إسرائيل والقرن الأفريقي: العلاقات والتدخ لات

محمود محارب

الملخّص

تُعالج هذه الدِّراسة علاقات إسرائيل بدول القرن الأفريقي. وتستعرض سلسلة من صور تدخ لاتها فيها. وتتناول الدراسة، بشكلٍ خاصٍّّ، ارتباطات إسرائيل، بكل من إثيوبيا وإريتريا. كما تتطرّق الدراسة باقتضابٍ إلى تدخٍّل إسرائيل في كل من السّ ودان واليمن، في عقدَي الخمسينيّات والست ينيات من القرن الماضي. وتنظر الدراسة إلى التدخ ل الإسرائيليّ في أفريقيا من زاوية رؤية إسرائيل كرأس حربةٍ للدّول الاستعماريّة، (وفي مقدِّمتها الولايات المت حدة الأميركيّة)، مهمّ تها العمل ضدّ القضايا العربيّة، وضدّ الن فوذ السّ وفياتي في أفريقيا. وترى الدراسة أنّ المساعدات التي تلق تها إسرائيل من الدّول الاستعماريّة، جعلتها تمتلك جزءًا مهمًّ ا ممّ ا كانت تحتاج إليه الدّول الأفريقيّة التي استقل ت، وتأسّ ست حديث ا. وبالفعل، استغل ت إسرائيل حاجة دولٍ أفريقيّةٍ كثيرة إلى السِّ لاح والت دريب على استعماله وصيانته، وكذلك تدريب الجيوش والأجهزة الأمنيّة. كما استغل ت حاجة الدول الأفريقيّة إلى المساعدات التقنيّة في مجالاتٍ حيويّة مختلفة؛ كمجالَِّي الز راعة والخدمات الطبّية.

مقدّمة

تعالج هذه الدراسة علاقات إسرائيل بدول القرن الأفريقي وتدخلّاتها فيها. وتتناول بالخصوص علاقاتها بكلٍّ من إثيوبيا وإريتريا. كما تتطرّق باقتضابٍ إلى تدخّل إسرائيل في كلٍّ من السّودان واليمن في عقدَي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. نظرًا إلى أنّ إسرائيل دولة صغيرة وحديثة التأسيس، فإنّها لم تكن تثير - في العقدين الأوّلينْ من تأسيسها - خشية الدّول الأفريقية من أن تؤدّي إقامة علاقات معها إلى عودة الاستعمار إليها، ولا سيمّا أنّها دول حديثة الاستقلال. ولقد عرضت إسرائيل نفسها أثناء الحرب الباردة، كطرفٍ ثالث بين المعسكريْن المتناحريْن. لكنّ التدخّل الإسرائيلي في أفريقيا، قد مثّل - في حقيقة الأمر - رأس حربة للدول الاستعمارية (وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركيّة) ضدّ القضايا العربيّة والنّفوذ السّوفياتي في أفريقيا. وبفضل المساعدات التي تلقّتها إسرائيل من الدّول الاستعمارية، امتلكت جزءًا مهامًّامّ كانت تحتاج إليه دول أفريقيّة حديثة الاستقلال والتّأسيس. ولقد استغلّت إسرائيل حاجة دول أفريقية كثيرة إلى السلاح والتدريب على استعماله وصيانته، وإلى حاجتها إلى تدريب جيوشها وأجهزتها الأمنيّة، علاوةً على حاجتها إلى المساعدات التقنيّة في مجالات مختلفة؛ نذكر منها بالخصوص مجايلَ الزراعة والخدمات الطبية اللّذيْن يمثلّان وسيلة ناجعة للتغلغل في الدول الأفريقيّة. وكانت مشاريع إسرائيل المقامة في الدول الأفريقيّة، والمساعدات التي قدّمتها لها، مُكلفة وتتجاوز طاقتها الاقتصادية. لذلك، فقد موّلت دول غربية عديدة – نذكر منها على وجه الخصوص الولايات المتحدة الأميركيّة وفرنسا وألمانيا الغربية - الأغلبية العظمى منها. كما موّلت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركيّة A I C أنشطة إسرائيل التجسسية والأمنيّة، بهدف اختراق الدول الأفريقيّة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية. تمكّنت إسرائيل من إقامة علاقات دبلوماسية مع الأغلبية العظمى من الدول الأفريقيّة، في العقدين الأوّلين من قيامها (إسرائيل)، بفضل الأهميّة التي أوْلتها لروابطها بالدول الأفريقيّة، والتمويل الغربي لأنشطتها في أفريقيا. وما إن حلّ عام 1967، حتّى كانت إسرائيل تُقيم علاقات دبلوماسية مع 33 دولةً أفريقيّة من مجموع 14 دولة أفريقيّة مستقلّة. قادت مصر/ الدّولة العضو في منظّمة الوحدة الأفريقيّة، بعد حرب حزيران / يونيو 1967 واحتلال إسرائيل لجزء من أرضها، نشاطًا عربيًّا مثابرًا، من أجل التصدّي للنشاط الإسرائيلي في الدول الأفريقيّة، ولجذب تلك الدول إلى الموقف المصريّ في ما يخصّ الصراع العربي - الإسرائيليّ، ولحثّها على قطع علاقاتها بإسرائيل. وتمخّضت هذه المساعي المصريّة عن قطع ثماني دول أفريقيّة علاقاتها الدبلوماسيّة بإسرائيل في عام 1972. وبعد نشوب حرب أكتوبر 1973، ارتفع عدد الدول الأفريقيّة التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل. ففي الفترة الممتدّة من 8 تشرين الأوّل / أكتوبر 1973 إلى 12 تشرين الثّاني / نوفمبر 1973، قطعت عشرون دولةً أفريقيّة علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل؛ وكانت إثيوبيا من بينها. وفي عام 1976، قطعت موريشيوس علاقاتها بإسرائيل. ولم تحافظ إالّ دول الملاوي وجنوب أفريقيا وليسوتو وسوازي لاند على علاقاتها بإسرائيل. وبعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، وتحديدًا في ثمانينيات القرن الماضي، شرعت دولٌ أفريقيّة عديدة في استعادة علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل. وازداد استرجاع الدول الأفريقيّة أواصرها بإسرائيل، بعد مؤتمر مدريد عام 1991، حتى أصبحت للأغلبية العظمى منها علاقات دبلوماسية بها.

العلاقات الإسرائيليّة – الإثيوبيّة

أثّرت مجموعة من العوامل المهمّة في تعزيز علاقة إسرائيل بإثيوبيا، وفي بذل مساعٍ حثيثة ومستمرّة من أجل تطويرها. ويمكن إيجازها في العوامل التالية: أوّل: موقع إثيوبيا الجغرافي في القرن الأفريقي المطلّ على البحر الأحمر، والمشرف على مضيق باب المندب. وكانت إثيوبيا إلى غاية استقلال إريتريا عام 1993، الدولة الوحيدة غير العضو في جامعة الدول العربيّة المطلّة على شواطئ البحر الأحمر. ولقد حرصت إسرائيل - ولا تزال – على أن يظلّ هذا الشاطئ الإثيوبي - ومن ثمّ الإيريتري - الطويل الممتدّ على البحر الأحمر، تابعًا لدولة غير عربيّة وصديقة لإسرائيل؛ لئالّ يصبح البحر الأحمر بحيرة عربيّة. علاوةً على

ذلك، كانت في أمسّ الحاجة إلى منفذٍ على البحر الأحمر، لتحصل من موانئه على الخدمات اللازمة لسفنها التجارية وأسطولها الحربي، ولتزيد من نفوذها في منطقة البحر الأحمر، وبالخصوص في منطقة مضيق باب المندب ذي الأهمية الإستراتيجية بالنسبة إليها. وكانت إسرائيل تخشى من إمكانية إغلاق ذلك المضيق أمام سفنها. وهو أمر كان من شأنه أن يؤدّي إلى شلّ ميناء إيلات، وإغلاق الطريق البحريّة أمام التجارة الإسرائيلية المُقامة مع دول جنوب شرق آسيا ودول ساحل شرق أفريقيا.

ثانيًا: أهمية دور إثيوبيا ومكانتها في القارّة الأفريقيّة. وهو أمر سعت إسرائيل إلى تعزيزه، وإلى جعل إثيوبيا قوّة مضادّة لمصر ولدورها الذي تضطلع به في القارّة الأفريقيّة. ففي سياق مساعي إسرائيل المحمومة إلى إضعاف دور مصر ونفوذها في أفريقيا، أكّد شمعون بيرس رهان إسرائيل على مكانة إثيوبيا، وعلى دورها المتحالف مع إسرائيل، في التصدّي للنفوذ والدور المصريّينْ في أفريقيا. وذكر بيرس أنّ سياسة إسرائيل في ستينيات القرن الماضي، قد سعت إلى "إنشاء مصر ثانية في أفريقيا. وهذا الأمر يعني العمل على تعزيز قوّة إثيوبيا الاقتصادية والعسكرية، باعتبارها قوّة مضادّة لمصر؛ الأمر الذي يُعطي الصراع في أفريقيا بُعدًا آخر". ثالثًا: شكّلت إثيوبيا حلقة مهمّة في "حلف المحيط" الذي أقامته إسرائيل في مواجهة المشروع العربيّ الوحدوي النهضوي. وهو المشروع الذي قادته مصر بزعامة عبد الناصر، وشمل بلدان تركيا وإيران والسودان، علاوةً على إثيوبيا. رابعًا: وجود يهود الفلاشا في إثيوبيا، وسعْي إسرائيل إلى تهجيرهم إليها، خصوصًا في العقود الثلاثة الأخيرة. خامسًا: إثيوبيا هي مصدر المياه الأساس لنهر النيل؛ ذاك الذي يحتل أهمية وجودية بالنسبة إلى مصر. تقاطعت السياسة الإسرائيليّة تجاه إثيوبيا والقرن الأفريقي مع مجموعةٍ من المفاهيم والثوابت الكائنة في سياسة إثيوبيا؛ والتي يمكن إيجازها في النقاط التالية: الخشية الإثيوبيّة من تنامي الحركة القوميّة العربيّة، ولا سيمّا خلال المدّ الناصري، وما حمله هذا المدّ من تأثيرٍ في مستقبل كلٍّ من إقليمَي إريتريا وأوغادين اللّذين كانت تتمسّك إثيوبيا بهما بشدة. كانت إثيوبيا تتمسّك بمبدإ الحفاظ على منفذٍ لها على البحر الأحمر، من خلال استمرار سيطرتها على إريتريا. الدعوة إلى الحفاظ على الوحدة الإقليمية للدول الأفريقيّة عامّةً وإثيوبيا خاصّةً، ومعارضة الانفصال القائم على أسسٍ قومية أو إثنيّة أو دينية، وتبنّي سياسة الوحدة الأفريقيّة على صعيد كلّ دولة، وعلى صعيد القارّة الأفريقيّة. العمل على تطوير علاقات إثيوبيا بإحدى الدول العظمى، وخصوصًا بالولايات المتّحدة في حقبة حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي، وبالاتحاد السوفياتي في حقبة حكم منغستو هيلا ميريام.

العلاقات الإسرائيليّة – الإثيوبيّة في ظل "حلف المحيط"

اندفعت إسرائيل في منتصف خمسينيات القرن الماضي في إقامة علاقات وطيدة بإثيوبيا، على أرضيّة المصالح المشتركة بين الدولتين، ولا سيمّا مع شروع إسرائيل في بلورة "حلف المحيط." ففي فترة الحرب الباردة، وفي سياق سعي إسرائيل الدؤوب إلى الانخراط في الإستراتيجية الأميركيّة الخاصّة بالرشّق الأوسط، وعملها على احتلال دورٍ مهمّ في هذه الإستراتيجية، بلورت - في خمسينيات القرن الماضي - فكرة "حلف المحيط" بقيادة دافيد بن غوريون، بغية مواجهة مصر وإفشال مشروعها النهضوي الوحدوي بقيادة الرئيس عبد الناصر. وهدفت إسرائيل من وراء ذلك، إلى تشكيل حلف إقليمي غير رسمي وغير علني، يضمّ – فضالً عن مشاركتها المحورية فيه - دول الحزام المحيطة بالوطن العربيّ؛ وهي: إيران، وإثيوبيا، والسّودان، وتركيا.

إثر نجاح ثورة 14 تموز / يوليو 1958 في العراق، وما أثارته لدى إسرائيل والولايات المتّحدة وبقيّة الدول الغربيّة من خشية حقيقية من إمكانية إسقاط بقية الأنظمة العربيّة الموالية للغرب وانتقال دولها إلى معسكر مصر، أرسل رئيس الحكومة الإسرائيليّة بن غوريون، رسالة سريّة مهمّة للغاية إلى رئيس الولايات المتّحدة آيزنهاور، في 24 آب / أغسطس 1958. وشرح فيها قراءة إسرائيل للوضع الجديد الناشئ في الشرق الأوسط، والمخاطر التي يهدّد بها المشروع الناصري الوحدوي النهضوي منطقة الشرق الأوسط بأسرها، ومصالح الدول الغربيّة في الشرق الأوسط وأفريقيا. كما أعلمه فيها بمساعي إسرائيل في سبيل إقامة "حلف المحيط"، وطلب مساعدة أميركا من أجل دعم هذا التوجّه الإسرائيليّ. وأشار بن غوريون في رسالته أيضًا، إلى أنّ القوّات العسكريّة التي أرسلتها بريطانيا إلى الأردن إثر وقوع ثورة 14 تموز / يوليو 1958 في العراق، لن تستطيع إنقاذ "بقايا العائلة الهاشميّة في الأردن." وشكّك بن غوريون في قدرة الجيش الأميركي الذي أرسلته أميركا إلى لبنان، "على الحفاظ على استقلال لبنان فترة طويلة، لأنّ أغلبية المسلمين يؤيّدون ناصر، في حين أنّ المسيحيين منقسمون بشدّة على أنفسهم." أمّا بخصوص مستقبل كلٍّ من السعودية وإمارات الخليج، فذكر بن غوريون أنّه "غير آمن." ورأى أنّه على الرّغم من المناورات التي يقوم بها قادة العراق الجدد، "فإنّ العراق بات عمليًّا تحت سيطرة ناصر." كما أكّد على أنّه إذا ما "سيطر ناصر" على المشرق العربي بمساعدة الاتحاد السوفياتي، فستلحق – من جرّاء ذلك - نتائج خطيرة بالعالم الغربي؛ وتتمثّل في النّتائج التّالية: لن تتمكّن فرنسا من إيجاد حلٍّ مُرضٍ للمشكلة الجزائريّة، ولن تنجح أيضًا في الحفاظ على علاقات سليمة بالمغرب وتونس. لن تستطيع ليبيا الحفاظ على استقلالها فترة طويلة، ولن تتمكّن بريطانيا ولا الولايات المتّحدة من الحفاظ على مواقعهما في ليبيا. قد تحدث في إيران ثورة موالية للشيوعية. سيصبح السودان منطقة مصريّة وواقعًا تحت النّفوذ السوفياتي. سيكون استقلال إثيوبيا معرَّضًا للخطر، لأنّ "ناصر - في الفترة الحاليّة – يُحرِّض، ويثير القلاقل ومشاعر الغبن في إريتريا وجيبوتي، وفي الصومالييّن، وفي صفوف السكّان المسلمين في إثيوبيا نفسها." بمساعدةٍ من الاتحاد السوفياتي، سيتقدّم ناصر نحو تحقيق سياسته وتطلّعاته للسيطرة على "أفريقيا السوداء" كلّها. من أجل مواجهة ذلك كلّه، قال بن غوريون أيضًا في رسالته: "بدأنا بتعزيز علاقاتنا بأربع دول تقع في محيط الشرق الأوسط، هي: إيران والسودان وإثيوبيا وتركيا؛ بهدف إقامة سدٍّ منيع أمام التيار الناصري – السّوفياتي القويّ. وأستطيع الإشارة بارتياح إلى أنّ الخطوات التي أُجريت في هذا الاتّجاه، تكلّلت بالنجاح... هدفنا هو إقامة مجموعة من الدول التي ليست بالضرورة متحالفة رسميًّا وعلنيًّا، والتي تستطيع من خلال مساعدات متبادلة وجهدٍ مشترك، الصّمود أمام توسّع الاتحاد السوفياتي بواسطة مصر، التي يكون باستطاعتها إنقاذ استقلال لبنان، ورمبّ ا سورية أيضًا في الوقت المناسب. وتشمل هذه المجموعة دولة واحدة تتحدّث اللغة العربيّة هي السّودان، ودولتين مسلمتين لا تتحدّثان اللغة العربيّة هما إيران وتركيا، ودولة مسيحيّة هي إثيوبيا، ودولة إسرائيل." وأوضح بن غوريون أيضًا أنّه على الرّغم من صغر إسرائيل ومحدودية مواردها الماديّة، فإنّ بإمكانها أن تقوم بدورٍ مهمّ ينسجم مع الإستراتيجية الأميركيّة، ويخدم مصالح الدول الغربيّة بطريقة ناجعة. وإذا ما شعرت كلّ دولة من "دول المحيط" بخشيةٍ ما من سيطرة الدول الكبرى عليها، فإنّها لم تشعر بها تجاه إسرائيل؛ ويعود ذلك إلى كون إسرائيل دولة صغيرة، وإلى خصوصية وضعها في المنطقة. وقال بن غوريون إنّ إسرائيل أقامت فعالً علاقات صداقة وثيقة مع قادة هذه الدول في الفترة الأخيرة؛ وهو ما يُسهِّل مهمّة إقامة حلف المحيط. وأضاف أنّه بإمكان إسرائيل أن تقدِّم مساعدات مهمّة إلى هذه الô دّول، وخصوصًا في مجال الأمن؛ بالنّظر إلى أنّه "بإمكان الجيش الإسر ائيلي أن يكون بمنزلة مدرسة مفيدة للقوّات المسلّحة التي يجري تطويرها في هذه الدول." هذا علاوةً على إمكان تقديم إسرائيل مساعدات تقنيّة وعلميّة ومساعدات في مجالات الأبحاث والزراعة والتعليم. وطلب بن غوريون من آيزنهاور أن تدعم أميركا دول "حلف المحيط" سياسيًّا وماليًّا وأخلاقيًّا، وأن تُعلمها بأنّها

تدعم المساعي الإسرائيليّة في إقامة ذلك الحلف. كما عربّ عن قناعته بأنّ ذراع الحلف الشمّاليّة المكوّنة من تركيا وإيران وإسرائيل، وذراعه الجنوبيّة المشكَّلة من إثيوبيا والسّودان، "تستطيع الحدّ من توسّع ناصر، والهيمنة السوفياتية التي تأتي في أعقابه. بمساعدتك، سيّدي الرئيس، نستطيع إنقاذ الحرية في هذه المنطقة الحيوية من الشرق الأوسط، وفي عددٍ من الدول الناطقة بالعربيّة في شمال أفريقيا أيضًا. وإذا وقع تأمين جناحَي المنطقة، فإنّه يسهل بلورة مقاومة لتغلغل كلٍّ من ناصر والاتّحاد السوفياتي في باقي أجزاء الشرق الأوسط". في سياق سعي إسرائيل إلى تعزيز علاقاتها بإثيوبيا، وتطويرها، وتحريض هذه الدولة ضدّ مصر؛ أرسل بن غوريون رسالة سرّية مهمّة إلى إمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي، في السادس من تشرين الثاني / نوفمبر 1958، ركّزت معظم سطورها على التحريض ضدّ مصر والرئيس عبد الناصر. فقد ذكر أنّ الخطر يتعاظم بزيادة "المجموعة العسكرية" الحاكمة في مصر من جهدها لبسط نفوذها على الدول المجاورة، من أجل ضعضعة استقلالها. وأضاف أنّ هذا الخطر لا يزال قائمًا، على الرّغم من الموقف المؤثِّر الذي اتّخذه رئيس تونس ضدّ تطلّعات عبد النّاصر، ومن التحسّن في استقرار نظام عبد الكريم قاسم في العراق، ومن ازدياد إدراك الولايات المتّحدة وبريطانيا وإيران وتركيا المخاطر الكامنة في سياسة الرئيس عبد الناصر. وعرّج بن غوريون في رسالته على مساعدة الاتّحاد السوفياتي مصر في بناء السدّ العالي، قائالً: "إنّ المساعدة الأوّلية التي وعد بأن يُقدّمها الاتّحاد السوفياتي إلى رئيس مصر لبناء سدّ أسوان، تُشكِّل خطرًا يتعاظم على الدول الأفريقيّة القريبة من مصر. وللأسف لا يوجد وعي كافٍ بحقيقة أنّ النّيل ليس نهرًا تابعًا لمصر وحدها، لكنّ النّيل - قبل كلّ شيء - هو نهر إثيوبيّ وسودانيّ. وأصدرتُ تعليماتي إلى جميع ممثِّلينا في الخارج، لإبلاغ هذه الحقيقة المهمّة إلى جميع الحكومات، وإلى الرّأي العامّ." واستطرد بن غوريون قائالً إنّه من الضروري حشد كلّ الجهود والموارد الممكنة؛ من أجل "إيقاف توسّع كلٍّ من ناصر والشيوعية الدولية، التي يُشكِّل ناصر ركيزتها الأساسية." ومن ناحية أخرى، يجب "دعم وتعزيز تطوّر الدول التي يتآمر ناصر ضدّ استقلالها." وأردف بن غوريون قائالً: "إنّني أسمح لنفسي بأن أُع عن تقديري العميق لجهودك الناجحة، جلالة الإمبراطور، في رصّ صفوف وتوحيد قادة حزب الأمّة، الذين يُعربّ ون عن استقلال السّودان وميُ ثِّلونه. وعربّ تُ عن رأيي في هذا الأمر، في رسالتي إلى سيادة رئيس حكومة السّودان عبد الله خليل." ثمّ ذكر بن غوريون أنّه سمع - برضىً كبير - من القادة العسكريين الإسرائيلييّن، عن التقدّم الذي أحرزه "ضبّاط جلالتكم الذين جاؤوا إلى إسرائيل للتدريب على حرب الكوماندوز." وأعرب عن اقتناعه بهذه الخطط المشتركة، وأمله في أن تزداد في المستقبل.

أولت إسرائيل أهميّةً قصوى إلى "حلف المحيط"، الذي بدأت خيوطه الأولى تتشكّل في إسرائيل منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي، وبذلت جهدًا كبيرًا من أجل إنشائه وتعزيزه بسريّة كاملة. ولقد وصف كاتب سيرة بن غوريون / المؤرّخ الإسرائيلي ميخائيل بار زوهار عمليّة إنشاء "حلف المحيط" بالكلمات التالية: "إنّ مصطلحات "تحت جنح الظلام" و"بمنتهى السريّة" و"منظّمة أشباح"، ليس فيها مبالغة؛ إذ زار مبعوثو إسرائيل دول المحيط بسريّة كلّية، وبأسماء مستعارة، وتحت أغطية مختلفة وجوازات سفر مزوَّرة. وشارك في ذلك مبعوثون خاصّون، وخبراء، وكبار الموظّفين". وفي سياق هذه المساعي، زار مسؤول إسرائيليّ رفيع المستوى إثيوبيا، بعيْد العدوان الثلاثي على مصر، واجتمع بالإمبراطور هيلا سيلاسي وبمسؤولين إثيوبييّن آخرين. وتمخّضت هذه الزيارة عن وضع خطّة تعاون واسعة بين إسرائيل وإثيوبيا، احتلّ فيها التعاون العسكريّ والأمنيّ بين الدولتين الصّدارة. واتّفق الجانبان - وفق هذه الخطّة - على قيام إسرائيل بتدريب الجيش الإثيوبيّ، وتزويده ببعض الأسلحة، وتدريب كوادر إثيوبيّة في إسرائيل في مجالات مختلفة.

وفي مقابل ذلك، سمحت إثيوبيا لإسرائيل باستخدام موانئها الواقعة على شواطئ البحر الأحمر. من ناحيةٍ ثانية، أقامت إسرائيل وإثيوبيا علاقات دبلوماسيّة بينهما على المستوى القنصلي؛ وذلك في نهاية عام 1956 وبعد العدوان الثلاثي على مصر. وفي عام 1963، رفعت إسرائيل مستوى تمثيلها في إثيوبيا إلى مستوى السفارة؛ في حين حافظت إثيوبيا على بعثتها الدبلوماسية في إسرائيل على مستوى القنصلية، خشية إثارة ردود الفعل العربيّة. في بداية الستينيات من القرن الماضي، باتت إثيوبيا أكثر احتياجًا إلى المساعدات العسكرية الإسرائيلية، وإلى تطوير علاقاتها بإسرائيل؛ وذلك لجملةٍ من الأسباب، من أبرزها: أوّل: تفاقم المسألة الإريترية، وتأسيس جبهة التحرير الإريتريّة ELFفي القاهرة من لاجئين سياسيين إريترييّن. وما لبثت تلك الجبهة أن شرعت في الكفاح المسلّح ضدّ إثيوبيا في أيلول / سبتمبر 1961، بدعمٍ مصريّ عسكري محدود، من أجل نيل استقلال إريتريا. ثانيًا: حصول الصومال على استقلاله في عام 1960، ومطالبته بإقليم أوغادين الذي عدّته كلٌّ من إثيوبيا والصّومال جزءًا من أراضيهما. ثالثًا: نشوب الثّورة اليمنيّة في أيلول / سبتمبر 1962، وتأسيس الجمهورية اليمنيّة، وإرسال قوّات عسكريّة مصريّة محدودة في البداية، دعامً لثورة اليمن. ثمّ سرعان ما ازداد عدد هذه القوّات، إلى أن بلغ سبعين ألف جنديّ. رابعًا: ازدياد نفوذ الحركة القوميّة العربيّة، وشعبيّتها في الوطن العربي وأفريقيا بزعامة عبد الناصر، وتعاظم دور مصر وتأثيرها في القرن الأفريقي وإثيوبيا. وهو ما أقلق القيادة الإثيوبيّة، وأثار خشيتها من أن يتشكّل ائتلاف مصريّ – يمني - إريتري - صوماليّ ضدّها؛ فتقوم مصر بتقديم دعمٍ جدّي إلى كلٍّ من جبهة التحرير الإريتريّة والصّومال، امّ قد يؤدِّي إلى انفصال كلٍّ من إريتريا وأوغادين عن إثيوبيا. وعلى الرّغم من حرص مصر وإثيوبيا على الحفاظ على علاقات جيّدة ببعضهما البعض، وسعيهما إلى تفادي معاداة الواحدة للأخرى، وإيقاف مصر دعمها المحدود لجبهة تحرير إريتريا عام 1963؛ فإنّ القيادة الإثيوبيّة قد ظلّت قلقة من النفوذ المصري في منطقة القرن الأفريقي، وداخل إثيوبيا نفسها. ووصف أحد الوزراء الإثيوبييّن جانبًا من هذا القلق - الذي كان سائدًا في تلك الفترة في صفوف النخبة الإثيوبية الحاكمة - من تعاظم شعبية عبد الناصر في إثيوبيا ذاتها؛ فذكر أنّه عندما وصل الرئيس عبد الناصر إلى أديس أبابا للمشاركة في افتتاح المؤتمر التأسيسي لمنظمة الوحدة الأفريقيّة، "جاء مئات الآلاف من الإثيوبييّن - وكثيرون منهم مشيًا على الأقدام - إلى المطار لاستقباله. وتفاجأت السلطات الإثيوبيّة التي كانت معرفتها بمشاعر مواطنيها محدودة للغاية، مفاجأة كليّة. ولا يزال صوت هتافهم المرتفع كالرعد: "ناصر ناصر"، يدقّ في آذان رجال الشرطة وأفراد الجيش الإثيوبي الذين كانوا هناك". تقف العوامل المذكورة أعلاه، وراء سعي إثيوبيا إلى الحصول على المساعدات العسكرية الإسرائيليّة. وكانت إسرائيل تنتظر هذه الفرصة، من أجل تعزيز علاقاتها بها وتحالفها معها، في سياق إستراتيجية "حلف المحيط." وفي هذا السياق، أرسô ل الجيش الإسرائيلي - في أوائل الستينيّات من القرن الماضي - خبراء ومستشارين عسكريين إسرائيلييّن، بلغ عددهم في منتصف الستينيّات أكثر من مئة، للقيام بمهامّ مختلفة في إثيوبيا، وفي مقدّمتها تدريب الجيش الإثيوبي. وأوكل الجيش الإثيوبيّ للخبراء العسكرييّن الإسرائيلييّن، مهمّة الإشراف على نظام التدريب كلّه في الجيش الإثيوبي؛ بما في ذلك الإشراف على "كليّة القيادة والأركô ان" في هذا الجيش. ووصل عمق التدخّل العسكري الإسر ائيلي في الجيش الإثيوبيّ إلى درجة متقدّمة؛ إذ قامت قيادة الجيش الإثيوبي باستشارة الخبراء العسكرييّن الإسرائيلييّن في كلّ أمر عسكري يتعلّق بالحرب ضدّ حركات التحرّر في إثيوبيا، وخصوصًا ضدّ الثورة الإريتريّة التي بدأت بالكفاح المسلّح من أجل استقلال إريتريا في أيلول / سبتمبر 1961. وعمل الخبراء العسكريون الإسرائيليون - علاوةً على ذلك - جنبًا إلى جنب مع قادة الفرق والألوية في الجيش الإثيوبي في مختلف المناطق الإثيوبيّة، وخصوصًا في إريتريا. وأشرف الجنرال يتسحاق رابين منذ بداية ستينيات القرن الماضي (أي قبيل / وأثناء تولّيه منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامّة للجيش الإسرائيليّ)، على تطوير العلاقات العسكريّة بين إسرائيل وإثيوبيا. وذكر رابين في مذكّراته،

أنّ العلاقات بين إسرائيل وإثيوبيا "تطوّرت تدريجيًّا ووصلت إلى ذروتها، عندما أخذنا على عاتقنا المسؤولية عن كلّ نظام التدريب العسكري في إثيوبيا؛ بما في ذلك كلية القيادة والأركان. واستشارنا الإثيوبيّون في كلّ قضية عملياتية مرتبطة بحربهم." وأضاف: "لكي أستطيع توجيههم بشكل صحيح، تجوّلت في المناطق كلّها، في إريتريا وأسمرا ومصوع، وعلى طول الحدود السودانية مع إريتريا، وفي مساحات واسعة من أوغادين وهرر وجيجيه وجنجا. وعرفت شخصيًّا جميع قادة الفرق والجيوش"....

إحباط انقلاب ضدّ الإمبراطور

أقام "الخبراء العسكريّون" الإسرائيليّون في إثيوبيا علاقاتٍ واسعة ومتشعّبة مع مختلف قيادات الجيش الإثيوبي. ولم يكن طلب الإمبراطور هيلا سيلاسي مساعدة إسرائيل - عندما اغتنم قادة عسكريّون إثيوبيّون فرصة غيابه عن إثيوبيا، وقاموا بمحاولة انقلاب ضدهّ لاستلام السّ لطة – محض صدفة. ففي 14 كانون، قامت وحô الأوّل / ديسمبر 1960 دات من الجيش الإثيوبيّ بانقلاب عسكري، عندما كان الإمبراطور هيلا سيلاسي في طريقه على متن طائرته لزيارة البرازيل. واستولى الجيش الإثيوبيّ على قصره وعلى المَرافق المهمّة في الدولة. وما إن علم الإمبراطور بخبر الانقلاب ضدهّ، حتّى أقفل راجعًا إلى أفريقيا. وفي طريق عودته، توقّف في عواصمَ أفريقيّة عدّة. لم يكن يعلم بمدى نجاح الانقلاب ضدهّ، وبدرجة إحكام قادة الانقلاب سيطرتهم على كامل مناطق إثيوبيا. وكان الإمبراطور في أمسّ الحاجة إلى معلومات دقيقة وسريعة عامّ إذا كانت هناك مناطق إثيوبيّة لم يسيطر عليها الانقلاب بعد، وعامّ إذا كانت هناك قوّات عسكريّة ما زالت على ولائها له. ومن أجل استجلاء حقيقة الأمر، توجّه إلى السفارة الإسرائيليّة في ليبيريا عندما حطّت طائرته فيها، وطلب مساعدة إسرائيل على توضيح حقيقة الوضع في إريتريا، وعلى إعلام أنصاره في الجيش الإثيوبيّ المرابطين في إثيوبيا بأنّه سيصل إليهم قريبًا. وضعت هذه المطالب إسرائيل في وضعٍ محرج؛ إذ اتّضح لها سريعًا أنّ العديد من القادة المهميّن في الانقلاب العسكري، كانوا من أصدقاء إسرائيل الأحامّ ء. فمع أيّ جهة تكمن مصلحتها؟ هل تستجيب لطلب الإمبراطور فتُعرّض بذلك أصدقاءَها من قادة الانقلاب إلى خطر الموت، أم ترفض مساعدته؟ لقد حسم رئيس الحكومة الإسرائيليّة - دافيد بن غوريون - هذا الأمر؛ إذ أصدر تعليماتِه بمساعدة الإمبراطور. فأخبره الإسرائيليّون - بناءً على ذلك - بحقيقة الوضع في إثيوبيا، ولا سيمّا أنّ إسرائيل كانت مُطّلعة عليه بدقّة، من خلال "مستشاريها العسكريين" ومخابراتها في إثيوبيا. فعاد الإمبراطور إلى الحبشة، وتمكّن من تنظيم قوّات أنصاره، وأحبط الانقلاب، واستعاد السلطة. وأُلقي القبض على قادة الانقلاب، وأُعô دم العديد منهم؛ وكان من بينهم بعض أصدقاء إسرائيل الأحامّ ء. لم تكن هذه المرّة الوحيدة التي قدّمت فيها إسرائيل المساعدة من أجل إنقاذ حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي من محاولة انقلاب عسكري ضدهّ. فقد ذكر الجنرال متتياهو بيلد أنّ المستشارين العسكرييّن الإسرائيلييّن في الجيش والمؤسّسة الأمنيّة الإثيوبيّة، أنقذوا هيلا سيلاسي ثلاث مرّات من محاولات انقلاب عسكريّة ضده.

مركز للتجسّ س على العرب وأفريقيا في أديس أبابا

شكّلت أديô س أبابا مركزًا مهامًّ لأنشطة إسرائيل التجسسيّة والاستخباريّة، ليس داخل إثيوبيا فقط، وإمنّ ا في القارّة الأفريقية والدول العربيّة بالأساس. ولقد استعملت إسرائيل في أنشطتها تلك وسائل متعدّدة وأغطية مختلفة. فمثالً، أقامت في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي شركة تجارية تحت اسم "إنكودا" المتخصّصة في تصدير كة – في الوقت نفسه لحوم الأبقار الإثيوبيّة. وشكّلت هذه ال - غطاء لأنشطة جهاز الموساد الإسرائيلي التجسّسية في أفريقيا والدول العربيّة وواجهة لها. ولقد كشف أحد مدراء هذه الشركة السّابقين لصحيفة يديعوت أحرونوت، أنّ شركة "إنكودا كانت بمنزلة محطّة للاستخبارات الإسرائيليّة في أفريقيا. كانت لدينا أسلحة كثيرة، وشكّلنا غطاء. كانت هناك بعثة أمنيّة كبيرة، وقام أفراد هذه البعثة بالاتّصال بعملائهم في الدول العربيّة من خلالنا. كنّا غطاء لنشاطات الموساد.

وعندما كانوا يريدون إرسال شخص إلى إحدى الدول العربيّة، فإنّهم كانوا يرسلونه من خلالنا".

احتلّت المسألة الإريتريّة مكانة مهمّة للغاية في علاقات إسرائيل بإثيوبيا، ومثّلت أرضيّة صلبة للدعم العسكري الإسرائيليّ لإثيوبيا، من أجل الحفاظ على إريتريا تحت الحكم الإثيوبي. فقد كانت إسرائيل تعارض بشدّة استقلال إريتريا، خشية أن تصبح شواطئ البحر الأحمر كلّها مغلقة أمامها. وساهمت مساهمة فعّالة في دعم الجيش الإثيوبي من أجل قمع الثورة الإريتريّة؛ إذ عمل الخبراء العسكريون الإسرائيليّون في إريتريا جنبًا إلى جنب مع الجيش الإثيوبي، وقاموا في الستينيّات بإنشاء وحدات كوماندوز عسكريّة خاصّة في الجيش الإثيوبي وبتنظيمها وتدريبها، وبلغ عدد أفرادها 3200 عنصر، وكانت مختصّة في مواجهة حرب العصابات. كما أسّ سوا وحدات "حرس الحدود" في الجيش الإثيوبيّ، وزوّدوها – صحبة وحدات الكوماندوز - بالأسلحة الحديثة، لمواجهة ثوّار إريتريا. وإذا ما هدأت الحدود الإسرائيليّة – العربيّة في العقد الممتدّ بين السنوات 1957 و 1967، فإنّ المواجهة بين إسرائيل ودول القلب العربيّة (وخصوصًا بينها وبين مصر ومشروعها الوحدوي النهضوي)، قد اندلعت في العديد من المواقع، على أطراف الوطن العربيّ وداخله أيضًا. ففي هذه الفترة "الهادئة" ظاهريًّا، والمليئة بالمواجهات والصراع الساخن بين الجانبين، أقامت إسرائيل "حلف المحيط"، ونشطت في بعث الروح من جديد في "حلف الأقلّيات" بينها وبين "الأقلّيات الإثنية والقومية والدينية" داخل الوطن العربي، وتوجيهه ضدّ المشروع العربي الوحدوي الذي كانت تقوده مصر بزعامة عبد الناصر. ولا يسعنا في هذا الإطار التعمّق أكثر في الحديث عن نشاط إسرائيل في بعث "حلف الأقلّيات" في تلك الفترة، لكن تكفي الإشارة إلى أنّ إسرائيل زوّدت - صحبة إيران - قوّات الرئيس اللبناني كميل شمعون، بالسلاح الإسرائيلي والإيراني، عن طريق الحدود الإسرائيليّة – اللبنانيّة؛ وذلك في عام 1958، أي خلال الحرب الأهليّة القائمة في لبنان. علاوةً على ذلك، أقامت إسرائيل عام 1963 علاقات مع الحركة الكرديّة في العراق، سرعان ما توطّدت. وقامت بمدّ هذه الحركة بالسلاح والخبراء العسكريين، وأنشأت مركزًا ثابتًا لجهاز الاستخبارات الإسرائيليّة (الموساد) في كردستان العراق عام 1965 .

في سياق النشاط الإسرائيلي الموجَّه ضدّ مصر ومشروعها الوحدوي العربي، طô وّرت إسر ائيل علاقاتها بقيادة حزب الأمّô ة السوداني، وبالحكومة السودانيّة، للعمل ضدّ مصر والأحزاب السودانية الداعية إلى وحدة وادي النيل وإلى علاقات وحدويّة بمصر، في الفترة الممتدّة بين السنوات 1954 و 1958. كما قدّمت إسرائيل – فضالً عن ذلك - الدعم العسكري لحركة التمرّد في السودان، منذ ستينيات القرن الماضي. وفي منتصف الستينيات أيضًا، تدخّلت إسرائيل في حرب اليمن، وقدّمت دعامً عسكريًّا مهامًّ إلى قوّات الإمام البدر.

التدخ ل الإسرائيلي في حرب اليمن

أثارت ثورة أيلول / سبتمبر 1962 في اليمن، والإطاحة بنظام الإمام البدر بدعمٍ واضح من مصر رافقه وجود عسكريّ مصريّ واسع في اليمن، واعتراف أغلبية دول العالم بالنّظام الجمهوري الجديد، قلقًا شديدًا في إسرائيل. ويتّضح ذلك من خلال التوجيه الذي أرسله أهرون ياريف - الذي شغل حينئذ منصب نائب رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في إسرائيل "أمان" - إلى الملحقين العسكريين الإسرائيلييّن في عواصم الدول المهمّة في العالم. عربّ جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي "أمان"، عن خشيته من أن يشجِّع إسقاط النظام الملكيّ في اليمن على إسقاط أنظمة ملكيّة أخرى، مثل النظام الملكيّ في السعودية والأردن وإيران؛ وهو ما من شأنه أن "يقود إلى إضعاف مكانة إسرائيل في المنطقة." كما حذّر هذا الجهاز من إمكانية أن تكتسب مصر موطئَ قدمٍ دائمًا في اليمن؛ امّ يمكِّنها من بناء قواعدَ عسكريّة في اليمن، ويؤدّي – تبعًا لذلك – إلى إحكام سيطرتها على مضيق باب المندب. اتصالات مع الإمô أجرت إسرائيل عام 1964 ام البدر، نتج منها عقد اتّفاق بينهما. وقد قامت إسرائيل – بموجبه - بتزويد قوّات البدر بكميّات كبيرة من الأسلحة المتطوّرة والذخيرة، علاوةً على تقديم المساعدات الإعلامية والسياسية في المحافل الدولية، وخاصّةً في واشنطن ولندن. وفي الفترة الممتدّة من آذار / مارس 1964 إلى، شحنت طائرة نقل إسرائيلية كبيرة أُأيار / مايو 1966 عدّت خصِّيصًا لهذا الغرض، أربع عشرة شحنةً من الأسلحة والذّخيرة من إسرائيل، وأنزلتها بالمظالّ ت إلى قوّات البدر في المناطق التي كانت تسيطر عليها تلك القوّات.

العلاقات الإسرائيليّة بنظام منغستو

بعد تعرّض إثيوبيا لموجةٍ من الاضطرابات استمرّت شهورًا طويلة، نجح انقلابٌ عسكريّ قام به الجيش الإثيوبي في إسقاط حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي في أيلول / سبتمبر 1974. وبمقتضى ذلك، وصلت إلى سدّة الحكم في إثيوبيا قيادة عسكرية جماعية. وسرعان ما برز من بين صفوفها الضابط منغستو هيلا مريام، الذي تمكّن من التفرّد بالحكم منذ بداية عام 1977، عن طريق اغتياله / أو إعدامه العديد من منافسيه على السلطة. وبعد الإطاحة بحكم الإمبراطور هيلا سيلاسي بفترة قليلة، غريّ ت إثيوبيا من تحالفاتها الدولية، وأخذت تتّجه نحو الاتحاد السوفياتي؛ فحلّ التحالف معه محلّ التحالف مع الولايات المتّحدة. وفي الوقت نفسه، جرت تغييرات في المنطقة على صعيد التحالفات الدوليّة؛ إذ أنهت مصر - بقيادة السادات - تحالفها مع الاتحاد السوفياتي، لتتحالف مع الولايات المتّحدة. كما كان من شأن مبادرة السادات وتوقيعه معاهدة السلام مع إسرائيل، أن غريّ ا وجه التناقضات والصراع في المنطقة، وانعكس ذلك جليًّا على القرن الأفريقيّ. عزّزت إثيوبيا تحالفها مع الاتحاد السوفياتي عشيّة الحرب الصومالية – الإثيوبيّة وإثرها، تلك الحرب التي بادر بها الصومال في تمّوز / يوليو 1977، واستمرّت حتى آذار / مارس 1978. وتمكّنت إثيوبيا - بفضل القوّات العسكريّة الكوبيّة والمساعدات التي حصلت عليها من الاتّحاد السوفياتي - من صدّ الهجوم الصّومالي، وإخراج القوّات الصّ ومالية من إقليم أوغادين. لكن في مقابل انتصارها هذا، فشلت في مواجهة الثورة الإريتريّة التي ازدادت قوّةً في أواسط سبعينيات القرن الماضي. وأخذت زمام المبادرة في عملياتها العسكرية ضدّ الجيش الإثيوبيّ، محقِّقة نجاحًا مه. وباتت تسيطر على أغلبية أراضي إريتريا. وبإزاء هذا الوضع، وفي هذه المرحلة الدقيقة من التحوّل في تحالفات إثيوبيا على الساحة الدوليّة، توجّهت إثيوبيا إلى إسرائيل عام 1975، وطلبت منها مساعدات عسكريّة، من أجل قمع الثّورة الإريتريّة. وعلى الرّغم من استمرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فإنّ إسرائيل قد استجابت لهذا الطلب، وزوّدتها - في الفترة الممتدّة بين السنوات 1975 و 1978 - بالأسلحة والذخيرة التي شملت قطع غيار لطائرات ف 5 الأميركيّة وصواريخ وقنابل النابالم. كما عاد عشرات الخبراء العسكرييّن الإسرائيلييّن إلى إثيوبيا عام 1975، وقاموا بتدريب وحدات في الجيش الإثيوبي كان من بينها وحدة خاصّة في الجيش الإثيوبيّ، زاد عددها على أربعمئة عسكري. وهي وحدة كان منغستو قد استفاد منها في صراعه ضدّ زملائه في الجيش الإثيوبيّ على السلطة؛ إذ ضمن ولاء عناصرها له، باختياره العناصر القيادية منها من بين الموالين شخصيًّا له، وتوىلّ الخبراء الإسرائيليّون تدريبها. كانت هذه المساعدات الإسرائيليّة العسكريّة مهمّةً بالنسبة إلى إثيوبيا. وبحسب أحد أهمّ المتخصّصين

الإسرائيلييّن في أحداث إثيوبيا وتاريخها، لم يكن التدخّل الإسرائيلي ولا المساعدات الإسرائيليّة المقدَّمة لإثيوبيا في الفترة الممتدّة بين السنوات 1975 و 1978، أقلّ أهميّةً من تدخّل إسرائيل في إثيوبيا في أواخر ستينيّات القرن الماضي ومن المساعدات التي قدّمتها إليها. ولقد حصلت إسرائيل مقابل هذه المساعدات العسكريّة، على تسهيلات لأسطولها الحربيّ في العديد من الموانئ والجزر التي كانت تحت السيطرة الإثيوبيّة في البحر الأحمر؛ مثل جزر حالب، وفاطمة، وميناء أصعب، ودهلك. كما وافقت إثيوبيا على صفقة مع إسرائيل في بداية عام 1978، سمحت وفقها بهجرة مواطنيها اليهود الفلاشا الإثيوبييّن إلى إسرائيل، مقابل حصولها على السلّاح من إسرائيل. وبناءً على هذه الصّفقة، قامت إسرائيل بإرسال شحنات من الأسلحة والذخيرة في طائريتَ شحن كانتا تُفرغان حمولتهما العسكريّة في مطار أديس أبابا، وتعودان إلى تل أبيب، وعلى متن كلٍّ منهما مئة من المهاجرين اليهود الفلاشا الإثيوبييّن. واستمرّت هذه الصّفقة فاعلة فترةً قصيرة. لكن، بعد اعتراف وزير الخارجية الإسرائيليّة موشيه دايان، بأنّ إسرائيل تزوِّد إثيوبيا بالسلاح (أثناء إجابته عن سؤال طُرح حول هذا الأمر في مؤتمر صحفي، في بداية شباط / فبراير 1978)، قام الرئيس الإثيوبي منغستو بوضع حدٍّ لهذه الصفقة، تحت ضغط الاتّحاد السوفياتي. فأوقف بذلك هجرة اليهود الفلاشا، وأنهى استيراد السلاح من إسرائيل، وطرد الخبراء العسكرييّن الإسرائيلييّن من إثيوبيا. لكن قطع هذه العلاقات، لم يدمْ فترة طويلة؛ فقد جدّدت إسرائيل وإثيوبيا روابطهما العسكرية السرّية في عام 1983، وباعت إسرائيل لإثيوبيا أسلحة سوفياتية كانت قد غنمتها خلال اجتياحها لبنان عام 1982. وما إن حلّ عام 1985، حتّى عاد إلى إثيوبيا الخبراء العسكريّون الإسرائيليّون، لتدريب الجيش الإثيوبي.

"عمليّة موشيه" لتهجير اليهود الإثيوبيّين

عصفت الأوضاع الاقتصادية القاسية باليهود الفلاشا الإثيوبييّن، مثل غيرهم من مواطني إثيوبيا، نتيجة الحرب والصراعات العسكريّة الداخلية في إثيوبيا، وانتشار الجفاف في مناطق إثيوبيّة واسعة. ورافق سوءَ أوضاع الفلاشا، ازديادُ اهتمام إسرائيل بهم في أواسط سبعينيات القرن الماضي، بغرض تهجيرهم إليها في ضوء تلاشي الهجرة اليهوديّة إلى إسرائيل في تلك الفترة. وفي هذا السياق، اعترف الحاخامان الأكبران لليهود الشرقيين واليهود الغربيين في إسرائيل، بيهودية هؤلاء الفلاشا أوّل مرةٍ في عام 1974. وأقرّت المؤسسة الدينية اليهوديّة الرسمية بأنّهم ينتمون إلى "سبط دان" المفقود. وقد استغلّت إسرائيل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية القاسية لليهود الفلاشا. وبعد أن غضّ ت السلطات الإثيوبيّة نظرها عن نشاطها، أرسلت إسرائيل عشرات الشبّان من اليهود الفلاشا - الذين كانوا قد هاجروا إلى إسرائيل قبل فترة وجيزة - إلى إثيوبيا سرًّا، لحضّ اليهود الفلاشا على مغادرة إثيوبيا إلى السودان، كمقدّمة لتهجيرهم من هناك إلى إسرائيل.

وعند وصول أعداد كبيرة من اليهود الفلاشا الإثيوبيين إلى السودان، أجرى قادة جهاز الاستخبارات الإسرائيليّة (الموساد) والأميركيّة CIA اتّصالات مكثّفة مع رئيس السودان جعفر النميري لنقل اليهود الفلاشا من السودان إلى إسرائيل في "عملية موشيه." ووافق النميري على العملية، مقابل حصوله على رشوة دسمة من جهاز الاستخبارات الإسرائيليّة (الموساد.) وتبعًا لذلك، جرى نقل اليهود الفلاشا الإثيوبيين من الخرطوم إلى بروكسل، ومن ثمّ مباشرةً إلى تل أبيب، في 35 رحلة جوّية؛ وذلك في الفترة الممتدّة من 21 تشرين الثّاني / نوفمبر 1984، إلى الأسبوع الأوّل من كانون الثّاني / يناير 1985 .

إعادة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وإثيوبيا

بعد وصول غورباتشوف إلى سدّة الحكم، أخذ الاتّحاد السوفياتي يغريّ تدريجيًّا سياساته الداخلية والخارجية، وخصوصًا في ما يتعلّق بالمساعدات العسكرية والمالية التي كان يقدّمها الاتحاد السوفياتي إلى

حلفائه من دول العالم الثالث في سياق الحرب الباردة. وفي هذا السياق، بدأ الاتّحاد السوفياتي في عام 1987 في تقليص مساعداته العسكريّة إلى إثيوبيا شيئًا فشيئًا، إلى أن أوقفها نهائيًّا في نيسان / أبريل 1990، وسحب في الوقت نفسه آخر الخبراء السوفيات من إثيوبيا. والتقت مجدّدًا في تلك الفترة مصالح إسرائيل وإثيوبيا. فقد كان نظام منغستو في حاجةٍ ماسّة إلى المساعدات الإسرائيليّة العسكريّة، في حين كانت إسرائيل تسعى إلى العودة إلى تحالفها مع إثيوبيا لتحقيق أهدافها الإستراتيجيّة التقليديّة؛ وفي مقدّمتها الحصول على موطئ قدم في الموانئ والجزر الإثيوبيّة في البحر الأحمر - وخصوصًا منها تلك القريبة من مضيق باب المندب – وعلى تسهيلات لأسطولها هناك. علاوةً على ذلك، فقد كانت إسرائيل تسعى - في أواخر ثمانينيات القرن الماضي - إلى استكمال تهجير اليهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل. وفي ضوء المستجدّات الإقليمية والدولية التي لم تعد تعرقل تجديد العلاقات بين إثيوبيا وإسرائيل، وعلى أرضية المصالح المشتركة بينهما، أعلن الرئيس الإثيوبي منغستو - في حزيران / يونيو 1989 - عن تجديد العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، كما افتتحت إسرائيل سفارتها في أديس أبابا في تشرين الثاني / نوفمبر 1989. عندما استأنفت إسرائيل علاقاتها مع إثيوبيا، استمرّت – على ما يبدو – في المراهنة على قدرة نظام منغستو على قمع الثورة الإريتريّة، وعلى الحفاظ على سيطرة إثيوبيا على إريتريا. وبينما كان الشرق الأوسط والعالم مشدودًا إلى ما يحدث في الخليج العربي - إثر اجتياح الجيش العراقيّ الكويت، والحشد العسكري الأميركيّ في دول الخليج، وما تلاه من شنّ الحرب على العراق - زادت إسرائيل دعمها العسكري لنظام منغستو بصورةٍ غير مسبوقة؛ إذ زوّدته - في أواخر عام 1989 - بشحنات مهمّة من الأسلحة التي شملت أنواعًا متطوّرة للغاية، مثل القنابل العنقودية. ويبدو أنّ نظام منغستو، كان يعتقد أنّه سيكسب الحرب ضدّ الثوّار الإريترييّن والتيغرييّن بعد حصوله على الأسلحة والذخيرة من إسرائيل، ولا سيمّا على القنابل العنقودية منها. ولقد ذكر الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، الذي كان وسيطًا بين نظام منغستو وقادة الثورتين الإريترية والتيغرينيّة، في خطابٍ له ألقاه في 9 كانون الأوّل / ديسمبر 1989، أنّه: "قيل له في أديس أبابا، إنّ هناك أمالً جديدًا في إمكانيّة إنهاء الحرب قريبًا؛ لأنّ سلاح الجوّ الإثيوبي حصل مؤخّرًا على قنابل عنقوديّة من إحدى حليفاتنا في الشرق الأوسط، لاستعمالها ضدّ قرى الôثô وّار ". ويبدو أنّ كارتر، كان يشكّ في تبرير الأوساط الإسر ائيليّة غير الرسميّة تزويد نظام منغستو بالقنابل العنقوديّة، بالسماح لليهود الإثيوبييّن الفلاشا بالهجرة إلى إسرائيل. فقد قال في لقاء له جمعه بعضو الكنيست الإسرائيلي ديدي تسوكر: "أنتم لستم في حاجة إلى تزويد منغستو بالقنابل العنقوديّة من أجل إقناعه بالسماح بهجرة الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل". ولعلّ هدف إسرائيل الأساس، لم يكن تهجير اليهود الفلاشا إليها، بل كان الحصول على موافقة إثيوبيا بالسماح لها بإقامة قواعد عسكرية إسرائيليّة في الجزر الإثيوبيّة على شواطئ البحر الأحمر. من هنا، كان تزويد إسرائيل إثيوبيا بالأسلحة الإسرائيليّة، مندرجًا ضمن صفقة وقعت بين البلدين؛ مدّت وفقها إسرائيل إثيوبيا بالأسلحة الحديثة والخبراء والمستشارين العسكريين، واستأجرت - في مقابل ذلك - إحدى جزر أرخبيل دهلك، وأقامت عليها قاعدة عسكرية بحريّة لخدمة أسطولها العسكري. كما أسّست عليها مركزًا للتنصّت الإلكتروني والتجسّس في هذه المنطقة الإستراتيجية.

سقوط نظام منغستو

لم تتمكّن المساعدات العسكرية الإسرائيليّة من إنقاذ نظام منغستو؛ إذ تضافرت مجموعة من العوامل المهمّة في إسقاطه، أهمّها: تقليص الدّعم السّوفياتي – خصوصًا العسكري منه - لنظامه، ومن ثمّ إيقافه. زيادة التنسيق بين جبهات التحرّر التي كانت تقاتل ضد نظام منغستو، وخصوصًا بين الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا EPLF (بقيادة أسياس أفورقي)، وجبهة التحرير التيغريّة TPLF (بزعامة ملس زيناوي.) الدور الأميركي المهمّ في رصّ صفوف الجبهات والقوى التي كانت تقاتل ضدّ نظام منغستو، والضغط الأميركي المستمرّ على منغستو ونظامه؛ بغرض إقناعه بالاستقالة، وإرغامه على مغادرة إثيوبيا.

تضافرت هذه العوامل كلّها، وأرغمت منغستو على الاستقالة ومغادرة إثيوبيا إلى زيمبابوي في أيار / مايو 1991. وقبل أن يُقدّم منغستو استقالته، أجرت كلٌّ من إسرائيل وأميركا مفاوضات معه، من أجل السماح لليهود الإثيوبييّن بالهجرة إلى إسرائيل. وتوصّلتا إلى اتفاق معه عشيّة تخلّيه عن الحكم، سمح بموجبه بهجرة اليهود الفلاشا إلى إسرائيل. وبناءً على هذا الاتفاق، جرى في 25–24 من أيار / مايو 1991 نقل 14500 يهودي إثيوبي جوًّا، من أديس أبابا إلى تل أبيب مباشرةً.

العلاقات الإسرائيليّة بإريتريا بعد الاستقلال

تحالفت الجبهة الشعبيّة لتحرير إريتريا - في أواخر ثمانينيات القرن الماضي - مع ائتلاف واسع للقوى والجبهات الإثيوبية التي كانت تناضل ضدّ نظام منغستو تحت اسم "القوى الإثيوبية الشعبية الثورية الديمقراطية"، بقيادة ملس زيناوي. وفي أيار / مايو 1991، تمكّن هذا التحالف بين أفورقي وزيناوي الذي رعته الولايات المتّحدة، من إسقاط نظام منغستو. واعترف النظام الإثيوبيّ الجديد - تحت قيادة زيناوي - بحقّ تقرير المصير للشعب الإريتري، واتّفق مع الحكومة الإريتريّة المؤقّتة التي أقامتها الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، على إجراء استفتاء عامّ بخصوص استقلال إريتريا. وجرى الاستفتاء بالفعل في أيار / مايو 1993، تحت إشراف الأمم المتّحدة ومنظّمة الوحدة الأفريقيّة وجامعة الô دول العربيّة. وصوّتت الأغلبية الساحقة من الإريترييّن لفائدة الاستقلال، فباتت إريتريا دولة مستقلّة ومعترفًا بها، في أيار / مايو 1993. كانت إسرائيل من أوائل الدول التي أقامت ممثليّة لها في أسمرا، عند تشكيل الحكومة الإريترية المؤقّتة في عام 1991، وتحوّلت هذه الممثلية إلى سفارة في آذار / مارس 1993. ولقد أولت إسرائيل علاقاتها بإريتريا بعد نيلها الاستقلال أهمية قصوى، بحكم مجموعة من العوامل، أبرزها: موقعها الإستراتيجي المطلّ على باب المندب، وشاطئها الطويل الممتدّ على البحر الأحمر، ذاك الذي يتجاوز طوله ألف كيلومتر، وتقع عليه موانئ مهمّة، وتنتشر فيه جزر إستراتيجية كثيرة. استثمرت إسرائيل العلاقات التي كانت قد أقامتها مع أسياس أفورقي منذ أواخر الثمانينيات؛ وذلك إثر استقلال إريتريا مباشرة، بهدف ربط علاقات قويّة معها. ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تزوّد نظام منغستو بالسلاح، حرصت في أواخر الثمانينيات على إقامة علاقة مع أفورقي، الذي كان آنذاك شريكًا أساسيًّا في النضال ضدّ نظام منغستو. ولقد زار أفورقي إسرائيل، وتلقّى العلاج الطبّي في أحد مستشفياتها قبل استقلال إريتريا.

بعد نيل إريتريا استقلالها، أقامت إسرائيل معها علاقات قويّة ومتشعّبة، ووقّعت معها اتّفاقات أمنيّة واقتصاديّة. وفي عام 1995 وقّعت إسرائيل وإريتريا معًا اتّفاقية مهمّة تخصّ التعاون العسكري والأمنيّ. ولقد زوّدت إسرائيل بموجبها القوّات البرية والبحريّة والجوّية الإريتريّة بأنواعٍ مختلفة ومتطوّرة من الأسلحة، كما أرسلت المئات من الخبراء العسكريين والتقنيين لتدريب الجيش الإريتري ووحداته العسكريّة الخاصّة والأجهزة الأمنية والشرطة الإريتريّة. وفي مقابل ذلك، أفادت مصادر كثيرة أنّ إسرائيل حصلت على قاعدتين عسكريتين في جزيريتَ فاطمة وحالب بأرخبيل دهلك. وهي تستعمل إحداهما ميناء عسكريًّا يُقدِّم خدمات إلى أسطولها الحربيّ، بما في ذلك غوّاصاتها الألمانيّة الصنع التي هي من أكثر أنواع الغوّاصات تطوّرًا، والتي تحمل - بحسب مصادر غربية - صواريخ ذات رؤوس نووية. أمّا القاعدة العسكرية الثانية، فتستعملها إسرائيل قاعدة تنصّت وتجسّس في تلك المنطقة الحسّاسة المشرفة على باب المندب.

وإلى جانب العلاقات العسكريّة المتينة التي أقامتها إسرائيل مع إريتريا، تنشط شركات إسرائيلية كثيرة في إريتريا في مجالات كثيرة ومتنوّعة. ولقد وصف أحد الصحافيين الإسرائيلييّن حجم الوجود الإسرائيليّ في إريتريا وعمق العلاقات الإسرائيليّة – الإريتريّة بالقول: "باتت إريتريا في السنوات الأخيرة بمنزلة حصن إسرائيلي. عشرات الشركات الإسرائيليّة تنشط في إريتريا في مجالاتٍ كثيرة متنوّعة: في الأمن، مرورًا بالأدوية واستخراج الماس، وحتّى الزراعة والتجارة".

الخاتمة

أولت إسرائيل منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، ولا تزال، أهميّة كبيرة للقرن الأفريقيّ ودوَله، وخصوصًا إثيوبيا وإريتريا والسودان. ولقد دفعت مجموعة من العوامل إسرائيل إلى إيلاء القرن الأفريقي تلك الأهمية البالغة؛ أوّلها: موقعه الإستراتيجي المشرف على باب المندب؛ فهو بمنزلة منفذٍ لإسرائيل إلى جنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا، وبواسطته تحصل على موطئ قدم وقواعد عسكرية على شواطئ البحر الأحمر الجنوبية، فتصبح بذلك قوّة مهيمنة في تلك المنطقة، ومن خلاله تمنع تحويل البحر الأحمر إلى "بحيرة عربية" يتمتّع العرب بالنفوذ الأساسي فيه. ثانيها: يشكِّل القرن الأفريقيّ مصدر المياه الأساس لنهر النّيل، الذي يحتلّ أهميّة وجودية بالنسبة إلى مصر. ومن أجل أن تحقِّق إسرائيل أهدافها، بذلت خلال العقود الماضية جهدًا كبيرًا في إقامة علاقات سرّية وعلنيّة مع دول القرن الأفريقي. وفي سياق سعيها الدؤوب إلى ضرب مصر بزعامة عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، أقامت "حلف المحيط" ضدّ مصر. وهو حلف قد ضمّ دولتين في القرن الأفريقي هما إثيوبيا والسودان (وذلك إلى حدود انقلاب إيراهيم عبّود في عام 1958)، إلى جانب إيران وتركيا. وكانت إسرائيل في العقود الماضية، من أكثر الدول تدخاّلً في النزاعات والصراعات التي دارت في القرن الأفريقي، سواء وقعت داخل الدولة الواحدة أو بين دول القرن الأفريقي. فقد تدخّلت في الصراع الذي كان دائرًا في السودان، وأقامت علاقات متينة - في الفترة الممتدّة بين السنوات 1954 و 1958 - مع قيادة حزب الأمّة السوداني ومع الحكومة السودانية، ضدّ القوى السودانية الأخرى وضدّ مصر. كما دعّمت حركة التمرّد في جنوب السودان منذ الستينيات. وتقوم إسرائيل منذ أكثر من عقد بدعم بعض حركات التمرّد في دارفور. بهدف قمع الثورة الإريتريّة، قدّمت إسرائيل إلى النظام الإثيوبي دعامً عسكريًّا مهامًّ، بالسلاح والذخيرة والمستشارين، سواء كان ذلك تحت حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي أو تحت حكم منغستو. كما تدخّلت في حرب اليمن في أواسط الستينيات، لمصلحة القوّات الملكيّة ضدّ قوّات الجمهوريّة اليمنيّة والقوّات المصريّة في اليمن. وقد أمدّت إسرائيل القوّات الملكيّة اليمنيّة بكمّيات كبيرة من السلاح والذخيرة، وقدّمت إليها المساعدات السياسية والإعلاميّة في المحافل الدولية، وخصوصًا في واشنطن. ومن الملاحظ أنّ التدخّل الإسرائيليّ في منطقة القرن الأفريقي، وتقديمها الدعم العسكريّ إلى هذا الطرف أو ذاك، كان يلاقي هوى لدى هذه الدولة العربية أو تلك، من الدول التي تدعم عادةًالطرف الذي تسانده إسرائيل، سواء تعلّق الأمر بدعم إسرائيل التمرّد في جنوب السودان، أو دعمها النظام الإثيوبي في قمع الثورة الإريتريّة، أو دعمها القوّات الملكيّة اليمنيّة في حرب اليمن.