السودان وإيران رحلة التقارب والمشهد العربيّ الراهن
الملخّص
تناقش هذه الدراسة علاقات السودان بإيران، على خلفيّة الهجمات الجويّة الإس رائيليّة العديدة على السودان، وتتساءل إذا ما كان النظام الحاكم في السودان يرجّح في معالجة همومه السياسيّة والأمنيّة الكف ة الإيرانيّة على الكف ة العربيّة، أم أنه لا يرى تناقض ا أو مشكلة في الل عب على الحبلين. تنظر الدراسة أيض ا، في أحلام الرّيادة والزعامة الإسلاميّة ونزعة التثوير العابرة للأقطار لدى حسن الترابي، وتأثير تلك النزعة في تلامذته في نظرتهم وارتباطهم بإيران. كما تأخذ الدراسة الدّع م الإيرانيّ لإ س ل ميّين في غز ة عبر السودان كنموذجٍ للتعاون، تنظر من خلاله إلى تقاطعات التكتيكي على المدى القصير، مع الإستراتيجي على المدى الطويل. وتناقش الدراسة أيض ا وصول الإسلاميّين إلى السلطة نتيجة للثورات العربيّة، واحتمال انبعاث نزعة التثوير العابرة للأقطار المتضمّ نة في أصل أدبيات الإخوان المسلمين، وانعكاس ذلك الانبعاث على علاقة الدول العربيّة ببعضها بعض ا، وعلاقتها مجتمعة أو منفردة بإيران.
مدخل
اندلعت الثورة الإيرانيّة عند أصيل حقبة الحرب الب اردة، فحرّك اندلاعها أح ال م الكتلة الثالثة الراقدة في أفئدة الإس ال مييّن العرب. يقول عزمي بشارة عن حركة الجهاد: "لقد تأثّرت حركة الجهاد، منذ البداية، بمبادئ الثورة الإس ال ميّة على غرار حركاتٍ سنّيةٍ كثيرة ألهبت هذه الثورة خيالها، بما في ذلك الإخوان المس لمون"1. ويمكن القول أيضًا إنّ الإس ال مييّن العرب مالوا إلى الثورة الإيرانيّة بجامع التّوق لدى الفريقين في خلق كتلةٍ إسلاميّةٍ فاعلةٍ مغايرةٍ للنموذج الغربيّ، ومنفلتةٍ م ن قبضة الهيمنة الغربيّة2. يرى حيدر إبراهيم أنَّ ميل الإس ال مييّن السودانييّن للثورة الإيرانيّة، في بدايات حكمهم للسودان، قد جسَّده تقاربهم معها ومحاولة الاستفادة من خبراتها، بوصفها النموذج الأمثل واقعيًّا، إذ إنّها مثّلت بالنسبة إليهم الدولة الإسلاميّة الوحيدة3. أجد من الضروري جدًّا الإشارة في هذا المدخ ل، إلى ما يعدهّ بعض الباحثين قصورًا في الانتباه وسط القيادات الإسلاميّة العربيّة التي تميل نحو إيران، إلى المكوِّن القوميّ والجيوس رت اتيجي والمذهبيّ في الدولة الإيرانيّة، والانحصار في النظرة إليها من منظور "الأخوّة الإس الميّة" الجامع ة، دون أخذ المكوِّنات الأخرى بعين الاعتبار. فالتاريخ الإيرانيّ، والعقيدة الإيرانيّة، والرؤ ية الإيرانيّة الجيوس رت اتيجية، تشير مجتمعةً إلى أنَّ إيران تتحرّك صوب محيطها الإقليم يّ، من بؤرةِ طردٍ مركزيّةٍ مركّب ة. ورمبّ ا يعضد هذا المنحى ما أورده ط الل عتريسي حين أكَّد ع ىل أنَّ الهُويّة الإيرانيّة الجديدة تدمج في وقتٍ واحدٍ، وبطريقةٍ شديدة التعقيد، الأمّة والإس ال م والع الم4. ويؤكّد أوليفييه روا أنّ إخفاق إيران في اختراق العالم السنّي قد جعلها تتصرّف كقوّة إقليميّة، وفق محاور ش ديدة الشبه بتلك التي كان يعتمدها الشاه5 الشاهد أنّ القوميّ والدينيّ والمذهبيّ والعرقيّ والمصلحيّ، تختلط اختلاطًا مُربِكًا في الطبيعة الإيرانيّة المركّبة. فإيران، كما ينبّه عزمي بشارة، تستثمر داخليًّا في هُويّة إيرانية شاملة، لكنها لا تغضّ الطرف تمامًا عن الاستثمار في ماضيها الإمبراطوريّ الفارسيّ6. والماضي الإمبراطوريّ اتّسم في معظم منعطفاته بنزعة المدّ والتوسّ ع. ويرى محجوب الزويري أنّ تاريخ القرن العشرين أثبت أنَّ عاميلَ الدين والهُويّة يبقيان حاضرين وبقوّة في الحالة الإيرانيّة، فوجود مَلَكيّ ة علمانيّة، كما كانت الحال في فترة حكم الشاه، لم يطمس تمامًا الهُويّة الدينيّة الشيعيّة ببعدها القوميّ الفارسي7. وفي السّياق نفسه، يشير وجيه كوثراني إلى أنَّ العلاقة بين العرب وإيران لها صورٌ متعدّدةٌ لدى الطرفين؛ فصورةٌ منها تعكسها مرآة الإس الم، وصورةٌ ثانية تعكسها مرآة القوميّة، وثالثةٌ تعكسها مرآة المذاهب، ورابعةٌ تعكسها مرآة الجغرافيا السياسيّة والاقتصاديّة والبشريّة. ويضيف كوثراني أنّه ليس من بين هذه المرايا، مرآةٌ صافيةٌ بحدِّ ذاتها. فاللون الغالب واللون الرئيس في الفهم المتبادل بين العرب والإيرانييّن، لونٌ متحوِّلٌ يأخذ أطيافًا عدّة، يصفه كوثراني بأنّه:
قد يكون إس ال ميًّا مش تمالً ومحتويًا المضمون القوميّ، وقد يكون قوميًّا مرتكزًا على الإسلام، أو قد يكون قوميًّا عنصريًّا نافيًا الإسلام، أو قد يكون نفعيًّ ا خالصًا جاعالً من مصالح الدولة وجغرافيّتها الاقتصاديّة نطاقًا ل "أمنها القوميّ " مع اس تخدامٍ وظيفيٍّ للإ سلام والقوميّة معًا. وقد تكون الصورة أحيانًا مزيجًا معقّدًا من هذه العناصر جميعها8.
تنظر بعض الحركات الإس ال ميّة في العالم العربيّ إلى إي ران كحليفٍ إس الميٍّ مهمٍّ يشكّل بالضرورة، قوّةً داعمةً وسندًا يُعَوَّل عليه في المعركة ضدّ الهيمنة الغربيّ ة. ولا يحتاج المرء في هذا المنحى إلى أكر من الإشارة إلى حزب الله في لبنان، وحركة حماس في غزّة، وحكومة الإسلامييّن في السودان.
التكتيك والإستراتيجيا
تنطلق هذه الدراسة من افتراض وجود جسمٍ عربيٍّ جامعٍ ذي مصالحَ جيوس رت اتيجية مش رت كة. وبطبيعة الحال، فإنّ وجود تنظيمٍ تأسَّ س
طوعًا يجمع الدولة العربيّة كلّها بلا استثناء، يس مّى "جامعة الدول العربيّة"، يعن ي بقدرٍ معق -ول - أنَّ هذا الجسم متجانسٌ في ما يتعلّق ببنيته وطبيعته التاريخيّة، إلى الحدّ الذي يجعل منه جسمًا ذا أمنٍ مش رتك، حتّى وإن كان في حالة الكمون لا في حالة التجسُّد البادية للعيان. ولكن، على الرغم امّ يتّسم به هذا الجسم من وحدةٍ عضويّة، فإنه يتّس م أيضًا بتنافر الرؤية السياسيّة. هذا التنافر - وهو تنافرٌ تتغّيرّ خريطته كلّ آونةٍ وأخ رى - يخلق خلطًا بين الثوابت القوميّة والمصالح الآنيّة القطريّة. في هذا الخلط الذي تدخل فيه أطرافٌ أخرى من خارج المنظومة، يتعارض التكتيكي مع الإس رت اتيجي ويتقاطع معه تقاطعًا حادًّا. ولعلّ تقارب بعض ال دول العربيّة مع إيران يمثّل بعضًا من التجسيد الحيّ لهذه الإشكاليّة. يرى أوليفييه روا أنّ إيران تحتاج إلى الخروج من "محتبس ها الشيعيّ " (غيتو Ghetto) إلى مراكزَ سنّية، وعلى الرغم من أنّه يس عها دائمًا استخدام حسن ال رت ابي في عمليات محدّدة، لكن من غير المحتمل أن يقيم الإخوان المسلمون المعادون للتشيّع تحالفًا إستراتيجيًّا دائمًا مع إيران9. ولذلك، فإنّ تقارب الس ودان وتقارب فصائل الإسلامييّن في غزّة مع إيران، على النحو الذي هو عليه، يعكس بصورةٍ كبيرة حالة التكتيكي الذي يتقاطع بطريقة حادّة مع الإستراتيجي. ويختلف هذا عن نموذج حزب الله في لبن ان، والذي لا يتقاطع فيه التكتيكي القصير الأجل مع الإس رتاتيجي ذي الأجل الطويل، بقدرٍ ملحوظ. أمّا في حالة ارتباط السودان وفصائل غزّة بإيران، ف إنّ التناقض المذهبي الحادّ وتعارض المصالح على المدى الأبعد، يحبسان هذا التعاون في خانة التكتيك وحدها. ما من شكّ في أنَّ ك من إيران والتنظيمات السياسيّة الإسلاميّة السنّية في الأقطار العربيّة تعي إشكالية هذا التعاون المرحلي. ولكن، يبدو أنَّ كلَّ طرفٍ من هذين الطرفين يظنّ أنَّه س يكون الرابح الأكبر من حالة التحالف التكتيكية المرحليّة هذه، وأنَّه سُيرُ اكِم هذا من التحالف في نهاية المطاف، ما يصبّ في رصيده الخاصّ، ما يضمن له وضعًا أفضل على المدى الإس رتاتيجي البعيد. ولذلك، رمبّ ا تكون الاستفادة تكتيكيًّا من إيران، هي ما يجعل هذه الحركات الإسلاميّة العربيّة تغضّ الطرف عن المطامع الإيرانيّة والطبيعة التاريخيّة للدولة الإيرانيّة، وعن كون إيران نزّاعة بطبعها إلى التأثير الجذريّ في الفضاء العربيّ الإس ال ميّ. ولو نظرنا إلى الأمر نظرةً واقعيّةً، فإنَّ منظمّاتٍ إس ال ميّةً مثل حماس والجهاد الإس ال ميّ، محاصرة إسرائيليًّا وأميركيًّا، ثمّ فلسطينيًّا وعربيًّا، مضطرّة إلى قبول العون المالي والعسكريّ الإي رانيّ. ولقد اضطرّت ح ام س مؤخّرًا إلى أن تختلف مع الإيرانييّن بشأن الثورة في سورية، امّ أحدث شيئًا من عدم التناغم لطّفت منه الدبلوماسيّة كثيرًا. غير أنه أربك التكتيكي دون شكّ. ويشرح عزمي بش ارة مأزق حماس في التعامل مع إيران بقوله: "إنَّ حركة ح امس في وضعها الحالي كانت تفضّ ل من حيث طبيعتها الأيديولوجيّة، وبدرجةٍ أكبر، بسبب قواعدها الاجتماعيّة في العالم العربيّ، لو تلقّت هذا الدّعم الذي تتلقّاه حاليًّا من إيران من دولةٍ عربيةٍ مثل المملكة العربيّة السعوديّة"10.
ه ذه الحاجة المُلجئة إلى الدّعم والعون رمبّ ا تكون هي الس بب وراء غضّ القادة السياسييّن الإسلامييّن السنييّن الطرف عن النواة الصلبة للثورة الإيرانيّة المنغرسة في تربة الغنوص الدين يِّ المتمركز حول عقيدة الإمام الغائب وولاية الفقيه11. وعمومًا، فإنّ المرجعيّة الفقهيّة والتاريخيّة الشيعيّة متعارضة مع المرجعيّة الس نّية. لكن، الحاجة الماسّ ة إلى العون المالي والعسكريّ والس ياسي، رمبّ ا تجبر متّخذَ القرار السياسيّ، في الأحوال الضاغطة، على التحوّل من مبدئيّة الموقف إلى براغماتيّته، وهذا ينطبق على حكومة السودان، مثلما ينطبق على ح ام س. أمّا في ما يتعلّق بالجانب الآخر القادر ع ىل تقديم العون من داخل المنظومة العربيّة، فإنَّ حكّام المملكة العربيّة السعوديّة ودولة الإمارات العربيّة المتّحدة وس لطنة عمان والكويت، رمبّ ا تكون خشيتهم من حركة الإخوان المسلمين، في الوقت الحالي، تماثل خشيتهم من إيران أو تزيد عليها. ولقد تعاظمت تلك الخشية بصورة كبيرةٍ منذ إعلان التنظيم الدوليّ للإ خوان المس لمين موقفه الذي كان داعامً للعراق بعد غزوه الكويت.
لجأ الإخوان المس لمون إلى المملكة العربيّة السعوديّة، بُعَيْد منتصف القرن الماضي، فارّين من بلدانهم بسبب المدّ اليساريّ العروبيّ الذي نكّلت أنظمته الحاكمة بهم، فاحتضنتهم السعوديّة التي كانت تخشى وقتها من المدّ الش يوعيّ ووكلائه في الإقليم المتمثلين في اليسار العربيّ الماركسيّ والقوميّ. في تلك الحقبة، مثّل فكر الإخوان المسلمين ترياقًا ضدّ خطر المدّ الشيوعيّ الذي كان يخيف الس عودييّن وحلفاءهم الأميركيّ ني؛ أصحاب المصلحة الكبرى في وقف الزحف الشيوعيّ في المنطقة العربيّة. غير أنَّ السعوديّة عادت مؤخّرًا فغريّ ت موقفها منهم. فالمش هد في جملته تغ تغُّي رُّ ا كبيرًا جدًّا. ولقد ج رى تأكيد موقف السعوديّة المناوئ للإ خوان على لسان وزير داخليّتها الراحل، نايف بن عبد العزيز12. وطفحت النبرة المعادية للإخوان، وبشدّة في تصريحات وزير خارجيّة الإمارات، عبد الله بن زايد، إضاف ةً إلى مدير شرطة دبي، ضاح ي خلفان13. ويبدو أنَّ هناك تصعيدًا حادًّا في اللهجة بين الإماراتييّن وشخصيّات بارزة في حركة الإخوان المسلمين المصريّة، ومن ذلك التصعيد إعلان الإمارات القبض على مجموعة مصريين أسمتها الس لطات الإماراتيّة خليّة إخوانية مصريّة تعمل داخل الإمارات14. وعمومًا، ازدادت المخاوف من حركة الإخوان المسلمين في بعض الدول الخليجيّة، بعد الثورات العربيّة التي انطلقت من تونس في عام 011 2، وأخذت في الاندياح في الفضاء العربيّ العري ض، بل ظهرت في بلدانٍ خليجيّة كالبحرين والكويت، وبقدرٍ أقلّ في سلطنة عمان.
علاقات السودان وإيران
على ضوء المؤشرّات التي سبق ذكرها في مدخ ل هذه الورقة، تجيء النظرة إلى علاقة السودان وإيران. فهي علاقة بين حركة سياس يّة راديكاليّة إس ال ميّة سنّية تمثّلها الحركة الإس الميّة في السودان، وحركة سياسيّة راديكاليّة شيعيّة تمثّلها الثورة الإسلاميّة في إيران التي أطاحت بالحكم الشاهنشاهي في ع ام 979 1. وعلى الرغم من هذه السّمة الإسلاميّة الراديكاليّة المشتركة بين السودان وإيران، فإنَّ العلاقة بينهما ليست راسخةً تمامًا، لأنه لا يوجد إجماع عليها سودانيًّا، حتّى وسط الإس ال مييّن السودانييّن الحاكمين أنفسهم، كما س تب هذه الدراسة لاحقًا.
العلاقة بين الس ودان وإيران علاقةٌ حديثةٌ نسبيًّا، فقد تنامت علاقات السودان بإيران في فترة حكم الشاه الذي أهدى السودان قطعًا بحريّة عسكريّة كجزء من إستراتيجيته في البحر الأحمر. غير أنَّ تلك العلاقات قُطع ت مؤقتًا بعد حرب أكتوبر 973 1، كبقيّة الدول العربيّة، ورُتِّبت عودتها في ما بعد عبر الأجهزة الأمنيّة، بإعلان بيانٍ متزامنٍ في الخرطوم وطهران. وظلَّت العلاقات الدبلوماس يّة قائم ةً بلا انقطاع إلى ما بعد قيام الثورة الإسلاميّة عام 979 1، أي إلى ما بعد اندلاع الحرب العراقيّة الإيرانيّة التي انحاز فيها الس -ودان إلى جانب العراق، وأرسل جنودًا نظامييّن وسمح لأعدادٍ كبيرةٍ من المتطوّعين الس ودانييّن بالقتال إلى جانب القوّات العراقيّة. ويمكن القول، عمومًا، إنّ علاقات السودان الخارجيّة في الف رت ة الممتدّة ب ني خروج المستعمر البريطانيّ في عام 9561، وصعود جعفر نميري إلى الحكم في عام 969 1 قد اتّسمت بعدم الانحياز15. ولقد مال نميري إلى توجّهات السادات الذي استضاف شاه إيران ع ىل الأراضي المصريّة، بعد خلعه. ك ام أنَّ نميري دعم موقف نظام السادات لدى توقيعه اتفاقيّة كامب ديفيد مع الإسرائيلييّن، ثمّ أعقب نميري ذلك بتعاونه مع الإسرائيلييّن في ترحيل اليهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل. وهكذا باعد نميري بين نفسه وبين بداياته
اليساريّة الأولى، حتّى أصبح في س نوات حكمه الأخيرة حليفًا مقرّبًا جدًّا من أميركا. أكر من روّج لإيران داخل السودان هو الحركة الإس ال ميّة السودانيّة بقيادة حسن الترابي الذي وصل بجماعته إلى الحكم في السودان، عقب انقلابٍ عسكريّ في ع ام 1. فمنذ نهاية الس 989 بعينيّات من القرن الماضي أخذت الحركة الإسلاميّة السودانيّة ترى في ثورة الخميني مصدر إلهامٍ لها. وهذا أمرٌ أكَّده المحبوب عبد الس ال م، إذ ذكر أنَّ قيام دولةٍ إس الميّة هي الأولى في العالم على الإطلاق، أطلق في السودان مبادراتِ التظاهر المناصرة لإيران مؤكّدًا أنَّ تلك التظاهرات كانت الأولى في العالم العربيّ وأفريقيا. ويضيف المحبوب عبد السلام أنَّ تلك التظاهرات تلتها مبادراتٌ بالزيارات إلى طهران قامت بها الحركة الإس ال ميّة السودانيّة، وكانت هي الأولى، إذ التقت بمُلهم الثورة ومرشدها، ثمّ جرى تبنّي فكر الثورة ورمزها والدعوة له والتبشير به16. ووفقًا للدبلوماسي السودانيّ الأسبق الرشيد أبو ش امة، فإنَّ التطوّر الكبير في العلاقات بين إيران والس ودان حدث قبل وصول الإسلامييّن إلى الحكم في السودان. فقد توطَّدت الصلات كث ريًا في فترة حكم الصادق المهدي 1986(- 989 1) الذي طرح فكرة "وحدة أهل القبلة"، ومال إلى ليبيا أكر من مصر، كما تجاوز السعوديّة إلى إيران. ولقد زار الصادق المهدي طهران بضع مرّات، كما أنه أوقف المشاركة العسكريّة في الحرب إلى جانب العراق، ولم يبدِ تعاطفًا مع الأسرى السودانييّن من العس كر والمتطوّعين الذين حاربوا إلى جانب العراقييّن. وكان الصادق المهدي على خلافٍ كبيرٍ مع وزير خارجيّته الاتحادي حسين سليمان أبو صالح الذي كان يميل إلى العراق. ولم يُطلَق سراح الأسرى السودانييّن في إيران إلا في نهايات عام 990 1. وعمومًا، فقد أغضبت مواقف الصادق المهدي وزياراته لطهران الدول الخليجيّة. عندما جاءت حكومة الإنقاذ إلى الحكم في الس ودان في عام 9891، وبحكم حاجتها إلى الاعتراف والعون، حاولت كسب ودّ الدول العربيّة خاصةًالخليجيّة منها، لتدعي م موقفها17. ولتحقيق ذلك الهدف، قامت حكومة الإنقاذ بافتعال مشكلةٍ مع إيران، قامت على أثرها بقطع العلاقات، بعد أن اس تدعت السفير السودانيّ في طهران. ويؤكِّد أبو شامة أنَّ تلك الخطوة كانت خطوةً مفتعلة، ويطابق ذلك تمامًا ما أدلى به القيادي في الحركة الإس الميّة السودانيّة المحبوب عبد السلام الذي أكّد افتعال حكومة السودان المشكلة بهدف قطع العلاقات مع إيران18. وبشكلٍ عامّ، فإنَّ مختلف كُتّاب الحركة الإسلاميّة السودانيّة يؤكِّدون فتون حركته م بالثورة الإيرانيّة، وتمثّلَهم نموذجها. ومن ذلك ما أورده عبد الرحيم عمر محي الدين، إذ ذكر أنَّ الحركة الإس الميّة في جامعة الخرطوم كان ت متأثِّرةً جدًّا بشعارات الثورة الإيرانيّة ومتعلِّقةً جدًّا بشخصيّة الإمام الخميني، بحيث لا تخلو حجرة من حجرات الطلاب الإس ال مييّن في الس كن الجامعي لطلاب جامعة الخرطوم من صوره. بل كان الطلاب الإس ال ميّون، (بعضهم ساسة وتنفيذيّون وقياديّون في الحكم السودانيّ القائم الآن)، يطلقون على حجرة السكن الطلابي التي يسكنها بعض قياديّي تنظيمهم المعروفين بالتديّن الشديد، اس م "قُمْ مدينة الآيات"، تيمّنًا بمدينة قم الإيرانيّة المقدّسة19.
لم يس تمرّ قطع العلاقات مع إيران طويالً، فقد بعثت حكومة الإنقاذ في السودان بعد فترةٍ وجيزةٍ، عبدالرحمن محمد سعيد سفيرًا لها في إيران، وأعقبه على السفارة في طهران قطبي المهدي الذي كان رئيسًا لجهاز الأمن السودانيّ. ويبدو أنَّ الإنقاذ، إلى جانب إعجابها بنموذج إيران الثوري، رأت في النظام الإيرانيّ أيضًا نموذجًا أمنيًّا يمكن الاستعانة بخبراته الأمنيّة في حماية نظامها الوليد المستهدف من جهاتٍ كثيرةٍ. وقد زار السودان الرئيس الإيرانيّ حينها، هاشمي رفسنجاني، على رأس وفدٍ ضخمٍ، ووقَّع مع السودان عددًا من الاتفاقيّات شملت الاقتصاد والأمن والدفاع. ودعمت إيران الحكومة السودانيّة بالمال والسّ ال ح وبالتدريب في قطاعات مختلفة، بما في ذلك الأمن والقضاء20.
الترابي وخلق كيانٍ ثوري إسلاميٍّ جامع
استخدم حسن الترابي ذريع ة "التقِيَّة" في بداية حكم الإس المييّن للس ودان. فعلى الرغم من أنَّه كان الرأس المدبِّر للانقلاب العسكريّ الذي أطاح بالنظام الديمقراطي، اتّفق مع قائد انقلابه عمر البش ري على أن يس جنه مع رؤ ساء الأحزاب السياسيّة، بغرض التمويه وإخفاء هُويّة الانقلاب. وقد ذكر الترابي أنَّه قال للبشير عشيّة الانقلاب: اذهب للقصر رئيسًا، وسأذهب للسجن حبيسًا. ولكن ما إن استتبَّت الأمور للانقلابييّن، ظهر الترابي على المسرح وتكشّفت هُويّة الانقلاب. ويورد روبرت كولينز أنَّ الترابي ثبّت في عام 991 1 موقعه بصورةٍ واضحة جدًّا في الجبهة الإس ال ميّة وفي نظام الحكم. ومن ثمّ، قام بإنش اء ما سُمِّي "المؤتمر الشعبيّ الإسلاميّ " الذي أراد له الترابي أن يحلّ محلّ "منظّمة الدعوة الإسلاميّة." ويورد كولينز أنَّ حرب الخليج الأولى 991 1، قامت بدور العامل الوسيط المس اعد في تكوين "المؤتمر الشعبيّ الإسلاميّ " الذي كان من أغراض تكوينه الرئيسة أن يكون الوعاء الحامل للثورة الإس ال ميّة على مس توى العالم، ومنسِّق جهد الحركات العاملة ضدّ الإمبرياليّة في نحو خمس ني قطرًا إس ال ميًّا. ويستطرد كولينز فيقول: أنشأ المؤتمر بالفعل، في أوّل انعقادٍ له، ما س مّي ب "العالميّة الإسلاميّة، وقد علَّقت حكومة Armed Islamist Internationale " لّحة المس الإسلامييّن في السودان على انعقاد الجمعيّة العموميّة الأولى ل "المؤتمر الش عبيّ الإسلاميّ " قائلةً: "هذا أهمّ حدثٍ يحدث منذ انهيار الخلافة الإس ال ميّة." ويورد كولينز أيضًا، أنَّ هذا المؤتمر قد حضرته نحو ثلاثمئة شخصيّة من السودان، إضافةً إلى مئتَي ش خصيّة أخرى تمثِّل خمسًا وأربعين دولةً في العالم، كان من بينها جماعة أبو سياف في الفليبين21. ومنذ تكوين المؤتمر الشعبيّ العربيّ الإس الميّ أصبح السودان مركزًا لتدريب المجاهدين الأفغان الذين كانوا يبحثون عن فرصٍ للجهاد في بقاعٍ إسلاميّةٍ أخرى، كالجزائر والبوسنة واليمن. ولقد استضاف الترابي أسامة بن لادن في السودان لبضع سنوات. وانضمّ إلى المؤتمر الشعبيّ العربيّ الإس ال ميّ المجاهدون من الجماعة الإس ال ميّة في باكستان والهند، وكذلك الحزب الإسلاميّ والجماعة الإسلاميّة الأفغانيّة، وحزب المجاهدين الكشميري، إضافةً إلى الجماعات الإسلاميّة المصريّة، وحزب الله من لبنان، وجبهة الإنقاذ الجزائرية، والجبهة القوميّة الإس الميّة من السودان التنظيم الإس ال ميّ الحاكم في البلد المضيف. وردّ خالد المبارك مفهوم التمكين والدولة التي تمثّل منصّة انطلاق لنشر النموذج الإس ال ميّ في الدولة الأخرى. وقد أشار المبارك إلى مؤتم ر تحدّث فيه ج ام ل برزنجي ذاكرًا أنّ إيران بعد ثورتها الشعبية والسودان بعد انقلاب الإس ال مييّن العسكري، يمثلّان منصّة الانطلاق هذه نحو "التمكين." ويورد المب ارك أنّ رمضان عبد الله تحدّث في الوجهة التي تح دّث فيها برزنجي، وأضاف قائالً، بما أنّ لدينا الدولتين اللتين تمثلّان منصّة الانطلاق فماذا نحن منتظرون22؟ يورد كولينز أنّ سكرتارية عامّة برئاس ة الترابي تكوّنت بنهاية المؤتمر. ويضيف كولينز أنَّ الترابي أشر ف على استقطاب مجنّدين من جنوب آسيا للتدرّب في معسكرات المجاهدين بالقرب من بيش اور في باكستان. وبحلول أيلول / سبتمبر من عام 991 1، قام الترابي بزيارةٍ إلى باكستان. وما إن حلّ كانون الأوّل / ديسمبر 9921 حتّى كانت أشرطة الترابي ومنش وراته وفيديوهات مقابلاته التلفزيونيّة وأشرطة مقابلاته الإذاعيّة، قد جعلت منه متحدّثًا ذا ش عبيةٍ عابرةٍ للعالم الإسلاميّ23. منذ تلك اللحظة، أخذ الترابي يروِّج لفكرة المدّ الثوريّ الإس ال ميّ العابر للأقطار، كما أخذ يضطلع ب دور القائد لذلك المدّ، معلنًا عدم اعترافه بالحدود القطريّة للدول الإس الميّة. ولقد خاطب الترابي في عام 992 1 الجمعيّة الملكيّة لتشجيع الفنون والصناعة والتجارة في لندن، مدينًا تأسيس الدولة القطريّة على حساب المجتمع الإس ال ميّ وما أسماه ب "دار الإس الم"24. ويبدو أنّ إمساك الترابي بزمام الحكم في السودان هو الذي حرّك فيه النزع ة العابرة للأقطار، وجعل التقارب مع إيران جزءًا من تشكيل كتلةٍ إسلامية مؤثّرة.
حسن الترابي والنموذج الإيرانيّ
يؤكِّد المحبوب عبد الس ال م، أنَّ علاقة حكومة الإنق اذ بإيران، في عشريّته ا الأولى)1 جاوزت الحدّ الأدنى لتبلغ المتوسّ، 999-1989(ط، ثمّ لتصل إلى درجةٍ من المتانة أصبح الإيرانيّون، بناءً عليها، يطلقون
على س ودان الإنقاذ "أوّل دولة إسلامية معاصرة في العالم السنّي "25. في عهد الإنقاذ نشط العم ل الثقافيُّ والدعويُّ الإيرانيّ في السودان، وكر ت الكتب والمنش ورات الإيرانيّة، وبدأ التشيُّع وسط فئة الشباب، لأوّل مرّة في تاريخ السودان. ويبدو أنَّ إيران ترى في الس ودان جبهةً متقدِّمةً لها للتغلغل في أقطار أفريقيا جنوب الصحراء، عن طريق نشر المذهب الش يعيّ وتقديم مختلف أنواع العون26. ولقد كان احتفاء الإيرانييّن بحكم الإس ال مييّن للسودان كبيرًا جدًّا. ويشير حيدر إبراهيم إلى مبلغ اهتمام الإيرانييّن بنظام الإس ال مييّن في السودان وشعورهم بالترحيب السودانيّ بهم، بقوله إنَّ الس فير الإيرانيّ في الخرطوم كمال مجيد، كان يطلق التصريح ات، ويقدِّم الاقتراحات والتوصيات في الشؤون الس ودانيّة، في بدايات حكم الإنقاذ، وكأنه مسؤولٌ حكوميٌّ سوداني28. من المثير للاهتمام في الحديث عن العلاقات السودانيّة الإيرانيّة أنَّ أكر القادة الس ودانييّن تعليامً، وأغزرهم إنتاجًا فكريًّا منشورًا، وأفصحهم لس انًا، وأكر هم ديناميّةً في معترك السياسة السودانيّة وتأثيرًا في جمهور حزبيهما، حسن الترابي والصادق المهدي تشاركا، دون سواهما من القادة السياسييّن السودانييّن، الإعجاب بالنموذج الإيرانيّ والتجربة الإيرانيّة. ورمبّ ا يعود ذلك إلى أنّ كلا الرجلين يطرحان نفسيهما قائديْن إس الميّينْ مجدِّديْ ن عالميَّينْ، أكر مّماّ يطرحان نفس يهما كقائديْن محلِّيَّْينْ لقطرٍ عربيّ إس الميّ طرفيٍّ، نصيبه من الرّيادة والمركزيّة في العالمين العربيّ والإس ال ميّ في العصر الحدي ث قليل جدًّا. ويؤكِّد عبد الوهاب الأفندي أنَّ السودانييّن على الرغم من انتمائهم إلى قطرٍ يعاني التهميش المركّب على الصعيدين العربيّ والأفريقيّ، فجذور التديّن الصوفي فيه جعلت بعض قياداته الدينيّة تؤمن بأنَّ لها دورًا إس ال ميًّا مركزيًّا. وأشار الأفندي في ذلك إلى الثورة المهديّة في القرن التاسع ع رش التي قادها محمد أحمد بن عبد الله الذي ادّعى المهدويّة، وأج ىل الحكم ال رت كيّ المصريّ عن السودان. وكان عزم محمد أحمد المهدي أن يسّيرّ حملاتٍ عسكريّة لفتح البلدان الإس ال ميّة، وإعادة المس لمين إلى "الدين الحقّ " وفق الرؤ ية المهدويّة. ويرى الأفندي أنَّ هذا الإحساس بالدّور الإس ال ميّ المركزيّ راسخٌ في الوجدان الصوفي الس ودانيّ29. وتطبيقًا لرؤ ية محمد أحمد المهدي، سّيرّ خليفته من بعده عبد الله بن محمد تورش ني، حملتين عسكريّتين نحو الحبشة ومصر لكنّهما فشلتا. أورد كولينز ملاحظةً جديرةً بالاهتمام، جاء فيها:
في الحياة السياسيّة للس ودان الشمالي، نجد أنَّ الشخصيات القويّة التي ش كَّلتها، إمّا الموهبة أو الإرث الأسري، مثل إسماعيل الأزهري، والصادق المهدي، أو حسن الترابي، مستغرقةٌ في حزمة أوليّاتها الخاصّة التي لا يربطها بهموم ومصالح عامة السودانييّن، إلا القليل جدًّا30.
وبالفعل، فإنَّ نصوص حسن الترابي، وممارساته، تدلّ على أنَّه مهجوسٌ بتثوير العالم الإس ال ميّ، وأنَّ عينيه ليس تا على السودان إلا في حدود اتّخاذه نقطةَ انطلاقٍ ومعبرًا نحو الآفاق الواسعة التي يودُّ التأثير فيها في ما وراء الحدود. وهذا ما تؤكِّده نصوص الترابي نفس ه، فهو يصف الحركة الإسلاميّة السودانيّة بقوله:
أصبحت من أكثف الحركات الإس الميّة العالميّة، ولعلّ مردّ ذلك... كون الحرك ة ذات أفقٍ عالميٍّ رحيب وذات التحامٍ وثيقٍ مع تحدّياتٍ عالميّة المغزى... ثمّ إنَّ نموّ الحركة زاد من حاجتها وقدرتها لأن تتّخذ بعدًا عالميًّا تستعين به وتبسط ذراعًا عالميًّا تؤثّر به31.
وأودُّ أن ألفت النظر إلى أنَّ كلمة "عالمي" باش تقاقاتها المختلفة، قد وردت في نص الترابي خمس مرّات. يرى الترابي أنَّ الحركة الإسلاميّة التي يقودها، حركةٌ تهتمّ أصالً بأمر المسلمين وبأحوال العالم، مس تصحبةً إدراكها بأنَّ العالم قد غدا رقعةً واحدةً وثيقة الاتّصال. ويرى الترابي أنَّ المس لمين الأوائل، على الرغم من قلّتهم وضعفهم، مدّوا بصرهم نحو الفرس والروم، فقوّضوا إمبراطورياتهم، ومدّوا الدعوة وراء الحدود، مؤكّدًا أنَّ هذا النهج هو الذي سيكون عليه ديدن الحركة الإس ال ميّة في السّ ودان32. ويطابق هذا المنحى المنحى الإيرانيّ المدرج في صلب الدستور الذي تقول المادّة 154 منه، إنَّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، ع ىل الرغم من التزامها بعدم التدخّل في ش ؤون الدول الأخرى، ترى
أنّها مكلّفةٌ بدعم وحماية المستضعفين أمام المس تكبرين33. ويؤكِّد المحبوب عبد الس ال م، أحد التلاميذ المقرّبين لحسن الترابي، مفهوم الثورة الإس ال ميّة الأمميّة لدى الترابي، فيقول: إنَّ اجتهادات الشيخ حسن الترابي الواردة في محاضرته التي ألقاها في سبعينيّات القرن الماضي، في مدينة الدوحة بدولة قطر، تحت عنوان: "الأشكال الناظمة لدول إسلاميّةٍ معاصرة"، تعب رِّ عن أصول فكرته التي لا ترى في الحدود السياسيّة إلاّ عوائق ظلّت تمنع حركة الشعوب وتفاعله ا الحرّ34. ويم ض المحبوب عبد الس الم ليؤكِّد التوجّه الأمميّ لحسن الترابي بقوله، إنّ س نوات الإنقاذ الأولى شهدت رفع شر ط تأشيرة الدخول إلى السودان عن الإس ال مييّن العرب في دول الجوار العربيّ، تمهيدًا لرفعها عن الإس ال مييّن في دول الجوار الأفريقيّ، ولكن بعد أن تستتبّ الأمور أكر بالنسبة إلى الحكم الإسلاميّ الجديد في السودان35. وهذه النظرة هي نفسها نظرة سيد قطب الذي يرى أنّ العقيدة هي جنس يّة المسلم، وليس انتماؤه القطري36.
تأثير الترابي في تلاميذه
بناءً على عديد الشواهد، يمكن القول إنّ أفكار الدكت ور الترابي "الأمميّة" ليست حصرًا على مجموعته التي خرجت معه من الحكم في عام 999 1، فأفكاره مُستبطنةٌ أيضًا وسط قيادات الجناح الآخر الممس ك بزمام الحكم الآن. وعلى سبيل المثال، فإنّ غازي صلاح الدين القياديّ في الحركة الإسلاميّة السودانيّة، ووزير الدولة الأسبق في وزارة الخارجيّة، خاطب عند بدايات حكم الإنقاذ، أربعةً من وزراء خارجية كينيا ويوغندا وإثيوبيا وإريتريا، وهي دولٌ تحكمها النخب المس يحيّة بصورةٍ رئيسةٍ، قائالً: "إنّ رسالتنا ليست هي توطيد الإسلام في السودان بل نشره في أفريقيا. هذه هي رس التنا التي أوقف مسيرتها الاستعمار، وسنبدأ حيث أوقفنا الاس تعمار"37. أمّا أمين حسن عمر، أحد أبرز المنظِّرين وسط الإس ال مييّن الحاكمين اليوم في السودان، فقد ورد على لسانه:
دعاة الحضارة العربيّة والإس الميّة لا يطالبون بمقعد بين الأمم المتحرضّة، بل يطالبون بهذا المقع د في الطليعة والمقدِّمة. وهم لا ينافسون على مقعدٍ ش اغرٍ بين الأمم المتقدِّمة، وإمنّ ا يطرحون مشروعًا بديالً للمشروع الس ائد، ويقدِّمون أنفسهم قيادةً بديلةً للعالم عن طريق التقدّم الاجتماعيّ والحضاري38.
وفي غمرة انفعال الإس ال مييّن بتسلّم الحكم في الس ودان شرعوا في محاولات تصدير نموذجهم إلى الخارج، ولم تسلم السعوديّة من تحرّشاتهم، وطالها الكثير من الهجوم الإعلاميّ السافر. بل تعدّى إس ال ميّو السودان جوارهم الإقليميّ المب اشر، ليتدخلوا في الشأن الجزائريّ، ما دفع الجزائر إلى سحب سفيرها من السودان في عام 992 1 39. ولم تقف محاولات إسلاميّي السودان تصدير الثورة عند حدّ د التقدّم الاجتماعيّ والحضاري التنظير، أو طرح النموذج الذي يجسِّ،ّ وإمنّ ا تحوَّلت إلى أفعالٍ عسكريّة أيضًا. فإضاف ةً إلى ما أوردناه عن المعسكرات التي نظّمها الدكتور الترابي في باكستان وفي الس ودان لتدريب المسلّحين الإسلامييّن عابري الحدود، جرت في أديس أبابا في عام 995 1، محاولةٌ فاشلةٌ لاغتيال الرئيس المصريّ حسني مبارك، لم تُكلّل بالنجاح. وقد كشفت التحقيقات التي أُجري ت حولها، أنَّ القيادات السياسيّة السودانيّة العُليا في حكومة الإنقاذ هي التي دبّرتها بالتعاون مع "الجماعة الإسلاميّة"؛ التنظيم المصريّ المتطرِّف40. ولم تكن محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا عمليّةً معزولةً، وإمنّ ا كانت جزءًا من عملٍ واسعٍ استهدفت به حكومة الإس المييّن في السودان
زعزعة دول الجوار الإقليميّ؛ مصر وإثيوبي ا وإريتريا. وقد اضطرّت إريتريا لقطع علاقاتها بالس ودان في عام 992 1 بسبب دعم الحكومة الس ودانيّة لتنظيم الجهاد الإسلاميّ الإريتيري41، ولقد تأثَّرت علاقات إثيوبيا بالسودان كثيرًا عقب محاولة اغتيال الرئيس المصريّ حسني مبارك في أديس أبابا. من جانبٍ آخر، توتّرت العلاقات بين إيران والجزائر، كما دار لغطٌ كبيرٌ في المغرب حول النشاط الإيرانيّ في المغرب. ويروي الحسين الزاوي أنَّ البعثة الدبلوماسيّة الإيرانيّة لدى الجزائر كانت تنشط في وسط الأحزاب الجزائرية، عقب إع ال ن التعدديّة الحزبيّة فيها، ومن ضمن تلك الأحزاب جبهة الإنقاذ، وكان ممثّلو البعثة الإيرانيّة يحضرون بعض التجمّعات السياسيّة. ويقول الزاوي إنَّ الحكومة الجزائرية ترى أنَّ موجة العنف التي عصفت بالجزائر آنذاك، لم يكن لها أن تأخذ تلك الأبعاد المأساويّة لولا الدّعم الذي كانت تتلقّاه الجماعات الجزائريّة المسلّحة من أطرافٍ خارجيّةٍ عديدةٍ، ومن تلك الأطراف الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة42.
السودان وإيران بعد خروج الترابي من الحكم
وعلى الرغم من محاولة الترابي التقرّب من إيران وضمّ رؤية الإيرانييّن وجهدهم إلى رؤية وجهد المؤتمر الشعبيّ العربيّ الإسلاميّ الذي أشرف على تكوينه شخصيًّا، بغرض خلق كتلةٍ إس الميّةٍ عابرةٍ للأقطار ذات ذراع عس كريّة، لم يغريّ خروجه من السلطة شيئًا في الميل السودانيّ الرسميّ نحو إيران. بل يمكن القول إنَّ العلاقات مع إيران ازدادت أكر بعد المفاصلة التي أخرجت الترابي من منظومة حكم الإس ال مييّن للس ودان في عام 999.1 ولكن، يبدو أنَّ حكومة الإنقاذ انتهجت بعد خروج ال رت ابي نهجًا براغماتيًّا صارخًا، وأصبحت تستخدم مختلف الأوراق التي يقود استخدامها إلى وجهات متعارضةٍ تمامًا. فقد لوحظ أنَّ أنباء التقارب السودانيّ مع إيران تزداد، كلمّا ازداد الفتور من جانب الدول الخليجيّة تجاه حكومة السودان. ومن أمثلة اللعب بالأوراق التي تعكس الانتقال من النقيض إلى النقيض في مواقف الحكومة الس ودانيّة، عقب إخراجها الترابي من معادلة الحكم وتحسّن علاقاتها بم رص مبارك، محاولتها التقرّب إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة. فقد بلغت تلك الرغبة حدّ أن يطير مدير المخابرات الس ودانيّة على متن طائرة أميركيّةٍ، أُرس لت إليه خصّيصًا لكي يحضر إلى واش نطن ويسلِّم وكالة الاس تخبارات المركزيّة الأميركيّة CIA ملفّاتٍ تتعلّق بالمتطرّفين الإس ال مييّن وتحرّكاتهم وخططهم، ممّن شاركوا في تفجير مركز التجارة الدوليّ الأوّل، وفي الهج ام ت على السفارة الأميركيّة في نيروبي، وفي هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 001 2. أغضبت تلك الزيارة بعض الأميركييّن الذين رأوا فيها إع ادة اعتبارٍ وقبولٍ لحكومةٍ متّهمةٍ أصالً لديهم بإيواء الإرهابييّن وبالتطهير العرقيّ لقطاعٍ من مواطنيها43.
تعاونت الحكومة السودانيّة في تنفيذ بنود اتفاقيّة نيفاشا تعاونًا تامًّا، وقبلت بالاستفتاء الذي قاد إلى فصل جنوب السودان عن ش امله، وقبلت نتيجت ه، واعترفت بدولة الجنوب الوليدة، مؤمِّلةً في أن يؤدّي كلّ ذلك إلى تطبيع علاقاتاتها مع الولايات المتّحدة الأميركيّة وإلى رفع العقوبات عنها، وإلغاء الديون التي أثقلت كاهل الدولة السودانيّة. غير أنَّ كلّ ذلك لم يغي رِّ شيئًا في الموقف الأميركيّ تجاه حكومة الإسلامييّن في السودان، ومن استمرار العقوبات والعزلة المفروضة عليها. ع ىل الرغم من أن الدعم السوداني للقضية الفلس طينية ظل ثابتًا ع رب مختلف العهود، وأن دعم الإس ال ميين في السودان للقضية الفلسطينية لم يخرج عن خطٍ ظل ثابتًا في السياسات السودانية، فإن ظلالا من الش ك رمبّ ا تحوم حول تصعيد تسهيل الدعم الإيراني لحماس عبر السودان بسبب حالة الاحباط التي اعترت الحكومة
السودانيّة لفشل جهدها في التطبيع مع أميركا. فقد اش تدت في السنوات الأخيرة حركة نقل الأسلحة الإيرانيّة إلى قطاع غزّة، عبر السودان لتواصل س ري ها عبر م رص، ثم إلى سيناء، فغزّة. ولقد استهدفت إسرائيل بالطائ رات في عام 009 2 رتٍ لًا مكوَّنًا من ثلاث وعشرين شاحنة محمّلة بالس ال ح، ودمّرته. وق ض في تلك الهجمة نحو أربعين شخصًا ممّن كان وا على متن ذلك الرّت ل44. وتعدَّدت الرضّبات الإسرائيليّة لقوافل الس ال ح وللأفراد المشتبه في كونهم جزءًا من تلك العمليّات المتعلّقة بتهريب السّ الح عبر شر ق الس ودان. وكانت أكبر الضربات الجوّية الإسرائيليّة تلك التي تلقّاها مصنع اليرموك للأسلحة في الخرطوم في نهاية تشرين الأوّل / أكتوبر عام 012 2. وأوردت صحيفة الغارديان البريطانيّة أنَّ تسريباتٍ تقول إنَّ اغتيال القيادي الفلس طينيّ محمود المبحوح في فندقٍ في مدينة دبي وعثور الموساد على أوراقٍ مهمّةٍ في حقيبةٍ كانت بحوزته، هو الذي مكّن الإسرائيلييّن من التعرّف على كثيرٍ من المعلومات المتعلِّقة بعلاقة الس ودان بمرور صواريخ فجر الإيرانيّة إلى غزّة45.
مثَّلت الضربة الإسرائيليّة التي استهدفت مصنع اليرموك للسّ الح في الخرطوم في نهايات تشرين الأوّل / أكتوب ر 012 2، تطوّرًا نوعيًّا في الاستهداف الإسرائيليّ لأنشطة الحكومة السودانيّة. ويبدو أنَّ إسرائيل أصبحت ترى أنَّ السودان قد أسهم في فت حٍ جبهة ردع جديدةٍ عليها تتمركز في قطاع غزّة الذي تصله الصواريخ عن طريق السودان. كما تتمركز جبهة الرّدع هذه في منطقة البحر الأحمر بعد أن أصبحت السفن الحربيّة الإيرانيّة تلقى تسهيلاتٍ في موانئه، خاصّةً في السودان. ويزعم الإسرائيليّون أنَّ الرئيس السودانيّ عمر البش ري أعطى الإيرانيّ ني الضّ وء الأخضر لإنشاء قواعدَ عسكريّة إيرانيّة على التراب السودانيّ. كما ذكروا أنَّ الصواريخ الإيرانيّة، إذا ما جرى نصبها في السودان، فإنَّ بوسعها أن تصل إلى جنوب إسرائيل ووس طها46. وحين قامت قطعٌ من الأسطول الإيرانيّ بزيارة ميناء بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، عقب الضربة الإسرائيليّة لمصنع اليرموك في الخرطوم، زعم الإسرائيليّون أنَّ ذلك جزءٌ من جهد إنشاء قاعدة بحريّة إيرانيّة حول ميناء بورتس ودان47. غير أنَّ الحكومة السودانيّة نفت تلك المزاعم. كما أكَّدت أنَّ زيارة البوارج الإيرانيّة كانت روتينيّة. وتردَّدت أنباء أنَّ البوارج الإيرانيّة ذاتها والتي رفضت الحكومة السودانيّة استقبالها في شباط / فبراير 012 2، رست في ميناء جدّة السعودي، ووصف بيانٌ من الخارجيّة السعوديّة رس وّها بأنَّه روتيني. ولكن، قناة برس تي في Press TV الإيرانيّة أوردت من الجانب الآخر، أنَّ الأدميرال حبيب الله سياري أكَّد أنَّ إيران قد أخذت تضاعف وجودها العسكريّ في المياه الدوليّة منذ العام الماضي، فقد قامت بنشر سفنٍ في المحيط الهنديّ، كما قامت بإرسال قطعتين بحريّتين، ولأوّل مرّة، عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسّط، في ش باط / فبراير 011 2. وأكَّد سياري أنَّ المقصود من كلّ ذلك الانتشار هو حماية مصالح الجمهوريّة الإس ال ميّة الإيرانيّ ة48. ولا يمكن لمحلّلٍ سياسيّ أن يفصل بين هذا الانتشار الواسع لبحريّة إيران والنزاع القائم الآن حول برنامجها النوويّ واحتمالات ضربه عسكريًّا.
الانقسام داخل الحكومة السودانيّة
عقب قصف إسرائيل مصنع اليرموك في الخرط وم، احتدم الجدل السياسيّ في السودان بشأن العلاقة مع إيران، وطفحت على السطح انقساماتٌ حادّةٌ وسط المجموعة الحاكمة. ففي اللقاء المتلفز لوزير الخارجيّة السودانيّة، علي أحمد كرتي، على قن اة النيل الأزرق، في 3 تشري ن الثاني/ نوفمبر 012 2، ذكر الوزير أنَّ وزارته لم يكن لديها علمٌ البتّة بزيارة المدمِّرتين الإيرانيّتين لميناء بورتسودان، وأنَّه سمع بتلك الزي ارة من أجهزة الإعلام49. وأضاف وزير الخارجيّة أنَّ إيران س بق أن طلب ت زيارة المدمِّرتين، وقد كانت توصية وزارة الخارجيّة برفض الطلب، ورُفض بالفعل. وقد علَّق الصحافي السودانيّ عادل الباز، على كلّ ذلك بقوله:
فإذا كانت الحكومة قد اعتذرت عن اس تقبال البوارج فمن الذي سمح لها بالوصول إلى مياهنا الإقليميّة والبقاء فيه ا أربعة أيام؟! فهل هناك جس م خارج الحكومة يقرِّر، أم أنَّ متنفّذين داخل الحكومة على صلةٍ بالمحور الإيرانيّ أصبحوا قادرين على تمرير أجنداتهم رغم أنف الحكومة أو من وراء ظهرها50؟!
ويضيف الباز أنَّ وزير الخارجيّة أكَّد أنَّ "هنال ك خلافات داخل الحكومة حول التعاون مع إيران." ويستطرد قائالً:
من الطبيعي أن يكون هناك خ ال فٌ داخل الحكومة حول السياس ة الخارجيّة في الأمور الثانوية كتقديرات المواقف التي يتّخذها صنّاع القرار في الشؤون المتحرّكة. ولكن، من الغريب فعلًا أن يحدث خلافٌ على إستراتيجية الدولة حول شأنٍ رئيسٍ، كالتحالفات بالمنطقة51.
المشهد الجديد
أخذ المشهد الجيوستراتيجي في التغيرُّ في منطقة الشرق الأوسط نتيجةً للثورات العربيّة التي طرحت واقعً ا جيوبوليتيكيًّا جديدًا لم تكتمل صورته بع د، فهذه الصورة لا تزال قيد التّخَلُّق، كما أنَّها منفتحة على مختلف الاحتمالات. وصعود التيّارات الإس ال ميّة في دولٍ محوريّةٍ مثل مصر وتونس، إضافةً إلى سيطرة الإس ال مييّن على الحكم في السودان منذ عام 989 1، واحتمال وصول الإس ال مييّن إلى الحكم في بلدانٍ أخرى كالأردن والكوي ت، ورمبّ ا غيرها، يطرح وبال -رضورة - مخاوفَ لدى دولٍ عربيّةٍ كثيرةٍ خاصّةًالدول الخليجيّة، كما يطرح في الوقت ذاته تس اؤ لاتٍ بشأن عدّة قضايا ملحّة أخذت تطرح نفسها وبشدّة؛ من تلك القضايا: • مدى استعداد التيّارات الإس ال ميّة التي وصلت إلى الحكم، والتي رمبّ ا تصل إلى الحكم في الفترة المقبل ة، للتخيلّ عن خط ط التثوير العابرة للدولة القطريّة المندرجة في أصل أدبيّات الإخوان المس لمين، وه ي أدبيّاتٌ يتبّناها التنظيم الدوليّ للإ خوان المسلمين. ولقد اتّضح ذلك في حرب الكويت حين وقف التنظيم العالمي ضدّ إخراج العراق من الكويت ما سبّب حرجًا كب ريًا لإخوان الكويت الذين أعلنوا أنّهم جمّدوا عضويّتهم في ه52. وعمومًا، ف إنّ الرّؤ ى الأساسية لتنظيم الإخوان لا تنفكّ تطفح على السطح أحيانًا. إذ ورد على لسان إسماعيل هنية، رئيس السلطة المقالة في غزّة قوله، إنّ الربيع العربيّ سوف يفتح صفحات الخلافة الراشدة، وأنّ دور الأنظمة التي سقطت كان منصبًّا في منع عودة هذه الخلافة، وفي ض امن أمن إسرائيل53. فهل سيعترف الإخوان المس لمون حقيقةً، وليس "تقِيَّةً"، بحدود الدولة القطريّة، ولا يتّجهون إلى تصدير الثورات وزعزعة الاستقرار في الدول العربيّة الأخرى؟ الإجابة عن هذا الس ؤال رمبّ ا ترتّب عليها توفُّرُ فرصٍ لقيام تعاونٍ عربيٍّ جديد في أفقٍ س ياسيّ إقليميٍّ جديد. أو رمبّ ا انفتح، بناءً عليها أيضًا، الباب إلى نزاعٍ جديدٍ بين التيّار الإس الميّ الذي اعتلى موجة المدّ الديمقراطيّ، والدول العربيّة ذات الأنظمة الملكيّة بمختلف صورها. فالمنطقة رمبّ ا تكون مرشّحةً لانقسامٍ جديدٍ يشابه، من بعض الوجوه، الانقسام الذي كان سائدًا في أوج موجة الم دّ العروبيّ في ستينيّات القرن الماضي، حين مارست القوميّة العربيّة نهج تصدير الثورة وفقًا لفهمها للثورات. فمصر الناصريّة، ومن اصطفّوا وراءها، قسّموا العالم العربيّ إلى كيانين؛ أحدهما "تقدّمي" والآخر "رجعي"، وبناءً على هذا التقسيم أرسل الرئيس المصريّ جمال عبد الناصر قوّاتٍ مصريّة
لتقف إلى جانب الجمهورييّن في اليمن في حربهم مع الملكييّن، وليشهد اليمن حربًا بالوكالة أطرافها عربيّة استمرّت س بع سنوات. وأنشأت الجمهوريّة العربيّة المتّحدة، في الحقبة الناصريّة، جهازًا إعلاميًّا كان الأضخم والأقوى من نوعه في العالم العربيّ، ركّز هجومه على المملكة العربيّة السعوديّة وعلى الأنظمة الملكيّة العربيّة. وبطبيعة الحال فإن السعودية لم تكن براءً من استهدافٍ للنظام الناصري في مصر. الشاهد، أن اس تقطابًا حادًّا حدث وسط الدول العربيّة في ما بينها، كما جرّها إلى الانقسام في الولاء تجاه المعسكرين الدولييّن الكبيرين بقيادة أميركا والاتّحاد الس وفياتي. فهل سيحدث صعود التيّار الإخواني إلى الحكم في بعض الدول العربيّة حالة استقطابٍ حادّة جديدة، أم أنَّ اتّساع نطاق ثورات الربيع العربيّ وتنزيل شعارات الربيع العربيّ إلى أرض الواقع، س وف يتُرك لكلِّ أهل بلدٍ ليكيّفوا أوضاعهم وفقًا لواقعهم القطري، ويصوغوا التضامن العربيّ دون إملاء خارجيٍّ؟ • مثّل مرور السفن الحربيّة الإيرانيّة من خلال قناة الس ويس إلى البحر الأحمر حدثًا استثنائيًّا ب كلِّ المقاييس. وهو ما كان ليحدث في فترة حكم الرئيس حسني مبارك. في هذا الوقت نفسه الذي يمثِّل فيه مرور السفن الإيرانيّ ة متغي رِّ ا جديدًا في العلاق ات المصريّة الإيرانيّة، ويمثِّل بالضرورة دعامً لقضيّة العرب المركزيّة في فلسطين، نجد إيران تس هم إسهامًا معلنًا في سياسات ذات صبغةٍ طائفية تزعزع الاستقرار في مملكة البحرين التي تحتاج فعلا إلى الإصلاح الديمقراطي. كما أنَّها تدعم الحوثييّن في اليمن، وتدعم الأسد في سورية. وأخطر من كلّ ذلك، تزيد إيران من وجودها العسكريّ في البحر الأحمر، خاصّةً في السودان وإريتريا. ولكن، نجد من الناحية الأخرى أنّ عبور البارجتين الحربيّت ني الإيرانيّت ني قناة السويس إلى مياه المتوسّط مثّل ضغطًا بقدرٍ ما على إسرائيل. ودلّ هذا العبور، في الوقت نفسه، على انفلات م رص من القبضة الإسرائيليّة الأميركيّة في صنع قرارها الوطني. كما يمكن أن يُضاف إلى ذلك أنَّ تعاون الدولة السودانيّة مع الإيرانييّن في تهريب الس ال ح الإيرانيّ إلى غزّة، أتاح لحركة ح ام س وضعًا ردعيًّا عس كريّا ووضعًا تفاوضيًّا أفضل مع الإسرائيلييّن، دلّ عليه ما جرى في الحرب الأخيرة. لكن، في الوقت نفسه، يثير التعاون السودانيّ الإيرانيّ، بال رض ورة، مخاوف السعودييّن والخليجيين الذين من ناحيتهم لم يفعلوا شيئًا لحماية غزة أو لدعمها في مرحلة الحصار. لذلك، يمكن القول إنَّ هذا الوضع الجديد شديد التعقيد، ففوائده ومخاطره مقسّمة على عدة سلال. تستفيد الحكومة الإس ال ميّة في السودان، وهي حكومة الإسلامييّن الوحيدة في العالم العربيّ التي لم تصل إلى السلطة عن طريق صندوق الاق رت اع، من الدّعم الإيرانيّ لها في تثبيت أركان حكمها، خاصّةً مدّها بالس ال ح في حروبها الدائرة الآن مع حركات الهامش المس لّحة، في كلٍّ من جنوب كردف ان والنيل الأزرق، امّ يضعف كفّة قوى المعارضة السودانيّة المدنيّة، ويقوّي النزعات الانفصاليّة الحاملة للس الح، امّ يزيد من فرص التفتيت. ويزيد الدّعم الإيرانيّ غير المشروط لحكومة الإس ال مييّن في السودان، من نفور سودانيّي الهوامش تجاه الدول العربيّة والإسلاميّة التي وقفت دائمًا إلى جانب المكوّن العربيّ الإسلاميّ في السودان في نزاعه مع الأقليّات المهمّشة التي تطالب بحقوقها. • انخراط حكومة السودان في عمليّات تهريب الأس لحة إلى غزّة، وما يتردّد عن نيّتها إنش اء قواعد عسكريّة بريّة وبحريّة للإيرانييّن في أراضي السودان، وإعلانها نفسها دولةَ مواجهةٍ لإسرائيل يجعلها هدفًا للآ لة العسكريّة الإسرائيليّة. ولسوف يقلق هذا الوضع قطاعًا كبيرًا من القوى السياسيّة الس ودانيّة التي على الرغم من دعمها الحقّ العربيّ وقضية فلسطين، لا ترى أنّ من الحكمة أن يجعل السودان من نفسه دولة مواجهة مع إسرائيل، وهو أصلا دولة بلا قدرات. كما أنَّ ازدياد التقارب السودانيّ الإيرانيّ سوف يدفع إسرائيل إلى تكثيف أنشطتها ع رب دول الجوار السودانيّ صوب الداخل السودانيّ، وهي أنشطةٌ تهدف أصالً إلى تفتيت السودان وإخراجه بالمرّة من أيّ دورٍ يمكن أن يقوم به في الصراع العربيّ الإسرائيليّ. فهل في وسع إيران، وهل في نيّتها أصالً، أن تدافع عن السودان مهمْا كانت المحاذير والكلفة؟ وهل هي فعلا حليفٌ مقتدرٌ يُعتمد عليه، أم أنَّها تستخدم الس ودان، وتعينه بم ا يتيحه لها ظرفها، وبما تمليه عليها حاجتها؟ خاصّةً وأنَّ إيران تعاني حاليًّا من وطأة العقوبات التي تتزايد عليها، مّماّ أدّى إلى انخفاض إنتاجها النفطي بمعدّل مليون برميل في اليوم، إضافةً إلى انخفاض سعر عملتها. • يتساءل كثير من السودانييّن عن الكيفية التي ستتعامل بها الحكومة المصريّة التي يديرها الإس الميّون، وهي حكومة منتخبة، مع الحكومة السودانيّة التي يديرها الإسلاميّون، وهي حكومة غير منتخبة، وجاءت أصلًا عن طريق انقلابٍ عسكريّ، وتدّعي الشرعيّة لكونها تجري انتخاباتٍ شبيهة بالتي كانت تُجرى في مصر في عه د مبارك؟ كيف ستقف الحكومة المصريّة في الصراع الدائر، ولوقتٍ طويلٍ جدًّا بين الحكومة السودانيّة من جهة، وقوى المعارضة وحركات الهامش
المسلّحة من الجهة الأخرى؟ كيف ترى مصر التقارب السودانيّ الإيراني،ّ خاصّةًالوجود العس كريّ الإيرانيّ القائم حاليًّا والمحتمل مستقبالً على أراضي السودان ومياهه، ولا حاجة بي هنا إلى الإشارة إلى أنَّ أمن مصر والس ودان متداخلٌ تداخالً عضويًّا نادر الشبيه. كيف ترى مصر هذا التغلغل الإيرانيّ المتعدِّد الوجوه في أفريقيا، ومصر هي المرشّ حة لكي تصبح القوّة الإقليميّة الرابعة في المنطقة شأنها ش أن إسرائيل وتركيا وإي ران؟ وفي الوقت الذي نطرح فيه هذه التس اؤ لات، ترشح أخبار بأنّ حكومة مرسي أخذت تتفاوض سرًّا مع الإيرانييّن ممثّلين في قاسم سليماني رئيس الاستخبارات الإيرانيّة أثناء زيارته للقاهرة، وذلك من أجل تعاونٍ استخباراتي وأمنيّ للسيطرة على الجيش المصريّ، لتثبيت أركان حكمها54. وقد نفت الحكومة المصريّة ذلك.
وسط كلّ هذه التناقضات والتشابكات واختلاط الجيوس رتاتيجي بالتكتي ك يي امّ وفّر لإيران موقعًا معت رب ا في الصراع العربيّ الإسرائيليّ، ه ل هناك فرصة لتوافقٍ عربي - عربيٍّ، من جهة، وتوافقٍ عربي-ٍّإيرانيٍّ، من الجهة الأخرى، بش أن كيفيّة إدارة المنطقة على أساسٍ من شر اكة الهدف ال كيلّ في الانعتاق من ربقة الهيمنة وضعضعة القوّة العربية التي تمارسها الولايات المتّحدة الأميركيّة؟ وهل هناك ما يبرشّ بانحسارٍ حقيقيٍّ لنزعات الاستهداف المتبادل، عربيًّا - عربيًّا، وعربيًّا - إيرانيًّا؟ أم أنَّ جهد مقاومة الهيمنة سوف يسير في شعبتين: إحداهما ضدّ الهيمنة الغربيّ ة والأخرى ضدّ الهيمنة الإيرانيّة، أو على الأقلّ في حصر العامل الإيرانيّ في منطقة الشراكة الإقليميّة والانتفاع المتبادل، لا الهيمنة.
خاتمة
يعود التقارب الإيرانيّ السودانيّ إلى س بعينيات القرن الماضي عندما أنعش ت الثورة الإيرانيّة في إسلاميّي السودان آمال التثوير في الوجهة الإس ال ميّة. ويمكن القول إنّ نظرة الدكتور الترابي التي تأسَّست عليها الحركة الإس ال ميّة في السودان، نزعة عابرة للأقطار، وهي نزعةٌ راسخةٌ في فكر كبار مؤسِّ س الدعوة الإخوانيّة مثل سيد قطب، وهي لا تزال مُتبنّاةً بواس طة التنظيم الدوليّ للإ خوان المس لمين. كان سعي الترابي ولا يزال، إنشاء كتلة إس ال ميّة ثالثة لمواجهة الهيمنة الغربيّة، ويلتقي ذلك بنهج الإيرانييّن في ما يسمّونه مقاومة "الاستكبار" الأميركيّ. غير أنَّ الترابي خرج من السلطة، وأخفق انقلاب الإس ال مييّن في السودان في تحقيق أهدافه على كلّ المستويات؛ المحّليّ، والإقليميّ، والدوليّ، كما حوصر عربيًّا، وأفريقيًّا، ودوليًّا. ولا تزال آليّات الحصار مطبقةً على عنقه وفي الوقت نفسه أصبحت إيران محاصرةً ومعزولةً بسبب برنامجها النووي. يواجه السودان عزلةً دوليّةً وإقليميّةً، وأزمةً اقتصاديّةً طاحنةً بعد انفصال الجنوب، وذهاب ريع البترول. وقد أصبح حكم الإس المييّن في السودان، أكر من أيّ وقتٍ مضى، في حاجةٍ إلى مُع نيٍ خارج يٍّ: فحكومتهم التي تقاتل الجماعات المسلّحة في مختلف أقاليم السودان، في حاجةٍ إلى المال والسلاح. كلّ هذه الأوضاع مجتمعةً قادت إلى التقارب السودانيّ الإيرانيّ، خاصّةً في ظلّ النظرة الخليجيّة نحو حكومة السودان التي لا تخلو من ريبةٍ ومن فتور. فكيف س يفصل العرب بين التكتيكي والإستراتيجي في احتواء حكومة الإس ال مييّن في السودان وتحجيمها من جهة، وفي بذل المال والعون للحفاظ على القطر السوداني، من الجهة الأخرى؟ وجدت إيران في السودان مع ربًا ممتازًا لإرسال الأس لحة لقطاع غ زّة، امّ أعطاها ثقلًا إقليميًّا وزعامةً إس ال ميّةً لتظهر بمظهر القوّة الوحيدة الجادّة عمليًّا في دعم قضيّة العرب المركزيّة في فلسطين. غ ري أن ما يساعدها في ذلك هو تخلي النظام العربي الرسمي عن مقاومة إسرائيل. ولقد ظلّت إيران تطلب هذه الزعامة الإسلاميّة طلبًا حثيثًا. ووجدت إيران مرتكزًا لها في البحر الأحمر، وفرصةً لتوسيع وتنويع نطاق منظومة الردع التي تقي بها نفس ها من شر ور إسرائيل، وتنويعها. وما من شكّ في أنَّ الدور الإيرانيّ في جنوب لبنان الذي ظهر في قدرات حزب الله العس كريّة في حرب 006 2، ودور السلاح الإيرانيّ ال ذي ظهر في حرب 012 2، بين الإسرائيليّ ني وحكومة حماس المقالة، قد أسهم إسهامًا كبيرًا في قلب موازين القوى بين إسرائيل ومحيطها
الإقليميّ القريب. وبوجود الإس ال مييّن في الحك م في مصر، فإنَّ هذا الانق ال ب في ميزان القوى مع إسرائيل مرشّح لمزيد من الزيادة. غير أنَّ ه ذا التحالف التكتيكي بين إيران والإس ال مييّن العرب في غزّة وفي السودان، لن يقف في قلبه لموازين القوى عند حدّ إسرائيل وحدها. فهو بالقطع ذو آثارٍ ممتدّةٍ تطال ما هو إستراتيجي في منظومة الأمن القوم يّ العربيّ، ما لم تصبح إيران جزءًا مكمِاّلً لمنظومة الأمن العربيّ، وفق معادلة متوازنة لا تبدل هيمنة دولية بهيمنة إقليمية. ولا يبدو أنّ إيجاد هذه المعادلة المتوازنة من الأحلام السهلة المنال. ظلَّت الدول العربيّة تترصّد بعضها بعضًا، وتتآمر على بعضها بعضًا، وتُضعف أمن بعضها بعضًا. وفي حالة السودان، نجد أنّ دولا عربيّة أسهمت في دعم حركات التمرّد في الجنوب، خاصّةً ليبيا أثناء حكم القذافي، إذ دعمت التمرّد في الجنوب وفي دارفور55. كما دعمت دولة خليجيّة مؤتمر القضايا المصيريّة في أس مرا 1. وي 995 ورد وليد عبد الحي أنَّ البيانات الكميّة المتوفرة تدلّ على أنَّ الدول العربيّة تعرّضت للتهديد الأمنيّ من جانب بعضها بعضً ا، في الفترة ما بين عام 947 1 وعام 0102، ما مجموعه 73 مرّةً، أي بمعدّل مرّة كل 07 1 سنوات وهو معدّل يؤكِّد على حالة عدم الاس تقرار في العلاقات العربيّة البينيّة56. واستنادًا إلى هذا التاريخ من العدائيّ ات المتبادلة، فإنَّ المرحلة التي نمرّ بها الآن، تطرح تحدّياتٍ جديدةً غير مسبوقة. فلو سار التيّار الإسلاميّ في وجهة إشعال الثورات في الدول التي لم تشهد ثوراتٍ حتّى الآن، وانصرف عن بناء الدولة الوطنيّة، معطيًا الأولويّة لتحقيق حالة ثوريّة إس ال ميّة عامّة في الدول العربيّة مثلما كان ينوي حسن الترابي، فإنَّ الباب سوف ينفتح على استقطابٍ جديد وصراعٍ جديد، غالبًا ما يؤدّي إلى إهدارٍ ضخمٍ للطاقات وللموارد وللوقت. وهو صراعٌ لن يق ف فيه الغرب مكتوف الأيدي، وإمنّ ا سيسعى للتأثير في مجرياته، بما يخدم أهدافه الإس رت اتيجيّة في المنطقة. ك ام لن تقف فيه القوى الأخرى التي أصبحت تقاوم سلطة القطبيّة الواحدة، كروسيا والصين، مكتوفة الأيدي. يضاف إلى ذلك القوى الإقليمية المؤثّرة مثل إيران وتركيا. ولذلك فرمبّ ا يدخل الوطن العربيّ في دوّامةٍ جديدةٍ من إهدار الطاقات والموارد والوقت مماثلة، من وجوه كثيرةٍ، لتلك التي جرت في العقود الثلاثة الأخيرة من حقبة الحرب الباردة. يجمع بين العرب وإيران مشتركٌ كبيرٌ؛ فكلاهما ضحيّة الهيمنة الغربيّة، ومحاولات فرض أجندتها، ووضع مصالحها فوق كلّ مصلحةٍ إقليمية. ك ام أنَّ الع رب وإيران شر يكان في رسم الخريطة الجيوس رتاتيجية للمنطقة، ولا يمكن تحقي ق أمنٍ إقليميٍّ دون الأخذ في الاعتبار هذه الشراكة. يرى عزمي بشارة، أنَّ "التشويه الأساسيّ لأيّ حالة من حالات العلاقة، أكانت تنافسًا أم تعاونًا أم صراعًا، هو غي اب طرفٍ عربيٍّ موحّد أو متّحد في وضع إس رت اتيجيّ في التنافس أو الصراع أو التعاون مع إي ران"817. وفي تقديري أنَّ ه بمقدار ما تحىلّ الإس ال ميّون الذين صعدوا إلى سدّة الحكم نتيجةً للثورات العربيّ ة، بالحكمة والرَّوِيّة وبعد النظر والانعتاق من قبضة الأيديولوجيا، ونزعة التثوير العابرة للأقطار، أمكن أن توضع العلاقات الإيرانيّة العربيّة في إطارها الإيجابي الصحيح والمنتج. أمّا الحالة السودانيّة موضوع هذه الورقة، فإنّها في حاجة إلى معالجةٍ عربيّةٍ حكيمةٍ. إذ إنّ الحكومات التي لا تحظى بشعبيّة حقيقيّة، والتي غالبًا ما تفشل في مواجهات تحديّات التنمية، وتفشل في تحقيق الاستقرار وفي الاستجابة إلى تطلّعات مواطنيها، تضطرّ إلى اتّباع النهج البراغماتي الذي يتعامى عن الثوابت. وتختلط الأوراق في هذا النهج البراغماتي اختلاطًا ذريعًا، فيقضي الإستراتيجي الطويل الأمد نحبه، على مذب ح التكتيكي المؤقّت الذي لا يرى، بحكم حاجته الضاغطة، س وى المخارج المؤقّتة.