مراجعة كتاب انفصال جنوب السُّ ودان: المخاطر والفرص

أحمد إبراهيم أبو شوك

عنوان الكتاب: انفصال جنوب السودان: المخاطر والفرص. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النر:.2012 المؤلف: مجموعة مؤلفين. عدد الصفحات: 480 صفحة.

شغلت قضيّة جنوب السُّودان حيزًا واسعًا في الدراسات الأكاديميّة والحوارات السياسيّة بمستوياتها المختلفة؛ لأنَّ معطياتها الأوليّة كانت تستند إلى تركة إنسان الشمّال الذي ورث سيادة الدولة القطريّة المستقلّة من المُستعمر الإنكليزي - المصري 1956-1898()؛ إالّ أنّ هذه السِّيادة طعن في شرعيّتها شريكه في الجنوب، وبذلك انهارت الثّقة بين شقّي القُطر الواحد. وتدريجيًا، تحوّل هذا الانهيار إلى حالة أزمة، ثمّ بلغت تلك الأزمة ذروتها في الرصّ اع السياسي المسلّح الذي جثم على صدر البلاد وأنفاس العباد أكثر من نصف قرنٍ من الزمان، وأخيرًا حُسم تفاوضيًّا باتّفاقية السلّام الشّامل لسنة، وسياسيًّا باستفتاء شعبيٍّ أ 2005 جري في جنوب السُّودان، وفي أوساط الجنوبييّن القاطنين في الشمّال؛ فكانت كفَّته راجحة لمصلحة الانفصال من دون الوحدة الطوعيّة، وقيام دولة جنوب السُّودان في تموز / يوليو 2011. وبذلك صدقت فرضيّة الأستاذ دينق أكول روي الذي استشرف قبل ما يقارب العقدين من الزمان أنَّ القواسم المشتركة بين الشمّال والجنوب أقلُّ صلابةً وجاذبيّةً من نظائرها التي تفرِّق بين الطرفين. وبناءً على ذلك، فإنَّ نضال إنسان الجنوب ضد الشمّال سيفضي في خاتمة المطاف إلى قيام دولةٍ مستقلّةٍ وذات سيادة كاملةٍ في جنوب السُّودان. وقبل أن يكون الانفصال واقعًا ماثال للعيان، تنوَّعت آراء العاملين في الحقل السياسيّ وأطاريح الباحثين في الأروقÓ ة الأكاديميّة في تحديد الأسباب الكامنة وراء مشكلة الجنوب، وكيفيّة معالجتها من خلال اتّفاقياتٍ ومواثيقَ تهدف إلى إعادة صوغ مفهوم الهُويّة، وإعادة النظر في معايير المشاركة في السُّلطة، وكيفيّة توزيع الثروة مساواةً بين المركز والتخوم. ونذكر من أصحاب هذه الأطاريح: الأستاذ الجامعي محمد عمر بشير، ورجل القضاء والسّ ياسة الأستاذ أبيل ألير، والدبلوماسي - السياسيّ الدكتور خالد، والسياسي الدكتور فرانسيس منصور  -دينق  الأكاديميّ، والعسكري - الأكاديميّ الدكتور محمود قلندر. فلا عجب أنَّ أطاريح هؤلاء وغيرهم كانت تحمل بين ثناياها كثيرًا من القواسم المشتركة التي كانت ترمي إلى ترسيخ عُرى الترابط بين الشمّال والجنوب، وبعضًا من الفرضيّات المتبادلة التي كانت تنذر بأنَّ مآلات الرصّاع السياسيّ المسلّح، والمعالجات الخطيرة للقضايا الشائكة ذات التوجّهات الدينيّة والعرقيّة، ستفضي إلى ذبح الوحدة قربانًا على عتبات الانفصال، علامً بأنَّه أبغض الحلال لأهل السُّودان ومصالحهم المشتركة وأمنهم القومي. وبموجب إعلان انفصال جنوب السُّودان أضحى الحوار الأكاديمي والجدل السياسيّ يÓ دور في فلك استشراف المستقبل بمخاطره وفرصه المتوقّعة، وكيفيّة تفعيل العلاقة السياسيّة والاقتصاديّة تفعيالً إيجابيًّا بين القطرين المتجاورين بدالً من أن تكون علاقتهما السياسيّة والدبلوماسيّة قائمة على إفرازات الخصومة والعداوة. ومن أهمّ الدراسات التي وقفتُ عليها حديثًا في هذا المضمار الكتاب موضوع هذه المُدارسة، الذي أصدره المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، لمجموعةٍ من الباحثين، بعنوان: انفصال جنوب السُّ ودان: المخاطر والفرص. يتكون الكتاب من 480 صفحةً من القطع المتوسّط، مُقسَّمة إلى قائمة محتوياتٍ (ص. 5-18)؛ وتعريفاتٍ بأسماء المساهمين في تأليفه (ص. 19-21)؛ ومقدّمة عامّة (ص. 23-32)؛ وثلاثة أقسام مُتفرِّعة إلى ثلاثة عشر فصالً، يتقدّمها قسمٌ عن مقدِّمات الانفصال (ص. 33-164)، ويتوسّطها آخر عن التّأثيرات الخارجيّة (ص. 165-256)، وثالثٌ عن النتائج والتحدّيات (ص. 257-456)، وأخيرًا، ذُيِّل الكتاب بفهرسٍ عامٍّ عن الإعلام، والأماكن، والمؤسّسات، والقضايا المفتاحيّة (ص. 457-480) وفي مراجعتنا لهذا الكتاب القيِّم في موضوعه يستند منهج العرض والتحليل والنّقد إلى ثلاثة محاور رئيسة، تتمثَّل في الأقسام الثلاثة المفتاحيَّة التي انطلقت منها فرضيّات الباحثين، وأ سست عليها مفردات أبحاثهم، ودارت في فلكها النتائج والمقترحات والملحوظات التي توصَّلوا إليها، وتقاطعت عندها الإجابات عن بعض الأسئلة التي عرضوها في متون قراءاتهم التوثيقيّة - التحليليّة، المرتبطة بتاريخ العلاقة الجدليّة بين الشمّال والجنوب، واستشراف المخاطر والفرص النّاجمة عن قيام دولة جنوب السُّودان، ومدى تأثيرها في إستراتيجيّات تقسيم مياه النيل بين دول الحوض، وانعكاسات ذلك على دولتي المجرى والمصب (السُّودان ومصر)، وإلى أيّ مدى يُسهم قيام دولة جنوب السُّودان، وفق أجندتها المطروحة (مشروع السُّ ودان الجديد) في تفكيك وحدة السُّ ودان الشمّاليّ، وتهديد الأمن

القوميّ العربيّ؟ مثل هذه الأسئلة والإجابات عنها تجعل هذا السّفر القيّم في موضوعه جديرًا بالقراءة الفاحصة، والمراجعة المتدبّرة؛ لأنَّه يعرض حزمةً من القضايا الجوهريّة المثيرة للجدل، والتي تحتاج إلى حوارٍ هادفٍ في أوساط النّخب المثقّفة وصنّاع القرار السياسيّ في الشمّال والجنوب.

مقدِّمات انفصال جنوب السُّ ودان

ابتدر هذا القسم (أو المحور) النور حمد بمقالةٍ عنوانها: "انفصال جنوب السُّودان: نظرة كليّة في مفترق التحوّل الماثل"، ساندًا رافعته إلى "مأزق الهُويّة العرقيّة والدينيّة" الذي يراه أسَّ المشكل السُّوداني، ومحتجًا بأنَّ النّخب الحاكمة في السُّودان لم تستطع أن تكيِّف وضع القُطر الجيوستراتيجي خارج ضحالة التّكييف التي انحصرت في السؤال النّمطيّ: "هل السُّودان قُطرٌ عربيٌّ؟ أم قطرٌ أفريقيٌّ؟ أم قطرٌ عربيٌّ / أفريقيٌّ؟ ويعتقد المؤلف أن الصَّوغ الخاطئ لهذا السؤال الجوهريِّ أفرز حزمةً من الإجابات الخاطئة التي أسهمت في انفصال جنوب السُّودان. ولذلك يعتقد النور حمد أنَّ مثل هذا السؤال الجوهريّ كان يجب أن يهدف في المقام الأوّل إلى رسم الكيفيّة التي يجب أن يكون عليها ارتباط السُّودان "الجيوستراتيجي، والجيوسياسيّ بمحيطه العربيّ والأفريقيّ والإسلاميّ؛ لأنَّ المكوِّنات العرقيّة والدينيّة واللغويّة"، وفق وجهة نظره، "ليست... الأهم في رسم تلك العلائق، بل المصالح الجيوستراتيجيّة المترابطة التي تتعلّق بالبقاء، والأمن، والنّمو، والمصلحة بشكلٍ عامٍّ" (ص. 40) ويرى أنَّ "شعارات الهُويّة الدينيّة، واللغويّة، والإثنيّة في كثيرٍ من تجلّياتها السياسيّة واحدةٌ من أحابيل الأكاديميا الغربيّة، ومراكز الدراسات الغربيّة، والاستخبارات الغربيّة أيضًا، بوصفها آليّةً جديدة للإبقاء على سياسة فرِّق تسد القديمة" (ص. 40) ويرى أيضًا أن تجاوز سلبيّات جدل الهُويّة العقيم الذي أفضى إلى انفصال جنوب السُّودان كان يجب أن يتبلور في قيام دُستورٍ يُقرّ الديمقراطيّة نظامًا لتداول السلطة، وينصُّ على التعدديّة الحزبيّة والحريّات الأساسيّة. ولذلك يلحظ أنَّ إصرار النّخب الشمّاليّة السُّ ودانية على حصر الهُويّة السُّودانية في كونها "عربيّة إسلاميّة" على الرّغم من أنَّ السُّودان قطر "تخومي" شديد التنوّع، وله تمدّداته الإثنيّة، واللغويّة، والعقديّة في دول الجوار،...[قد أثر] في حرمان السُّودان من إنشاء روابط أمنيّة متبادلةٍ مع دول الجوار المؤثِّرة، مثل أثيوبيا، وكينيا، وأوغندا. فلولا نظرة تلك الدول السلبيّة المستريبة نحو السُّودان، لما انفصل جنوب السُّودان" (ص. 42) وإلى جانب هذه النظرة المستريبة، يشير حمد إلى ضعف إستراتيجيّات الدول العربيّة المرتبطة بأمنها القوميّ، وفي مقدّمها مصر ذات النظرة الخديويّة تجاه السُّودان؛ لأنّها من وجهة نظره لم تهتم بالعمق الجيوستراتيجي لدولة السُّ ودان الذي يربطها بالدول الأفريقيّة وإقليم البحيرات، ويسهم في ترسيخ ثوابت الأمن القوميّ العربيّ الذي تستهدفه المخطّطات الصهيونيّة. يقودنا هذا العرض إلى التصّريح بأنَّ النور حمد قد نظر إلى إشكاليّة الهُويّة من خلال بُعدها الجيوستراتيجيّ المرتبط بالأمن القومي، والتنمية الشّاملة، والتواصل الإيجابيّ مع دول الجوار، وبذلك غلَّب البُعد الوطنيّ المرتبط بمفهوم الوطنيّة في معاييرها العليا على حساب البُعد القوميّ المرتبط بالتشكيلات الإثنيّة، والبُعد الديني المنضوي تحت لواء الإسÓ الم. وبهذه الكيفيّة رجَّح كفَّة الانتماء إلى العمق الجيوستراتيجيّ الذي يمثِّل الرّكن الأوّل لبناء الدولة القطريّة الحديثة، والقاعدة التي يستند إليها الركنان الآخران: الشعب والسِّ يادة (السلطة العامّة)؛ لأنَّ القاعدة الوطنيّة، بحسب عرضه، تمثِّل المرجعيّة الأصلح لتوصيف الهُويّة القائمة على إقرار مبدأ الوحدة داخل حدود الدولة السياسيّة، وتثمين التنوّع القومي الناسج لشبكة العلاقات الوحدويّة في نهاياتها العليا، واحترام الآخر في نهاياتها الدنيا. وصبَّت مقالتا عبد الله الفكي البشير وعبد الله علي إبراهيم في إطار إشÓÓ كاليّة الهُويّة من زاويةٍ أخرى، فقد تناولا دور النّخب الحاكمة في إدارة التنÓÓوّع الثقافيّ والعرقيّ، وفق حزمةٍ من الشّÓÓ واهد التاريخيّة السÓÓالبة التÓÓي تدثّرت بها الممارسÓÓة السياسÓÓيّة في سÓÓ ودان ما بعد الاستقلال. وجاءت مقالة البشير بعنوان: "الإخفاق في إدارة التنوّع"؛

إذ قÓÓ دَّم رصÓÓ دًا تاريخيًّا حيًّا لتراكÓ امت التنوّع الثقافيّ في السُّÓÓ ودان، بتجلّياتها الدينيّة، والإثنيّة، واللغويّة. وبناءً على ذلك، أسَّ ÓÓ س قراءته النقديّÓÓ ة لإخفاقات النّخب الحاكمة على فرضيّةٍ مفادها أنَّ الإخفاق في إدارة التنÓÓ وّع في السُّÓÓودان يُعزى إلى غيÓÓ اب الديمقراطيّة الحقَّة، وضعف الوعي النخبويّ بكيفيّة توظيفه في خدمة الدولة والمجتمع، فضالً عن غياب الإسÓ رتاتيجيّات النّاظمة لإدارته، والسياسات القادرة على تعبيد مسÓÓ ارات تفاعله وفق قيمٍ معياريّة يتواضع عليها الناس أجمعÓ ني. وتعضيÓÓدًا لهÓÓذه الفرضيّة، استشÓÓهد البشÓ ري بجملةٍ من المشÓÓ اهد التاريخيّة المرتبطة بتجاهل النّخب الحاكمة أهميّة التعدّد اللغويّ، ودوره في إثراء التّفاعل الثقافيّ، فضالً عن الدّعوة إلى الدستور الإسلاميّ التي تعارضها بعض المجموعات الدينيّة، والقوى السياسيّة، بحجّة أنّها لا تتناسÓÓ ب مع تنوّع السُّÓÓودان. وكما يرى البشÓ ري، فإن هذه النÓ ام ذج كانت تسÓÓ تمدُّ مرجعيّتها مÓÓ ن إصرار معظم النّخب الشّÓ امليّة الحاكمة والمعارضة "على إلباس الهُويّة العربيّة الإسلاميّة لجميع شÓÓ عوب السُّÓÓ ودان"، من دون مراعاةٍ لخصوصيّاتهم الثقافيّة المتعÓÓ دّدة (ص.) وبذلÓÓك يتّفق طرح البشÓ ري مÓÓ  84 ع رؤية محمد جلال هاشم التي تتّهم النّخب الشّÓ امليّة الحاكمة بتجاهل "طبيعة الشÓÓ عب السُّÓÓ ودانيّ، وتركيبته من حيث التعدديّة الثقافيّة، والإثنيّة، والدينيّة"، ولذلك أخفقت في إدارة التنوّع بآليّاتٍ أحاديّةٍ لا تراعي خصوصيّÓÓات الآخرين، بÓÓل إنّها في بعÓÓض الأحيان كانÓÓ ت تعاملهم مÓÓ ن منطلقاتٍ دونيَّةٍ، وتتجىلّ شÓÓواهد ذلك في سلسÓÓ لة الاتّفاقيّات التÓÓ ي عقدها المركز مع التخوم، وقادت أكثرها حظًا وزخامً سياسÓÓ يًّا (اتّفاقية السّÓ ال م الشّÓÓ امل) إلى انفصال جنوب السُّÓÓ ودان. وتأتي مقالة عبد الله علي إبراهيم، "حركة وطنيّة سودانيّة أم حركات وطنيّة: تاريخ ما أهمله التّاريخ عن جنوب السُّودان، أجور الزنج ومسألة الجنوب"، مُعضدة الطرح الذي قدَّمه عبد الله الفكي البشير عن إخفاق النخب السُّ ودانية الحاكمة في إدارة التنوّع الثقافي والعرقيّ والدينيّ؛ إذ استشهد بقضيّة السّودَنة، وقسمتها الضيزى بين الجنوبييّن، ما جعله يصفها ب"الشمّالة." وفوق هذا وذاك يلقي إبراهيم ضوءًا ساطعًا على سياسة الأجور غير المتكافئة التي طبّقتها الحكومات الوطنيّة الباكرة بين الشمّالييّن والجنوبييّن. ويرى أن هذا الإخفاق المبكّر، أو "السّ ذاجة السياسيّة التي... أصابت مؤتمر الخرّيجين" آنذاك، والأحزاب السياسيّة لاحقًا، ربما نشأت "من نبع ثقافيٍّ دينيٍّ باطنٍ؛ لسياسة الخرِّيجين تجاه الجنوب. فمتى عرضنا نشاط فروع المؤتمر في الجنوب، التي غلب فيها الشمّاليّون... رأينا التحيّز الثقافيّ، إذ تكفلَّت تلك الفروع ببناء المساجد، ودعم مدارس القرآن (الخلاوي") (ص. 134)

لا شكّ أنَّ كلَّ هذه الوقائع المتنوّعة والمتراكمة التي عرضنا طرفًا منها في المقالات السّÓÓ الفة تصبُّ في إطار أطروحة محمود قلندر، الواردة في كتابه جنوب السُّ °°ودان: مراحل انهيار الثّقة بينه وبين الشّ ° مال، والتي وثَّقت لرصيد مشÓÓكلة الجنوب المترابÓÓ ط الحلقات والمتداخل الأدوار مÓÓن خلال قÓÓراءةٍ جديدةٍ تقوم على مفهÓÓ وم انهيار الاتصال في خمسÓÓ الاجتماعيّ الذي أطَّر له لويس كوزر Lewis Coser ينيّات القرن الماضي، بوصفÓÓ ه حالةً "اجتماعيّة نفسÓÓ  -يّة ناتجةً من وجود واقعٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ ونفسيٍّ شديد التباين بين الأطراف المشتركة في عمليّة الاتصال." وتظهر هذه الحالة في بداياتها في شكل نزاعٍ منبثق عن إحسÓÓ اس أحد الأطراف بأنَّ الطّرف الآخر يخالفه في المواقف، أو الآراء، أو يزاحمه على موارد الكسب المحدودة، ويَعقُب ذلك غضب عارمٌ، يتراكم في شÓÓ كل حقدٍ وكراهيّةٍ تجاه الطّرف "الظّالم"، وحصيلة ذلك تكون الاقتتال الذي يفÓ ض ييإلى انهيار الثّقة بين الخصوم. ولا جدال أنَّ الانهيار المتواصل بين طرفي النّزاع في السُّÓÓ ودان قد أفضى في خاتمة المطاف إلى تقسيم القُطر الواحد إلى دولتين متخاصمتين، وربمّ ا يذهب التّفتيت والتشÓÓ ظّي إلى أبعد من ذلك في ظل واقع السُّودان المعيÓÓ. ش

أما عبد الوهاب الأفندي فقد كمَّل الإشكاليّة التي طرحها النور حمد بشأن الموقف العربيّ من مشكلة جنوب السُّودان، بمقالة عنوانها "العرب وجنوب السُّودان: بين السلبيّة والغياب"، وعزى تلك السلبيّة والغياب في موائد المفاوضات السُّودانية إلى ضمور "الوعي المبكّر بالأبعاد المعقّدة للأزمات التي تواجه الدول العربيّة، والتعامل العقلانيّ بعيد النظر مع الأزمات بدالً من التعاطي معها في منظور قطريٍّ ضيِّقٍ، أو منظور مصلحة نظام الحكم الأضيق" (ص. 163) وخروجًا من هذا النّفق المظلم على مستوى الأمن القومي العربيّ ومواقف الدول العربيّة من المشكلات والأزمات التي تواجه بعضها، أمَّن الأفندي على ضرورة "إنشاء مراكز دراسات ذات صدقيّة، توفِّر لصانعي القرار المعلومات والبدائل المطروحة للتعامل مع الأزمة." إنَّ الدول العربيّة "تحتاج... إلى تقوية أ طُر العمل المشترك ومؤسّسات جامعة الدول العربيّة للتعامل مع [مثل] هذه الأزمات بفاعليّة" (ص. 163) وأوصى بالإفادة من خبرات المنظمّات الإقليميّة مثل الاتحاد الأفريقيّ والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا "الإيغاد" في حلَّ أزمات الأمن والسلم التي تواجه دول العالم العربي.ّ فالأمن القوميّ العربيّ يجب أن يُنظر إليه من خلال بُعده الغذائي المرتبط بأراضي السُّودان الشّاسعة وصلاحيّتها للزراعة، وبُعده المائي المرتبط بتقسيم مياه النيل، وبُعده الإستراتيجيّ الخاضع لتهديدات الوجود الصهيونيّ في المنطقة. فانفصال جنوب السُّودان، من وجهة نظره، قد حدث نتيجةً لتجاهل هذا الواقع على المستوى المحليّ في السُّودان، والمستوى الإقليميّ في العالم العربي.ّ

الت أثيرات الخارجيّة: الولايات المت حدة الأميركيّة وإسرائيل

استهلَّت أماني الطويل المحور الثاني من كتاب انفصال جنوب السُّ ودان: المخاطر والفرص بمقالةٍ عنوانها: "الموقف الأميركيّ من السُّودان: مسارات التفاعل وطبيعة المخطّطات"، عارضةً فيه مسارات السّ ياسة الأميركيّة في السُّودان، ومخطّطاتها الإستراتيجيّة التي أسهمت بطرقٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ في تنفيذ الإستراتيجيّة الإسرائيليّة الرامية إلى تفتيت السُّودان. وربطت مسوِّغات ذلك الواقع بصعود الجبهة الإسلاميّة إلى سدّة الحكم عن طريق انقلاب عسكريٍّ، وطرحها لمشروعٍ حضاريٍّ يتعارض في كليّاته مع أولويّات المصالح الأميركيّة في المنطقة، وإستراتيجيّاتها التي تشكّلت بعد زوال شبح الحرب الباردة، وميلاد النّظام العالميّ الجديد الذي تسنّمت قيادته. وفي ضوء هذه التّأثيرات الخارجيّة المتناغمة مع ضعف الوعي السياسيّ السُّودانيّ، برز في الأفق الدَّور الإسرائيليّ المدعوم بجماعات المصالح اليهوديّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة الذي يهدف إلى توظيف التكوينات العرقيّة، والانقسامات الدينيّة في البلدان العربيّة لإضعاف الأمن القوميّ، وتهديد الاستقرار السياسيّ، خدمة للمصالح الإسرائيليّة في المنطقة. وتتمثَّل إسقاطات هذا الواقع في مقالتين وردتا في هذا المحور، إحداهما لمحمود محارب بعنوان: "التدخّل الإسرائيليّ في السُّ ودان"، والأخرى لأماني الطويل بعنوان: "إسرائيل وإستراتيجيّات تجزئة السُّ ودان." وتقودنا القراءة الفاحصة لهاتين المقالتين أنَّ الطويل قد أفلحت في وضع إطارٍ جيِّد الصنعة لفهم محدِّدات السياسات الإسرائيليّة في السُّودان، إذ ربطت ذلك أوالً بقضيّة المياه ودورها المركزيّ في نظريّة الأمن الإسرائيليّ؛ وثانيًا بمبدأ شدِّ الأطراف الذي يعني في جوهره خلق حالة شللٍ في أطراف أيّ كيان مُصنّفٍ إسرائيليًّا في خانة التّهديد الإستراتيجيّ، أو العداء لدولة إسرائيل؛ وثالثًا بمبدأ الإحاطة والعُزلة الذي يهدف إلى خلق كياناتٍ متباعدةٍ فكريًّا وأيديولوجيًّا، مثل الدّائرة العربيّة في مواجهة الدّائرة الأفريقيّة، وذلك لإضعاف الدول التي تشكِّل تهديدًا للوجود الصهيونيّ في المنطقة. وفي إطار هذه المحدِّدات، جاءت مقالة محارب الذي يوضح كيف استثمرت إسرائيل الرصّاع الذي كان قائمًا بين الاتحادييّن وحزب الأمّة في خمسينيّات القرن الماضي، وذلك بتفاوضها مع الأمييّن لتقديم دعم ماليٍّ متعدّد الأوجه، يساعدهم في نضالهم السياسيّ ضدّ الاتحادييّن وتطلّعاتهم الوحدويّة مع مصر والقيادة المصريّة التي كانت تمثِّل عدوَّهم المشترك مع إسرائيل. أما التدخّل الإسرائيليّ في جنوب السُّودان فبدأ عام 1963، إذ اجتمع العديد من الناشطين الجنوبييّن مع مسؤولين إسرائيلييّن في السّفارات الإسرائيليّة في كينيا، وأوغندا، وإثيوبيا، وتشاد، والكونغو، بهدف مساعدة حركاتهم المتمرّدة ضد حكومة الخرطوم، وتعاظم هذا التواصل في فترة حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل. ويرى محارب أنَّ التدخّل الإسرائيليّ في السُّ ودان جاء من ثغرة الانقسامات والرصّاعات السياسيّة، وتكتيكات الأحزاب والقوى السياسيّة التي حادت عن مقاصد الأمن القوميّ، فضالً عن عجز النخب الحاكمة والمعارضة عن تطوير أرضيّة وطنيّة سودانيّة،

تقنِّن وتحدِّد آليّاتها لحلِّ الرصّاعات والتناقضات الداخليّة من دون اللجوء إلى دولة إسرائيل التي تستند سياساتها الخارجيّة تجاه الدول العربيّة، ومن ضمنها السُّودان، إلى مبدأي شدِّ الأطراف، والإحاطة والعزلة. وترى أماني الطويل أيضًا أنَّ مبدأ شدّ الأطراف قد جرى تطبيقه بكفاءة عالية في فصل جنوب السُّ ودان، وميلاد دولته الجديدة في تموز / يوليو 2011. علامً أنَّ فصل جنوب السُّودان يُسهم أوالً في إضعاف دولة السُّ ودان الشمّالي التي تُصنَّف في خانة الدول المعادية لإسرائيل، ويمهِّد ثانيًا الطريق لدولة إسرائيل لتجد حظًا في مياه النيل أو بترول جنوب السُّودان. أما مبدأ الإحاطة والعُزلة، وفق أماني الطويل، فقد جرى تطبيقه بجدارةٍ في مشكلة دارفور، إذ إن السّياسة الإسرائيليّة سارت في ثلاثة مساراتٍ لتحقيق هذا الهدف. أوالً، سعت إلى تصنيف الرصّ اع في دارفور بأنّه "حرب إبادةٍ جماعيّة"؛ وثانيًا، روَّجت لهذا التصنيف عبر منظمّات المجتمع المدنيّ وجماعات الضّ غط الأميركيّة؛ وثالثًا، دعمت بصورةٍ مباشرةٍ الحركات المسلّحة في دارفور. وتُثمِّن أماني الطويل ما جاء في مقالة محارب بأنَّ التدخّل الإسرائيليّ في الشّأن السُّودانيّ يُعزى بشكلٍ مباشرٍ إلى "فشل النّخب الوطنيّة السُّودانيّة في إدارة التنوّع السُّودانيّ، ما ساهم في تعطيل بناء مؤسّسة الدولة الوطنيّة في السُّ ودان، وانهيار مبدأ المواطنة المتساوية لمصلحة الانتماءات الأوليّة، وهي الانتماءات التي وُظِّفت في إطار الرصّاع على السلطة في السُّودان بين جناحيّ الجبهة القوميّة الإسلاميّة السُّودانيّة، التي قسمت الحركة من ناحية، وروَّجت للمفاهيم والسياسات الإقصائيّة السُّودانية المحليّة على أسس عرقيّةٍ ودينيّةٍ من ناحيةٍ أخرى" (ص. 255) إذًا، ما المخاطر والفرص النّاجمة عن هذا الواقع المرير؟ تتبلور محاولات الإجابة عن هذا السؤال في قراءات الباحثين الواردة في المحور الآتي.

انفصال جنوب السُّ ودان: المخاطر والفرص

توافقت المقالات الواردة في هذا المحور من الكتاب في طرحها للمخاطر الناجمة عن انفصال جنوب السُّودان، والمتمثِّلة في التحدّيات السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، وتأثيراتها في الأمن الوطنيّ لدولتي السُّودان، وانعكاسات ذلك على المشهد الإقليمي. فقد ناقش مضوي الترابي مفهوم الأمن الوطنيّ في إطاره الإصطلاحي، وتطبيقات ذلك في السُّ ودان بعد انفصال جنوب السُّودان، مصطحبًا في نقاشاته العوامل الداخليّة والخارجيّة المؤثِّرة في ذلك، ومستشهدًا ببعض القضايا المتعلّقة بإشعال الحروب، أو المناوشات العسكريّة، في أكثر من موقعٍ في السُّودان بمفهومه الواسع، نتيجةً للوجود القبلي المتفلِّت في جنوب السُّ ودان، والنّزاعات الحدوديّة بشأن القضايا المعلّقة التي لم تحسمها اتّفاقية السلّام الشّامل لسنة 2005، أو أرجأت أمر حسمها لآليّاتٍ سياسيّةٍ وتفاوضيّةٍ أخرى، كما حدث بالنسبة إلى قضيّة أبيي، والمشورة الشعبيّة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وذهب بعض الباحثين أبعد من ذلك، متعلِّلين بأن انفصال جنوب السُّودان ربمّ ا يكون نواةً لانفصالاتٍ أخرى، تدعو إليها حركات التّخوم المتحاربة مع المركز. أما التحدّي الاقتصاديّ، من وجهة نظر الباحثين في هذا المحور، فقد كان مرتبطًا بعوائد النفط التي كانت تشكِّل 45 في المئة من الإيÓ رادات العامّة في الشمّال، و 99 في المئة من إيرادات حكومة جنوب السُّودان، علامً بأنَّ إنتاج الحقول النفطيّة في جنوب السُّودان بلغ 56، وفي منطقة أبيي المتنازع عليها في المئة من الإنتاج الكيلّ 30 في المئة، وفي الحقول الواقعة في الشمّال 15 في المئة. وزاد هذا الأمر تعقيدًا الاختلاف الذي نشب بعد الانفصال بشأن تحديد الأسعار التفضيليّة لنقل النفط الخام من الجنوب عبر خط الأنابيب الموجود في الشمّال، ولذلك عُطِّلت عمليّة ضخّ النفط الجنوبيّ وتصديره عبر الشمّال. ونتيجةً لذلك، واجهت حكومة السُّودان خيارات عصيّةٍ لسدِّ عجز موازنتها الماليّة. وتداركًا للأمر لجأت إلى زيادة العائد الضريبيّ بفرض ضرائبَ جديدةٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ على دافع الضريبة السُّوداني، وبرفع سقف مديونيّتها المصرفيّة القائم على طباعة عملاتٍ جديدةٍ، وباستقطاب بعض القروض والمنح من الخارج، فضالً عن تقليص الإنفاق الحكوميّ، ورفع الدعم عن بعض السلع الإستراتيجيّة. فلا عجب أنَّ هذه الإجراءات الاقتصاديّة قد أفضت إلى تظاهر قطّاعاتٍ كبيرةٍ من الشعب السُّوداني ضدّ سياسة الحكومة الاقتصاديّة؛ لدرجةٍ دفعت بعض المحلِّلين لوصفها بأنَّها

بداية الرّبيع العربيّ في السُّودان؛ إالّ أنّ السلطات الأمنيّة قمعتها بحزم. يرتبط التحدّي الثالث الذي أثاره الباحثون في هذا المحور بإعادة النظر في توزيع مياه النيل، بعد أن أصبحت دولة جنوب السُّودان عضوًا تاسعًا مع دول حوض النيل الأخÓ رى. وفي هذا المضمار، طرحت إجلال رأفت ثلاثة سيناريوهاتٍ تتعلّق بموقف دولة جنوب السُّودان من اتّفاقيّة عام 1959 (مكمّلة لاتّفاقيّة عام 1929.) يتمثَّل السيناريو الأول في إقرار دولة جنوب السُّودان بشرعيّة الاتّفاقية القائمة، ثمّ التفاوض مع دولة السُّودان للحصول على حصّتها من نصيب السُّودان البالغ 18.5 مليار مترٍ مكعبٍ، وبذلك تفقد حكومة جنوب السُّودان حقّها القانونيّ في إنشاء مشروعاتٍ مائيةٍ جديدةٍ مع دول المنبع، وتحرم نفسها من الانضمام إلى كتلة دول شرق أفريقيا التي ترى ضرورة النظر في إعادة توزيع حصص مياه النيل بين دول المنبع والمصبّ. ويتمثل السيناريو الثاني في عدم موافقة حكومة جنوب السُّودان على اتّفاقية عام 1959، وبموجب ذلك يمكنها أن تنضمَّ إلى دول المنابع الاستوائيّة التي تنادي بإعادة النظر في تلك الاتّفاقية. ويخلق تنفيذ مثل هذا السيناريو نوعًا من عدم الاستقرار في السُّودان ومصر، باعتبارهما دولَتَي المصبّ الرئيستين، والداعمتين لاتّفاقية 1959. والسيناريو الثالث عبارة عن موقفٍ حياديٍّ ساكن،ٍ وتصوّراته لقضيّة مياه النيل مؤجّلةٌ؛ لأنَّ دولة جنوب السُّودان لم تكن في حاجة ماسّ ة للمياه في هذا الظرف الراهن.

ويتشكل التحدّي الاجتماعيّ، وفق رؤية الصادق الفقيه، في القطعيّة الاجتماعيّة الناتجة من الحدود السياسيّة المقامة بين الدولتين، والسياسات الانفصاليّة المصاحبة لها؛ والتي سيكون لها آثارٌ سلبية على العديد من القبائل الحدوديّة المتصاهرة والمتساكنة مع بعضها بعضًا؛ وعلى المجموعات الشمّاليّة القاطنة في الجنوب، والمجموعات الجنوبيّة المقيمة في الشمّال؛ ويُضاف إلى ذلك انحسار التّواصل الثقافيّ والاجتماعيّ الذي خلقته من قبل مناهج التعليم المشتركة في مستوياتها الدنيا والعليا. كلُّ هذه التحدّيات تصبُّ فيما ذهب إليه الصادق الفقيه بأن انفصال جنوب السُّودان تحيط به "مخاطر جمَّة، سيعانيها الكيانان في الشمّال والجنوب، ولن يسلم منها الجوار الإقليميّ العربي والأفريقيّ، إذا لم يعمل الطرفان على تدراك آثارها. هذا إلى جانب أنَّ الانفصال سيؤدِّي حتامً إلى فقدان ميزة الكيان الواحد الأقوى والأغنى بموارده وإمكاناته الاقتصاديّة والبشريّة والثقافيّة، ويحرم الطرفين من التماسك بوزنٍ إقليميٍّ ودوليٍّ أكبر، في زمن التكتلّات والبحث عن كياناتٍ تكون قابلة لمواجهة الأزمÓ ات الاقتصاديّة والسياسيّة الدوليّة المتفاقمة. ويحرم الانفصال دولة الشمّال من عمقها الأفريقيّ، ويقطع الصلة المباشرة بينها وبين معظم دول حوض النيل، ويحجر التّواصل المباشر بين دولة الجنوب والعالم العربيّ، ويجعل محيطها الأفريقيّ صرفًا، ويقضي على فرصة استثمار الموارد الاقتصاديّة، ويُضيِّع إمكانيّة توظيف موارد الطّاقة النفطيّة في المساحة الزراعيّة الشّاسعة، والاستفادة من الأيدي العاملة المدرّبة، ومن الخبرات الفنيّة التي حظّ الشمّال منها أكبر من الجنوب" (ص. 385) ويقودنا هذا الواقع الذي يعجّ بالمخاطر والتحدّيات التي سردها الباحثون في هذا الكتاب إلى طرح سؤالٍ محوريٍّ مركّبٍ، مفاده: ما الإستراتيجيّة المستقبليّة لطبيعة العلاقة بين دولتي الشمّال والجنوب، إذا كان العقلاء من أهل السُّودان القديم يحلمون بإعادة تثوير عُرى التواصل بين البلدين المتجاورين، ويبحثون عن آليّات اع الطويل تمكِّنهم من تجاوز الخصومة التي أفرزها تاريخ الرصّ، وأصَّل لها الانفصال، وتؤهِّلهم لإنجاز استقرارٍ متكافئ الأطراف بين الدولتين؟ نلحظ أنَّ الحيِّز الذي خُصص للإجابة عن هذا السؤال كان حيزًا ضامرًا، وأنَّ الأطاريح التي قُدِّمت لم تأتِ بتصوّراتٍ مستقبليّة ناضجةٍ، بل كانت مجرّد أطاريح قابلة للأخذ والرّد والتطوير. لكن هذا القصور المتوقّع لا يمنعنا القول بأنَّ معظم الباحثين توافقوا على ضرورة ترسيخ القيم الديمقراطيّة في الدولتين كمرجعيّة دستوريّة لتداول السلطة السلمي، وإقرار التعدديّة الحزبيّة، وضمان الحريّات الأساسيّة، وصون حقوق الأقليّات، وتوظيف التنوّع الدينيّ والعرقي

والثقافيّ توظيفًا موضوعيًّا، يخدم مصالح الوحدة القطريّة في إطار التنوّع. ولا جدال أنَّ مثل هذا الإطار الدستوري للتحوّل الديمقراطي يمكن أن يمهِّد الطريق لخلق نوعٍ من الاستقرار في الدولتين، وبموجب ذلك تصبح المؤسّسات الأكاديميّة والأحزاب السياسيّة مؤهّلةً لمناقشة ومثاقفة الاقتراحين اللذين قدمهما الشفيع خضر بشأن "الإخاء بين الدولتين"، و"الوحدة الطوعيّة على أسسٍ جديدةٍ" (ص. 451-455)

ملاحظات عامّة

بعد هذا العرض والتحليل لمفردات كتاب انفصال جنوب السُّ ودان: المخاطر والفرص، تبقى لنا بعض الملاحظات العامّة، التي يمكننا أن نجملها في النقاط الآتية: أوالً: صدر هذا الكتاب في لحظةٍ حرجةٍ من تاريخ السُّودان المعاصر؛ لأنَّه وثَّق لماضٍ محتشدٍ بالعظات والعبر التي يمكن أن تدفع صانعي القرار السياسيّ في السُّودان ليفكِّروا بجديّةٍ في تطوير آليّاتهم السياسيّة للحفاظ على الوحدة الوطنيّة، ويبتكروا مناهج مواكبة تساعدهم في معالجة مشكلات التفتّت والتشظّي الماثلة في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، ويستعينوا في ذلك بنخبة من السياسييّن، والإدارييّن، والمستشارين الأكفاء الذين تنطبق عليهم مواصفات "الرجل المناسب في المكان المناسب"، ولديهم القدرة على تقديم المصلحة العامّة على مصالحهم القطّاعية الضيّقة. ثانيًا: يبعث هذا الكتاب بحزمة إشÓ اراتٍ مهمّةٍ لصانعي القرار السياسيّ في العالم العربيّ؛ علّها تُشعرهم بأنَّ قضيّة الأمن القومي العربيّ يجب أالّ تعالج في حدود الدول القطريّة، أو نطاق المصالح السياسيّة الضيّقة المرتبطة بالأنظمة الحاكمة، بل يجب أن يكون لديهم إطارٌ أوسع من ذلك، يحصِّنهم من الاختراقات الإقليميّة، المتمثِّلة في محدِّدات السياسة الإسرائيليّة القائمة على مركزيّة المياه في نظريّة الأمن الإسرائيليّ (حدود دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل)، ومبدأ شدّ الأطراف، ومبدأ الإحاطة والعُزلة. وفوق هذا كلّه، يجب أن يعلم الجميع أنَّ السّياسة الخارجيّة الأميركيّة في المنطقة مرهونةٌ بصيانة أمن إسرائيل، والسَّيطرة على موارد النفط، وتحجيم خطر الحركات المناوئة للإستراتيجيّات الأميركيّة في المنطقة. ولذلك، يجب أن يكون النفط سلعةً إستراتيجيّةً مهمةً لصون الأمن القومي العربيّ، وخلق التوازنات السياسيّة في ظل سياسة القطب الواحد الأميركيّة. ثالثًا: هذا الكتاب هو خطوةٌ ثابتةٌ في مشوارٍ طويل الأميال ومتعرِّج الطّرقات؛ لأنَّ قضيّة انفصال جنوب السُّودان وتداعياتها تحتاج لمعالجةٍ أكاديميّةٍ وسياسيّةٍ أشمل وأوسع؛ أشمل لتستأنس بآراء قطاع واسعٍ من أصحاب التخصّصات الأكاديميّة الجامعة المانعة، لتقديم قراءةٍ ثاقبةٍ للواقع السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ والاجتماعيّ الماثل في الإقليم، واستشراف المستقبل السُّوداني والعربيّ والأفريقيّ؛ وأوسع في تمثيلها لأبناء الشمّال والجنوب والوطن العربيّ، ودول الجوار الأفريقيّة، وللناشطين في التيّارات السياسيّة بألوان طيفها المختلفة، ليعيدوا النظر في كيفيّة صيانة الأمن القوميّ في بلادهم. رابعًا: يُعدُّ إصدار هذا الكتاب إضافةً نوعيّةً في قائمة إصدارات المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، وفيه تثمينٌ لدور المركز الأكاديميّ المتجسِّ د في دراسة واقع الوطن العربيّ بحيدةٍ، وموضوعيّة،ٍ وصرامةٍ علميّةٍ؛ وذروة سنام ذلك دوره الإعلاميّ والتثقيفيّ بتمليك الحقائق للنُخب الناشطة؛ لتدفع بها في مساراتٍ صحيحةٍ، لديها القدرة على إرغام الأنظمة الحاكمة والقوى السياسيّة المعارضة على تبنِّيها، وتحويلها إلى إستراتيجيّاتٍ وسياساتٍ قابلةٍ للتنفيذ والتطوير والتثقيف بحسب مقتضيات الزمان والمكان.