ماذا فعل العراق لدرء خطر الحرب؟

ناجي صبري الحديثي

في هذه الشهادة يقدم وزير خارجية العراق الأسبق ناجي صبري الحديثي معايشته لتفاصيل الحملة التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق منذ /8/2 1990، والتدابير التي اتخذها العراق في الفترة بين آذار/ م ارس وآذار/ م 1991 ارس لتجنب حرب ثانية بدأ يتض   2003 ح أنها على الطريق. تقول هذه الشهادة إن الولايات المتحدة الأميركية بدأت تحضيراتها لشن حرب أخرى على العراق منذ اليوم الثاني لوقف الحرب الشاملة الأولى التي تسبب فيها احتلال العراق للكويت. تورد هذه الشهادة تفاصيل الإجراءات المتعسفة التي هيأت الرأي العام الغربي لقبول شن حرب أخرى على العراق على الرغم من التعاون الذي أبداه. كما تشرح هذه الشهادة كيف أن كثيرًا من الإجراءات التي مورست تحت غطاء الشرعية الدوليّة هدفت بالأساس إلى إفقار القطر العراقي وإضعافه وتدمير مجمل بُناه.

منذ اليوم الثاني لوقف الحرب التي شنّتها أميركا وحلفاؤها على العراق من /17 1 حتّى /28 /2 1991 تحت شعار "إخراج العراق من الكويت"، بدأت الولايات المتحدة الإعداد لحربٍ أخرى على العراق. كان العراق قد بدأ يعلن، منذ 15 شباط / فبراير، عن استعداده بدأ إجô لسحب قوّاته من الكويت. وفي /26 2 راءات الانسحاب. وفي 27 شباط / فبراير، أبلغ العراق الأمم المتّحدة رسميًّا بشروعه في ذلك الانسحاب. وفضالً عن ذلك، أبلغها امتثاله الكامل لقرارات مجلس الأمن الثلاثة؛ وهذه القرارات هي: القرار رقم 660 في 2 آب / أغسطس 1990 الذي طالب العراق بالانسحاب من الكويت دون قيدٍ أو شرط، والقرار رقم 662 في 9 آب / أغسطس الذي عدّ قرار العراق في 8 آب / أغسطس المتعلّق بضمّ الكويت جائرًا، والقرار رقم 674 في 29 تشرين الأول / أكتوبر الذي حمّل العراق مسؤوليّته في تعويض الأضرار الناجمة عن احتلاله الكويت. ثمّ إنّه أبلغ الأمم المتحدة استعداده لإطلاق سراح أسرى الحرب مباشرةً بعد وقف إطلاق النار. وبما أنّ العراق بدأ الانسحاب، فقد أصبح القراران رقم 662 و 674 هما كلّ ما بقيَ من القرارات التي لم يمتثل لها من بين القرارات الاثنَيْ عشرَ التي أصدرها مجلس الأمن بشأن الأزمة قبل الحرب. وفي فجر يوم 28 شباط / فبراير 1991، أعلن الرئيس الأميركيّ عن توقّف العمليّات القتاليّة ضدّ العراق. لكنّه تجاهل انسحاب العراق من الكويت - وهو الهدف المعلن للحرب - وتجاهل امتثاله لقراريْن مهمّينْ؛ أحدهما إلغاء ضمّ الكويت الذي يقتضي دفع التعويضات، والآخر استعداده لإطلاق سراح الأسرى. وحدّد شروطًا كثيرة لكي يتحوّل هذا التوقّف إلى وقفٍ لإطلاق النار، وجدّد التهديد بشنّ حربٍ جديدة على العراق في المستقبل. وفي 2 آذار / مارس أصدر مجلس الأمن قرارًا تحت رقم 686 تَعامل فيه مع وقف الحرب من المنظور نفسه الذي تحدّث به الرئيس الأميركيّ. وأشار قرار مجلس الأمن 686 في ديباجته preamble إلى جميع القرارات الاثنيْ عشر التي اتّخذها بشأن الأزمة بين العراق والكويت بدءًا من قراره رقم 660 في الثاني من آب / أغسطس 1990، إلى قراره رقم 687 في 03 نيسان / أبريل 1991، قبل شنّ الحرب على العراق. ثمّ أشار إلى رسائل العراق إلى الأمم المتحدة في 27 شباط / فبراير، بشأن امتثاله لجميع هذه القرارات ونيّته إطلاق سراح أسرى الحرب. لكنّ القرار في فقراته العاملة operatives تجاهل كلّ ذلك، وأكّد سريان مفعول القرارات الاثنَيْ عشرَ المذكورة، وجدّد مطالبته العراق بالامتثال لها وبإطلاق سراح الأسرى وإعادة الكويتييّن ورعايا الدول الأخرى المحتجزين، وبإرسال ممثّليه للاجتماع مع قوّات التحالف لوضع ترتيباتٍ عسكريّة لوقف أعمال القتال. لكن، بعد كلّ ما تعرّض له العراق من حربٍ مدمّرة شاملة، طالب المجلسُ العراق بأن يوقف "هجماتِه على هذه القوّات." كما ناشد دول العالم التعاون مع حكومة الكويت لإعادة إعماره، بينما أغفل الإشارة إلى الدمار الشامل الذي لحق بالعراق.

والقصد من وراء ذلك واضح، وهو تجميد الحرب مؤقتًا وإبقاء حالة التهديد بها قائمة ريثما ينتهي صوغ قرارٍ جديد يعربّ فيه مجلس الأمن عامّ تريد الدولة المنتصرة أن تفرضه من شروطٍ على الدولة المهزومة، وتحديد الإطار الدوليّ لعمليّة إنهاك العراق دولةً وشعبًا، واستنزاف قدراتهما ومواردهما البشريّة والاقتصاديّة والعسكريّة تمهيدًا للغزو الشامل بعد أكثر من عَقدٍ من الزمان. وبعد صدور القرار رقم 686، بدأ العراق على الفور تنفيذ التزاماته تجاهه، من ذلك أنّ وفدًا عسكريًّا عراقيًّا عقد اجتماعًا يوم 3 آذار / مارس 1991، مع وفدٍ عسكريّ من قوّات التحالف على الحدود العراقيّة الكويتيّة، حيث اتّفقا على ترتيبات الفصل بين القوّات وتبادل الأسرى والإبلاغ عن خرائط الألغام. وفي يوم 5 آذار / مارس، أعلن العراق إلغاء جميع القرارات والإجراءات التي اتّخذها منذ 2 آب / أغسطس 1990 بشأن اجتياح الكويت. وفي اليوم نفسِه، أبلغ العراق الأمم المتّحدة البدء في إعادة الممتلكات الكويتيّة التي بحوزته. وبهذه الإجراءات يكون العراق قد أكّد امتثاله لقرارات مجلس الأمن المتعلّقة به.

إلاّ أنّ الولايات المتّحدة التي حوّلت مجلس الأمن في البيئة الدوليّة الجديدة إلى أداةٍ لخدمة مشروعها الإمبراطوري للهيمنة على العالم، بما في ذلك تنفيذ مخطّطها الحربي ضدّ العراق، كانت تُبيِّت النيّة لقرارٍ خطِرٍ هو القرار رقم 687 في 3 نيسان / أبريل 1991، وهو يُعَدّ أطول قرارٍ في تاريخ الأمم المتّحدة. ويتكوّن هذا القرار - المُدرج ضمن الفصل السابع - من ديباجة ضمّت 26 فقرة، تليها 33 فقرة عاملة موزّعة على تسعة أقسام؛ أهمّها تخطيط الحدود بين العراق والكويت، وإلزام العراق - تحت إشرافٍ دولي - تدمير جميع ما بحوزته من أسلحة دمارٍ شامل مزعومة، إضافةً إلى الصواريخ التي يزيد مداها عن 150 كيلومترًا، وإلزامه إعادة ممتلكات الكويت ورعاياها ورعايا الدول الأخرى أيضًا، وتشكيل لجنة تعويضات تفصل في المطالبات بتعويضات الحرب. أمّا نظام العقوبات الذي زال مسوّغه بانسحاب العراق من الكويت امتثاالً للقرار رقم 660 سنة 1990، فقد صار مرتبطًا بهدفٍ جديد هو ضمان قبول العراق نبذ الإرهاب، وتدمير أسلحته المذكورة بنفسه عن رضًا، وبإشراف مجلس الأمن. وجاءت الفقرة رقم 33 لتنصّ على أنّ وقف إطلاق النار في الحرب على العراق مرتهنٌ بموافقة العراق خطيًّا على الأحكام الواردة في هذا القرار. وفي أبلغ وصفٍ للقرار، قال السيد رالف زاكلين مساعد الأمين العامّ المساعد للأمم المتحدة للشؤون القانونية في ندوةٍ قانونيّة عُقدت في باريس عام 1991: "هذا القرار[...]وثيقة تاريخية لا سابقة لها في تاريخ الأمم المتحدة[...]وهو في أهدافه ومطالبه معاهدة فرضَ بموجبها المنتصر على المنهزم سلسلةً من الالتزامات الباهظة التي تضمَن قبول العراق بها لكونها مفروضة بموجب الفصل السابع ومرتبطة باستمرار العقوبات." وأضاف السيد زاكلين: "إنّ القرار رقم 687[...]لا سابق له من عدّة جوانب: إنّه أوّل قرار فرَضَ تخطيطًا للحدود، كما أنّ مهمة المراقبة هي الأولى التي تنشأ في إطار الفصل السابع دون أن ترتبط برضا الدول لنشرها، وهو أوّل قرار فرض تدمير أسلحة بلد، كما أنه الأوّل من حيث إنشاء صندوق للتعويضات يُموَّل من إيرادات البلد المنهزم[...]وأمّا من الناحية السياسيّة فإنّ القرار فرض على الأمم المتّحدة مسؤوليّة لا يمكن تحمّلها." وقد أبلغ العراق الأمم المتحدة يوم 6 نيسان / أبريل، أنّه "يجد نفسه أمام خيارٍ واحد، لا غير، وهو القبول بالقرار." أصبح العراق يواجه تهديدًا جديًّا بالحرب، في الوقت الذي مازال يعاني فيه من الآثار الكارثيّة للحرب التي ضربت فيها القوّات المتحالفة بقيادة الولايات المتحدة المدن والأراضي العراقيّة بأكثر من 88 ألف طنّ من المتفجّرات من بينها أكثر من ثلاثة آلاف طنّ من قذائف اليورانيوم المنضّ ب ذات الإشعاعات الشديدة والقدرات السمّية الهائلة، وبما يعادل سبع قنابل نوويّة من تلك التي ضربت بها الولايات المتّحدة اليابان في الحرب العالميّة الثانية. لقد أصاب جميعَ مرافق الحياة الحديثة تدميرٌ هائل نتيجة القصف المتعمّد الذي قامت به القوّات الأميركيّة وحلفاؤها في مهاجمة كلّ الأراضي العراقيّة. ولبيان حجم هذا الدمار، يكفي أن نشير إلى الخلاصة التي خرجت بها بعثة الأمم المتحدة لتقِّ الأوضاع الإنسانيّة برئاسة السيد ماري أهتساري الأمين المساعد بعد زيارة العراق من 10 إلى 17 آذار/ مارس. فقد قالت البعثة: "إنّ النزاع الذي حدث مؤخّرًا يُشبه أحداث يوم القيامة من جهة آثاره في الهياكل الأساسيّة الاقتصاديّة التي كانت تعدّ حتّى شهر كانون الثاني/ يناير 1991 مجتمعًا حضريًّا يعتمد "المَكْنَنة" إلى حدٍّ بعيد. أمّا الآن، فإنّ معظم الوسائل الداعمة للحياة الحديثة قد دُمّرت أو أصبحت هزيلة. لقد أعيد العراق إلى عصر ما قبل الثورة الصناعيّة وسيظلّ كذلك فترةً من الزمن."... وينبغي الإشارة هنا إلى وصف الأمين العامّ الأسبق بيريز ديكويار هذه الحرب بأنّ الأمم المتحدة لا دورَ لها فيها وأنّها ليست حربها. وإنّ هذا التدمير الكارثيّ الذي ألحقته القوّات الأميركيّة وحلفاؤها بكلّ مرافق الحياة في العراق قد حدث في وقتٍ كان فيه العراق وشعبه لا يزالان يرزحان تحت نظام عقوباتٍ فرضها مجلس الأمن بالقرار رقم 661 الذي صاغته الولايات المتّحدة ورعتْه في يوم 6 آب / أغسطس 1990. لقد فُرض على العراق هذا القرار الذي وصفه مسؤول أميركي بأنّه "الأقسى والأكثر شموليّةً في التاريخ"، ولقد كان حصارًا كامالً على جميع قطاعات الحياة والعمل والخدمات. وكان الاستثناء الوحيد للإمدادات الطبيّة والغذائيّة، لكنّه كان عديم الجدوى لافتقار الدولة للمال اللازم لشرائها بعد وقف صادراتها وتجميد ودائعها في الخارج. وفي ضوء كلّ هذا، كان على العراق أن يصارع على جبهتين: الأولى، أن يعمل على تنفيذ المتطلّبات الباهظة للقرار 687 لدرْء مخاطر حربٍ مدمّرة جديدة؛ والثانية، أن يسعى في الوقت نفسِه لتنفيذ هذه المتطلبات لتجنّب الأضرار الجسيمة التي تستهدف أمنه الوطنيّ ومصالح شعبه، ولتأمين الشروط الضروريّة للحياة في ظلّ الحصار، ولإعادة الحياة إلى الخدمات الضروريّة المدمّرة من جهةٍ أخرى. وفي

ما يأتي، نورد الإجراءات التي اتّخذها العراق لتنفيذ هذه المتطلبات لدرْء مخاطر حربٍ جديدة.

ترسيم الحدود

تعامل مجلس الأمن مع مسألة الحدود بموجب الفصل السابع مسجاّلً بذلك سابقة غير معروفة. فصلاحيّاته ووظائفه لا تمنحه الحقّ في فرض عمليّة تعيين الحدود بين الدول. إذ تخضع هذه المسألة، بموجب القانون الô دوليّ، إمّا لقاعدة الاتّفاق بين الدول المعنيَّة بذلك نفسِها وإمّا لمحكمة العدل الدوليّة. ويبدو أنّ الولايات المتحدة قد انتبهت، أو نُبِّهت في وقتٍ متأخّر، إلى هذه الثغرة القانونيّة، ما دعاها إلى السعي لتداركها من خلال قيام حليفتها بريطانيا، وذلك بتزويد مجلس الأمن يوم 28 آذار / مارس بخرائطَ للحدود العراقيّة - الكويتيّة أعدّتها دائرة المساحة العسكريّة البريطانيّة التي استندت في رسم الحدود إلى ما سبق أن فرضته بريطانيا أيّام هيمنتها على العراق، وقد اتّضح ذلك في رسالتين تبادلهما رئيس الوزراء البريطانيّ مع حاكم الكويت سنة 1932، وتكرّر في محضر مباحثات رئييسَ وزراء البلدين في /4 /11 1963. وكان هدف أميركا آنذاك توفير أساسٍ فنيّ تستند إليه في زعمها أنّ المجلس لا يخطّط الحدود بين البلدين، بل يساعدهما بصورةٍ تقنيّة لتنفيذ ما سبق أن اتّفقا عليه. ومن هنا، طلب المجلس من العراق أن يحترم المحضر المذكور، وطلب من الأمين العامّ أن يساعد في تخطيط الحدود مستعينًا بالخرائط البريطانيّة. والجدير بالذكر أنّ ك من الكويت والعراق لم يشيرا في أيّ مناسبة سابقة إلى ذلك المحضر. ففي العراق بقيَ هذا المحضر من دون تفعيلٍ قانونيّ بسبب بعض النقائص في إجراءاته الدستوريّة التي كان ينبغي أن تُستكمل كي تصدِّق عليه السلطة التشريعية ورئيس الجمهوريّة. أمّا الكويت، فكانت دائمًا تشير إلى الحدود التي وقفت عندها قوّات الأمن العربيّة عندما أرسلتها جامعة الدول العربيّة عام 1961 إثرَ مطالبة العراق بإعادة الكويت، بل إنّ مجلسَ الأمن نفسَ ه لم يرُشِ إلى هذا المحضر ولا إلى مسألة الحدود في أيِّ قرارٍ من قراراته الأربعة عشر التي أصدرها بشأن الحالة بين العراق والكويت منذ بدء الأزمة في 2 آب / أغسطس 1990 قبل القرار رقم 687، وكان يكتفي بالإشارة إلى وجوب احترام سيادة الكويت والعراق وسلامتهما الإقليميّة واستقلالهما السياسي.ّ

وهكذا فإنّ مسألة ترسيم الحدود انطوت على التفافٍ واضح من مجلس الأمن على القانون الدوليّ وتجاوزٍ لصلاحيّاته، وانتهاكٍ للفقرة الثالثة من ديباجة القرار نفسِه التي نصّت على احترام سيادة العراق وسلامته الإقليميّة واستقلاله السياسيّ. وعلى الرغم من اعتراض العراق على هذا التوجّه للمجلس وعلى إجراءات اللجنة المشكّلة، فإنّ المجلس تجاهل رأي العراق وفرض نتائج عمل اللجنة التي قامت أساسًا على التصوّرين البريطانيّ والكويتيّ، وذلك في قرارٍ أُصدِر ضمن الفصل السابع تحت رقم 833، في /28 /6 1993، فرُسمت بمقتضاه الحدود العراقيّة الكويتيّة؛ لأنّه لم يكن للعراق إالّ الموافقة عليه، في /10 11/ 1994، بعد أن وافق على القرار رقم 687 الذي استند إليه، وقد كان ذلك ضمن مساعيه لدرْء احتمالات الحرب المدمّرة من جديد.

إعادة الكويتيّين ورعايا الدول الأخرى

امتثاالً للقرار 686 في 2 آذار / مارس بالتنسيق مع اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر، كان العراق قد أعاد جميعَ الأسرى من رعايا الكويت والدول الأخرى. وامتثاالً للقرار 687، واصل التعاون مع اللجنة. وحضر اجتماعات تحت رعايتها مع ممثلّي الكويت والسعودية منذ يوم 7 آذار / مارس. وبحلول عام 1994، أعلن العراق عن إعادة كلّ رعايا الكويت والدول الأخرى، وألزم نفسه البحث، وفق الأساليب المهنية المتّبعة، عن المفقودين مؤكّدًا الطابع الإنسانيّ البحت للمسألة، رافضًا تسييسها.

إعادة الممتلكات الكويتيّة

كان العراق قد أعلن منذ الخامس من آذار / مارس عن استعداده لإعادة هذه الممتلكات وواصل ذلك بعد صدور القرار 687. وبدأ في شهر آذار / مارس في إعادتها بموجب اتّفاق مع منسّق الأمم المتحدة، على الأسبقيات التي تحدّدها الكويت. وبحلول المختصّ 1994، أعلن العراق عن إعادة جميع الممتلكات التي بحوزته وألزم نفسه إعادة أيّ موادّ يعثر عليها مستقبالً. ثمّ قام بإعادة الأرشيف الكويتيّ في آذار / مارس عام 2002.

نبذ الإرهاب

تنفيذًا للفقرة 32() من القرار 687 1991()، أرسل وزير خارجية العراق رسالةً بتاريخ 11 حزيران / يونيو 1991 إلى رئيس مجلس الأمن أكّد فيها موقف العراق الثابت القائم على نبذ جميع أنواع الإرهاب الدوليّ.

التعويضات

قرّر مجلس الأمن في الفقرة 16() من القرار 687 تأسيس لجنة تعويضات عن خسائر الحرب تحت إشرافه وإدارته في خطوةٍ لا سابقَ لها في القانون الدوليّ، معارضة للممارسات الدوليّة المتّبعة في تسوية المطالبات بين الدول المستقلّة التي تستند إلى مبدأ المساواة بينها، وتعكس الطبيعة الرضائيّة للنظام القانونيّ الخاصّ بالتعويضات. فقد منح مجلس الأمن نفسه - وهو هيئة سياسيّة - بموجب هذا القرار وظيفة قضائيّة للفصل في المطالبات، وأنشأ لجنةً لهذا الغرض من دون تخويل من الميثاق. واعترض العراق على طريقة تأسيس اللجنة وقواعد إجراءاتها التي كانت في مجملها تنفيذًا لأجندة سياسيّة للولايات المتّحدة التي لم تُخْفِ مسؤوليّتها المتمثّلة في تصميم هذه الآليّة ومتابعة تنفيذها بالتعاون مع حليفتها بريطانيا. وكان العراق قد أعلن في 27 شباط / فبراير 1991 قبوله بمبدأ المسؤوليّة التي تلزمه دفع التعويضات. وجدّد قبوله بذلك في إطار قبوله بالقرار 687. وشهدت قرارات اللجنة مثاالً صارخًا على الرغبة الانتقاميّة الجامحة لدى الدولتين المهيمنتين في مجلس الأمن في إنهاك الدولة العراقيّة، وإفقار المجتمع العراقيّ، وإلحاق أكبر ضررٍ ممكن به إلى حدٍّ يُعجزه عن إعادة بناء مرافق الحياة التي دمّرتها الحرب وآثار الحصار. كما شهدت تلك القرارات فظائعَ وفضائحَ، وانتهاكًا للقواعد القانونيّة المعروفة مثل الحكم بأكثر امّ يطلبه المدّعي. وفي سياق المعايير المزدوجة وانتهاك مبادئ المساواة بين الدول (الفقرة 1 من المادّة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة) ومبادئ العدل والقانون الدوليّ في حلّ المنازعات (الفقرة 1 من المادة الثانية من الميثاق)، حَرَمَ القرار في الفقرة 29 العراق ورعاياه من تقديم أيّ مطالبة بالتعويض عن الأضرار الهائلة التي ألحقتها الحرب والحصار ببنية العراق الأساسية وبالملايين من رعاياه، كما ضيّقت لجنة التعويضات على العراق المدّعَى عليه حقّ الدفاع عن نفسه تجاه هذه المطالبات من خلال حرمانه من عضويّة اللجنة حينًا، وعدم إتاحة الوقت الكافي له لممارسة هذا الحقّ حينًا آخر، وعدم تمكينه من الاطلّاع على أوليّات المطالبات مرّة، ومنعه من السّحب من أمواله المجمّدة لتغطية نفقات حضور المرافعات مرّةً ثانية، وتوكيل خبراء ومكاتبَ قانونيّة متخصّصة مرّةً ثالثة.

نزع السلاح

كانت متطلبات نزع أسلحة العراق الواردة في القرار الأكثر خطورةً وتعقيدًا مقارنةً بجميع المتطلبات الصعبة التي جاء بها القرار 687 الذي ربط به المشرّع الأميركيّ دوام الحصار أو تخفيفه أو رفعه. وهذا الحصار فُرض أساسًا بموجب القرار 661 في 6 آب / أغسطس 1990 لضمان انسحاب العراق من الكويت. وبعد الانسحاب نسخ مجلس الأمن هدف الانسحاب بهدفٍ آخرَ هو ضمان التخلص مما أسماه "أسلحة الدمار الشامل العراقيّة." وكان على العراق في إطار قبوله المُتَّصف بالإذعان للقرار أن ينفّذ ما تطلبه الهيئة التي شكّلها مجلس الأمن لهذا الغرض باسم اللجنة الخاصّة أونسكوم، إضافةً إلى ما تطلبه الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية، وأن يثبت لهما أنّه قد فعل ذلك بشهادتهما. وكان رضا المجلس عن امتثال العراق لمتطلبات القرار 687 من رضا الهيئتين، وثبت أنّ ذلك، من الناحية العمليّة، يُعَدّ مستحيالً لأنّ المجلس اعتمد في الحكم على تنفيذ العراق التزاماتِه قواعدَ مناقضة

للأعراف القانونيّة. فبينما تسير كلّ التشريعات القانونيّة على قاعدة "المتّهم بريء حتّى تَثبُت إدانته"، وأنّ المدّعي هو المسؤول عن أعباء الإثبات أيْ إنّ البيّنة على من ادّعى، فإنّ الآليّة التي اعتمدها المجلس تقوم على أساس أنّ العراق المتّهم بحيازة أسلحة محظورة وإخفائها مُدان حتّى يُثبِت هو نفسه، بدالً من الجهة المدّعية، أنّه قد تخلّص منها، وحتى يقتنع بذلك مجلس الأمن الذي أخضعته أميركا لتأثيرها منذ أواخر الثمانينيات. وبالطبع، فإنّ قناعة مجلس الأمن من قناعة فِرَق التفتيش الخاضعة لسيطرة الأجهزة الأميركيّة والبريطانيّة. وهكذا فإنّ الحَكَم في هذا الشأن هو الخصم نفسه. ومن المفارقات في هذا الشأن أنّ المطالبات الموجّهة إلى العراق الهادفة إلى تدمير أسلحة الدمار الشامل تَبعًا للقرار الذي زعم أنّها بحوزته، والمطالبات الموجّهة إليه أيضًا من أجل تدمير صواريخه البالستيّة التي يزيد مداها على 150 كيلومترًا، قد جاءت بصيغةٍ إلزاميّة محدّدة هي: "المجلس يقرّر"...، بينما وَضع المشرّع الأميركيّ في القرار، من باب "رفع العتب"، الفقرة رقم 14 التي أشار فيها إلى المطالبة المستمرّة للدول العربيّة وغيرها بنزع الأسلحة النوويّة التي بحوزة إسرائيل إشارةً مُبهمة وغير ملزمة وغير محدّدة، بصيغة: "يلاحظ المجلس."... وابتغاءً لدرْء خطر التهديد بالحرب المدمّرة ورفع الحصار الخانق - أو على الأقلّ تخفيفه - بذلت الجهات العراقيّة مجهودًا جبّارًا لتنفيذ متطلبات نزع السلاح الواردة في ذلك القرار. فمن جهةٍ، أكّد العراق لمجلس الأمن التزاماته المتعلّقة ببروتوكول جنيف عام 1925، الخاصّ بحظر استخدام الغازات الخانقة والسامّة ووسائل الحرب الجرثوميّة. ومن جهةٍ أخرى، صدّق، عام 1972 على اتفاقيّة حظر الأسلحة الجرثوميّة (البيولوجيّة) والسامّة. وباشر العراق إجراءاتِه العمليّة لتنفيذ متطلبات القرار قبَيْل وصول فِرَق اللجنة الخاصّة؛ فقامت أجهزته المختصّة بتدمير مخزوناته من الصواريخ المحظورة وتدمير مكوّنات البرنامج البيولوجيّ الذي كان في طور الأبحاث. وكانت هذه الأجهزة تأمل أن تقلّل بذلك من وقت تنفيذ المتطلّبات ومن الوقت المطلوب لرفع الحصار عنه. لكنّ الجهات الأميركيّة والبريطانيّة المهيمنة على فِرَق التفتيش الدوليّة وأنشطتها في العراق، استغلّت الأمر لإطالة أمد التفتيش واختلاق ذرائعَ شتّى زاعمةً أنّ العراق يُخفي أسلحةً وموادَّ محظورة، خصوصًا أنّ الأجهزة العراقيّة لم تقم بتوثيق عمليّة التدمير. فكان على العراق أن يثبت بالأدلّة الماديّة، من جديد، ما دمّره نوعًا وك امّ أبقى هذه المشكلة حتّى بدايات عام 2003. وإلى جانب تلبية مطالب فِرَق التفتيش والتعاون معها في تدمير الأسلحة والموادّ المحظورة وإزالتها، امتثل العراق لقرارات مجلس الأمن، وخصوصًا القرار 715 سنة 1991 المتعلّق باستحداث نظامٍ لمراقبة المؤسّسات العراقيّة والقرار 1051 سنة 1996 لاستحداث آليّة لمراقبة الاستيراد. وقد التبست العلاقات بين الأجهزة العراقيّة وفِرَق الهيئتين بأزماتٍ متواصلة بسبب النهج الاستفزازيّ الذي اتّبعه المفتشون الأميركيّون والبريطانيّون على وجه الخصوص وتعمّدهم اختلاق الأزمات، وقيامهم بأعمالٍ تجسسيّة على أمن العراق وأمن القيادة واتصالاتها، وبسبب تغيير فِرَق التفتيش قواعد العمل باستمرار، وذلك بإخضاع المزيد من المرافق العراقيّة للتفتيش والرقابة بدءًا من سنة 1996 إلى نهاية سنة 1998، والإصرار على تفتيش المواقع العسكريّة والأمنيّة وقصور الضيافة والمكاتب الرئاسيّة. وقد سعى رئيس اللجنة الخاصّة بتلر لتأزيم العلاقة بالعراق وتوفير الأعذار للولايات المتحدة وبريطانيا لشنّ اعتداءاتٍ عسكريّة واسعة ضدهّ. ومن أمثلة تصرّفاته الاستفزازيّة الخارجة عن وظيفته الدوليّة، تصريحه لجريدة نيويورك تايمز في 1998/1/27 بأنّ العراق يمتلك أسلحة جرثوميّة بكميّاتٍ تكفي لإبادة تل أبيب، وأنّه يؤيّد توسيع مناطق حظر الطيران.

وفي أواخر عام 1998 أرسل بتلر تقريرًا، قبل رفعه إلى مجلس الأمن، إلى الرئيس الأميركيّ كلنتن يقول فيه إنّ العراق لا يتعاون في تنفيذ مهمات التفتيش. ثمّ إنّ بتلر أمر بسحب جميع مفتشّي

الأمم المتحدة من العراق. وبعد ذلك بيومين، شنّت القوّات الأميركيّة والبريطانيّة عدوانًا واسع النطاق قصفت فيه بغداد بمئات الصواريخ والقنابل. ومن نتائج هذا العدوان تنامي إحساس العراقييّن بخيبة الأمل وبعدم جدوى التعاون مع فِرَق التفتيش. وفي الأمم المتحدة ارتفعت الأصوات استنكارًا لاستفزازت اللجنة الخاصّة، وتجسّ س فرقها على اتّصالات القيادة العراقيّة، وتحرّكاتها لحساب الولايات المتحدة. وشكّلت لجنة ترأ سها السفير البرازيلي أموريم لمراجعة كلّ جوانب الأزمة بين العراق ومجلس الأمن. إلاّ أنّ المجلس تجاهل ذلك، وأصدر في 17 كانون الأوّل / ديسمبر 1999 قرارًا رقم 1284 تحت الفصل السابع وأعاد تشكيل اللجنة باسمٍ جديد هو "أنموفيك" صادًّا بذلك عن سُبُل المنافذ الضيّقة المتاحة للعراق في القرار رقم 687 عام 1991. وقد رفض ثلاثة أعضاء دائمين الموافقة عليه، ورفضت ماليزيا ذلك أيضًا. أمّا العراق، فرفض التعامل معه لإحساسه بالمرارة، وبإمعان المجلس في تجاهل حقوقه ومعاناة شعبه، ولذلك رفض عودة المفتّشين إلى العراق.

البرنامج الإنساني

بعد بعثة الأمم المتحدة التي ترأ سها الأمين العامّ المساعد للأمم المتحدة مارتي أهتساري إلى العراق، زارت هذا البلد بعثاتٌ أخرى وتعالت في العالم أصô واتٌ تستنكر معاناة شعب العراق بسبب الحصار وآثار الحرب. وكان مجلس الأمن يبحث عن وسيلةٍ لتمويل وكالاتها وهيئاتها التفتيشيّة وغيرها في العراق، لذلك أصدر سنة 1991 القراريْن 706 و 712 اللذين يسمحان للعراق بتصدير كمّياتٍ من نفطه لسداد تكاليف وكالات الأمم المتحدة وهيئاتها ومطالبات التعويض، وشراء موادّ غذائيّة ودوائيّة. وقد رفض العراق التعامل مع تلك الوكالات والهيئات لأنّها تمسّ من حقّه السياديّ في السيطرة على موارده الطبيعية من ناحية، ولمراهنته على اجتناء بعض المكاسب من تلبيته متطلّبات القرار 687 من ناحيةٍ أخرى، فلعلّ هذا الأمر يؤدّي إلى رفع الحصار عنه. وكان العراق قد سعى لاستيراد بعض الموادّ الغذائية بما لديه من أموالٍ مجمّدة في الخارج. غير أنّ الولايات المتحدة انتبهت لذلك فسعت لسدّ هذا المنفذ عليه. وفي المقابل، سعت لتسخير أمواله المجمّدة في تمويل وكالاتها وأنشطتها المفروضة عليه. من أجل ذلك، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 778 في 1992/10/2 تحت الفصل السابع لإلزام الدول التي تحتفظ بأموالٍ مجمّدة للعراق بتحويلها إلى حساب الضمان المعلق Account Escrow. ونصّ ذلك القرار على استقطاع %30 من أموال العراق لسداد مبالغ التعويضات وسداد تكاليف عمل وكالات الأمم المتحدة. وفي 14 نيسان / أبريل عام 1995، تبنّى مجلس الأمن القرار 986 الذي سمح بموجبه للعراق ببيع كمّية من نفطه بقيمة مليار دولار أميركيّ كلّ ثلاثة أشهر لتمويل مشتريات البضائع الإنسانية، ولتسديد التعويضات وتغطية تكاليف وكالات الأمم المتحدة وأنشطتها في العراق. وقد أُطلق على ما استحدثه القرار اسم برنامج "النفط مقابل الغذاء"، لخداع الرأي العامّ بأنّه برنامج إنسانيّ. فكأنّ الأمم المتحدة تتوىلّ إغاثة شعب العراق من ميزانيّتها الخاصّة أو من تبرّعات دولٍ أخرى، بينما يُمَوَّل البرنامج بأكمله - في الحقيقة - من ثروة العراق، بل إنّه قد فُرض عليه تمويل الأمم المتحدة أيضًا.

وقد اضطرّ العراق للتعامل مع هذا القرار والتعاون، في تنفيذه، مع الأمم المتحدة في إطار مذكّرة تفاهم باعتبارها إجراءً مؤقتًا إلى حين رفع الحصار. لكنّ الولايات المتحدة وبريطانيا سعتا لجعله أداةً أخرى لاستنزاف موارد العراق، وأفشلتا الجزء اليسير المخصّص لإغاثة شعبه من أمواله من خلال فرض آليّاتٍ معقّدة وتعويقيّة والسمّاح لعمليّات الفساد والهدر بأن تنخر أموال العراق، بعد أن تكون الأمم المتحدة قد اقتطعت منها عشرات المليارات لتمويل وكالاتها وتغطية نفقات موظّفيها. وقد دفعت هذه الحالة الأمينينْ العامّينْ المساعدين، دنيس هاليداي وهانز سبونيك، والسيدة يوتا بيرغهاردت ممثّلة برنامج الغذاء العالميّ في العراق، للاستقالة احتجاجًا على التعسّف والظلم اللذيْن انطوى عليهما هذا البرنامج.

الأزمة مع مجلس الأمن ومهمات التفتيش عن الأسلحة

بعد العدوان الأميركي - البريطانيّ في نهاية سنة 1998، وتوقُّف العراق عن التعامل مع فِرَق التفتيش، وبعد صدور القرار 1284 في نهاية سنة 1999، وتبدُّد الأمل في رفع الحصار ووقف الاعتداءات الأميركيّة - البريطانيّة اليومية المتواصلة منذ سنة 1991، كان المزاج الشعبيّ والرسميّ يحمل مرارةً شديدة ناجمة عن التعامل مع مجلس الأمن ومع هيئات التفتيش. وفي هذه الفترة تسلّم الإدارةَ الأميركيّة الرئيسُ جورج بوش الابن ومؤيّدوه المحافظون الجدد ذوُو الميول المتطرّفة والارتباطات الإسرائيليّة المعلَنة. ومع هذا التغيير تصاعدت مساعي الإدارة الجديدة لفرض مشروعها للهيمنة الكونيّة، وعدَّت العراق أوّل أهدافها. وفي هذه الأجواء، أجرت القيادة العراقيّة في أواسط عام 2001 تغييرًا جذريًّا في المؤسسة الدبلوماسيّة العراقيّة. فوضعت خطّةً واسعة لمواجهة تطوّرات الأزمة مع الأمم المتحدة، خصوصًا بعد هجمات 11 أيلول / سبتمبر 2001 بينما تصاعدت الدعوات الأميركيّة لتحميل العراق مسؤوليّتها. وأعاد العراق فتح مجالات التعاون مع الأمم المتحدة وجميع وكالاتها ذات الصلة بالعراق بعد التجميد الذي شهدته منذ أواخر سنة 1998. وعقد العراق ثلاث جولاتٍ واسعة من الحوار السياسيّ والفنّي مع الأمم المتحدة وأجهزتها المختصّة بمهمات نزع أسلحة العراق، بين آذار / مارس وتمّوز / يوليو 2002، بهدف البحث عن أرضيّةٍ مشتركة لقيام الطرفين بتنفيذ التزاماتهما بموجب قرارات مجلس الأمن وأحكام ميثاق الأمم المتحدة. وبذل العراق جهدًا واسعًا لحلّ المشاكل المعلّقة مع الكويت. فعقد اتفاق قمّة بيروت مع الكويت في آذار / مارس 2002، وأعاد الأرشيف الكويتيّ. وبدأ في عام 2002 جولاتٍ للحوار معها بإشراف الأمم المتحدة بخصوص موضوع المفقودين الكويتييّن. لكنّ العمل الحاسم الذي قام به العراق على طريق درْء الحرب هو القرار الإستراتيجي الذي اتّخذه يوم 16 أيلول / سبتمبر عام 2002، وذلك حين سمح بعودة مفتشّي الأمم المتحدة دون أيّ شرط، قاطعًا الطريق على محاولات الولايات المتحدة صوغ قرارٍ جديد لمجلس الأمن تستغلّ من خلاله رفض العراق السابق لعودة المفتّشين بفرض شروطٍ ومُهَلٍ تعجيزيّة يتعذّر على العراق تلبيتها، مما يجيز للولايات المتحدة وبريطانيا شنّ الحرب تحت غطاء دوليّ يُضفي الشرعيّة على مشروعهما المتمثِّل في شنّ حربٍ عدوانيّة غير مشروعة. وقد كرّرت الولايات المتحدة مساعيها على النهج نفسِه؛ فقدّمت مشروع قرارٍ في أوائل تشرين الثاني / نوفمبر 2002. لكنّ قرار العراق إعادة المفتّشين ونهج التعاون والتعامل المنفتح والإيجابيّ والواقعي مع ملفّات الأزمة أدَّيا إلى إفشال مساعي الولايات المتحدة وبريطانيا وضغوطهما ومحاولاتهما إقناع الأعضاء الثلاثة الدائمين الآخرين بوضع فقرةٍ لشنّ الحرب على العراق، من دون الرجوع إلى المجلس. وصدر القرار يوم 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2002 تحت رقم.1441 وقد عاد المفتشون بموجب القرار الجديد إلى العراق وبدؤوا عملهم بعد ثلاثة أسابيع. وعملت الجهات العراقيّة بشتّى السُّبل على درْء شبح الحرب من خلال مساعٍ جبّارة لسدّ الثغرات الفنّية في موقف العراق وإسقاط الذرائع التي كانت فِرَق التفتيش تتذرّع بها لتعويق أيّ تسوية للأزمة وإدامة حالة التوتّر على نحوٍ يوفّر للولايات المتحدة وبريطانيا الذرائع لمواصلة الضغوط العسكريّة والاقتصاديّة والسياسية على العراق، ومن ثمّة تسويغ شنّ الحرب عليه. ولقد أفلحت تلك المساعي في إفشال محاولةٍ أخرى في 24 شباط / فبراير 2003 لإصدار قرارٍ من مجلس الأمن يُجيز شنّ الحرب على العراق. وفشلت محاولات أميركا وبريطانيا في ذلك أيضًا. وهكذا لم تجد هاتان الدولتان بدًّا من تنفيذ حربهما العدوانيّة غير المشروعة يوم 19 آذار / مارس 2003 في انتهاكٍ صارخ لقرارات مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدوليّ. وبعد الغزو، اتّضحت اتّضاحًا لا يقبل اللبس، حقيقة كلّ قرارات مجلس الأمن المتعلّقة بفرض العقوبات أو نزع ما سُمِّي "أسلحة الدمار الشامل العراقيّة" وما تفرّع من هذه القرارات واتّصل بها من برامج، وخصوصًا برنامج النفط مقابل الغذاء. فقد كان إلغاء مجلس الأمن، في قراره رقم 1483 في 22 أيار / مايو 2003 إجراءاتِ الحظر، ومن ضمنها لجنة العقوبات المتّخذة بموجب قراره 661 عام 1990 والقرارات اللاحقة ومنها قراره 678 عام 1991، قبل التحقّق من الهدف الذي وُضع له بموجب قراره 687، أي أنّ تدمير كلّ ما اتُّهم العراق بحيازته وإخفائه وتطويره - من أسلحةٍ ومكوّناتٍ ومرافقَ محظورة - وإزالته قد كان دليالً واضحًا على أنّ كلّ القرارات لم تكن حلوالً ناجعة لتصحيح مسار سلوك النظام السياسيّ الوطنيّ في العراق وفقًا للقانون الدوليّ، كما كانت تزعم الدول الراعية لهذه القرارات. بل إنّ تلك القرارات لم تكن - في حقيقة الأمر - إالّ لتهيئة الظروف الملائمة لغزو العراق واحتلاله.