السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة يناير: بين الاستمرارية والتغيير

عمرو عبد العاطي

الملخّص

تناقش هذه الدراسة ما يمكن أن يكون للثورة المصريّة من تأثيراتٍ في السياس ة الخارجية المصريّة. فعلى الرغم من أنّ قضايا السياسة الخارجية المصريّة، لم تكن ضمن أوضح شعارات الثوّار إبان الثورة، تعدّ العلاقات المصريّة الخارجية أحد الجوانب التي ستطالها تأثيرات الثورة؛ فوصول قيادة مدنيّة منتخ بة شعبيًّا إلى سدّة الحكم لابدّ أن يؤث ر في السياسة الخارجية المصريّة التي حكمت تحرّكاتها اتفاقية كامب ديفيد، وطبيعة نظام الرئيس السابق حسني مبارك. ويرى كاتب الدراسة أن ثمّ ة علاقة طردية بين التغيّرات الهيكلية التي تقع داخل بنية النظام السياسي الداخلي للدولة نتيجة للثورات، وما تتبن اه من سياساتٍ وتحرّكات خارج حدودها الوطنية. تجيب هذه الورقة عن أسئلةٍ على شاكلة: كيف تؤث ر الثورة كمتغيرٍ محل ي في السياسات الخارجية للدولة التي تشهد ثورات داخلية؟ وهل ستشهد السياسة الخارجية المصريّة انعكاسً ا حقيقيًّا لروح الثورة المصريّة بعد انتخاب رئيسٍ جديد، وبعد التحوّل إلى الحكم المدني؟ وهل تعبِّر التحرّكات والسياسات التي تتبن اها القيادة المصريّة الجديدة برئاسة الدكتور محمد مرسي عن تحوّلٍ حقيقي في السياسة الخارجية المصريّة؟ ثمّ، ما هي التحدّيات التي تواجه السياسة الخارجية المصريّة بعد الثورة؟

مقدمة

لم تكن قضايا السياسة الخارجية المصرية، وما اتسمت به من ضعف في الأداء والطموح وهيمنة ردود الأفعال عليها خلال العقد الأخير من حكم الرئيس السابق حسني مبارك، سببًا في قيام ثورة 25 يناير؛ فقد انحصرت أسباب الثورة في عوامل سياسية متعلقة بالتهميش السياسي، وأخرى اقتصادية متصلة بغياب العدالة الاجتماعية. وقد انقسم الباحثون حول تأثير هذه الثورة في السياسة الخارجية إلى تيارين رئيسين: التيار الأول: يرى أنّ الثورة التي شهدتها مصر لن يكون لها الأثر الكبير في الدور المصري الخارجي وتوجهات السياسة الخارجية وتصوراتها كما يدعي المتفائلون؛ لأنّ الثورة شأن داخلي في المقام الأول، ولم تقم إلا لتغيير الأوضاع الداخلية (السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية)، والتي ترجمها شعار الثوار في ميدان التحرير "عيش، حرية، عدالة اجتماعية." كما أنّ تأثيراتها لن تتعدى حدودها الوطنية، وحتى إذا كان لها ذلك التأثير في التحركات الخارجية، فإنّ هذا الدور لن يكون بالحجم الذي يتصوره أكثر المتفائلين بالثورة من حيث دورها في إحداث نقلة راديكالية في التصورات والتحركات المصرية على الصعيد الخارجي. التيار الثاني: وهو التيار الذي يتبناه الباحث، ويرى أنّه على الرغم من أنّ قضايا السياسة الخارجية المصرية لم تكن جلية في الأيام الأولى للثورة ولم تكن ضمن شعارات الثوار في ميدان التحرير وميادين مصر كافة فإنّها تعد أحد المتغيرات التي طالتها تأثيرات الثورة، وبخاصة مع وصول قيادة مدنية منتخبة شعبيًا إلى سدة الحكم. فثمة علاقة طردية بين التغيرات الهيكلية التي تقع داخل بنية النظام السياسي الداخلي للدولة كالثورات وما تحدثه من تغيير في تركيبة النظام السياسي من مؤسسات ونخب سياسية وأيديولوجية يتبناها النظام الحاكم والسلوك الخارجي للدولة، وما تتبناه من سياسات وتحركات خارج حدودها الوطنية. وانطلاقًا من اقتناع الباحث بتأثير الثورات في البنية الداخلية للدولة، ومن ثمّ في السياسة الخارجية وتصوراتها للقضايا الإقليمية والدولية، فإنّ الورقة ستسعى إلى الإجابة عن التساؤلات التالية: كيف تؤثر الثورة كمتغير محلي في السياسات الخارجية للدولة التي تشهد ثورات داخلية؟ هل ستشهد السياسة الخارجية المصرية انعكاسًا حقيقيًّا لروح الثورة المصرية بعد انتخاب رئيس جديد وبعد التحول إلى الحكم المدني؟ هل تع التحركات والسياسات التي تتبناها القيادة المصرية الجديدة برئاسة الدكتور محمد مرسي عن تحوّل حقيقي في السياسة الخارجية المصرية؟ ما هي التحديات التي تواجه السياسة الخارجية المصرية بعد الثورة؟ ما هي السياسات والإجراءات المطلوب اتخاذها لتفعيل السياسة الخارجية المصرية مستقبالً؟

الإطار النظري: الثورة والسياسة الخارجية

ثمة اتفاق بين الباحثين والدارسين للعلاقات الدولية على أنّ هناك علاقة بين التغيرات الهيكلية داخل الأنظمة السياسية لا سيما في حال الثورات وبين السلوك الخارجي للدول في محيطها الإقليمي والدولي؛ إذ تشير الدراسات التي تناولت العلاقة بين الثورة والسياسة الخارجية للدول التي شهدت ثورات أنّ هناك علاقة بين طبيعة العمل الثوري والتحوّل في الدول الثورية وسياساتها الخارجية، فإذا تبنّى العمل الثوري الإطار السلمي في التغيير، فإنّ النظام الثوري الوليد يكون أقرب إلى تبني سياسة خارجية سلمية مع دول الجوار والمجتمع الدولي. أما الدول التي شهدت موجة تحول استنادًا إلى العنف والقوة، فإنّها تكون أكثر ميالً لتبنّي سياسة خارجية عدوانية مع محيطها الإقليمي والدولي، وأكثر ميالً للانخراط في النزاعات والصراعات المسلحة.

وعند الحديث عن الثورة والسياسة الخارجية يتبادر إلى الذهن نماذج تاريخية أدت فيها الثورات إلى تحولات راديكالية في السياسة الخارجية، مثل السياسة الخارجية الروسية بعد الثورة البلشفية عام 1917، والسياسة الخارجية الإيرانية في أعقاب الثورة الإسلامية عام

وتُشير دراسة العلاقة بين الثورة والسياسة الخارجية إلى أنّ هناك تأثيرًا في اتجاهين رئيسين: الأول يتعلق بالتغيير في السياسة الخارجية للدولة التي تشهد ثورة من حيث إعادة النظر في التوجهات والأدوار والأهداف والإستراتيجيات، وكذا القرارات والسلوكيات، أما الثاني فيتمثل في استجابة الدول الأخرى للتغيير الثوري، وكيفية إدراك تلك الدول لما ينطوي عليه ذلك التغيير من تأثير في مصالحها سلبيًا أو إيجابيًا. ولا يمكن الفصل بين الحالتين فصالً تامًا. وأما بالنسبة إلى تأثير الثورة والتغيير الراديكالي في النظام السياسي والنخبة وصناع القرار وفي توجهات السياسة، تناقش الدراسات بأنّ هناك نوعين من التأثير، هما: النوع الأول: تفرض فيه حالات تغيير النظام السياسي بشكل جذري قيودًا شديدة على صانع القرار تمنعه من الدخول في التزامات خارجية مكلفة ماديًا أو الاتجاه نحو بدائل مثيرة للجدل والسخط العام؛ إذ يجنح صانع القرار إلى تحقيق توافق داخلي يتطلب عدم الإخلال بالتوازنات القائمة، وتجنّب استثارة الرأي العام والقوى السياسية الأخرى ذات التأثير في المجتمع. ومن ثمّ، يميل التحرك الخارجي إلى ما يمكن تسميته ب "الدبلوماسية الهادئة"؛ وهو نمط بعيد عن التصريحات الحادة والمواقف المتطرفة، ويميل إلى الهدوء على المستويين اللفظي والحركي وعدم إطلاق مبادرات خارجية جديدة تثير قلق الجوار الإقليمي والمجتمع الدولي. النوع الثاني: تعمل من خلاله القيادة الجديدة في حالات التغيير السياسي الجذري على تغيير توجهات السياسة الخارجية على نحو متطرف وتتبنى سياسة خارجية نشطة لتعبئة الرأي العام، وتوجيهه نحو قضايا خارجية، وصرف الانتباه عن القضايا الداخلية. ويتوقف هذا على طبيعة القيادة الموجودة في أعقاب التغيير الثوري، فإذا كانت القيادة الجديدة تميل إلى النمط الحاد في التعامل مع المواقف المختلفة، فمن المرجح أن تتجاهل المعارضة الداخلية وتستخدم السياسة الخارجية لتعبئة التأييد الشعبي للنظام، أما إذا كانت القيادة الجديدة تميل إلى البراغماتية، فإنّها ستتّبع سياسة خارجية أكثر تحفظًا واعتدال.

وعلى الرغم من أنّ الثورات تسعى دائمًا بشكل أو بآخر لهدم نظام قديم وتأسيس نظام جديد، فإنّ النظم الثورية تظل في أحيان كثيرة "حبيسة الماضي" وخاصةً في مجال السياسة الخارجية في ظل محددات النظام الدولي والوضع الإقليمي والدولي الذي تتحرك فيه الدولة ولا تستطيع تغييره، فضالً عن التزامات النظام السابق القانونية والتحالفات السياسية والعسكرية، وكذا تداعيات علاقات الصداقة أو العداء التاريخية مع الدول الأخرى على مدار سنوات وعقود سابقة. كل ذلك يعطي سياسة الدولة الخارجية بعد الثورة مباشرة قدرًا من الاستمرارية في إطار قيود يفرضها الوضع السابق ولا تستطيع الدولة التحرك خارج إطارها بشكل فوري على المدى القصير. وبهذا، تظل السياسة الخارجية في حالة تأرجح بين متطلبات الداخل وضغوطه المجتمعية، وتأثيرات الخارج بما يتضمنه من فرص وتحديات. بل يظل النظام الثوري في صراع مع النظام الدولي لفترة تطول أو تقصر حتى يفرض أحدهما قواعده وتوجهاته على الآخر.

وقد استخلص الباحثون من دراسة الثورات الكبرى عبر التاريخ منذ الثورة الفرنسية عام 1789 وحتى الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، أنّ السياسة الخارجية للدول الثورية تحاول المواءمة بين نشر الفكر الثوري (تصدير الثورة إلى الدول الأخرى) ووجود علاقات دبلوماسية طبيعية مع الدول الأخرى التي ترتبط معها بمصالح سياسية واقتصادية وتجارية تدفعها إلى ضرورة التعامل معها في سياق قواعد النظام الدولي القائم الذي تحاول الثورة تغييره. وبدراسة السياسة الخارجية لدول الثورة، لاحظ الباحثون أنّ هناك نمطًا متكررًا في تطور العلاقات الخارجية للأنظمة الثورية يمر بأربع مراحل رئيسة، هي: المرحلة الأولى: فترة سماح تتمتع فيها الدولة الثورية بعلاقات طيبة مع الدول الأخرى؛ وهذا ما حدث في بداية الثورة الفرنسية، إذ تمتعت فرنسا بعلاقات طيبة مع إنجلترا والدول الأوروبية. كما قامت روسيا في أعقاب الثورة البلشفية بالتفاوض مع ألمانيا وحاولت إقامة علاقات مع إنجلترا وفرنسا. المرحلة الثانية: المواجهة؛ إذ لا تستمر فترة السماح عادة أكثر من عام أو اثنين على الأكثر، لتشهد بعدها الدول الثورية مواجهات حادة مع الدول الأخرى التي تعدّها مناوئة لثورتها الوليدة. ويرجع البعض تكرار الانتقال من فترة السماح إلى المواجهة الحادة مع الدول الأخرى في أعقاب الثورات الكبرى إلى خلل في إدراك القادة السياسيين وحساباتهم، بينما يرجعها البعض الآخر إلى تطورات بنيوية داخلية تحدث على مستويين أساسيين: أولهما، مستوى الدولة التي وقعت فيها الثورة من حيث تعريف الثوريين لأنفسهم، ومحاولة تعميم مفردات التغيير على مستوى المجتمع كله، بما في ذلك إعادة توجيه بوصلة السياسة الخارجية. وثانيهما، مستوى الدول الأخرى من حيث تكييفها للثورة، وإدراكها لمدى خطورة التغيير الثوري في الدولة التي وقعت فيها الثورة وتأثيره في مصالحها. ويقود التفاعل بين تلك التطورات البنيوية على هذين المستويين إلى مواجهة حتمية بين الدولة الثورية والدول الأخرى. وقد تصل المواجهات مع الدول الأخرى إلى حد الاحتكاكات العسكرية، إلى جانب القيام بدعم القوى الثورية في الخارج، والالتزام بتصدير مبادئ الثورة وأفكارها حول العالم. المرحلة الثالثة: التكيّف بين الثورة والنظام الدولي؛ إذ تستعيد الدولة علاقاتها الطبيعية مع الدول الأخرى، وتتراجع آليات الدعاية السياسية المضادة لتلك الدول ومحاولات التدخل في شؤونها الداخلية، فيقوم النظام الدولي بما يشبه عملية ترويض للثورة واستيعابها، وتتجه الدولة التي وقعت فيها الثورة نحو التركيز على التنمية الذاتية. المرحلة الرابعة: آثار الثورة على المدى البعيد؛ إذ يصعب قياس أثر الثورات في المحيطين الإقليمي والدولي في حينه، ولكنّ قياس هذا الأثر يقتضي المتابعة على المدى البعيد.

السياسة الخارجية المصرية بعد فوز مرسي

ثار تساؤل رئيس بعد اندلاع ثورة 25 يناير حول الاستمرارية والتغيير في سياسة مصر الخارجية؛ لأن الثورة هي فعل ينطوي على التغيير الجذري، ولأن تركيبة النخبة السياسية التي أفرزتها تداعيات ما بعد الثورة تمثل قطيعة مع النخبة المنبثقة عن ثورة يوليو 1952 بحكم أيديولوجيتها وطبيعة تكوينها المدني. يشير برنامج حزب الحرية والعدالة بوضوح إلى التراجع الكبير لدور مصر في ظل النظام السابق على المستويات العربية والإقليمية والدولية، حتى فقدت مصر ريادتها سياسيًا وثقافيًا وإعلاميًا ودينيًا، واختزل دورها في أدوار هامشية كالوسيط أو التابع لسياسات هذه الدولة أو تلك، على الرغم من المكانة المتميزة التي تستحقها إقليميًا ودوليًا. ويتحدث كثيرون بأنّ هناك ثلاثة مصادر أساسية ترشح قطيعة السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة يناير عن سياسة نظام مبارك الخارجية، وهي: أنّها سياسة تحكمها القيم والمعايير الأخلاقية، ويقلّ تأثير العامل الخارجي فيها، وتحكمها الاعتبارات السياسية لا الأمنية؛ نتيجة إبعاد جهاز المخابرات العامة عن رسم أولوياتها ودوائر تحركها في مقابل دور جماعة الإخوان المسلمين، وتحديدًا مكتب الإرشاد على مستوى صنع القرار الاقتصادي (حسن مالك) والسياسي (عصام الحداد). فقد قام الرئيس محمد مرسي في الأشهر الأولى من حكمه بزيارات خارجية رأى البعض أنّ هدفها الرئيس هو إظهار أنّ سياساته

الخارجية تختلف جذريًا عن السياسة الخارجية التي تبناها الرئيس السابق حسني مبارك، مستندًا في ذلك إلى أنّه رئيس منتخب بطريقة ديمقراطية لأكبر دولة في منطقة الشرق الأوسط. وفي حقيقة الأمر، يمثل هذا عامالً لإحداث تغيير في السياسة الخارجية المصرية، فضلا عن رغبة الرئيس مرسي في الحصول على الاعتراف بحكم التيار الإسلامي الذي كان مرفوضًا من قبل الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية والشرعية الدولية عمومًا، ليستكمل بها الشرعية الانتخابية التي حصل عليها من الناخبين المصريين.

لم تكن أولى الزيارات الخارجية للرئيس مرسي إلى الولايات المتحدة وأوروبا كما كان يتوقع الكثيرون، بل كانت أولى زياراته إلى المملكة العربية السعودية التي كانت تعارض التحول الثوري في مصر، ثم إثيوبيا وهي كبرى الدول الأفريقية التي تعارض الحصة المائية المصرية وتقود تحالفًا لإعادة النظر في الاتفاقيات المائية التي بموجبها تحصل مصر على حصتها من مياه نهر النيل، وإيران الدولة الشيعية ذات العلاقات المتوترة مع مصر منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود؛ أي بعد اندلاع الثورة الإسلامية فيها عام 1979، إذ تبنت القاهرة سياسة خارجية تجاهها قريبة من السياسة الغربية لا سيما الأميركية. ثم كانت محاولته إحداث انفراج في الأزمة السوريّة من خلال تدشين تحالف إسلامي يضم إلى جانب مصر المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا. وشهدت الأشهر الأولى - أيضًا - نشاطًا ملحوظًا من الرئيس لحضور المؤتمرات الدولية التي أضحت إحدى أدوات السياسة الخارجية للرئيس مرسي، والتي كانت بمنزلة فرصة من وجهة نظر الكثيرين؛ إذ نجح في الاستفادة من المشاركة فيها للتعبير عن توجهات السياسة الخارجية المصرية الجديدة وقضاياها وأولوياتها في مرحلة ما بعد الثورة. ويضيف نجاح الرئيس مرسي في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين القوات الإسرائيلية وحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، بعد شنّ الأولى عملية "عمود السحاب" ضد الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، بُعدًا جديدًا للتغيير في السياسة الخارجية المصرية بعد الثورة؛ إذ كانت قبل الثورة قريبة من السياستين الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. ولكنّ التحركات التي بدأها الرئيس محمد مرسي منذ أيامه الأولى في الرئاسة لا تشير إلى أنّ هناك تغييرًا جذريًا في السياسة الخارجية لمصر الثورة عن تلك التي كان يتبناها نظام حسني مبارك، فما زالت مصر تحرص على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وقد استقبل الرئيس مرسي نفسه كالً من وزيرة الخارجية الأميركية ووزير الدفاع في الشهر الأول من توليه الرئاسة، فضالً عن تأكيد مسؤولين مصريين حرص مصر على احترام المعاهدات مع إسرائيل. يعد التحول الذي شهدته السياسة الخارجية المصرية خلال الأشهر الأولى من حكم الرئيس مô رسي هو التغيير في النبرة وليس في السياسات والقرارات؛ فهو يتبنى خطوات رمزية أكثر منها قرارات وإستراتيجيات تُحدث تحوالً في السياسة الخارجية، ويدلّل البعض على ذلك بأنّ العلاقات الوثيقة مع حركة حماس لم تؤدِّ إلى فتح الحدود والمعابر المصرية أمام الفلسطينيين كما كان متوقعًا، أو إلى تدهور في العلاقات المصرية - الإسرائيلية كما تدعو إلى ذلك الكثير من الجماعات الإسلامية في مصر وعلى رأسها الحركة السلفية، أو إلى إقامة منطقة تجارة حرة بين مصر وقطاع غزة الذي تحكمه حركة حماس، وهي الفكرة التي رفضها مرسي في تشرين الأول/ أكتوبر 2012 . وفي المقابل، كان هناك تنسيق أمني واستخباراتي بين مصر وإسرائيل لمواجهة الجماعات الإرهابية التي تنشط في سيناء، إضافة إلى التنسيق بينهما بشأن وجود معدات عسكرية في المناطق المحظور وجودها فيها بناء على اتفاقية السلام بين البلدين. كما أنّ مساعي مرسي إلى

تكوين تحالف إسلامي لحل الأزمة السوريّة لم تحقق أي تقدم في الصراع الدموي الدائر في المدن السوريّة حتى الآن. وليس التقارب المصري مع إيران مقرونًا بفوز الرئيس محمد مرسي، فقد بدأت مؤشراته مع تولي نبيل العربي وزارة الخارجية المصرية قبل توليه منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية؛ إذ كان العربي يعمل على إعادة العلاقات المصرية – الإيرانية. وكانت هناك مؤشرات على هذا التقارب مع طهران والانفتاح عليها إبان فترة حكم المجلس العسكري، إذ سمح الأخير بعبور سفن إيرانية من قناة السويس، وهو ما كان محظورًا على إيران منذ عام 1979، كما أعلنت إيران بعد سقوط نظام مبارك عن تعيينها سفيرًا إلى مصر ليكون أول سفير إيراني فيها منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما.

التحديات والقيود

تتيح الأوضاع الجديدة بعد ثورة 25 يناير فرصًا واسعة لإعادة بعث السياسة الخارجية المصرية، وإعادة إحياء دور مصر الريادي في المنطقة والعالم، على الرغم من أنّ ثمة تحديات وقيودًا شتى ينبغي لصانع السياسة المصري الالتفات إليها، والتعاطي معها بكفاءة، إن كان يبغي تغييرًا واضحًا في الأداء، أهمها: أوالً: الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد المصري منذ بدايات عام 2011، فمن الصعب الحديث عن سياسة خارجية فاعلة ونشطة من دون أن تدعم هذه السياسة قاعدة اقتصادية قوية؛ إذ لا توجد سياسة خارجية فاعلة بلا تكلفة، بحيث تستقطع من الاقتصاد الوطني لخدمة الأمن القومي وتحقيق الأهداف العليا للوطن. لذلك، فإنّ الأزمة الاقتصادية الحالية تؤثر بلا شك في السياسة الخارجية وتحدّ من قدرتها على الفعل والتأثير. ولا تختلف الحلول التي تراهن عليها حكومة محمد مرسي كثيرًا عن الحلول التي اتخذتها حكومات الرئيس السابق حسني مبارك والتي كانت سببًا رئيسًا لثورة 25 يناير، فهي تعتمد على القروض والاستثمارات الخارجية، ما يزيد من الاعتماد على الخارج، ويقوّض استقلالية القرار المصري وحريته في الحركة. إنّ الازدهار الاقتصادي شرط من شروط كفاءة أي سياسة خارجية وفاعليتها؛ فتركيا لم تطور سياستها الخارجية وترتقي بطموحاتها في الإقليم في العقد الأخير إلا بعد بنائها أساسًا اقتصاديًّا متينًا. وهو الأمر الذي يثير التساؤل التالي: كيف سيتمكن صانع القرار المصري من إدارة السياسة الخارجية بأقصى كفاءة ممكنة في ظل شح الموارد، وتردي الأوضاع الاجتماعية، وازدياد الحاجة إلى رأس المال الأجنبي؟ يساعد نجاح الحكومات الوطنية في الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي وتوفير مستوى تنموي ونمو اقتصادي مرتفع وتوفير الحاجات الأساسية للمواطنين كافة، على تبني سياسة خارجية قوية ومؤثرة، تكون داعامً لإستراتيجيتها الوطنية على المدى البعيد. والعكس صحيح؛ إذ كلما كانت الأوضاع الداخلية مهتزة وغير مستقرة ومؤسسات الدولة ضعيفة ولا تستطيع توفير الحاجات الأساسية ومواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة في الداخل، كانت تداعياتها كارثية على إستراتيجيتها الخارجية.

ثانيًا: غياب التوافق المجتمعي بين القوى السياسية حول آليات العمل السياسي والذي تجلت صوره في الاختلافات بشأن الدستور المصري الذي عمّق الاستقطاب الدائر حول بعض مواده تناحر القوى السياسية المختلفة، وزاد من هوة الخلاف بين الرئاسة وقطاعات واسعة من الشعب. ويضاف إلى ذلك الانقسام السياسي حتى حول الرئيس محمد مرسي نفسه؛ إذ إنه فاز بنسبة ضئيلة في الانتخابات الرئاسية على منافسه أحمد شفيق. إن غياب التوافق المجتمعي يقوِّض تبني سياسة خارجية فاعلة. ثالثًا: الأوضاع الأمنية غير المستقرة في سيناء التي تحتاج إلى رأب الصدع فô ورًا؛ فهي تشكل تهديدًا سياسيًّا وأمنيًّا خطيرًا في بقعة جغرافية لا تحتمل أي تهاون أو تقصير، وتغري أطرافًا خارجية باستخدام هذه الورقة لفرض أمر واقع لا يصب في المصلحة الوطنية

المصرية وسياساتها على كامل ترابها، أو لاستقطاع تنازلات من مصر في قضايا حيوية أخرى. كما أنّ استعادة الأمن في سيناء اختبار لمدى قدرة النظام الجديد على التعامل مع الأزمات المعقدة بحنكة، ومن ثم سيعزز نجاحه من سمعته على الساحة الدولية. رابعًا: غياب الرؤية لدى قيادات جماعة الإخوان المسلمين لقضايا السياسة الخارجية؛ فقد كانت سياسات النظام السابق تجاه الجماعة كفيلة بتقليص اهتمام قادتها ليقتصر على الشأن الداخلي بالدرجة الأولى. وكانت الضربات الأمنية المتلاحقة وسجن قادة الجماعة لفترات طويلة ومنعهم من السفر إلى خارج مصر والحد من أي احتكاك حقيقي لهم بالعالم الخارجي، كفيلةً بتقليص معرفتهم وفهمهم لطبيعة الشؤون الدولية وقضاياها المعقدة. كما مثَّل الاعتبار الأمني حاجزًا منيعًا ضد دخول أعضاء من الجماعة، أو حتى من المتعاطفين معها إلى الجهات الحكومية المنوط بها التعامل مع تلك القضايا مثل وزارتي الخارجية والدفاع والأجهزة الاستخباراتية المختلفة.

سبل تفعيل السياسة الخارجية المصرية

مع إسقاط الرئيس السابق حسني مبارك في 11 شباط/ فبراير 2011، نجح الشعب المصري في تحقيق نقلة في صورة مصر وقيمتها الرمزية والأخلاقية. وكان من المؤمّل أن يستثمر القائمون على إدارة المرحلة الانتقالية لحظة الزخم الثورية تلك باعتبارها فرصة تاريخية نادرة لعودة مصر إلى ساحة الفعل الدولي المؤثر، وإعادة بناء ما تهدّم من سمعة مصر، وجبر الكسور التي أحدثها مبارك ونظامه في قوتها الناعمة. إلا أنّ التغيير الجذري لم يحدث في السياسة الخارجية مع وصول أول رئيس منتخب بعد الثورة، على الرغم من المحاولات والجهود التي يقوم بها الرئيس محمد مرسي. وقد دفع ذلك المختصين إلى طرح بدائل أمام صانعي القرار المصري لتدشين سياسة خارجية أكثر فاعلية ومحققة للمصلحة والأمن القومي المصري، وتتمثل تلك البدائل والخيارات في الآتي: أوالً: تعظيم القوة الناعمة المصرية بإعادة إحياء التأثير الثقافي والديني والفني المصري الذي يجب أن يكون على رأس قائمة الأولويات، من خلال خطة واضحة وطموحة تبدأ بالأزهر، وتمر بالكنيسة، بالتوازي مع السينما والتلفزيون والأعمال الأدبية والتشكيلية، والرياضة. ثانيًا: إعادة التوازن إلى السياسة الخارجية المصرية بتنويع محاور التعاون في اتجاهات جغرافية وسياسية متعددة وعدم الاكتفاء بشراكة إستراتيجية واحدة مع قطب دولي واحد. وعلى الرغم من أهمية الحفاظ على علاقات مصر مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بمستوياتها الراهنة مع تخليصها من جوانب "المشروطية" السياسية، فإن الأمر قد يحتاج إلى عقد شراكات مماثلة مع أطراف دولية أخرى (اليابان ومجموعة الدول الأسرع نموًا "البريكس"؛ أي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) لإتاحة حرية أكبر في التحرك والمناورة إنفاذًا للمصلحة الوطنية المصرية. وينبغي أن تقوم العلاقات الخارجية المصرية على أسس من الندية والمصالح المشتركة وتبادل المنافع مع جميع الدول، مع استقلال القرار وغياب كل أشكال التبعية والهيمنة، وتأكيد العلاقات السلمية مع جميع الدول والشعوب، ودعم العدل والأمن والسلم الدولي. ثالثًا: مأسسة السياسة الخارجية لتفعيل الô دور القيادي لوزارة الخارجية وتحرير تلك السياسة من سطوة الأجهزة الأمنية، مع الاستعانة بهذه الأجهزة في المسائل ذات الحساسية الأمنية الخاصة، وكذلك بالوزارات الأخرى المعنية في مجالات اختصاص كل منها ولكن تحت المظلة العامة لوزارة الخارجية.

رابعًا: تطوير وزارة الخارجية من الداخل، بحيث يعاد النظر في معايير القبول والتقويم والترقي والتنقلات بالسلك الدبلوماسي، وإعداد برامج دورية للتطوير المهني، والتخلص من القيود الأمنية، و"ثقافة الواسطة" التي ما زالت تحول دون الاستفادة من الكفاءات. وينبغي العمل كذلك على وضع ضوابط صارمة للقضاء على ثقافة الاستعلاء بالمهنة على المواطن، وضرورة تقريب الثقافة السائدة لدى البعض في وزارة الخارجية من ثقافة المجتمع المصري وأوضاعه التي كشفت عنها الثورة وتفاعلاتها، ومساواة العاملين بالخارجية بسلك القضاء والأجهزة الأمنية في العقوبات الصارمة لموظفيها. خامسًا: توفير القدرات اللازمة لتحرير القرار الوطني من أي تبعية للخارج وتأمين الاستقلال الوطني، ويستلزم هذا ربط مشروع تأسيس النظام السياسي الديمقراطي المأمول بمشروع وطني للتنمية المستقلة والمستدامة يكون قادرًا على تحرير الإرادة الوطنية من ناحية، وتوفير القدرات المادية اللازمة لتحرير هذه الإرادة من ناحية أخرى. سادسًا: الانحياز للقضايا الإنسانية في السياسة الخارجية كون الرئيس مرسي جاء بإرادة شعبية، وبوصف الثورة المصرية رفعت شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، ما يفرض على الرئيس تبني سياسة خارجية قوامها مساندة المطالب المشروعة لشعوب العالم كافة، وبخاصة في العالم العربي، وليس مساندة الديكتاتوريات كما دأب النظام السابق على فعله بحجة الحفاظ على المصالح المصرية. فمن شأن قيام الرئيس مرسي باتباع تلك السياسات تحسين السمعة الدولية للدولة المصرية وإضفاء الشرعية على أفعالها وسلوكها الخارجي، كونها سياسات منحازة للشرعية الدولية ولحق الشعوب، وهو ما يعزز من مكانتها كدولة ديمقراطية قائدة. سابعًا: التخطيط الموضوعي على المدى البعيد بإعداد رؤية شاملة للسياسة الخارجية المصرية للأعوام العشرين القادمة، بعيدًا عن المصالح أو الأهواء الشخصية للنخبة الحاكمة. ومن المهم كذلك إعداد كتاب دوري للسياسة الخارجية المصرية، وإنشاء غرفة مركزية دائمة لإدارة الأزمô ات الخارجية، والتعديلات المرحلية للسياسة الخارجية وفقًا للتطورات الدولية، وإعادة فتح قنوات الاتصال بين المراكز البحثية ووزارة الخارجية، مع تنشيط الدبلوماسية الشعبية ودبلوماسية الأبواب الخلفية.

الخاتمة

على الرغم من الانقسام بين الباحثين ودارسي العلاقات الدولية حول تأثير الثورة والتغيير العنيف للنظام السياسي في السياسة الخارجية للنظام الثوري الوليد، فإنّ للثورة أثرًا كبيرًا على تصورات النظام الثوري وقراراته، وحتى إن لم تكن السياسة الخارجية وقضاياها أحد أسباب اندلاع الثورة. ولكنّ بعض التغيير ينال هذه السياسة بفعل التغريّ الذي يطرأ على المؤسسات والنخبة السياسية المسؤولة عن صوغ تصورات الدولة وسلوكها الخارجي. لقد اتسمت قضايا السياسة الخارجية لنظام الرئيس السابق حسني مبارك بالانصياع للمطالب الأميركية والإسرائيلية، ونتج منها غياب سياسة خارجية فاعلة، وتدهور الدور الإقليمي المصري بما أثّر في الأمن القومي والمصلحة المصرية. ومع ذلك، لم ترد شؤون السياسة الخارجية ضمن الشعارات التي رفعها الثوار إبان ثورة 25 يناير. لكن الثورة تمثل فرصة أمام الرئيس محمد مرسي للاستفادة منها في إعادة التوازن إلى السياسة الخارجية المصرية. ومع ذلك، فالسياسات التي اتخذها مرسي وتحركاته الخارجية والزيارات وحضور المؤتمرات الدولية والإقليمية لا تنم عن اختلاف جذري في السياسة الخارجية لمصر الثورة عن سياسة الرئيس السابق حسني مبارك بسبب جملة من التحديات والقيود التي تعوق تبني سياسة خارجية فاعلة. ولكن يمكن لحكومة الرئيس محمد مرسي اتخاذ جملة من الخطوات التي من شأنها تفعيل الدور والسياسة الخارجية المصرية ليس على الصعيد الإقليمي فحسب، بل على الصعيد العالمي أيضًا بما تملكه مصر من قدرات تمكّنها من أن تصبح فاعالً دوليًا وإقليميًا مؤثرًا. وفي هذا الصدد، يطرح كثيرون بدائل وخيارات أمام صانع القرار المصري يتعلق بعضها بضرورة إعادة بناء المؤسسات المسؤولة عن صناعة القرار الخارجي المصري، وتحقيق التوافق المجتمعي الذي يمكّن النظام السياسي من تبني سياسة خارجية فاعلة ومؤثرة، مع ضرورة صوغ إستراتيجية للسياسة الخارجية خلال السنوات العشرين القادمة توضح القدرات والإمكانات والعقبات وتحدد الأهداف التي تريد الدولة تحقيقها على الصعيد الخارجي. كما أنّ ثمة أهمية للتعاون بين العمل البيروقراطي الدبلوماسي ومؤسسات الفكر والرأي التي تقدم البدائل والخيارات أمام صانع القرار للتعامل مع التغيرات والتحولات في النظام الدولي والتطورات في القضايا العالمية.