الجذور والآثار الاقتصادية والاجتماعية
عنوان التقرير: الأزمة السوريّة: الجذور والآثار الاقتصادية والاجتماعية. المؤلّف: ربيع نمر، وزكي محشي، وخالد أبو إسماعيل. سنة النر:.2013 الناشر: المركز السوري لبحوث السياسات في الجمعية السورية للثقافة والمعرفة، دمشق. عدد الصفحات: 84 صفحة.
أولا: مقدّمة وخلفيّة
يشتمل هذا التقرير، إضافةً إلى ملخّصه التنفيذيّ (ص. 7-12)، على مقدّمة (ص 14-13)، وثلاثة فصولٍ: "الجذور التنمويّة للأزمة" (ص. 15-33)، و"الآثار الاقتصاديّة والاجتماعيّة للأزمة" (ص 59-34)؛ و"تقييم تجاوب الحكومة السوريّة والمجتمع الدوليّ مع الأزمة" (ص. 60-71)؛ وملاحق حول النتائج الرئيسيّة (ص 7)، واختلال التوازن بين المحافظات (ص 77)؛ والعقوبات على سورية (ص. 78-84) حُدِّد هدف التقرير بتقدير "الآثار الاقتصاديّة والاجتماعيّة للأزمة)، وذلك من خلال مقارنة قيم مؤشرِّ الحاليّة في سورية" (ص 7 ات اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ لسيناريوهين: سيناريو الأزمة، بمعنى الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ في عامي 2011 و؛ 2012 والسيناريو الاستمراريّ، بمعنى الوضع الذي كانت ستكون عليه هذه المؤشرِّ ات بافتراض استمرار حالة ما قبل الأزمة (ص. 34) ينطلق التقرير، في هيكله وتحليله، من مقولة "إنَّ العوامل التي أسهمت في اندلاع الأزمة متجذِّرة في "الاختناق المؤسّساتي، الذي همَّش فئاتٍ كثيرةٍ في المجتمع، وحرمها من الإسهام بفاعليّة في التنمية السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة" (ص. 15) تُعنى هذه المراجعة باستعراض أهمّ النتائج التي توصل إليها التقرير، وتشتمل بقيّة هذه الوثيقة على أربعة أقسام تُعنى على التوالي باستعراض أهمّ ما جاء في التقرير بشأن الجذور التنمويّة لمِا أطلق عليه التقرير اسم الأزمة؛ وأهم تقديرات الخسائر الاقتصاديّة؛ وأهم الآثار الاجتماعيّة؛ وأهمّ ملاحظاتنا عن التقرير.
ثانيًا: الجذور التنمويّة للأزمة
على أساس المقولة الأساسيّة التي انطلق منها التقرير، تناول الفصل الأوّل الجذور التنمويّة للأزمة من خلال ثلاث مجموعاتٍ تنمويّة عريضةٍ للعوامل التنمويّة: العوامل الاقتصاديّة (واشتملت على مؤشرِّات النمو الاقتصاديّ، والاستقرار الاقتصاديّ الكليّ، والاستهلاك والتشغيل)؛ وعوامل التنمية البشريّة (واشتملت على مؤشرِّ ات دليل التنمية البشريّة، ومؤشرِّ الفقر الإنسانيّ، والتفاوت الإقليميّ، والفقر وعدم المساواة)؛ والعوامل المؤسَّسيّة (واشتملت على مؤشرِّ ات الحوكمة والإصلاح المؤسّساتي)ّ. فيما يتعلّق بالعوامل الاقتصاديّة، أوضح التحليل أنَّ معدلّات نمو الدخل الحقيقيّ للفرد قد بلغت نحو 2 في المئة خلال الفترة -2001 2010، مما يعني إمكانيّة مضاعفة دخل الفرد في نحو 35 سنة؛ إال أنَّه خلال الفترة 2009-2004 لم ينعكس هذا النمو على "الإنفاق الاستهلاكيّ الحقيقيّ للأسر الذي سجل معداّلً سنويًّا للانخفاض بلغ نحو 2.1 في المئة" (ص 20-19.) كذلك الحال، أوضح التقرير أن الاقتصاد السوريّ قد حقّق وضعًا مستقرًا على المستوى الكليّ بحسب المؤشرِّات التقليديّة المستخدمة (التضخّم، والدين العام، والعجز في الموازنة، والعجز في ميزان المدفوعات)، إالّ أنَّ هذا الاستقرار الاقتصاديّ لم يترتب عليه آثار هيكليّة إيجابيّة، خصوصًا فيما يتعلّق بالتشغيل (ص. 20-23)
فيما يتعلّق بالعوامل البشريّة والاجتماعيّة، واستنادًا إلى مسوحات دخل الأسر وإنفاقها، أوضح التقرير أنَّ نحو 33 في المئة من الأسر السوريّة تعيش تحت خط الفقر الوطنيّ الأعلى، و"ضمن سورية تركَّز الفقر بشكلٍ أكبر في المناطق الشرقيّة والشماليّة، بخاصّة في المناطق الريفيّة... وزادت نسبة الفقر في الريف في المنطقة الشرقيّة (الحسكة، والرقّة، ودير الزور") (ص. 25) وارتفعت على مستوى القطر كله درجة عدم المساواة في توزيع الإنفاق الاستهلاكيّ بين الأسر، كما يقيسها معامل جيني، من نحو 0.3 عام 1997 إلى 0.35 عام 2009، مسجلةً بذلك معداّلً للنمو السنويّ بلغ نحو 1.3 في المئة، وهذا يُعدُّ ارتفاعًا ذا دلالة. ولم يسجل القطر تحسنًا يُعتدُّ به في مجال التنمية البشريّة كما يقيس ذلك دليل التنمية البشريّة بمكوِّناته الثلاثة: الصحة والمعرفة ومستوى المعيشة (ص. 26-28) فيما يتعلّق بالعوامل المؤسَّسيّة، يلاحظ التقرير هيمنة حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ على الدولة منذ عام 1963، استنادًا إلى شرعيّة قبول
المجتمع لما كان ينادي به من شعارات "القوميّة العربيّة" و"تأسيس الاشتراكيّة العربيّة." ومع مرور الزمن، فإن تغريّ الأوضاع الدوليّة والإقليميّة "خاصّة منذ تسعينيّات القرن الماضي، دفع النّظام باتّجاه تبنّي سياساتٍ اقتصاديّةٍ تحريريّةٍ أثّرت على الفقراء والطبقات الوسطى، وخلقت ما يسمى برأسماليّة المحسوبيّات" (ص 29)، لكن هذا التحرير الاقتصاديّ لم يصاحبه إصلاحٌ سياسيٌّ كما كان موعودًا ومتوقّعًا. وباستخدام مؤشرِّ ات الحكم الرشيد المختلفة التي يصدرها البنك الدوليّ للتطبيق في مختلف دول العالم توصّل التقرير إلى أن سورية تعاني تدنيًا في مستوى مكوِّنات الحكم الرشيد التي استخدمت للتحليل، وتشتمل على: التعبير والمساءلة، فعاليّة الحكومة، جودة التشريعات، وضبط الفساد. وخلص التقرير إلى أنَّ الأزمة التي تعانيها سورية منذ عامين تتمحور حول الاختناق المؤسّساتي، فقد "فشلت المؤسّسات السياسيّة في سورية في تلبية الحاجة إلى عمليّةٍ تنمويّةٍ تضمينيّةٍ تشاركيّةٍ، كما أنَّها أخفقت في إيجاد نظامٍ صارمٍ للمساءلة بغية التصدّي بشكلٍ فعال للفقر والتفاوت الاجتماعيّ " (ص 32.) ومهما يكن من أمر العوامل الاقتصاديّة، يمكن فهم اندلاع الحراك السياسيّ الذي انطلق منذ الربع الأوّل لعام 2011 على أنَّه تفاعلٌ بين العوامل الاجتماعيّة وتلك السياسيّة من خلال الهيكل المؤسسّي للدولة كما يرى التقرير، وهو مقترحٌ يمكن أن يجد قبوالً واسعًا من المحلِّلين والمراقبين.
ثالث ا: تقدير الخسائر الاقتصاديّة
باستخدام منهجيّة بناء السيناريوهات، قام التقرير في فصله الثاني بمحاولةٍ رصينةٍ لتقدير الخسائر الاقتصاديّة التي ترتبت على الأزمة، وذلك بدلالة الناتج المحليّ الإجماليّ الحقيقيّ (بالأسعار الثابتة لعام 2000.) بالإضافة إلى ذلك تقصىّ التقرير الانعكاسات على عدد من المؤشرِّات الاقتصاديّة الكليّة: العجز في الموازنة العامّة؛ وميزان المدفوعات، وسعر الصرف وأسعار المستهلك، وسوق العمل. وباستخدام الناتج المحليّ الإجماليّ الحقيقيّ لعام 2010 الذي بلغ نحو 1452 مليار ليرةٍ سوريّةٍ، كسنة ارتكاز، استندت حسابات الخسائر إلى ما يلي (جدول 2-1، ص:)36 سيناريو الأزمة: قدَّر التقرير انخفاض الناتج المحليّ الإجماليّ الحقيقي بمعدّلٍ سنويٍّ بلغ نحو 3.7 في المئة لعام 2011 ليبلغ نحو 1398 مليار ليرةٍ سوريّةٍ؛ وبمعدّلٍ سنويٍّ بلغ نحو 18.7 في المئة لعام 2012 ليبلغ 1136 مليار ليرةٍ سوريّة.ٍ سيناريو لاستمرار: قدَّر التقرير نمو الناتج المحليّ الإجماليّ الحقيقي بمعدّلٍ سنويٍّ بلغ نحو 7.1 في المئة ليبلغ نحو 1555 مليار ليرةٍ سوريّة عام 2011؛ وبمعدّلٍ سنويٍّ بلغ 5.6 في المئة لعام 2013 ليبلغ نحو 1642 مليار ليرةٍ سوريّة.ٍ
على أساس هذه التقديرات توصّل التقرير إلى "أنَّ الاقتصاد السوري تكبّد خسائر اقتصاديّة في الناتج المحليّ الإجماليّ الحقيقيّ تصل إلى 664 مليار ليرةٍ سوريّةٍ حتى نهاية 2012، ما يعادل 45.7 في المئة من الناتج المحليّ الإجماليّ في 2010، أما بالأسعار الجارية فتقدر هذه الخسائر ب 24.1 مليار دولارٍ أميركيٍّ" (ص 35.) ويلاحظ التقرير أن هذه الخسائر لم تكن متناسبةً بين القطاعات، وأنَّ معظم الخسائر قد تركَّزت في أربعة قطاعاتٍ هي: التجارة الداخليّة 26(في المئة من جملة الخسائر)؛ والنقل والاتصالات 24(في المئة)؛ والصناعة التحويليّة 17(في المئة)؛ والصناعة الاستخراجيّة 16(في المئة.) ولأغراض الاتّساق، قام التقرير بالنظر إلى خسائر الناتج الإجمالي الحقيقيّ من جانب مكوِّنات الطلب الإجماليّ (الإنفاق الاستهلاكي،ّ والتكوين الÓرأسÓ ام ليّ؛ وصÓافي الÓصÓ ادرات.) وأوضحت النتائج أن الاستهلاك كان المكوِّن الأكثر تضرّرًا، إذ بلغ نصيبه نحو 49 في المئة من إجماليّ الخسائر، يأتي بعده مكوِّن التكوين الرأسماليّ (بنصيب بلغ نحو 39 في المئة)؛ ثمّ مكوِّن صافي الصادرات (جدول 2-2، ص.)40 ولاحظ التقرير أنَّ الخسائر في الناتج المحليّ الإجماليّ التي جرى تقديرها لا تشتمل على الخسائر الجزئيّة أو الكليّة لمخزون رأس المال، وهو مكوِّن قدَّره التقرير بنحو 20.8 مليار دولار؛ ولا تشتمل على الإنفاق العسكريّ، وهو إنفاق غير مدرج في حسابات الناتج "لأن ميزانيّة التصنيع والإنفاق العسكرييّن بمعظمها لا تُسجَّل في الحسابات القوميّة" (ص. 42) واستنادًا إلى أدبيّات النّزاع، افترض التقرير أنَّ هذا الإنفاق قد ازداد "بزيادةٍ سنويّةٍ وسطيّةٍ بلغت 2.2 في المئة من الناتج المحليّ الإجماليّ في عام 2011 و 6.6 في المئة في عام 2012.)42" (ص على أساس تقدير هذه الخسائر الإضافيّة، قُدِّرت الخسائر الإجماليّة
بالدولارات الجارية بمبلغ 48.4 مليار دولارٍ أميركيٍّ؛ تفاصيلها كما يلي (جدول 3-2، ص:)42 خسائر الناتج المحليّ الإجالي:ّ وبلغت نحو 24.1 مليار دولار: 6.5 مليار لعام 2011 و 17.6 مليار لعام.2012 أضرار رأس المال المادي:ّ وبلغت نحو 20.8 مليار دولار: 5.7 مليار لعام 2011 و 15.1 مليار لعام.2012 الزيادة في الإنفاق العسكري:ّ وبلغت نحو 3.6 مليار دولار: نحو مليار لعام 2011 و 2.6 مليار لعام.2012 الخسائر في العامين: بلغ إجماليّ الخسائر نحو 13.1 مليار دولار لعام 2011 (بنسبة 27 في المئة من إجماليّ الخسائر)، ونحو 35.3 مليار دولار لعام 2012، ما يعني أنَّ الخسائر قد ازدادت بين العامين بنسبة 270 في المئة. إضافةً إلى تقدير حجم الخسائر في الناتج المحليّ الإجÓ امليّ بذل التقرير جهدًا مبدعًا في تقدير خسائر سوق العمل، وذلك استنادًا إلى معلومات عام 2010 كسنةٍ ارتكازيّةٍ، وعلى نتائج مسح قوّة العمل لعام 2011 (الذي نُفِّذ بعد بداية الأزمة)؛ ومرونات التشغيل بالنسبة للنمو الاقتصاديّ: المرونة من مسح عام 2011 لسيناريو الأزمة، ومتوسط المرونة للفترة 2010-2006 لسيناريو الاستمرار. هذا وتوصّل التقرير إلى نتيجة أنَّ سوق العمل قد فقد نحو 1.5 مليون فرصة عملٍ بنهاية عام 2010، وهي عبارةٌ عن الفرق في عدد المشتغلين تحت سيناريو الاستمرار (الذي قُدِّر بنحو 5.4 مليون مشتغلٍ لعام 2012) وعدد المشتغلين تحت سيناريو الأزمة (الذي قُدِّر بنحو 3.9 مليون مشتغلٍ.) ويلُاحظ في هذا الصدد أنَّ التقرير يتوقّع ارتفاع معدّل البطالة في عام 2012 من نحو 8.6 في المئة عام 2010 إلى نحو 10.6 في المئة تحت سيناريو الاستمرار وإلى 34.9 في المئة تحت سيناريو الأزمة. وخلص إلى ملاحظة أنَّه من "المتوقّع أن تتأثر الحالة المعيشيّة سلبيًا لنحو 6 مليون سوريٍّ، على اعتبار أنَّ معدّل الإعالة (عدد السكان على عدد المشتغلين) بلغ 4.14 عام 2010.)51" (ص
رابعًا: الآثار الاجتماعيّة
اشتملت الجوانب الاجتماعيّة التي حلّلها التقرير على: الفقر، والتعليم، والصحة، والتنمية البشريّة، والتضامن الاجتماعيّ. ومن دون الدخول في تفاصيل فنيّة، يمكن تلخيص أهمّ ما توصل إليه التقرير في هذا الصّدد على النحو التالي: الفقر: "بنهاية عام 2012 دخل نحو 3.1 مليون شخصٍ دائرة الفقر، منهم 1.5 مليون دخلوا دائرة الفقر الشديد" (ص 57)، ولم يشأ التقرير إفادة القارئ بعدد الفقراء في أيّ سنة ارتكازيّة. التعليم: يشير التقرير إلى أنَّ معدّل عدم الحضور المدرسيّ قد بلغ نحو 11 في المئة لعام 2011 ونحو 23 في المئة لعام 2012، وتوصّل إلى أنَّ إجماليّ الخسارة التي ترتبت على ذلك قد بلغت نحو 347 مليون دولار لعام 2011 ونحو 784 مليون دولار لعام 2012، إضافةً إلى الخسائر الماديّة التي لحقت بالبنيات التحتيّة لقطّاع التعليم. الصحة: يشير التقرير إلى تراجعٍ واضحٍ وكبيرٍ في الأوضاع الصحيّة جراء فقدان الكوادر الطبيّة، وتدمير البنى التحتيّة لقطّاع الصحة، والنزوح الواسع النطاق. التنمية البريّة: وتقاس عادةً بدليل التنمية البشريّة الذي طوَّره برنامج الأمم المتحدة الإنمائيّ، ويشتمل على ثلاثة مكوِّنات (الصحة والتعليم ومستوى المعيشة.) وتوصّل التقرير إلى أنَّ الدليل الذي كان 0.632 في عام 2011 يتوقّع أن ينخفض إلى 0.554 عام 2013، "أي أنَّ دليل التنمية البشريّة المقدّر قد خسر 15.1 في المئة من قيمته. وبكلام آخر إنَّ قيمة الدليل المقدّرة لعام 2013 نتيجة الأزمة قريبة من قيمته عام 1993، أي أنَّ سورية خسرت عقدين من إنجازات التنمية البشريّة" (ص. 56) التضامن لاجتاعي: "لقد أدَّى الانزلاق إلى نزاعٍ مسلّحٍ مأساويٍّ إلى تدهور رأس المال الاجتماعيّ، وخلق قواعد جديدة لإدارة العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة للأفراد، مما خلق اقتصاديّات العنف في سورية" (ص 59.) وتوقّع التقرير ازدياد تفكّك المجتمع والتأثّر السلبي للقيم والأعراف الاجتماعيّة "نتيجة تأجّج مشاعر الكراهية والانتقام تجاه الآخر" (ص. 59)
خامسًا: ملاحظات
على أساس استعراض أهمّ محتويات التقرير ونتائجه التي جرى تلخيص أهمّها في الأقسام أعلاه من هذه المراجعة، يمكن إبداء عدد من الملاحظات: دبلوماسيّة التقرير: لقد سبق لنا الإشادة بالجهد البحثيّ الذي بُذل في إعداد هذا التقرير، وهو تقريرٌ كُتب بلغةٍ دبلوماسيّةٍ دقيقة وحريصةٍ (ربمّ ا بسبب وجود المؤلفين داخل سورية.) ولعلّ أهم دليلٍ على اللغة الدبلوماسيّة التي كُتب بها التقرير عنوانُه الذي
يشير إلى الحراك السياسيّ الذي شهدته سورية منذ مطلع عام 2011 وتطوّر إلى نزاعٍ مسلّحٍ وربمّ ا حربٍ أهليّةٍ، على أنَّه "الأزمة السوريّة." وكما هو معروف، هناك أدبيّاتٌ متخصّصةٌ في دراسة النزاعات المسلّحة والحروب الأهليّة، ومن بين أهمّ التعريفات، والأكثر استخدامًا، للحرب الأهليّة هو ذلك الذي تقول به معظم هذه الأدبيات: "الحرب الأهليّة هي صراعٌ داخليٌّ تكون الحكومة طرفًا فيه، وينتج عنه سقوط ألف ضحيّةٍ على الأقل، تمثِّل فيها نسبة اع الضحايا لكل فريقٍ من فريقي الرصّ 5 في المئة على الأقل من مجموع عدد الضحايا". ونلاحظ في هذا الصّدد أنَّ التقرير يشير إلى أنَّ "أكثر من 59648 شخصًا قد قُتلوا منذ آذار / مارس 2011 وأغلبيّتهم من الذكور الشباب وبدرجة أقل نساء وأطفال" وفق الأمم المتّحدة (ص 55!) ما يعني أنَّ متوسط عدد القتلى قد بلغ نحو 29824 شخصًا في السنة. منهجيّة التقرير: كما لاحظنا، اعتمد التقرير في تقديره لتكلفة الرصّ اع السوريّ على طريقة بناء سيناريوهين أسماهما سيناريو الأزمة (بمعنى ما وقع خلال عامي 2011 و 2012) وسيناريو الاستمرار (بمعنى ما سيكون عليه الحال إذا استمرت الأمور كما كانت عليه قبل انفجار الأحداث السياسيّة في مطلع عام 2011) وكلُّ ذلك باستخدام عام 2010 كسنةٍ ارتكازيّةٍ. وفق هذه المنهجيّة قُدِّرت الخسائر، أو تكلفة الرصّاع، بالفرق بين قيم المؤشرِّات المستخدمة للسيناريوهين. ونرى أنَّ هذه طريقة مقبولة عندما تتوافر المعلومات الملائمة لتطبيقها، كما في حالة الناتج المحليّ الإجÓ امليّ. ونلاحظ في هذا الصدد أن التقرير، من دون أن يؤكِّد على ذلك، قد انطلق من منظور التنمية البشريّة (بمعنى توسيع الحريّات الحقيقيّة التي يتمتّع بها البشر) وليس من المنظور الضيِّق للنمو الاقتصاديّ والتوازنات الاقتصاديّة الكليّة، وذلك بدلالة عنايته ب "العوامل البشريّة والاجتماعيّة الكامنة وراء الأزمة" (ص 28-23) وبتقصّيه "للآثار الاجتماعيّة للأزمة" (ص. 52-59) وربمّ ا بسبب عدم توافر المعلومات، لم يتمكَّن التقرير من المثابرة في تطبيق منهجيّته عند تناوله للآثار الاجتماعيّة واكتفى بملاحظة الواقع السلبيّ للأزمة على التعليم والصحة ودليل التنمية البشريّة، وهي آثارٌ سلبيّةٌ بديهيّةٌ ومعروفةٌ لدى العامّة بالضرورة! وقد كان بمقدور التقرير أن يأتي بجديدٍ في هذا الصّدد إذا تمكَّن من إجراء مسوحاتٍ ميدانيّةٍ حول أسئلةٍ ملحّةٍ تتعلّق بالواقع السوري المأساوي.ّ وعلى الرّغم من ملاءمة المنهجيّة الرئيسة التي استخدمها التقرير لتقدير الخسائر الاقتصاديّة بدلالة الناتج المحليّ الإجÓ امليّ، فإنَّه لّم يكن واضحًا لماذا اختار الحديث عن مؤشرِّات الاقتصاد الكلي التقليديّة (العجز في الموازنة، والعجز في ميزان المدفوعات، وسعر الصرف)، وهي مؤشرِّ اتٌ يمكن أن تختلَّ في اقتصاداتٍ عاديّةٍ، فكيف في مجتمعٍ يعاني حربًا أهليّة! المفاجأة الكبرى: في معرض تدقيقه لمكوِّنات الخسائر الاقتصاديّة لاحظ التقرير أنَّه "تُعتبر الخسائر في الناتج المحليّ الإجماليّ جزءًا مهامً من خسارة الاقتصاد الكليّة التي تتضمّن أجزاءً أخرى" (ص. 41) من هذه الأجزاء ما جرى حسابه ضمن الناتج المحليّ الإجماليّ (الأثر على مخزون رأس المال، وتراجع استخدام الطاقة الإنتاجيّة القصوى)، وما لم يتم حسابه (الضرر الجزئيّ أو الكليّ لمخزون رأس المال، أي الشركات والتجهيزات والأبنية المتضرِّرة)، وقدَّر التقرير هذا العنصر بما يعادل 20.8 مليار دولار (ص 41)، و"ارتفاع الإنفاق العسكري غير المدرج في حسابات الناتج" (ص 42.) ولاحظ التقرير، من دون أن يكون مقنعًا في ذلك، أنَّ الإنفاق العسكريّ لم يُدرج في حسابات الناتج المحليّ الإجماليّ "لأن ميزانيّة التصنيع والإنفاق العسكرييّن معظمها لا تُسجّل في الحسابات القوميّة!" هنا تكمن المفاجأة الكبرى، فإذا كان هذا التسبيب صحيحًا؛ فماذا تعني الأرقام الواردة في الجدول 2-2() التي تشير إلى الإنفاق الخاصّ والعامّ وإلى الاستثمار الخاصّ والعامّ، وتعطي الأرقام الفعليّة للناتج المحليّ الإجماليّ لعام 2010 والتقديرات للأعوام 2011 و 2012. من جانبٍ آخر، هل خلط التقرير بين إدراج "الإنفاق على التصنيع والإنفاق العسكرييّن" في الميزانيّة واحتساب هذا الإنفاق العامّ في الحسابات القوميّة؟ والرأي عندنا أنَّه مهما يكن من أمر ما يُضمّن، أو لا يُضمّن، في الميزانيّة (بحسب شفافيّة النّظام الحاكم)، فإنَّ حسابات الناتج المحلي الإجماليّ (بحسب المنهجيّات المستقرّة) لا بدّ لها أن تتضمّن "الإنفاق العسكريّ" داخل الإنفاق العامّ كمكوِّنٍ للناتج المحليّ الإجمالي.ّ وبعد، مهما يكن من أمر هذا الخلط في حسابات الزيادة في الإنفاق العسكريّ، يتضح أنَّ تقديرات الخسائر التي بلغ متوسطها للسنة الواحدة نحو 24 مليار دولار، تُعدُّ متدنيةً للغاية مقارنةً بتقديرات تكلفة الحروب الأهليّة النمطيّة (في الدول ذات الدخل المنخفض) التي بلغت نحو 67 مليار دولار في السنة.