النفط في الولايات المتحدة الأميركيّة: ثورة في الأفق

زهير حامدي

الملخّص

تتناول هذه الورقة ظاهرة النفط الصخري وعودتها إلى الواجهة مرّة أخ رى. فالنفط والغاز غير التقليديّين Unconventional oil and gas عُرفا منذ فترة، وهما متوف ران بكمّ ياتٍ كبيرة. لكنّ كلفة إنتاجهما الباهظة قد حالت في الماضي دون الشروع في اس تخراجهما بصورةٍ تجاريّة. لكن الارتفاع الذي حدث في سعر الن فط من ذ بداية عام 2001 جرّ إلى التفكير فيهما من جديد. تنظر هذه الورقة في هذا التوجّه الجديد وتأثيره في أسعار الن فط في الأسواق العالميّة. كما تهتمّ بالتداعيات المحتملة التي يمكن أن تحدث على المدى البعيد، نتيجة لهذا التحوّل، في الجوانب الاقتصاديّة والسّ ياسيّة والجيوستراتيجيّة لدول مجلس التعاون الخليجي. فالموارد المتوف رة عالميًّا من الصخر الزيتي، تؤهِّ ل هذا المصدر ليصبح واحدًا من أهمّ موارد المحروقات غير التقليدية في العالم. وعلاوة على وجوده بكثرة في أميركا الشِّ مالية، فهو متوف رٌ بكميّاتٍ كبيرة في البرازيل، وفلسطين التاريخية، والأردن، وإندونيسيا، والصين، وأستراليا، وإستونيا، وفرنسا، وإسبانيا، والسويد، وبريطانيا، وجنوب أفريقيا. فلو أصبح بإمكان هذه الدول، ومن بينها دول صناعية كبرى، ودول أخرى في طريقها لأن تصبح قوً ى صناعيّة معتبرة، فإنّ كل الحسابات الاقتصادية والسياسية والجيوستراتيجية التي ظل ت قائمة على النفط التقليدي، تصبح في حاجةٍ إلى إعادة نظر.

مقدمة

يمثِّل النّفط المصدر الرّئيس للطاقة ويحظى بô دورٍ مركزي في الاقتصاد العالمي نظرًا إلى تكلفة إنتاجه المنخفضة وطبيعته السائلة، امّ يسهِّل عملية إنتاجه ونقله. غير أنّ الإنسانية لم تعرف قبل إدخال النّفط في منظومة الطّاقة العالميّة، قلقًا بشأن توفر المستويات اللازمة من احتياطيات الطاقة؛ من أجل الحفاظ على الطلب العالمي من النّفط. ويعود هذا القلق بالأساس، إلى الطبيعة المحدودة للنفط؛ ذلك أنّه غير متجدِّد، ومستوى الاستهلاك مرتفع جدًّا ويتجاوز بمراحل المستوى الطبيعي لإنتاجه بما أنّه يحتاج إلى ملايين السنين. إنّ ما يميِّز صناعة النفط منذ نشأتها، هو أنّ أكبر احتياطي من النفط الخامّ الذي وقع اكتشافه يوجد بالأساس في مناطق جغرافية محدودة، الرشّق الأوسط وأميركا اللاتينيّة. وقد قامت باكتشافه شركات غربيّة من أوروبا الغربيّة والولايات المتّحدة الأميركيّة فقط. وإذا ما أُضيف إلى ذلك الدور المحوري للنفط في الاقتصاد العالمي، أصبحت قضية الوصول إلى مصادر الطاقة والتحكّم فيها وفي النفط بالخصوص، قضية إستراتيجية بالنسبة إلى الô دول في سياساتها الاقتصادية وفي العلاقات الدولية. علاوةً على ذلك، فقد عرف قطاع النفط في العالم مستوى غير مسبوق من الاستثمارات في مجالات استكشاف النفط وإنتاجه منذ عام 2003، وصل إلى غاية 1.5 تريليون دولار أميركي في ما بين 2010 و 2012 فقط. وفي نهاية المطاف، تُعدّ الموارد القابلة للاسترداد من الوقود الأحفوري، على المدى المتوسط والبعيد، أكبر بكثير من الاحتياطيات المؤكَّدة. علامً وأنّه بفعل تغريّ ظروف السوق العالمي للطاقة والتقدم في تكنولوجيات الاستكشاف والإنتاج، بدأ انتقال جزء كبير من الموارد إلى فئة الاحتياطي المؤكَّد (نعني على وجه الخصوص كمياتٍ كبيرة من النفط والغاز غير التقليديين، تلك المتوفرة في عدة أنحاء من العالم)، كما برهنت على ذلك التجربة الأميركيّة في مجال الغاز الصخري gas Shale. وفي هذا المجال، تبَرز تجربة الولايات المتحدة في مجال تطوير قدراتها الإنتاجية من النفط والغاز الصخري بوصفها تجربة فريدة من نوعها، تستطيع أن تعيد تشكيل الخارطة العالمية للطاقة، ولا سيمّا إذا توسّع مجالها إلى مناطقَ أخرى من العالم. والفضل في ذلك يعود إلى اختراق تكنولوجي في تقنيات إنتاج أنواع جديدة من النفط والغاز، تصنَّف على أنها غير تقليدية؛ كالغاز الصخري Shale gas، والنفط الصخري oil shale، علاوةً على الصخر الزيتي Oil shale الذي سيمثّل وحده نقلة نوعية أخرى في قدرات إنتاج النفط في الولايات المتّحدة الأميركيّة على المدى البعيد. تهتمّ هذه الورقة بهذا التوجّه الجديد في مزيج الطاقة العالمي، وتنظر في تأثيره في سعر النفط في الأسواق العالمية، علاوةً على تداعياته الاقتصادية والسياسية والجيوستراتيجية على دول مجلس التعاون الخليجي على المدى البعيد. وفي ما يخصّ سعر النفط، سنقوم باعتماد سيناريو انهياره نتيجة لثورة النفط في الولايات المتحدة الأميركيّة وللدور المتنامي للطاقات غير التقليدية عالميًّا، انطلاقًا من قياسه بنموذج انهيار سعر النفط الذي وقع في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. لسنا في هذه الورقة بصدد التنبّؤ بالمستقبل، ولكنّنا بصدد محاولة استشرافه، بالاعتماد على "منهجية السيناريو" عند التفكير في المستقبل. وللعلم، فإنّنا لم نطبِّق منهجية بناء السيناريوهات بالكامل، ولكن اعتمدنا طريقتها في التفكير، من خلال دراسة أهمّ العوامل التي ستؤثِّر في منظومة الطاقة وفي أسعار النفط في المستقبل. وفي هذا السياق، يرى الخبير العالمي في مجال الطاقة جان ماري شوفاليي Chevalier Jean-Marie، أنّه على الرّغم من دقّة الأدوات المستعمَلة في التّنبؤ بسوق الطاقة، فإنّ جميع تنبؤات الماضي قد أخطأت بخصوص مستوى الاحتياطي من النفط والغاز، وتكلفة استخراجهما، أو تطور الأسعار، أو مستوى الطلب العالمي من الطاقة، وإلى غير ذلك من القضايا المتعلّقة بالطاقة عامةً وبالنفط والغاز خاصّةً. ولهذا السبب، يرى الكاتب أنّ هناك ميالً للاعتماد على تقنية السيناريوهات، تلك التي استُعملت بنجاح في مجال الطاقة منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي من جهة شركة شل. ويُعدّ "السيناريو" من أبرز الوسائل المستخدَمة في تنفيذ دراسات استشرافية على المدى المتوسط أو البعيد، من أجل

التخطيط الإستراتيجي في مؤسّسات القطاع العامّ أو الخاصّ أو على مستوى الحكومات. والهدف من استعمال هذه التقنية، هو تسليط الضّ وء على القوّة الدافعة والمؤِّات الأولية لنقاط التحوّل في بيئة المنظومة التي هي تحت الدراسة، وهو ما يسمح باتخاذ تدابير استباقية، وبالتكيّف مع التغيير في الوقت الملائم وقبل فوات الأوان. تحتمل جميع السيناريوهات هامشًا كبيرًا من الخطأ، لأنّها تُبنى على عيِّنة من أهم العوامل ذات الصلة، كالبيانات التقنية الخاصّة بالاحتياطي، والإنتاج، والتكنولوجيا، وحجم البنية التحتية ونوعيتها، والتكلفة، علاوةً على العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية. ولكن، مهما كانت قائمة هذه العوامل طويلة ودقيقة، فهناك دائمًا إمكانية بروز عامل / أو عوامل جديدة لم تُؤخذ بعين الاعتبار.

الخريطة المتغيّرة للنفط

خلال العقد الماضي، تزايدت المخاوف من قضية نضوب النفط، نظرًا إلى الطبيعة المحدودة لهذه الثروة، وإلى استهلاكها العالمي المرتفع والمتزايد. وهو ما أدّى إلى ارتفاعٍ كبير في أسعار النفط في الأسواق العالمية، تزامن مع أزمات سياسية في عدد من الدول المنتجة للنفط، كالغزو الأميركي للعراق عام 2003. كما تزايدت المخاوف المتعلقة بقضية الاحتباس الحراري التي تُنسب إلى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن الاستهلاك البشري للوقود الأحفوري. لذلك اتّجه جهد صنّاع القرار والعلماء والشركات، نحو البحث عن بدائل للوقود الأحفوري عامّة والنفط خاصّة، كالطاقات المتجدّدة النظيفة التي لا تلوِّث البيئة. لكن، في الوقت نفسه، شجّع ارتفاع أسعار النفط على التوجّه نحو نوعيات أخرى من النفط والغاز، تلك التي تُعرف بالنفط والغاز غير التقليديَيّن gas and oil Unconventional. وهي نوعية متوفرة بكميات كبيرة، وكانت تكلفة إنتاجها باهظة وغير مجدية اقتصاديًّا، قبل أن يحصل الارتفاع الأخير في سعر النفط منذ بداية عام.2001 وقبل الدخول في تفاصيل هذا التحوّل المرتَقب، والذي تبدو ملامحه الأولية في أميركا الشمالية، لا بدّ أن نتوقّف عند تعريف مصطلحات النفط والغاز التقليديَّينْ وغير التقليديَّينْ، وما يميّزهما من حيث التكوين وتقنيات الاستخراج والإنتاج، ومن حيث الخريطة الجغرافية لهذه المصادر.

تعريف المصطلحات وأنواع النفط

تعرِّف جمعيّة المهندسين النفطيين النفط الخامّ التقليدي بأنه نفط في شكل سائل قادر على التدفّق بصورة طبيعية. في المقابل، فإنّ إنتاج النفط والغاز غير التقليديّينْ لا يلبّي هذه الشروط؛ إمّا لأنّ مستوى المسامية والنفاذية منخفض في التكوين الجيولوجي الذي يحتوي على السوائل، أو لأنّ كثافة السوائل تقترب من كثافة الماء وتفوقها، امّ لا يسمح بإنتاجها ونقلها وتكريرها بالوسائل التقليدية. تقسِّ م إدارة الطاقة الأميركيّة النفط غير التقليدي إلى أربعة أنواع: النفط الثقيل، والنفط الثقيل جدًّا oil Extra-heavy، والقار Bitumen، والصخر الزيتي. أمّا الصخر الزيتي، فهو صخر أو حجر طيني متكوِّن من كميات كبيرة من الكيروجين Kerogen أو من رواسب مشابهة تنتج النفط عند تكريرها. لا بدّ من أن نشير في هذا الصدد، إلى أنّ النفط الصخري هو - في الحقيقة - نفط تقليدي من حيث النوعية؛ لأنّه خفيف، ولا يحتوي على مستويات كبيرة من الكبريت. ولكن طبيعة الطبقة الجيولوجية غير التقليدية التي تحتويه، تحتِّم اللجوء إلى تقنيات معقّدة ومكلفة من أجل إنتاجه، وتصنِّفه كنفط غير تقليدي.

في المقابل، فإنّ الصخر الزيتي هو بالفعل نفط غير تقليدي؛ إذ إنّه محبوس في صخور ذات مسامية ونفاذية ضعيفة جدًّا. ومن المتوقَّع أن ينطلق إنتاجه من الآن وإلى حدود عام 2035. يُذكر أنّه في الولايات المتّحدة الأميركيّة وحدها التي تحتوي على مواردَ ضخمة من الصخر الزيتي، وخاصّةً في التكوين الجيولوجي المعروف ب "غرين ريفر" formation river Green، تقدَّر الموارد القابلة للإنتاج تقنيًّا بنحو 800 مليار برميل من النفط، بحسب تقرير صادر عن المجلس الوطني للنفط لعام 2011 . والجدير بالذِّكر أنّ إنتاج الصخر الزيتي يمثِّل احتماالً على المدى الطويل، وأنّه لا يوجد إنتاج لهذه الموارد إلى غاية الآن. ومن المحتمَل أن يتطوّر إنتاجه في السّ نوات المقبلة ليصل إلى مليون برميلٍ من النّفط في اليوم في سنة 2035، ليرتفع فيما بعد إلى مستوياتٍ أعلى، إذا ما توفّرت التّقنيات المجدية اقتصاديًّا إضافةً إلى التّسيير المحكَم للمخاطر البيئيّة. إن الموارد الموجودة عالميًّا من الصّخر الزّيتي، تؤهِّل هذا المصدر ليصبح واحدًا من أهمّ الموارد من المحروقات غير التّقليدية في العالم. وعلاوةً على وجوده بكثرةٍ في أميركا الشمّالية، فهو متوفِّرٌ بكميّات كبيرة في البرازيل وفلسطين التاريخية والأردن وإندونيسيا والصيّن وأستراليا وإستونيا وفرنسا وإسبانيا والسّويد وبريطانيا وجنوب أفريقيا. إنّ النموّ الأخير المتزايد والملحوظ في نسبة النّفط والغاز غير التّقليديَّينْ في مزيج الطّاقة العالمي (وخصوصًا في الولايات المتّحدة الأميركيّة)، هو مؤ على تغريّ جوهري في نوعيّة نفط وغاز المستقبل وتبدّل جغرافيّتهما. إذ ستنخفض نسبة إنتاج النّفط التقليدي في العالم من 80 % حاليًّا، مقابل 20 % من النّفط غير التقليدي، إلى نسبة 60 % من النّفط التقليدي، مقابل ارتفاع نصيب إنتاج النّفط غير التقليدي إلى 40 % من الإنتاج العالمي من النّفط في أفق 2040 . لا يقتصر التغيير الحالي فقط على استعمال نوعيّة من النّفط دون أخرى، ولكنّه يشمل كذلك الجغرافيا السياسية للنّفط. ويعود ذلك إلى تمركز معظم الموارد العالمية من النّفط غير التقليدي خارج منطقة الرشّق الأوسط، في أوروبا الشرقية، وأميركا الجنوبية، وخاصّة في شمال أميركا كما تبيّنه الخريطة رقم 1 (انظر ملحق الخرائط.) وتتوقّع الوكالة الدولية للطاقة - في تقريرها عن مستقبل الطاقة في العالم لعام 2011 - أنّ أميركا الشمالية تحتوي على موارد من النّفط غير التقليدي، تفوق ب %50 احتياطي دول الشرق الأوسط من النّفط التقليدي.

المشهد الحالي والمستقبلي لمنظومة الط اقة

هناك مؤرشّات تدلّ على أنّ اقتصاد النّفط الحالي المتميّز بالأسعار العالية للنّفط في الأسواق العالمية، لا يشجِّع على تطوير الطاقات الجديدة والبديلة ذات التكلفة العالية نسبيًّا فقط، ولكنّه يشجِّع كذلك على التوجّه نحو نوعيّات جديدة من النّفط تُعدّ تكلفة إنتاجها عالية مقارنة بالنّفط التقليدي. استنادًا إلى هذه المعطيات، نستطيع أن نلخِّص الاتجاهات على المدى الطويل في منظومة الطاقة العالمية، في النقاط التالية: جميع البيانات تؤكّد أنّه لا يوجد عجز بنيوي في مصادر الطاقة، وأنّ العرض من النّفط في الأسواق العالمية المقدَّر ب 93 مليون برميل في اليوم، هو أعلى من الطلب المقدَّر ب 88 مليون برميل من النّفط في اليوم. وما يعزِّز هذا الأمر الواقع، هو الارتفاع المستمر للاحتياطي المؤكَّد العالمي من النّفط. لا يزال الوقود الأحفوري (الّنفط والغاز والفحم) يهيمن على المزيج العالمي من الطاقة، بنسبةٍ تصل إلى %87 من الاستهلاك العالمي للطاقة. ولا تمثِّل الطاقات المتجدّدة أكثر من %2 من الاستهلاك العالمي للطاقة. لا يزال النّفط هو الوقود الرائد، ويمثّل %33.1 من الاستهلاك العالمي من الطاقة. ولكن هناك تراجع مستمرّ في نسبته من مزيج الطاقة العالمي منذ اثنتيْ عشرة سنةً متتالية، وذلك لفائدة

الغاز والفحم اللّذين شهدا نموًّا سريعًا قُدّر بنسبة %5.4 بحسب أرقام 2011 . لا تزال البيانات الخاصّة باستهلاك الطاقة في العالم، تؤكّد انتقال مركز الثّقل من مجموعة الدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية OECD إلى الاقتصادات الناشئة، وخاصّةً في آسيا وعلى رأسها الصين والهند. وبحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة لعام 2012، ستكون نسبة %96 من الارتفاع المتوقَّع لطلب الطاقة في العالم، من خارج منظمة التعاون والتنمية، في الفترة الفاصلة بين 2010 و 2035، ومن الصين والهند خاصّةً. إنّ ثورة النّفط التي تشهدها الولايات المتّحدة الأميركية ليست حدثًا طارئًا ومُوَقَّتًا، ولكنّها أهمّ ثورة يشهدها قطاع النّفط منذ عقود. وتستطيع أن تتكرّر في مناطق أخرى من العالم. وقد ينجم عنها نتائج مذهلة على المدى البعيد. من المحتمل أن يكون عصر النّفط المنخفضِ التكلفة قد انتهى، ولكن بإمكان التّكنولوجيا والتوسع في المشاريع أن يخفِّضا التكلفة، مثلما حدث في السابق مع تجربة الإنتاج في بحر الشمال. إنّ التوجّه المحوري الذي هو بصدد تغيير الخريطة العالمية للنّفط في العالم، هو بلا جدل ثورة النّفط التي تشهدها الولايات المتّحدة الأميركية. فقد بدأت ثورة إنتاج الغاز الصخري، وهو ما مكّن من الاستغناء عن استيراد الغاز في أقل من خمس سنوات. لهذا السبب، سنهتمّ في الجزء الموالي من الورقة بهذه التجربة وبإمكانية تكرارها في إنتاج النّفط الصخري.

ثورة النّفط في الولايات المتّحدة الأميركية

مثلما بيّنا أعلاه، تميّز سوق النّفط في العشرية السابقة ببروز مناطق جديدة لاستكشاف النّفط غير التقليدي و / أو لإنتاجه، في كندا (النّفط من الرمل والقار)، وفنزويلا (النّفط الثقيل جدًّا)، والبرازيل (النّفط المنتَج في البحر العميق جدًّا)، وبالخصوص في الولايات المتّحدة الأميركية. فقد استفاد قطاع النّفط من الثورة السابقة والناجحة في إنتاج الغاز الصخري؛ وذلك بالاعتماد على تقنيات جديدة، استُند إليها لاحقًا من أجل إنتاج النّفط الصخري. ولا بدّ من الإشارة إليها، قبل التطرّق إلى ثورة النفط الحالية.

ثورة الغاز الصّ خري

نتج من الارتفاع الملحوظ في إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتّحدة الأميركية طوال السنوات الخمس الماضية، اكتفاءٌ ذاتي، مع إمكانية تصدير الغاز للأسواق العالمية ابتداءً من عام 2020، مثلما هي الحال بالنّسبة إلى كندا بحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة بخصوص مستقبل منظومة الطاقة في العالم لعام 2012 . لقد ارتفع إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة الأميركية من 01 تريليون قدم مكعّب من الغاز في 2006، إلى 84. تريليون قدم مكعّب من الغاز في عام 2010. وهو ما يمثّل نقلة من أقل من %2 من الإنتاج المحلي إلى %23 من إجمالي إنتاج الغاز في الولايات المتّحدة الأميركية، وصلت إلى حدّ تحقيق اكتفاء ذاتي في إنتاج الغاز. وهناك توقّعات أن تتحوّل الولايات المتّحدة الأميركية إلى دولة مصدِّرة للغاز. وما جعل هذه الثورة في إنتاج الغاز ممكنة، هو اختراقٌ في تكنولوجيا استخراج الغاز غير التقليدي المعروف بالغاز الصخري gas Shale، وذلك عن طريق استعمال الحفر الأفقي drilling Horizontal، والتفتيت المائي fracturation Hydraulic. إذ يُضَ خّ مزيج من الماء والرمل والموادّ الكيماوية تحت ضغط عال، لتفتيت صخور السجِّيل، وتحرير الغاز المحبوس فيها، كما هو مب في الشكل)4(في الملحق.

ثورة النّفط الصخري المقبلة

ليست الثورة التي تشهدها الولايات المتّحدة الأميركية في إنتاج النّفط الصخري، إالّ تكرارًا للثّورة التي شهدتها في إنتاج الغاز الصخري؛ فقد استعملت التقنيات نفسها من أجل إنتاج النّفط الصخري، امّ سمح باسترداد كميّات كبيرة من النّفط، وسجّلت الولايات المتّحدة الأميركية ارتفاعًا متتاليًا في نسبة إنتاجها للنّفط الصخري منذ عام 2008. ويعود ذلك بالأساس، إلى الابتكارات الجديدة المتحقِّقة في تقنيات استخراج الغاز الصخري، علاوةً على البيئة التنافسية العالية، والانفتاح الذي يتميّز به السوق الأميركي مقارنةً بغيره من الأسواق الأخرى في العالم. إنّ الانخفاض المتوقَّع في استيراد الولايات المتّحدة الأميركية النّفط من 9.5 ملايين برميل نفط في اليوم في عام 2011 إلى 3.4 ملايين برميل نفط في اليوم في عام 2035، يعود بالأساس إلى الإنتاج المتزايد من النّفط الصخري. وسوف يؤثّر تراجع واردات النّفط وتنامي الصادرات من الغاز تأثيرًا إيجابيًّا في العجز التجاري لميزانية الولايات المتّحدة الأميركية. علامً أنّ قيمة الواردات من النّفط في عام 2011، تمثّل وحدها ثلثي العجز في السلع، إضافةً إلى الحافز الاقتصادي الإيجابي الذي ستوفّره صادرات الغاز للاقتصاد الأميركي.

العوائق المحتملة لثورة النّفط

مازالت هناك بعض العوائق التي قد تزيد تكلفة هذا التحوّل في منظومة الطاقة في الولايات المتّحدة الأميركية أو تؤخِّره، ولكن تلك العوائق لن توقف وقوعه. ويرتبط العائق الأوّل بالقوانين التنظيمية التي تحكم نقل النّفط داخل الأراضي الأميركيّة ما بين الولايات. وفعالً، ينقسم السوق الأميركي للنّفط إلى أربعة أسواق مختلفة: 1 PADD: سوق الساحل الشرقي. 2&3 PADD: سوق الجزء الأوسط من الولايات المتحدة الأميركيّة. 4 PADD: سوق ساحل الخليج المكسيكي. 5 PADD: سوق الخليج الغربي. والغريب في الأمر، أنّ قوانين الولايات المتحدة الأميركية - وتُعدّ الدولة الأكثر دفاعًا عن مبادئ التجارة الحرّة وحرية الوصول إلى الأسواق - لا تسمح بنقل النّفط بحرّية داخل حدودها، كما لا تسمح بتصدير النّفط إلى الخارج. والعائق الثاني والرئيس (وهو مترتّب على العائق الأول)، هو غياب البنية التحتية من أجل تكرير النّفط ونقله بين الأسواق المختلفة داخل الولايات المتحدة الأميركية. إذ لا يوجد أنبوب للنفط الخامّ يربط الساحل الشرقي بالساحل الغربي، وساحل خليج المكسيك بالسواحل الشرقية والغربية. والساحل الشرقي غير موصول بالمنطقة الشمالية الوسطى التي يُنتَج فيها حاليًّا جزءٌ كبير من النّفط غير التقليدي، كما تبيِّنه الخريطة رقم 2 في الملحق. ولكن، يبدو أنّ هذه العوائق في طريقها إلى الحلّ في ضوء خطاب الرئيس أوباما في آذار / مارس 2012، والذي أكّد فيه دعمه لتوسيع شبكة أنابيب النّفط في الولايات المتحدة الأميركيّة. ومن المتوقَّع أن يتغريّ الوضع جذريًّا في الفترة الرئاسية الجديدة للرئيس أوباما.

أمّا العائق الثالث، فيتعلّق بالمضاعفات السلبية لاستعمال تقنية التفتيت المائي على البيئة. إذ تُتّهم هذه التقنية بتلويث طبقات المياه الجوفية بالمواد الكيماوية المستعملَة في عملية التفتيت. لا نستطيع أن ننفي وجود إمكانية لحاق ضرر بالبيئة، ولكن يبدو أنّ هناك مبالغة في تقييم حجم الضرر اللاحق بالبيئة والمياه الجوفية. وللعلم، فإنّ الحوادث التي وُثّقت، تشير إلى أنّ سببها الأساسي يعود إلى ضعف التنظيم والرقابة الحكومية على الشركات التي تستخدم تقنية التفتيت المائي، وأنّ الشركات التي كانت مسؤولة عن إلحاق الضرر بالبيئة، هي شركات صغيرة لم تتّخذ كلّ الإجراءات اللازمة من أجل تفادي هذه الحوادث بهدف تخفيض تكلفة الإنتاج فقط. ولهذا

السبب، نعتقد أنّ تعزيز التنظيم وتشديد الرقابة الحكومية على الشركات العاملة في مجال إنتاج النّفط والغاز الصخري، من شأنهما أن يقلِلّا المضاعفات السلبية لتقنية التفتيت المائي. علاوةً على ذلك، فإنّ البعد الإستراتيجي لهذه الثروة، لن يسمح بتعطيل ثورة إنتاج النّفط والغاز غير التقليديَّينْ أو إيقافها.

بوادر ثورة الموارد غير التقليدية في الصّ ين

لا شكّ في أنّ الثورة التي يشهدها قطاع الطاقة في الولايات المتحدة الأميركية تعيد تشكيل المشهد العالمي للطاقة مع تداعيات بعيدة المدى؛ إذ إنّ الارتفاع المتزايد في إنتاج النّفط والغاز الصخريّينْ، علاوةً على الإنتاج المتزايد من الوقود الحيوي، سوف يسمح للولايات المتحدة الأميركيّة بأن تحقِّق اكتفاء ذاتيًّا صافيًا من الطاقة بحلول عام 2035 ، كما سيقلّص اعتمادها على النّفط المستورَد من منطقة الشرق الأوسط عامةً والخليج خاصّةً. فقد انخفضت واردات النّفط من المنطقة من 2.8 مليون برميل نفط في اليوم في عام 2000، إلى مليوينَ برميل نفط في اليوم في عام 2011. ومن المتوقّع أن تزيد الواردات في الانخفاض إلى 0.3 مليون برميل في اليوم في عام 2025 . كما يُتوقّع أن تصبح الولايات المتحدة الأميركية أكبر دولة منتجة للنّفط قبل السعودية، في عام 2025 . ومقابل التحوّل التدريجي للولايات المتحدة الأميركيّة إلى الاكتفاء الذاتي في إنتاج الطاقة، سيتفاقم الاعتماد على النّفط المستورد من الشرق الأوسط في كلٍّ من أوروبا وآسيا على وجه الخصوص، وعلى رأسيهما الصيّن والهند. فالصيّن - مثال - بصدد الاستعداد لهذا التوجّه في إستراتيجيتها، من خلال الوجود الملحوظ والمتزايد لشركاتها النفطية الوطنية في كلٍّ من أفريقيا والشرق الأوسط، علاوةً على تعزيز روابطها السياسية والاقتصادية هناك. ويبدو لنا في أوّل وهلة، أنّ انخفاض الطلب على النّفط المستورَد سيعوِّضه الطلب المتنامي في آسيا، امّ سيساهم في استقرار أسعار النّفط وتفادي انهيارها. ولكن، لا يصحّ هذا إالّ إذا افترضنا أنّ دوالً آسيوية كالصيّن والهند، لن تحاول استنساخ التجربة الأميركية في مجال إنتاج النّفط والغاز الصخريينْ. في الواقع، هناك اهتمام فعلي ومتزايد من جانب هذه الدول بالتجربة الأميركيّة. ولقد بادرت بإطلاق دراسات من أجل تقييم الموارد المحتمَلة من النّفط والغاز غير التقليديينْ على أراضيها. ويبدو أنّ الأرقام الأوّلية المتعلّقة بالصيّن، تشير إلى أنّ موارد الغاز الصخري تفوق بكثير الموارد الموجودة في الولايات المتحدة الأميركيّة بنسبة %50، وقد تصل إلى 1275 تريليون قدم مكعّب من الغاز القابل للاستخراج تقنيًّا، امّ يكفي لتلبية حاجيات الصيّن من الغاز لمدّة 200 سنة. وفي هذا الصدد، وقّعت "شركة شل" في شهر تشرين الثّاني / نوفمبر من العام المنقضي عقدًا مع الشركة الوطنية للنّفط الصّينية China National Petroleum Corp، من أجل استكشاف الغاز الصخري في الصيّن وإنتاجه. ومثلما حصل في الولايات المتحدة الأميركيّة، لا نستطيع أن نستبعد تحوّل تجربة إنتاج الغاز الصخري إلى إنتاج النّفط الصخري، امّ سيترتّب عليه تقليص نسبة النّفط المستورَد في الاستهلاك الإجمالي. ولهذا السبب، لا نستطيع أن نجزم بأنّ سوق النّفط سيتمتع بالاستقرار، وبأنّ أسعار النّفط ستبقى مرتفعة، بل العكس هو الصحيح؛ أي أنّ الضغط سيزداد على أسعار النّفط مع احتمال كبير لانهيارها، والأمر سيّان في ما يتعلّق بأسعار الغاز أيضًا على المديَينْ المتوسط والبعيد. علامً وأنّ ما يدعم هذه الفرضية، هو وجود مؤ ات قويّة على توفّر النّفط والغاز الصخري في عدّة مناطق أخرى كالأرجنتين وأوكرانيا.

بعد دراسة التطوّرات الأخيرة في مشهد الطاقة العالمي عامّةً وفي الولايات المتحدة الأميركيّة خاصّةً، لا بدّ أن نقوم - في مرحلة تالية - بمحاولة دراسة التداعيات الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية الحاصلة على المدى البعيد، لهذه المؤرشّ ات الأولية للتغيير المرتَقب في خريطة الطاقة العالمية، على دول مجلس التعاون الخليجي.

النفط في الاقتصاد السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي

لا يوجد خلاف بشأن محورية الريع النّفطي ودخوله على اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، منذ اكتشاف النّفط في شبه جزيرة العرب في الثلاثينيات من القرن الماضي. فقد أصبحت هذه الثروة تشكّل المحور الرئيس للاقتصاد والسياسة في الخليج، وأثّرت بطريقة مباشرة وغير مباشرة في جميع مجالات الحياة في المجتمعات الخليجية. فعلى المستوى المحيلّ، ولّد الاقتصاد المبنيّ على الريع النّفطي دوالً يربطها عقد اجتماعي سياسي بمجتمعاتها. وهو يتميّز بتوزيع المزايا عبر الخدمات الاجتماعية والإنفاق الحكومي العالي، مقابل التخ عن حق المشاركة السياسية. أمّا على المستويَينْ الإقليمي والعالمي، فقد أصبح الخليج في قلب خريطة الطاقة في العالم، نظرًا للاحتياطي المميَّز من النفط والغاز في المنطقة. ولم يقتصر تأثير ثروة النّفط على الدول العربيّة المصدِّرة للنفط فقط، بل امتدّ حتّى إلى الدول العربيّة الأخرى التي تفتقر إلى هذه الثروة؛ وذلك من خلال إيرادات العمالة العربيّة في الدول المنتجة للنفط (في سنة 2011 وصلت دخول الحكومة المصريّة من العمالة المصريّة في السعودية وحدها، إلى 8 مليارات دولار أميركي)، ومن خلال المساعدات الماليّة التي تقدّمها الدول العربيّة المصدِّرة للنفط إلى الأخرى غير المنتجة له. وفي هذا الإطار، نستطيع أن نجزم دون شكّ أنّ ثروة النفط كانت ومازالت إلى يومنا هذا، من العوامل المهمّة - إن لم تكن العامل الرئيس - التي شكّلت الهوية الاقتصادية والسياسية والثقافية للخليج والدول العربيّة كافّةً. ويتميّز سوق النّفط عمومًا بالتقلّب وعدم الاستقرار. وتُعدّ اقتصادات الدول العربيّة المنتجة للنّفط، ودول الخليج منها على وجه الخصوص، أكثر تقلّبًا من اقتصادات أخرى تعرف القدر

نفسه من النمو. وقد نجم عن اعتماد اقتصاديات الخليج المفرط على ثروة النفط، خلل هيكلي أثّر سلبًا في المسيرة التنموية لهذه المنطقة التي تعاني من عدّة مشاكل هيكلية تعرقل مسيرتها نحو التنمية الشاملة؛ نظرًا إلى اعتماد اقتصاداتها على دخول من خارج الاقتصاد، يُحدِّد السوق العالمي للنّفط وتقلّباته مستواها. وحتّى نتمكّن من دراسة التداعيات المحتمَلة للدّور المتزايد للنّفط غير التقليدي على الأسواق العالمية من جهة، وتداعيات الثورة في إنتاج النفط على الولايات المتحدة الأميركيّة بالخصوص من جهة ثانية، علينا أن نعود إلى تجربة تاريخية مماثلة حدثت في الثمانينيات والتسعينيات، وزُرعت بذورها في السبعينيات مع أزمة النفط الأولى في عام.1973

تجربة أزمات النفط السابقة وتداعياتها

نجم عن ارتفاع أسعار النفط في ما بين عامَي 1973 و 1974 ثمّ في عام 1979، عددٌ من القرارات والسياسات في أهمّ الدول الصناعية، هدفها تخفيض استهلاكها للنفط وتقليل اعتمادها على الدول المنتجة للنفط في منظمة أوبك. ولقد شجّعت هذه الدول على تطوير التكنولوجيات التي توفِّر استهلاك الطاقة، كما شجّعت على إنتاج النفط من حقول جديدة خارج دول أوبك، كنفط بحر الشمال، على الرّغم من تكلفته العالية مقارنةً بتكلفة إنتاج النفط في الدول العربيّة وفي دول الخليج خاصّةً. ولقد أدّت هذه القرارات بالتزامن مع الركود الاقتصادي الذي شهده الاقتصاد العالمي في الثمانينيات، إلى انخفاض في الطلب العالمي على النفط، وإلى بداية مرحلة من الانخفاض المستمرّ في أسعاره منذ عام 1981 إلى غاية أواخر التسعينيات. فقد انخفض سعر البرميل بنسبة %40 بالقيمة النسبية ما بين السنوات 1981 و 1996، كما انخفض بنسبة %59 من حيث القيمة الحقيقية. وهذا ما أثّر سلبًا في دخول جميع الدول المنتجة للنفط وفي دول مجلس التعاون الخليجي خاصّة، وذلك ما يبيّنه الشكل). 1(وعلى سبيل المثال لا الحصر، انخفض الناتج المحيلّ للفرد في السعودية من 18039 دولارًا أميركيًّا في عام 1981 إلى 7181 دولارًا أميركيًّا في عام 1998، وذلك نتيجة للانخفاض الكبير في أسعار النفط في الثمانينيات والتسعينيات، والذي تزامن بدوره مع النموّ الملحوظ للسكان في دول الخليج. وعند الحديث عن النموّ السكاني في الخليج، لا بدّ من أن نشير إلى التركيبة السكانية التي تتكوّن في الأساس من فئة الشباب، كما هي الحال في السعودية مثالً؛ إذ تمثِّل فيها شريحة من تقلّ أعمارهم عن 15 سنةً، أكثر من %40 من السكّان. كما تمثِّل فئة من تقِلّ أعمارُهم عن 25 سنةً، أكثر من %60 من السكّان. ومن خلال هيكلية الهرم السكّاني في دول الخليج، نستنتج أنّ الطلب على الوظائف الجديدة لدى فئة الشباب التي ستصل إلى سوق العمل في السنوات المقبلة، يتطلّب المزيد من الموارد الماليّة والاستثمارات في مشاريع تنموية، من أجل تلبية حاجيات هذا النموّ السكّاني المرتقَب. علاوةً على ذلك، يتعلّق الأمر بنوعية الوظائف المطلوبة، وليس فقط بالكمّ المطلوب من الوظائف الجديدة. ولكن، نظرًا إلى التغير الهائل الذي عرفته المجتمعات الخليجية في السنوات الماضية، وتطلّع الأجيال الشابة إلى وظائفَ تلائم مستواها العلمي وثقافتها المتأثّرة بالعولمة ووسائل الاتصال الحديثة، فإنّ تلبية هذه المطالب الحتمية ستمثّل عبئًا كبيرًا ومتزايدًا على ميزانيات هذه الدول. وكما رأينا، لا يبدو أنّ وتيرة الدّخول المرتقَبة قادرة على الاستجابة لحجم الطلب المستقبلي، حتّى وإن بقيت أسعار النفط في مستوياتها الحالية، فما بالك لو انخفضت تلك الأسعار في الأسواق العالمية! علامً وأنّ سوق النفط يتميّز بالتقلب وعدم الاستقرار. إنّ هناك معادلة حتمية بين مستوى الموارد ومستوى المطالب؛ إذ إنّه كلمّا ارتفعت نسبة الموارد من دخول النفط، زادت المطالب الاقتصادية والاجتماعية. وبحسب غيرد نونمان Nonneman Gerd، يبدو أنّ التوسع المرتقَب في حجم إنتاج النفط والغاز، لا يستطيع أن يلبّي كليًّا حجم الطلبات

الاجتماعية والنموّ الديموغرافي المتوقَّع في المستقبل، امّ قد يقوّض العقد الاجتماعي الريعي السائد في المنطقة. إنّ الارتفاع المهمّ في أسعار النفط في السبعينيات، قد دفع بالحكومات العربيّة إلى رفع ميزانياتها، وزيادة استثماراتها في المشاريع التنموية المُكلِفة؛ امّ أدّى إلى عجز في ميزان المدفوعات واللجوء إلى التديّن الخارجي في الثمانينيات من القرن الماضي. وبعد انهيار أسعار النفط في منتصف ذلك العقد، مرّت الدول العربيّة المنتجة للنّفط بأوضاع اقتصادية حرجة، نظرًا إلى الانخفاض الكبير في دخولها من عملية تصدير النّفط. وانخفضت المعونات الاقتصادية الموجَّهة من الدول العربيّة الغنيّة إلى الدول العربيّة الفقيرة، امّ دفع الحكومات العربيّة إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وتطبيق برامج الإصلاح الهيكلي التي كانت لها عواقب اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة على المجتمعات العربيّة. ومن أشدّ تلك العواقب ما عرفته الجزائر من حرب أهلية، دامت طوال عشرية التسعينيات. لا نستطيع أن نختصر أسباب الأزمôô ة الاقتصادية الواقعة في الثمانينيات والتسعينيات في عامل انهيار سعر النفط في الأسواق العالمية فقط. فقد تزامن هذا الحدث مع عوامل أخرى: كالنموّ الديموغرافي، والتغيرات الاجتماعية، علاوةً على تغييرات في الساحة الدولية بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي، والأزمات الأمنيّة الإقليمية كحرب الخليج الأولى التي نتجت منها ضغوط داخلية وخارجية من أجل الإصلاح السياسي، وحرب الخليج الثانية التي أدّت إلى التدخل العسكري الغربي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركيّة. ولكن، لا شكّ في أنّه كان للنفط دورٌ محوري في هذه الأزمة بطريقة مباشرة، لأنّ انخفاض سعر النفط قد أثّر سلبًا في ميزانيات هذه الحكومات، وأضعف قدرتها على القيام بدورها التوزيعي في إطار المنظومة الريعية لدول مجلس التعاون الخليجي. إنّ الإنفاق على الخدمات الاجتماعية مثل الصحّة والتعليم، من شأنه أن يُولّد بالضرورة تطلّعات مستقبلية في مجال التشغيل، نظرًا إلى النموّ السكاني المتزايد، وتعميم التعليم على جميع المستويات. إضافةً إلى ذلك، فإنّ سياسة التوظيف الحكومي التي تنتهجها دول الخليج العربيّة، قد أدّت إلى إنشاء جهاز بيروقراطي أصبح يمثِّل عبئًا ماليًّا مه على ميزانيات هذه الدول. وحتّى الأزمات الإقليمية التي شهدتها منطقة الخليج والتدخّل الخارجي السياسي والعسكري، كلّها تعود بالأساس إلى مكانة الدول العربيّة في الخليج ودورها في الخريطة العالمية للنفط والغاز.

إنّ الأزمة الاقتصاديّة التي مرّ بها عددٌ من دول مجلس التعاون الخليجي في التسعينيات، كان سببها الرئيس يعود إلى الأوضاع الاقتصادية الحرجة التي كانت تعاني منها تلك الدول منذ انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، والتي بدأت في عام 1986، حين انخفض سعر النفط إلى أقلّ من 10 دولارات للبرميل الواحد. وتُعدّ السعودية من أكثر الدول تأثّرًا بهذا الانخفاض الكبير في الأسعار، والذي تزامن مع الضغوط الخارجية التي حصلت من جرّاء حرب الخليج الأولى والتدخّل العسكري الغربي في المنطقة. وهو ما دفع بالملك فهد إلى إعلان إصلاحات سياسية في عام 1992، تمثّلت في إصدار وثيقة الحكم الأساسي التي وقع بموجبها إنشاء مجلس الشورى المع في العام الذي تلاه، وذلك لأوّل مرّة منذ تأسيس المملكة السعودية عام.1932 يتميّز الأداء الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي بالتقلّب، كما هو واضح في الشكل 2()، الذي يبنيّ معدّل متوسط النموّ السنوي للفرد في الناتج المحلي الإجمالي (الأعمدة على اليسار)، ومستوى التقلّب الذي يُقاس على أساس التغيير المعياري لمعدلّات النموّ

قطر

الإمارات العربية المتحدة

الكويت

السعوديّة

البحرين

عمان

السنوي (الأعمدة على اليمين) طوال عقد من الزمان. وقد قمنا بقياس مستوى التقلب بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، من عام 1970 إلى غاية عام 2006. وباعتماد هذه الطريقة في القياس، تبرز التقلّبات صعودًا ونزوالً من متوسط النموّ في كلّ عقد من الزمان، وتُسمّى الصدمات. إنّ الهدف من إيراد هذه البيانات، هو إبô راز مدى تقلّب اقتصادات دول الخليج، ومدى تعرّضها للصدمات منذ السبعينيات إلى غاية الآن. ويبدو جليًّا من خلالها، أنّ معظم دول مجلس التعاون الخليجي - باستثناء الكويت وقطر - قد عرفت نموًّا اقتصاديًّا ملحوظًا في السبعينيات، وتحديدًا %12 في الإمارات العربيّة المتحدة، و%5.7 في السعودية، و%5.5 في عمُان، و%3 في البحرين. أمّا في الثمانينيات، فقد عرفت جميع دول الخليج - باستثناء عمُان - انكماشًا في اقتصادها وصل إلى -3.6(%) في السنة في الكويت، وإلى -6.5(%) في السنة في السعودية. ومع بداية ارتفاع أسعار النفط في أواخر التسعينيات وبداية القرن الواحد والعشرين، ارتفعت معدلّات النموّ الاقتصادي مجدّدًا في جميع دول مجلس التعاون الخليجي التي مازالت تنعم باستقرار اقتصادي متميِّز إلى غاية الآن. خلاصة القول، إنّ القاسم المشترك بين جميع دول الخليج، هو التقلّب الشديد، وارتباط اقتصاداتها الوثيق بتقلّبات سوق النفط العالمية. تتميّز ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي حاليًّا، بفائض مالي وخارجي، بفضل المستوى المرتفع لأسعار النفط في الأسواق العالمية. فقد بلغ الفائض الماليّ نحو %13 من الناتج المحيلّ العامّ، ووصل الفائض الخارجي إلى %24 من الناتج المحيلّ العامّ عام 2011 . ومن المتوقَّع أن يظلّ الوضع المالي على هذه الحال على المدى القصير. ولكن نتيجة للنفقات المتزايدة التي رافقت ارتفاع أسعار النفط، ارتفعت - بالتوازي مع ذلك وباستمرار - أسعار نقطة التوازن لميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي إلى مستويات تاريخية، امّ ترتّب عليه ضعف بنيوي وقابلية للتقلّب، كما يبيّنه الشكل.)3(مثلما يوضِّ ح الشكل 3()، تُعَدّ "البحرين" أكثر الدول عرضةً للتقلّب (سعر نقطة التوازن يفوق 110 دولارات للبرميل)، ثمّ عمُان (أكثر من 80 دولارًا)، ثمّ الإمارات (نحو 80 دولارًا)، ثمّ السعودية (تقريبًا

79 دولارًا.) وبالنّسبة إلى "قطر" و"الكويت"، يبلغ سعر نقطة التوازن أقلّ من 60 دولارًا للبرميل. ويبدو جليًّا أنّ الانهيار الكبير في الأسعار (تحت 80 دولارًا للبرميل)، سيؤثِّر سلبًا في معظم اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي. ولكن، لا يمكن أن نعتمد على عامل سعر نقطة التوازن فقط، بل علينا أن نأخذ بعين الاعتبار حجم الطلب العالمي من النفط والغاز، ذاك الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى تطوير القدرات على إنتاج النفط والغاز في الدول المستهلكة الكبرى؛ كالولايات المتحدة الأميركيّة، ودولٍ آسيويّةٍ كالصيّن والهند. ولقد رأينا أنّ هناك احتماالً واقعيًّا وجدّيًّا أن تطوِّر هذه الدول إمكانياتها من إنتاج النفط والغاز غير التقليديَيّن بكميات كبيرة. وسيؤثّر ذلك - بلا شك - في مستوى الطلب العالمي على النفط والغاز المنتَجينْ في دول مجلس التعاون الخليجي.

وفي الحقيقة، من شأن هذه النفقات العالية التي تشهدها اقتصادات دول الخليج حاليًّا من جرّاء أسعار النفط المرتفعة، أن تزرع بذور الأزمات الاقتصادية المستقبلية. وذلك في حال انهارت أسعار النفط في الأسواق العالمية؛ نتيجة للعرض المتزايد من النفط غير التقليدي، ودخول لاعبين جدد إلى سوق النفط، كالولايات المتحدة الأميركية التي ستتحوّل من دولة مستوردة للنفط إلى دولة تحقِّق شبه اكتفاء ذاتي بحلول عام 2035، بحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة عن مستقبل الطاقة في العالم لعام.2012 وهناك يقين سائد عند جزء كبير من الخبراء وصنّاع القرار في مجال الطاقة في الدول العربيّة المنتجة للنفط، بأنّ تكلفة إنتاج النفط غير التقليدي مرتفعة جدًّا، وبأنّ الدول المستهلكة له أو شركات الطاقة الكبرى The Majors غير مستعدّةٍ لتحمّل هذه التكلفة الباهظة والاستغناء عن نفط الخليج المنخفض التكلفة. ولكنْ، إذا عدنا مرّةً أخرى إلى تجربة الثمانينيات والتسعينيات، سنلاحظ أنّ ما حصل هو عكس هذا اليقين الزائف. فقد توسّع إنتاج النفط وارتفع في المناطق ذات التكلفة العالية، على حساب الإنتاج في المناطق ذات التكلفة المنخفضة؛ كدول مجلس التعاون الخليجي التي انخفض فيها الإنتاج أو دخل إلى مرحلة ركود. وإذا اعتمدنا في تفكيرنا وتحليلنا المبادئ الاقتصادية البحتة، فالمنطق الاقتصادي يقتضي أن تتّجه الدول المستهلكة نحو تشجيع إنتاج النفط في المناطق ذات التكلفة الإنتاجية المنخفضة كدول مجلس التعاون الخليجي. ولكن، ما حدث في الواقع هو عكس ذلك. فقد مثّلت الأزمة النفطية في سنة 1973 صدمة قوية للاقتصادات العالمية، والغربية منها خاصّةً؛ نتيجةً للحظر النفطي الذي قرّرته الدول العربيّة المصدِّرة للنفط على الولايات المتّحدة وأوروبا الغربية واليابان، بسبب مساندتها إسرائيل في حرب أكتوبر 1973. ولقد ارتفعت أسعار النفط في الأسواق، العالمية بنسبة %70 امّ أدّى إلى نتائج وخيمة على الاقتصاد العالمي، وكان ذلك أحد العوامل التي أدخلته في مرحلة ركود اقتصادي. إنّ الارتفاع الكبير في أسعار النفط، قد أثّر كثيرًا في تكلفة استيراد النفط ومشتقّاته لدى معظم دول العالم غير المنتجة للنفط، وفي اقتصادات الدول الغربيّة خاصّةً، تلك التي تُعدّ الأكثر استهلاكًا للنفط واعتمادًا عليه. وهو الأمر الذي أدّى - في ما بين 1973 و 1987 - إلى اتّباع سياسات ترشيد الاستهلاك من جهة، من خلال تحسين نجاعة منظومة الطاقة وتغيير نمط الاستهلاك في المجتمع، واتّباع عدد من الدول إستراتيجيات من أجل تخفيض اعتمادها على النفط من جهة ثانية، من خلال التوجّه نحو مناطق أخرى لإنتاج النفط من خارج دول منظّمة أوبك ومن الدول العربيّة خاصّةً، كبحر الشمال، وإن كانت تكلفة الإنتاج أعلى. كما أدّى كل ذلك إلى تشجيع إدخال مصادر طاقة بديلة أو متجدّدة من جهة ثالثة. ولقد شجّع كلٌّ من النرويج وبريطانيا استكشاف النفط وإنتاجه في بحر الشمال، من خلال سياسات وتحفيزات ضريبية مشجِّعة. وتزامنت تلك السياسات مع حدوث اختراق تكنولوجي، خفّض تكلفة إنتاج النفط في منطقة بحر الشمال التي ارتفع الإنتاج فيها

من 3.5 ملايين برميل من النفط يوميًّا في عام 1988 إلى 5.9 ملايين برميل من النفط يوميًّا في عام 1996. ومن خلال هذه التجربة السابقة في السبعينيات والثمانينيات، يبدو جليًّا أنّ الدول المستهلكة للنفط والدول الغربية خاصّةً تتمتّع بقدرات علمية وتكنولوجية عالية، تسمح لها بأن تخفِّض تكلفة الإنتاج الباهظة في المراحل الأولى، والتي سرعان ما تبدأ في الانخفاض مع توسّع المشاريع. ولهذا السبب، فالاعتماد المفرط لصنّاع القرار والخبراء في الدول العربيّة المنتجة للنفط عامّةً وفي دول الخليج خاصّةً على وفرة النفط القليل التكلفة، يحتمل الكثير من المخاطر. والتجربة التاريخية التي تطرّقنا إليها، تخالف هذا التوجّه في التفكير.

سيناريو انهيار الأسعار المحتمَل

إنّ الاعتقاد السائد عند معظم الخبراء وصنّاع القرار في مجال الطاقة، هو أنّ أسعار النفط ستبقى مرتفعة لمدّة طويلة. وفي هذا السياق، فإنّهم يستبعدون أيّ انهيار للأسعار على المدى المتوسط أو البعيد. ولكن، هناك أدلّة تشير إلى وجود احتمال كبير لانهيار أسعار النفط على المدى البعيد. ومن الصعب التكهّن - تحديدًا - بالتوقيت الذي قد تنخفض فيه أسعار النفط في الأسواق العالمية. ذلك أنّ معظم المشاريع الاستثمارية التي انطلقت في مجال تطوير قدرات إنتاج النفط التقليدي وغير التقليدي في العالم، مازالت في مراحلها المبكرة التي تكون فيها التكلفة الأولية دائمًا مرتفعة، وذلك من أجل بناء البنية التحتية، وتطوير قدرات الإنتاج والنقل والتخزين، علاوةً على تكاليف تطبيق التكنولوجيات الجديدة وتكييفها على أرض الواقع. وقبل التطرّق إلى هذه الأدلة، يتعنيّ علينا الإشارة إلى الطبيعة المتقلِّبة لسوق النفط تاريخيًّا، بما أنّ كل مرحلة ترتفع فيها الأسعار، تتلوها مرحلة أخرى تنهار فيها. وتحمل المرحلة الحاليّة المؤرشّات نفسها التي اتّسمت بها المرحلة التي سبقت انهيار الأسعار في السبعينيات، وهي كالآتي: اختراق تكنولوجي في مجال إنتاج النفط غير التقليدي بعد ثورة إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة الأميركيّة. وهذا ما حصل فعالً، عند إنتاج النفط والغاز في بحر الشمال. إنّ الاكتشافات الجديدة من النفط غير التقليدي، قد وقعت في مناطق جغرافية من خارج منظمة أوبك. توفُّر الإرادة السياسية والسياسات المشجِّعة على إنتاج النفط غير التقليدي في كلٍّ من الولايات المتحدة الأميركيّة وكندا. سماح المستوى الحالي المرتفع لأسعار النفط بإنتاج النفط غير التقليدي، بطريقة اقتصادية ومربحة. إذ إنّ تكلفة إنتاج النفط الصخري تتراوح بين 50 و 65 دولارًا أميركيًّا للبرميل في أغلب الأحيان، بينما تفوق أسعار النفط المئة دولار للبرميل حاليًّا. لقد سبق انهيار الأسعار في عام 1986 مرحلة من الاستثمارات العالية في قدرات الإنتاج، التي استفادت من ارتفاع أسعار النفط في السبعينيات. وهذا ما نلاحظه منذ بداية ارتفاع أسعار النفط عام 2000، كما أشرنا إلى ذلك في بداية هذه الورقة. وسيؤدّي ذلك إلى تعزيز القدرات الإنتاجية، وتشبّع السوق العالمي من النفط. وإذا أضفنا إلى هذه المؤرشّات ثورة الغاز الصخري الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركيّة، وتداعياتها على أسعار الغاز التي انخفضت انخفاضًا كبيرًا في السوق الشمال أميركي، فإنّ جميع المؤ ات المتقدِّمة تفيد بأنّها بصدد تكرار نفسها في إنتاج النفط الصخري، وبتطبيق هذه التجربة في مناطق أخرى من العالم كالصين على سبيل المثال. ويبدو أنّ لسيناريو انهيار أسعار النفط على المدى البعيد، قدرًا كبيرًا من التجسّ د على أرض الواقع ما بين 2030 و 2035، إذا لم تحصل أيّ أزمة اقتصادية أخرى في العالم قبل هذا التاريخ، ولم تقع أيّ اختراقات تكنولوجية أخرى في مجال الاستخراج أو في مجالات أخرى لها علاقة مباشرة بالطاقة عامّةً والنفط خاصّةً.

التداعيات المحتمَلة لثورة الموارد غير التقليدية على دول الخليج

كانت الولايات المتحدة الأميركيّة ومازالت، بحكم موقعها ودورها كقوّة عظمى، من أكثر الدول اهتمامًا بقضية الطاقة والسيطرة على مصادرها. علامً وأنّها تمتّعت باكتفاء ذاتي في إنتاج النفط لغاية منتصف الأربعينيات. ومنذ منتصف السبعينيات، أصبحت الولايات المتحدة الأميركيّة تستهلك ربع النفط المسوَّق عالميًّا، قبل أن تقلِّص اعتمادها على النفط المستورَد بفضل الإنتاج المحيلّ من النفط غير التقليدي في السنوات الأخيرة. وإنّ لهذا الوضع الجديد في الولايات المتحدة الأميركيّة في خريطة الطاقة تداعيات جيوستراتيجية، نستطيع أن نلخِّصها في النقاط الآتية: من أهمّ التحولّات الجيوسياسية، تحوّل آسيا إلى المستورد الرئيس لنفط الخليج، نظرًا إلى توصّل الولايات المتحدة الأميركيّة إلى اكتفاء ذاتي شبه كامل في إنتاج النفط بحلول عام 2035، بحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة. وهو ما سيجعل الصيّن والهند أكبر المستوردين للنفط الخليجي، ولاعبيَن سياسيين أساسيين في المنطقة. إنّ توصّل الولايات المتحدة الأميركيّة إلى اكتفاء ذاتي في إنتاج النفط، لا يعني بالضرورة أنّها ستعزل نفسها عن السوق العالمي للنفط، كما لا يعني تراجع أهمية منطقة الخليج بالنسبة إلى سياستها الخارجية. فلقد بدأ اهتمام الولايات المتحدة الأميركيّة بمنطقة الخليج مباشرةً بعد الحرب العالمية الثانية، وأبرمت اتّفاقيات طويلة المدى مع عدد من دول المنطقة، على الرغم من أنّها كانت تتمتع باكتفاء شبه ذاتي من النفط. وكان هدفها من ذلك، منع الاتحاد السوفياتي آنذاك من التغلغل في المنطقة، والتأثير من ثمّ في السوق العالمي للطاقة. وهذا ما قد يحدث أيضًا، لو قرّرت الولايات المتحدة الأميركيّة الانسحاب من المنطقة، وترك الصيّن تؤثِّر في سوق النفط وأسعاره. ولهذا السبب، لن تنسحب الولايات المتحدة الأميركيّة من الخليج. ولكنّ تنامي اعتماد الصيّن والهند على النفط الخليجي، قد يفتح الباب أمام شراكة أميركيّة - صينيّة - هنديّة في الملفّ الأمني الخليجي، علامً أنّ للهند مصالح في المنطقة تتجاوز المصالح الصينيّة؛ نظرًا للحجم الهائل من العمالة الهنديّة في الخليج، والتي تتجاوز ال 6 ملايين نسمة. وكما جاء في توصيات ورقة صدرت مؤخّرًا عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية Center for Strategic and International Studies CSIS)(للباحث أنطوني كوردسمان Cordesman Anthony، فإنّ توصّل الولايات المتحدة الأميركيّة إلى اكتفاء شبه ذاتي من النفط على المدى البعيد، سوف يتطلّب إعادة النظر في دورها في الملفّ الأمني بالخليج، وتقييم جدوى تأسيس هيكلية أمنيّة متعدّدة الأطراف تضمّ ك من الولايات المتحدة الأميركيّة والصيّن والهند واليابان وقوى آسيوية أخرى. وذلك ما سيسمح بتقليص حاجة الولايات المتحدة الأميركيّة إلى بسط قوّتها، إضافةً إلى ضرورة أخذنا بعين الاعتبار اهتمام قوى أخرى بأمنها في مجال الطاقة في المستقبل. مع تنامي دور النفط غير التقليدي في المزيج العالمي للطاقة، سينتقل مركز ثقل صناعة النفط إلى الô دول الغربيّة، مثل كندا والولايات المتحدة الأميركيّة وفنزويلا والبرازيل؛ نظرًا إلى الموارد الكبيرة من النفط غير التقليدي التي تحتوي عليها. والدولة الوحيدة التي ستشهد ارتفاعًا في إنتاجها من النفط في الخليج، هي دولة العراق التي تحتوي على خامس أكبر احتياطي مؤكّد للنفط في العالم. وهي ثالث أكبر منتج للنفط حاليًّا، بإنتاج يصل إلى 3 ملايين برميل في اليوم. والعراق مقبل على تطوّرات كبيرة في هذا المجال في السنوات المقبلة. على المستوى المحيلّ، لا شكّ في أنّ انهيار أسعار النفط سيؤثِّر سلبًا في ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصّةً إذا تزامن هذا الحدث مع تقليص للطلب العالمي على النفط الخليجي؛ نظرًا إلى توقّعات موضوعية تفيد بأنّ دوالً أخرى مستهلكة للنفط مثل الصيّن، هي في طريقها نحو تطوير مواردها غير التقليدية من النفط والغاز. إنّ الصعوبات الماليّة التي ستواجهها دول مجلس التعاون الخليجي، ستؤثِّر بالضرورة في قدرتها على تلبية المطالب الاجتماعية والاستمرار في أداء دورها التوزيعي؛ امّ ستترتّب عليه أزمات سياسية حادّة. سيدفع ضعف الموارد الماليّة حكومات دول الخليج إلى الدَّين الخارجي والتقيّد بشروط المؤسسات الدائنة، وذلك في حال تجاوزت مدّة الانهيار أكثر من خمس سنوات. وفي الواقع، تستطيع اقتصادات الخليج أن تتحمّل انهيار أسعار النفط مدّة قصيرة لا تتجاوز الخمس سنوات؛ نظرًا إلى احتياطياتها العالية من العملة الصعبة، ولكنّها ستعرف صعوبات ماليّة متزايدة بعد هذه الفترة الزمنية.

وباختصار، إذا ما حصل انهيار فعلي في أسعار النفط، ستشهد المنطقة الأزمات نفسها التي شهدتها في الثمانينيات والتسعينيات، وبحدّة أكبر من الأزمات السابقة، نظرًا إلى الحاجات المرتفعة من الخدمات الاجتماعية، بسبب النموّ الديموغرافي المرتفع في دول الخليج.

الخلاصة

إنّ الحديث عن تقلّبات سوق الطاقة المحتمَلة وعن نضوب النفط، يجب أالّ يُنسينا - مثلما قال وزير النفط السعودي السابق أحمد زكي يماني في السبعينيات - "أنّ الإنسانيّة لم تنتقل من العصر الحجري إلى العصر البرونزي بسبب نقص الحجارة"، ولكن بسبب اكتشاف مادّة البرونز وتقنية تصنيعه. وما يُستنتج من هذه السابقة التاريخية، أنّ عصر النفط قد ينتهي قبل نضوب النفط. وعلى هذا الأساس، يجب أن تكون هذه الحقيقة التاريخية البوصلة التي يهتدي بها أصحاب القرار والخبراء إلى الحلول، عند تفكيرهم في مستقبل الطاقة. علاوةً على ذلك، فإنّ الاعتماد المفرط على الثروات الطبيعية، بدالً من الاعتماد على ثروة الإنسان وقدرته على الإبداع في جميع المجالات وخاصّةً في المجال العلمي والتكنولوجي، هو دليل على خلل هيكلي في منظومة الدول العربيّة. ومن المحزن أنّ الدول العربيّة التي تحتوي على معظم ثروة النفط العالمية، والتي تنتج هذه الثروة منذ الثلاثينيات، مازالت لا تتحكّم في تكنولوجيات إنتاج الطاقة، على الرّغم من توفّر القدرات المالية والإنسانية. ولهذا السبب، لا يُختصر التحضير للخريطة العالمية الجديدة للنفط في حلول تقنيّة أو ماليّة موَقّتة، ولكنْ في سياسة تنمية شاملة تعتمد على الثروة الإنسانية بالأساس وعلى بناء الفرد المنتِج للثروة؛ من خلال الإبداعين الفكري والعلمي. ونقترح في خاتمة هذه الورقة عددًا من التوصيات التي نراها مفيدة من أجل التحضير لهذه التحدّيات المستقبلية، وهي تتلخّص في النقاط الآتية: الإصلاح السياسي في اتّجاه توسيع المشاركة السياسية والحكم الراشد؛ إذ إنّ المشاركة الواسعة في اتّخاذ القرارات، من شأنها أن تعزّز الانتماء والمساهمة الفعّالة والإيجابية في تنفيذها. الاعتماد على التنمية الشاملة التي تهدف إلى تكوين المُواطن المنتِج والمبدِع علميًّا؛ وذلك من أجل تعزيز القدرات العلمية والبحثية، والتقليل من الاعتماد على الخارج في تطوير التكنولوجيات الضرورية في جميع المجالات، بما فيها قطاع الطاقة. مواصلة مساعي التنوّع الاقتصادي التي ابتدأت دول مجلس التعاون الخليجي فيها منذ أكثر من عقدين؛ وذلك من أجل تخفيض اعتماد اقتصاداتها على دخول الريع النفطي، مع التركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، كالصناعات التحويلية. تعزيز التعاون والتقارب بين دول الخليج والô دول العربيّة، والتوجّه نحو التكامل الاقتصادي، في إطار نظرة إستراتيجية عربيّة موحّدة، لتعزيز القدرات الجماعية في مواجهة التحدّيات الحاليّة والمستقبلية في جميع المجالات، بما فيها الملفّ الأمني. التخطيط للمدى البعيد، والاهتمام بالدراسات الاستشرافية، واعتمادها أداةً ضروريّة في صوغ السياسات والتخطيط على المستوى الحكومي وعلى مستوى الشركات الكبرى، كشركات الطاقة الوطنية بالخصوص. ذلك أنّ البعد الاستشرافي ضروري في مجال التخطيط الإستراتيجي، ويساعد على تقليص المخاطر والتقلّبات. تطوير قدرات شركات النفط الوطنية في الخليج والعالم العربي، في مجال استغلال الموارد غير التقليدية، من خلال الاستثمار في الشركات الصغرى في الولايات المتحدة الأميركيّة، التي تتحكّم في تقنيات إنتاج النفط والغاز غير التقليديّينْ. وذلك على نحو نموذج الشركات الكبرى The Majors التي قامت بشراء هذه الشركات الصّ غرى، من أجل اكتساب المهارات والقدرات التقنية في هذا المجال. وستسمح هذه الاستثمارات - علاوةً على ذلك - بالوجود في سوق الطاقات غير التقليدية محليًّا وعالميًّا، والاستفادة منها ماليًّا. إنّ العالم العربيّ في حاجة إلى نقلة نوعية سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، من أجل التحضير للتحدّيات المقبلة بعد عقد من الزمان تقريبًا، وتفادي المضاعفات السلبية للاعتماد المفرط على ثروة النفط، وعبور الأزمات بأقلّ الخسائر الممكنة، بل والاستفادة من هذه الأزمات بدل أن يكون ضحيّتها. وهناك بوادر في الأفق تشير إلى أنّ الربيع العربيّ قد يؤسِّ س لهذا التغيير المنشود والمطلوب شعبيًّا، والنهوض بالأمّة العربيّة من الثقافة الريعيّة التي تتأثّر ولا تؤثِّر، إلى الثقافة المنتِجة والمبدِعة علميًّا وتقنيًّا، تلك التي تساهم فعليًّا في الساحة الدولية.

ملحق الخرائط والرّسوم البيانيّة