السودان وإيران رحلة التقارب والمشهد العربيّ الراهن

النور حمد

الملخّص

تناقŽŽŽش هذه الدراسŽŽŽة علاقŽŽŽات السŽŽŽودان بإيران، علŽŽŽى خلفيّة الهجمŽŽŽات الجويّة الإسŽŽŽ رائيليّة العديŽŽŽدة علŽŽŽى السŽŽŽودان، وتتسŽŽŽاءل إذا مŽŽŽا كان النظŽŽŽام الحاكŽŽŽم فŽŽŽي السŽŽŽودان يرجّح في معالجة همومه السياسŽŽŽيّة والأمنيّة الكف ة الإيرانيّة على الكف ة العربيّة، أم أنه لا يرى تناقض ا أو مشكلة في الل عب على الحبلين. تنظر الدراسة أيض ا، في أحلام الرّيادة والزعامة الإسلاميّة ونزعة التثوير العابرة للأقطار لدى حسŽŽŽن الترابي، وتأثير تلك النزعة في تلامذته في نظرتهم وارتباطهŽŽŽم بإيŽŽŽران. كمŽŽŽا تأخذ الدراسŽŽŽة الدّعŽŽŽ م الإيرانيّ لإ سŽ ل Ž ميّين فŽŽŽي غز ة عبر السŽŽŽودان كنمŽŽŽوذجٍ للتعŽŽŽاون، تنظŽŽŽر مŽŽŽن خلاله إلŽŽŽى تقاطعŽŽŽات التكتيكي علŽŽŽى المŽŽŽدى القصير، مع الإسŽŽŽتراتيجي على المدى الطويل. وتناقش الدراسŽŽŽة أيض ا وصول الإسلاميّين إلى السلطة نتيجŽŽŽة للثورات العربيّŽŽŽة، واحتمال انبعاث نزعŽŽŽة التثوير العابرة للأقطŽŽŽار المتضمّ نة في أصل أدبيŽŽŽات الإخوان المسŽŽŽلمين، وانعŽŽŽكاس ذلك الانبعاث علŽŽŽى علاقة الŽŽŽدول العربيّة ببعضها بعض ا، وعلاقتها مجتمعة أو منفردة بإيران.

مدخل

اندلعت الثورة الإيرانيّة عند أصيل حقبة الحرب الب اردة، فحرّك اندلاعها أح ال م الكتلة الثالثة الراقدة في أفئدة الإس ال مييّن العرب. يقول عزمي بشارة عن حركة الجهاد: "لقد تأثّرت حركة الجهاد، منذ البداية، بمبادئ الثورة الإس ال ميّة على غرار حركاتٍ سنّيةٍ كثيرة ألهبت هذه الثورة خيالها، بما في ذلك الإخوان المس لمون"1. ويمكن القول أيضًا إنّ الإس ال مييّن العرب مالوا إلى الثورة الإيرانيّة بجامع التّوق لدى الفريقين في خلق كتلةٍ إسلاميّةٍ فاعلةٍ مغايرةٍ للنموذج الغربيّ، ومنفلتةٍ م ن قبضة الهيمنة الغربيّة2. يرى حيدر إبراهيم أنَّ ميل الإس ال مييّن السودانييّن للثورة الإيرانيّة، في بدايات حكمهم للسودان، قد جسَّده تقاربهم معها ومحاولة الاستفادة من خبراتها، بوصفها النموذج الأمثل واقعيًّا، إذ إنّها مثّلت بالنسبة إليهم الدولة الإسلاميّة الوحيدة3. أجد من الضروري جدًّا الإشارة في هذا المدخ ل، إلى ما يعدهّ بعض الباحثين قصورًا في الانتباه وسط القيادات الإسلاميّة العربيّة التي تميل نحو إيران، إلى المكوِّن القوميّ والجيوس رت اتيجي والمذهبيّ في الدولة الإيرانيّة، والانحصار في النظرة إليها من منظور "الأخوّة الإس الميّة" الجامع ة، دون أخذ المكوِّنات الأخرى بعين الاعتبار. فالتاريخ الإيرانيّ، والعقيدة الإيرانيّة، والرؤ ية الإيرانيّة الجيوس رت اتيجية، تشير مجتمعةً إلى أنَّ إيران تتحرّك صوب محيطها الإقليم يّ، من بؤرةِ طردٍ مركزيّةٍ مركّب ة. ورمبّ ا يعضد هذا المنحى ما أورده ط الل عتريسي حين أكَّد ع ىل أنَّ الهُويّة الإيرانيّة الجديدة تدمج في وقتٍ واحدٍ، وبطريقةٍ شديدة التعقيد، الأمّة والإس ال م والع الم4. ويؤكّد أوليفييه روا أنّ إخفاق إيران في اختراق العالم السنّي قد جعلها تتصرّف كقوّة إقليميّة، وفق محاور ش ديدة الشبه بتلك التي كان يعتمدها الشاه5 الشاهد أنّ القوميّ والدينيّ والمذهبيّ والعرقيّ والمصلحيّ، تختلط اختلاطًا مُربِكًا في الطبيعة الإيرانيّة المركّبة. فإيران، كما ينبّه عزمي بشارة، تستثمر داخليًّا في هُويّة إيرانية شاملة، لكنها لا تغضّ الطرف تمامًا عن الاستثمار في ماضيها الإمبراطوريّ الفارسيّ6. والماضي الإمبراطوريّ اتّسم في معظم منعطفاته بنزعة المدّ والتوسّ ع. ويرى محجوب الزويري أنّ تاريخ القرن العشرين أثبت أنَّ عاميلَ الدين والهُويّة يبقيان حاضرين وبقوّة في الحالة الإيرانيّة، فوجود مَلَكيّ ة علمانيّة، كما كانت الحال في فترة حكم الشاه، لم يطمس تمامًا الهُويّة الدينيّة الشيعيّة ببعدها القوميّ الفارسي7. وفي السّياق نفسه، يشير وجيه كوثراني إلى أنَّ العلاقة بين العرب وإيران لها صورٌ متعدّدةٌ لدى الطرفين؛ فصورةٌ منها تعكسها مرآة الإس الم، وصورةٌ ثانية تعكسها مرآة القوميّة، وثالثةٌ تعكسها مرآة المذاهب، ورابعةٌ تعكسها مرآة الجغرافيا السياسيّة والاقتصاديّة والبشريّة. ويضيف كوثراني أنّه ليس من بين هذه المرايا، مرآةٌ صافيةٌ بحدِّ ذاتها. فاللون الغالب واللون الرئيس في الفهم المتبادل بين العرب والإيرانييّن، لونٌ متحوِّلٌ يأخذ أطيافًا عدّة، يصفه كوثراني بأنّه:

قد يكون إس ال ميًّا مش تمالً ومحتويًا المضمون القوميّ، وقد يكون قوميًّا مرتكزًا على الإسلام، أو قد يكون قوميًّا عنصريًّا نافيًا الإسلام، أو قد يكون نفعيًّ ا خالصًا جاعالً من مصالح الدولة وجغرافيّتها الاقتصاديّة نطاقًا ل "أمنها القوميّ " مع اس تخدامٍ وظيفيٍّ للإ سلام والقوميّة معًا. وقد تكون الصورة أحيانًا مزيجًا معقّدًا من هذه العناصر جميعها8.

تنظر بعض الحركات الإس ال ميّة في العالم العربيّ إلى إي ران كحليفٍ إس الميٍّ مهمٍّ يشكّل بالضرورة، قوّةً داعمةً وسندًا يُعَوَّل عليه في المعركة ضدّ الهيمنة الغربيّ ة. ولا يحتاج المرء في هذا المنحى إلى أكر من الإشارة إلى حزب الله في لبنان، وحركة حماس في غزّة، وحكومة الإسلامييّن في السودان.

التكتيك والإستراتيجيا

تنطلق هذه الدراسة من افتراض وجود جسمٍ عربيٍّ جامعٍ ذي مصالحَ جيوس رت اتيجية مش رت كة. وبطبيعة الحال، فإنّ وجود تنظيمٍ تأسَّ س

  1. عزمي بش ارة، العرب وإيران - ملاحظات عامّ ة، في: " العرب وإيران: مراجعة في التاريخ والسياس ة " (مجموعة كتاب)، (الدوحة/بيروت: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياس ات،، ص.24012)2
  2. أوليفييه روا، تجربة الإس الم الس ياسي، ترجمة نصير مروه، ط 2، (بيروت: دار الس اقي، 996)1، ص.118
  3. حيدر إبراهيم، سقوط المروع الحضاريّ، (الخرطوم: مركز الدراسات السودانيّة،)2004، ص.35
  4. ط الل عتريسي، الجمهوريّ ة الصعبة: إيران في تحولاتها الداخليّة وسياس اتها الإقليميّة، (بيروت: دار الساقي، 006.24)2، ص
  5. أوليفييه روا، المصدر نفسه، ص 1.76
  6. عزمي بشارة، المصدر نفسه، ص.10
  7. محجوب الزويري، إيران والعرب في ظلال الدين والسياسة عبر التاري خ، في: 7 العرب وإي ران: مراجع ة في التاريخ والسياس ة، مجموعة باحث ني، (الدوحة/ب ريوت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 012)2، ص.70
  8. وجيه كوثراني، الإدراك المتبادل بين العرب والإيرانيّ ني، في: 8 العلاقات العربيّة الإيرانيّة - الاتجاهات الراهنة وآفاق المس تقبل: بحوث ومناقش ات الندوة الفكري ة التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربيّة بالتعاون مع جامعة قطر، (مجموعة مؤلفين)، ط 2، (مركز دراسات الوحدة العربيّة،.166001)2، ص

طوعًا يجمع الدولة العربيّة كلّها بلا استثناء، يس مّى "جامعة الدول العربيّة"، يعن ي بقدرٍ معق -ول - أنَّ هذا الجسم متجانسٌ في ما يتعلّق ببنيته وطبيعته التاريخيّة، إلى الحدّ الذي يجعل منه جسمًا ذا أمنٍ مش رتك، حتّى وإن كان في حالة الكمون لا في حالة التجسُّد البادية للعيان. ولكن، على الرغم امّ يتّسم به هذا الجسم من وحدةٍ عضويّة، فإنه يتّس م أيضًا بتنافر الرؤية السياسيّة. هذا التنافر - وهو تنافرٌ تتغّيرّ خريطته كلّ آونةٍ وأخ رى - يخلق خلطًا بين الثوابت القوميّة والمصالح الآنيّة القطريّة. في هذا الخلط الذي تدخل فيه أطرافٌ أخرى من خارج المنظومة، يتعارض التكتيكي مع الإس رت اتيجي ويتقاطع معه تقاطعًا حادًّا. ولعلّ تقارب بعض ال دول العربيّة مع إيران يمثّل بعضًا من التجسيد الحيّ لهذه الإشكاليّة. يرى أوليفييه روا أنّ إيران تحتاج إلى الخروج من "محتبس ها الشيعيّ " (غيتو Ghetto) إلى مراكزَ سنّية، وعلى الرغم من أنّه يس عها دائمًا استخدام حسن ال رت ابي في عمليات محدّدة، لكن من غير المحتمل أن يقيم الإخوان المسلمون المعادون للتشيّع تحالفًا إستراتيجيًّا دائمًا مع إيران9. ولذلك، فإنّ تقارب الس ودان وتقارب فصائل الإسلامييّن في غزّة مع إيران، على النحو الذي هو عليه، يعكس بصورةٍ كبيرة حالة التكتيكي الذي يتقاطع بطريقة حادّة مع الإستراتيجي. ويختلف هذا عن نموذج حزب الله في لبن ان، والذي لا يتقاطع فيه التكتيكي القصير الأجل مع الإس رتاتيجي ذي الأجل الطويل، بقدرٍ ملحوظ. أمّا في حالة ارتباط السودان وفصائل غزّة بإيران، ف إنّ التناقض المذهبي الحادّ وتعارض المصالح على المدى الأبعد، يحبسان هذا التعاون في خانة التكتيك وحدها. ما من شكّ في أنَّ ك من إيران والتنظيمات السياسيّة الإسلاميّة السنّية في الأقطار العربيّة تعي إشكالية هذا التعاون المرحلي. ولكن، يبدو أنَّ كلَّ طرفٍ من هذين الطرفين يظنّ أنَّه س يكون الرابح الأكبر من حالة التحالف التكتيكية المرحليّة هذه، وأنَّه سُيرُ اكِم هذا من التحالف في نهاية المطاف، ما يصبّ في رصيده الخاصّ، ما يضمن له وضعًا أفضل على المدى الإس رتاتيجي البعيد. ولذلك، رمبّ ا تكون الاستفادة تكتيكيًّا من إيران، هي ما يجعل هذه الحركات الإسلاميّة العربيّة تغضّ الطرف عن المطامع الإيرانيّة والطبيعة التاريخيّة للدولة الإيرانيّة، وعن كون إيران نزّاعة بطبعها إلى التأثير الجذريّ في الفضاء العربيّ الإس ال ميّ. ولو نظرنا إلى الأمر نظرةً واقعيّةً، فإنَّ منظمّاتٍ إس ال ميّةً مثل حماس والجهاد الإس ال ميّ، محاصرة إسرائيليًّا وأميركيًّا، ثمّ فلسطينيًّا وعربيًّا، مضطرّة إلى قبول العون المالي والعسكريّ الإي رانيّ. ولقد اضطرّت ح ام س مؤخّرًا إلى أن تختلف مع الإيرانييّن بشأن الثورة في سورية، امّ أحدث شيئًا من عدم التناغم لطّفت منه الدبلوماسيّة كثيرًا. غير أنه أربك التكتيكي دون شكّ. ويشرح عزمي بش ارة مأزق حماس في التعامل مع إيران بقوله: "إنَّ حركة ح امس في وضعها الحالي كانت تفضّ ل من حيث طبيعتها الأيديولوجيّة، وبدرجةٍ أكبر، بسبب قواعدها الاجتماعيّة في العالم العربيّ، لو تلقّت هذا الدّعم الذي تتلقّاه حاليًّا من إيران من دولةٍ عربيةٍ مثل المملكة العربيّة السعوديّة"10.

ه ذه الحاجة المُلجئة إلى الدّعم والعون رمبّ ا تكون هي الس بب وراء غضّ القادة السياسييّن الإسلامييّن السنييّن الطرف عن النواة الصلبة للثورة الإيرانيّة المنغرسة في تربة الغنوص الدين يِّ المتمركز حول عقيدة الإمام الغائب وولاية الفقيه11. وعمومًا، فإنّ المرجعيّة الفقهيّة والتاريخيّة الشيعيّة متعارضة مع المرجعيّة الس نّية. لكن، الحاجة الماسّ ة إلى العون المالي والعسكريّ والس ياسي، رمبّ ا تجبر متّخذَ القرار السياسيّ، في الأحوال الضاغطة، على التحوّل من مبدئيّة الموقف إلى براغماتيّته، وهذا ينطبق على حكومة السودان، مثلما ينطبق على ح ام س. أمّا في ما يتعلّق بالجانب الآخر القادر ع ىل تقديم العون من داخل المنظومة العربيّة، فإنَّ حكّام المملكة العربيّة السعوديّة ودولة الإمارات العربيّة المتّحدة وس لطنة عمان والكويت، رمبّ ا تكون خشيتهم من حركة الإخوان المسلمين، في الوقت الحالي، تماثل خشيتهم من إيران أو تزيد عليها. ولقد تعاظمت تلك الخشية بصورة كبيرةٍ منذ إعلان التنظيم الدوليّ للإ خوان المس لمين موقفه الذي كان داعامً للعراق بعد غزوه الكويت.

  1. أوليفييه روا، المصدر نفسه، ص ص.119-188
  2. عزمي بشارة، المصدر نفسه، ص.25
  3. مهند مبيضين، الفكر الس ياسيّ الإس الميّ والإصلاح: التجربت 11 ان العثمانية والإيرانيّة، (بيروت، الدار العربيّة للعلوم، 008)2، ص.119

لجأ الإخوان المس لمون إلى المملكة العربيّة السعوديّة، بُعَيْد منتصف القرن الماضي، فارّين من بلدانهم بسبب المدّ اليساريّ العروبيّ الذي نكّلت أنظمته الحاكمة بهم، فاحتضنتهم السعوديّة التي كانت تخشى وقتها من المدّ الش يوعيّ ووكلائه في الإقليم المتمثلين في اليسار العربيّ الماركسيّ والقوميّ. في تلك الحقبة، مثّل فكر الإخوان المسلمين ترياقًا ضدّ خطر المدّ الشيوعيّ الذي كان يخيف الس عودييّن وحلفاءهم الأميركيّ ني؛ أصحاب المصلحة الكبرى في وقف الزحف الشيوعيّ في المنطقة العربيّة. غير أنَّ السعوديّة عادت مؤخّرًا فغريّ ت موقفها منهم. فالمش هد في جملته تغ تغُّي رُّ ا كبيرًا جدًّا. ولقد ج رى تأكيد موقف السعوديّة المناوئ للإ خوان على لسان وزير داخليّتها الراحل، نايف بن عبد العزيز12. وطفحت النبرة المعادية للإخوان، وبشدّة في تصريحات وزير خارجيّة الإمارات، عبد الله بن زايد، إضاف ةً إلى مدير شرطة دبي، ضاح ي خلفان13. ويبدو أنَّ هناك تصعيدًا حادًّا في اللهجة بين الإماراتييّن وشخصيّات بارزة في حركة الإخوان المسلمين المصريّة، ومن ذلك التصعيد إعلان الإمارات القبض على مجموعة مصريين أسمتها الس لطات الإماراتيّة خليّة إخوانية مصريّة تعمل داخل الإمارات14. وعمومًا، ازدادت المخاوف من حركة الإخوان المسلمين في بعض الدول الخليجيّة، بعد الثورات العربيّة التي انطلقت من تونس في عام 011 2، وأخذت في الاندياح في الفضاء العربيّ العري ض، بل ظهرت في بلدانٍ خليجيّة كالبحرين والكويت، وبقدرٍ أقلّ في سلطنة عمان.

علاقات السودان وإيران

على ضوء المؤشرّات التي سبق ذكرها في مدخ ل هذه الورقة، تجيء النظرة إلى علاقة السودان وإيران. فهي علاقة بين حركة سياس يّة راديكاليّة إس ال ميّة سنّية تمثّلها الحركة الإس الميّة في السودان، وحركة سياسيّة راديكاليّة شيعيّة تمثّلها الثورة الإسلاميّة في إيران التي أطاحت بالحكم الشاهنشاهي في ع ام 979 1. وعلى الرغم من هذه السّمة الإسلاميّة الراديكاليّة المشتركة بين السودان وإيران، فإنَّ العلاقة بينهما ليست راسخةً تمامًا، لأنه لا يوجد إجماع عليها سودانيًّا، حتّى وسط الإس ال مييّن السودانييّن الحاكمين أنفسهم، كما س تب هذه الدراسة لاحقًا.

العلاقة بين الس ودان وإيران علاقةٌ حديثةٌ نسبيًّا، فقد تنامت علاقات السودان بإيران في فترة حكم الشاه الذي أهدى السودان قطعًا بحريّة عسكريّة كجزء من إستراتيجيته في البحر الأحمر. غير أنَّ تلك العلاقات قُطع ت مؤقتًا بعد حرب أكتوبر 973 1، كبقيّة الدول العربيّة، ورُتِّبت عودتها في ما بعد عبر الأجهزة الأمنيّة، بإعلان بيانٍ متزامنٍ في الخرطوم وطهران. وظلَّت العلاقات الدبلوماس يّة قائم ةً بلا انقطاع إلى ما بعد قيام الثورة الإسلاميّة عام 979 1، أي إلى ما بعد اندلاع الحرب العراقيّة الإيرانيّة التي انحاز فيها الس -ودان إلى جانب العراق، وأرسل جنودًا نظامييّن وسمح لأعدادٍ كبيرةٍ من المتطوّعين الس ودانييّن بالقتال إلى جانب القوّات العراقيّة. ويمكن القول، عمومًا، إنّ علاقات السودان الخارجيّة في الف رت ة الممتدّة ب ني خروج المستعمر البريطانيّ في عام 9561، وصعود جعفر نميري إلى الحكم في عام 969 1 قد اتّسمت بعدم الانحياز15. ولقد مال نميري إلى توجّهات السادات الذي استضاف شاه إيران ع ىل الأراضي المصريّة، بعد خلعه. ك ام أنَّ نميري دعم موقف نظام السادات لدى توقيعه اتفاقيّة كامب ديفيد مع الإسرائيلييّن، ثمّ أعقب نميري ذلك بتعاونه مع الإسرائيلييّن في ترحيل اليهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل. وهكذا باعد نميري بين نفسه وبين بداياته

  1. راجع صحيفة الرياض، عدد 78125، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 0022، فقد ورد فيها من مقابلة مع وزير الداخلية السعودي الس ابق نايف بن عبد العزيز قوله: "عندما حصل غزو العراق للكويت جاءنا علماء كثيرون على رأسهم عبد الرحمن خليفة، ومعهم الغنوشي، ومعهم الترابي، والزنداني، ومعهم أربكان وآخرون. أوّل ما وصلوا اجتمعوا بالملك وبوليّ العهد وقلنا لهم هل تقبلون بغزو دولة لدولة؟ هل الكويت تهدّد العراق؟ قالوا والله نحن أتينا فقط لنس مع ونأخذ الآراء. بعد ذلك وصلوا العراق ونُفاجأ بهم يصدرون بيانًا يؤيّد الغزو العراقي للكويت." وورد في المقابلة نفسها قول الأمير نايف: "أقولها من دون تردّد إنّ مش كلاتنا وإفرازاتنا كلّها - وسمّها كما شئت - جاءت من الإخوان المسلمين."
  2. مصطفى خليفة، "فكر الإخوان المسلمين لا يؤمن بالدولة الوطنيّ ة"، صحيفة البيان الإماراتية، /10/9 2012.
  3. حبيب الصاي غ، "القبض على خليّة من تنظيم الإخوان الم رصي في الإمارات"، 14 صحيفة الخليج الإماراتية،.2013/1/1
  4. عبد الوهاب الأفندي، السودان إلى أين، في: العرب وجوارهم.. إلى أين؟، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 002)2، ص.86

اليساريّة الأولى، حتّى أصبح في س نوات حكمه الأخيرة حليفًا مقرّبًا جدًّا من أميركا. أكر من روّج لإيران داخل السودان هو الحركة الإس ال ميّة السودانيّة بقيادة حسن الترابي الذي وصل بجماعته إلى الحكم في السودان، عقب انقلابٍ عسكريّ في ع ام 1. فمنذ نهاية الس 989 بعينيّات من القرن الماضي أخذت الحركة الإسلاميّة السودانيّة ترى في ثورة الخميني مصدر إلهامٍ لها. وهذا أمرٌ أكَّده المحبوب عبد الس ال م، إذ ذكر أنَّ قيام دولةٍ إس الميّة هي الأولى في العالم على الإطلاق، أطلق في السودان مبادراتِ التظاهر المناصرة لإيران مؤكّدًا أنَّ تلك التظاهرات كانت الأولى في العالم العربيّ وأفريقيا. ويضيف المحبوب عبد السلام أنَّ تلك التظاهرات تلتها مبادراتٌ بالزيارات إلى طهران قامت بها الحركة الإس ال ميّة السودانيّة، وكانت هي الأولى، إذ التقت بمُلهم الثورة ومرشدها، ثمّ جرى تبنّي فكر الثورة ورمزها والدعوة له والتبشير به16. ووفقًا للدبلوماسي السودانيّ الأسبق الرشيد أبو ش امة، فإنَّ التطوّر الكبير في العلاقات بين إيران والس ودان حدث قبل وصول الإسلامييّن إلى الحكم في السودان. فقد توطَّدت الصلات كث ريًا في فترة حكم الصادق المهدي 1986(- 989 1) الذي طرح فكرة "وحدة أهل القبلة"، ومال إلى ليبيا أكر من مصر، كما تجاوز السعوديّة إلى إيران. ولقد زار الصادق المهدي طهران بضع مرّات، كما أنه أوقف المشاركة العسكريّة في الحرب إلى جانب العراق، ولم يبدِ تعاطفًا مع الأسرى السودانييّن من العس كر والمتطوّعين الذين حاربوا إلى جانب العراقييّن. وكان الصادق المهدي على خلافٍ كبيرٍ مع وزير خارجيّته الاتحادي حسين سليمان أبو صالح الذي كان يميل إلى العراق. ولم يُطلَق سراح الأسرى السودانييّن في إيران إلا في نهايات عام 990 1. وعمومًا، فقد أغضبت مواقف الصادق المهدي وزياراته لطهران الدول الخليجيّة. عندما جاءت حكومة الإنقاذ إلى الحكم في الس ودان في عام 9891، وبحكم حاجتها إلى الاعتراف والعون، حاولت كسب ودّ الدول العربيّة خاصةًالخليجيّة منها، لتدعي م موقفها17. ولتحقيق ذلك الهدف، قامت حكومة الإنقاذ بافتعال مشكلةٍ مع إيران، قامت على أثرها بقطع العلاقات، بعد أن اس تدعت السفير السودانيّ في طهران. ويؤكِّد أبو شامة أنَّ تلك الخطوة كانت خطوةً مفتعلة، ويطابق ذلك تمامًا ما أدلى به القيادي في الحركة الإس الميّة السودانيّة المحبوب عبد السلام الذي أكّد افتعال حكومة السودان المشكلة بهدف قطع العلاقات مع إيران18. وبشكلٍ عامّ، فإنَّ مختلف كُتّاب الحركة الإسلاميّة السودانيّة يؤكِّدون فتون حركته م بالثورة الإيرانيّة، وتمثّلَهم نموذجها. ومن ذلك ما أورده عبد الرحيم عمر محي الدين، إذ ذكر أنَّ الحركة الإس الميّة في جامعة الخرطوم كان ت متأثِّرةً جدًّا بشعارات الثورة الإيرانيّة ومتعلِّقةً جدًّا بشخصيّة الإمام الخميني، بحيث لا تخلو حجرة من حجرات الطلاب الإس ال مييّن في الس كن الجامعي لطلاب جامعة الخرطوم من صوره. بل كان الطلاب الإس ال ميّون، (بعضهم ساسة وتنفيذيّون وقياديّون في الحكم السودانيّ القائم الآن)، يطلقون على حجرة السكن الطلابي التي يسكنها بعض قياديّي تنظيمهم المعروفين بالتديّن الشديد، اس م "قُمْ مدينة الآيات"، تيمّنًا بمدينة قم الإيرانيّة المقدّسة19.

لم يس تمرّ قطع العلاقات مع إيران طويالً، فقد بعثت حكومة الإنقاذ في السودان بعد فترةٍ وجيزةٍ، عبدالرحمن محمد سعيد سفيرًا لها في إيران، وأعقبه على السفارة في طهران قطبي المهدي الذي كان رئيسًا لجهاز الأمن السودانيّ. ويبدو أنَّ الإنقاذ، إلى جانب إعجابها بنموذج إيران الثوري، رأت في النظام الإيرانيّ أيضًا نموذجًا أمنيًّا يمكن الاستعانة بخبراته الأمنيّة في حماية نظامها الوليد المستهدف من جهاتٍ كثيرةٍ. وقد زار السودان الرئيس الإيرانيّ حينها، هاشمي رفسنجاني، على رأس وفدٍ ضخمٍ، ووقَّع مع السودان عددًا من الاتفاقيّات شملت الاقتصاد والأمن والدفاع. ودعمت إيران الحكومة السودانيّة بالمال والسّ ال ح وبالتدريب في قطاعات مختلفة، بما في ذلك الأمن والقضاء20.

  1. المحبوب عبد السلام، 16 الحركة الإسلاميّة السودانيّة: دائرة الضوء خطوط الظلام، تأملات
  2. فاطمة مبارك، بعد وصول الس فن الحربيّة الإيرانيّة إلى بورتسودان: السودان وإسرائيل المجهر السياسي، 31 أكتوبر.. سياسة الحرب المكشوفة، صحيفة.2012
  3. المحبوب عبد السلام، المصدر نفسه، ص.320- 319
  4. عبد الرحيم عمر محيي الدين، صراع الهوى والهُويّة، فتنة الإس المييّن في الس 19 لطة من مذكرة العرة إلى مذكرة التفاهم مع قرنق، مطبعة (دمشق: دار عكرمة، 006)2، ص.38 20  J. Millard Burr & Robert Collins, Revolutionary Sudan: Hassan al_ Turabi and Islamic State , (The Netherlands: Koninkklyke Brill NV, Leiden, 2003), pp. 81-82.
  5. في العريّة الأولى لعهد الإنقاذ، (القاهرة: مكتبة جزيرة الورد، 009)2، ص.320

الترابي وخلق كيانٍ ثوري إسلاميٍّ جامع

استخدم حسن الترابي ذريع ة "التقِيَّة" في بداية حكم الإس المييّن للس ودان. فعلى الرغم من أنَّه كان الرأس المدبِّر للانقلاب العسكريّ الذي أطاح بالنظام الديمقراطي، اتّفق مع قائد انقلابه عمر البش ري على أن يس جنه مع رؤ ساء الأحزاب السياسيّة، بغرض التمويه وإخفاء هُويّة الانقلاب. وقد ذكر الترابي أنَّه قال للبشير عشيّة الانقلاب: اذهب للقصر رئيسًا، وسأذهب للسجن حبيسًا. ولكن ما إن استتبَّت الأمور للانقلابييّن، ظهر الترابي على المسرح وتكشّفت هُويّة الانقلاب. ويورد روبرت كولينز أنَّ الترابي ثبّت في عام 991 1 موقعه بصورةٍ واضحة جدًّا في الجبهة الإس ال ميّة وفي نظام الحكم. ومن ثمّ، قام بإنش اء ما سُمِّي "المؤتمر الشعبيّ الإسلاميّ " الذي أراد له الترابي أن يحلّ محلّ "منظّمة الدعوة الإسلاميّة." ويورد كولينز أنَّ حرب الخليج الأولى 991 1، قامت بدور العامل الوسيط المس اعد في تكوين "المؤتمر الشعبيّ الإسلاميّ " الذي كان من أغراض تكوينه الرئيسة أن يكون الوعاء الحامل للثورة الإس ال ميّة على مس توى العالم، ومنسِّق جهد الحركات العاملة ضدّ الإمبرياليّة في نحو خمس ني قطرًا إس ال ميًّا. ويستطرد كولينز فيقول: أنشأ المؤتمر بالفعل، في أوّل انعقادٍ له، ما س مّي ب "العالميّة الإسلاميّة، وقد علَّقت حكومة Armed Islamist Internationale " لّحة المس الإسلامييّن في السودان على انعقاد الجمعيّة العموميّة الأولى ل "المؤتمر الش عبيّ الإسلاميّ " قائلةً: "هذا أهمّ حدثٍ يحدث منذ انهيار الخلافة الإس ال ميّة." ويورد كولينز أيضًا، أنَّ هذا المؤتمر قد حضرته نحو ثلاثمئة شخصيّة من السودان، إضافةً إلى مئتَي ش خصيّة أخرى تمثِّل خمسًا وأربعين دولةً في العالم، كان من بينها جماعة أبو سياف في الفليبين21. ومنذ تكوين المؤتمر الشعبيّ العربيّ الإس الميّ أصبح السودان مركزًا لتدريب المجاهدين الأفغان الذين كانوا يبحثون عن فرصٍ للجهاد في بقاعٍ إسلاميّةٍ أخرى، كالجزائر والبوسنة واليمن. ولقد استضاف الترابي أسامة بن لادن في السودان لبضع سنوات. وانضمّ إلى المؤتمر الشعبيّ العربيّ الإس ال ميّ المجاهدون من الجماعة الإس ال ميّة في باكستان والهند، وكذلك الحزب الإسلاميّ والجماعة الإسلاميّة الأفغانيّة، وحزب المجاهدين الكشميري، إضافةً إلى الجماعات الإسلاميّة المصريّة، وحزب الله من لبنان، وجبهة الإنقاذ الجزائرية، والجبهة القوميّة الإس الميّة من السودان التنظيم الإس ال ميّ الحاكم في البلد المضيف. وردّ خالد المبارك مفهوم التمكين والدولة التي تمثّل منصّة انطلاق لنشر النموذج الإس ال ميّ في الدولة الأخرى. وقد أشار المبارك إلى مؤتم ر تحدّث فيه ج ام ل برزنجي ذاكرًا أنّ إيران بعد ثورتها الشعبية والسودان بعد انقلاب الإس ال مييّن العسكري، يمثلّان منصّة الانطلاق هذه نحو "التمكين." ويورد المب ارك أنّ رمضان عبد الله تحدّث في الوجهة التي تح دّث فيها برزنجي، وأضاف قائالً، بما أنّ لدينا الدولتين اللتين تمثلّان منصّة الانطلاق فماذا نحن منتظرون22؟ يورد كولينز أنّ سكرتارية عامّة برئاس ة الترابي تكوّنت بنهاية المؤتمر. ويضيف كولينز أنَّ الترابي أشر ف على استقطاب مجنّدين من جنوب آسيا للتدرّب في معسكرات المجاهدين بالقرب من بيش اور في باكستان. وبحلول أيلول / سبتمبر من عام 991 1، قام الترابي بزيارةٍ إلى باكستان. وما إن حلّ كانون الأوّل / ديسمبر 9921 حتّى كانت أشرطة الترابي ومنش وراته وفيديوهات مقابلاته التلفزيونيّة وأشرطة مقابلاته الإذاعيّة، قد جعلت منه متحدّثًا ذا ش عبيةٍ عابرةٍ للعالم الإسلاميّ23. منذ تلك اللحظة، أخذ الترابي يروِّج لفكرة المدّ الثوريّ الإس ال ميّ العابر للأقطار، كما أخذ يضطلع ب دور القائد لذلك المدّ، معلنًا عدم اعترافه بالحدود القطريّة للدول الإس الميّة. ولقد خاطب الترابي في عام 992 1 الجمعيّة الملكيّة لتشجيع الفنون والصناعة والتجارة في لندن، مدينًا تأسيس الدولة القطريّة على حساب المجتمع الإس ال ميّ وما أسماه ب "دار الإس الم"24. ويبدو أنّ إمساك الترابي بزمام الحكم في السودان هو الذي حرّك فيه النزع ة العابرة للأقطار، وجعل التقارب مع إيران جزءًا من تشكيل كتلةٍ إسلامية مؤثّرة.

حسن الترابي والنموذج الإيرانيّ

يؤكِّد المحبوب عبد الس ال م، أنَّ علاقة حكومة الإنق اذ بإيران، في عشريّته ا الأولى)1 جاوزت الحدّ الأدنى لتبلغ المتوسّ، 999-1989(ط، ثمّ لتصل إلى درجةٍ من المتانة أصبح الإيرانيّون، بناءً عليها، يطلقون

  1. 23 كولينز، المصدر نفسه، ص.196 24 كولينز، المصدر نفسه، ص.198
  2. Khalid Al-Mubarak, Turabi's Islamist Venture , Eldar El Thagafia, Cairo, 2001, pp. 30-31.
  3. 21  Robert O. Collins, A History of Modern Sudan , (Cambridge, Cambridge
  4. University PressUK 2010), p 195.

على س ودان الإنقاذ "أوّل دولة إسلامية معاصرة في العالم السنّي "25. في عهد الإنقاذ نشط العم ل الثقافيُّ والدعويُّ الإيرانيّ في السودان، وكر ت الكتب والمنش ورات الإيرانيّة، وبدأ التشيُّع وسط فئة الشباب، لأوّل مرّة في تاريخ السودان. ويبدو أنَّ إيران ترى في الس ودان جبهةً متقدِّمةً لها للتغلغل في أقطار أفريقيا جنوب الصحراء، عن طريق نشر المذهب الش يعيّ وتقديم مختلف أنواع العون26. ولقد كان احتفاء الإيرانييّن بحكم الإس ال مييّن للسودان كبيرًا جدًّا. ويشير حيدر إبراهيم إلى مبلغ اهتمام الإيرانييّن بنظام الإس ال مييّن في السودان وشعورهم بالترحيب السودانيّ بهم، بقوله إنَّ الس فير الإيرانيّ في الخرطوم كمال مجيد، كان يطلق التصريح ات، ويقدِّم الاقتراحات والتوصيات في الشؤون الس ودانيّة، في بدايات حكم الإنقاذ، وكأنه مسؤولٌ حكوميٌّ سوداني28. من المثير للاهتمام في الحديث عن العلاقات السودانيّة الإيرانيّة أنَّ أكر القادة الس ودانييّن تعليامً، وأغزرهم إنتاجًا فكريًّا منشورًا، وأفصحهم لس انًا، وأكر هم ديناميّةً في معترك السياسة السودانيّة وتأثيرًا في جمهور حزبيهما، حسن الترابي والصادق المهدي تشاركا، دون سواهما من القادة السياسييّن السودانييّن، الإعجاب بالنموذج الإيرانيّ والتجربة الإيرانيّة. ورمبّ ا يعود ذلك إلى أنّ كلا الرجلين يطرحان نفسيهما قائديْن إس الميّينْ مجدِّديْ ن عالميَّينْ، أكر مّماّ يطرحان نفس يهما كقائديْن محلِّيَّْينْ لقطرٍ عربيّ إس الميّ طرفيٍّ، نصيبه من الرّيادة والمركزيّة في العالمين العربيّ والإس ال ميّ في العصر الحدي ث قليل جدًّا. ويؤكِّد عبد الوهاب الأفندي أنَّ السودانييّن على الرغم من انتمائهم إلى قطرٍ يعاني التهميش المركّب على الصعيدين العربيّ والأفريقيّ، فجذور التديّن الصوفي فيه جعلت بعض قياداته الدينيّة تؤمن بأنَّ لها دورًا إس ال ميًّا مركزيًّا. وأشار الأفندي في ذلك إلى الثورة المهديّة في القرن التاسع ع رش التي قادها محمد أحمد بن عبد الله الذي ادّعى المهدويّة، وأج ىل الحكم ال رت كيّ المصريّ عن السودان. وكان عزم محمد أحمد المهدي أن يسّيرّ حملاتٍ عسكريّة لفتح البلدان الإس ال ميّة، وإعادة المس لمين إلى "الدين الحقّ " وفق الرؤ ية المهدويّة. ويرى الأفندي أنَّ هذا الإحساس بالدّور الإس ال ميّ المركزيّ راسخٌ في الوجدان الصوفي الس ودانيّ29. وتطبيقًا لرؤ ية محمد أحمد المهدي، سّيرّ خليفته من بعده عبد الله بن محمد تورش ني، حملتين عسكريّتين نحو الحبشة ومصر لكنّهما فشلتا. أورد كولينز ملاحظةً جديرةً بالاهتمام، جاء فيها:

في الحياة السياسيّة للس ودان الشمالي، نجد أنَّ الشخصيات القويّة التي ش كَّلتها، إمّا الموهبة أو الإرث الأسري، مثل إسماعيل الأزهري، والصادق المهدي، أو حسن الترابي، مستغرقةٌ في حزمة أوليّاتها الخاصّة التي لا يربطها بهموم ومصالح عامة السودانييّن، إلا القليل جدًّا30.

وبالفعل، فإنَّ نصوص حسن الترابي، وممارساته، تدلّ على أنَّه مهجوسٌ بتثوير العالم الإس ال ميّ، وأنَّ عينيه ليس تا على السودان إلا في حدود اتّخاذه نقطةَ انطلاقٍ ومعبرًا نحو الآفاق الواسعة التي يودُّ التأثير فيها في ما وراء الحدود. وهذا ما تؤكِّده نصوص الترابي نفس ه، فهو يصف الحركة الإسلاميّة السودانيّة بقوله:

أصبحت من أكثف الحركات الإس الميّة العالميّة، ولعلّ مردّ ذلك... كون الحرك ة ذات أفقٍ عالميٍّ رحيب وذات التحامٍ وثيقٍ مع تحدّياتٍ عالميّة المغزى... ثمّ إنَّ نموّ الحركة زاد من حاجتها وقدرتها لأن تتّخذ بعدًا عالميًّا تستعين به وتبسط ذراعًا عالميًّا تؤثّر به31.

وأودُّ أن ألفت النظر إلى أنَّ كلمة "عالمي" باش تقاقاتها المختلفة، قد وردت في نص الترابي خمس مرّات. يرى الترابي أنَّ الحركة الإسلاميّة التي يقودها، حركةٌ تهتمّ أصالً بأمر المسلمين وبأحوال العالم، مس تصحبةً إدراكها بأنَّ العالم قد غدا رقعةً واحدةً وثيقة الاتّصال. ويرى الترابي أنَّ المس لمين الأوائل، على الرغم من قلّتهم وضعفهم، مدّوا بصرهم نحو الفرس والروم، فقوّضوا إمبراطورياتهم، ومدّوا الدعوة وراء الحدود، مؤكّدًا أنَّ هذا النهج هو الذي سيكون عليه ديدن الحركة الإس ال ميّة في السّ ودان32. ويطابق هذا المنحى المنحى الإيرانيّ المدرج في صلب الدستور الذي تقول المادّة 154 منه، إنَّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، ع ىل الرغم من التزامها بعدم التدخّل في ش ؤون الدول الأخرى، ترى

  1. 29  Robert O. Collins, A History of Modern Sudan , (Cambridge: Cambridge University Press, UK 2010), p. 301. حس ن الترابي، البعد العالميّ للحركة الإسلاميّة: التجربة السودانيّة، في 30"الحركة الإسلاميّة: رؤية مستقبليّة.. أوراق في النقد الذاتي"، تحريرعبد الله فهد النفيسي، (الكويت، 989)1، ص.80
  2. عادل السنهوري، إي ران في أفريقيا.. ومصر فين؟، صحيفة اليوم الس ابع، النس خة
  3. عبد الوهاب الأفندي، المصدر نفسه، ص.61
  4. 25 المحبوب عبد السلام، المصدر نفسه، ص.320
  5. الإلكترونية، 2010/4/29، http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=220569
  6. حيدر طه، المصدر نفسه، ص 817 - 186
  7. 27 حيدر إبراهيم، المصدر نفسه، ص. 35

أنّها مكلّفةٌ بدعم وحماية المستضعفين أمام المس تكبرين33. ويؤكِّد المحبوب عبد الس ال م، أحد التلاميذ المقرّبين لحسن الترابي، مفهوم الثورة الإس ال ميّة الأمميّة لدى الترابي، فيقول: إنَّ اجتهادات الشيخ حسن الترابي الواردة في محاضرته التي ألقاها في سبعينيّات القرن الماضي، في مدينة الدوحة بدولة قطر، تحت عنوان: "الأشكال الناظمة لدول إسلاميّةٍ معاصرة"، تعب رِّ عن أصول فكرته التي لا ترى في الحدود السياسيّة إلاّ عوائق ظلّت تمنع حركة الشعوب وتفاعله ا الحرّ34. ويم ض المحبوب عبد الس الم ليؤكِّد التوجّه الأمميّ لحسن الترابي بقوله، إنّ س نوات الإنقاذ الأولى شهدت رفع شر ط تأشيرة الدخول إلى السودان عن الإس ال مييّن العرب في دول الجوار العربيّ، تمهيدًا لرفعها عن الإس ال مييّن في دول الجوار الأفريقيّ، ولكن بعد أن تستتبّ الأمور أكر بالنسبة إلى الحكم الإسلاميّ الجديد في السودان35. وهذه النظرة هي نفسها نظرة سيد قطب الذي يرى أنّ العقيدة هي جنس يّة المسلم، وليس انتماؤه القطري36.

تأثير الترابي في تلاميذه

بناءً على عديد الشواهد، يمكن القول إنّ أفكار الدكت ور الترابي "الأمميّة" ليست حصرًا على مجموعته التي خرجت معه من الحكم في عام 999 1، فأفكاره مُستبطنةٌ أيضًا وسط قيادات الجناح الآخر الممس ك بزمام الحكم الآن. وعلى سبيل المثال، فإنّ غازي صلاح الدين القياديّ في الحركة الإسلاميّة السودانيّة، ووزير الدولة الأسبق في وزارة الخارجيّة، خاطب عند بدايات حكم الإنقاذ، أربعةً من وزراء خارجية كينيا ويوغندا وإثيوبيا وإريتريا، وهي دولٌ تحكمها النخب المس يحيّة بصورةٍ رئيسةٍ، قائالً: "إنّ رسالتنا ليست هي توطيد الإسلام في السودان بل نشره في أفريقيا. هذه هي رس التنا التي أوقف مسيرتها الاستعمار، وسنبدأ حيث أوقفنا الاس تعمار"37. أمّا أمين حسن عمر، أحد أبرز المنظِّرين وسط الإس ال مييّن الحاكمين اليوم في السودان، فقد ورد على لسانه:

دعاة الحضارة العربيّة والإس الميّة لا يطالبون بمقعد بين الأمم المتحرضّة، بل يطالبون بهذا المقع د في الطليعة والمقدِّمة. وهم لا ينافسون على مقعدٍ ش اغرٍ بين الأمم المتقدِّمة، وإمنّ ا يطرحون مشروعًا بديالً للمشروع الس ائد، ويقدِّمون أنفسهم قيادةً بديلةً للعالم عن طريق التقدّم الاجتماعيّ والحضاري38.

وفي غمرة انفعال الإس ال مييّن بتسلّم الحكم في الس ودان شرعوا في محاولات تصدير نموذجهم إلى الخارج، ولم تسلم السعوديّة من تحرّشاتهم، وطالها الكثير من الهجوم الإعلاميّ السافر. بل تعدّى إس ال ميّو السودان جوارهم الإقليميّ المب اشر، ليتدخلوا في الشأن الجزائريّ، ما دفع الجزائر إلى سحب سفيرها من السودان في عام 992 1 39. ولم تقف محاولات إسلاميّي السودان تصدير الثورة عند حدّ  د التقدّم الاجتماعيّ والحضاري التنظير، أو طرح النموذج الذي يجسِّ،ّ وإمنّ ا تحوَّلت إلى أفعالٍ عسكريّة أيضًا. فإضاف ةً إلى ما أوردناه عن المعسكرات التي نظّمها الدكتور الترابي في باكستان وفي الس ودان لتدريب المسلّحين الإسلامييّن عابري الحدود، جرت في أديس أبابا في عام 995 1، محاولةٌ فاشلةٌ لاغتيال الرئيس المصريّ حسني مبارك، لم تُكلّل بالنجاح. وقد كشفت التحقيقات التي أُجري ت حولها، أنَّ القيادات السياسيّة السودانيّة العُليا في حكومة الإنقاذ هي التي دبّرتها بالتعاون مع "الجماعة الإسلاميّة"؛ التنظيم المصريّ المتطرِّف40. ولم تكن محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا عمليّةً معزولةً، وإمنّ ا كانت جزءًا من عملٍ واسعٍ استهدفت به حكومة الإس المييّن في السودان

  1. فاطمة الصمادي، إيران والمقاومة: تحولّات السياسة والمجتمع تقاوم ش عارات الثورة
  2. 37 أمين حس ن عمر، في كتاب، المروع الإس الميّ السودانيّ: قراءات في الفكر والممارسة، (الخرطوم: معهد البحوث والدراسات الاجتماعيّة، 995)1، ص.23
  3. المحبوب عبد السلام، المصدر نفسه، ص 23.7-326
  4. أحمد البغدادي، الوطن في فكر جماعة الإخوان المس لمين، في الإخوان المس 35 لمون في الخليج، مجموعة مؤلفين، (دبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث، 0)21، ص.195 منصور خالد، جنوب الس ودان في المخيلة العربيّ 36 ة: الصورة الزائفة والقمع التاريخي، (لندن: دار تراث للنشر، 000)2، ص.66-65
  5. لعرب وإيران: مراجعة في التاريخ والسياس ة " (مجموعة كتّاب وتفرض أولويّات جديدة، في ا)، (الدوحة/بيروت: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، 012)2، ص.117
  6. 33 الس نوات 1) هي السنوات التي كان فيها حسن ال -1990(995 رتابي يمثّل المرجعيّة الفكرية والسياسيّة الأوحد للحكم القائم الآن في السودان.
  7. منصور خالد، المصدر نفسه، ص.78
  8. فتحي الضو، الخندق: أسرار دولة الفس اد والاس تبداد في الس ودان، (القاهرة: مكتبة جزيرة الورد، 012)2، ص 82 -.88

زعزعة دول الجوار الإقليميّ؛ مصر وإثيوبي ا وإريتريا. وقد اضطرّت إريتريا لقطع علاقاتها بالس ودان في عام 992 1 بسبب دعم الحكومة الس ودانيّة لتنظيم الجهاد الإسلاميّ الإريتيري41، ولقد تأثَّرت علاقات إثيوبيا بالسودان كثيرًا عقب محاولة اغتيال الرئيس المصريّ حسني مبارك في أديس أبابا. من جانبٍ آخر، توتّرت العلاقات بين إيران والجزائر، كما دار لغطٌ كبيرٌ في المغرب حول النشاط الإيرانيّ في المغرب. ويروي الحسين الزاوي أنَّ البعثة الدبلوماسيّة الإيرانيّة لدى الجزائر كانت تنشط في وسط الأحزاب الجزائرية، عقب إع ال ن التعدديّة الحزبيّة فيها، ومن ضمن تلك الأحزاب جبهة الإنقاذ، وكان ممثّلو البعثة الإيرانيّة يحضرون بعض التجمّعات السياسيّة. ويقول الزاوي إنَّ الحكومة الجزائرية ترى أنَّ موجة العنف التي عصفت بالجزائر آنذاك، لم يكن لها أن تأخذ تلك الأبعاد المأساويّة لولا الدّعم الذي كانت تتلقّاه الجماعات الجزائريّة المسلّحة من أطرافٍ خارجيّةٍ عديدةٍ، ومن تلك الأطراف الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة42.

السودان وإيران بعد خروج الترابي من الحكم

وعلى الرغم من محاولة الترابي التقرّب من إيران وضمّ رؤية الإيرانييّن وجهدهم إلى رؤية وجهد المؤتمر الشعبيّ العربيّ الإسلاميّ الذي أشرف على تكوينه شخصيًّا، بغرض خلق كتلةٍ إس الميّةٍ عابرةٍ للأقطار ذات ذراع عس كريّة، لم يغريّ خروجه من السلطة شيئًا في الميل السودانيّ الرسميّ نحو إيران. بل يمكن القول إنَّ العلاقات مع إيران ازدادت أكر بعد المفاصلة التي أخرجت الترابي من منظومة حكم الإس ال مييّن للس ودان في عام 999.1 ولكن، يبدو أنَّ حكومة الإنقاذ انتهجت بعد خروج ال رت ابي نهجًا براغماتيًّا صارخًا، وأصبحت تستخدم مختلف الأوراق التي يقود استخدامها إلى وجهات متعارضةٍ تمامًا. فقد لوحظ أنَّ أنباء التقارب السودانيّ مع إيران تزداد، كلمّا ازداد الفتور من جانب الدول الخليجيّة تجاه حكومة السودان. ومن أمثلة اللعب بالأوراق التي تعكس الانتقال من النقيض إلى النقيض في مواقف الحكومة الس ودانيّة، عقب إخراجها الترابي من معادلة الحكم وتحسّن علاقاتها بم رص مبارك، محاولتها التقرّب إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة. فقد بلغت تلك الرغبة حدّ أن يطير مدير المخابرات الس ودانيّة على متن طائرة أميركيّةٍ، أُرس لت إليه خصّيصًا لكي يحضر إلى واش نطن ويسلِّم وكالة الاس تخبارات المركزيّة الأميركيّة CIA ملفّاتٍ تتعلّق بالمتطرّفين الإس ال مييّن وتحرّكاتهم وخططهم، ممّن شاركوا في تفجير مركز التجارة الدوليّ الأوّل، وفي الهج ام ت على السفارة الأميركيّة في نيروبي، وفي هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 001 2. أغضبت تلك الزيارة بعض الأميركييّن الذين رأوا فيها إع ادة اعتبارٍ وقبولٍ لحكومةٍ متّهمةٍ أصالً لديهم بإيواء الإرهابييّن وبالتطهير العرقيّ لقطاعٍ من مواطنيها43.

تعاونت الحكومة السودانيّة في تنفيذ بنود اتفاقيّة نيفاشا تعاونًا تامًّا، وقبلت بالاستفتاء الذي قاد إلى فصل جنوب السودان عن ش امله، وقبلت نتيجت ه، واعترفت بدولة الجنوب الوليدة، مؤمِّلةً في أن يؤدّي كلّ ذلك إلى تطبيع علاقاتاتها مع الولايات المتّحدة الأميركيّة وإلى رفع العقوبات عنها، وإلغاء الديون التي أثقلت كاهل الدولة السودانيّة. غير أنَّ كلّ ذلك لم يغي رِّ شيئًا في الموقف الأميركيّ تجاه حكومة الإسلامييّن في السودان، ومن استمرار العقوبات والعزلة المفروضة عليها. ع ىل الرغم من أن الدعم السوداني للقضية الفلس طينية ظل ثابتًا ع رب مختلف العهود، وأن دعم الإس ال ميين في السودان للقضية الفلسطينية لم يخرج عن خطٍ ظل ثابتًا في السياسات السودانية، فإن ظلالا من الش ك رمبّ ا تحوم حول تصعيد تسهيل الدعم الإيراني لحماس عبر السودان بسبب حالة الاحباط التي اعترت الحكومة

  1. فتحي الضو، السودان: سقوط الأقنعة، (د. ن، د. ت)، ص.365
  2. الحس ني الزاوي، المغرب العربيّ وإيران: تحدّيات التاريخ وتقلّبات الجغرافيا السياسيّة، العرب وإيران، المصدر نفسه، ص في.195
  3. سكوت ش ني، "لقاء سي آي آيه بالمسؤول الأمنيّ الأوّل في الس ودان يغضب بعض نيويورك تايمز الأميركييّن"،، 02 يونيو.2005

السودانيّة لفشل جهدها في التطبيع مع أميركا. فقد اش تدت في السنوات الأخيرة حركة نقل الأسلحة الإيرانيّة إلى قطاع غزّة، عبر السودان لتواصل س ري ها عبر م رص، ثم إلى سيناء، فغزّة. ولقد استهدفت إسرائيل بالطائ رات في عام 009 2 رتٍ لًا مكوَّنًا من ثلاث وعشرين شاحنة محمّلة بالس ال ح، ودمّرته. وق ض في تلك الهجمة نحو أربعين شخصًا ممّن كان وا على متن ذلك الرّت ل44. وتعدَّدت الرضّبات الإسرائيليّة لقوافل الس ال ح وللأفراد المشتبه في كونهم جزءًا من تلك العمليّات المتعلّقة بتهريب السّ الح عبر شر ق الس ودان. وكانت أكبر الضربات الجوّية الإسرائيليّة تلك التي تلقّاها مصنع اليرموك للأسلحة في الخرطوم في نهاية تشرين الأوّل / أكتوبر عام 012 2. وأوردت صحيفة الغارديان البريطانيّة أنَّ تسريباتٍ تقول إنَّ اغتيال القيادي الفلس طينيّ محمود المبحوح في فندقٍ في مدينة دبي وعثور الموساد على أوراقٍ مهمّةٍ في حقيبةٍ كانت بحوزته، هو الذي مكّن الإسرائيلييّن من التعرّف على كثيرٍ من المعلومات المتعلِّقة بعلاقة الس ودان بمرور صواريخ فجر الإيرانيّة إلى غزّة45.

مثَّلت الضربة الإسرائيليّة التي استهدفت مصنع اليرموك للسّ الح في الخرطوم في نهايات تشرين الأوّل / أكتوب ر 012 2، تطوّرًا نوعيًّا في الاستهداف الإسرائيليّ لأنشطة الحكومة السودانيّة. ويبدو أنَّ إسرائيل أصبحت ترى أنَّ السودان قد أسهم في فت حٍ جبهة ردع جديدةٍ عليها تتمركز في قطاع غزّة الذي تصله الصواريخ عن طريق السودان. كما تتمركز جبهة الرّدع هذه في منطقة البحر الأحمر بعد أن أصبحت السفن الحربيّة الإيرانيّة تلقى تسهيلاتٍ في موانئه، خاصّةً في السودان. ويزعم الإسرائيليّون أنَّ الرئيس السودانيّ عمر البش ري أعطى الإيرانيّ ني الضّ وء الأخضر لإنشاء قواعدَ عسكريّة إيرانيّة على التراب السودانيّ. كما ذكروا أنَّ الصواريخ الإيرانيّة، إذا ما جرى نصبها في السودان، فإنَّ بوسعها أن تصل إلى جنوب إسرائيل ووس طها46. وحين قامت قطعٌ من الأسطول الإيرانيّ بزيارة ميناء بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، عقب الضربة الإسرائيليّة لمصنع اليرموك في الخرطوم، زعم الإسرائيليّون أنَّ ذلك جزءٌ من جهد إنشاء قاعدة بحريّة إيرانيّة حول ميناء بورتس ودان47. غير أنَّ الحكومة السودانيّة نفت تلك المزاعم. كما أكَّدت أنَّ زيارة البوارج الإيرانيّة كانت روتينيّة. وتردَّدت أنباء أنَّ البوارج الإيرانيّة ذاتها والتي رفضت الحكومة السودانيّة استقبالها في شباط / فبراير 012 2، رست في ميناء جدّة السعودي، ووصف بيانٌ من الخارجيّة السعوديّة رس وّها بأنَّه روتيني. ولكن، قناة برس تي في Press TV الإيرانيّة أوردت من الجانب الآخر، أنَّ الأدميرال حبيب الله سياري أكَّد أنَّ إيران قد أخذت تضاعف وجودها العسكريّ في المياه الدوليّة منذ العام الماضي، فقد قامت بنشر سفنٍ في المحيط الهنديّ، كما قامت بإرسال قطعتين بحريّتين، ولأوّل مرّة، عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسّط، في ش باط / فبراير 011 2. وأكَّد سياري أنَّ المقصود من كلّ ذلك الانتشار هو حماية مصالح الجمهوريّة الإس ال ميّة الإيرانيّ ة48. ولا يمكن لمحلّلٍ سياسيّ أن يفصل بين هذا الانتشار الواسع لبحريّة إيران والنزاع القائم الآن حول برنامجها النوويّ واحتمالات ضربه عسكريًّا.

  1. Time Staff, “How Israel Foiled an Arms Convoy Bound for Hamas”, Time , 3L3L2009.
  2. 47  " الأسطول الإيرانيّ ينتشر في المياه الدوليّ ة"، صفحة برس تي في الإيرانيّة على ش بكة الإنترنت، 3 /9/.2012 http://www.presstv.ir/detail/2012/09/03/259610/iran-navy-to-expand-intl- presence.
  3. Steve Waltz, “Iran and Sudan Deepen Cooperation Against Israeli Military Efforts in Africa”, Pan African Newswire , December, 13, 2012. http://panafricannews.blogspot.com/2012/12/iran-and-sudan-deepen- cooperation.html. 46  Joanna Praszczuk, “Khartoum allowing Iran to establish Red Sea base”, Jerusalem Post. 12/11/2012.
  4. Read more: http://www.time.com/time/world/article/0,8599,1888352,00. html#ixzz2GeLMLgBs.
  5. 44  Ian Black, “Israeli attack' on Sudanese arms factory offers glimpse of secret war”, The Guardian , 25/10/2012. http://www.guardian.co.uk/world/2012/oct/25/israeli-sudanese-factory- secret-war.

الانقسام داخل الحكومة السودانيّة

عقب قصف إسرائيل مصنع اليرموك في الخرط وم، احتدم الجدل السياسيّ في السودان بشأن العلاقة مع إيران، وطفحت على السطح انقساماتٌ حادّةٌ وسط المجموعة الحاكمة. ففي اللقاء المتلفز لوزير الخارجيّة السودانيّة، علي أحمد كرتي، على قن اة النيل الأزرق، في 3 تشري ن الثاني/ نوفمبر 012 2، ذكر الوزير أنَّ وزارته لم يكن لديها علمٌ البتّة بزيارة المدمِّرتين الإيرانيّتين لميناء بورتسودان، وأنَّه سمع بتلك الزي ارة من أجهزة الإعلام49. وأضاف وزير الخارجيّة أنَّ إيران س بق أن طلب ت زيارة المدمِّرتين، وقد كانت توصية وزارة الخارجيّة برفض الطلب، ورُفض بالفعل. وقد علَّق الصحافي السودانيّ عادل الباز، على كلّ ذلك بقوله:

فإذا كانت الحكومة قد اعتذرت عن اس تقبال البوارج فمن الذي سمح لها بالوصول إلى مياهنا الإقليميّة والبقاء فيه ا أربعة أيام؟! فهل هناك جس م خارج الحكومة يقرِّر، أم أنَّ متنفّذين داخل الحكومة على صلةٍ بالمحور الإيرانيّ أصبحوا قادرين على تمرير أجنداتهم رغم أنف الحكومة أو من وراء ظهرها50؟!

ويضيف الباز أنَّ وزير الخارجيّة أكَّد أنَّ "هنال ك خلافات داخل الحكومة حول التعاون مع إيران." ويستطرد قائالً:

من الطبيعي أن يكون هناك خ ال فٌ داخل الحكومة حول السياس ة الخارجيّة في الأمور الثانوية كتقديرات المواقف التي يتّخذها صنّاع القرار في الشؤون المتحرّكة. ولكن، من الغريب فعلًا أن يحدث خلافٌ على إستراتيجية الدولة حول شأنٍ رئيسٍ، كالتحالفات بالمنطقة51.

المشهد الجديد

أخذ المشهد الجيوستراتيجي في التغيرُّ في منطقة الشرق الأوسط نتيجةً للثورات العربيّة التي طرحت واقعً ا جيوبوليتيكيًّا جديدًا لم تكتمل صورته بع د، فهذه الصورة لا تزال قيد التّخَلُّق، كما أنَّها منفتحة على مختلف الاحتمالات. وصعود التيّارات الإس ال ميّة في دولٍ محوريّةٍ مثل مصر وتونس، إضافةً إلى سيطرة الإس ال مييّن على الحكم في السودان منذ عام 989 1، واحتمال وصول الإس ال مييّن إلى الحكم في بلدانٍ أخرى كالأردن والكوي ت، ورمبّ ا غيرها، يطرح وبال -رضورة - مخاوفَ لدى دولٍ عربيّةٍ كثيرةٍ خاصّةًالدول الخليجيّة، كما يطرح في الوقت ذاته تس اؤ لاتٍ بشأن عدّة قضايا ملحّة أخذت تطرح نفسها وبشدّة؛ من تلك القضايا: • مدى استعداد التيّارات الإس ال ميّة التي وصلت إلى الحكم، والتي رمبّ ا تصل إلى الحكم في الفترة المقبل ة، للتخيلّ عن خط ط التثوير العابرة للدولة القطريّة المندرجة في أصل أدبيّات الإخوان المس لمين، وه ي أدبيّاتٌ يتبّناها التنظيم الدوليّ للإ خوان المسلمين. ولقد اتّضح ذلك في حرب الكويت حين وقف التنظيم العالمي ضدّ إخراج العراق من الكويت ما سبّب حرجًا كب ريًا لإخوان الكويت الذين أعلنوا أنّهم جمّدوا عضويّتهم في ه52. وعمومًا، ف إنّ الرّؤ ى الأساسية لتنظيم الإخوان لا تنفكّ تطفح على السطح أحيانًا. إذ ورد على لسان إسماعيل هنية، رئيس السلطة المقالة في غزّة قوله، إنّ الربيع العربيّ سوف يفتح صفحات الخلافة الراشدة، وأنّ دور الأنظمة التي سقطت كان منصبًّا في منع عودة هذه الخلافة، وفي ض امن أمن إسرائيل53. فهل سيعترف الإخوان المس لمون حقيقةً، وليس "تقِيَّةً"، بحدود الدولة القطريّة، ولا يتّجهون إلى تصدير الثورات وزعزعة الاستقرار في الدول العربيّة الأخرى؟ الإجابة عن هذا الس ؤال رمبّ ا ترتّب عليها توفُّرُ فرصٍ لقيام تعاونٍ عربيٍّ جديد في أفقٍ س ياسيّ إقليميٍّ جديد. أو رمبّ ا انفتح، بناءً عليها أيضًا، الباب إلى نزاعٍ جديدٍ بين التيّار الإس الميّ الذي اعتلى موجة المدّ الديمقراطيّ، والدول العربيّة ذات الأنظمة الملكيّة بمختلف صورها. فالمنطقة رمبّ ا تكون مرشّحةً لانقسامٍ جديدٍ يشابه، من بعض الوجوه، الانقسام الذي كان سائدًا في أوج موجة الم دّ العروبيّ في ستينيّات القرن الماضي، حين مارست القوميّة العربيّة نهج تصدير الثورة وفقًا لفهمها للثورات. فمصر الناصريّة، ومن اصطفّوا وراءها، قسّموا العالم العربيّ إلى كيانين؛ أحدهما "تقدّمي" والآخر "رجعي"، وبناءً على هذا التقسيم أرسل الرئيس المصريّ جمال عبد الناصر قوّاتٍ مصريّة

  1. برنامج "حتّى تكتمل الصورة"، لقاء الطاهر حسن الت وم بالوزير علي كرتي، 48 تلفزيون النيل الأزرق، 3 /11/.2012 موقع الحلقة على موقع يوتيوب: http://www.youtube.com/watch?v=rC9EnG0agHQ&feature=plcp.
  2. عادل الباز، "ش كرا كرتي الصورة لم تكتمل"، صحيفة الصحافة السودانيّة، العدد: 6901،
  3. عادل الباز، المصدر نفسه.
  4. أحمد البغدادي، المصدر نفسه، ص.203
  5. هنية: الربيع العربي سيفتح صفحات الخلافة"، 52 صحيفة العرب القطرية،.2012/7/20

لتقف إلى جانب الجمهورييّن في اليمن في حربهم مع الملكييّن، وليشهد اليمن حربًا بالوكالة أطرافها عربيّة استمرّت س بع سنوات. وأنشأت الجمهوريّة العربيّة المتّحدة، في الحقبة الناصريّة، جهازًا إعلاميًّا كان الأضخم والأقوى من نوعه في العالم العربيّ، ركّز هجومه على المملكة العربيّة السعوديّة وعلى الأنظمة الملكيّة العربيّة. وبطبيعة الحال فإن السعودية لم تكن براءً من استهدافٍ للنظام الناصري في مصر. الشاهد، أن اس تقطابًا حادًّا حدث وسط الدول العربيّة في ما بينها، كما جرّها إلى الانقسام في الولاء تجاه المعسكرين الدولييّن الكبيرين بقيادة أميركا والاتّحاد الس وفياتي. فهل سيحدث صعود التيّار الإخواني إلى الحكم في بعض الدول العربيّة حالة استقطابٍ حادّة جديدة، أم أنَّ اتّساع نطاق ثورات الربيع العربيّ وتنزيل شعارات الربيع العربيّ إلى أرض الواقع، س وف يتُرك لكلِّ أهل بلدٍ ليكيّفوا أوضاعهم وفقًا لواقعهم القطري، ويصوغوا التضامن العربيّ دون إملاء خارجيٍّ؟ • مثّل مرور السفن الحربيّة الإيرانيّة من خلال قناة الس ويس إلى البحر الأحمر حدثًا استثنائيًّا ب كلِّ المقاييس. وهو ما كان ليحدث في فترة حكم الرئيس حسني مبارك. في هذا الوقت نفسه الذي يمثِّل فيه مرور السفن الإيرانيّ ة متغي رِّ ا جديدًا في العلاق ات المصريّة الإيرانيّة، ويمثِّل بالضرورة دعامً لقضيّة العرب المركزيّة في فلسطين، نجد إيران تس هم إسهامًا معلنًا في سياسات ذات صبغةٍ طائفية تزعزع الاستقرار في مملكة البحرين التي تحتاج فعلا إلى الإصلاح الديمقراطي. كما أنَّها تدعم الحوثييّن في اليمن، وتدعم الأسد في سورية. وأخطر من كلّ ذلك، تزيد إيران من وجودها العسكريّ في البحر الأحمر، خاصّةً في السودان وإريتريا. ولكن، نجد من الناحية الأخرى أنّ عبور البارجتين الحربيّت ني الإيرانيّت ني قناة السويس إلى مياه المتوسّط مثّل ضغطًا بقدرٍ ما على إسرائيل. ودلّ هذا العبور، في الوقت نفسه، على انفلات م رص من القبضة الإسرائيليّة الأميركيّة في صنع قرارها الوطني. كما يمكن أن يُضاف إلى ذلك أنَّ تعاون الدولة السودانيّة مع الإيرانييّن في تهريب الس ال ح الإيرانيّ إلى غزّة، أتاح لحركة ح ام س وضعًا ردعيًّا عس كريّا ووضعًا تفاوضيًّا أفضل مع الإسرائيلييّن، دلّ عليه ما جرى في الحرب الأخيرة. لكن، في الوقت نفسه، يثير التعاون السودانيّ الإيرانيّ، بال رض ورة، مخاوف السعودييّن والخليجيين الذين من ناحيتهم لم يفعلوا شيئًا لحماية غزة أو لدعمها في مرحلة الحصار. لذلك، يمكن القول إنَّ هذا الوضع الجديد شديد التعقيد، ففوائده ومخاطره مقسّمة على عدة سلال. تستفيد الحكومة الإس ال ميّة في السودان، وهي حكومة الإسلامييّن الوحيدة في العالم العربيّ التي لم تصل إلى السلطة عن طريق صندوق الاق رت اع، من الدّعم الإيرانيّ لها في تثبيت أركان حكمها، خاصّةً مدّها بالس ال ح في حروبها الدائرة الآن مع حركات الهامش المس لّحة، في كلٍّ من جنوب كردف ان والنيل الأزرق، امّ يضعف كفّة قوى المعارضة السودانيّة المدنيّة، ويقوّي النزعات الانفصاليّة الحاملة للس الح، امّ يزيد من فرص التفتيت. ويزيد الدّعم الإيرانيّ غير المشروط لحكومة الإس ال مييّن في السودان، من نفور سودانيّي الهوامش تجاه الدول العربيّة والإسلاميّة التي وقفت دائمًا إلى جانب المكوّن العربيّ الإسلاميّ في السودان في نزاعه مع الأقليّات المهمّشة التي تطالب بحقوقها. • انخراط حكومة السودان في عمليّات تهريب الأس لحة إلى غزّة، وما يتردّد عن نيّتها إنش اء قواعد عسكريّة بريّة وبحريّة للإيرانييّن في أراضي السودان، وإعلانها نفسها دولةَ مواجهةٍ لإسرائيل يجعلها هدفًا للآ لة العسكريّة الإسرائيليّة. ولسوف يقلق هذا الوضع قطاعًا كبيرًا من القوى السياسيّة الس ودانيّة التي على الرغم من دعمها الحقّ العربيّ وقضية فلسطين، لا ترى أنّ من الحكمة أن يجعل السودان من نفسه دولة مواجهة مع إسرائيل، وهو أصلا دولة بلا قدرات. كما أنَّ ازدياد التقارب السودانيّ الإيرانيّ سوف يدفع إسرائيل إلى تكثيف أنشطتها ع رب دول الجوار السودانيّ صوب الداخل السودانيّ، وهي أنشطةٌ تهدف أصالً إلى تفتيت السودان وإخراجه بالمرّة من أيّ دورٍ يمكن أن يقوم به في الصراع العربيّ الإسرائيليّ. فهل في وسع إيران، وهل في نيّتها أصالً، أن تدافع عن السودان مهمْا كانت المحاذير والكلفة؟ وهل هي فعلا حليفٌ مقتدرٌ يُعتمد عليه، أم أنَّها تستخدم الس ودان، وتعينه بم ا يتيحه لها ظرفها، وبما تمليه عليها حاجتها؟ خاصّةً وأنَّ إيران تعاني حاليًّا من وطأة العقوبات التي تتزايد عليها، مّماّ أدّى إلى انخفاض إنتاجها النفطي بمعدّل مليون برميل في اليوم، إضافةً إلى انخفاض سعر عملتها. • يتساءل كثير من السودانييّن عن الكيفية التي ستتعامل بها الحكومة المصريّة التي يديرها الإس الميّون، وهي حكومة منتخبة، مع الحكومة السودانيّة التي يديرها الإسلاميّون، وهي حكومة غير منتخبة، وجاءت أصلًا عن طريق انقلابٍ عسكريّ، وتدّعي الشرعيّة لكونها تجري انتخاباتٍ شبيهة بالتي كانت تُجرى في مصر في عه د مبارك؟ كيف ستقف الحكومة المصريّة في الصراع الدائر، ولوقتٍ طويلٍ جدًّا بين الحكومة السودانيّة من جهة، وقوى المعارضة وحركات الهامش

المسلّحة من الجهة الأخرى؟ كيف ترى مصر التقارب السودانيّ الإيراني،ّ خاصّةًالوجود العس كريّ الإيرانيّ القائم حاليًّا والمحتمل مستقبالً على أراضي السودان ومياهه، ولا حاجة بي هنا إلى الإشارة إلى أنَّ أمن مصر والس ودان متداخلٌ تداخالً عضويًّا نادر الشبيه. كيف ترى مصر هذا التغلغل الإيرانيّ المتعدِّد الوجوه في أفريقيا، ومصر هي المرشّ حة لكي تصبح القوّة الإقليميّة الرابعة في المنطقة شأنها ش أن إسرائيل وتركيا وإي ران؟ وفي الوقت الذي نطرح فيه هذه التس اؤ لات، ترشح أخبار بأنّ حكومة مرسي أخذت تتفاوض سرًّا مع الإيرانييّن ممثّلين في قاسم سليماني رئيس الاستخبارات الإيرانيّة أثناء زيارته للقاهرة، وذلك من أجل تعاونٍ استخباراتي وأمنيّ للسيطرة على الجيش المصريّ، لتثبيت أركان حكمها54. وقد نفت الحكومة المصريّة ذلك.

وسط كلّ هذه التناقضات والتشابكات واختلاط الجيوس رتاتيجي بالتكتي ك يي امّ وفّر لإيران موقعًا معت رب ا في الصراع العربيّ الإسرائيليّ، ه ل هناك فرصة لتوافقٍ عربي - عربيٍّ، من جهة، وتوافقٍ عربي-ٍّإيرانيٍّ، من الجهة الأخرى، بش أن كيفيّة إدارة المنطقة على أساسٍ من شر اكة الهدف ال كيلّ في الانعتاق من ربقة الهيمنة وضعضعة القوّة العربية التي تمارسها الولايات المتّحدة الأميركيّة؟ وهل هناك ما يبرشّ بانحسارٍ حقيقيٍّ لنزعات الاستهداف المتبادل، عربيًّا - عربيًّا، وعربيًّا - إيرانيًّا؟ أم أنَّ جهد مقاومة الهيمنة سوف يسير في شعبتين: إحداهما ضدّ الهيمنة الغربيّ ة والأخرى ضدّ الهيمنة الإيرانيّة، أو على الأقلّ في حصر العامل الإيرانيّ في منطقة الشراكة الإقليميّة والانتفاع المتبادل، لا الهيمنة.

خاتمة

يعود التقارب الإيرانيّ السودانيّ إلى س بعينيات القرن الماضي عندما أنعش ت الثورة الإيرانيّة في إسلاميّي السودان آمال التثوير في الوجهة الإس ال ميّة. ويمكن القول إنّ نظرة الدكتور الترابي التي تأسَّست عليها الحركة الإس ال ميّة في السودان، نزعة عابرة للأقطار، وهي نزعةٌ راسخةٌ في فكر كبار مؤسِّ س الدعوة الإخوانيّة مثل سيد قطب، وهي لا تزال مُتبنّاةً بواس طة التنظيم الدوليّ للإ خوان المس لمين. كان سعي الترابي ولا يزال، إنشاء كتلة إس ال ميّة ثالثة لمواجهة الهيمنة الغربيّة، ويلتقي ذلك بنهج الإيرانييّن في ما يسمّونه مقاومة "الاستكبار" الأميركيّ. غير أنَّ الترابي خرج من السلطة، وأخفق انقلاب الإس ال مييّن في السودان في تحقيق أهدافه على كلّ المستويات؛ المحّليّ، والإقليميّ، والدوليّ، كما حوصر عربيًّا، وأفريقيًّا، ودوليًّا. ولا تزال آليّات الحصار مطبقةً على عنقه وفي الوقت نفسه أصبحت إيران محاصرةً ومعزولةً بسبب برنامجها النووي. يواجه السودان عزلةً دوليّةً وإقليميّةً، وأزمةً اقتصاديّةً طاحنةً بعد انفصال الجنوب، وذهاب ريع البترول. وقد أصبح حكم الإس المييّن في السودان، أكر من أيّ وقتٍ مضى، في حاجةٍ إلى مُع نيٍ خارج يٍّ: فحكومتهم التي تقاتل الجماعات المسلّحة في مختلف أقاليم السودان، في حاجةٍ إلى المال والسلاح. كلّ هذه الأوضاع مجتمعةً قادت إلى التقارب السودانيّ الإيرانيّ، خاصّةً في ظلّ النظرة الخليجيّة نحو حكومة السودان التي لا تخلو من ريبةٍ ومن فتور. فكيف س يفصل العرب بين التكتيكي والإستراتيجي في احتواء حكومة الإس ال مييّن في السودان وتحجيمها من جهة، وفي بذل المال والعون للحفاظ على القطر السوداني، من الجهة الأخرى؟ وجدت إيران في السودان مع ربًا ممتازًا لإرسال الأس لحة لقطاع غ زّة، امّ أعطاها ثقلًا إقليميًّا وزعامةً إس ال ميّةً لتظهر بمظهر القوّة الوحيدة الجادّة عمليًّا في دعم قضيّة العرب المركزيّة في فلسطين. غ ري أن ما يساعدها في ذلك هو تخلي النظام العربي الرسمي عن مقاومة إسرائيل. ولقد ظلّت إيران تطلب هذه الزعامة الإسلاميّة طلبًا حثيثًا. ووجدت إيران مرتكزًا لها في البحر الأحمر، وفرصةً لتوسيع وتنويع نطاق منظومة الردع التي تقي بها نفس ها من شر ور إسرائيل، وتنويعها. وما من شكّ في أنَّ الدور الإيرانيّ في جنوب لبنان الذي ظهر في قدرات حزب الله العس كريّة في حرب 006 2، ودور السلاح الإيرانيّ ال ذي ظهر في حرب 012 2، بين الإسرائيليّ ني وحكومة حماس المقالة، قد أسهم إسهامًا كبيرًا في قلب موازين القوى بين إسرائيل ومحيطها

  1. Hugh Tomlinson, “Iranian spy chief’s visit to Cairo was meant to ‘send a message to America”, The Times (Middle East Issue), viewed 9/1/2013. http://www.thetimes.co.uk/tto/news/world/middleeast/article3650461.ece.

الإقليميّ القريب. وبوجود الإس ال مييّن في الحك م في مصر، فإنَّ هذا الانق ال ب في ميزان القوى مع إسرائيل مرشّح لمزيد من الزيادة. غير أنَّ ه ذا التحالف التكتيكي بين إيران والإس ال مييّن العرب في غزّة وفي السودان، لن يقف في قلبه لموازين القوى عند حدّ إسرائيل وحدها. فهو بالقطع ذو آثارٍ ممتدّةٍ تطال ما هو إستراتيجي في منظومة الأمن القوم يّ العربيّ، ما لم تصبح إيران جزءًا مكمِاّلً لمنظومة الأمن العربيّ، وفق معادلة متوازنة لا تبدل هيمنة دولية بهيمنة إقليمية. ولا يبدو أنّ إيجاد هذه المعادلة المتوازنة من الأحلام السهلة المنال. ظلَّت الدول العربيّة تترصّد بعضها بعضًا، وتتآمر على بعضها بعضًا، وتُضعف أمن بعضها بعضًا. وفي حالة السودان، نجد أنّ دولا عربيّة أسهمت في دعم حركات التمرّد في الجنوب، خاصّةً ليبيا أثناء حكم القذافي، إذ دعمت التمرّد في الجنوب وفي دارفور55. كما دعمت دولة خليجيّة مؤتمر القضايا المصيريّة في أس مرا 1. وي 995 ورد وليد عبد الحي أنَّ البيانات الكميّة المتوفرة تدلّ على أنَّ الدول العربيّة تعرّضت للتهديد الأمنيّ من جانب بعضها بعضً  ا، في الفترة ما بين عام 947 1 وعام 0102، ما مجموعه 73 مرّةً، أي بمعدّل مرّة كل 07 1 سنوات وهو معدّل يؤكِّد على حالة عدم الاس تقرار في العلاقات العربيّة البينيّة56. واستنادًا إلى هذا التاريخ من العدائيّ ات المتبادلة، فإنَّ المرحلة التي نمرّ بها الآن، تطرح تحدّياتٍ جديدةً غير مسبوقة. فلو سار التيّار الإسلاميّ في وجهة إشعال الثورات في الدول التي لم تشهد ثوراتٍ حتّى الآن، وانصرف عن بناء الدولة الوطنيّة، معطيًا الأولويّة لتحقيق حالة ثوريّة إس ال ميّة عامّة في الدول العربيّة مثلما كان ينوي حسن الترابي، فإنَّ الباب سوف ينفتح على استقطابٍ جديد وصراعٍ جديد، غالبًا ما يؤدّي إلى إهدارٍ ضخمٍ للطاقات وللموارد وللوقت. وهو صراعٌ لن يق ف فيه الغرب مكتوف الأيدي، وإمنّ ا سيسعى للتأثير في مجرياته، بما يخدم أهدافه الإس رت اتيجيّة في المنطقة. ك ام لن تقف فيه القوى الأخرى التي أصبحت تقاوم سلطة القطبيّة الواحدة، كروسيا والصين، مكتوفة الأيدي. يضاف إلى ذلك القوى الإقليمية المؤثّرة مثل إيران وتركيا. ولذلك فرمبّ ا يدخل الوطن العربيّ في دوّامةٍ جديدةٍ من إهدار الطاقات والموارد والوقت مماثلة، من وجوه كثيرةٍ، لتلك التي جرت في العقود الثلاثة الأخيرة من حقبة الحرب الباردة. يجمع بين العرب وإيران مشتركٌ كبيرٌ؛ فكلاهما ضحيّة الهيمنة الغربيّة، ومحاولات فرض أجندتها، ووضع مصالحها فوق كلّ مصلحةٍ إقليمية. ك ام أنَّ الع رب وإيران شر يكان في رسم الخريطة الجيوس رتاتيجية للمنطقة، ولا يمكن تحقي ق أمنٍ إقليميٍّ دون الأخذ في الاعتبار هذه الشراكة. يرى عزمي بشارة، أنَّ "التشويه الأساسيّ لأيّ حالة من حالات العلاقة، أكانت تنافسًا أم تعاونًا أم صراعًا، هو غي اب طرفٍ عربيٍّ موحّد أو متّحد في وضع إس رت اتيجيّ في التنافس أو الصراع أو التعاون مع إي ران"817. وفي تقديري أنَّ ه بمقدار ما تحىلّ الإس ال ميّون الذين صعدوا إلى سدّة الحكم نتيجةً للثورات العربيّ ة، بالحكمة والرَّوِيّة وبعد النظر والانعتاق من قبضة الأيديولوجيا، ونزعة التثوير العابرة للأقطار، أمكن أن توضع العلاقات الإيرانيّة العربيّة في إطارها الإيجابي الصحيح والمنتج. أمّا الحالة السودانيّة موضوع هذه الورقة، فإنّها في حاجة إلى معالجةٍ عربيّةٍ حكيمةٍ. إذ إنّ الحكومات التي لا تحظى بشعبيّة حقيقيّة، والتي غالبًا ما تفشل في مواجهات تحديّات التنمية، وتفشل في تحقيق الاستقرار وفي الاستجابة إلى تطلّعات مواطنيها، تضطرّ إلى اتّباع النهج البراغماتي الذي يتعامى عن الثوابت. وتختلط الأوراق في هذا النهج البراغماتي اختلاطًا ذريعًا، فيقضي الإستراتيجي الطويل الأمد نحبه، على مذب ح التكتيكي المؤقّت الذي لا يرى، بحكم حاجته الضاغطة، س وى المخارج المؤقّتة.