التجربة الحكوميّة بقيادة حزب العدالة والتنمية في المغرب

محمد باسك منار

الملخّص

انتقلت ش رارة الاحتجاجات العربيّة إلى المغرب عن طريق حركة فبراير. وقد كانت مرشً 20 حة للتطوّر، لولا المناورة الاستباقيّة التي أقدم عليها الملك من خلال تعديل الدّستور، وتنظيم تش ريعاتٍ س ابقةٍ لأوانها. وعلى الرّغم من أنَّ حزب العدالة والت نمية لم يدعم الحركة، فقد كان أوّل المس تفيدين منه ا؛ بحي ث فاز ف ي الانتخابات بنتائجَ غي ر مس بوقة، أهَّ لته لقيادة الحكومة في أحوالٍ سياس يّة ودس توريّة متميِّزة، تحت ش عار "الإصلاح في إطار الاس تمرار." ولئ ن كان الحكم بفش ل الت جربة أو نجاحها أمرًا س ابق ا لأوانه، نظرًا إل ى أنَّ الحكومة لا تزال ف ي بدايتها، فإنَّ المحصّلة الأوليّة تبيِّن أنَّ العدالة والتنمية لم يدفع إلى حدود السّ -اعة - ف ي ات جاه تحقيق إصلاحاتٍ مؤسَّ س ية أساس ية، تكون في منزلة الق وّة الدّافعة للإنجاز في القطاعات المختلفة. إذ يبدو أنَّ منطق الاس تمرار، قد غلب منطق الإصلاح، أو لنقل قيَّده إلى أبعد الحدود. قد تستمرّ الحكومة على الرّغم من محدوديّة الإنجاز، لكن إن بقي الأمر على ما هو عليه، فسيفقد الحزب ذو التوجّه الإسلاميّ الكثير من رصيده، شأنه في ذلك شأن تجارب حزبيّة أخرى عرفها المغرب.

السياق والمحصّ لة الأوليّة والمآلات المحتملة

تقديم

بتاريخ 29 تشرين الثّاني / نوفمبر 2011، جرى تعيين السيِّد عبد الإله بنكيران - الأمين العامّ لحزب العدالة والتنمية - رئيسًا للحكومة التي وصفها الإعلام بعد تعيينها ب "نصف الملتحية". وقد حظيت هذه التّجربة الحكوميّة التي لا تزال في بدايتها، باهتمام خاصّ، ليس فحسب لارتباطها برئيس حكومة أو بوزير أوّل كما كان عليه الأمر في التجارب الحكوميّة السّابقة، وليس لأنَّها المرّة الأولى التي يقع فيها بقوّة الدّستور اختيار الرّجل الأوّل في الحكومة من الحزب السياسي الفائز في الانتخابات، ولكن أيضًا لأنَّ رئيس الحكومة وما يزيد عن الثلث من أعضائها، ينتمون لحزب ذي مرجعيّة إسلاميّة. ومن الاختبارات الأساسيّة التي أفرزها الربيع العربيّ، اختبار الإسلامييّن في انتقالهم من المعارضة إلى السّ لطة. من هذا المنطلق، تتحدَّد أهميّة الدراسة التي بين أيدينا. وللعلم، فإنَّ الهدف منها ليس إبراز أوجه التّباين بين تجربة المغرب وتجارب بعض الدّول العربيّة الأخرى التي عرفت صعود الإسلامييّن إلى الحكم، خاصّةً مصر وتونس، وإمنّ ا توخّينا - في المقام الأوّل - إخضاع التّجربة لنوعٍ من المساءلة الموضوعيّة، بالنّظر إلى الإمكانات الدّافعة من جهة، وعوامل الممانعة من جهة أخرى. لقد مرَّ على تعيين حكومة السيّد بنكيران أكثر من سنة، وهي بكلِّ تأكيد مدّة غير كافية لمساءلة سياساتها العامّة في كل مجالاتها ونواحيها المختلفة، خاصّةً أنَّه كلمّا ارتفع مستوى المتدخِّل العموميّ، كان التّقويم أكثر تعقيدًا. لذلك فإنَّنا لن نتّبع في دراستنا هذه مناهج تقويم السّياسات العموميّة، انطلاقًا من معاييرَ محدَّدة ترتبط بالملاءمة والفعاليّة والكفاية والتجانس والجدوى، إالّ في حدود معيّنة. ولا يعود خيارُنا هذا إلى حداثة التّجربة فقط، بل كذلك إلى طبيعة سياقها السِّياسيّ والدّستوريّ؛ ذاك الذي يجعل رهانها على التّأسيس للإنجاز أكبر من رهانها على الإنجاز، ولا سيمّا في سنتها الأولى. وللعلم، فإنّ فترات التّأسيس تحتاج في كثيرٍ من الأحيان إلى قرارات شجاعة، تكون بمنزلة القوّة الدّافعة للتّغيير. هناك خطّان للإصلاح يمكن أن تقودهما حكومةٌ ما؛ الأوّل منهما يكون ممكنًا في أوقات الأزمات الكبرى، وعند الاستياء من الوضع الماليّ. وينطوي هذا الخطّ على توجُّه ضخم، تدخل فيه تغييرات كبيرةٌ دفعةً واحدة. أمّا الخطّ الثّاني، فيشمل إستراتيجيّةً تدرجيّة تُصمَّم فيها خطوات التّغيير لحشد التّأييد بمرور الوقت. وقد يحتاج الأمر إلى التّضحية ببعض المكاسب القصيرة الأمد، للوصول إلى ترتيب صحيح للتّغييرات. فهل ستتّبع حكومة بنكيران الاختيار الأوّل؟ أم أنَّها ستعدّ نفسها حكومةًاستمراريّةً، لا ترى في السِّياق الذي أفرزها أزمة تقتضي تغييراتٍ كبيرةً دفعة واحدة؟ وهل إنّ عدم تبنّيها الاختيار الأوّل، يعني - ضمنيًّا - تبنِّيها الاختيار الثّاني؟ أم أنَّ الحكومة ستجد نفسها - على الرّغم من الإمكانات السياسيّة والدستوريّة التي أتاحها هذا السِّياق - مقيَّدةً بقيود ذاتيّة وموضوعيّة، تجعلها متردِّدة ومضطربة حتى في تبنّي إستراتيجيّة تدرجيّة وفق أولويّات محدّدة؟ تمثّل هذه الدِّراسة محاولةً للإجابة عن هذه التّساؤلات الأساسيّة، وذلك من خلال مقاربة تحليليّة شاملة، تضع التّجربة في سياقها العامّ، للوقوف على فرصها وتحدّياتها، وبحث مآلاتها المحتملة.

سياق سياسيّ ودستوري متميِّز

من أهمّ ما ميَّز حكومة بنكيران أنَّها جاءت في سياق سياسيّ متميِّز، يتمثّل في التحولّات التي شهدها العالم العربيّ، وكان لها انعكاسٌ على المغرب من خلال حركة 20 فبراير. ولقد نظَّمت هذه الحركةُ العشرات من المسيرات مطالِبةً بالحريّة والعدالة والكرامة، فبسببها اضطر النّظام إلى تعديل الدّستور وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها، فاز فيها حزب العدالة والتنمية بنتيجة غير مسبوقة. وتتعدَّد عوامل ذلك

الفوز؛ فحركة 20 فبراير التي كسرت الجمود السياسيّ في المغرب، قد ائح من المغاربة جعلت بعض الرشّ - ومن بينها الطّبقة الوسطى - تصوِّت لحزب العدالة والتّنمية لأنّه يمثِّل - في ظنّها - توجّه التّغيير مع الاستقرار، في مقابل التوجّه الآخر، الذي ترى أنّ حركة 20 فبراير والقوى السياسيّة الدّاعمة لها قد تمهِّد له. وقد يعني هذا التوجُّه التّغيير مع العصف بالاستقرار، على غرار ما وقع في دول عربيّة أخرى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ احتمالات تطوّر حركة 20 فبراير، قد جعلت النِّظام السِّياسيّ يقبل بحزب أغلبيّة ذي مرجعيّة إسلاميّة. يُضاف إلى ما ذُكر من عوامل، انضباطيّة الحزب وديمقراطيّته مقارنة بالأحزاب السياسيّة الأخرى، وحسن إدارته حملته الانتخابيّة، وغياب أحزاب إسلاميّة أخرى منافسة له، وعذريّته السياسيّة بحيث لم يسبق له أن توىلّ مسؤوليّةً حكوميّة. وقد كانت تجربته المحليّة في عمومها لصالحه، لما اتّصف به معظم منتخبيه من نزاهة مقارنةً بمنتخبي أحزابٍ سياسيّة أخرى. وعلى الرّغم من أنّ انتخابات 25 تشرين الثّاني / نوفمبر 2011 قد عرفت استمرار مجموعة من الاختلالات التي شهدتها الانتخابات السّابقة، ومن أبرزها تعدّد مظاهر الفساد الانتخابيّ وضعف المشاركة، فقد سُلِّط الضّ وء بقوّة على فوز العدالة والتنمية، وعلى ما أفرزه ذلك الفوز من تشكيل حكومة بقيادته، وهو الحزب ذو التوجّه الإسلاميّ. ليست هذه المرّة الأولى التي يقود فيها الحزب الذي يحصل على أعلى عدد من المقاعد الحكومة، فقد سبق أن حدث ذلك مع حكومة عبد الرّحمن اليوسفي سنة 1998. ولكنَّها المرّة الأولى التي يحدث فيها ذلك بقوّة الدّستور وليس بإرادة الملك فحسب. كما أنَّ انتخابات 2011 قد اختلفت عن انتخابات 1997 من حيث هامش النّزاهة والشّفافيّة، وتوجّهات الحزب الفائز، ومن حيث الصلاحيّات الدّستوريّة المخوّلة للحكومة ورئيسها. فعلى الرّغم من الانتقادات الكثيرة الموجّهة لدستور 2011، فإنّه قد أقرّ مكانةً وصلاحيّاتٍ مهمّة للحكومة ورئيسها، مقارنةً بما كان منصوصًا عليه في دستور 1996. فالحديث صار يدور في الدّستور الجديد حول السّلطة التنفيذيّة، وليس حول الحكومة فقط، تلك التي لم تبق مهمّتها مقتصرة على تنفيذ القوانين، وإمنّ ا أصبحت تمارس السّلطة التّنفيذيّة، وتعمل على تطبيق برنامجها، وتمارس الإشراف والوصاية على المؤسّسات والمقاولات العموميّة. وقد وقع نسخ العبارة التي كانت واردة في الفصل 60 من دستور 1996، والتي تنص على أنَّ "الحكومة مسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان." وجرَت للمرّة الأولى "دسترة" المجلس الحكوميّ الذي يتداول بشأن مجموعة من النّصوص والقضايا، تحت مسؤوليّة رئيس الحكومة. ونذكر من تلك القضايا: السّياسة العامّة للدّولة، والسّياسات العموميّة، والسّياسات القطاعيّة، والقضايا الرّاهنة المرتبطة بحقوق الإنسان وبالنّظام العام والمعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة. وأصبح من مسؤوليّة المجلس الحكومي تعيين مجموعة من الموظّفين السامين، مثل الكتّاب العاميّن، ومدراء الإدارات المركزيّة في الإدارات العموميّة، ورؤساء الجامعات والعمداء. وانتقل رئيس الحكومة - وفق النصّ الدستوري - من الوضعيّة السابقة التي كانت تجعل منه سلطة تنظيميّة وتنسيقيّة، إلى وضعيّة جديدة أصبحت له بفضلها سلطةٌ رئاسيّة على الحكومة، وصار من حقّه أن يقترح التّعيين في بعض الوظائف المدنيّة على المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، بل أصبح من حقّه دستوريًّا التّعيين في بعض الوظائف المدنية في الإدارات العموميّة وفي بعض الوظائف السامية في المؤسّ سات والمقاولات العمومية. وأتاح له الدستور آليّات مهمّة للتواصل مع البرلمان، وصار بإمكانه حل مجلس النوّاب بمرسوم يتّخذ في المجلس الوزاري بعد استشارة الملك ورئيس المجلس ورئيس المحكمة الدستورية. كما صار بإمكانه أن يطلب من الملك إقالة عضو أو مجموعة أعضاء من الحكومة. ومثلما هي الحال بالنّسبة إلى الملك، أصبح من حقّ رئيس الحكومة أن يحيل القوانين أو الاتفاقيّات الدولية إلى المحكمة الدستورية للبتّ في توافقها مع الدّستور، قبل إصدار الأمر بتنفيذها / أو قبل التّصديق عليها. ولرئيس الحكومة أيضًا، حقّ اتّخاذ المبادرة من أجل مراجعة الدستور، لكن وفق مساطر دستوريّة معقّدة مقارنةً بما هو متاح للملك. وإذا كانت بعض القوى السياسيّة قد قلَّلت من شأن تلك الصلاحيات الدستورية، على اعتبار أنَّ الحكومة في النسق السياسي والدستوري

لا تعني الحكم، وأنَّ المؤسَّسة الملكيّة لا تزال مهيمنة على المؤسّسات الدستورية المختلفة؛ فإنَّ قوى سياسيّة أخرى - بما فيها حزب العدالة والتّنمية - رأت فيها إمكاناتٍ مهمّة لم تُتح من قبل. ومن ثم،َّ فإنّه ينبغي اغتنامها بالشّكل الأمثل، وترجمتها إلى سياسات عامّة تستجيب للانتظارات التي عربّ ت عنها حركة 20 فبراير.

البرنامج الحكومي ومحاولة الإصلاح في إطار الاستمرار

بعد الانتقادات العديدة التي وجّهتها أحزاب المعارضة وبعض المنابر الإعلاميّة لحكومة بنكيران، أصدرت الأمانة العامّة لحزب العدالة والتنمية - بصفته الحزب القائد للحكومة - وثيقة تقويمية للتجربة الحكوميّة موجّهة إلى المؤتمرات الجهوية للحزب. وتتحدَّث هذه الوثيقة - التي صدرت في شهر أيلول / سبتمبر 2012 - عن بعض الإنجازات الأولية، وعامّ يعترضها من "مقاومات." ومن أهمّ ما نصّت عليه، أنَّه "لا بدّ من الاعتراف أنَّ إرادتنا في الإصلاح كانت تريد الذهاب بوتيرة أسرع وأعمق، مما اصطدم بتوازنات الوضع العام لبلدنا." ويتمظهر الاصطدام في وقوع "بعض الهزّات أو الحوادث التي فرضت علينا مراجعة مقاربتنا لوتيرة الإصلاحات." وكانت المقاربة الجديدة بحسب الوثيقة، هي "المزاوجة بين الإصرار على الإصلاح والتدرج في تحقيقه". وهنا، نؤجِّل الخوض في ماهيّة "الهزّات والحوادث" و"توازنات الوضع العامّ للبلاد"، تلك التي لم تقل عنها الوثيقة الشيء الكثير، ونتساءل: هل عبرَّ البرنامج الحكومي - الذي تقدَّم به رئيس الحكومة أمام البرلمان - فعالً عن إرادة الذّهاب بوتيرة أسرع وأعمق في طريق الإصلاح؟ البرنامج الحكوميّ إلى ثلاثة مرتكزات أساسيّة، وهي استند: العمل المندمج والمتكامل، والمقاربة التّشاركية، وربط المسؤوليّة أوّل بالمحاسبة. وشمل خمسة توجهات كبرى؛: تعزيز الهُويّة الوطنيّة الموحَّدة، وصيانة تلاحم مكوِّناتها وتنوّعها، والانفتاح على الثّقافات ثانيًا والحضارات،: ترسيخ دولة القانون والجهويّة المتقدّمة والحكامة ثالثًا الرّشيدة،: مواصلة بناء اقتصاد وطنيّ قوي رابعًا،: تطوير البرامج خامسًا الاجتماعيّة وتفعيلها،: تعزيز التّفاعل الإيجابيّ مع المحيط الجهوي والعالمي، وتقوية الأداء العمومي لخدمة المغاربة المقيمين في الخارج. ونصَّ البرنامج الحكوميّ على تحقيق نسبة نموٍّ بمعدّل %5.5، وضبط التضخّم في حدود %2، وتخفيض البطالة إلى %8، وتقليص معدّل الأمّية إلى %20، وتقليص عدد وفيات الأطفال الذين هم دون سنّ الخامسة إلى 20 وفاة لكل 1000 ولادة حيّة، وتخفيض وفيات الأمّهات عند الولادة إلى 50 وفاة في كل 100000 ولادة حيّة. كما نصّ هذا البرنامج الحكومي على تقليص العجز السكني ألف وحÓ من 840 ألف وحدة إلى 400 دة، وتمكين ما يقارب 10 ملايين مواطن مغربي من الاستفادة بصورة تدريجيّة من نظام التأمين الإجباري على المÓ رض. وعلى الرّغم من تضمّن البرنامج الحكومي هذه الأرقام وغيرها، فإنّ من أهمّ الانتقادات الموجّهة إليه من جهة مجموعة من السياسييّن والباحثين، صوغه الفضفاض، وعدم تحديده الأهداف في شكل أرقام، إالّ نادرًا. ولا يمكن لأي مطّلع على البرنامج الحكومي، إالّ تأكيد الملاحظة نفسها. وقد يُعزى ذلك إلى شعور الحكومة بالظرفيّة المتقلبة، المرتبطة أساسًا بالأزمة الاقتصاديّة العالميّة، والتقلّبات المناخية التي تجعل تحديد أهداف في شكل أرقام واضحة عمالً مغامرًا. وبالعودة إلى البرامج الانتخابية للأحزاب المؤلِّفة للحكومة، يلُاحَظ أنَّ البرنامج الحكومي لم يتضمّن مجموعةً من الأرقام التي تضمّنتها تلك البرامج، كما يلاحظ الرتّ اجع الواضح عن بعض تلك الأرقام. فلقد أشار كلٌّ من حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال في برنامجيهما الانتخابييّن إلى رفع الحد

الأدنى للأجور، ليبلغ ثلاثة آلاف درهم، قبل أن يتحوّل ذلك في البرنامج الحكومي إلى رفع تدرّجي دون تحديد أيّ حدّ ملزم. وتحدّث حزب العدالة والتنمية في برنامجه الانتخابي عن نموّ بمعدّل %7، ليتحوّل ذلك إلى %5.5 في البرنامج الحكومي. ويمكن لأيّ حزب من تلك الأحزاب أن يبرِّر ذلك بكونه لا يمثّل إالّ طرفًا في تحالف حكومي مشَكَّل من أربعة أطراف، ومن ثمَّ لا يمكن تضمين كلّ ما جاء في برنامجه الانتخابيّ في البرنامج الحكومي؛ فكثيرًا ما ردَّ بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية على منتقديهم بخصوص الرتّ اجع عن البرنامج الانتخابي، بأنَّ الشّعب لو أرادهم أن يطبِّقوا برنامجهم بحذافيره، لمنَحَهم من الأصوات ما يمكِّنهم من تأليف حكومة وحدهم. هذا على الرّغم من أنّهم يعلمون أنَّ طبيعة النّظام السياسيّ وأقفال النّظام الانتخابي، من شأنها أن تجعل ذلك مستحيالً. ويبقى السّؤال المهمّ طرحُه في اعتقادنا، هو: هل مثّلت البرامج الانتخابيّة للأحزاب المشاركة في الحكومة المرجعَ الأساس والوحيد للبرنامج الحكومي، وهو ما يمثّل فعالً قطيعة مع تجارب البرامج الحكوميّة السابقة؟ لقد نصّت الصّ فحة السابعة من البرنامج الحكومي على أنَّه (البرنامج) يستند إلى البرامج الانتخابيّة لأحزاب التّحالف الحكومي، لكنْ عند التّدقيق نجد أنَّ البرنامج الحكوميّ يستند إلى مرجعيّة من ستّة مستويات، انعكست بوضوح على مضامينه. وهذه المستويات هي: المخطّطات والمشاريع الكبرى التي انطلقت مع حكومات سابقة؛ بحيث نجد الحديث عن مجموعة من المخطّطات الهيكلية كالمغرب الأخضر، والمخطَّط الأزرق للسِّياحة، ومخطّط إقلاع الصّناعة، ومخطّط تنمية المصايد البحريّة، ورؤية 2015 في مجال الصّناعة التّقليديّة ومشروع المغرب الطّاقي، إلى جانب المشاريع الكبرى المتعلِّقة بالبنية التحتية. فلقد مثّلت هذه المخطّطات والمشاريع خريطة طريق للسّياسات العمومية في المغرب منذ سنوات. بل إنَّ بعض الصناديق التي تضمّنها البرنامج الحكومي، كصندوق التّعويض عن فقدان الشّغل، وصندوق التّضامن للسّكن (الذي تحوّل إلى صندوق السّكن والاندماج الحضري)، كانت متضمَّنة في البرنامج الحكومي للحكومة السّابقة. مجموعة من المقتضيات التي أقرّتها اللجنة الملكيّة للجهوية الموسّعة؛ كإحداث نظام إحصائيّ جهويّ، وصندوق التّأهيل الاجتماعي، وصندوق التضامن. توصيات مجموعة من المؤسسات، كهيئة الإنصاف والمصالحة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي. المبادرات والتّوجيهات الملكيّة، كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والتّوجيهات المتعلِّقة بتنظيم الانتخابات، وبمبادئ الدبلوماسية المغربية. البرامج الانتخابية للأحزاب المؤلِّفة للحكومة، التي استندت هي الأخرى - في بعض الأحيان - إلى المستويات المرجعية الأربعة السّابقة. رؤى الوزراء المحسوبين على القصر وتصوّراتهم. لئن لم يردِّد بنكيران أنّ برنامجه هو عينه برنامج الملك، على نحو ما كان يفعل الوزير الأوّل السابق عبّاس الفاسي، فإنَّ تعدّد المستويات المرجعية في برنامجه الحكومي، وحضورها المكثّف والمتداخل في مضامينه، لا يجعل التّسليم بأنَّ الحكومة هي التي تضع السّياسة العمومية - أو فلنقل كلّ السّياسة العمومية في المغرب على الأقل أمÓ -رًا سهالً. ذلك أنّ هناك خريطة طريق مسبَقة للسياسات العمومية، وهي لا تتيح للحكومة - وإن أتت في سياق مغاير، وبقيادة إسلاميّة - إالّ هامشًا محدّدًا للتخطيط العمومي. ما يجعل دور الحكومة الأوّل والأساسي هو مواصلة تلك السياسات وتفعيلها. وهذا واضح بجلاء في البرنامج الحكومي، من خلال تكرار بعض العبارات، مثل: "سنواصل"، "سنعمل على مواصلة"، "سنعمل على تفعيل." ويتبينَّ من خلال البرنامج الحكومي، أنّ منطق الاستمرار قد غلب منطق الإصلاح، أو لنقل قيّده إلى أبعد الحدود. وتجىل ذلك في تبنّي البرنامج الحكومي سياسات عموميّة سابقة، ومنها ما كان محلّ انتقاد شديد من جهة حزب العدالة والتنمية حين كان في المعارضة. وكان الأولْى في بعض هذه السياسات، التركيز على تقويمها بدالً من تفعيلها، خاصّةً أنّ السياق الذي أفرز حزب العدالة والتنمية على رأس الحكومة، يفرض ذلك بإلحاح. ومن تجلّيات غلبة

منطق الاستمرار على منطق الإصلاح أيضًا، عدم قدرة الحكومة على استغلال الهامش المتاح لها في تحديد أولويّات واضحة. ومن دون قيامها بذلك، يستحيل الحديث عن وتيرة أسرعَ وأعمق في الإصلاح، وحتّى التدرّج في تحقيقه يصبح أمرًا صعبًا.

التفاعلات بشأن المحصّ لة الأولية للحكومة

إذا رأى بعض المدافعين عن الحكومة، أنّ سنتها الأولى لا تعدو أن تكون محطّةً للاطِلّاع على الملفّات، وأنّه – بناءً على ذلك - لا ينبغي محاسبتها على الإنجاز، فإنَّ آخرين رأوْا عكس ذلك. فالسّياق السياسي والدستوري الذي أفرز الحكومة، يفرض السرعة في الإنجاز، نظرًا إلى التحدّيات المطروحة والانتظارات المتعددة. ثمّ إن الشّعارات التي رفعتها أحزاب الأغلبية خلال الحملة الانتخابية، قد أكّدت كلّها على ضرورة اتّخاذ بعض القرارات والإجراءات الحاسمة، منذ الأيّام الأولى من عمر الحكومة. يُضاف إلى ذلك، أنّ حكومة بنكيران – مثلما يؤكّده البرنامج الحكومي - تشكِّل حكومةًاستمراريّة لا حكومة قطيعة، ليس فقط على مستوى المخطّطات والمبادرات الكبرى والمشاريع المفتوحة، ولكن أيضًا على مستوى مكوِّناتها. فكلُّ حلفاء حزب العدالة والتنمية يوجدون في الأغلبية؛ ونعني حزب الاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية. ويُفترض أن يكونوا مطّلعين مسبقًا على الملفّات، وذلك بالنّظر إلى تجاربهم الحكوميّة السابقة. وع مباشرةً في العمل. ثمّ إنّ دستور وهو ما يتطلّب الرشّ 2011، قد فرض على الحكومة تحدِّيًا حقيقيًّا في ما يتعلّق بوضع البنى المؤسَّسية والقانونية لتطبيق الدستور. وهو أمرٌ كان من المفترض أن تكون له الأولويّة في السنة الأولى من عمر الحكومة حتّى يشكِّل قوّة دافعة في اتّجاه التّأسيس للإنجاز. تحدّث وزير الاتّصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، في لقاء له مع الصحافة بتاريخ 27 كانون الأوّل / ديسمبر 2012، عن محصّلة عمل الحكومة خلال سنة 2012، وعدّها إيجابيّة. وعرّج - في هذا الصدد - على إعادة الاعتبار إلى المرفق العمومي، مذكِّرًا بسلسلة من الإجراءات، من قبيل تكريس مبدأ الأجرة مقابل العمل، مشيرًا بذلك إلى الاقتطاع من أجور المضربين، ذاك الإجراء الذي بدأ تيطبيقه على موظّفي وزارة التعليم، قبل أن ينتقل إلى موظّفي وزارت الصحّة والداخلية. كما أشار إلى التوظيف عن طريق المباراة بغرض إتاحة تكافؤ الفرص، وإسناد المسؤولية داخل الإدارة العمومية عن طريق الترشيح، وإرساء منظومة الشِّكايات التي أتاحت إرسال أكثر من تسعة آلاف شكاية إلى وزارة العدل والحريات. وتحدّث عن صندوق التماسك الاجتماعي الذي بلغ رأسماله 2.5 مليار درهم، وذلك بهدف تغطية ثمانية ملايين ونصف مليون نسمة في إطار المساعدة الطبية. كما أشار إلى برنامج "تيسير" الذي يمنح المساعدات المباشرة إلى الأسر بهدف تعليم أبنائها، والبرنامج المتعلِّق بالتكافل العائلي 160(مليون درهم لفائدة 40 ألف امرأة)، مذكِّرًا أيضًا بالزيادة بنسبة %50 في مِنح الطلبة، ورفع عدد الممنوحين ليصل إلى 216 ألف ممنوح (بعد إضافة 40 ألف ممنوح)، ومضاعفة المخصّصات الاجتماعية للطلبة من إطعام وإيواء في حدود 400 مليون درهم. وتحدّث أيضًا عن تخصيص الحكومة مليار درهم، لرفع الحدّ الأدنى من رواتب التقاعد في المؤسسات العمومية والجماعات المحلية و"المياومين"، إلى جانب تخصيص مليارَي درهم لدعم مكافحة آثار الجفاف، و 890 مليون درهم لدعم القمح والدقيق المستورديْن بهدف تفادي تأثّر أسعار الخبز، وتخصيص 500 مليون درهم لصندوق التنمية القرويّة. وعلى المستوى الاقتصادي، بدا جهد الحكومة - بحسب رأي وزير الاتصال - من خلال التحكّم في التوازنات الماكرو - اقتصادية، وتخفيض العجز من %6.1 إلى %5 بعد أن كان متوقَّعًا ارتفاعُه إلى %8، في ظلّ تردّي الأحوال الاقتصادية وما يتحمّله صندوق المقاصّة من نفقات. هذا فضالً عن إجراءات اقتصادية أخرى مثل رفع الاستثمار العمومي إلى 188 مليار درهم، مع بلوغ %80 كنسبة إنجاز في فتح الاعتمادات. لا شكّ في أنّ هذه الإنجازات، تجعل من وصف السّنة الأولى من عمر الحكومة بسنة بيضاء – على حدّ تعبير بعض الإعلاميين والسياسيين - وصفًا مبالَغًا فيه. ومع ذلك، يبقى أبرز ما وقع إنجازهُ إلى حدود الساعة، مرتبطًا بورشاتٍ كانت مفتوحة في عهد الحكومة أو الحكومات السابقة. فبرنامج المساعدة الطبية "راميد" الذي شرعت الحكومة في

تعميمه، ولا تزال تواجهه صعوباتٌ متعددة، كانت تجربته الأولى قد انطلقت في جهة تادلة أزيلال إبّان حكومة عبّاس الفاسي، والأمر نفسه يُقال عن بعض الورشات الأخرى، على غرار تلك المرتبطة ببرنامج "تيسير" وبالطرق السيّارة وب "الترمواي" وغيرها. كما أنَّ معدّل النمو لم يبلغ إال %3 خلال سنة 2012، وفقًا لحزب الاستقلال / الطرف الثاني في الحكومة. وبلغ عجز الميزانية الذي كان ينبغي أالّ يتجاوز %4.8 من الناتج الدّاخليّ الخام %7.1. كما تفاقمت مديونية المغرب، فقد ناهزت %57.8 من النّاتج الداخلي الخامّ، بحسب تصريحات وزير الاقتصاد والمالية. ولقد سجّلت مجموعة من الأطراف السياسية انتقاداتٍ مهمّةً على العمل الحكومي، مثل عدم اتِّخاذ إجراءات حاسمة لمحاربة الفساد، خاصّةً أنّ ذلك كان أحد الشّعارات البارزة للأحزاب المؤلِّفة للحكومة إبّÓ ان حملتها الانتخابية. فإذا كانت الفضيحة مساعدة على الإصلاح، فإنّ سلسلة اللوائح التي نشَرها بعض الوزراء، وبخاصّة المنتمون منهم لحزب العدالة والتنمية، والتي تكشف بعض الامتيازات التي يستفيد منها بعض الناس دون غيرهم، لم تحقِّق إالّ نوعًا من الاستهلاك الإعلامي، وهو بعيد عن إحداث رجّة في الرأي العامّ تتطلّبها الفضيحة المساعدة على الإصلاح. والأسباب التي تقف وراء ذلك شتّى، في مقدّمتها الاختلاف بين أعضاء الحكومة بشأن نشر تلك اللوائح، ونشر بعضها بصورةٍ ناقصة تُخفي العديد من المعطيات والمعلومات الأساسية بخصوص المستفيدين، والسّقوط في نوع من التّمييع. بحيث أنّ نشر بعض اللوائح لا يمثّل أيّ فضيحة. كما لم يجر إرداف عملية النشر بقرارات تمنع تكرار تلك الامتيازات غير المشروعة، ونعني بالخصوص ما تعلّق منها بمأذونيّات النّقل. ومن بين ما وقع انتقاده من ممارسات، الاستمرار في قمع الاحتجاجات السلمية، واستمرار الاعتقال لأسباب سياسية، كما هي الحال بالنِّسبة إلى بعض الطلبة ومعتقلي حركة 20 فبراير، وعدم الحرص على الإسراع في عملية متابعة بعض ملفّات الفساد، وحالات الاعتداء على الحريات. كما أن الحكومة لم تستطع اتّخاذ إجراءات حازمة في اتّجاه محاربة اقتصاد الرّيع. وفي المجال الاجتماعي، عرفت السنة الأولى من عهد الحكومة، تجميدًا – إلى حدٍّ ما - للحوار الاجتماعي، كما عرفت مماطلة ملحوظة في تنفيذ اتّفاق نيسان / أبريل 2011 مع النقابات العامّ لية. وأدّت الزيادة في أسعار البنزين وبعض الموادّ الأساسية إلى انخفاض القدرة الشرائية للعديد من المواطنين. وطفت على السطح مجموعةٌ من الإشكالات التي تجعل تلك الصلاحيّات الدستورية المخوَّلة للحكومة، محلّ تساؤل. فلقد أثار مشروع القانون التنظيمي الخاصّ بالتعيين في المؤسّسات والمقاولات العمومية، جدالً سياسيًّا ودستوريًّا واسعًا. فقد رأت فيه أطرافٌ من المعارضة تخلّيًا من رئيس الحكومة عن صلاحياته، وذلك بتبنّي تأويل غير ديمقراطي لأحكام الفصلين 49 و 92 من الدستور. وقد استندت تلك الأطراف المعارضة في رأيها ذاك، إلى أنّ هذا الدستور لا يسمح للملك بالتعيين بواسطة ظهير، إالّ في ما نصّت عليه بنوده بصراحة، وهو الأمر الذي لم يجْر احترامه في مشروع القانون الذي كرَّس التعيين بواسطة ظهائر في مجموعة من المناصب السامية. يُضاف إلى ذلك، تخيلّ رئيس الحكومة عن التعيين لفائدة الملك في بعض المؤسسات التي لا تُعدّ ذات طبيعة إستراتيجية. إن هذه الملاحظات الجوهرية بخصوص أوّل مشروع قانون تنظيمي، تحيل إلى نوع من الرقابة الذاتية التي تمارسها الحكومة على نفسها، أو بالأحرى التي يمارسها رئيس الحكومة. وهي رقابة ذاتية، لا تجد مرجعيتها في الدستور المكتوب، إذا ما وقع تغليب التأويل الديمقراطي، بل تجدها بالأساس في ما يمكن أن نصطلح عليه بالدستور العميق الذي يساعد على فهم "التوازنات العامّة" التي أشارت إليها الوثيقة التقويمية لحزب العدالة والتنمية المشار إليها آنفًا. هناك قضيّة أخرى كانت محلّ العديد من السّجالات والنقاشات، وإذا ما سلّطنا الضّ وء عليها ولو باقتضاب، فإنّنا سنستفيد من ذلك في معرفة كيفية تدبير الحكم في المغرب. فابتداء من آذار / مارس 2012، وبعد أن صدّق مجلس الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري - المعروفة اختصارًا ب "الهاكا" - على دفاتر التحملات الخاصّة بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة وشركة « صورياد دوزيÓ م»، ارتفعت أصوات تندّد بذلك الإجراء، وتعدُّه تراجعًا عن المشروع الحداثي والديمقراطي. وكان من بين المحتجيّن - بل من أوّلهم - موظّفون كبار في القطاع الإعلامي. مع العلم أنَّ "المسطرة" التي اتّبعها وزير الاتصال و"الهاكا"، تتّفق تمامًا مع ما هو منصوص عليه في قانون الاتصال السمعي البصري، خاصّةًالفصل 49 منه، ومع العلم أيضًا أنّ مضمون دفاتر التحملّات ليس فيه ما يخالف الدستور. والدليل على ذلك، أنّه إثر ذلك السِّجال الطويل، أعلن وزير الاتّصال في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء (بتاريخ 16 تشرين الأوّل / أكتوبر 2012) أنّ الحكومة قد وصلها قرار تصديق الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على تعديلات دفاتر

التحملات الخاصّة بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة وشركة «صورياد دوزيم»، التي كانت قد تقدَّمت بها (الحكومة.) وعن فحص تلك التعديلات، نجد أنّها لم تغيرِّ الشيء الكثير في دفاتر التحملّات المعدّلة التي أُثير بشأنها ذلك السّجال. لم تبرز هذه القضيّة الخلل المرتبط بعلاقة الوزارة الوصية بالموظفين التابعين لها فقط، ولكنها تثير الكثير من التساؤل عن تضخيمها إلى درجة إقالة رئيس "الهاكا"، السيد أحمد غزالي. ويتبينَّ الآن أن من أهداف ذلك تبليغ رسالة إلى من يعنيهم الأمر، خاصّةًالعدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، في كون بعض الملفّات أكبر من أن تكون تحت وصاية وزير من الوزراء، يتّضح ذلك من خلال لقاء الملك بكلٍّ من بنكيران ومصطفى الخلفي وزير الاتصال الذي فتر حماسه في الدفاع عن دفاتر التحملّات بصورة ملحوظة بعد ذلك اللقاء، ويتّضح أيضًا من خلال تأليف لجنة حكومية برئاسة نبيل بن عبد الله، وزير السكن والتعمير، لتعديل دفاتر تحملّات.

عوائق العمل الحكومي

إذا كانت إستراتيجيّة التدرّج تقتضي أن تكون الإصلاحات المؤسّسية الأساسية شرطًا مسبقًا للإصلاح في قطاعات معيّنة، فإنّ حكومة السيد بنكيران لم تقم حتّى الآن بإصلاحات مؤسّسية أساسية. وكان من المفترض أن تولي الحكومة في سنتها الأولى الأولوية لمسألتين: أوّلهما استكمال الدورة الانتخابية، وثانيهما إصدار بعض القوانين التنظيمية، خاصّةً تلك المتعلِّقة بالمؤسّسات الدستوريّة. كان من شأن الاهتمام بهاتين المسألتين أن يمثّل قوّةً دافعة في اتّجاه التأسيس للإنجاز، خاصّةً أنّ الاهتمام بهما عادةً ما يكون بعد وضع الدستور أو مراجعته. فقد تباطأت حكومة السيد بنكيران في استكمال الدورة الانتخابية، ولم تنظِّم لا الانتخابات الجماعيّة ولا الجهوية، ما جعل مجلس المستشارين السابق لانتخابات 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2011 يستمرّ حتّى اللحظة، وهذا الأمر يناقض في الجوهر محاولة الرفع من الشرعية الانتخابية في دستور 2011. بل الأكثر من ذلك، أنّ التباطؤ في مسألة الانتخابات يدفع إلى مساءلة الحكومة ليس من منطلق التأسيس للإصلاح فحسب، ولكن أيضًا من منطلق تفعيله، على اعتبار أنّ البرنامج الحكومي قد نصّ، تنفيذًا لتوجيهات ملكيّة، على اعتماد جدولة زمنية مضبوطة لإقامة بقيّة المؤسسات الدستورية قبل نهاية سنة 2012، وأنّ الحكومة "ستعمل على اتّخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بإجراء الاستحقاقات الانتخابية في آجالها المقرّرة". أمّا بخصوص القوانين التنظيمية التي تكتسي أهميّة خاصّةً في تطبيق الدستور، فإنه لم يصدر من 16 قانونًا تنظيميًّا أو أكثر إالّ قانونٌ واحد، وقد تطلَّب إصدار ذلك القانون حيّزًا زمنيًّا ليس باليسير، ما يجعلنا نتساءل إذا كان ما يزيد عن 20 في المئة من العمر الافتراضي للحكومة – 5 سنوات - لم يسعف إالّ في إصدار قانون تنظميّ واحد، فهل سيسعف ما تبقّى من عمرها في إصدار 15 قانونًا تنظيميًّا؟

يبدو من خلال بطء العمل الحكومي عمومًا، ومن تلك الإشكالات المثيرة، وتواضع المحصّلة الأولية لحكومة السيد بنكيران، أنَّ هذه الأخÓ رية، وإن لم تكن محاصرةً باحتجاجات سياسية من خارج المؤسّسات، كما هي الحال في تونس ومصر، محاصرةٌ بمجموعة من العوائق الذاتية والموضوعية، لعلّ في مقدّمها المنطق الذي يشتغل به رئيس الحكومة، فالسيد عبد الإله بنكيران جعل هدفه الأول إرضاء المؤسّسة الملكيّة والمحيط الملكي، الأمر الذي جعله في كثير من الأحيان ملكيًّا أكثر من الملك، يمارس على نفسه وعلى حكومته رقابة ذاتيّة مبالغًا فيها، وغالبًا ما تكون تلك الرقابة من مرجعية التأويل السلطاني للدستور وليس التأويل الديمقراطي الذي يطالب به بعض الأفاضل الديمقراطييّن. وقد انطلق أوّل مسلسل ذلك التأويل السلطاني بعرض الهيكلة الحكومية على الملك للتصديق عليها، مع العلم أنّه لا يوجد في الدستور ما يُلزم بذلك، ولعلّ من صور تلك

الرقابة الذاتية المبالغ فيها أيضًا المخطّط التشريعي الذي أعدّته الحكومة، وأحال إعداد أربعة من مشاريع القوانين إلى الديوان الملكي قبل أن تتدخّل الأمانة العامّة للحكومة وتجعل الأمر مقتصرًا على واحد منها هو القانون المتعلِّق بمجلس الوصاية. إنّ تكرار شكوى السيد بنكيران من "العفاريت والتماسيح"، يبينِّ أنّ هناك فعالً جهات تقاوم التغيير، خاصّةً إذا كان من يرفعون شعار هذا التغيير من توجّه إسلاميّ، لكن ما يأخذه المعارضون على رئيس الحكومة أنَّه لم يُسم هذه الجهات باسمها، إضافةً إلى أنَّه كان يعلم ذلك مسبقًا، وظل يرفع شعاراتٍ كبيرة، مثل محاربة الفساد ووضع حدّ لاقتصاد الريع، لذلك فلا حاجة اليوم إلى الاختباء وراء "العفاريت والتماسيح" وتبرير ضعف الإنجاز الحكومي بوجود جيوب لمقاومة التغيير كما كان يقول الوزير الأوّل السّابق عبد الرحمن اليوسفي. إنَّ حكومة ما بعد انتخابات 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2011 حملت معها عوائقها منذ تعيينها، إذ إضافةً إلى غياب التجربة السابقة في العمل الحكومي عند الطرف الأساسي فيها، أقصد حزب العدالة والتنمية، هناك هشاشة في الانسجام الحكومي، فالحكومة تتألّف من أربعة أحزاب سياسية، وهو عدد قليل بالمقارنة مع تجارب حكومية سابقة، إالّ أنّ هذه الأحزاب بينها اختلافات أيديولوجية وسياسية ملحوظة، الأمر الذي يؤثِّر سلبيًا في العمل الحكومي، بل إنّ سلوك بعض الأحزاب المؤلِّفة للحكومة يبينِّ أنّ من الوظائف المرسومة لها، سواء وعَت ذلك أم لا، ضبط وزراء حزب العدالة والتنمية، وثنْيهم عن بعض المبادرات أو القرارات غير المرغوب فيها، وقد تأكّد ذلك بوضوح في قضيّة دفاتر التحملّات. من دون أن ينفي ذلك بعض أخطاء العدالة والتنمية في إدارته التحالف الحكومي، إذ حتّى ميثاق الأغلبية يلاحظ كيف أن بعض الأطراف الحكومية تحتجّ على عدم احترامه. يُضاف إلى ذلك أنّ الحكومة لم تنطلق من هيكلة حكوميّة واضحة على أساس برنامج حكوميّ، وإمنّ ا انطلقت بهيكلة هجينة كان دافعها إرضاء الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة والمؤسَّسة الملكيّة، ما كرَّس كثرة الوزراء على عكس ما بشرَّ به السيد بنكيران عند تعيينه، وأنتج وزارات برأسين متشاكسين. ولعلّ من عوامل الارتباك الحكومي أيضًا عدم تحديد الأولويّات بدقّة، وعدم وضع جدولة زمنيّة تحدِّد ما هو مطلوب إنجازه في كلِّ سنة. لقد حاولت الحكومة تدارك ذلك من خلال المخطّط التشريعي الذي أتى متأخّرًا، مع العلم أنّ بعض مشاريع القوانين التي وضع المخطّط سقفًا لها في نهاية سنة 2012 لم يجْر إعدادها بعد. وقد أسهم ضعف المعارضة البرلمانيّة بصورةٍ غير مباشرة في ضعف العمل الحكومي، فكثيرًا ما جرىَ الانسياق وراء نقاشات سياسوية لا طائلَ منها.

حكومة السيد بنكيران والسيناريوهات المحتملة

تواجه حكومة السيد بنكيران ثلاثة سيناريوهات محتملة، أوّلها: استمرار الحكومة في التحالف نفسه والهيكلة ذاتها والوزراء أنفسهم، مع محاولة التجديد في الديناميّة والمنهجية، لتجاوز البطء الذي طبع سنتها الأولى، ولعلّ ما يساعد على هذا السيناريو هو عدم وجود أزمة حادّة، سواء داخل الحكومة أو خارجها، تفرض الحاجة لبدائل ثانيها أخرى.: إسقاط الحكومة أو استقالتها، وما قد يساعد على هذا السيناريو عجز الحكومة عن استكمال البنى المؤسّسية والقانونية للدستور، وعجزها عن تقديم حلول لبعض الملفّات الأساسية كملف صندوق المقاصة الذي بلغ 54.9 مليار درهم، ما يعني ارتفاع تحولّات المقاصة إلى نحو 28 مليار درهم عن التوقّعات المعلنة في ميزانية 2012، كما صرّح بذلك السيد نزار بركة وزير الاقتصاد والماليّة، وملفّ نظام التقاعد الذي يكلِّف التأخّر في إصلاحه 20 مليار درهم سنويًّا انطلاقًا من سنة 2012 كما صرّح بذلك مدير الصندوق المغربي للتقاعد، السيد محمد العلوي العبدلاوي. ومع ذلك يبقى هذا السيناريو مستبعدًا، نظرًا لغياب أحد العوامل الثلاثة الحاسمة في تحقّقه، وهي: أواّلً، وجود أزمة حادّة بين الملك ورئيس الحكومة، إذ لم تظهر حتّى اللحظة أيّ بوادر في هذا الاتّجاه، خاصّةً في ظل الانضباط الشّديد الذي يبديه السيد بنكيران تجاه المحيط الملكي وحرصه الشديد على كسب ثقة الملك، وإن كان ذلك على حساب التأويل الديمقراطي للدستور أحيانًا. وثانيًا، وجود أزمة شديدة بين المعارضة البرلمانية والحكومة، ولا تبدو في الأفق القريب أيّ بوادر لذلك، خاصّةً في ظلّ ضعف المعارضة وحرصها على العمل المؤسساتي. وثالثًا، وجود حركةٍ احتجاجيّة سياسية قوية تجعل من مطالبها

رحيل الحكومة، ولا توجد حتّى اللحظة مؤرشّ اتٌ قوية تؤكِّد تشكّل هذه الحركة السياسية الاحتجاجية في الأفق القريب؛ خاصّةً بعد انسحاب جماعة العدل والإحسان من حركة 20 فبراير. هناك بالفعل احتجاجاتٌ اجتماعية في مجموعة من المناطق تمثّل تحدّيًا لحكومة السيد بنكيران، لكنّ النّظام نجح حتّى الآن في جعلها احتجاجات معزولة، خاصّةً في ظلّ الانقسام الكبير في صفوف المعارضة خارج البرلمان. وما يجعل هذا السيناريو مستبعدًا أيضًا كلفته السياسية العالية، فإسقاط الحكومة أو استقالتها يعني سياسيًّا فشل المسار الذي نهجه المغرب منذ خطاب 9 آذار / مارس 2011، كما أنّه لا يوجد بديل في المرحلة الحاليّة عن حكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية. أمّا السيناريو الثالث، وهو المرجّح، فهو استمرار الحكومة مع تعديل حكومي جزئي، وقد يشمل هذا التعديل، إضافةً إلى تغيير بعض الوزراء، بعض التغييرات في الهيكلة الحكومية، وإن كان من المستبعد أن يشمل تغييرًا في التحالف الحكومي، وما يجعل هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا مطالبة الحليف الثاني للعدالة والتنمية، أي حزب الاستقلال، بإجراء تعديل حكومي، كما أنّ هناك بعض الانتقادات الموجّهة للتشكيلة الحكوميّة يمكن حلّها من خلال هذا التعديل الجزئيّ، كمشكلة ضعف تمثيل المرأة في الحكومة، ومشكلة الوزارات ذات الرأسين.

ترجيح استمرار الحكومة مع تعديل حكومي جزئي لا ينفي إمكانيّة حدوث مفاجآت، خاصّةً أنّ الحركة الاحتجاجيّة التي يعرفها المغرب مرشّحة للتطوّر أكثر، فالحكومة أبدت حتّى الآن مسايرةً كبيرة لتوجّهات المنظمّات الماليّة الدولية التي غالبًا ما تهدف إلى تحقيق توازنات ماليّة صرفة دون اهتمام كبير بالآثار الاجتماعية، كما أن المناوئين للتجربة من داخل النظام قد ينتقلون في أيّ لحظة من إستراتيجية كسب الوقت وضبط فاعليّة الحكومة بالشكل الذي يسهم في التنفيس عن الشّعب، ولو مرحليًّا، ولا يضرّ بشرعية الإنجاز لدى المؤسَّسة الملكيّة ولا يمسّ بامتيازات الفئات المخزنيّة المتحالفة، إلى إستراتيجية الانقلاب الكيلّ على التجربة، إذا ما أبدى حزب العدالة والتنمية نوعًا من الممانعة للضبط، أو إذا ما ظهرت مستجدّاتٌ إقليمية ودوليّة تدفع في اتّجاه الإفشال الفوري وليس فحسب الإفشال عبر الزمن. ومن دون استباق للحوادث، يظهر أن التحدّي البارز الآن في وجه الحكومة هو تحدّي الإنجاز وليس تحدّي الاستمرار، فهناك ملفّات ثقيلة ترتبط بالشغل والأمن ومحاربة الفساد وصندوق المقاصة ونظام التقاعد وغيرها، وما يزيد في خطورة هذا التحدّي هو أنّ حزب العدالة والتنمية في رئاسته للحكومة لم يدفع حتّى اللحظة في اتّجاه إصلاحاتٍ مؤسّسية أساسيّة تكون في منزلة الأرضيّة الصّ لبة التي يكون على أساسها الإنجاز. قد تستمر حكومة السيد بنكيران بإنجازات متواضعة وآنذاك سيكون حزب العدالة والتنمية نفسه أوّل من يدفع الثمن السياسي لذلك، إذ من المرجّح أن يشهد الحزب مسارًا تراجعيًّا مثله مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوّات الشّعبية بعد تجربة ما سُمّي بحكومة التناوب التوافقي سنة.1998