصر في استعادة مكانتها ودورها في المنطقة المتعارض والمتناقض مع دور إسرائيل وسياستها العدوانية في المنطقة. ومن الواضح أنّ أشدّ ما يقلق إسرائيل هو الاتّجاه الإس رت اتيجي الذي اتّخذته وتتّخذه مصر ما بعد الثورة في علاقاتها مع إسرائيل، ولكن دون التقليل من قلق إسرائيل بشأن تأثير الثورة في نوعية العلاقات ب ني الدولتين في الوقت الحالي وع ىل المدى القريب. فإسرائيل تدرك أنّ الدور المصريّ ما بعد الثورة، ومدى تأثيره وفعاليته في قضايا الصراع والخلاف مع إسرائيل، مرتبطٌ بعواملَ كثيرةٍ تأتي في مقدمتها قوة مصر الذاتية في مختلف المجالات ونوعية علاقاتها العربيّة والإقليمية والدولية وموازين القوى بينها وبين إسرائيل.

وانطلاقًا من هذا الإدراك، أولت إسرائي ل اهتمامًا كبيرًا بمصرَ ما بعد الثورة وبتأثير سياساتها في إسرائيل في المديين القريب والبعيد في جملةٍ من القضايا، وفي مقدّمتها: طبيعة العلاقات الثنائية بين الدولتين ومستقبل اتّفاقية السلام وتأثير التغيرات في مصر على سياسة إسرائيل تجاه القضية الفلسطينية بملفّاتها المختلفة، وفي ميزان القوى في المنطقة وفي الأمن القوميّ الإسرائيليّ، ووضع إسرائيل العسكريّ وفي حجم الجيش الإسرائيليّ ومدى استعداده لإمكانية المواجهة العسكرية مع مصر في حال تدهور العلاقات بين الدولتين.

العلاقات الثنائية ومصير اتّفاقية السلام

هناك إجماعٌ في إسرائيل على الأهمية القصوى لاتفاقية السلام مع مصر بالنسبة إلى أمن إسرائيل القوميّ ووضعها الإستراتيجي في المنطقة، وأنّ عليه ا بذل أقصى الجهد من أجل الحفاظ على هذه الاتفاقية. وهناك أيضًا إجماعٌ على أنّ م رص ما بعد الثورة، وخاصّةً بعد انتخاب محمد مرسي رئيسًا لها، قد وضعت ح دًّا لطبيعة العلاقات السابقة التي كان ت قائم ة بين إسرائيل ونظام مب ارك، وغريّ ت نوعية هذه العلاقات وطبيعتها تغييرًا كبيرًا. وتحاول إسرائيل استقراءَ مدى تأثير إقامة نظامٍ ديمقراطيّ في مصر ووصول "الإخوان المسلمين" إلى سدّة الحكم فيها، بواسطة صناديق الاقتراع في مس تقبل العلاقات المصرية - الإسرائيليّة على المدى القريب والمتوسط والبعيد. وتحاول أيضًا استقراء إذا ما كان التغيير في السياسة المصرية سيقتصر على تغيير نوعية العلاقات في ظلّ الالتزام باتّفاقية كامب ديفيد، أم أنه سيشمل المطالبة بإجراء تعديلاتٍ فيها، أم أنّ مصر ستعمل على إلغاء اتفاقية كامب ديفيد على المديين المتوسط والبعيد. يستبعد معظم الباحثين والمختصيّن الإسرائيلييّن إقدام مصر في المدى القريب ع ىل إلغاء اتّفاقية كامب ديفيد، لأسبابٍ براغماتيةٍ تعود إلى حسابات موازين القوى والعلاقات مع الولايات المتّحدة والدول الغربية، وإلى انعكاسات مثل هذا القرار على وضع مصر الاقتصاديّ. وقد أشار أكرُ من باحثٍ ومختصٍّ إسرائيليٍّ إلى أنّ الحفاظ على علاقاتٍ مستقرّةٍ بين مصرَ وإسرائيلَ هو أمرٌ حيويّ لمصرَ، ولا سيما بالنسبة إلى اقتصادها؛ فهناك أربعة قطاعاتٍ مهمة وواس عة في الاقتصاد المصريّ لها علاقةٌ مباشرةٌ وغير مباشر ةٍ باستقرار العلاقات مع إسرائيل وبعدم حدوث مواجهةٍ عسكريةٍ، وهي: السياحة، والنف ط والغاز، وقناة السويس، والمساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية. ولكنْ، من الملاحظ أنّ هناك قلقً ا إسرائيليًّا على مصير اتّفاقية كامب ديفيد على المدى البعيد. فقد هزّ الربيع العربيّ الكثير من المس لمّات التي كانت سائدةً لدى الإسرائيلييّن بشأن م رص والمنطقة العربيّة. وضاعف قلق الإسرائيلييّن على مص ري اتّفاقية كامب ديفيد أنّ ارتبط في الماضي مصير اتّفاقيات الس ال م بين إسرائيل وجيرانها بإرادة الحاكم فقط، كما يؤكّد المختصّون الإسرائيليّون، لكن، بعد الربيع العربيّ ظهر عاملٌ جديدٌ ذو تأثيرٍ كبير في هذه الاتّفاقيات وهو الشارع العربيّ أو الرأي العامّ العربيّ الذي تحرّر من نظام الاستبداد. وهناك خشيةٌ في إسرائيل من أنْ يقود تأثير الرأي العامّ المصريّ المرافِق لوصول الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم في م رص، وهم الذين يحمل ون مشروعًا معاديًا في الأصل لإسرائيل، إلى المطالبة الجدية بتعديل اتّفاقيّة كامب ديفيد أو إلغائها كليةً على المدى البعيد، عندما تصبح مصر في وضعٍ قويٍّ يسمح لها بذلك. لقد كان الأمر الأهمّ بالنس بة إلى إسرائيل بشأن اتفاقية كامب ديفيد أنّها أخرجت مصر من حلبة الصراع العسكريّ معها، ومكّنتها طوال العق ود الماضية من افتراض أنّه لنْ تحدث أيّ مواجهةٍ عسكريةٍ مع مصرَ في أيّ حالٍ من الأحوال، حتّى وإنْ شنّت إسرائيل حربًا وعملياتٍ عسكريةً واس عةً ضدّ أي طرف عربيّ. وبناءً على هذه الفرضية أكّدت المؤسّسة العس كرية الإسرائيليّة طوال العقود الماضية أنّه لنْ تكون

هناك مواجهةٌ عسكريةٌ بين م رصَ وإسرائيلَ ما لم يح دث "تحوّل إس رتاتيجي" في مصر. والسؤال الأهمّ الذي تحاول إسرائيل الإجابة عنه: هل حصل هذا "التحول الإس رتاتيجي" في مصر ما بعد الثورة؟ يتّفق المحلّلون الإسرائيليّون على أنّ "التغيير الإس رت اتيجي" في مصر تجاه إسرائيل عمليةٌ طويلةٌ تستغرق سنواتٍ، وليس حدثًا يأتي دفعةً واحدةً، وهو ما يعطي إسرائيل الوقت الملائم للاستعداد له. وهناك سؤال آخر تحاول إسرائيل الإجابة عنه، هل بدأ فعالً في مصر "التحول الإستراتيجي" الذي يملي عليها إجراء تغييرٍ في إستراتيجيتها العسكرية، وزيادة ميزانيتها الأمنية، وزيادة حجم الجي ش الإسرائيليّ برًّا وجوًّا وبح رًا في الأفراد والعتاد والذخيرة؟ ويدعو العديد من المختصيّن الإسرائيلييّن إلى متابعة مسألة "التغيير الإستراتيجي" في مصر وفحصها بدقّةٍ كي تقوم إسرائيل بالاستعداد لمواجهته في الوقت الملائم.

الوضع في سيناء

يحتلّ الوضع في سيناء أهميةً كبيرةً لكلّ من مصر وإسرائيل، ولا سيمّا أنّه يش كّل خطّ الاحتكاكٍ المباشرٍ بين الدولتين، وتتأثّر به - في الوقت نفسه - العلاقات الثنائية بينهما وتؤثّر فيه، ويكشف أيضًا القيود التي فرضتها اتّفاقية كامب ديفيد على الس يادة المصرية في سيناء. وتواجه مصرُ منذ سنواتٍ مشكلةً كبيرةً في بسط نفوذها على وسط سيناء وش ام لها. وتعود هذه المشكلة جزئيًّا إلى سياسة الإهمال والتهميش التي مارستها الدولة تحت حكم نظام مبارك ضد مواطنيها في سيناء، ما أدّى بجزء كبيرٍ منهم إلى إدارة ظهره للنظام المصريّ ومؤسّساته، وإلى ظهور مجموعاتٍ كثيرةٍ مسلّحةٍ وغير مسّلحةٍ، تعمل ضدّ النظام المصريّ من ناحيةٍ، وضدّ إسرائيلَ من ناحيةٍ أخرى. فهي تقوم بتهريب الس الح للمقاومة في قطاع غزّة، وتهريب المهاجرين السرّييّن الأفارقة إلى إسرائيلَ. أمّا الجزء الآخر من المشكلة، فيعود إلى الملحق العسكريّ لاتّفاقية كامب ديفيد الذي يمنع وجود الجيش المصريّ في وسط سيناء وش ام لها، ويقصره على وجودٍ رمزيّ فقط، الأمر الذي حدّ من قدرة الدولة على استعمال الجيش المصريّ في مواجهة المجموعات المسلحة، ولا سيما أنّ نظام مبارك كان يركّز على أسلوب القمع في مواجهة المجموعات المسلّحة. تقلّص نفوذ الدولة في س يناء، أثناء ثورة 25 يناير وبعدها، وازداد نشاط المجموعات المسلّحة في مختلف المستويات. وقد عارضت إسرائيل إجراء تعديلاتٍ على الملحق العسكريّ لاتّفاقية كامب ديفيد، أو إدخال الجيش المصري ما يحتاج إليه من قوّاتٍ ومعدّاتٍ عسكريةٍ لمواجهة المجموعات المسلّحة، دون الموافقة الإسرائيلية الرسمية المسبقة. وقد بدا هذا الموقف الإسرائيليّ ضعيفً ا ولا يتماشى مع التغريّ ات في مصر ولا مع المستجدّات في سيناء التي لم تتوقّع اتّفاقية كامب ديفيد حدوثها، ولا سيمّا أنّ إسرائيلَ دأبت على الش كوى من عدم قيام مصرَ بمواجهة المجموعات المسلّحة ومكافحة تهريب السلاح إلى قط اع غزّة. وترفض إسرائيل في الوقت نفس -ه - إجراء تعديلاتٍ على الملحق العسكريّ لاتّفاقية كامب ديفيد بما يتلاءم مع المتطلّبات الأمنية المصرية الداخلية، وتتمسّ ك بأنْ يكون دخول القوات المصرية إلى وسط سيناء وش ام لها محدودًا من حيث الأفراد والعتاد والفترة الزمنية. ويبدو أنّ نوعية هذه العلاقة كانت تتلاءم مع نظام مبارك وليس مع النظام الجديد؛ إذ أدخلت م رص ما تحتاج إليه من قوات الجيش المصريّ إلى سيناء لمكافحة المجموعات المسلّحة دون استئذان إسرائيل. وقد دعا الدبلوماسيّ الإسرائيليّ السابق والباحث في معهد دراسات الأمن القوميّ بجامعة تل أبيب عوديد ع ري ان الحكومة الإسرائيليّة إلى الاستجابة إلى إجراء تعديلاتٍ على الملحق العسكريّ لاتّفاقية كامب ديفيد إذا طلبت مصرُ ذلك، وإذا "كانت التعديلات المطلوبة معقولةً." فوفقًا لعيران، إن هدف هذه التعديلات هو تمكين مصر من مواجهة المجموعات المسلّحة، ومكافحة تهريب السلاح إلى قطاع غزة، والحفاظ على القانون والنظام، وليس محاربة إسرائيلَ. كما أنّ إعادة إقرار مصرَ اتّفاقية الس ال م، في ظل حكم الإخوان المس لمين، وبعد أن تستجيب إسرائيل للتعديلات المطلوبة، لها فوائد سياسية مهمّة.

إسرائيل والثورة السورية

كان الموقف الإسرائي يلّ من النظام السوريّ، ومن الثورة الس ورية المطالبة بإسقاطه، مركّبًا ومعقّدًا، وتتنازعه عوامل عديدةٌ مختلفةٌ ومتضاربةٌ يدفع بعضها نحو إسقاط النظام، في ح ني تدفع عوامل أخرى باتجاه معاكس، ع ىل خلاف الموقف الواضح والداعم لنظام مبارك والمعارض لإسقاطه بشدّةٍ. ومنْ أهمّ العوامل التي تدفع الموقف الإسرائيليّ باتّجاه تفضيل إسقاط النظام السوري ما يلي: التحالف الذي أقامه النظام السوريّ مع إي ران و"حزب الله" وبعض التنظيمات الفلسطينية، والذي أصبح مح ورًا مهامًّ في مناهضة السياس ة الإسرائيليّة - الأميركية في المنطقة في ما يخصّ الملفّات: السوريّ، واللبنانيّ، والفلسطينيّ، والملفّ النوويّ الإيرانيّ. وترى إسرائيل أنّ سقوط النظام السوريّ سينهي المحور الإيرانيّ - السوريّ المناهض لسياساتها في المنطقة، في مرحلةٍ مهمّةٍ وحسّاسةٍ في الصراع بش أن الملفّ النوويّ الإيرانيّ، ويغريّ طبيعة علاقات سورية مع حزب الله؛ ويفكّك التحالف القائم بينهما، وهو ما يقود إلى إضعاف حزب الله. تمسّك النظام السوريّ بموقفه المناهض لشروط السلام الإسرائيليّة الأميركية، وإصراره على انس -حاب إسرائيلَ من الجولان السوريّ المحتلّ إلى حدود الرابع من حزيران / يونيو 967 1. و على الرغم منْ أنّ إسرائيل تتّخذ النظام الس وريّ عدوًّا، فهناك عواملُ مهمّةٌ تدفع الموقف الإسرائيليّ باتّجاه تفضيل بقاء النظام السوريّ في الحكم واعتقاد أنّ هذا السيناريو يعد أقل س وءًا بالنسبة إليها. فمن خبرتها بالنظام السوريّ في العقود الماضية، تراه عدوًّا مريحًا يمكن ردعه من ناحيةٍ، والتوصّل إلى تفاهماتٍ مهمّ ةٍ معه من ناحيةٍ أخرى، وبخاصّة منذ توقيعه اتّفاقية فصل القوات ووقف إطلاق النار مع إسرائيل في عام 974 1، ومن هذه الأسباب: احترام النظام الس وريّ منذ عام 9741 اتّفاقية وقف إطلاق النار على الجبهة السورية، وعدم سماحه للجيش السوري أو المقاومة بإطلاق رصاصة واحدة على قوات الاحتلال الإسرائيليّ في الجولان. اتّخاذ النظام السوري القرار التاريخيّ بأنّ السلام مع إسرائيل هو خياره الإستراتيجي، وأنّ مسألة استعادة الجولان السوريّ المحتلّ تعالَج بالطرق السلمية والمفاوضات غ ري المباشرة مع إسرائيل، وذلك منذ نهاية البحث عن "التوازن الإس رت اتيجي" مع إسرائيل وبدء مفاوضات مدريد. إجراء النظام السوريّ مفاوضاتٍ جديةً وطويل ةً مع إسرائيلَ في تسعينيات القرن الماضي بوساطةٍ أميركيةٍ وتركيةٍ، في عامَي و 0070082 2؛ وإبدائه استعداده لتوقيع اتّفاقية س ال مٍ مع إسرائيلَ وإقامة علاقاتٍ طبيعيةٍ معها في مختلف المجالات مقابل استعادة الجولان المحتلّ. أثبتت التجربة في العقود الماضية أنّ بإمكان إسرائيل التوصّل إلى تفاه ام تٍ مهمّةٍ مع النظام الس وريّ، من خلال الاتّصال المباشر به، على أرضية المصالح المش رت كة بشأن القضاي ا العربيّة الأكر حساس يةً، حتّى إنْ كانت تتناقض مع مواقف النظام السوريّ العلنية الرسمية. لق د أثّرت العوامل المذكورة في الموقف الإسرائيليّ تجاه الثورة في سورية. وقد بدا واضحًا، على الرغم من خطاب قادة إسرائيل اللفظيّ الذي يتّسم في كثيرٍ من الأحيان بالتخبّط، أنّ الموقف الإسرائي يلّ فضّ ل عدم استجابة النظام السوري لمطالب الثورة السورية المنادية بالحرية والديمقراطية، واللجوء إلى الحلّ العسكريّ القمعيّ، لأنّ إسرائيل ترى أنّ إقامة نظامٍ ديمقراطيّ في سوريةَ تمثّل تغييرًا إستراتيجيا فيها له تأثيره المهمّ في المنطقة، ويحمل إمكانية النهوض بها وتعزيز قدراتها ومكانتها ودورها في المنطقة على المديين المتوسّط والبعيد، وهو ما يزيد من قدراتها في مواجهة إسرائيل. وقد تفضّ ل إسرائيل إدامة الصراع في سورية واستمراره أطولَ فترةٍ ممكنةٍ من أجل استنزاف الدولة والشعب وطرفي الصراع: النظام والثورة. ويطرح المختصّون الإسرائيليّون عدّة سيناريوهاتٍ لمستقبل سورية ومدى تأثير ذلك في إسرائيل والمنطقة. وأهمّ هذه السيناريوهات:

تمكّن نظام بشار الأسد بعد جهدٍ طويلٍ ومري رٍ من البطش والقمع، من البقاء في الحكم لسنواتٍ. ويؤكّد غيورا آيلاند أنّ هناك تأييدًا لهذا السيناريو في أروقة متّخذي القرار في إسرائيل، لأنّه أقلّ السيناريوهات سوءً كما يدّعي. وإذا بقي بشار الأسد في الحكم، فإنّه سيبذل كلّ جهده في محاولة توطيد حكمه في الداخل والحصول ع ىل الشرعية الدولية في الخارج. وفي هذه الظروف فإنّه سيكون ضعيفًا جدًّا ولن يفكّر في المواجهة مع إسرائيل، وقد يخفّف من دعمه لحزب الله. إسقاط النظام السوريّ ودخول س ورية في حالة من الفوضى والصراع الداخليّ. وهذا السيناريو سيضعف سورية ويقلّل من خطرها العسكريّ على إسرائيل، ولكنّه في الوقت نفسه سيضع حدًا لوقف إطلاق النار بين س ورية وإسرائيل. إذ من المرجح أنْ تقوم بعض المجموعات المسلّحة بهجماتٍ على الجيش الإسرائيلي في الجولان السوريّ المحتلّ وتفتح جبهةً مع إسرائيل تستقطب شيئًا فشيئًا المزيد من المجموعات المسلّحة مستغلّة الفوضى وعدم وجود حكمٍ مركزيّ قويّ في سورية. وصول الإس ال مييّن إلى السلطة بواس طة صناديق الاقتراع بعد إسقاط النظام، وفي هذه الحالة ستتحالف سورية مع تركيا وستكون أكرَ عداءً لإسرائيل. إقامة نظامٍ ديمقراطيّ يتمخّض عنه انتخاب فئات وأحزاب ذات توجّه س ياسيّ عامّ قريب من الغرب. وفي مثل هذه الحالة، فإنّه م ن المرجح أالّ يتّخذ الحكم الجديد في البداية على الأقلّ، موقفًا عدائيًّا تجاه إسرائيل، من أجل تثبيت الحكم. ومن المرجّح أن يشجّع وجود هذا النظام الدول الغربية على ممارسة الضغط على إسرائيل لإعادة الجولان السوريّ المحتلّ إلى سورية في إطار اتّفاقية سلامٍ بين إسرائيل وسورية.

الخاتمة

هزّ الربيع العربيّ العديد من الفرضيات والمسلمّات الأساسية المخطئة التي كانت سائدةً في إسرائيل ول دى الكثيرين في المنطقة والعالم عن "طبيعة" الإنسان العربيّ، وتقبّله الخضوع للظلم والخنوع لأنظمة الاستبداد، واستقرار حكم أنظمة الاس تبداد والفساد واستمرارها في الدول العربيّة. وفي الوقت نفسه، أظهر الربيع العربيّ الطاقات الكبيرة الكامنة في الشعوب العربيّة وأعاد التقدير إلى الرأي العامّ العربيّ والجماهير العربية في قدرتها على التأثير في تطوّر الأحداث في المنطقة. ومنذ انطلاقها، أثارت الثورات العربيّة قلقًا عميقً ا في إسرائيل، لما تحمله من عواملَ مهمّةٍ مؤثّرة من ش أنها - إذا تحقّقت أو تحقّق بعضه ا - أنْ تُضعف عوامل قوّة إسرائيل من ناحيةٍ، وتعزّز عوامل قوّة الدول العربيّة من ناحيةٍ أخرى. فعلاوةً على إسقاط العديد من أنظمة الاستبداد والفساد، وفي مقدّمتها خسارة إسرائيل لنظام مبارك - حليفها الإستراتيجي الأفضل في العقدين الأخيرين - هناك قلقٌ حقيقيّ في إسرائيل من إمكانية نجاح الثورات العربيّة في تأسيس أنظمة حكمٍ ديمقراطيةٍ متينةٍ في الس نوات القادمة في العديد من الدول العربيّة، ولا سيمّا في مصر؛ ووصول قوى وأحزابٍ سياسيّةٍ إلى سدّة الحكم في الدول العربيّة بواسطة صناديق الاقتراع، تحمل مشروعًا معاديًا لإسرائيل ولسياساتها في المنطقة وتسعى إلى تغيير طبيعة العلاقات معها والتصدّي لها ولسياساتها العدوانيّة في المنطقة تجاه الشعب الفلسطينيّ والدول العربيّة. وتخشى إسرائيل أنْ يقود ذلك إلى تعزيز العمل العربيّ المش رتَك، ولا سيمّا في القضية الفلسطينيّة، ويساهم في تهيئة الظ روف الملائم ة لإعادة الوحدة الوطنية الفلسطينيّة، وتبنّي الدول العربية إستراتيجية جديدة تجاه إسرائيل لعزلها إقليميًّا ودوليًّا، وهو ما قد يؤدّي إلى تراجع علاقات إسرائيل مع حلفائها، إذا استمرّت في سياسة الاستيطان في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة والبطش بالشعب الفلسطينيّ.