المعارضة المسلحة السوريّة: وضوح الهدف و غياب الرؤية
الملخّص
تس تعرض هذه الدراس ة التنظيمات العس كرية الس ورية المختلفة التي تنشط حاليًا ضد النظ ام الس وري، وتناقش الظروف التي أدت إلى تش كيلها إضافة إل ى طبيعتها الفكرية الملخص التنفيذي والسياسية، وارتباطاتها، والجهات التي تمولها. وترى الدراسة أنه يمكن القول، بشكل عام، إن هذه التنظيمات تنقس م إلى تيارين رئيس ين: تيارٌ ذو توجهات علمانية، وآخر ذو توجهات إس ل مية. وترى الدراس ة أن العفوية قد لازمت نش أة هذه التشكيلات العس كرية المختلفة، كما أن تش كيلها ج اء ردّة فعلٍ على عنف النظام، أكثر منه فعلا سياس يًّا مقصودا. يضاف إل ى ذل ك، أن تصدي فئاتٍ غي ر متعلمة لمهمة تش كيل معظم قيادات هذه التش كيلات العس كرية وقياداته ا قد أس هم ف ي عدم وض وح الرؤية ل دى أغلبه ا. تمثل هذه الدراس ة محاولة لتقديم إس هامٍ لس د النقص في الدراس ات الأكاديمية، المكتوبة باللغة العربية، حول المعارضة السورية المسلحة.
مقدمة
بعد مرور ما يربو على العامين على انطلاقة الثورة السوريّة، وأكثر من عام على تحوّلها إلى انتفاضة مسلحة تهدف إلى إسقاط النظام عسكريًا، بعد أن فشلت في إزاحته سلميًّا، بدأت تتضح خريطة التشكيلات العسكرية للمعارضة السوريّة. وعلى الرغم من أنّ هذه التشكيلات ما زالت تفتقر في معظمها إلى بنية متماسكة أو سلطة مركزية قادرة على توحيدها، وأنّ أعدادها تتزايد حتى أصبحت تعد بالمئات، فإنّه يمكن التمييز بين تيّارين رئيسين في المعارضة المسلحة السوريّة هما: التشكيلات العسكرية ذات النزعة العلمانية، وهي مرتبطة أو منضوية في معظمها تحت لواء ما أخذ يطلق عليه اسم "الجيش السوري الحر"، والكتائب والألوية ذات الاتجاهات الإسلامية. يتناول هذا البحث أهم تشكيلات المعارضة العسكرية السوريّة الفاعلة على الأرض، ويحاول استقصاء نشأتها والظروف التي أدت إلى ظهورها، كما يسعى لرصد اتجاهاتها وجهات تمويلها والعلاقة بين مختلف مكوناتها. وأخيرًا، يسعى لإلقاء الضوء على سيناريوهات تطور العلاقة بين جماعات المعارضة المسلحة وتبعات ذلك على مسار الثورة السوريّة ومستقبل سورية كلها. ويخلص البحث إلى أنّ هذه التشكيلات لها هدف واضح، وتتفق جميعها على التخلص من النظام الاستبدادي، لكنّها تختلف على كل شيء آخر خلاف ذلك، بما فيها هوية الدولة المستقبلية ونظامها السياسي. إنّ العفوية التي رافقت نشأة معظم هذه التشكيلات، وكونها جاءت كرد فعلٍ أكثر منها فعالً سياسيًا مقصودًا على عنف النظام، فضالً عن تصدي فئات غير متعلمة لمهمة تشكيل معظمها وقيادتها، كل ذلك ساهم في عدم وضوح الرؤية لدى أغلبها. وبتسليط الضوء على هذه الجوانب، يكون البحث قد ساهم في سدِ ثغرةٍ أساسيّةٍ في الدراسات الأكاديمية التي تتناول المعارضة المسلحة السوريّة باللغة العربية.
نشوء ظاهرة العسكرة في الثورة السوريّة
بدأت الثورة السوريّة، مثل شقيقاتها العربيات، انتفاضة سلميّة ذات بعدين: مطلبي معيشي، وسياسي متصل بالحريات العامة والكرامة الإنسانية. وعربّ ت عن نفسها في البداية عبر تجمعات عفويّة تخرج من المساجد في أعقاب صلاة الجمعة من كل أسبوع. وقد توسّل النظامُ العنفَ منذ الساعات الأولى لظهور الحركة الاحتجاجية أمالً في إخمادها ومنعها من التوسع. وقد قابل إصرار النظام على استخدام العنف وبوتيرة تصاعدية إصرار الحركة الاحتجاجية على انتهاج السلمية في سعيها لتحقيق أهدافها. لكنّ الأمور بدأت تأخذ منحى مختلفًا مع تنامي استخدام القوة ضد المتظاهرين السلميين، وفشل جهد جامعة الدول العربية في إيجاد حلٍ سلمي للأزمة، وإخفاق التحركات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإقناع النظام بتغيير سياساته والتوجه نحو انتقالٍ سياسي سلسٍ للسلطة.
حاول النظام دفع الثورة نحو العسكرة منذ البداية؛ وذلك لتبرير استخدام العنف ضدها من جهة، وللتخويف من مآلاتها وحشد قاعدة دعم شعبي له من جهة أخرى عبر اتهامها بالإرهاب والعمالة للخارج، فجرى إطلاق يد الأجهزة الأمنية لقمع الثورة، لكنّ استمرارها وتوسعها دفعه إلى الاستعانة بالجيش. وقد أدى الاستخدام المفرط للقوة من قبل النظام إلى ظهور حالات تسلح ومقاومة غير منظمة، وبخاصة في المناطق الحدودية مثل جسر الشغور في محافظة إدلب وتلكلخ في حمص، كما حصلت انشقاقات فردية من داخل المؤسسة العسكرية؛ وذلك بعدما رفض بعض الضباط والجنود إطلاق النار على المتظاهرين. لكنّ معظم الانشقاقات خلال هذه المرحلة المبكرة
من الثورة ظلت مقتصرة على الرتب الصغيرة والمتوسطة، وكان من أبرز المنشقين الملازم عبد الرزاق طلاس والمقدّم حسين الهرموش.
أولا: التشكيلات العسكرية ذات التوجه العلماني
بعد نحو ثلاثة أشهر من انطلاق الثورة، شكّل المقدّم المنشق حسين الهرموش تنظيامً عسكريًا أطلق عليه اسم "لواء الضباط الأحرار"، وذلك أمالً في استقطاب الرافضين لاستخدام العنف ضد المدنيين من منتسبي المؤسسة العسكرية وتنظيمهم. لكنّ هذه المبادرة ظلت في إطار رمزي لقلة عدد المنشقين واستمرار الطابع السلمي للثورة، قبل أن تأخذ الأمور منحىً تنظيميًا مختلفًا مع الإعلان عن تشكيل ما أصبح يعرف ب "الجيش السوري الحر" والمجالس العسكرية المرتبطة به.
1. المجلس العسكري المؤقت للجيش السوري الحر
بدأ تشكيل المجالس العسكرية مع تأسيس العقيد رياض الأسعد المجلس العسكري المؤقت في الرابع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، كإطار تنظيمي ل "الجيش السوري الحر" الذي كان الأسعد نفسه أعلن عن تأسيسه من تركيا في 29 تموز/ يوليو من العام ذاته. وجاء تأسيس المجلس العسكري ليكون إطارًا تنظيميًا يواكب تنامي العمل المسلح ضد قوات النظام، وتزايد عدد المنشقين من المؤسسة العسكرية الذي ترافق مع تصاعد مستوى العنف المستخدم ووتيرته ضد المناطق المنتفضة على النظام. وقد أ علن في البيان التأسيسي عن أسماء أعضاء المجلس ونظامه الداخلي، وجرى تحديد مهامه في إطار الحفاظ على استمرارية المظاهرات السلميّة وحمايتها من "أجهزة القمع والآلة العسكرية التي يستخدمها النظام". أمّا في ما يتعلق بالعلاقة مع "المجلس الوطني السوري" الذي كان قد تأسس كمظلة سياسية للمعارضة السوريّة في الخارج في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، فقد أكّد المجلس العسكري المؤقت على استقلاليته عنه من دون أن يعربّ عن موقف واضح تجاهه. تميّز المجلس العسكري بتشكيله وفق بنية عسكرية تراتبية لا تلمح وجود ثوّار مدنيين في صفوفه أو بين قياداته، وقد زعم الأسعد وجود 15 ألف مقاتل تحت قيادته آنذاك.
2. المجلس العسكري الأعلى للجيش السوري الحر
شكّل انشقاق العميد مصطفى الشيخ في كانون الأول/ ديسمبر 2011 أول اختبار جدي لمدى تماسك "الجيش السوري الحر"، المكّون الأساسيّ للمعارضة المسلحة السوريّة في ذلك الوقت. فقد أوجد انشقاق العميد الشيخ تحديًا جديًا لقيادة العقيد رياض الأسعد؛ فالأول يحمل رتبة عسكرية أعلى من الثاني، ووفقًا للتقليد العسكري يتعين الالتزام بأوامر الرتبة الأعلى، لكنّ تمنّع الأسعد دفع الشيخ لاتخاذ مبادرة منفردة، والإعلان عن تشكيل المجلس العسكري الأعلى للجيش السوري الحر. أثار الإعلان حفيظة المجلس العسكري المؤقت الذي اتهمت قيادته العميد الشيخ بأنّه "لا ينتمي إلى صفوف الجيش السوري الحر"، وأنّ ما قام به لا يعدو كونه مبادرة فردية لم تجرِ وفق أي مشاورات، ومن ثمَّ، فإنّ الشيخ لا يمثل إلا نفسه. لم يأتِ بيان الإعلان عن تأسيس المجلس العسكري الأعلى على ذكر أي بنية عسكرية أو أسماء قيادات كما هو حال المجلس العسكري المؤقت، ما أثار أسئلة حول قدرته على استقطاب الضباط المنشقين عن الجيش. ووفقًا لأحد الضباط المنشقين وهو المقدم خالد الحموي، فإنّ المجلس العسكري الأعلى لم يضم أكثر من سبعة ضباط. أدت مساعي قامت بها جهات داخلية وخارجية لتوحيد التشكيلات المسلحة التابعة للجيش السوري الحر، بعد استعادة النظام حيّ بابا عمرو في حمص مطلع آذار/ مارس 2012، إلى تشكيل هيكلية قيادية محلية جديدة للجيش الحر تعمل بالتنسيق مع قيادته العسكرية
في الخارج. تضمنت الهيكلية أسماء القيادات العسكرية في الداخل في خمس محافظات رئيسة هي: دمشق وحمص وحماة وإدلب ودير الزور. أمّا بخصوص العلاقة بين الأسعد والشيخ، فقد جرى التوافق على أن يتولى العميد الشيخ رئاسة المجلس العسكري الأعلى، بينما يتولى العقيد الأسعد قيادة العمليات فيه. وطرحت القيادة المشتركة في الداخل ميثاق شرفٍ وبيان تأسيسٍ للتأكيد على نجاح عملية لم الشمل. لكنّ القيادة العسكرية المشتركة للجيش الحر والمنقسمة بين داخل وخارج ما لبثت أن دخلت في خلافات ظهرت أولى بوادرها مع طرح مبادرة مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سورية كوفي أنان في نيسان/ أبريل 2012؛ إذ أعلن الناطق باسم القيادة العسكرية للجيش السوري الحر في الداخل العقيد قاسم سعد الدين عن مهلة 48 ساعة للنظام حتى يلتزم بوقف إطلاق النار وفقًا لخطة أنان، فيما نفى المتحدث باسم قيادة الجيش السوري الحر في الخارج العقيد مصطفى عبد الكريم منح الحكومة السوريّة أي مهلة. وتطوّر الخلاف في المواقف والرؤية بين قيادات الداخل والخارج حتى وصل حدود القطيعة؛ إذ أعلن العقيد قاسم سعد الدين في أيار/ مايو 2012 أنّ قيادة الداخل هي وحدها المخولة الحديث باسم الجيش الحر، "نحن نقود العمليات ونحن نحرّك الشارع"، ورياض الأسعد "لا يمثل إلا نفسه".
3. القيادة العسكرية المشتركة للثورة السوريّة
في الأول من تموز/ يوليو 2012 جرى الإعلان عن تشكيلٍ عسكري جديدٍ تلا بيانه التأسيسيّ العميد المنشق فايز عمرو، ووفقًا لنص البيان تتألف القيادة العسكرية المشتركة للثورة السوريّة من القيادة العامة وتضم أربعة ضباط أمراء. لكن هذا التشكيل ما لبث أن توسّ ع وأسندت قيادته إلى اللواء المتقاعد عدنان سلو خلال اجتماع عقد في أنطاليا في تركيا بعد أسبوعين من ذلك. أثار التشكيل الجديد موجة من ردود الفعل، جاء أبرزها من قيادة الجيش الحر في الخارج، إذ نفى نائب قائده العقيد مالك الكردي أن يكون قد جرى التوصل إلى اتفاق مع اللواء سلو في ما يخص إنشاء القيادة العامة، معتبرًا أنّ أعضاء القيادة العسكرية لا يتمتعون بأي غطاء داخلي. على النقيض من ذلك، لقي تشكيل القيادة العسكرية المشتركة للثورة السوريّة، وتعيين اللواء سلو قائدًا عامًا لها، ترحيبًا من قيادات الجيش الحر في الداخل، وعربّ ت في بيانٍ لها عن رغبتها في "الاستفادة من جميع كوادرنا العسكرية". وقد وجه هذا الإعلان ضربة قوية جديدة لقيادة الجيش الحر في الخارج التي بدا وكأنّها معزولة تمامًا عن الفصائل العسكرية الموجودة في الداخل، دع جانبًا الحديث عن تمثيلها أو قيادتها.
4. الجيش الوطني السوري
بعد انشقاقه مطلع آب/ أغسطس 2012، طرح اللواء محمد حسين الحاج علي، والذي كان يشغل منصب مدير كلية الدفاع الوطني التابعة للأكاديمية العسكرية العليا في الجيش السوري، مبادرة لتوحيد فصائل المعارضة المسلحة السوريّة باعتباره الضابط العامل الأرفع رتبة الذي ينشق عن صفوف النظام. دعا اللواء الحاج علي إلى تشكيل جسم عسكري جديد يحمل اسم " الجيش الوطني السوري"، في إشارة إلى أنّ جيش النظام الذي يطلق النار على المدنيين ليس وطنيًا. وبعد اجتماع عقد في تركيا حضره مجموعة من كبار
الضباط المنشقين تخللته مفاوضات صعبة جرت أواخر آب/ أغسطس 2012، جرى الإعلان عن ولادة التشكيل الجديد. لم يعمّر التشكيل الجديد طويالً على الرغم من أنّه ضم عددًا كبيرًا من الضباط رفيعي الرتب. ويعود فشله في تكريس نفسه كإطار جامع لتشكيلات المعارضة المسلحة السوريّة إلى جملة من الأسباب، أهمها: ظهوره كمحاولة من قبل القوى العلمانية لاحتواء الكتائب والقوى المسلحة الإسلامية بدعم من قوى خارجية وتدبيرها ما أثّر في صورته سلبيًا، وفشل اللواء الحاج علي في فرض نفسه كقائد ميداني بعد أن اكتفى بالمشاركة الإعلامية بعيدًا عن أرض المعركة ما أفقده صدقيّته، وتضارب الأجندات الإقليمية والدولية وانقسامها في دعم تشكيلات عسكرية بعينها تشكل أدوات نفوذ وتأثير محلية لها.
5. القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثوريّة
بعد مرور نحو شهر على محاولة تأسيس الجيش الوطني السوري، أعلنت كتائب ثورية وعسكرية عديدة في سورية عن تشكيل "القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية" وفق ثلاثة مستويات رئيسة: القيادة العامة، ومكتب التنسيق والارتباط، والمجالس العسكرية للمحافظات السوريّة. ودعت القيادة المشتركة في بيانها جميع القوى الثورية والعسكرية في سورية الانضمام إليها والعمل المشترك من أجل "خدمة الثورة والشعب وإسقاط النظام". وقد أعلن كل من المجلس الوطني السوري وتنظيم الإخÓ وان المسلمين مباركتهم للتشكيل الجديد. وكان لافتًا مشاركة عدد كبير من السياسيين والناشطين ورجال الدين السوريين والعرب، ومن أبرزهم الشيخ أحمد الصياصنة، والشيخ عثمان الخميس، والدكتور فهد الخنه، والنائب محمد هايف المطيري، والشيخ محمد ضاوي العصيمي، والناشط السياسي عبد الله برغش، وشارك عبر الهاتف الشيخ محمد العريفي والشيخ سعد البريك. أثبتت القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية والكتائب المرتبطة بها حضورًا ميدانيًا لافتًا خلال السنة الثانية للثورة، ويعود ذلك إلى التنسيق الكبير بين المجالس العسكرية والكتائب الإسلامية في العمليات الميدانية نتيجة مباركة شخصيات دينية مؤثرة وحضورها في مؤتمر التأسيس، وتوافر دعم مادي إقليمي كبير سواء على مستوى الدول أم الأفÓ راد، ما جعل من المجالس العسكرية الثورية أحد أهم الأذرع العسكرية الضاربة للمعارضة في مواجهة قوات النظام السوري.
6. مجلس القيادة العسكرية العليا المشتركة
جرى الإعÓ الن عن مجلس القيادة العسكرية العليا المشتركة في كانون الأول/ ديسمبر 2012، في أنطاليا، ويعتبر المظلة العسكرية الأكثر شموالً ونضجًا وتنظيامً لقوى المعارضة المسلحة السوريّة ذات الصبغة العلمانية. وقد جاء تأسيسه بعد مشاورات واسعة بين قادة المجالس العسكرية والثورية وقادة أهم الألوية والكتائب في الداخل السوري. وجرى اختيار 261 ممثالً عن القوى العسكرية المعارضة الموجودة فعليًا على الأرض في إطار ما أطلق عليه اسم "هيئة القوى الثورية." بعد ذلك، جرى انتخاب 30 شخصًا بمعدل ستة أشخاص عن كل جبهة من الجبهات القتالية الخمس التي قسّمت إليها سورية (شمالية – ساحلية – وسطى – جنوبية - شرقية.) وكان من بين هؤلاء
11 ضابطًا و 19 مدنيًا من الثوار، وتمت تسميتهم بمجلس القيادة العسكرية العليا المشتركة. وقامت هذه القيادة بانتخاب العميد سليم إدريس رئيسًا لهيئة الأركان في الجيش السوري الحر. لم يعلن التشكيل الجديد عن توجه أيديولوجي واضح، وذلك في مسعى لاستيعاب جميع القوى العسكرية الفاعلة على الأرض. وقد جاء تأسيسه مباشرة عقب الإعلان عن تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السوريّة في الدوحة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 الذي شكل المظلة الأوسع للمعارضة السياسية السوريّة في الخارج.
سمات عامة للتشكيلات العسكرية ذات التوجه العلماني
على الرغم من تعدد التشكيلات العسكرية ذات النزعة العلمانية واختلافها، فإنّ هناك سمات مشتركة عامة تربط بينها، أهمها: أنّ الإعلان عن تأسيسها جاء من قبل عسكريين منشقين عن النظام وحمل معظمها هذه الصفة؛ أي "عسكرية." ولمّا كان معظم المنشقين خاصة في الفترة الأولى للثورة يلوذون بالفرار خارج البلاد بسبب استمرار سيطرة النظام القوية على معظم مناطق سورية، فقد جرى الإعلان عن تأسيس معظمها في الخارج، وخاصة في تركيا. ولذلك، يؤخذ عليها أنّها لم تؤسس في الداخل، بخلاف الكتائب الإسلامية والجماعات الميدانية الأخرى التي تنضوي تحت لواء الجيش الحر. من جهة ثانية، جاء تشكيل معظم المجالس العسكرية برغبة من القوى الإقليمية والدولية المهتمة بالأزمة السورية في ضبط الواقع العسكري للثورة، خشية الانزلاق نحو الفوضى أو سيطرة قوى إسلامية متشددة على الحكم. وقد لوحظ حضور ممثلين عن قوى إقليمية ودولية أغلب مباحثات تشكيل المجالس العسكرية. الطروحات السياسية العامّة: تتبنى بيانات تأسيس المجالس العسكرية صيغ عامّة مثل السعي لإنشاء دولة ديمقراطية تحترم إرادة الشعب ومبادئ القانون الدولي. ولم يأت أكثرها على ذكر الإسلام أو دوره في سورية ما بعد نظام الأسد، باستثناء القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية التي أشارت لهوية سورية القائمة على الإسلام الوسطي واحترام حقوق الأقليات الدينية والعرقية والالتزام بالعهود والمواثيق الدولية وبما لا يخالف الشريعة الإسلامية. ويعزى ذلك إلى الحضور الديني اللافت في الاجتماع التأسيسي، بالإضافة إلى رغبة التشكيل الوليد في مد الجسور مع الكتائب الإسلامية التي بدأت تثبت فاعلية على الأرض، والتي أعرب بعضها عن رغبة في الانضمام لكنها طالبت بالإشارة إلى دور الإسلام لأسباب أيديولوجية أو لاعتبارات متعلقة بالممولين. البنية التنظيمية: تتميز المجالس العسكرية بأنّها تقوم على بنية عسكرية واضحة لجهة تراتبية القيادة وتوزيع المهام والعمليات وفق منظور عسكري. مع ذلك تسود حالة من التشويش والإرباك معظم القيادات العسكرية فيها؛ فقد لوحظ مثالً أنّ أغلب الشخصيات العسكرية الممثلة بهذه التشكيلات كانت جزءًا من تشكيلات عسكرية سابقة، حتى إنّ بعض الضباط البارزين كانوا موجودين في كل تشكيل جديد يجري الإعلان عن تأسيسه. كما شكّل انشقاق بعض الرتب العسكرية الرفيعة مثل "عميد" و"لواء" محور خلاف حول الأحقية في القيادة العسكرية؛ فبينما حاجج البعض بأسبقيته في الانشقاق، حاجج آخرون بضرورة التزام التراتبية العسكرية. وعلى الرغم من الفاعلية الميدانية لبعض التشكيلات العسكرية، فإنّه لا يوجد ما يشير إلى قدرتها على ضبط الواقع العسكري المسلح للمعارضة السوريّة في ظل حالة الانقسام السائدة، وعدم توافر أدوات الضغط الفاعلة لتحقيق ذلك. غياب الثقة بالمعارضة السياسية: سعت معظم تيارات المعارضة السياسية في الخارج إلى التقرّب من المجالس العسكرية في محاولة لاكتساب درجة من الشرعية أو الصدقية، وللإيحاء بأنّ لديها تأثير في القرار العسكري على الأرض، لكنّ معظم هذه المحاولات باءت بالفشل. فعلى الرغم من محاولة المجلس الوطني إنشاء قناة تواصل للتنسيق مع التشكيلات العسكرية للجيش الحر، فإنّ مكتب الارتباط والتنسيق العسكري في المجلس ظل إعلاميًا وغير مؤثر، لكنّ الوضع
بدأ يتغير قليالً بعد الإعلان عن تشكيل مجلس القيادة العسكرية العليا المشتركة ومباركة الائتلاف الوطني لها.
ثانيًا: القوى والكتائب ذات التوجه الإسلامي
إنّ الدوافع التي أدّت إلى عسكرة الثورة هي نفسها التي أدت إلى "أسلمتها"، فالعنف الشديد الذي استخدمه النظام لقمع المتظاهرين السلميين وجنوحه إلى تبني خطاب طائفي منذ انطلاقتها، دفع الكثيرين إلى التحول نحو خطاب ديني لمواجهته. كما أنّ تطابق الاصطفاف الداخلي والإقليمي مع الانقسام المذهبي أدى تلقائيًا إلى "أسلمة" الثورة أو ظهور قوى وتيارات تتبنى الإسلام السياسي - "السني" تحديدًا - لمواجهة النظام وحلفائه. ومن أبرز القوى الإسلامية الموجودة على الساحة السوريّة وأكثرها فاعلية:
1. جبهة النصرة لأهل الشام
أعلنت الجبهة عن نفسها عبر قائدها أبو الفتح محمد الجولاني في 24 كانون الثاني/ يناير 2012، ودعت في بيانها الأول السوريين إلى الجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري. حازت الجبهة منذ آذار/ مارس 2012 دعم العديد من المنظرين الجهاديين، ومنهم أبو محمد الشنقيطي وهو عضو بارز في اللجنة الفقيهة لمنبر التوحيد والجهاد، والشيخ أبو محمد الطحاوي وهو سلفي أردني بارز، والشيخ أبو الزهراء الزبيدي وهو جهادي لبناني معروف، وهاني السباعي وهو شيخ مصري ينتمي إلى تيار السلفية الجهادية. وقد قام هؤلاء بالترويج للجبهة والمساعدة في تمويلها. ترى الجبهة أنّ إسقاط نظام الأسد هو الخطوة الأولى نحو إقامة دولة إسلامية، كما تتبنى خطابًا حادًا تجاه الأقليات الدينية، وتنعت العلويين ب "النصيريين" والشيعة ب "الروافض"، وتعتبر نفسها المدافع الأول عن السنة. تتألف الجبهة في معظمها من مقاتلين سوريين ممن خبروا القتال في "ساحات الجهاد" في العراق وأفغانستان والشيشان وغيرها. كما تضم مقاتلين من العرب والأتراك والأوزبك والشيشان والطاجيك وقلة من الأوروبيين. وقد زاد إقبال المقاتلين السوريين على الانضمام إلى الجبهة ليس لأسباب أيديولوجية، بل بسبب بسالتها في القتال وإعراضها عن المكاسب المادية، وقوة مصادر تمويلها الخارجي. اشتهرت الجبهة بإعلان مسؤوليتها عن هجمات انتحارية كبيرة ومؤثرة، وتستخدم إستراتيجيات إعلامية شبيهة بتلك التي تعتمدها القاعدة والتنظيمات القريبة منها، كما توجد علاقات وثيقة تربط المنفذ الإعلامي الرسمي التابع للنصرة وهو "مؤسسة المنارة البيضاء للإنتاج الإعلامي" بمنتديات القاعدة الإلكترونية مثل "شبكة شموخ الإسلام" و"شبكة الفداء الإسلامية". أعلنت الجبهة أخيرًا بيعتها لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وذلك تفاديًا لمحاولة الهيمنة على قراراها من قبل الفرع العراقي للقاعدة، والذي أعلن زعيمه أبو بكر البغدادي دمج تنظيمه مع جبهة النصرة وإعلان قيام "الدولة الإسلامية في العراق والشام". تتميز الجبهة بتخصيص جزء من نشاطها ومواردها للعمل الاجتماعي الهادف، فقد أسست بالتعاون مع حركة الفجر. وأحرار الشام "حركة الشباب المسلم"، كجهاز مدني يقوم بالنشاطات الاجتماعية المدنية لا سيما في مجال الإغاثة، وقد قامت هذه الحركة بالمساهمة في تأمين الخبز للمدنيين في مدينة حلب.
2. الجبهة الإسلامية السوريّة
أعلن عن تأسيسها في 21 كانون الأول/ ديسمبر 2012، أي مباشرة عقب الإعلان عن تشكيل مجلس القيادة العسكرية العليا المشتركة في أنطاليا، لذلك يعتبر البعض أنّها جاءت ردًا عليه. وهي عبارة عن ائتلاف واسع يضم عددًا كبيرًا من الكتائب الإسلامية أهمها:
كتائب أحرار الشام: من أبرز الجماعات السلفية في سورية، وتتكون مما يقارب 86 كتيبة منتشرة في جميع المحافظات السوريّة بزعامة شخص يكنى بأبي عبد الله. وفي أول تسجيل صوتي لها، أعلنت كتائب أحرار الشام صراحة أنّ هدفها هو استبدال دولة إسلامية بنظام الأسد، إلا أنّها رأت أيضًا أنّه ينبغي الأخذ في الاعتبار الحالة الذهنية الراهنة للسكان المضلّلين من قبل المؤسسة الدينية التابعة للنظام، كما وصفت الثورة بأنّها جهاد ضد المؤامرة الصفويّة الساعية إلى تأسيس دولة شيعية تشمل إيران والعراق وسورية ولبنان وفلسطين. وانعكس توسع النطاق الجغرافي لعملياتها العسكرية على حضورها الكبير في وسائل الإعلام، فبحلول حزيران/ يونيو 2012 باتت توصف بأنّها التنظيم العسكري الأكبر في جبهة ثوار سورية حديثة النشأة، وهذه الأخيرة عبارة عن تحالف سياسي عسكري يهيمن عليه الإسلاميون. وعلى الرغم من أنّ أحرار الشام كانت من أبرز المساهمين في إنشاء هذا التحالف، فإنّها علّقت مشاركتها فيه بعد يوم واحد فقط من تأسيسه، في إشارة إلى عدم ارتياحها للهجة المعتدلة التي تبناها. بعد ستة أسابيع، عادت وألغت قراراها تعليق عضويتها بعد تبني التحالف لميثاق سياسي جديد يدعو صراحة إلى تأسيس دولة إسلامية، ويؤكد الالتزام "بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية طالما أنّها لا تتعارض مع مبادئ الشريعة." وقد اعتبر الميثاق حينها محاولة للتوفيق بين الخط الإسلامي الذي أصرت عليه أحرار الشام وحلفاؤها من جهة وضرورات الحفاظ على علاقات إيجابية بالأطراف الدولية الداعمة للثورة من جهة أخرى. تقوم أحرار الشام بنشاطات مجتمعية عديدة منها توزيع المواد الإغاثية على السكان المحليين. لواء الحق (حمص:) أعلن عن تأسيسه في آب/ أغسطس 2012، وهو عبارة عن تحالف عدة مجموعات إسلامية عسكرية هي: كتيبة أتباع الرسول، وكتيبة الأنصار، وكتيبة شهداء بابا عمرو، وكتائب الفتح المبين التي تضم بدورها: كتيبة الشيخ محمود الفراتي وكتيبة الصقر وكتيبة الهدى وكتيبة سهام الليل وكتيبة سباع البر وكتيبة أحرار القلمون وكتيبة الناصر لدين الله. وجرى تعيين العقيد المظلي عبد الرحمن صويص قائدًا عسكريًا للواء. وفي أول بيان رسمي له، تعهد لواء الحق بمتابعة "الجهاد" إلى أنّ يتم استبدال الحكم الإسلامي العادل بنظام الأسد. وقد برّر اللواء دواعي تأسيسه بأنّه محاولة لتوحيد صفوف الثوار في حمص، إلا أنّه فشل مع ذلك في اجتذاب فصائل ثورية بارزة في المدينة. كما شاب التوتر علاقاته بفصائل أخرى مثل كتائب الفاروق. حركة الفجر الإسلامية في حلب وريفها: و هي حركة سلفية جهادية تقوم بعمليات ميدانية بالتعاون مع قوى إسلامية أخرى مثل جبهة النصرة وأحرار الشام. وتظهر بعض مقاطع الفيديو المنشورة للحركة على الإنترنت قربها من الشيخ أبو بصير الطرطوسي (وهو شيخ
سوري سلفي كان يقيم في منفاه في لندن قبل أنّ يعود إلى سورية للانضمام إلى الثورة.) ويقوم الطرطوسي بدور مهم في توجيه العديد من التنظيمات الإسلامية وإرشادها ومنها "حركة الفجر" وكتائبها المسلحة، والتي تعتبر كتيبة "شيخ الإسلام ابن تيمية" من أهمها. تضم الحركة حاليًا نحو 18 كتيبة وسريّة منتشرة في حلب وريفها، وفي معرة النعمان وأجزاء من ريف إدلب، ويوجد لها أيضًا هيئة شرعية ومكتب دعوي يقوم بإصدار المطويات الدعوية و"مجلة الشام الإسلامية" التي يجري توزيعها على الكتائب، وللحركة أيضًا مكتب إغاثي لتوزيع المعونات على المحتاجين.
تنخرط الجبهة الإسلامية السوريّة عمومًا في العمل الميداني، فهي إلى جانب كونها فصيالً عسكريًا مقاتالً تهتم بالنشاط المدني بمساراته "المتعددة السياسية والدعوية والتربوية والإغاثية والإنسانية المنضبطة بأحكام الشرع"، كما جاء في بيانها التأسيسي الذي ترك الباب مفتوحًا أمام "جميع الكتائب الإسلامية العاملة على أرض سورية الحبيبة" للانضمام إليها. ويبدو أنّ الجبهة الإسلامية لتحرير سورية هي إما تطوير لجبهة ثوار سورية باعتبار أنّ الفصيل الأبرز فيها "أحرار الشام" المؤسس لجبهة ثوار سورية موجود في كلا التنظيمين، أو أنّ الجبهة الإسلامية هي نتاج جديد وأنّ أحرار الشام قد انسحبت من جبهة ثوار سورية لتنضم للتشكيل الجديد من دون صدور تصريح بخصوص ذلك.
3. تجمع أنصار الإسلام في دمشق وريفها
أعلن عن إنشاء هذا التجمع في آب/ أغسطس 2012، وتتمثل مهمته، كما جاء في بيان تأسيسه، بالعمل على توحيد الحراك الثوري والسياسي وإقامة الدولة الإسلامية وبناء المجتمع الإسلامي. يضم التجمع: كتائب الصحابة، ولواء الحبيب المصطفى، ولواء الإسلام، ولواء الفرقان، وكتيبة حمزة، وكتائب درع الشام، ولواء أحفاد الرسول، ومجموعات أخرى. كتائب الصحابة: تأسست في آذار/ مارس 2012، وكانت في أول الأمر تتبع للمجلس العسكري في دمشق بقيادة العقيد خالد الحبوس. أعلنت الكتائب مسؤوليتها عن العملية الأولى التي استهدفت خلية إدارة الأزمة في دمشق في 20 أيار/ مايو 2012 عبر دس السم في طعام أعضاء الخلية. ويلاحظ في شعار كتائب الصحابة المعلن على صفحتها على الفيسبوك تبنيها علم الجيش السوري الحر بدالً من الراية الإسلامية. ألوية وكتائب الفرقان: وتضم كتيبة شهداء كناكر، وكتيبة وصال الشام، وكتيبة ابن تيمية، وكتيبة الأنصار، وسرية المهام الخاصة، ولواء أبو بكر الصديق، وكتيبة زيد بن ثابت، وكتيبة أسود الفرقان، وكتيبة ضرار بن الأزور، وكتيبة مجاهدي الصالحية، وتجمع تحرير القنيطرة، وكتيبة الإخلاص، ولواء علي بن أبي طالب، ولواء عمر بن الخطاب، ولواء عثمان بن عفان. لها حضورها خارج دمشق وريفها من خلال كتائب وسرايا تتبع لها في محافظات أخرى مثل سرايا حمص، وكتيبة علي بن أبي طالب في إدلÓ ب، وغيرهما. يستحضر بيان التأسيس الجهاد لإعلاء كلمة الله وإقامة دين الحق والحفاظ على الأمن والسلم الأهلي عقب سقوط النظام. تنشط بشكل أساسي في منطقة الغوطة الغربية (عرطوز وداريا والكسوة والمعضمية) ويلاحظ حضورها أيضًا في مناطق دمشق الجنوبية.
لواء الإس° الم: جبهة جهادية عسكرية سياسية مقاتلة خاضعة لهيكلة تنظيمية عسكرية كاملة يقودها زهران عبد الله علوش، وهو خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وينشط في مدينة دوما وضواحيها منذ آذار/ مارس 2012 . على عكس الكتائب الإسلامية الأخرى المنضوية تحت راية الجيش الحر، اختار اللواء العلم الأسود، ويقوم بعملياته انطلاقًا من تفسيره لمفهوم الجهاد. تتميز مواده الدعائية بصبغة دينية قوية ودلالات سلفية مغايرة للخطاب الإسلامي المنتشر لدى كتائب الجيش السوري الحر الأخرى. كما تظهر في موقعه صور وإسهامات لبعض الشخصيات الدينية مثل الشيخ عدنان العرعور، والشيخ نبيل العوضي. وللواء صفحة رسمية على الفيسبوك تهدف لنشر الفكر السلفي بين مقاتلي اللواء وتوضيح مواقفه الأيديولوجية من مختلف القضايا المطروقة. وقد شكل اللواء مجلس شورى وهيئة شرعية ناظمة. لواء الحبيب المصطفى: تأسس في كانون الثاني/ يناير 2012، في منطقة الغوطة الشرقية في عربين، ويضم كتيبة هارون الرشيد، وكتيبة ذي النورين، وكتيبة عبد الله بن سلام في سقبا، وكتيبة الإمام الحسين، وسرية الهندسة، ولواء أم القرى، وكتيبة القعقاع بن عمرو التميمي وغيرها. لواء أحفاد الرسول: تأسس في تموز/ يوليو 2012 ويتألف من كتيبة شهداء بيت جن، وكتيبة أحباب المصطفى، وكتيبة الشهيد أبو عبيدة، وكتيبة أحرار بيت جن، ولواء أبو دجانة، وكتيبة عمر الفاروق، ولواء الفاتحين. ومما جاء في بيان تشكيل اللواء أنّه يهدف إلى "إعلاء كلمة الله ونصرة دينه والمستضعفين وذلك عبر إعلان الجهاد". أعلن تجمع أنصار الإسلام إعادة هيكلة بنيته التنظيمية، حيث خرجت منه بعض الفصائل وكان أبرزها لواء الإسلام. وقد أثارت هذه الخطوة سجاالً علنيًا بين التجمع واللواء، حيث أعلن لواء الإسلام في بيان صادر عن مكتبه السياسي تفاجؤه بهذه الخطوة ونفى أنّه طلب الخروج من التجمع. وأتبع اللواء هذا البيان بإعلان انضمامه إلى جبهة تحرير سورية، علامً أنّ تجمع أنصار الإسلام كان قد أصدر بيانًا في وقت سابق استهجن فيه تضمين اسمه في الإعلان عن إنشاء جبهة تحرير سورية وقت تأسيسها، وقد استدعى هذا الرد ردًا مقابالً من لواء الإسلام.
4. جبهة تحرير سورية
هي تجمع لكتائب إسلامية جرى الإعلان عنها في أيلول/ سبتمبر 2012 وتضم الكتائب والألوية التالية، لواء صقور الشام (إدلب وحماه)، تجمع أنصار الإسلام (دمشق وريفها)، كتائب الفاروق (حمص)، لواء عمرو بن العاص (حلب)، ومجلس ثوار دير الزور. وقد أكدت الجبهة على "الالتزام بالإسلام كونه المرجعية الأساسية للتشريع مع التأكيد على احترام التعددية الدينية والقومية في المجتمع"، كما أفادت بأنّها ستساهم "في ملء الفراغ المؤسساتي والأمني في الفترة الانتقالية بعد سقوط النظام". وفي حين تبدو جبهة التحرير حركة جهادية، فإنّها ليست تحالفًا أيديولوجيًا، إذ تضم إسلاميين معتدلين جنبًا إلى جنب مع جماعات جهادية سلفية. يمثل الجبهة في كثير من الأحيان مازن شيخاني، وهو المتحدث الإعلامي باسم الجبهة ومقره لندن، لكن زعيمها الفعلي هو أحمد عيسى الشيخ (الملقب أبو عيسى) من قرية سرجا التابعة لجبل الزاوية في إدلب وهو زعيم كتائب صقور الشام التي تعد واحدة من أكبر الجماعات السلفية في شمال سورية وتسيطر على جزء مهم من منطقة جبل الزاوية وكذلك المناطق الطرفية في إدلب وشمال محافظة حماة.
وقد جاء البيان التأسيسي للجبهة لافتًا لجهة اعتداله ونضجه السياسي، إذ حدد الأهÓ داف من قيامِ الجبهة، وهي: "أوالً، إسقاطُ نظام الأسدِ بجميع أركانِه. ثانيًا، حماية جميع السوريين - على اختلاف معتقداتِهِم وقوميّاتهم ومذاهبِهِم – وحمايةُ ممتلكاتِهِم الخاصة والعامةِ. ثالثًا ضبطُ السلاحِ وحفظُ الأمنِ بعدَ إسقاطِ نظامِ الأسد حتى ينالَ الشعبُ حريّتَهُ ويقررَ مستقبَلَهُ بعونِ اللهِ. رابعًا التمسك بسيادةِ سورية ووحدَتِها واستقلالِها". ويشكل "لواء صقور الشام" الثقل العسكري الأكبر في جبهة تحرير سورية. لواء صقور الشام:، تأسس في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، وخلال بضعة أشهر بدا وكأنّه القوة الضاربة الأساسية للثورة في إدلب، إذ يقدر عدد أفراده بنحو 4000 آلاف مقاتل. وفي أول فيديو أطلقته المجموعة يصور هجماتها، أكد قائدها أحمد عيسى الشيخ أنّها جزء من الجيش السوري الحر. لكن اللواء أسقط في الأسابيع التالية الإشارة إلى الجيش الحر وبدأ يتبنى خطابًا سلفيًا على نحو متزايد، من خلال مقاطع فيديو وبيانات تصدر باسمه. ومنذ ذلك الحين ظهر الشيخ في فيديو يصدر فيه التعليمات لمقاتليه، ويوضح لهم بأنّ هدفهم النهائي يجب أنّ يكون تأسيس دولة إسلامية. بدأ اللواء في الآونة الأخيرة يخفف من غلواء خطابه السلفي بتضمينه وجهات نظر أكثر اعتداالً. ففي لقاءاته الإعلامية خاصة مع الصحفيين الغربيين، يقر الشيخ ومسؤولون آخرون في اللواء أنّ هدفهم النهائي هو إقامة دولة إسلامية، لكنّهم يتحدثون أيضًا عن ضمان الحقوق الديمقراطية للأقليات، وهو موقف أقرب إلى ذاك الذي يتبناه تنظيم الإخوان المسلمين منه إلى الخطاب السلفي التقليدي.
5. كتائب الأنصار
تصف كتائب الأنصار، النشطة منذ آذار/ مارس 2012 في مدينة حمص وضواحيها، مهمتها الأساسية بأنها الجهاد. وهي تشجع على السلوك السلفي "الصحيح" وتتحدث صراحة عن الطبيعة المذهبية للصراع الدائر. تتبنى المجموعة العلم الإسلامي الأبيض، وتتصدى للعلاقة مع فصائل المعارضة الأخرى التي تصف نفسها بالسلفية، وتلاحظ "البيئة الفاسدة" التي عمل بها العديد من المقاتلين قبل الثورة (سواء في الجيش أو في الحياة المدنية.) وتصف المواد المختلفة الموجودة على موقعها على الإنترنت المقاتلين الذين لا يمارسون الشعائر الدينية بأنهم أخوة "مرضى" تنبغي معالجتهم.
سمات عامة للكتائب والألوية الإسلامية
على الرغم من أنّ مرجعيتها جميعًا القرآن والسنة، فإنّ الكتائب والقوى الإسلامية المسلحة في سورية لا تنضوي في كيان سياسي أو عسكري جامع لها، كما أنّها تتباين فكريًا، فمنها من يتبنى الفكر الجهادي العالمي الأقرب إلى القاعدة، ومنها من يتبنى خطابًا إسلاميًا وسطيًا، فيما تصف الأغلبية نفسها بالسلفية. من جهة أخرى، وعلى الرغم من أنّ معظم هذه القوى تنظر إلى صراعها مع النظام باعتباره "جهادًا ضد نظام كافر علماني"، فإنّ نبرة الخطاب الأيديولوجي تتباين من حيث الشدة والطرح. ويمكن عمومًا تحديد سمات عامة للكتائب والقوى الإسلامية أهمها: القدرة على التأثير: تمتلك هذه الكتائب مقومات كبيرة للتأثير في الشارع المنتفض منها: الخطاب الديني، وقوة التمويل، وشبكات العمل الإغاثية النشطة والمستندة إلى موارد مالية كبيرة نسبيًا، وشبكة علاقات اجتماعية واسعة، والذراع الإعلامية الفاعلة، أي أنّها تمتلك قدرات أكثر من غيرها من فصائل المعارضة المسلحة وذلك في إطار متكامل يلبي احتياجات الشارع المنتفض. بيئة العمل: في قÓ راءة معمقة لبنية هذه الكتائب وتكوينها الاجتماعي والطبقي نجد أنّ معظمها ريفي المنبت، إذ تتوافر لها بيئة العمل المثالية، والتي تبدأ من شعور الريف بالإهمال والتهميش، إلى شبكة العلاقات الاجتماعية المتينة، وصوالً إلى الطابع المحافظ للريف السوري عمومًا.
طروحاتها السياسية: تُجمع هذه الكتائب والمجموعات على أن سورية المستقبل يجب أنّ تكون إسلامية، ولكنّها تختلف في طرح تحقيق هذا الهدف وكيفيته، ففيما يذهب بعضهم إلى الدعوة لإنشاء خلافة إسلامية، يريدها غيرهم دولة إسلامية وطنية تحكمها الشريعة، في حين تبدو الفكرة عند آخرين مجرد شعار جذاب يحظى بالقبول شعبيًا.
ثالث ا: العلاقة بين تشكيلات المعارضة العسكرية السوريّة
بدأت العلاقة بين تشكيلات المعارضة العسكرية السوريّة تطرح نفسها بقوة على طاولة البحث مع تبنيّ خطوط فرز واضحة على الأرض بين التيارين الرئيسين فيها، وما رافق ذلك من تجليات، فتارة تنشب نزاعات تصل حد التصفية المتبادلة كما حصل بين كتيبة الفاروق وجبهة النصرة في الشمال، وتارة تدخل هذه العلاقة طور التعاون والتنسيق الميداني الشامل كما حصل في الاستيلاء على الرقة. في العموم، يمكن وصف العلاقة بين مكونات المعارضة المسلحة السوريّة بأنّها علاقة متغيرة ذات ديناميكية معقدة تؤثر فيها عدة عوامل أهمها: تنوع المواقف والرؤى الأيديولوجية، والتمويل، والعلاقة مع المعارضة السياسية. ولعل ما يجعل هذا الموضوع مهام وذا طبيعة حساسة هو النتائج المهمة التي تترتب عليه، فهي إما تسهم في تسريع إسقاط النظام، أو تؤدي إلى استمرار حالة الاستعصاء القائمة، أو حتى في ظهور أنماط من الصراعات الجانبية والتي قد تدخل البلاد في حالة من الفوضى الشاملة.
1. المواقف والطروحات الأيديولوجية
تثير المواقف الأيديولوجية للمعارضة العسكرية السوريّة الكثير من الإشكالات النابعة بالضرورة من غياب جسم موحد جامع لها، فنحن أمام تشكيلات وكتائب كثيرة ومتباينة اصطلحنا لضرورات البحث على تقسيمها إلى تيارين أساسيين هما: القوى ذات الميول العلمانية؛ أي المجالس العسكرية، والكتائب الإسلامية. ويوجد داخل كل معسكر من التنوع والتباين الفكري والعقائدي ما يلغي أي وحدة أيديولوجية للمعارضة المسلحة، وهو ما يفتح الباب أمام خلافات فكرية قد تتجلى نتائجها بوقائع ميدانية ملموسة.
أ. الطروحات الأيديولوجية للمجالس العسكرية
لم تتصدَّ المجالس العسكرية أو الفصائل المكونة لها للقضايا بشكل محدد أو تطلق برامج سياسية واضحة الأيديولوجية. وبكلمة أكثر دقة، فإنّ المكون الفكري أو الأيديولوجي الناظم لعمل المجالس العسكرية هو أقرب لمبادئ عامة جرى طرح معظمها على لسان قياداتها في إعلان التأسيس. ومن أهم ما تُجمع عليه المجالس العسكرية، هو تأكيدها على عدم الانتماء لتيار سياسي أو عقائدي معين، والتعامل بمسؤولية مع المجتمع الدولي، وإنشاء دولة ديمقراطية تضمن حقوق جميع مواطنيها وحرياتهم.
يمكن تفسير تبني المجالس العسكرية لهذا الخطاب برغبتها في إبراز نفسها بديالً موثوقًا يمكن التعامل معه من قبل الخارج؛ الغرب تحديدًا. كما ينمُّ هذا الخطاب العام عن غياب الأفق السياسي لدى هذه المجالس وعدم امتلاك قادتها رؤية سياسية محددة يمكن التعبير عنها بلغة فكرية متماسكة، ويعود السبب في ذلك إلى أنّ جميع الضباط المنشقين هم من منتسبي جيش النظام، الذي سيطرت عليه مدرسة البعث الفكرية لنحو نصف قرن. من الواضح أيضًا أنّ قادة المجالس العسكرية حاولوا تمييز أنفسهم عن الجماعات الإسلامية وخطابها الديني، باستثناء القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية التي دعت إلى إقامة دولة سورية مستقلة بهويتها العربية الإسلامية الوسطية القائمة على العدل والمساواة واحÓ رتام حقوق الإنسان والأقليات العرقية والدينية، والالتزام بالعهود والمواثيق الدولية والعربية والإقليمية وبما لا يخالف الشريعة الإسلامية.
وفي المجمل، تعاني المجالس العسكرية ضعف الترويج لأفكارها، نظرًا لغياب أدوات التواصل مع القاعدة الشعبية، وقلة وعيها بأهمية هذا الموضوع أصالً، فضالً عن افتقادها إلى شخصية كاريزمية قادرة على الحشد والترويج لرؤية سياسية شاملة يتبناها الشارع المعارض.
ب. الطروحات الأيديولوجية للكتائب الإسلامية
على الرغم من أنّ الكتائب الإسلامية تعتمد الشريعة إطارًا عامًا ناظامً لعملها، فإنّها تطرح رؤى متنوعة تجاه قضايا الأقليات، وشكل الدولة المستقبلية، والعهود والمواثيق الدولية. وهي تتفق في العموم على ما يلي: النظرة المذهبية للصراع (وإن كانت تتباين من حيث الشدة والطرح)، والسعي لإقامة دولة إسلامية، وتبني السلوكيات والمظاهر الإسلامية في الحياة اليومية. لكن من المفيد التنبيه أيضًا إلى أنّ لدى البعض منها مواقف أقل حدة تجاه العلويين كما هو حال لواء الإسلام؛ فعلى الرغم من تبنيه خطابًا سلفيًا، فإنّه يرفض فتاوى قتل العلويين واستهدافهم، ويستعيض عن ذلك بالدعوة إلى مقاتلة قوات النظام بغض النظر عن طائفتهم، ويرى أنّ الدعوات إلى التطهير المذهبي ضد المدنيين العلويين غير مشروعة دينيًا ولا تنسجم مع المصالح الأوسع للثورة.
تأتي جاذبية الكتائب الإسلامية وقوة تأثيرها عمومًا من امتلاكها أدوات تواصل فاعلة تتمثل في المساجد، والدعاة، ورجال الدين، والمساعدات الإغاثية، وتوظيفها في سبيل الدعوة لأفكارها ومهاجمة خصومها، خاصة المجالس العسكرية، التي تعتبر أنّها أدوات لمشروع خارجي بعيد كل البعد عن فكر الإسلام وتعاليمه. يشكل تباين الرؤى والمواقف الأيديولوجية أحد أهم العوائق التي تمنع تشكيل جسم موحد للمعارضة العسكرية السوريّة، وقد جرت بهذا الخصوص مناظرة حادة بين اثنين من المنظّرين الجهاديين هما أبو محمد الشنقيطي وأبو بصير الطرطوسي بشأن مشروعية الانضمام إلى الجيش السوري الحر. فقد أفتى الطرطوسي بجواز الانضمام، فيما رأى الشنقيطي أنّ الجيش الحر تنظيم علماني يدعو إلى الديمقراطية وهو ما يتعارض مع جوهر الشريعة، لكن الشنقيطي ما لبث أن عدّل مواقفه، فأفتى بوجوب تجمّع جميع السلفيين في جبهة واحدة هي النصرة، مع التأكيد على عدم الاصطدام مع الجيش الحر، لا بل ذهب لإجازة التعاون مع الكتائب غير الإسلامية إذا كان ذلك مفيدًا في المعركة. وقد أثرت هذه الفتاوى في علاقة جبهة النصرة بالكتائب الأخرى العاملة على الأرض؛ فمنذ تموز/ يوليو 2012 بدأت تظهر علاقة تعاون وتنسيق بين النصرة وبعض كتائب الجيش الحر، ولا سيما ذات التوجه الإسلامي، ففي حلب كان التعاون واضحًا بين النصرة ولواء التوحيد في عمليات السيطرة على مناطق مختلفة من المدينة. كما أشار متحدث باسم المجلس الثوري بحلب وريفها وهي مجموعة عسكرية ناشطة ترتبط بلواء التوحيد أنّ مقاتلي جبهة النصرة مرحب بهم كأبطال في المدينة. وقد ظهر هذا التعاون جليًا أيضًا في معركة السيطرة على الرقة وغيرها من مناطق الشمال السوري. ولم يلغ هذا وجود حالة من التوتر بين الطرفين تجلت في حصول صدامات وإن كانت محدودة بين النصرة وبعض الكتائب الأخرى المنضوية تحت لواء الجيش الحر. فقد قام مقاتلون من كتيبة الفاروق في الشمال باختطاف رئيس مجلس الشورى في جبهة النصرة أبو محمد الشامي العبسي وإعدامه. في المقابل، يعتقد أنّ جبهة النصرة هي المسؤولة عن مقتل أحد كبار قادة كتائب الفاروق في مدينة سرمين شمال سورية مطلع كانون الثاني/ يناير 2013 بعد تحميله مسؤولية قتل
العبسي قبل ذلك بأربعة أشهر، على الرغم من أنّ كتائب الفاروق لم تتهم النصرة. كذلك عربّ قادة ميدانيون من الجيش السوري الحر عن شعورهم بالغضب المتزايد من سلوك الجماعات الجهادية وخاصة جبهة النصرة، واتهموها بالسعي لخطف أهداف الثورة. ويتبدى التوتر المتصاعد بشكل ملموس، في ريف حلب الذي أصبح معقالً للجهاديين المسلحين تسليحًا حسنًا، والمدفوعين أيديولوجيًا، حيث يعتنق بعضهم فكر القاعدة ويرون في سورية ساحة للجهاد العالمي. لكن الخلاف الأبÓ رز ظهر عندما أعلنت مجموعة من الكتائب والتشكيلات المسلحة الإسلامية في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 رفضها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وعزمها على تأسيس دولة إسلامية عادلة. وقد وقع على البيان جبهة النصرة، وكتائب أحرار الشام، ولواء التوحيد، ولواء أحرار سوريا، ولواء حلب الشهباء الإسلامي، وحركة الفجر الإسلامية، ولواء درع الأمة، ولواء عندان، وكتائب الإسلام، ولواء جيش محمد، ولواء النصر، وكتيبة الباز، وكتيبة السلطان محمد الفاتح، ولواء درع الإسلام. تتضمن توجهات الموقعين على البيان طيفًا أيديولوجيًا متنوّعًا يتراوح بين التيار السني غير المؤدلج، ممثالً بلواء أحرار سورية؛ وهو فصيل من الجيش السوري الحر ينشط في شمال غرب حلب، وبين الجماعات ذات الميول الإسلامية مثل لواء التوحيد، وعدد من التنظيمات الجهادية بما في ذلك جبهة النصرة وكتائب أحرار الشام وحركة الفجر الإسلامية. وقد تراجعت بعض المجموعات عن البيان في اليوم التالي خشية ربطها بالمعسكر الإسلامي المتشدد، ونتيجة ردود الأفعال القوية التي جاءت من أطراف ثورية مدنية وعسكرية. ونتيجة لذلك، أعيد نشر البيان بصيغة جديدة بعد أربعة أيام تحت مسمى "نسخة مصححة." وأعلن قائد لواء التوحيد عبد القادر صالح تبني الموقعين الدعوة إلى إقامة دولة عادلة تحكم وفقًا لشرع الله، من دون الإشارة لعبارة "الدولة الإسلامية"، ولم يتضمن البيان الجديد أي إشارة إلى الائتلاف الوطني. وضمّت قائمة الداعمين للبيان المعدّل جميع القوى والكتائب الموقعة على البيان الأصلي بعد استبعاد جبهة النصرة وحركة الفجر الإسلامية. ألقى تضارب المواقف حول الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الضوء على حدة الخلافات بين مكونات المعارضة المسلحة السوريّة وانجرافها نحو صراعات فكرية وأيديولوجية، ما يهدد بزيادة الشرخ في العلاقة بين الكتائب الإسلامية والمجالس العسكرية، خاصة إذا تحوّل الصراع مع النظام إلى حرب مزمنة.
2. التمويل
يشكل موضوع التمويل أحد أبرز القضايا الخلافية في الثورة السوريّة، ويعدّ أهÓ مّ أسباب الخلاف والفرقة بين قوى المعارضة المدنية والعسكرية؛ فتنوع سياسات المموّلين ومحاولتهم شراء نفوذ لهم على الأرض لا يجعل فصائل المعارضة عرضة للضغوط فحسب، بل ينذر أيضًا بتحول بعض الكتائب إلى ميليشيات خاصة تتلقى أوامرها من الخارج. كما أنّ اختلاف مصالح المموّلين واختيارهم دعم فصائل دون أخرى ينقل الاستقطاب الإقليمي والدولي إلى الداخل السوري،ّ وينعكس اختلافًا على الأرض، قد يتطور ليتحول إلى اقتتال. ينذر كل ذلك بتحوّل الحالة السوريّة من ثورة شعب مقموع على نظام مستبدٍ، إلى حربٍ بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية المتنافسة على النفوذ في سورية. وفي العموم، تتوزع مصادر تمويل قوى المعارضة العسكرية بشقيها الإسلامي والعلماني على ثلاثة مصادر رئيسة، هي:
. أ تمويل حكومي: تسعى بعض الحكومات لصنع أدوات تأثير ونفوذ لها في الصراع، ومن أبرز الحكومات التي تقدم تمويالً للمعارضة المسلحة السوريّة حكومات دول الخليج، وبريطانيا، وفرنسا، وتركيا.. ب التمويل الشبكي: يعتمد هذا النوع من التمويل على شبكات منظمة لديها خبرات كبيرة في تأمين المال والسلاح. وتمتاز الجماعات الإسلامية خصوصًا بامتلاكها شبكات تمويل كبيرة عابرة للحدود. ومنذ اندلاع الثورة السوريّة وتحوّلها إلى العمل المسلح، بدأت بعض هذه الشبكات في تحويل الدعم للداخل السوري، وتعتمد في إيصاله على العلاقات الشخصية من خلال وجهاء محليين ودعاة ورجال دين داخل سورية وخارجها.. ج التمويل الذاتي: برز هذا النمط من التمويل لسد النقص الحاصل في تدفق المعونات الخارجية، كما لجأ إليه البعض لتحقيق درجة من الاستقلالية عن التمويل الخارجي المشروط. فتحوّل الكثير من الجماعات المسلحة إلى استثمار كل ما يقع تحت أيديهم من معامل، ومنشآت اقتصادية، وآلات، وآليات، ومعادن مثل النحاس والحديد، وغيرها من الموجودات ذات القيمة سواء كانت ملكيتها عامة أم خاصة، فضالً عن الأسلحة والذخائر التي يجري اغتنامها من مواقع الجيش النظامي. تشكلت المجالس العسكرية في ظل توجه إقليمي ودولي لضبط المعارضة العسكرية واحتواء التيارات "الإسلامية المتشددة" فيها. من هنا، اعتمدت المجالس العسكرية في تمويلها بشكل رئيس على مصادر تمويل خارجية حكومية غالبًا. وارتبط هذا التمويل - على ضآلة حجمه - بسياسات تلك الدول ورؤيتها للصراع؛ فتارة يجري العمل على صرف مستحقات مالية للمجالس العسكرية، وتارة أخرى يتوقف لأسباب تتعلق بمصالح المموّلين ورؤيتهم للصراع. أما الكتائب الإسلامية، فتتراوح مصادر تمويلها بين حكومات ومنظمات وهيئات وأفراد. ويعتمد لواء الإسلام ولواء الحبيب المصطفى، على سبيل المثال، على تمويل يأتي من أفراد في الخليج عبر وسطاء. فيما تعتمد كتائب أخرى على شبكات يديرها دعاة وشيوخ سلفيون مثل أحرار الشام التي تمولها الهيئة الشعبية برئاسة الشيخ الكويتي حجاج العجمي، ولواء صقور الشام الذي يقول إنّ تمويله يأتي من مغتربين سوريين وعرب؛ وذلك عبر المعارض السوري عماد الدين رشيد، في حين تتموّل بعض الكتائب المقاتلة في حمص من قبل شيوخ سلفيين في البحرين والسعودية. في الآونة الأخيرة، بدأت الكتائب الإسلامية والمجالس العسكرية على السواء بتعزيز مصادر تمويلها الخاصة؛ إذ أفرزت أجواء الصراع الدائر في سورية شكالً من أشكال "اقتصاد الحرب " القائم على مفهوم "الغنيمة"، فضالً عن تجارة السوق السوداء وفرض رسوم أو مستحقات مالية وفق ما تراه الكتائب على النشاطات التجارية والزراعية وغيرها. كما بدأت تزدهر تجارة النفط وتهريبه عبر الحدود التركية خاصة بعد سقوط عدد من آبار النفط في مناطق شمال وشرق سورية في أيدي جماعات المعارضة المسلحة. وقد وفّرت هذه التجارة موردًا ماليًا معتبرًا لبعض الكتائب، لكنّها تحوّلت من جهة أخرى إلى سببٍ للتنازع فيما بينها للسيطرة على هذه الموارد.
3. العلاقة مع المعارضة السياسية (الخارجية)
تختصر العلاقة بين المكونات السياسية والعسكرية للمعارضة جل مشكلات الثورة السوريّة، لجهة غياب التنسيق، وتدني مستوى التعاون، وغلبة الصراع والتنافس، وتقديم المصالح الضيقة على
المصالح العليا للشعب الثائر. في العموم، تتميز العلاقة بين الطرفين بعدم الاستقرار وتخضع لمتغيرات عديدة أهمها: الوضع الميداني، والارتباطات الخارجية، والتطورات السياسية، ورؤية كل طرف لدوره في الثورة.
أ. العلاقة بين المجالس العسكرية والمعارضة السياسية
شهدت العلاقة بين المجالس العسكرية والمعارضة السياسية على امتداد عمر الثورة السوريّة توافقات واختلافات من دون أنّ تستقر على وتيرة ثابتة أو تقوم على أسس محددة. ويمكن وصفها في العموم بأنّها علاقة تعاونٍ في إطارٍ تنافسي، فكل من الطرفين بحاجة إلى الآخر لكنّه يقاوم محاولات السيطرة عليه. فالمعارضة السياسية التي نشأت في الخارج تستمد شرعيتها من مدى ارتباطها وتوافقها مع حاجات المقاومين على الأرض، في حين تحتاج المجالس العسكرية إلى المعارضة الخارجية كغطاء سياسي وواجهة للتعامل مع الأطراف الدولية، فضالً عن كونها مصدر تمويل أساسي، وخاصة بعد تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وتحوّله إلى مُستَقبِلٍ رئيس للمساعدات والمنح المالية الدولية للثورة السوريّة. لم ينجح الطرفان حتى الآن في بناء علاقة مؤسساتية قابلة للحياة. وعلى الرغم من أنّ تطورًا إيجابيًا طرأ على علاقتهما بعد تشكيل الائتلاف الوطني، وتأسيس مجلس القيادة العسكرية العليا المشتركة، ليكونا المظلتين الأكثر شموالً للمعارضة السياسية والعسكرية، فإنّه سرعان ما تكشفت الخلافات ومحدودية التنسيق بينهما، إذ ظهر وكأنّ الطرفين ورثا كل تعقيدات العلاقة التي كانت سائدة بين الجيش السوري الحر والمجلس الوطني السوري. فقد أعربت بعض الفصائل المسلحة عن تحفظها على المبادرة التي أطلقها أحمد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني للحوار مع النظام. كما ثار خلاف حول الطريقة التي جرى فيها انتخاب رئيس الحكومة المؤقتة غسان هيتو، وصلت حد تبادل الاتهامات بين بعض الفصائل العسكرية وتيارات داخل الائتلاف، بل هددت بعض القوى بإسقاط حكومة هيتو ومنعها من العمل داخل سورية.
ب. العلاقة بين الكتائب الإسلامية والمعارضة السياسية
تبدو العلاقة بين القوى المسلحة الإسلامية والمعارضة السياسية أكثر تعقيدًا من تلك التي تربط القوى العسكرية العلمانية بالمعارضة السياسية. كما يشوبها الغموض المتعمد الذي يحرص الطرفان على استمراره وتغذيته. في العموم، تتنوع المقاربة السياسية للعلاقة بين الطرفين؛ إذ تميل بعض الكتائب الإسلامية للتعاطي مع المعارضة السياسية من منظور براغماتي بما يؤمّن لها التمويل، والغطاء السياسي، والدعم العسكري، في حين تفضل قوى إسلامية أخرى النأي بنفسها عن المعارضة السياسية. تعتمد المعارضة السياسية بدورها مقاربة مشابهة، فقد كانت وما زالت بحاجة لكسب تأييد الكتائب الإسلامية باعتبارها الأقوى والأكثر تأثيرًا في الداخل. وقد طرح بعض شيوخ ومنظري السلفية الجهادية رؤيتهم للعلاقة مع المعارضة السياسية ومنهم الشيخ أبو بصير الطرطوسي الذي حدد شرطين أساسيين للتعاطي معها: أولهما، عدم التعامل مع المعارضة الليبرالية أو العلمانية أو تلك التي لديها أفكار موجهة ضد الدين. وثانيهما، ضرورة تنسيق المعارضة السياسية مواقفها مع الكتائب الإسلامية وعدم تجاوزها في اتخاذ القرارات الحيوية. ويقول أبو بصير: لم تجرِ استشارتنا في عملية تشكيل المجلس الوطني السوري، وإنّنا لنختلف معه في قضية قبول جميع أطراف المعارضة، ولا سيما
تلك ذات التوجهات الليبرالية والعلمانية، حيث لا يحق لها أنّ تكون ضمن قيادات الثورة السوريّة. مع ذلك، يميل الطرطوسي إلى تبني مبدأ الضرورات، وذلك لتلافي الدخول في صراع مع هذه التيارات، وفي ذلك يقول: "ليس من الضروري في هذه المرحلة فتح معركة مع باقي أطراف المعارضة، فالآن نحن في مرحلة إسقاط النظام ومن المهم توحيد السهام مع التحفظ على أفكار المعارضة السياسية". وقد ظهر أثر أفكار أبو بصير في الموقف الذي اتخذته كتائب أحرار الشام حين تحفظت على إنشاء علاقات مع المجلس الوطني. أما جبهة النصرة، فقد رفضت التعاطي مع المعارضة السياسية من حيث المبدأ باعتبار أنّها مشروع غربي يهدف إلى احتواء المشروع الإسلامي، في حين يتعامل لواء التوحيد ببراغماتية معها من دون أن يلتزم بشيء تجاهها. وتحتفظ كتائب إسلامية أخرى بعلاقات مع بعض التيارات السياسية ضمن المعارضة؛ ففي أيلول/ سبتمبر 2011، قامت "اللجنة العامة لحماية المدنيين"، وهي مجموعة يرأسها العضو السابق في جماعة الإخÓ وان المسلمين هيثم رحمة، بإرسال بعض الأسلحة والأموال إلى مدينة حمص لمقاومة قمع النظام، وكانت تلك أول خطوة تقدم عليها جماعة الإخوان المسلمين في اتجاه دعم الثورة عسكريًا. وتشمل المجموعات التي يعتقد أنها تلقت دعامً سخيًا من الإخوان لاحقًا كتيبة الفاروق في حمص، ولواء التوحيد في حلب، وصقور الشام في جبل الزاوية وأحرار الشام في إدلب.
رابعًا: سيناريوهات العلاقة المستقبلية بين تيارات المعارضة المسلحة السوريّة
مع تحوّل سورية إلى ساحة صراع تتجاذبها التناقضات الإقليمية والدولية، وعدم وجود بوادر جدية لحل سياسي أو عسكري يفضي لإنهاء الأزمة، تبرز مخاوف حقيقية من تنامي صراعات جانبية مدمرة على هامش السياق الأصلي المتمثل بمحاولة الشعب السوري التخلص من عهد الاستبداد، والتحوّل نحو نظام ديمقراطي يكفل الحرية ويحقق التنمية. تتمثل هذه الصراعات الفرعية باحتمال نشوب صدامات دامية بين فصائل المعارضة المسلحة، وخاصة بعد أن بدأت تتضح معالم الانقسام فيما بينها. ويشير دخول القاعدة بشكل مباشر وعلني على خط الصراع، إلى حجم التناقضات التي يمكن أن تطفو على سطح العلاقة المعقّدة بين أطراف المعارضة المسلحة. مع أنّ معركة تحديد أحجام مكبوتة تجري بالفعل بين التيارين في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، فإنّ ذلك قد يتحوّل سريعًا إلى صراع مفتوح بتشجيع خارجي، وغربي على وجه التحديد. فالولايات المتحدة لم تعد ترى ما يجري في سورية إلا باعتباره جزءًا من معركتها ضد الإرهاب، وهو ما يمنع الحسم العسكري، ويعطل في الوقت نفسه الحلّ السياسي. فمع أنّ واشنطن ترغب في رحيل نظام الأسد لأنّ سقوطه يضعف نفوذ إيران الإقليمي، فإنّها ترى - من جهة أخرى - في استمرار الصراع وسيلة مجانية لإنهاك الطرفين؛ أي النظام السوري ومعارضيه الإسلاميين. فضالً عن ذلك، تمنع الولايات المتحدة وصول أموال وأسلحة إلى القوى الإسلامية التي تعتبرها متطرفة، وتوجه معظم الدعم إلى المجالس العسكرية، ما يزيد من التوتر، ويبرّر اتهامها بأنّها أداة بيد الغرب لتحقيق مشروعه في المنطقة. كما تقوم واشنطن، وبخاصة مع تراخي قبضة النظام على مناطق الحدود مع الأردن وإسرائيل، بالإشراف على تدريب مقاتلين سوريين لاستخدامهم كأدوات محليّة لمنع سيطرة قوى إسلامية على هذه المناطق الحيوية، وهو ما يعزّز احتمال وقوع صدام بين أطراف المعارضة العسكرية في مناطق الجنوب السوري. مع ذلك، يمكن القول إنّ هناك إصرارًا من أطراف المعارضة العسكرية - حتى الآن - على عدم الانزلاق نحو صراعات جانبية. وفي العموم،
يمكن الحديث عن عدة سيناريوهات تحكم العلاقة بين مكونات المعارضة العسكرية: أوالً، سيناريو التعاون في إطار تنافسي، كما هو الحال الآن؛ إذ تتجنب الكتائب الاحتكاك المباشر مع بعضها، فيما تسعى لزيادة نفوذها في أوقات الهدوء، وتذهب إلى حد التعاون لصد قوات النظام في أوقات المواجهة. ثانيًا، سيناريو الاتفاق على تشكيل جسم عسكري موحّد يضم جميع أطراف المعارضة المسلحة. وهذا أمر مستبعد بسبب الخلافات الأيديولوجية والتدخلات الخارجية؛ فعلى الرغم من أنّ انضمام قوى إسلامية إلى القيادة العسكرية العليا المشتركة - وهي أوسع تجمع لقوى المعارضة المسلحة – فإنّ قوى أخرى مهمة بقيت خارجها. كما أنّ هذه القيادة لم تثبت حتى الآن قدرتها على السيطرة أو التأثير في الفصائل المسلحة المنضوية تحت رايتها. ثالثًا، سيناريو الاختلاف والاقتتال، وهو - كما ذكرنا - يمكن أن يحصل بفعل الخلافات الأيديولوجية أو الصراع على النفوذ والمÓ وارد أو بتشجيع خارجي.
الخاتمة
تتفق تيارات المعارضة العسكرية السوريّة جميعًا، شأنها شأن المعارضة السياسية، على أنّ هدفها هو إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، وأنّها نشأت للدفاع عن الشعب الأعزل من القمع الشديد الذي تستخدمه أجهزة السلطة ضده، لكنّها تختلف على كل شيء آخر بعد ذلك. فهي لا تمتلك إجابة محددة عامّ سيحصل في اليوم التالي لسقوط النظام، ولا حتى خريطة طريق توضح كيفية إسقاطه، باستثناء الإقرار بأنّ القوة العسكرية هي الوسيلة الوحيدة لبلوغ ذلك. وعلى الرغم من أنّ معظم الفصائل تطالب بالوحدة والتنسيق المستمر باعتبارها العامل الحاسم في كسب المعركة، فإنّ عوامل الفرقة تطغى على هذه الدعوات؛ إذ تتقدم الخلافات الأيديولوجية والصراع على النفوذ والموارد على غيرها من اعتبارات. يأتي ذلك في ظل مرحلة حسّاسة جدًا من الصراع في سورية وعليها، إذ تتزايد الرهانات الإستراتيجية المرتبطة بالتنافس الإقليمي والدولي، وتترافق مع شحنٍ "طائفي" متزايد للصراع وعنفٍ متصاعدٍ، مع استمرار حالة الاستعصاء وغياب أي أفق لتسوية سياسية تضمن الحفاظ على ما تبقى من سورية وإرثها التاريخي والحضاري. كل ذلك يشير إلى حجم المسؤولية المترتبة على عاتق المعارضة السوريّة عمومًا، والعسكرية خصوصًا، وعلى اختياراتها؛ فإذا استمرت في العمل على تحقيق مصالح فئوية ضيقة، وإذا ظلت عاجزة عن إنتاج مشروع وطني قابل للحياة، فهذا يعني أنّ البلاد تنزلق باتجاه أسوأ الاحتمالات. أمّا إذا قرّرت الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، وذهبت باتجاه تأسيس مكونٍ عسكري وطني جامعٍ لا يخضع لإملاءات خارجية، فإنّ ذلك سيسرع في انتصار الثورة، وينقذ سورية من التفتت، ويجنبها صراعات إقليمية لا مصلحة لها فيها، ويعيد بناء الدولة والمجتمع على أسس أكثر عدالة وإنسانية.