مراجعة كتاب أستراليا والعرب
المؤلّف: علي القزق. الطبعة: الأولى شباط / فبراير 2.012 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة. عدد الصفحات: 336 صفحة من القطع المتوسط.
يرصد كتاب أ س رتاليا والعرب لمؤلِّفه علي القزق السّياس ة الخارجيّة الأس رتاليّة في جانبها المتعلق بالعالم العربيّ، خصوصًا ما له صلة بقيام دولة إسرائيل على الأرض الفلس طينيّة. ويكشف المؤلِّف عن حقائق تبدو غائبةً عن ذهن الق ارئ والباحث العربي في ما يتعلّق بالدّور الأساسي والمركزي الذي لعبته أستراليا في الشرق الأوسط طيلة مراحله التاريخيّة المصيريّة كلّها منذ أوائل قيام أس رت اليا الحديثة. إذ كان لها دورٌ فاعلٌ في جميع الحروب الاستعمارية التي شنّت على العالمين العربي والإس ال مي، ودورٌ أساسيٌ في إنشاء دولة إسرائيل في قلب العالم العربي، والانحياز لها، علاوةً على العلاقات التجاريّة الواسعة معها. أسّ س مؤلِّف الكتاب الدكتور علي القزق بعثة فلسطين لدى أستراليا وشغل في الفترة الممتدة م ن 9801 إلى 006 2 منصب مفوّض عامّ دولة فلسطين لدى أستراليا ونيوزلندا، ولذلك يحظى الكتاب بأهميّة نابعة من الخبرة التي اكتسبها المؤلِّف طوال سنوات حياته في أستراليا ودرايته الواسعة بالتعامل مع الواقع الأس رتالي والذهنيّة التي يفكِّر بها الأس رتاليون، فضالً عن سياس تهم الخارجيّة. فالمؤلِّف اعتمد على معلوماته وخبرته الذاتية، وذلك خلال نشاطه السّ ياسي لأكر من أربعين عامًا هناك. يع رت ف القزق أن ما دعاه إلى تأليف هذا الكتاب، هو فقر المكتبة العربيّة في ما يتعلق بتاريخ تورّط أس رت اليا في العالم العربي وعلاقاتها بالعرب وإسرائيل وضرورة إطلاع الرّأي العام العربي على سياسة الحكومات الأستراليّة المتعاقبة وتصريحات مسؤوليها ومواقفها ودورها الدّولي تجاه دول الشرق الأوسط. إضافة إلى أنَّ الكثير من الباحثين لا يلقون باالً لسياسة أس رت اليا معتقدين أنها قارةٌ نائيةٌ وبعيدةٌ ولا تشكِّل ثقالً في السّياسات الدّوليّة. أما الحافز الأهم في رأي المؤلِّف لهذا الكتاب فهو شر وع الحكومات الأس رتاليّة في الآونة الأخيرة وأكاديمييّن أستراليين موالين لها في محاولاتٍ متعمّدة لطمس تاريخ تورّط أستراليا السّ لبي في العالم العربي، وتزييف الحقائق بش أن مواقفها المعادية، ومحاولة إعطاء انطباع موجّه للعرب بأنَّها دولةٌ صديقةٌ لهم، وبأنَّ سياساتها الشرق أوسطيّة هي سياسة متوازنة وغير منحازة. يتألّف الكتاب من أربعة فصول، يتحدَّث الفصل الأوّل منها عن تاريخ اكتشاف أس رت اليا وعن مواردها البشريّة والعلميّة، وعن سياس تها الخارجيّة وعلاقاتها الاقتصاديّة الدّوليّة. ثمّ يسهب الكتاب في الفصل الثّاني في عرضٍ للعلاقات الأس رتاليّة العربيّة والأس -رتاليّة - الإسرائيليّة، وانحياز اس رت اليا الدّائم لإسرائيل وتعاونها الأمنيّ معها، مع حفاظها على علاقاتٍ تجاريّةٍ بالعالم العربيّ. يُف رِد المؤلِّف الفصل الثّالث للحديث عن الجالية اليهوديّة واللّوبي الإسرائيليّ في أستراليا ودور رجال الأعمال اليهود في هذه البلاد، والفصل الأخير للحديث عن الجاليات العربيّة والإسلاميّة، وعن العنصريّة ضدّ العرب، ويسهب في الحديث عن النّشاط الدبلوماسيّ الفلسطينيّ في هذه القارّة وعن بداية الهجرة الفلسطينيّة إليها. يعطي المؤلِّ ف في الفصل الأوّل القارئ لمحةً عامّةً عن أس رت اليا التي يعني اس مها "الأرض الجنوبيّة المجهولة"، وأُطلِق عليها اسم "أستراليا" في أوائل القرن الثامن ميلادي، وهي تتكوَّن من أرض القارة الرئيسة إلى جانب "تازمانيا" وعددٍ من الجزر الصغ رية في المحيط الهادئ والمحيط الهندي. كما لا تزال تتبع التاج البريطاني، وتتكوّن من ستّ ولاي اتٍ وثلاث مقاطع اتٍ، وتُعدُّ أصغر قارةٍ في العالم، وهي الدّولة الوحيدة التي تسيطر على قارةٍ بأكملها، وسادس أكبر بلاد في العالم من حيث المساحة. ويتألّف المجتمع الأس رتالي متعدِّد الثّقافات من الس كان الأصليين والمهاجرين من نحو 00 2 دولة من مختلف بقاع العالم، فهناك واحدٌ من كل أربعة أس رت اليين ولد خارج البلد، واللغة الرسميّة هي الإنجليزيّة. ويرجع نجاح أس رت اليا الاقتصادي في القرن الم اضي إلى الزِّراعة، تليها الرثّ وة المعدنيّة والوقود، وعلى الرّغم من الأهميّة الدّائمة لهذه الر وات فإنَّ أستراليا أصبحت أيضًا وبصورة متزايدة قاعدةً للاقتصاد العلمي.
علاقات أستراليا الدّوليّة والشرق أوسطيّة
يش خّص المؤلِّف طموح أس رت اليا في العالم، ويرى أنَّ ه يتمحور حول رغبته ا في أن تكون شر يكًا في الشؤون الدّوليّة، وذلك نظرًا إلى كونها واحدة من خمس ني دولة من الدّول المؤسّسة لهيئة الأمم المتّحدة في ع ام 945 1، كما لتاريخ أس رت اليا وجغرافيتها وثقافتها أهميّة في بلورة مكانتها في العالم. ويستند تحالف أستراليا مع الولايات المتّحدة وإنجلترا إلى تاريخٍ من التّعاون العسكري والروابط الاقتصاديّة الواسعة وغيرها من المصالح المشتركة. كما يُعدُّ ارتباط أس رت اليا الوثيق بآسيا من الأمور الحتميّة نظرًا إلى مصالحها الإس رتاتيجيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة الجوهريّة في المنطقة، وهذا لا يقلّ عن أهميّة اهتمامها القوي بالاستقرار في منطقة جنوب المحيط الهادئ، لكونها أكبر مقدِّم للمعونات الاقتصاديّة لدول المنطقة. وفي وقت تحافظ فيه أس رتاليا على علاقاتها التقليديّة والإقليميّة فإنّها تعطي أهميّة كبرى لروابطها الاقتصاديّة المتنامية مع دول الشرق الأوسط وأميركا الجنوبيّة ومع بعض الدول الأفريقيّة. ويسلِّط المؤلِّف هنا الضّ وء على منطقة الرشّق الأوسط وأهميّتها الكبيرة بالنسبة إلى أس رتاليا باعتبارها سوقًا تجاريةً للمنتوجات والمصنوعات الأس رتاليّة الغذائيّة والصناعيّة الرئيسة، ومجالَ عمل شر كات المعادن والنّفط والغاز الأس رت اليّة، إضافةً إلى ما يش كِّله الرشّق الأوسط من أهميّة جيوس رت اتيجية مهمّة كصلة وصلٍ لأس رت اليا بأوروبا. كما تنبع
ق الأوس أهميّة الرشّط بالنسبة إلى أستراليا من كونه يُعدُّ موردًا مهام للطاقة النفطيّة، ونسبةٌ كبيرةٌ من الأستراليين من ذوي الأصول العربيّة والإس الميّة ينحدرون منه، إلى جانب العمالة الأستراليّة التي تعيش في بعض الدّول العربيّة. ويُف رِد المؤلِّف فصالً كامالً وهو الفصل الثّاني عن العلاقات الأس رت اليّة العربيّة، مقسِّمًا مسيرة سياسة أس رت اليا مع العالم العربي إلى عددٍ من المراحل، ابتداءً من الفترة التي كانت فيها مس تعمرةً بريطانيةً، مرورًا بحصولها على الحكم الذاتي وتشكيل الفيدراليّة الأستراليّة في أوائل عام 901 1، ومن ثمّ مرحلة ما بعد الحرب الباردة التي بلورت فيها سياسةً شبه مستقلة ومتحالفة بش دّة مع الولايات المتّحدة وبريطانيا. ومنذ ذلك الوقت، بنت أستراليا سياساتها بشكلٍ يتوافق ويتماهى مع حلف الدول الأنكلوسكسونية بقيادة الولايات المتّحدة وبريطانيا، وبقيت هذه العلاقة متأثرةً بسياسات أميركا وبريطانيا من جهة وباللّوبي الإسرائيلي من جهةٍ أخرى.
العلاقات الأستراليّة - العربيّة
في الفصل ني الثّاني والثّالث، يُس هب المؤلِّف في الحدي ث عامّ لا يعرفه الكثيرون، وهو الدّور الذي قامت به أس رت اليا في خلق الكيان الاستعماري في فلسطين منذ أربعينيات القرن الماضي، إذ تحرَّكت بقوّة ونشاطٍ في هيئة الأمم المتّحدة لضمان تصويت الجمعيّة العامّة بالموافقة على قرار تقسيم فلسطين، وأيَّدت قرار التّقسيم ضدّ مطالب الشَّعب الفلسطينيّ وأمانيه وطموحاته. وكانت أس رت اليا أوّل بلدٍ يصوِّت ب"نعم" على قرار تقسيم فلسطين رقم 181، وأدَّت دورًا فعاالً من أجل قبول عضويّة إسرائيل في هيئة الأمم المتّح دة التي ترأَّس جمعيّتها العامّة وقتها وزير خارجيّة أس رت اليا. ك ام كانت أوّل دولةٍ في العالم تعترف بإسرائيل بش كلٍ "كاملٍ وشر ع ي " de-jure()، وذلك بعد ساعاتٍ من قيامها في ح ني لم تكن حتّى الولايات المتّحدة قد اعترفت بها س وى اعترافًا "واقعيًّا de-facto(".) كما تجدر الإشارة إلى أن إسرائي ل كانت أوّل دولة في الرشّق الأوسط تقيم معها أس رت اليا علاقاتٍ دبلوماسيّةٍ. يُشار إلى أنَّ أوَّل سفارة أسترالية في العالم العربي افتتحت في القاهرة في ع ام 9501 ثمّ في بيروت في عام 9671، ولاحقًا - بعد حرب عام 973 1 واستعمال العرب لس الح النّفط - وجدت أس رت اليا أنَّ من مصلحتها تعزيز وجودها في العالم العربي فافتتحت سفارةً لها في الرياض في عام 975 1. وآخر سفارة افتتحتها أستراليا في العالم العربي لغاية كتابة هذه السّطور كانت في تونس في عام.2010
العلاقات الاقتصاديّة بالدّول العربيّة
يُشير المؤلِّف إلى وجود منافع اقتصاديّة وتجاريّة كبيرة تجنيها أستراليا من الدّول العربيّة. وتُعدُّ الأسواق العربيّة، خاصةً دول مجلس التّعاون الخليجي، مهمّةً بالنسبة إلى أس رتاليا، وهي أهمية في تزايدٍ مستمرٍ، فقد أصبحت التّجارة الأس رت اليّة مع الدّول العربيّة اليوم أكبر من تجارتها مع بريطانيا أو سنغافورة. بينما تبدو العلاقات التجاريّة بين إسرائيل وأس رت اليا ومنافعها أضعاف تلك التي تجنيها الأخيرة من علاقاتها مع الدّول العربيّة. فالحكومة الأس رتاليّة تقوم على نحو متواصلٍ وعلنيٍّ بتشجيع الاستثمار الأسترالي في إسرائيل ونقل التّقانة إليها وتوقيع اتفاقياتٍ ومشاريعٍ مشتركة. في المقابل، لا يوجد لأس رت اليا أيّ اتفاقيات مع أيّ من الدّول العربيّة من حيث الاستثمار والمشاريع ونقل التّقانة.
وضع الجالية العربيّة في أستراليا
يخصِّ ص الكاتب الفصل الرّابع والأخير للحديث عن الجاليات العربيّة في أس رتاليا، والتي تُعدُّ حديث ة العهد، إذ بدأت هجرة العرب أوالً مع اللبنانيّ ني في نح و عام 70 81، وظلَّ عدد العرب قليلًا حتى أواخر خمسينيّات القرن الماضي، عندما بدأ عددٌ أكبر من المهاجرين يتدفّق إلى أس رت اليا مع الأزمات والحروب المتلاحقة التي شهدتها الدّول العربيّة، مثل الحرب الأهليّة في لبنان في عام 975 1 والاجتياح الإسرائيلي للبنان 1 واجتياح الرئيس العراقي السّ في عام 982 ابق صدّام حسين للكويت في عام 9901 والحربين اللتين قادتهما أميركا ضدّ العراق في عامي 9911 2، إذ تب و 003 ع كلَّ أزمةٍ من هذه الأزمات موجةٌ جديدةٌ من الهجرة من تلك الدّول إلى أس رت اليا. والجدير بالذكر أنَّ معظ م المهاجرين العرب كانوا حتى أوائل الخمسينيّات من الطائفة المسيحيّة. وتش ري الإحصاءات العامّة التي جرت في ع ام 006 2 إلى أنَّ عدد الأس رتالييّن المولودين في الدّول العربيّة هو 365824 أي أكر من 1.1 في المئة من مجموع عدد الس كّان. ويشكِّك الكاتب في هذه المعلومة، إذ يقدّر عدد الأسترالييّن من أصولٍ عربيّةٍ بنحو 00.0005 إلى 00.000 6 أي نحو 2.5 في المئة من عدد الس كّان. قدم معظم الأسترالييّن العرب من لبنان، ثمّ ع ىل التوالي من مصر والعراق وسورية وفلس طين. وتوجد أكبر كثافة للجالية العربيّة في ولاية نيو س اوث ويلز، ثمّ في ولاية فكتوريا وغرب أس رت اليا وجنوبها. وتُع دُّ الّلغة العربيّة خامس لغةٍ من حيث التداول في أستراليا بعد الإنجليزيّة والإيطاليّة واليونانيّة والكانتونيّة (الصينيّة.) وع ىل الرّغم من أنَّ عدد العرب في أس رتاليا هو أكر من خمسة أضعاف الأس رت الييّن اليهود، فإنَّ الجالية العربيّة فشلت إلى الآن في تنظيم صفوفها ضمن مؤسّسة تستطيع تمثيلها وتجمع في ما بينها على
مستوى روابطها وأصولها القوميّة العربيّة، كما أنَّ نفوذها السّ ياسي مقارنةً بنفوذ اللّوبي اليهودي شبه معدوم لغاية الآن.
أستراليا وقضايا الصِّ راع العربي - الإسرائيليّ
يشرح المؤلِّف بالتفصيل المراحل التي مرت بها أستراليا في تعاملها مع القضايا العربيّة خاصة في المراحل التي خ اض فيها العرب الحروب. فقد كانت أس رت اليا ضمن الدّول القليلة الت ي أيَّدت العدوان الثلّاثي. وش على مصر في عام 956 اركت أستراليا في عام 1 9791 ب 00 3 عنصر من قوّاتها مدعومةً بقوةٍ جويّةٍ في مراقبة صحراء س يناء بطلب من الولايات المتّحدة وتحت إشر افها. كما رحَّبت أستراليا باتفاقيّة أوسلو في عام 993.1 وبعد اجتياح الرّئيس العراقي صدّام حسين للكويت، أيَّدت أستراليا قرار هيئة الأمم المتّحدة فرض المقاطعة ضدّ العراق، وأرسلت في عام 9901 وحداتٍ من أسطولها البحري إلى المياه الإقليميّة العراقيّة لتكون جزءًا من القوّات الأميركيّة والبريطانيّة لف رض الحصار على العراق. واش رتكت أستراليا في حرب الخليج ضدّ العراق في عام 991 1، وشاركت بحماس ة في حرب الخليج الثّانية في عام 003 2 ضدّ العراق، وكانت القوّات الأس رت اليّة ثالث قوّة بعد الولايات المتّحدة وبريطانيا من حيث الحجم. لم تتعامل أس رت اليا مع القضيّة الفلسطينيّة كقضيّةً سياسيّةً، وإنما بوصفها قضيّةً إنسانيّةً تتعلّق بتحس ني أوضاع اللّاجئين الفلسطينييّن من دون الإشارة إلى حقّهم في العودة. وحتّى أواسط سبعينيّات القرن الماضي، لم يطرأ أيّ تغيير على سياسة أستراليا التي تبنَّت موقفًا "محايدًا" في ح رب 973 1، بينما تبنَّت الحكومة الأس رت اليّة موقفًا متصلِّبًا من منظّمة التّحرير الفلسطينيّة. وكانت سياسة أستراليا قبل اتفاقيّة أوس لو في عام 1 تعترف بحقّ الشّ 9931 ومنذ عام 983 عب الفلسطينيّ في تقرير المصير، وفي إقامة دولته المستقلّة "إن أراد ذلك"، لكنّها تراجعت بعد اتفاقيّة أوسلو وأصبحت بعد وصول حزب الأحرار إلى الحكم تقول: "إنَّ الشَّكل النّهائيّ للكيان الفلسطيني، بما في ذلك، احتمال الدّولة المستقلّة، يعتمد على المحادثات النهائيّة بين الأطراف المعنيّة مباشر ةً"، وهذا يتلاءم م ع الرّؤ ية والطَّرح الإسرائيلييّن الّلذين يضعان حقّ تقرير المصير للشعب الفلسطينيّ وقيادة دولته المستقلة في يد إسرائيل، ويجعلان ذلك مجرّد احتمالٍ قاب لٍ للتفاوض. لقيت هذه السّياسة ترحيب وتقديرها الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة. ونُقل عن رئيس الوزراء الإسرائيلي السّابق أرئيل شارون قوله خلال اجتماعه بوزير الخارجيّة الأسترالي داونر في 004/1/27 2: "إنَّ أستراليا هي من أكر الدول صداقةً مع إسرائيل." أمّا زعيم المعارضة الأسترالية مالكولم تورنبول فقال: "إنَّ إحدى العلام ات المميِّزة لحكومة رئيس الوزراء الأس رت الي السّ ابق جون هاوارد خلال أحد عشر عامًا ونصفٍ خلت هو تأييدها الثّابت كالصّخر لإسرائيل، وهو ما قامت بإثباته من خلال الأفعال وليس الأقوال." وبناءً على هذه المعطيات، فإنَّه لا يوجد سببٌ مقنعٌ لاتّخاذ أس رت اليا مثل هذه المواقف المنحازة إلى جانب إسرائيل. ويبدو أنَّ ثمة عاملين يقفان وراء التحيّز في السّياسة الأستراليّة، الأوّل داخلي يتمثَّل في نشاط اللّوبي الذي خلقته إسرائيل، فهي تقوم مع رجال الأعمال اليهود بدعم هذا اللّوبي بسخاء ماديًّا ومعنويًّا، بما يجعله يمارس ضغطًا داخليًّا من أجل أن تتبنّى أستراليا سياسةً منحازةً لتل أبيب. والعامل الثّاني يكمن في ما توليه إسرائيل من اهتمامٍ لسياسة أستراليا ومواقفها تجاه الرشّق الأوسط وقضاياه. وتبدو في المقابل حال ة من ا الّ لمبالاة العربيّة تجاه المواقف السّياسيّة الأستراليّة، إضافةً إلى عدم ممارسة أيّ ضغطٍ عليها والتّقاعس عن دعم قيام لوبيّ عربيّ. يخت م المؤلِّف كتابه بدعوته الحكومات العربيّة إلى ممارسة الضّ غط على أس رت اليا للحصول على سياسة متوازنة تجاه الّصرّاع العربي -ّ الإسرائيليّ. فثمة دولٌ عربية تربطها علاقات اقتصاديّة قويّة بأس رت اليا تستطيع أن تمارس عليها ضغطًا وتعطيها رسالةً واضحةً بأنَّ السّياسات والمواقف الأس رت اليّة المنحازة لإسرائيل ضدّ القضايا العربيّة لن تساعد على تطوّر العلاقات الاقتصاديّة ونموّها. إنَّ الكتاب بحس ب رأيي يعطي تحليالً سياسيًّا نقديًّا للسياسة التي اتّبعتها أس رت اليا تجاه القضايا العربيّة، ويق دِّم اقتراحاتٍ وتوصياتٍ لكيفيّة التعامل مع السّياسات الأستراليّة، ويدعو الدبلوماسيّة العربيّة لأخذ دورها في التأثير على تلك السّياسة بس بب ما يمثِّله العرب من ثقلٍ اقتصاديٍّ وس كانيٍّ في أس رت اليا. وهذه المقترحات من دون شك تضف ي على هذا الكتاب قيمةً لكلِّ من لديه اهتمام خاص بالعلاقات الدّوليّة وبالرصّاع العربيّ الإسرائيليّ. لكنَّ أهمَّ ميزة لهذا الكتاب هي أنَّ المؤلِّف يمن ح القارئ فرصةً نادرةً للتعرّف على سياسة أس رتاليا الخارجيّة في قضايا الرشّق الأوسط وبخاصة تجاه القضيّة الفلسطينيّة. ورمبّ ا يكون تحليل علي القزق وسرده له ذا التاريخ فريدًا من نوعه، وقد يكون مختلفًا عن بقيّة ما كُتب في الموضوع ذات ه، ذلك لأنَّ المؤلِّف عايش السّياسة الأس رت اليّة عن قربٍ وسخّر خبرته لتقديم محتوى الكتاب ودعّمه بشكل جيّد بالأدلة وحس ن التناول. وسواء اتّفق الق ارئ مع وجهة النظر التي عرض بها المؤلِّف كتابه أم لا، فإنَّ الكتاب يتمتّع بقدرٍ كبيرٍ من التشويق إضافةً إلى ثرائه بالمعلومات.