السلوك الصينيّ الروسيّ في مواجهة موجة الربيع العربيّ

محمد فايز فرحات

الملخّص

تؤكد هذه الدراسŽŽŽة علŽŽŽى أهمية عدم اعتماد المصالح الاقتصادية والتجارية للصين وروسŽŽŽ يا فŽŽŽي الŽŽŽدول العربية كمحدِّدٍ رئيس لمسŽŽŽلك هاتيŽŽŽن الدولتين تجŽŽŽاه ثورات الربيŽŽŽع العربي. إذ حاولŽŽŽت كثيŽŽŽرٌ من التحليلات تفسŽŽŽير المسŽŽŽلك الصينŽŽŽي والروسŽŽŽي بالتركيز علŽŽŽى المصالح الاقتصادية. كما اتسم قسمٌ آخر من هذه التحليلات بالمعالجة الجزئية، أو بإغفال وضع هذه المصالح في سياقٍ يربط بين الدوافع الإستراتيجية لهذين الفاعلين المهمّ يْن، ومصالحهما يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع الوطنية الداخلية. تعرض الدراسة أربعة مداخل مختلفة، لفهم السلوك الصيني والروسي، مŽŽŽن جهة، والمجتمع والفŽŽŽ رد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار خاصة الأزمة السŽŽŽ على خلفية الأزمات الإقليمية والدولية التي تطورت في المنطقة -ورية - تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسŽŽŽموح له بممارسŽŽŽة فعله في سŽŽŽياقٍ مت صل مع أزمات إقليمية سŽŽŽ ابقة، كأزمة الحرب الروسية -الجورجية. وعلى الرغم عنها فشŽŽŽل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسŽŽŽة لتعدد الإشŽŽŽكاليات الطائفيّة من أهمية الدوافع الاقتصادية، فالدراسة لا تعتمدها مدخلا متمايز ا لفهم السلوك الصيني أو فŽŽŽي العالŽŽŽم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شŽŽŽيعيّة أخذت تتضخŽŽŽم خصوصيتها إلى الروسي، بل تعرض الدراسة مستويات مختلفة للتداعيات الإستراتيجية المتوقعة للسياسة درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن الروسŽŽŽ ية - الصينية تجاه مرحلة الربيع العربي، بدءًا بحدوث تحوُّلٍ في هيكل النظام الدولي أمŽŽŽانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُ ŽŽŽنيَّة لا تزال فكرة الحكم السŽŽŽ لطاني - الذي يغلب ثقافة وطبيعتŽŽŽه، وانتقالŽŽŽه من أحاديŽŽŽة القطبية الراهنة إلŽŽŽى تعدديتها، أو الاكتفŽŽŽاء بالحفاظ على على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين. مبدأ السيادة بمعناه التقليدي.

قراءة في ما وراء المصالح الاقتصاديّة

مقدّمة

أفاضت تحليلات كثيرة في فهم السلوك ال روسي - الصينيّ تجاه موجة الربيع العربيّ، في التركيز على المحدّدات الاقتصاديّة والتجاريّة. وواقع الأمر أنّه لا يمكن إغفال أهمّية المدخل الاقتصاديّ في فهم المواقف الصينيّة والروسيّة من سلسلة الثورات والاحتجاجات العربيّة، خاصّةً في ضوء تزايد الاعتماديّة الصينيّة على نفط الشرق الأوسط، وتزايد الاستثمارات الصينيّة في هذا القطاع، خاصّةً في منطقة الخليج العربيّ وشمال أفريقيا والسودان. لكن - مع أهميّته - لا ينهض هذا المدخل، منهجًا متكامالً لفهم السلوك ال روسي الصين يّ على نحْوٍ متكامل، فالمصال -ح الاقتصاديّة الصينيّة مع النظام الس وري على س -بيل المثال - تقلّ كثيرًا في أهمّيتها عن مصالحها النفطيّة مع نظام معمّر القذافي السابق، ومع ذلك، فقد سمحت الصيّن بتمرير قرار مجلس الأمن رقم 973 1 الذي وفّر "غطاءً" دوليًّا لضرب ليبيا، بينما ترفض بقوّة الس امح بتمرير مثل هذا القرار في الحالة السوريّة. إنّ إع ام ل المدخل الاقتصاديّ بمفرده لا يساعد أيضً ا في تقديم فهمٍ أعمقَ للأبعاد والتداعيات الإس رتاتيجيّة المهمّة للسلوك الروسي - الصينيّ تجاه موجة الثورات والاحتجاجات العربيّة على مرحلة "ما بعد الربيع العربيّ." وسيناقش القسم الأوّل من البحث محاولة فهم السلوك الروسي - الصينيّ ومصالح كلا البلدين من خلال أربعة مداخل غير اقتصاديّة. وانطلاقًا من افتراض أنّ طريقة إدارة القوى الدوليّة للأزمات الإقليميّة التي تطوّرت على خلفيّة الربيع العربيّ س وف تترك تداعياتها الإستراتيجيّة على النظام الإقليميّ، من ناحية، والعلاقة بين النظام الدوليّ والنظام الإقليميّ في منطقة الشرق الأوس ط من ناحيةٍ ثانية، ورمبّ ا طبيعة النظام الدوليّ ذاته من ناحيةٍ ثالثة؛ فإنّ مرحلة ما بعد الربيع العربيّ ستفرض على العالم العربيّ ضرورة تطوير خطابٍ جديد في التعامل مع القوى الدوليّة، كما ستفرض التحدّي ذاته على هذه القوى. ويحاول البحث في القسم الثاني منه تقديم بعض المقترحات في هذا الاتّجاه.

أولّا: مداخل لفهم السلوك الروسي - الصينيّ

في مواجهة موجة الربيع العربيّ

انطلاقًا امّ سبق -ودون التقليل من أهمّية المدخل الاقتصادي-ّ يطرح هذا البحث أربعة مداخلَ لفهم السلوك الروسي - الصينيّ تجاه موجة الربيع العربيّ؛ الأوّل هو النظر إلى هذا السلوك باعتباره تدشينًا لتحوّلٍ نوعيّ في طبيع ة النظام الدوليّ، والانتقال من نظام الأحاديّة القطبيّة الذي تطوّر منذ نهاية عقد الثمانينيّات من القرن الماضي، إلى نظامٍ متعدّد الأقطاب؛ المدخل الثاني، هو النّظر إلى السلوك الروسي - الصينيّ على أنه سعي للحفاظ على المبادئ التقليدية التي تأسّس عليها النظام الدوليّ عقب الحرب العالميّة الثانية، وتحديدًا مبدأ الس يادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخليّة. وع ىل الرّغم من أنّ هذا المدخل يبدو جزءًا أو امتدادًا للمدخل الأوّل، ففكرته الأساسيّة تقوم على أنّ السلوك الروسي - الصينيّ قد لا ينتهي بالضرورة إلى إعادة هيكلة النظام الدوليّ الراهن، سواء لأس بابٍ تتعلّق بحقيقة الأهداف الروسيّة - الصينيّة، أو لطبيعة الأزمات الإقليميّة التي تشكّلت في سياق تطوّرات الربيع العربيّ وحدود قدرة روسيا والصيّن على استغلال هذه الأزمات لتدشين نظامٍ دوليّ جديد، ما يجعل البديل العمليّ هو النزول بسقف الطموح الروسي - الصينيّ في هذه المرحلة؛ المدخل الثالث هو النظر إلى هذا السلوك باعتباره انعكاسً ا لطبيعة الأنظمة السياسيّة الداخليّة في كلا البلدين. وأخيرًا، ينطلق المدخل في تفس ري ه للمصالح والسلوك الروسيّ - الصينيّ من كون موجة الربيع العربيّ تمثّل تهديدًا فعليًّا للاستقرار الداخ يل وللن ام ذج الوطنيّة في الإصلاح الس ياسيّ والاقتصاديّ في كلا البلدين. ونناقش فيما يلي هذه المداخل الأربعة.

الأزمة السوريّة هي تدشين لنظام دوليّ جديد

لق د ارتبطت عمليّات التحوّل في النظام الدوليّ بوجود بعض الأزمات الدوليّة أو الإقليميّة الكاشفة أو المقرّرة لحدوث هذا التحوّل، والكاشفة أيضً ا لحجم التحوّل القائم في توزيع هيكل القدرات النس بيّة بين الفاعل ني الدولييّن على قمّة النظام الدولي، وهيكل هذا النظام. وعلى سبيل المثال، كان تنازل بريطانيا وفرنسا عن تشيكوسلوفاكيا لألمانيا في س نة 938 1 كاشفًا عن انهيار النظام الدوليّ الذي أسّسته معاهدة فرساي عقب الحرب العالميّة الأولى؛ كما كانت أزمة السويس سنة 956 1 كاشفة عن أفول القوى الأوروبيّة وتطوّر نظام القطبية الثنائية الذي تسيطر عليه الولايات المتّحدة الأميركيّة والاتّحاد الس وفياتي. وكانت الحرب الأميركيّة ضدّ العراق في س نة 991 1 كاشفةً عن عمق التغريّ الذي حدث في هيكل النظام الدولي وتوزيع القدرات النسبيّة، خاصّةً بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي، ومقرّرة لتحوّل النظام الدولي من نظ ام الثنائيّة القطبية إلى نظامٍ أحاديّ القطبية تهيمن عليه الولايات

المتّحدة. ويمكن القول إنّ النظام الدولي الراهن يم رّ بمرحلة تحوّل مماثلة، من الأحاديّة القطبية إلى نظامٍ أقرب إلى التعدديّة القطبيّة: الولايات المتّحدة، وروسيا، والصين، بالأساس، إلى جانب الاتحاد الأوروبي. غير أنّ عملية التحوّل تلك لا تزال بطيئة نسبيًّا.

يمكن في هذا الإطار النظر إلى الأزمة الس وريّة الرّاهنة بوصفها إحدى حلقات تدش ني هذا التحوّل، بعد حلقةٍ أخرى مهمّة سبقتها تمثّلت في الحرب الروسيّة - الجورجيّة في آب / أغسطس سنة 008 2. فعلى الرّغم من أنّ هذه الحرب لم تدشّن اكتمال عمليّة التحوّل عن النظام الأحادي القطبيّة، فهي قامت بدورٍ مهمٍّ في هذا الاتّجاه من زاويتين؛ الأولى، أنّها دشّ نت حالة من القطبية الثنائية على مستوى إقليم أوروبا الشرقيّة والخروج عن حالة التوافق والقواعد الدوليّة التي حكمت الإقليم بدءًا من سنة 991 1، خاصّةًالاعتراف بمبدأَي السيادة والتكامل الإقليمي، ما ضمن الاعتراف بالدول المس تقلّة عن الاتحاد السوفياتي واندماجها في المجتمع الدولي. لقد مثّلت الحرب الروسيّة - الجورجيّة موقفًا صريحًا من جانب روس يا عن هذا التوافق الدوليّ أو بالأحرى التوافق الروسي - الأم ريكيّ1. من ناحيةٍ ثانية، فقد أعلنت روسيا، على خلفيّة هذه الحرب، عددًا من التوجّهات التي تحكم سياس اتها الخارجيّة، حدّدها الرئيس الأسبق ميدفيديف في خمسة مبادئَ أساسية، عُرفت ب "عقيدة ميدفيديف"، نصَّ المبدأ الثاني منها صراحةً ع ىل أنّ "العالم يجب أن يكون متعدّد الأقطاب. عالم القطب الواحد لم يعد مقبوالً. لن نسمح بالهيمنة. ولا يمكن أن نقبل بنظامٍ عالميّ تصنع فيه دولة واحدة جميع القرارات، حتّى ولو كانت دولة مؤثّرة مثل الولاي ات المتّحدة. مثل هذا العالم غير مستقرّ ومهدّد بالصراع." كما نصّ المبدأ الخامس، وهو مبدأ مهمّ ذو دلالة بالنسبة إلى الأزمة السوريّة، على أنّ هناك "أقاليم لروس يا فيها مصالح خاصّة. هذه الأقاليم تضمّ دوالً لنا معها علاقات تاريخيّة خاصّة، وتربطنا بها علاقات صداقة وعلاقات جيرة جيّدة. سنعطي اهتمامًا خاصًّا للعمل في هذه الأقاليم وبناء علاقات صداقة مع هذه الدول"2. وعلى الرغم من أنّ هذه المبادئ قد صيغت على خلفيّة الحرب الروسيّة الجورجيّة، وقد عُني معظمها بالسياس -ات والتفاعلات الدوليّة في أوروب ا الشرقية، فهي لا تخلو من دلالة مهمّة لطبيعة التحولّات التي بدأت تطرأ على التوجّهات الروسيّة تجاه النظام الدولي، كما يمكن س حب هذه المبادئ على إقليم الشرق الأوسط حاليًّا والأزمة الراهنة الأوروبيّة/ الروس الأميركيّة -ية - الصينيّة حول سورية. لا يمكن كذلك إغفال أهمّية هذه الحرب في س ياق عملية التحوّل إلى النظام المتعدّد الأقطاب بالنظر إلى ما مثّله إقليم أوروبا الشرقية من مسرحٍ مهمّ دُشّنت عليه ولادة النظام الدولي الثنائيّ القطبيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، وكان مسرحًا مه أيضًا للحرب الباردة بين المعسكرين الغربيّ والشرقيّ. ومع أهمّية الحرب الروس يّة - الجورجيّة، تُعدّ الأزمة السوريّة الراهنة الحلقة الأهمّ في سياق عملية التحوّل تلك، بالنظر إلى عددٍ من السمّات التي رشّحتها كنقطة مرور أساسيّة من نظام القطبية الأحادية إلى النظام المتعدّد الأقطاب قيد التشكّل. ونش ري هنا بالخصوص إلى ثلاثِ سماتٍ أساسيّة: السّ مة الأولى، تتعلّق بوقوع الأزمة الس وريّة في قلب إقليم الشرق الأوسط، كإقليمٍ مركزيّ يمثّل نقطة تلاقي/ تقاط ع مصالح مختلف القوى الدوليّة الكبرى الرئيسة في النظام الدولي الراهن: الولايات المتّحدة، وروسيا، والصين، والاتّحاد الأوروبي. وبالنظر أيضًا إلى الدور التاريخي الذي قامت به بعض أزمات الشرق الأوسط في الكشف عن عمليّات انتقال النظام الدولي (أزمة السويس عام 956 1، حرب تحرير الكويت عام 991.)1 السّ مة الثاني ة، تتعلّق بما كشفت عنه الأزمة من تأكي د المصالح المش رت كة أو تقريرها بين قوّتين أساس يّتين، هما الصيّن وروسيا. فعلى

  1. 1  Aleksandr Sushko, "The end of International order –1991: Impact of 2008 Russia-Georgia War on Ukraine", Heinrich Boll Stiftung, Warsaw, Nov 2008, pp. 2-3. Available at: http://www.pl.boell.org/downloads/georgia_war_from_ ua_perspective_by_o.sushko.pdf

العكس من الحرب الروس يّة الجورجيّة التي غ -اب عنها الحضور الواضح للصين، فإنّ الأزمة السوريّة كشفت بوضوحٍ عن التنسيق القويّ بين هاتين القوّتين، وهما القوّتان الرئيستان المرشّحتان كأقطاب جديدة في مواجهة الولايات المتّحدة. السّ مة الثالثة، تتعلّق بطبيعة نظام بشّار الأسد وموقع سورية في إطار "التحالفات" والمحاور الإقليميّة والدولية. فقد تحوّلت الأزمة السوريّة من أزمةٍ داخليّة إلى أزمة إقليميّة - دوليّة بامتياز، وبمعنى أدقّ، مثّلت هذه الأزمة اختبارًا لمدى صلابة المحاور الدوليّ ة والإقليميّة القائمة والتي تطوّرت خلال العقد الأخير، ومدى تمسّك أطرافها بها. فقد مثّل النظام السوريّ جزءًا من محورٍ دوليّ: "روسيا- الصين"، بوكلاء إقليمييّن: س -"إيرانورية حزب الله"، أو ما عُرف بمح -ور الممانعة، في مواجهة "محور" دوليّ مقابل: الولايات المتّحدة-الاتحاد الأوروبي/الناتو"، بوكلاء إقليميّ ني: "دول الخلي ج العربي تركي ا"3. إذ يمك -ّمصر-ن القول إنّ سقوط نظام بشّار الأسد يعني تكبّد المحور الأوّل خسائرَ إستراتيجيّة ضخمة، سيترتّب عليها إعادة هيكلة نمط التحالفات والمحاور القائم ة، وتأكيد الهيمنة الأميركيّة على النظام الدولي4. إنّ سقوط نظام بشّار الأسد لن يعني فقط بالنسبة إلى روس يا خسارة حليفها الإستراتيجيّ المهمّ والوحيد داخل العالم العربيّ، ولكن تهديد وجودها ونفوذها الإس رت اتيجيّ في المنطقة من خلال قواعدها العس كريّة على موانئ البحر المتوسّط (ميناء طرطوس السوري)، خاصّةً في ضوء العلاقات السلبيّة التي تطوّرت بينها وبين المعارضة السوريّة بكلّ أطيافها منذ اندلاع الأزمة، ما يجعل استمرار هذه القواعد أمرًا غير مؤكّد. ويصبّ في الاتّجاه ذاته خسارتها المحتملة لحليفٍ إستراتيجيّ آخر في المنطقة وهو إيران، بعد أن تكون قد فقدت هي الأخرى حليفها الوحيد في المنطقة (نظام بشّار الأسد.) فسقوط نظام بشّار الأسد سوف يزيد بالتأكيد من انكشاف إيران السياسي والأمنيّ، خاصّةً في ضوء العلاقات السلبيّة التي تطوّرت أيضًا بين إيران والمعارضة السوريّة، ما سيدفع الأخيرة في الأغلب إلى إعادة النظر في مستقبل العلاقة الإستراتيجيّة التي تطوّرت بين نظام بشّار وإيران، بل وإعادة النظر في مثلّث "إيران - بشّار الأسد - حزب الله"، والتوجّه إلى تركيا والمملكة العربية الس عودية ومصر ودول الخليج، المنافسين/ أو الخصوم السياسييّن الطبيعييّن لإيران ولحزب الله في المنطقة.

ويتعزّز هذا التخوّف ال روسي الصينيّ على خلفيّ -ة الاتّجاه العام لتوجّهات أنظمة ما بعد الثورات في العالم العربيّ، فعلى الرّغم من أنّ أحد الانتقادات الأساسيّة التي وُجّهت للأنظمة السلطويّة قبل الثورة هو انحيازها للولايات المتّحدة والغرب أو ارتباطها بهما، لم تُجْر أنظمة ما بعد الثورة أيّ تغي ري اتٍ جوهريّة على ه ذه الارتباطات (تونس، مصر، ليبيا، اليمن)، يستوي في ذلك الحالات التي انتهت بسيطرة قوى إس ال ميّة، مع تلك التي انتهت بسيطرة قوى غير إسلاميّة. هذا الاتّجاه العامّ مرشّحٌ أيضًا بقوّة في حالة سورية، فحتّى لو افترضنا دعم روسيا للانتفاضة الشعبيّة السوريّة ضدّ نظام بشّار الأسد منذ البداية، فإنه لم يكن هناك ما يضمن سير نظام ما بعد الثورة في اتّجاهٍ مغاير لما انتهت إليه الثورات العربيّة السابقة، خاصّةً في حالة صعود قوى إس ال ميّة وسيطرتها على السلطة، وفي ضوء ما يدور من حديثٍ بشأن وجود "توافق" بين الولايات المتّحدة وبعض القوى الإس ال ميّة في المنطقة، خاصّةً في حالة دول المواجهة مع إسرائيل5.

  1. حول ما كشفت عنه الأزمة السورية من عودة تركيا بق وّة إلى حظيرة التحالف الغربي وف رض تحدٍّ على التحليلات التي كانت ترى السياسات الإقليميّة التركية في الشرق الأوس ط بديلا من توجّهها الغربيّ، انظر: عبد الحليم المحجوب، "معادلات متشابكة: المسألة السورية والمحاور الإقليميّة والدولية المحتملة"، مجلّة السياس ة الدولية، القاهرة، مؤسّسة الأهرام، رقم 901 (تشرين الأول / أكتوبر 012.)2 ص 92.
  2. د. نورهان الشيخ، "الخوف من التغيير: محدّدات سلوك القوى الداعمة للنظام السوري،" السياسة الدولية، رقم مجلّة 901، مرجع سبق ذكره، ص ص -78.79
  3. هناك الكثير من التحلي ال ت، العربية والأجنبية التي تناولت العلاق ة التي تطوّرت بين الولايات المتّحدة والإخوان المسلمين قبل الثورة وأثناءها وبعدها، في مصر على س بيل المثال. وقد تحدّثت الكثير من هذه الكتابات عن حدوث "صفقة" أو توافق مصالح بين الطرفين بشأن العديد من القضايا، الثنائيّة والإقليميّة، دفعت بالولايات المتحدة إلى دعم الإخوان المسلمين، أو حتّى ممارسة الضغوط من أجل وصولهم إلى السلطة. انظر على سبيل المثال: Dina Ezzat, "Road towards US-Brotherhood friendship trodden long before Morsi's election," Ahram Online , Available at: http://english.ahram.org.eg/News/47897.aspx (accessed on 15 November, 2012). Ben Birnbaum, "Muslim Brotherhood seeks U.S. alliance as it ascends in Egypt," The Washington Times , 5 April, 2012. هناك أيضًا من يشير إلى احتمال حدوث السيناريو ذاته في حالة سورية. انظر على سبيل المثال: John Rosenthal, "In Syria, America Allies with the Muslim Brotherhood," National Review Online, May 1, 2012. Available at: http://www.nationalreview.com/articles/297361/syria-america-allies-muslim- brotherhood-john-rosenthal# (accessed on 14 November, 2016).

يدعم هذا التحليل إدراك الفاعل ني الدولييّن والإقليمييّن الرئيس ني وسلوكهم، وهم: روسيا والص ني وإيران، طبيعة الأزمة السوريّة وربطه ا المباشر بالنظام الدوليّ، وهو ما أكّد عليه س ري جي لافروف، وزير الخارجيّة ال روسي، في مقالة له في جريدة هفنجتون بوس ت Huffington Post حزيران / يوني و عام في 15 012 2، والتي أشار فيها إلى أنّه "جنبًا إلى جنب مع مظاهر الأزم ة في الاقتصاد العالمي، فقد أثبت ت هذه الأحداث (يقصد أحداث الشرق الأوسط) بوضوح أنّ عمليّةً ستقود إلى ظهور نظامٍ دوليّ جديد قد دخلت منطقة من الاضطرابات"، وأنّ "السعي إلى تغيير النظام في دمشق ليس سوى حلقة ضمن لعبة جيو سياسيّة إقليميّة كبيرة"6. كشف السلوك الصينيّ أيضًا إزاء التحولّات الجارية في الشرق الأوسط، عن ثلاث ملاحظات مهمّة يجب أخذها في الاعتبار مقارنةً بالسياس ة الصينيّة التقليدية تجاه المنطقة: الملاحظة الأولى، أنّه تطوّر على خلفيّة موجة الربيع العربيّ، بشكلٍ عامّ، والأزمة الس ورية بشكلٍ خاصّ، حضور سياسيّ واضحٌ للصين في منطقة الشرق الأوسط؛ فعلى العكس من تركيز الصين خلال العقود السابقة على الحضور الاقتصاديّ والتجاريّ (سيطرة قضايا النفط والتجارة على السياسة الصينيّة تجاه المنطقة)، إلى جانب دورٍ سياسيّ محدود (مثل تعيين مبعوث صينيّ لعملية الس ال م في الشرق الأوسط)، فقد شهد العامان الأخيران حضورًا سياسيًّا متناميًا للصين، وهو تحوّل مهمّ يجب أن يؤخذ في الاعتبار. وقد أخذ هذا الحضور أش كاالً مختلفة، فإضافةً إلى تطوير الص ني أدواتٍ جديدة للحركة في المنطقة (إرسال قطع حربية إلى مياه البحر المتوسّط، اتّجاهات التصويت داخل مجلس الأمن)، كان واضحًا أيضًا طرح الصين مبادراتٍ سياسيّة بشأن الأزمة السورية، وفتح قنوات اتّصال مع القوى السياسيّة الداخلية بعيدًا عن الأنظمة السياسيّة الرسمية؛ وهي تحولّات مهمّة يجب أن تؤخذ في الاعتبار قياسًا على التوجّهات والسلوكيات السياسيّة الخارجية الصينية التقليديّة تجاه المنطقة. الملاحظة الثانية، وكما أش ريَ في الملاحظة السابقة، قيام الصين بإرسال قطع حربيّة إلى البحر المتوسّط خلال شهري تمّ وز/ يوليو - آب / أغسطس عام 2012 7، وهي المرّة الثانية التي ترسل فيها الصين قطعًا عسكريّة بحرّية إلى البحر المتوسّط خلال عام 012.2 وكانت المرّة الأولى أثناء الثورة الليبيّة عندما أرسلت سفنًا وطائراتٍ حربيّةً لإجلاء رعاياها من ليبيا، وكان لافتًا للنظر أيضًا إرسال قطعٍ حربيّة وليس ت مدنيّة لإجلاء هؤلاء الرعايا8، في مؤش رٍّ مهمّ على تحوّلٍ في السياسة الصينيّة إزاء مسألة إرسال قطع عس كرية خارج مجالها الإقليميّ المباشر، وفي مؤشرّ أيضًا على استعداد الصين لاستخدام الأسلحة العسكريّة لحماية رعاياها في الخارج وفي منطقة الشرق الأوسط. الملاحظة الثالثة، هي وجود درجة ملحوظة من التنسيق بين روس يا والصين في الأزمات الإقليميّة التي ارتبطت بموجة الربيع العربيّ، وتشابُه الس لوكين الروسيّ والصينيّ إلى حدٍّ كبير في هذه الأزمات (الامتناع عن التصويت داخل مجلس الأمن في حالة الق رار 973 1 الخاصّ بالأزمة الليبيّة، وتكرار استخدام الفيتو في حالة الأزمة السوريّة.) الأهمّ من ذلك هو وجود درجة كبيرة من التنسيق ب ني الطّرفين في أقاليمَ أخرى، خاصّةً في آسيا - المحيط الهادئ، وآسيا الوسطى، عربّ عنه توالي التدريبات العسكريّة المش رت كة في البحر الأصفر وفي آس يا الوسطى، وهي مسألة يجب أن تؤخذ في الاعتبار مع تزايد الاهتمام الأميركيّ بالحضور في هذه الأقاليم، وتوسيع شبكة تحالفاتها الأمنيّة، خاصّةً في شر ق آسيا وجنوبها الشرقيّ. لكن، يجب التأكيد في الوقت ذاته أنّ قوّة هذا التحليل س تعتمد على شكل التسوية الأخير الذي ستأخذه الأزمة السوريّة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ بقاء بشّار الأسد لا يمثّل هدفًا في حدّ ذاته بالنسبة إلى الصيّن أو روسيا، فقد تضطرّان إلى التضحية به تحت الضغوط الدوليّة السياسيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة، خاصّةً في ظلّ تدهور الأوضاع

  1. Sergei Lavrov, "On the Right Side of History," Huffington Post, 15 June
  2. جريدة 7 الوفد،.)2012/7/31(8 على الرغم من أنّ هذه السفن كانت موجودة في خليج عدن في أنشطةٍ لمكافحة القرصنة، فهذا لا يقلّل من دلالة توجيه هذه الآليّات العسكرية للقيام بإجلاء مدنييّن، خاصّةً أنّ عمليات الناتو العسكرية لم تكن قد بدأت بعد. Janan Parello- Plesner and Raffaello Pantucci, “China’s Janus- Faced Response to the Arab Revolutions,” Policy Memo , European council on Foreign Relations, June 2011. P. 2.
  3. وقد أعاد سيرغي لافروف التأكيد على المعنى ذاته في حوار له مع إذاعة صوت روسيا " Accusations against Assad is a camouflage for a big geopolitical game - Russia’s Foreign Minister," The Voce of Russia , 23 October, 2012. Available at: http://english.ruvr.ru/2012_10_23/Accusations-against-Assad-is-a- camouflage-for-a-big-geopolitical-game-Russia-s-Foreign-Minister/ (accessed on: 21 Nov. 2012).

الإنسانيّة في سورية. يظلّ المهمّ في هذه الحالة إع ادة إنتاج النظام نفسه بشخوصٍ ونخبةٍ سياسيّة من داخله، تضمن استمرار نمط الارتباطات والتحالفات الإقليميّ ة والدوليّة القائم ة حتّى الآن للنظام. وق د يحدث هذا م ن خلال صيغة إقليميّة - دوليّة مماثلة للتجربة اليمنيّة. المجال. ومن ثمّ، يمكن القول إنّ نجاح الصين وروس يا وإيران في الحفاظ على بقاء نظام بشّار الأسد، أو إعادة إنتاج النظام نفسه بنخبةٍ سياسيّة جديدة من داخل النظام يصبّ في اتّجاه التحليل السابق: التحوّل من النظام الأحادي القطبيّة الراهن إلى نظامٍ متعدّد الأقطاب، وهو س يناريو لن يتحقّق إلا من خلال نجاح القوى الثلاث في منع أيّ عملٍ عسكريّ ضدّ نظام بشّار، أو الدخول في مواجهة عسكريّة مع المحور المقابل في حالة التصعيد العسكري. لكن يظلّ السؤال المهمّ، وهو: هل لدى الصين وروسيا الاستعداد الحقيقيّ للدخول في عملٍ عسكريّ في حال قرّر المحور المقابل استخدام القوّة العسكرية ضدّ نظام بشّار الأسد، وهو احتمالٌ لا يمكن اس تبعاده كليًّا؟ واقع الأمر أنّه لا يمكن الجزم بسيناريو محدّد لردّ فعل المح ور الصيني - الروسي-ّ الإيرانيّ في حالة التصعيد العسكريّ ضدّ نظام بشّار الأسد، فالس يناريوان قائمان، وهناك من المؤشرّات والمواقف الس ابقة ما يدعم ك منهما. فمن ناحيةٍ، يمكن الاستناد إلى صلابة الموقفين الروسيّ والصينيّ حتّى الآن على الرّغم من الضّ غوط التي تمارسها القوى الدوليّة والإقليميّة والمعارضة السوريّة، أضف إلى ذلك التدريبات العسكريّة الروسيّة - الصينيّة - السوريّة المشتركة التي أُجريت في البحر المتوسّط بالقرب من السواحل السوريّة في شهر آب /)2، كمؤشرّأغسطس الماضي 012(ين مهميّن على استعدادهما (روسيا والصين) للدفاع عن النظام السوريّ إلى آخر مدى ممكن. لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا إغفال المواقف الروس يّة والصينيّة في أزماتٍ إقليميّة سابقة، خاصّةًالأزمة العراقيّة - الأميركيّة والتي انتهت بضرب العراق في آذار / مارس عام 0032، فعلى الرّغم من معارضتهما ضرب العراق، اضطرّت ا للتخيلّ عن الحليف العراق يّ عندما وصلت الأزمة إلى مفترق طرق، وأصبح العمل العسكري ضدّ العراق أمرًا حتميًّا. وعلى الرغم من ضرورة فهم السلوكين الروسيّ والصينيّ في س نة 003 2 في سياق الظروف الدوليّة الس ائدة آنذاك، وإدراك كلٍّ منهما تعقيدات مواجهة الهيمنة الأميركيّة في تلك المرحلة، لا يمكن اس تبعاد حدوث السيناريو ذاته في حالة الأزمة السوريّة الراهنة في حالة التصعيد العسكريّ، إذ لا تزال الصيّن تصرّ حتّى الآن، وعلى الرّغم من قدراتها الاقتصاديّة والعسكريّة، على تعريف نفسها باعتبارها دولة "نامية" وقوّة إقليميّة (شر ق آسيويّة.) وعلى العكس من ارتباط الموقف الروسي من الأزمة السوريّة بخطابٍ نق ديّ لهيكل النظام الدولي الراهن، فإنّ الموقف الصينيّ لم يرتبط بخطابٍ واضح في هذا

ويذهب البعض إلى أنه حتّى في حالة انهيار نظام بشّار الأسد على يد المعارضة الداخلية المسلّحة، لا يعني هذا بالضرورة استبعاد المواجهة العسكريّة بين المحورين السابقين. ويذهب هؤلاء إلى أنّ الاحتمال الأكبر هو نشوب حربٍ "عالميّة" ثالثة في المنطقة؛ فسقوط نظام الأسد س وف يدفع بإسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتّح -دة الأميركيّة - إلى ضرب إيران بحجّة منعها من استكمال مشروع برنامجها النووي العسكري، وذلك بعد أن تكون قد فقدت حليفها الرئيس (سورية)، ما سيدفع بإيران بدورها إلى اللجوء إلى أوراقٍ مثل إغلاق مضيق هرمز، الذي سيؤدّي إلى زيادة كبيرة في أسعار النفط وتضرّر الاقتصاد الأم ري كيّ والأوروبيّ، خاصّةً في حال قرّرت روسيا وقف صادرات الغاز إلى الاقتصاد الأوروبي. يستتبع ذلك قرار الولاي ات المتحدة - ومعها الحلفاء الأوروبيّون- القيام بعملٍ عسكريّ واسع ضدّ إيران، ودخول دولٍ أخرى في المنطقة إلى جانبها في هذه الح رب، خاصّةً في منطقة الخليج العربيّ. ويتحدّث هذا السيناريو أيضًا عن اتّساع نطاق الحرب بدرجاتٍ مختلفة، تبدأ من دعمٍ س ياسيّ محدود من دولٍ مثل مصر وخطابٍ إس ال مي (سلفيّ بالأساس) مؤيّدٍ للحرب ضدّ الشيعة في المنطقة، وانته اءً باحتمال حدوث قلاقل واضطرابات طائفيّة داخل العراق ولبنان. كما يطرح هذا السيناريو توجيه حزب الله ضربات انتقامية ضدّ إسرائيل، يستتبعها قرار اجتياح إسرائيل لبنان9. يستند هذا السيناريو إلى أنّ سقوط نظام بشّار الأسد على يد المعارضة السورية المسلّحة سوف يقضي على احتمالات شنّ عملٍ عسكريّ غربي ضدّ نظام بشّار الأسد، ما تنتفي معه احتمالات التدخّل العس كري الروسي - الصينيّ في المنطقة. لكن مع أهمّية هذا التحليل، فإنّ النتيجة النهائيّة لما أطلق عليه هؤلاء "الحرب العالميّة الثالثة" س تعتمد هي الأخرى على فرضيّة دخول روسيا والصين إلى جانب إيران عسكريًّا. لكن، وبصرف النظر عن شكل السيناريو الذي ستأخذه التطوّرات القادمة في المنطقة على خلفيّة الأزمة السوريّة، هناك توافقٌ بين العديد من الباحثين على أنّ هناك خطّةً أو تصوّرًا أميركيًّا معدًّا سلفًا

  1. Gilbert Mercier, “World War III in the Making: Can Russia and China Stop a Strike on Iran,” News Junkie Post , Feb. 17, 2012.

للمنطقة لمرحلة ما بعد الثورات العربيّة، وأنّ إسقاط النظام السوري يمثّل شر طًا أساس يًّا لانطلاق عمليّة تطبيق هذا المشروع. وعلى الرغم من عدم وضوح الملامح العامّة لهذا المخطّط، فالثابت هو اس تهدافه تحجيم/ القضاء ع ىل النفوذ الروسيّ في المنطقة، وإجهاض الصعود الصينيّ من خ ال ل التحكّم في مصادر النفط في المنطقة ذات الأهمّية بالنسبة إلى الصيّن (نفط ليبيا في المرحلة الأولى، ثمّ النفط الإيرانيّ في مرحلةٍ تالية)10.

السلوك الروسي - الصينيّ هو سعي للحفاظ على المفهوم التقليديّ للسيادة وعدم التدخ ل في الش ؤون الداخليّة

تق ول الفرضيّة المطروحة هنا إنّ الموقف الصيني - الروسيّ من موجة الربيع العربيّ بشكلٍ عامّ، والأزمة السورية بشكلٍ خاصّ، لا يسعى إلى إنهاء حالة الهيمنة الأميركيّة على النظام الدولي الراهن وتدش ني نظامٍ متعدّد الأقطاب، بقدر ما يسعى إلى هدفٍ محدّد هو التأكيد على المبادئ والأسس التقليديّة التي قام عليها النظام الدوليّ بعد الحرب العالميّة الثانية، وتحديدًا مبدأ السيادة بمعناها التقليديّ الجامد الذي يرفض التدخّل في الشّ ؤون الداخليّة للدول الأعضاء في الأمم المتّحدة، ع ىل النحو الذي نصّ عليه ميثاق المنظّمة، ومن ثمّ رفض الأسس والأشكال الحديثة التي طوّرتها الولايات المتّحدة والدول الغربيّة للتدخّل، سواء لدوافعَ إنسانيّة أو بهدف ن رش الديمقراطيّة، خاصّةً عندما يأتي هذا التدخّل من جانب النظام الدولي أو القوّة الغربيّة (الولايات المتّحدة، والناتو.) وبمعنى آخر، فإنّ التفس ري المطروح هنا للسلوكين الروسيّ والصينيّ إزاء الأزمة الس وريّة - بوصفها المحطّة الأبرز في موجة الربي ع العربي - يقصر ال رص اع القائم بين المحورين الروسيّ/ الصيني - الأميركيّ/ الأوروبيّ على مبدأ السيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخلية، ومن ث م وفقًا لهذا التفس -ري - قد يكون من المبال غ فيه الحديث عن تدخّل عسكريّ روسيّ صيني ضدّ المحور المقابل في حالة استخدام القوّة ضدّ نظام بشّار الأسد. وتأخذ الصين مدى أبعدَ من الموقف الروسيّ في هذا المجال، إذ ترى أنّ الانتهاكات الداخلية لحقوق الإنسان، بما في ذلك حالات الإبادة الجماعيّة، لا تؤسّس لحقّ المجتمع الدولي في انتهاك مفهوم السيادة أو التدخّل في الشّؤون الداخلية. وينطبق التكييف ذاته على فكرة الدفاع عن النفس، فبين ام باتت الولايات المتّحدة تتبنّى مفهومًا موسّ عًا ل "المصلحة الوطنيّة"، أدّى بدوره إلى توسيع مفهوم حقّ الدفاع عن النفس، لا تزال الص ني تؤكّد على ضرورة تضييق الحقّ في اس تخدام القوّة المسلّحة على حالات انتهاك السيادة أو وجٍود اعتداء مباشر ومحدّد على أراضي الدولة، وهو ما يعني رفض الصيّن فكرة استخدام القوّة خارج الحدود الإقليميّة للدولة. وعلاوةً على ذلك، فقد سعت الصين منذ منتصف خمسينيّات القرن الماضي إلى إدخال بعض التعديلات على مفهوم السيادة بمعناه التقليدي الوارد في ميثاق الأم م المتّحدة؛ فبدالً من مفهوم "عدم التدخّل في الشّ ؤون الداخليّة للدول الأخرى non-interference in other’s“ " internal affairs ”، روّجت الصين لمفهوم "عدم التدخّل المتبادل في الشّؤون الداخليّة non- interference in each other’s internal“ " ”، وذلك بهدف التأكيد على انس affairs حاب مبدأ عدم التدخّل على العلاقات الثنائيّة بين الدول، وليس فقط تدخّل الأم م المتّحدة في الشّ ؤون الداخلية للدول الأعضاء11 على نحو ما يشير إليه نصّ المادّة الثانية من الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتّحدة12. ويرجع تمسّك الموقفين الروسيّ والصينيّ بمفهوم السيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخليّة بمعناهما التقليديّ إلى أنّه يوفّر، من ناحيةٍ، أساسًا سياس لتضييق حرّية حركة القوى المهيمنة -يًّا وعسكريًّا - على النظام الدولي الراهن، وتحديدًا الولايات المتّحدة والناتو. كما يوفّر، من ناحيةٍ ثانية، غطاءً لحرّية حركة النظامين الحاكمين في روسيا والصين لمواجهة أيّ اضطرابات داخليّة قد تع وق عمليّة الصعود الجارية في البلدين، وضمان حقّهما في استخدام العنف للتعامل مع مثل هذه التطوّرات، ورفض أيّ تدخلّات خارجيّة تحت ذريعة حماية حقوق الإنسان أو نشر الديمقراطيّة.

  1. F. William Engdahi, "NATO's War on Libya is directed against China: AFRICOM and the Threat to China's National Energy Security," Global Research , September 25, 2011.
  2. جاء ذلك ضمن "المبادئ الخمس للتعايش السلمي" التي طرحتها الصين في سنة 1954، بالتعاون مع ميانمار والهند. وقد لقيت هذه المبادئ قبوالً لدى الكثير من الدول النامية خلال هذه الفترة. An Huihou, “The Principle of Non-Interference Versus Neo-Interventionism,” Foreign Affairs Journal , (Beijing, Chinese People’s Institute of Foreign Affairs), no. 104, Summer 2012. pp. 40- 41.
  3. نصّت الفقرة السابعة من المادّة الثانية من ميثاق الأم م المتّحدة على: "ليس في هذا الميثاق ما يس وّغ ” للأم م المتّحدة“ أن تتدخّل في الشؤون التي تكون من صميم الس لطان الداخلي‏ لدولةٍ ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرّضوا مثل هذه المسائل لأن تحلّ بحكم هذا الميثاق، على أنّ ‏هذا المبدأ لا يخلّ بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع."

وق د تطوّر ع ىل خلفيّة موجة الربيع الع -ربي - أربعة أنماط لتعاطي الولايات المتّحدة والغرب مع الثورات العربيّة؛ النم ط المصري -ّ التون سّ حيث غاب التدخّل الخارجيّ، والنمط الليبيّ الذي ارتبط بتدخّلٍ عسكريّ من جانب الناتو، والنمط البحرينيّ الذي ارتبط بتدخّلٍ إقليميّ محدود، والنمط اليمنيّ الذي ارتبط بتسويةٍ سياسيّة عبر مبادرة إقليميّة. وينطوي الموقفان الروسيّ والصينيّ من النمطين اللّذين ارتبطا بتدخّلٍ عسكريّ خارجيّ (البحرين، وليبيا) على قدر من التناقض مع دفاعهما عن مبدأ السّيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخليّة؛ إذ لم تع ارض أيٌّ منهما التدخّل الإقليميّ في حالة البحرين، بينما سمحتا بتمرير قرار مجلس الأم ن رقم 970 1 الذي فرض قائم ة من العقوبات العسكريّة والاقتصاديّة والدبلوماسيّة على ليبيا، من خلال التصويت الإيجابيّ على القرار، كما سمحتا من الناحية العمليّة أيضًا بتمرير القرار رقم 973 1 الذي اقترحته بريطانيا وفرنسا، والذي وفّر الغطاء القانونيّ الأمميّ لعمليات الناتو ضدّ النظ ام الليبيّ13، وذلك من خلال امتناعهما عن التصويت.

غير أنّه يمكن تفسير هذا التناقض إلى حدٍّ ما؛ فمن ناحيةٍ، يمكن النظر إلى دعم أو عدم تبنّي مواقف معارضة للتدخّ ل الإقليمي في حالة البحرين باعتباره تدخاّلً سعى بالأساس إلى الحفاظ على الوضع القائم، فضالً عن أنه لم يرتبط بتدخّلٍ من جانب النظام الدولي (مجلس الأمن، أو الولايات المتّحدة أو الناتو)، ما جعل روسيا والصين أقلّ حساس يّة لمصدر التدخل الخارجيّ وطبيعته في هذه الحال ة. أضف إلى ذلك الموق ف العربيّ الداعم - خاصّةً جامعة الدول العربيّة - لهذا التدخّل. وأخيرًا، أنّ هذا التدخّل جاء تطبيقًا لمعاهدة الدفاع المش رت ك بين دول مجلس التعاون الخليجيّ الموقّعة في كانون الأوّل / ديسمبر عام 000 2. وبمعنى أكر وضوحًا، فإنّ حدوث التدخّل على أرضيّةٍ إقليميّة، وبعيدًا عن التدخّل الدولي، وفّر غطاءً للموقفين ال روسيّ والصينيّ الداعمين ضمنيًّا هذا التدخّل، فضالً عن وجود مصلحة مشتركة - وصينيّة بشكلٍ خاص - لعدم حدوث هزّات كبيرة في منطقة الخليج العربيّ من شأنها التأثير في تدفّق الواردات النفطيّة من دول المنطقة. أمّا فيما يتعلّ ق بالحالة الليبيّة، فالوضع يعدّ أكر تعقيدًا. ويمكن هنا طرح عددٍ من العوامل التي تفّسرّ الموقفين الروسيّ والصينيّ اللذيْن يبدوان متناقضينْ مع تمسّكهما بمبدأ السيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخليّة. العام ل الأوّل: يتعلّق بطبيعة قرار مجلس الأمن رقم 1 نفس 973 ه، والذي تضمّن بالأساس إقامة منطقة حظر ج وّي داخل ليبيا بهدف توفير حماية جوّية للمدنييّن الليبييّن في مواجهة الاستخدام المفرط للقوّة من جانب نظام الق ذّافي14. ومع ذلك، فقد امتنعت روسيا والص ني عن التصويت لصالح القرار أو الاعتراض عليه. لكن ما ح دث أنّ الناتو قد انحرف عن الالتزام الدقيق بمضمون الصلاحيات المحدّدة في القرار وحدودها، إذ لم يتّجه إلى استهداف قوّات نظام معمّر القذّافي فقط، بل اتّجه إلى توسيع نطاق عمليّاته العسكريّة وأهدافها لتشمل المؤسسات الحكومية والعديد من المؤسسات المدنيّة ومحطّات التليفزيون، إضافةً إلى تسليح المعارضة الليبيّة. وفي مرحلةٍ تالية، قامت قوّات الناتو بعمليات برّية ووَجّهت المعارضة المسلّحة وساعدتها في الاستيلاء على طرابلس16.

  1. 15 نصّ البن د رقم 4 من قرار مجلس الأمن رقم 9731 على أنّ مجلس الأمن "يأذن للدول الأعض اء التي أخطرت الأمين العام، وهي تتصرّف على الصعيد الوطني أو عن طريق منظمّات أو ترتيبات إقليمية، وبالتعاون مع الأمين العام، باتّخاذ جميع التدابير اللازمة، على الرغم من أحكام الفقرة 9 من القرار 1970 011(2)، لحماية المدنيين والمناطق الآهلة بالسكان المدنيين المعرّضين لخطر الهجمات في الجماهيرية الليبية بما فيها بنغازي، مع اس تبعاد أيّ قوّة احتلال أجنبية أيًّا كان شكلها وعلى أيّ جزء من الأراضي الليبية، ويطلب من الدول الأعضاء المعنيّة أن تبل غ الأمين العام فورًا بالتدابير التي تتّخذها عمالً بالإذن المخوّل بموجب هذه الفقرة والتي ينبغي إخطار مجلس الأمن بها فورًا. وهذا، وكما يتّضح من نصّ الفقرة فإنّ اتّخاذ هذه التدابير (والتي تمّ صرفها إلى العمل العسكري) مرهون بشرطين أساسييّن؛ الأوّل هو حماية المدنييّن والمناطق الآهلة بالسكّان المعرّضين لخطر الهج ام ت، والثاني هو عدم تحوّل هذه القوّات إلى أيّ شكلٍ من أش كال الاحتلال الأجنبي، وهو ما لم يحدث من الناحية العملية، إذ تمّ توسيع مهمّة الناتو من حماية المدنيين، بما كان يعني ه ذلك من إقامة منطقة حظر جوّي توفّر ملاذًا آمنًا للمدنييّن، وهي وظيفة ذات طابع دفاعي في جوهرها، إلى القيام بعمليات هجومية ضدّ قوّات القذافي ومؤسّسات الدولة الليبيّة.
  2. انظ ر نصّ قرار مجلس الأمن رقم الص 973 ادر في 1 71 آذار / مارس 011.2 متاح على الرابط التالي: http://daccess-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N11/268/37/PDF/ N1126837.pdf?OpenElement (accessed on 20 Nov. 2012).
  3. قرار مجلس الأمن رقم 9731، مرجع سبق ذكره.

وتكمن خطورة الحالة الليبيّة في أنّها دشّنت لتطوير "نموذج" متكامل نسبيًّا للتدخّل العس كريّ الغربيّ بدعوى نشر الديمقراطيّة أو حماية المدنيّ ني من الأنظمة الدكتاتوريّة، أو بدعوى "مسؤوليّة الحماية." تضمّن هذا النموذج -وفقًا لعددٍ من كتابات المحلّلين الصينييّن- أربعة عناصرَ أساس يّة؛ هي: أواّلً، تطوير معارضة داخلية لديها القدرة على شنّ حربٍ أهليّة؛ وثانيًا، تأمين دعم الدول الإقليميّة وتوفير غطاء دوليّ من مجلس الأمن للتدخّل الخارجيّ بدعوى دعم الديمقراطيّة وتغيير الأنظمة الدكتاتوريّة أو حماية المدنييّن. وثالثًا، شنّ عملٍ عسكريّ ضدّ النظام بواسطة الناتو بالتعاون مع عددٍ من الدول الإقليميّة حتّى دفْع النظام إلى الانهيار. وقد أشارت العديد من الكتابات الصينية أيضًا إلى أنّ الدول الغربيّة تسعى إلى تعميم هذا النموذج في التعامل مع موجات الربيع الع ربيّ، وليس هناك ما يمنع تعميمه خارج العالم العربيّ، بما في ذلك أقاليم أخرى حول الصين17. هذه التجربة الروس يّة - الصينيّة مع الحالة الليبيّة وطريقة تحريف تطبيق قرار مجلس الأمن دفعته امٍ إلى الامتناع عن تقديم أيّ غطاء مب اشر أو غير مباشر لتدخّلٍ عسكريّ في سورية، ورفض أيّ صيغة لمشروع قرار داخل مجلس الأمن يتضمّن أيّ عباراتٍ صريحة أو ضمنيّة تسمح بأيّ تدخّلٍ عسكريّ ضدّ نظام بشّار الأسد، ورفض إصدار أيّ مشروع قرار تحت أحكام الفصل السابع، وهو ما حدث أكر من مرّة، كان أبرزها مشروع القرار الذي طُرح للتصويت داخل مجلس الأمن في ش باط / فبراير عام 4 0122، والذي تضمّن التهديد باتّخاذ المزيد من الإجراءات (بما في ذلك استخدام القوّة) في حالة رفض بشّار الأسد ترك السلطة خلال أسبوعين، لكن روس يا والصين أجهضتا مشروع القرار. بمعنى آخر، يمكن القول هنا إنّ امتناع روسيا والصين عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 973 1 بشكلٍ سمح بتمريره داخل المجلس كان راجعًا إلى مضمون القرار وملابسات ص دوره أكر منه إلى دعمٍ روسي - صينيّ صريح لمبدأ التدخّل العسكريّ في ليبيا. العامل الثاني: يتعلّق بالدعم العربيّ الواس ع للتدخّل الدولي في الحالة الليبيّة، وهو ما عكس ه قرار مجلس جامعة الدول العربيّة الصادر في آذار / م ارس عام 2011 2118. والذي دع ا إلى فرض منطقة لحظر الط ري ان على الطائرات العسكريّة الليبية وإنشاء مناط قَ آمنة في الأماكن المعرّضة للقصف بهدف حماية الشعب الليبيّ. لم يتوفّر هذا الدعم العربيّ لفكرة التدخّل الدولي حتّى الآن في الحالة السوريّة. فعلى الرّغم من اهتمام جامعة الدول العربيّة بالأزمة السوريّة، فهي لم تدعم حتّى الآن هذا المستوى من التدخّل الدولي. وإزاء هذا الموقف العربيّ الرسمي - معربّ ا عنه بقرار مجلس جامعة الدول العربّية - كان من المنطقيّ توافق الصين وروسيا على الامتناع عن قرار مجلس الأمن 1، خاصّةً أنّ القرار أشار صراحةً إلى ق 973 رار مجلس جامعة الدول العربيّة المشار إليه. العام ل الثالث: يتعلّق بوجود بعض الخلاف ات الصينيّة مع العقيد معمّر القذّافي بخصوص التنافس الصين ي - الليبيّ في أفريقيا، إضافةً إلى تمسّك نظام القذّافي بعلاقاته مع تايوان. خلاصة القول هنا إنّه يمكن النظ ر إلى الرصّاع القائم بين روس يا - الص ني، من ناحية، والولايات المتّحدة من ناحيةٍ أخرى على خلفيّة الأزمة الس وريّة، على أنه - في أحد أبعاده - صراعٌ بين نظامين دولييّن، أو بين محور يسعى إلى استغلال الأزمة السوريّة للتأكيد على المبدأ التقليدي للسيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخلية للدول الأعضاء في الأمم المتّحدة، وآخر لا يزال يصرّ على إعادة تعريف هذا المفهوم، ويقيّده بمفاهيمَ مستحدثة من قبيل "التدخّل الإنساني"، أو "مسؤوليّة الحماية"19.

السلوك الروسيّ والصينيّ تجاه الربيع العربيّ هو نتيجة لطبيعة الأنظمة السياسيّة في البلدين

بعيدًا عن المصالح الروسيّة والصينيّة السابقة، يمكن طرح تفس ريٍ آخرَ مكمّل لهذه المصالح. وينطلق هذا التفس ري من فرضيّة مفادها أنّ النظم غير الديمقراطية تميل بشكلٍ عامّ إلى مقاومة "الثورات" أو "الإصلاحات الثوريّ ة"، بينما تميل أكر إلى القبول بفكرة الإصلاح السياسي المتدرّج. وتجد هذه الفرضية تفسيرها في خبرة هذه الدول مع الإصلاحات الجذريّة أو ما يُعرف بالإصلاحات بالصدمة. والمثال الواضح هنا هو خبرة روس يا مع تجربة الإصلاح المفاجئ التي طبّقها

  1. انظر على سبيل المثال: Yao Kuangyi, "The Upheaval in the Middle East and China's Middle East Policy", Journal of Middle Eastern and Islamic Studies (in Asia), Vol. 6, no. 3,
  2. September 2012. p. 20.
  3. An Huihou, op. cit., pp. 44. 17 انظر نصّ القرار المنشور في جريدة الشرق الأوسط، (عدد 13 آذار / مارس.)2011 18  An Huihou, op. cit., pp. 41- 42.

الرئيس الس وفياتي السابق غورباتشوف في نهاية عقد الثمانينيّات من القرن الماضي، والتي انتهت بانهيار الاتّحاد السوفياتي وتفكّكه، ومن قبلها تجربة ثورة البلاشفة س نة  1917 20. وعلى الرغم من أنّ الصين لم تشهد مثل هذه الخبرة، فالخبرة السوفياتية قامت بالدور الأكبر في تطوير "نظريّة صينية" مقابلة في الانفتاح السياسي والاقتصادي، قامت على الإصلاح التدريجي الممنهج، مع أولويّة الانفتاح الاقتصادي على مثيله السياسي. وقد كانت الخبرة السوفياتية تلك شديدة الأهمّية بالنسبة إلى الصيّن بالنظر إلى الخبرة الشيوعيّة المشتركة بين البلدين. وعلى الرّغم من م رور أكر من عشرين عامًا على خبرة انهيار الاتّحاد السوفياتي، لا تزال الصّ ني تتمسّك بنظريّتها في الإصلاح السياسي والاقتصادي. الأمر نفسه، فيما يتعلّق بروسيا، فعلى الرّغم من تجاوزها خبرة غورباتشوف، أدّى اعتلاء بوتين قمّة الس لطة في سنة 000 2 إلى سيطرة هذا المنهج بقوّة على عملية الانتقال في البلاد، وهو ما عكسته لعبة تبادل الأدوار الأخيرة بين بوتين وميدفيدف، والتركيز على المشروع الوطني في إحياء الدور الدوليّ لروسيا. وانطلاقًا من هذه الفرضيّة يمكن تفس ري مضمون الخطابين الروسي والصيني إزاء الثورات العربيّة بشكلٍ عامّ، والثورة السوريّة بشكلٍ خاصّ، واللذين يؤكّدان على النتائج السلبية المتوقّعة للربيع العربيّ بشكلٍ عامّ، وللأزمة السوريّة الراهنة بشكلٍ خاصّ في حالة سقوط بشّار الأسد. إذ يؤكّد الخطابان على أنّ سقوط الأسد سيقود إلى حربٍ أهليّة، ورمبّ ا تقسيم سورية، كما سيقود إلى انتشار الإسلامييّن الجهادييّن، وهو ما يفرسّ أيضًا تركيز جميع المبادرات التي طُرحت من جانب روسيا أو الصين على التسوية السياسيّة للأزمة، وأن يجري رحيل الأسد، في حالة الإصرار على هذا البديل، في س ياق توافقات سياسيّة داخلية، وضرورة اس تبعاد بديل السقوط المفاجئ للنظام، سواء عبر العمل العسكريّ -الداخليّ أو الخارجي - أو حتّى عبر العقوبات الاقتصاديّة الخانقة. كما يركّز الخطابان الروسيّ والصينيّ على ضرورة تس وية هذه الأزمة عبر الحوار الداخلي وتحديد مستقبل سورية بواسطة السورييّن أنفسهم في إطار الحفاظ على استقلال سورية وسيادتها ووحدة أراضيها21.

الث ورات العربية تمث ل تهديدًا للاستقرار الداخلي وللنماذج الوطنيّة في الإصلاح السياسيّ في روسيا والصين

يصدق ذلك بشكلٍ خاصّ على حالة الصين؛ فقد شهدت الصين بالفعل خلال عامي 2011، 0122 ما يشير إلى محاولة الطبقة العاملة الصينيّة محاكاة ثورات الربيع العربيّ، أو محاولة إنتاج "نسخة صينية" من هذه الثورات، بدءًا من استغلال شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وأجهزة البلاك ب ري ي، وانتهاءً بالاحتجاج ات الفعليّة. وبصرف النظر عن إمكانية تطوّر "نسخة صينيّة" من هذه الثورات أو عدمها، فقد عكست ممارسات الحكومة الصينيّة خلال الفترة نفسها وجود تخوّف حقيقيّ من هذا الاحتمال، عكسه تشديد الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي وأجهزة البحث على شبكة الإنترنت (حتّى أنّ الحكومة الصينية حجبت استخدام كلمة الياسمين - الثورة التونسيّة - في أدوات البحث على شبكة الإنترنت)، واتّخاذ إجراءات أمنيّة صارمة في مواجهة هذه الاحتجاجات. كما يعكسه الاهتمام الكبير ال ذي أولاه المؤتمر الثامن عشر للحزب الش يوعي الصيني الذي عُقد خلال الفترة -7(41 تشرين الث اني / نوفمبر 012 2)، لقضيّتي الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد داخل أجهزة الدولة، وهو ما عربّ ت عنه بقوّة الكلمة الافتتاحيّة للرئيس هو جنتاو الذي قال، أو بالأحرى حذّر من أنه "إذا فش لنا في أن نتعامل بشكلٍ جيّد مع الفساد فإنه قد يوجّه ضربة قاتلة إلى الحزب، ورمبّ ا يتسبّب في انهيار الحزب وسقوط الدولة... إصلاح البنيان السياسي جزء مهمّ من الإصلاح الشامل في الص ني. علينا أن نواصل القيام بمجهودات نشطة وحذرة في الوقت نفسه لتنفيذ إصلاح البنيان الس ياسي وجعل ديمقراطية الشعب أكر ش موالً "22. أضف إلى ذلك عزل الحزب أحد أعضاء مكتبه السياسي بسبب ما نُسب إليه من إساءة استخدام السلطة وتضخّم ثروته. تعكس هذه العبارات القويّة من جانب هو جنتاو عن الفساد والإصلاح السياسي قلقًا حقيقيًّا لدى القيادات الصينيّة بشأن امتداد تأثير موجة الربيع العربيّ إلى الصين. وتزداد هذه الاحتمالات في ظلّ ارتباط موجة الثورات العربيّة بصعود القوى الإس ال ميّة إلى السلطة. وقد يؤدّي هذا الصعود إلى تطوّر إدراك لدى الأقلّية المسلمة في الصين مفاده أنّ وصول الإس ال مييّن إلى الس لطة في الدول العربيّة عقب أنظمة "علمانيّة" هو مؤشرّ لصحوة

  1. Pavel K. Baev, "Russia's Counter - Revolutionary Stance toward the Arab Spring", Insight Turkey, Vol. 13, No. 3, 2011. pp. 11- 19.
  2. انظر على سبيل المثال المبادرة التي اقترحتها الحكوم ة الصينيّة في 31 تشرين الأوّل / أكتوبر.2012 Ministry of Foreign Affairs of the People's Republic of China, "China's
  3. Proposals for Promoting the Political Settlement of the Syrian Issue," available at: http://www.fmprc.gov.cn/eng/wjb/wjbz/2467/t984552.htm (accessed on 18 November, 2012). " الرئيس الصيني يقول إنّ الفساد يهدّد الدولة.. ويعد بإصلاح ات"، جريدة 21 الحياة (لندن)، 8(تشرين الثاني / نوفمبر.)2012 " قادة الحزب الشيوعي في الصين أمام تحدّي الكشف عن دخولهم"، جري دة الحياة، 13(تشرين الثاني / نوفمبر 012.)2

إس ال ميّة في العالم الإس الميّ. وتزداد احتمالات تطوّر هذا الإدراك في ظلّ عاملين رئيس ني: الأوّل هو عودة مفهوم "الأمّة الإس ال ميّة" بقوّة لدى القوى الإسلاميّة في الدول العربيّة التي وصل فيها الإسلاميّون إلى السلطة ومحاولة تأكيدها الانتماء الإسلاميّ لهذه الدول في الدساتير والسياسات الخارجيّة لدول ما بعد الثورة، وتزايد الانتقادات التي وجّهها الإس الميّون في عددٍ من الدول العربيّة - والإخوان المسلمون في الأردن وس ورية - للصيّن (إلى جانب روسيا وإيران) على خلفيّة موقفها من الأزمة السوريّة، والذي ن وصفوا الصين بأنّها - إلى جانب روس يا وإيران - شر يك في مذابح الأسد، بل وصفتهم إحدى القيادات الإس ال ميّة المحسوبة على الإخوان المسلمين بأعداء الأمّة الإسلامية، وطالبت الحجّاج بالدّعاء عليه م23. أمّا العامل الث اني فهو وجود نخبة أو طليعة داخل الأقلّية المسلمة في الص ني تلقّت تعليمها في الجامعات الإس ال ميّة في عددٍ من دول المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية، وإيران، ومصر24، ما قد يجعلها أكر ميالً لمحاكاة الثورات العربية، باعتبارها جزءًا من الصراع بين الإس الم والعلمانيّة، على نحو ما يصوّره قطاعٌ كبير من الإس ال مييّن في العالم العربي. وعلى الرغم من حدوث انتفاضة داخل الأقلّية المسلمة في الصين والتي تتركّز في غربيّها (خاصّةً في مقاطعات شينجيانج Xinjiang، وقانزو Ganzo، ونينغشيا)، فإنّ الأمر لن يقتصر على الأقلّية المس Ningziaلمة، وقد يمتدّ إلى باقي الأقلّيات العرقيّة والدينية داخل الصين بسبب الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي تعاني منها هذه الأقلّيات. ويرتبط بهذه المسألة التحوّل المتوقّ ع في موازين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط على خلفيّة الربيع العربيّ وتأثيره في الداخل الصينيّ، خاصّةً بروز الدور التركيّ في الشرق الأوسط، وما قد يستتبعه نموّ المشاعر القوميّة التركية وامتدادها إلى إقليم "تركستان الشرقية" غربيّ الصين، والتي شهدت ظهور حركة انفصاليّة ومحاولات عدّة لإعلان دولة مستقلّة في الإقليم خ ال ل النصف الأوّل من القرن العشرين، كان أبرزها إعلان مولاي الأكبر شابيتي "جمهورية تركستان الشرقية الإس المية" في مدينة كاشغار في تشرين الثاني / نوفمبر 9331، وإعلان في س علي خان الجمهورية ذاتها في مدينة يينينغ Yi Ning نة 944 1. وع ىل الرغم من الضربات القويّة التي تعرّضت له ا الحركة عقب الثورة الصينيّة، فلقد عادت بقوّة مرّةً أخرى خلال عقد التسعينيّات من خلال عقد سلسلة من المؤتمرات خارج الصين؛ كان أهمّها "المؤتمر الوطني لنوّاب تركستان الشرقية" الذي عُقد في تركيا في كانون الأوّل / ديس مبر عام 992 1، وجرى فيه إقرارُ اس مِ دولة كردستان الشرقية وعلمِها ونشيدها الوطنييّن؛ ومؤتمران آخران في نيسان / أبريل عام في تركيا أيضًا؛ وآخر في س 9931، وفي عام 999 نة 2 في ألمانيا. 004 1 وتزداد التخوّفات الصينيّة من تداعيات التحولّات السياسية والإقليمية في الشرق الأوسط على الحركة الانفصالية في تركستان الشرقية في ضوء غضّ الحكومة التركيّة الطرف عن أنش طة "منظّمة تركستان الشرقية" على أراضيها، ونجاح المنظّمة في إدخال تعديلاتٍ مهمّة على خطابها وتكتيكات عملها، خاصّةً طرح قضيّتها باعتبارها قضيّة حقوق إنسان من أجل كسب دعم الدول الغربيّة والإعلام الغربيّ، وسعيها إلى تدويل القضيّة.

وعلى الرغم من أنّ هذا التهديد قد يكون أقلّ وضوحًا في حالة روسيا، فهو لا يعدّ غائبًا تمامًا؛ إذ أثبتت موجة الثورات والاحتجاجات الراهنة في العالم العربيّ أنّنا إزاء موجةٍ لديها القدرة على الانتش ار من دولةٍ إلى أخرى، ولا يمكن القطع بحدودها النهائيّة. فهل ستتوقّف عند الحدود العربيّة، أم ستتّسع لتش مل دوالً أخرى إسلاميّة غير عربيّة، بمعنى انتقالها إلى إيران ودول القوقاز وآس يا الوسطى؟ خاصّةً في ظلّ

  1. القرضاوي: إيران وروسيا والصين أعداء الأمّ ة ويجب الدّعاء عليهم في الحجّ وطهران القدس تقف ضدّ العرب لإقامة الإمبراطورية الفارسية،" جريدة، (012/10/13.)2 جاء ذلك في 2 التي ألقاها فضيلة الش خطبة الجمعة 12 تشرين الأوّل / أكتوبر 012 يخ القرضاوي في أحد مساجد الدوحة. وللاطلّاع على مقطعٍ مسجّل من الخطبة، انظر الرابط التالي:
  2. Mu Chunshan, "Chinese Muslims and The Arab Spring", The Independent , July 24, 2012. Available at: http://thediplomat.com/china-power/chinese-muslims-and-the-arab-spring/ (accessed on October 1. 2012). 24 لمزيد من التفصي ال ت عن هذه الحركة، انظر: هاو يويه، "حركة استقلال تركس تان الشرقي ة فى ش ينجيانغ.. تاريخًا وحاضرا"، (بكين: المركز العربي للمعلومات، سلس لة أرقام وحقائق، 007/10/22 2.) متاح على الرابط التالي: http://www.arabsino.com/articles/10-05-26/2556.htm (accessed on 20 Nov. 2012).
  3. http://www.youtube.com/watch?v=9l4hF0RDyng (accessed on 25 Nov. 2012).

وجود بعض القواسم الدينيّة والسياسية المشتركة بين العالم العربيّ، من ناحية، وإيران ودول آسيا الوسطى من ناحيةٍ أخرى (الإسلام، والأنظمة السياسيّة السلطويّة.)

ثانيًا: العلاقات العربيّة مع روسيا والصين بعد الربيع العربيّ

على الرّغم من الإدراك السلبي للس لوك والموقف الروسي - الصينيّ من جانب الكثيرين في العالم العربيّ لأنه بدا واقفًا إلى جانب الأنظمة السلطويّة وضدّ مصالح الشعوب وطموحاتها في بناء أنظمتها الديمقراطية والتخلّص من الأنظمة الس لطويّة القائم ة، فسيظلّ من مصلحة الدول العربيّة تعزيز مواقف القوى الدوليّة الرافضة للتوسّع في مبدأ "التدخّل الخارجي"، ب رص ف النظر عن مبرّرات هذا التدخّل، والحفاظ على أولويّة مبدأ السيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخلية. لكن تطوير علاقات جيّدة مع "المح ور" الروسي - الصينيّ الصاعد في المنطقة يتطلّب جهدًا عربيًّا وروسيًّا صينيًّا مشتركًا لتعظيم المكاسب المش رتكة من هذه التحولّات الدوليّة المهمّة. ونطرح فيما يلي شر طين أساسييّن لتعظيم المكاسب الروس يّة - الصينيّة - العربيّة المشتركة في مرحلة ما بعد الربيع العربيّ. الرط الأوّل: يتعلّق بضرورة تطوير روسيا والصين خطاباتٍ واضحة إزاء قضايا التحوّل الديمقراطي وحقوق الإنس ان في المنطقة. فبصرف النظر عن الدوافع الحقيقيّة وراء الس لوك الروسي - الصينيّ في الأزمة السوريّة ومواقفهما المعارضة نمط التدخّل العسكري في ليبيا، إلا أنّهما بدتا في المشهد الأخير وكأنّهما تنحازان إلى جانب الأنظمة السياسية السلطوية في مواجهة الموجات الثورية العربيّة المطالبة بإزاحة هذه الأنظمة وإقامة أنظمة ديمقراطية بديلة. ويرتبط بهذه النقطة ضرورة استعداد روسيا والصين للتعامل مع أنظمة أكر انفتاحًا وديمقراطية في المنطقة مقارنةً مع العقود السابقة. فقد اعتمدت الصين على س بيل المثال، في تطوير علاقاتها مع العالم العربيّ خلال العقود السابقة، ع ىل أنظمةٍ ذات طبيعة سلطوية (العراق في مرحلة سابقة، نظام بشّار الأسد في سورية، نظام معمّر القذافي في ليبيا، نظام البشير في السودان.) جنّب هذا الواقع السياسي العربيّ الصينَ الحاجة إلى تطوير خطابٍ واضح إزاء التطورات السياسية الداخلية في الدول العربيّة، وقضايا حقوق الإنسان، كما جنّبها حتّى الحاجة إلى فهم الخريطة السياسيّة الداخلية لهذه الدول. وقد مثّلت الأزمة السورية نموذجًا كاشفًا التحدّي الذي يواجه السياسة الصينيّة في هذا المجال. وتزداد أهمّية هذا الشرط في حالة فشل المعارضة السوريّة والقوى الإقليميّة والدوليّة الداعمة لها، في إسقاط نظام بشّار الأسد، إذ سيجري في هذه الحالة تحميل روسيا والصين مسؤوليّة فشل الثورة السوريّة. الرط الثاني: يتعلّق بالدول العربيّة التي عليها أن تطوّر خطابًا واضحًا تج اه القضايا والتفاعلات والتوازنات الدوليّة الجديدة، والتي أضحت القوى الآسيويّة أطرافًا وفاعلين رئيسين فيها. وتشير التوجّهات الأوليّة لأنظمة ما بعد الثورة إلى احتمال تزايد الاهتمام بسياسة "التوجّه شر قًا"، على نحو ما عكسته زيارة الرئيس المصريّ محمد مرسي للصين في آب / أغس طس الماضي 2.) غير أنّ نجاح هذا التوجّه س 012(يظلّ مرهونًا بعددٍ من الاستحقاقات المهمّة ع ىل هذه الأنظمة. يأتي على رأسها ضرورة فهم المشهد السياسي والإس رت اتيجيّ الجديد في آسيا. لقد ساد اعتقادٌ خلال العقد الأخ ري بغلبة الاقتصاد والتجارة على التفاعلات الإقليميّة البينيّة، والخارجية، للدول الآسيويّة. وهو اعتقاد كان صحيحًا استنادًا إلى طبيعة التجارب التنمويّة لاقتصاد هذه الدول، ما خلق فرصًا لتفاعل دول العالم الخارجي (بما في ذلك الدول العربية) مع الدول الآسيويّة في مجالات التجارة والاستثمار ومحاولة الاستفادة من إمكاناتها الاقتصاديّة دون أن يفرض ذلك الحاجة إلى تطوير خطاب محدّد إزاء القضايا السياسيّة والأمنيّة الآسيوية. لكن، قد يصعب استمرار هذا التوجّه مستقبالً في ضوء تغريّ نمط العلاقة بين القوى الآسيويّة الصاعدة والنظام الدولي، واتّجاه الولايات المتّحدة إلى تكثيف حضورها الس ياسي والأمني في آسيا - المحيط الهادئ، وتطوير خطاب أميركيّ جديد بش أن الصراعات القائم ة في المنطقة، ودخولها في حالة قريبة من سباق التسلّح. أضف إلى ذلك انتقال حالة الاستقطاب الأميركي - الصينيّ / الروسيّ إلى منطقة الشرق الأوسط، وبشأن قضايا عربيّة (سورية.) ومن ثمّ، قد يصبح على الأنظمة العربية حس م خياراتها قريبً ا، وما لم يجْر تطوير خطابٍ عربيّ محدّد ومتّسق إزاء القضايا والصراعات الأمنيّة في آسيا سيكون من الصعب تطوير سياسة حقيقيّة للتوجّه شر قًا. لقد كان لافتًا للنظر أن يعلن الرئيس مرسي من إيران عن تدخّلٍ دولي فاعل في سورية، وذلك بعد ساعات محدودة من مغادرته الصين التي ترفض بش دّة أيّ شكلٍ من أشكال هذا التدخّل. قد يكون مثل هذا الخطاب غيرَ مقبول مس تقبالً من مصر في مرحلةٍ سيتراجع فيها التمييز التقليديّ الذي نشأ بين السياسة والاقتصاد خلال العقود السّابقة.