مراجعة كتاب تاريخ سورية المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011

حمزة المصطفى

المؤلّف: كمال ديب. الطبعة: الأولى، بيروت،.2011 الناشر: دار النهار. عدد الصفحات: 083 صفحة من القطع المتوسط.

يعدّ كتاب تاريخ س ورية المعاصر للكاتب كمال ديب الكتاب الوحيد في المكتبة العربيّة، حت ى الآن، الذي يؤرِّخ في عملٍ بحثيٍّ واحدٍ حقبًا تاريخيّةً متع دِّدةً من تاريخ س ورية، تمتدُّ من الحكم الفيصلي إلى ع ام 011 2. هذه الميزة النسبيّة تجعل من الكتاب واحدًا من أهمّ المراجع العربيّ ة المتخصِّصة في تأريخ التّاريخ السوري، أو ما يدعى بالإيس توريوغرافيا. فالكتاب يغطِّي ثغرةً طالما وُجدت في المكتبة العربية، والأجنبية، إذ لا يوجد مرجعٌ حديثٌ وشاملٌ عن بلدٍ مثل سورية يحظى بأهميّة جيوسياسيّة كبيرة، تجعله واحدًا من المحاور الأساسيّة التي تتفاعل فيها القوى الدوليّة والإقليميّة.

محتويات الكتاب

يض مّ كتاب تاريخ س ورية المعاصر 2 فص 7 لًا، يضعها الكاتب ضمن خمسة أجزاء رئيسة. يتناول الكاتب في الجزء الأول، ما يسمّيه ولادة "الدّول ة الوطنية"1 بعد جلاء القوات الفرنسيّة عن سورية في عام 946 1، القائم ة على الحدود الجغرافيّة السياسيّة التي حدَّدتها اتفاقيّة سايكس بيكو. ويقدم الكتاب عرضًا تاريخيًّا ع ن مرحلة الانتداب الفرنسي ونهج التجزئة الاستعماريّة في تقسيم سورية على أساسٍ طائف يٍّ، ويُلحق ذلك بموج زٍ توصيفيٍّ عن تاري خ الطّوائف الدينيّة في سورية (السنة، العلويون، الدروز.).. كما يعرض سمات الاقتصاد السوري ومراك ز الثِّقل الاقتصادي في هذه الفترة، قبيل الانتقال إلى الحديث عن أهمّ الأحزاب السياسيّة التي كانت موجودة عند الاستقلال (حزب الشعب، الحزب الوطني، الشيوعي، القومي السوري، عصبة العمل القومي، الاشتراكي العربي.).. ويقدِّم الكتاب عرضًا موجزًا عن نشأتها، وتبلورها، وعن الش خصيّات السياسيّة المؤسِّسة لها. كما يخصِّ ص الكاتب في هذا الجزء مبحثًا يركِّز على ولادة الجيش الوطني والظروف الداخليّة والحزبيّة التي رافقت تأسيسه، ويختتم هذا الجزء بعرض الأخطار الخارجيّة، العربيّة والإقليميّ ة، التي واجهت الدّولة الجديدة، وأبرزها نكبة فلسطين في عام 948 1.

يعالج الكاتب في الجزء الثّاني من الكتاب الِّصرِّاع الإقليمي - الدولي على سورية، وما رافق ذلك من انقلاباتٍ عسكريّةٍ وفوضى في الحياة السياسيّة؛ (انقلاب حسني الزعيم، انقلاب سامي الحناوي، انقلاب أديب الشيشكلي.) ويستعرض الكاتب في هذا الجزء محاولات جيران سورية ابتلاعها وجرّها إلى صراعاتٍ وأحلافٍ إقليميّةٍ بالتنسيق مع قوى داخليّة حزبيّة وسياسيّة مثل مشروع سورية الكبرى الأردني، ومشروع اله الل الخصيب العراقي، ومشروع الهلال الخصيب العراقي - التركي، ثمّ نهوض المشروع القومي العربي الذي بلور أوّل وحدة عربيّة في عام 958 1، لكنّه جعل سورية مجرّد إقليمٍ في الجمهوريّة العربيّة المتحدة. أمّا الأجزاء الثلاثة الأخرى، فهي تحقيب للمراح ل ونهاياتها، الأولى عنونه ا الكاتب ب " ثورة البع ث" التي امتدَّت من عام 963 1 إلى عام 970 1، لتبدأ المرحلة الثانية من دولة البعث في ف رت ة حكم الرّئيس السابق حافظ الأس د منذ عام 9701 حتى وفاته في عام 0002، وهي مرحلة صعود سورية كقوّةٍ فاعلةٍ في الإقليم تشهد استقرارًا في نظام الحكم مقارنةً بمراحل تاريخيّة سابقة. أمّا الجزء الخامس والأخير فيغطّي فترة حكم الرّئيس بشار الأسد منذ تسلّمه السلطة بعد وفاة والده في عام 0002 إلى انطلاق الثّورة السوريّة في عام 011 2. ويستعرض الكاتب في هذا الجزء جميع الملفّات السياس يّة الداخليّة والاقتصاديّة

  1. يستخدم الكاتب مصطلح "الدّولة الوطنيّة" بمعناه " القطري" تمييزًا عن سورية الطبيعية في الإطار الجغرافي، وعن الحكم الملكي في العهد الفيصلي.1920-1916

والملفّات الإقليميّة ودور س ورية في أحداث لبنان، والعراق، والقضيّة الفلسطينيّة، إضافةً إلى تحالفاتها وأنساق سياساتها الخارجيّة.

الت اريخ الجديد: ات جاهات معرفيّة تتجاوز الممارسة الت اريخيّة الكلاسيكيّة

يُنظر إلى "التّاريخ الجديد" على أنه يمثِّل اتجاهاتٍ وليس مدرسةً، وهذه الاتجاهات تتطلّب انفتاحًا على مجالات العلوم الاجتماعيّة والإنسانية كافة: على الجغرافيا، والاقتصاد، والديموغرافيا، والسوسيولوجيا، وعلم النفس. والسؤال الذي يُطرح في ضوء ذلك هو: إلى أيّ حدٍ اس تخدم الباحث الاتجاهات الجديدة في بحثه؟ لقد استخدم الكاتب في بحثه هذه الاتجاهات إلى ح دٍّ كبيرٍ، فقد اعتمد على شبكةٍ منهجيّةٍ تتكامل فيها العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة. لذلك نجد أنّ تركيزه ينص بُّ في تأريخ الحقب التّاريخيّة، على تحليلٍ بنيويٍّ لأنظمة الحكم المتعدِّدة في سورية (مراكز القوى)، وتموضعها في إطار الجغرافية السياس يّة العربيّة والإقليميّة المحيطة بها، وطبيعة الاقتصاد السوري في هذه الحقب، ومؤشرِّاته الكليّة والجزئيّة. يُضاف إلى ذلك، دراسة الخصائص الكاريزماتيّة للقادة والشخصيّات السياسية، إلى جان ب المؤشرِّات والأرقام المتعلِّقة بالبعد الديموغرافي، والخصائص الإثنيّة، والعرقيّة، للشرائح السكانيّة في سورية وتفاعلاتها مجتمعيًّا. وبناءً عليه، فإننا نلاحظ أنّ بناء "الإستوريوغرافيا" الذي اعتمده منهج الكاتب لم يرتكز على الممارسة التّاريخيّة، بمعناها الكلاس يكي، بل شمل مختلف الظواهر الإجرائية. من هنا يُعدّ العرض التّاريخي الذي قدَّمه الكاتب "عرضًا كليًّا" من الناحية المنهجيّة، خاصّةً عندما حاول الكاتب، بقدرٍ كب ري، الابتعاد عن نهج "شخصنة النظام"، أو تغليب "التّحليل المذهبي" للتاريخ، ولاسيمّا في مرحلة حكم الرّئيس السّابق حافظ الأسد. ارتكز الكاتب على المنحى البحثي الذي قدَّمه الكاتب الألماني فولكر بيرتس، الذي وضع نقدًا ش امالً للمنطق الأقلّويّ في الأبحاث الغربيّة التي تناولت سورية. ومن هنا، كان تركيزه على الجانب الاقتصادي، والسوسيولوجي، مبتعدًا عن التهافت على اعتماد المذهبيّة وحدها كأداةٍ للتحليل الأولّي في فه م تاريخ هذا البلد (ص. 62) وعلي ه، فقد نجح الكاتب إلى حدٍّ كبيرٍ في التغلّب على مشاكلَ جمّة حكمت نمطًا من تعاطي البعض مع التّاريخ، وكأنّه سيرة شخصيّة للملوك والرؤ س اء والزعماء. فقد أفرد الكاتب مساحةً واسعةً لمعالجة البنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة وتحليل الخلفيّات المؤسَّس اتيّة من أحزابٍ، وهيئاتٍ سياسية، وجماعاتٍ منظَّمة. ميَّز هذا الكاتب أيضًا نجاحُه في تجاوز "المفارقة التّاريخية" في عمله، التي تعدّ، بحسب "لوسيان فيفر"، الخطيئة الكبرى في الكتابة التّاريخية التي تتجىلّ في إسقاط مشاعر ومفاهيم مرحلةٍ معيّنةٍ، على مرحلةٍ أخرى لم تعرفها، وغالبًا ما تقع الكتابات التّاريخيّة الس ورية في هذا الفخّ، نتيجةً لخلطها ما بين الأيديولوجي، والتوظيفي، واستخدامها التّاريخ أداتيًّا لتبرير أفكار وخطط في مرحلتها. إذن، يمكن القول إنَّ الكتاب عرض بشكلٍ مكثّفٍ التّاريخ السوري العامّ خلال الفترة الممت دّة من عام إلى ع 920 ام 011 1 2، وقد تميّز بحصافة تحقيبه للمراحل الأساسيّة في هذا التّاريخ. ويتابع الكاتب هنا الإطار العام لعمليّة التّحقيب في بعض كتب التّاريخ السوري العامّة في المكتبة التّاريخيّة السورية. لكنّه، يضيف المرحلة الممتدّة ما بين عام 0002 وعام 011 2، وتلك من أبرز الإضافات الجديدة التي يقدِّمها العمل، لكن من دون أن يب بصورةٍ كافية نهاية هذه المرحلة (نهاية النم وذج) واصطدامه بالتناقضات القائمة حاليًّا. فلقد كان من المتوقّع في ضوء اختصاص الباحث ومهاراته المهنيّة المتعدِّدة، ولا سيمّا في مجال الاقتصاد الس ياسي، أن يقدِّم تبريرًا للوقفة النهائيّة باعتبارها حقبةً مكتملة الخصائص والصيرورات والنتائج. وبحسب رأينا فإنَّ السبب الذي أعاق إظهار خصائص هذه المرحلة بشكلها الواضح هو ميل الكاتب لتناولها موضوعيًّا في إطار "معياري إيجابي"، لكنّه بعيدٌ عن الأيديولوجيا. فمدخل الابتعاد، عن الشخصنة في تحليل الشؤون السوريّة، يجب أن لا يبعدنا عن دراسة "الشخصية." وهذا ما أوقع الكاتب في هفواتٍ حادت به عن دراسة تأثير الخصائص السياسيّة والكاريزماتيّة للقيادة، ومدى انعكاساتها ع ىل صيرورات الحدث التّاريخي. ولق د تجىلّ ذلك بصورة طفيفة في مرحلة السبعينيات، وبصورةٍ أكبر في مرحلة الرّئيس بشار الأسد، إذ نظر الكات ب ضمنيًّا لعهدٍ إصلاحيٍّ كبيرٍ، من دون الأخذ في الاعتبار المستجدّات الطارئة كالاحتجاجات في مناطق عدّة من سورية غالبيتها تأثّرت سلبًا بالسياسات الاقتصاديّة الاجتماعيّة المتّبعة في العشريّة الأخيرة2.

  1. جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية: جدليّة الجمود والإصلاح (الدّوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات،.)2012

ويبدو أنّ التركيز على هذا البعد ليس له علاق ةٍ بتموضعٍ أو توجّه سياسيّ، وإنما كان جزءًا م ن إطارٍ منهجيٍّ، كان من الممكن تداركه بمحاولة الابتعاد عن تأريخ الدّولة باتجاه تأريخ السلطة (تفاعل القوّة.) وهذا الجانب السلطوي (القوّة) أحد أهمّ مداخل تأريخ التّاريخ الجديد الذي يتبعه الكاتب منهجيًّا، إذ يرى الدكتور وجيه كوثراني في كتاب ه تأريخ التّاريخ أنّ "التجديد الذي أعاد إلى التّاريخ السياسي موقعًا ب ني اهتمامات التّاريخ الجديد يتمثّل في التّأريخ للسلطة وليس للدولة، ذلك أنّ التّأريخ للسلطة، بما هي علاقات قوّة المجتمع، هو تأريخٌ لطبقاتٍ، وفئاتٍ، وأيديولوجياتٍ، وأفكارٍ، وأساليب تحكّمٍ، وسيطرةٍ، وإخضاعٍ، واستتباعٍ. وفي المقابل هو أيضًا تاريخٌ لأشكالٍ من الخضوع والتبعيّة والاستلاب، أو لأشكال من الرّفض والممانع ة والمقاومة"3. ووفقًا لهذا المنظور يصبح التّاريخ السياسي بحسب وجيه كوثراني تاريخًا علائقيًّا للس لطة5 في المجتمع، وليس تاريخ مؤسّساتٍ وسياساتٍ عليا للحكومات وللأحزاب فحسب. ص در كتاب تاريخ س ورية المعاصر في نهاية شهر تشرين الأول / أكتوب ر من عام 011 2. وبحسب رأينا فإنَّ المدّة الزمنيّة بين تاريخ صدور الكتاب، وتمظهر الثّورة السوريّة كانت كفيلةً بجعل الكاتب يراجع مقاربته الاقتصاديّة والسوسيولوجيّة بطريقة عميقة. صحيح أنَّ العرفَ المنهجيَّ في هذا الحقل المعرفي يرى أنّ المرحلة التّاريخيّة يجري تأريخها بوضوح نهايتها، وهذه نقطة منهجيّ ة تبرِّر للكاتب عدم الرغبة في الخوض تفصيليًّا في المدّة الزمنيّة التي أعقبت انطلاق الثّورة الس ورية. غير أنّ ذلك لا يبرِّر له تجاهلها، على اعتبار أنَّ هذه الفترة لا تكتس ب أهميَّتها من تفاصيل الحدث، وإمنّ ا من كونها أنهت على الأقلّ معالم المرحلة الممتدّة بين عامي 011-2000 2. وعلى سبيل المثال، فقد أماطت الرقعة الجغرافية، التي انتشرت فيها الاحتجاجات الشعبيّة السلمية، اللثام عن التصوّر النّمط ي الخاطئ عن نجاعة السياسات الاقتصادية الاجتماعيّة التي جرى اتّباعها. وعليه، فإنّ ضرورة تناولها من واقع التحليل الاقتصادي أمرٌ من ش أنه أن يدقِّق التعميمات المستنتجة. كما أنه سيس اعد على إنضاج الخاتمة الملائم ة التي غابت عن الكتاب، والتي تجسِّد تجذّر الاحتجاجات الشعبيّة المطالبة بالتغيير، تلك التي اقترب الكات ب في توصيفها من الخطاب الرسمي السوري. ولو حصل ذلك لكنّا أمام مرجعٍ غنيٍّ وعميقٍ، خاصّةً وأنَّ المكتبة الاقتصاديّة السوريّة توفِّر مراجعَ علمية، وبياناتٍ إحصائيّة وداالّ ت اقتصاديّة تمكِّنه من ذلك.

الثغرة الكبيرة في المراجع الوسيطة

يعتمد الباحث في معظم مراجع الكتاب على الكتب والدراس ات الغربيّة ولا سيمّا المؤلَّفة باللغة الإنكليزيّة، أو بعض الأعمال العربيّة المترجمة باللغة الإنكليزيّة. وفي هذا الإطار يمكن اعتبار الكتاب نوعًا من معالجةٍ تركيبيّةٍ لما جاء في ذلك الإنتاج باللغة الإنكليزيّة، أو المترجم إليها. ونطرح هنا تس اؤ لين رئيس ني، أوّلهما: ما درجة اعتماد الكاتب على الرتّ اكم في حقل الكتابة التّاريخيّة الس ورية؟ والثاني: ما الجديد الذي يقدِّمه الكتاب على مستوى المراجع أو بناء الوثائ ق والمعطيات الجديدة أو على المستوى الرتّ اكمي والنّوعي للإستوريوغرافيا الجديدة؟ تتمثَّل ثغرة الكتاب في أنه اعتمد، كما ذكرنا سابقًا، على الإنتاج باللغة الإنكليزيّة أو ما تُرجم إليها، وهو إنتاج محدودٌ، وانطوى الاقتباس من بعضه ا على أخطاء لغويّة وعلمية. وتتجىلّ ثغرة الكتاب أيضًا في أنَّ الكاتب لم يبحث في مصادر ومراجع (ملقاة على الرصيف) في سورية من نوع الكمّ الكبير من الوثائق الأصليّة المتاحة في مركز الوثائق التّاريخيّة بدمشق، وأعداد الجريدة الرسمية، هذا إن لم نذكر المراجع المساعدة، والتي تحتاج -كما الوثائق- إلى النّقدين الداخلي والخارجي. والواقع أنَّ العودة إلى هذه المصادر والمراجع المتاحة، بما في ذلك كتب المذكّرات التي يتطلَّب استخدامها في حقل الكتاب ة التّاريخيّة بناءَ إطارٍ نظريٍّ مضبوطٍ للمذكّرات كمصدرٍ مساعدٍ فيها، يعطي مجمل الوقائ ع والصيرورات التّاريخيّة طابعًا حيويًّا هو من أكر ما يحفل به الم ؤرِّخ. ويصل عدد كتب المذكّرات المنتجة وفق المسح الذي قام به

  1. وجي ه كوثراني. تأريخ التّاري 3 خ: اتجاهات  - مدارس - مناه ج (الدّوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، 012)2، ص.398 4 طبعًا السلطة هنا بمعنى القوّة.
  2. وردت العديد من الأخطاء اللّغوية في الكتاب، والت ي لا ينظر إليها باعتبارها ثغراتٍ في البح ث، وقد تكون ناجمة عن أخطاء طباعية، أو مصدرها خاطئ، خاصةً وأنَّ أغلبها يعود إلى مراجع أجنبية مثل: العلويون المطاورة، اللفظ الصحيح المتاورة (ص. 45). الكلية العسكرية في حماه، والصحيح هو الكلية العسكرية في حمص (ص. 00)1 ينتمي عصام العطار إلى المدرسة الس لفيّة الوهابيّة، والصحيح هو أنَّ عصام العطار لا ينتمي إلى المدرسة السلفيّة، فهو من أبرز قادة الإخوان المسلمين وأكر هم إيمانًا بمدنيّة الدّولة وبالنّهج السّلمي في الوصول إلى السلطة (ص. 564)

الباح ث جمال باروت إلى أكر م ن 013 كتابًا حتّى الآن. وفي المجمل لا صحّة لشكوى بعض الباحثين من ندرة الوثائق في سورية، بل على العكس من ذلك فإنّ الباحثين والمؤرّخين لم يستخدموا حتّى ما هو متاح وسهل الوصول إليه في بحوثهم، فضالً عن الإمكانيّة المفتوحة في بناء معطيات وسلاسل جديدة في ضوء مفهوم بعض اتّجاهات التّاريخ الجديد لما يسمّى بالتّاريخ "السلاس يل." ويس مح التّاريخ السلاسلي ببناء المؤشرِّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والعمرانيّة التي يكون من الصعب فهم العمليّات التّاريخية من دونها.

لذلك بدا العمل، من الناحية الأكاديميّة، مفتقرًا إلى "مصدرية" الوثيقة التي هي أقوى من المرجع المكتبي على أهميت ه. ولا يمكن تبرير الاعتماد منهجيًّا على اتجاهات التّاريخ الجديد للاستغناء عنها. فعلى الرغم من الضربة "القاضية" التي وجّهتها مدرسة "الحوليّات" لمفهوم "الوثيقة" التقليدية، كما رسّختها المدرسة "المنهجية" الفرنسية، فإنَّ هذا لم ينفِ قطّ أهميّة الوثيقة التقليديّة وأساسيتها في بناء التّاريخ. وكان نقد "الحوليات" متعلّقًا بعبادة الوثيقة واعتبارها مصدرًا وحيدًا لبن اء التّاريخ، بينما رأت إمكانيّة بناء الوثائق غير التقليديّة من خلال معطياتٍ لامتناهية، وهذا هو التّاريخ الاجتماعي مكان النصوص. لقد افتقدنا في كتاب كمال ديب مصدريّة الوثيقة بالمعنيين الحولياتي والمنهجي لصالح الاعتماد على دراسات وكتب وسيطة تناولت ذلك أو استندت إليه أو علّقت عليه. وفي مفهوم التراكم العلمي ليس ع ىل الم ؤرّخ أن يعيد اخ رت اع العجلة، لكن في حال الاعتماد على مراجع وسيطة تشتدّ الحاجة إلى نقديته. كما يعدّ إهمال الكتاب للجريدة الرسميّة نقصًا فادحًا في فهم التّاريخ السوري، وهدرًا لوثائق متاحة ومتوفِّرة. ونتساءل هنا عن أيّ إمكانيّة علميّة لبناء التّاريخ من دون العودة إلى وثائق الجريدة الرس ميّة التي تمثِّل بالنس بة إلى المؤرِّخ المحترف منجامً هائالً، ليس لحياة بيروقراطيّة الدّولة فحسب، بل ولتاريخ المجتمع. ففي الجريدة الرس ميّة قرارات ومحاضر لجان تحقيق، وأحكام القضاء، وقرارات الوزارات، وقرارات المجالس النيابية، وهذا كنز ثمين. إذ إن عدم الاعتماد مثالً على مداولات المجالس النيابيّة المنشورة في الجريدة الرسمية، والتي تضمّ مداولاتٍ أساسيّةً تستخدم معلوماتٍ مسجّلةً وموثقةً، حرم العمل من الكش ف عن اتجاهات ومواقف الأحداث الأساسيّة التي يكثِّفها الباحث بعين المؤرِّخ. والواقع أنَّ البرلمانييّن الس ورييّن كانوا منحدرين من خلفيّاتٍ متعدِّدةٍ تعكس بنية المجتمع، وبالتالي تكشف مداولاتهم المغلقة جانبًا كبيرًا من صورة الأحداث الأساسيّة التي يهتمّ بها الم ؤرِّخ. ومادامت معظم التواريخ قد أهملت الجريدة الرس ميّة كمصدرٍ وثائقيٍّ أساسيٍّ في مهنة مؤرِّخ التّاريخ السوري، فستبقى هذه الكتابات كافّةً محاطة بالقصور، في منظور المؤرِّخ المحترف، لأنَّها تمثِّل حالة التفاعل "الساكن" بين الدّولة والمجتمع. ومهمّة المؤرِّخ هي نقل التّاريخ "الساكن" إلى تاريخٍ متحرِّكٍ بفهم س ياقات ما نشُر في تلك الجريدة، ووظائفه، والقوى الاجتماعيّة التي تقف خلفه، ومس توى الرصيد الاجتماعي المعلوماتي الذي تعربّ عنه. يُضاف إلى ذلك، مشكلة الاعتماد على ملخّص الملخّصات في التّاريخ الاقتص ادي - الاجتماعي مع توفر المصادر الأصليّة والمرجعيّة بشكلٍ وافٍ. فالتّقارير الصحفيّة والسياسيّة والتعليقات والملخّصات تنطوي كلّها على هامش الانح راف في منظور المؤرِّخ المحترف، في ضوء توافر الوثيقة، لا تصلح للاستخدام، ما لم يجر التأكّد من صدقيّة مستنداتها. وعند التأكّد من هذه المستندات يجري اعتماد تلك الملخّصات. وفي الخلاصة، نقول إنّ كمال ديب قدَّم جهدًا بحثيًّا متقدِّمًا يجعل من الكتاب قبلةً للمهتميّن بحثيًّا وسياس يًّا بتاريخ سورية، ولا شكّ في أنه سيكون له موقعٌ مرجعيٌّ في المكتبة العربية.