مراجعة كتاب المجال العام الافتراضي في الثورة السوريّة

وسام الناصر

الخصائص - الاتجاهات - آليات صنع الرأي العام

المؤلّف: حمزة مصطفى المصطفى. سنة النشر:.2012 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة. عدد الصفحات: 206 صفحة.

أهمية البحث

ترافقت "ثورات" ما أصبح يعرف ب "الربيع العربي" مع الاستخدام المكثّف لشبكات التواصل الاجتماعيّة الرقميّة؛ إذ تمكّنت هذه الأخيرة من الاستحواذ على جزء من الفضاء الإعلامي العربي، وأدت أدوارًا مختلفة خلال تلك الثورات. لم يكن هذا الاستخدام هو الأول من نوعه، فقد سبق أن كان لهذه الشبكات تأثيرٌ واضحٌ خلال ثورات التغيير التي حصلت في كلٍّ من صربيا وجورجيا وأوكرانيا، كذلك كان لها حضورٌ في التظاهرات والاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2009. كما استُخدمت تلك الشبكات في الحملات الانتخابية وتعبئة الجماهير؛ إذ تعد - في هذا الإطار - الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي باراك أوباما في عام 2008 من أنجح الحملات، لما حققته من نجاحٍ في المواءمة بين الشكل التقليدي للحملات الانتخابية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعيّة.

وهكذا، فإنَّ استخدام هذه الشبكات خلال الربيع العربي كان محط اهتمام الكثير من الأكاديميين والباحثين داخل العالم العربي وخارجه، وسببًا في تعدد وجهات النظر حول طبيعة هذا الدور وفاعليته ومداه. فقد ذهب البعض إلى حدِّ ادعاء أنَّ هذه الشبكات كانت عامالً أساسيًا ومحوريًا في انطلاق تلك الثورات، ولولا وجودها لما كنّا نعيش واقع "الربيع العربي" الآن؛ في حين اكتفى البعض الآخر بالاعتراف بهذا الدور مع التشديد على إعطائه حجمه ومكانته الطبيعيين، دون تقديمه على جملةٍ أخرى من العوامل الاقتصادية والاجتماعيّة والنفسية وغيرها، والتي تشكّل - حسب أنصار هذا الرأي - المحرّك الأهم في اندلاع تلك الثورات. فتقنيات الاتصال والمعلومات لم تكنْ لا حاسمة ولا هامشية في سقوط كل من الرئيسين زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، ويتشابه دورها مع دور الطابعة خلال الثورة الفرنسية عام 1789، ودور أشرطة الكاسيت حديثًا خلال الثورة الإيرانية عام 1979، اللذين استخدما كناقلٍ للمعلومات، ومنسّقٍ لعددٍ من التظاهرات، وبديلٍ للقنوات التقليدية الخاضعة غالبًا لسيطرة الأنظمة. تأتي هذه الدراسة امتدادًا للجدل المذكور سابقًا، محاولة ضبط دور الشبكات الاجتماعيّة الرقميّة وتبيان مداه ومحدداته خلال "الثورة السوريّة"، وهي تعدّ من أوائل الدراسات العلمية باللغة العربية التي تعتمد منهجًا تحليليًا لمحتوى هذه الشبكات، مستفيدةً مما يتركه الفاعلون من آثارٍ خلال عمليات التواصل الإلكترونية. إذ وفّرت هذه الأخيرة مادة بحثية ضخمة وغنيّة ومتنوعة، يسهل الحصول عليها بالمقارنة مع غيرها من التفاعلات التي تجري في الواقع، والتي تتطلب عمالً ميدانيًا مضنيًا. إلا أنَّ "المادة الرقميّة" في الشبكات الاجتماعيّة تتميز بعدم الثبات، وسرعة التغريّ والتبدّل، امّ يتطلب جهدًا متواصالً في المراقبة والمتابعة واعتماد تقنيات ناجعة في جمع المعلومات والمعطيات. أظهر الباحث قدرة واضحة في التعامل مع مادته البحثية ومنهجيّة تحليلها، فقد اختار الجانب التفاعلي في هذه الشبكات، والذي تركّزَ بصورة أساسية على عيّنة من الاستبيانات التي نشرتها الصفحات موضوع البحث وأهمل العديد من المواد الأخرى كالخبر والصورة والفيديو وغيرها. كما أنّه اختار إطارًا زمنيًّا محدّدًا يمتد من 15 آذار/ مارس 2011 إلى 30 كانون الثاني/ يناير 2012، مما سهّل عملية الإحاطة بموضوع البحث وإمكانية تعميم النتائج. كما انطلق الباحث من الفرضية التالية (سنتناول الفرضية بمزيد من التدقيق والتمحيص في نهاية هذه القراءة:) "إن وسائل الإعلام، التي توجه الحيّز العام في سورية، اختطفت من قبل الحيّز العام الافتراضيّ، وبالتالي فإنّ الحّيز العام الافتراضيّ يشكل المورد الأساسي للتفاعلات والتغيرات في القيم والرموز السياسيّة التي تنتج ضمن المجتمع " (ص السوري 16-15).

الإطار النظري للبحث

استعرض الباحث بشكل سريع نظريات الإعلام والاتصال وما أدخلته وسائل الاتصال الحديثة على ماهيّة هذه النظريات، بحيث لم يعد الاتصال عملية مركزيّة تقوم على رسالة إعلامية وعلاقة ذات اتجاه واحد بين المرسل والمتلقي، ليؤدي المواطن-المستقبل دورًا في صناعة الرسالة الإعلامية. وهذا ما عزّزته الشبكات الاجتماعيّة الرقميّة التي ساهمت في تحرّر الجمهور من العلاقة العمودية والسلبية مع المؤسسات التقليدية في المجال العام. فتقنيات الاتصال والشبكات الاجتماعيّة أدت دورًا في إحداث خلطٍ بين مفهومي الحيّز العام والحيّز الخاص؛ أي أنّها وسّعت الأول على حساب الثاني. كما أنّها فتحت الباب واسعًا أمام التعبير والتعبئة السياسية انطلاقًا من القاعدة، إذ تمكّنت تلك الشبكات في بعض الأحيان من تجاوز قدرة الفاعلين السياسيين التقليديين، أو أنتجت فاعلية كبيرة في ظل الأنظمة الدكتاتورية التي تمارس رقابة صارمة على الإعلام التقليدي كما رأينا مؤخرًا في الثورات العربية.

ركّز الباحث على مفهوم الحيّز العام وتعريفاته المختلفة ليصل إلى نظرية المفكر الألماني يورغن هابرماس Jürgen Habermas عن المجال العام، مستخلصًا منها تعريفًا مبسّطًا للمجال العام وهو: "التقاء الناس في منتديات شبه مفتوحة للنقاشات العامة." في الحالة السوريّة، تعدّ الدراسة أن الحيّز العام الوحيد الممكن إيجاده في ظل استيلاء السلطة السياسيّة ومؤسساتها المختلفة على المجال العام هو الحيّز المتمثل "بالنقاشات العامة التي أرست رموزها وسائل الإعلام العربية والعالمية. استقيت هذه الأدبيات والرموز من النقاشات التي تم التفاعل معها في وسائل التواصل الاجتماعيّة" (ص. 27) إذا، وبحسب الدراسة، أنتجت السلطة السياسية السوريّة، بعد رفع الحجب عن الشبكات الاجتماعيّة، "حيّزًا عامًا خارج سلطتها وبإرادتها" (ص. 27) نتساءل هنا عن مدى استقلاليّة هذا الحيّز المطلقة عن السلطة السياسية؟ وهل كان رفع الحجب عن تلك الشبكات قبل انطلاقة الاحتجاجات في سورية قرارًا اعتباطيًّا أم مدروسًا؟ من خلال متابعتنا الدقيقة والمستمرة للتفاعلات والتفاعلات الارتداديّة التي حصلت في الشبكات الاجتماعيّة السوريّة بعد رفع الحجب عنها، وخاصة موقع التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارًا عالميًا وسوريًّا وهو الفيسبوك، نستطيع الادعاء أنّ القرار بجعل تلك الشبكات متاحة للمواطن السوري كان مدروسًا ويحمل أهدافًا محددة. فبالتوازي مع تكاثر الشبكات والصفحات المعارضة للنظام، ظهرت صفحات مؤيدة وبشكل منظّم ومدروس. أشرف على تلك المساحات التعبيرية متخصصون بتقنيات الاتصال والمعلومات، ما أتاح للسلطة السياسية خلق حيّز عام خاص بمؤيديها ومناصريها استخدمته كوسيلة للتعبئة والتجييش ودعم "بروباغندا" النظام. شكّل هذا الحيّز الافتراضيّ بالنسبة إلى النظام تعويضًا عن انعدام فاعلية إعلامه التقليدي ومحدودية انتشاره، ومدخالً لتشكيل حيّز افتراضيّ مضاد مقابل للحيز الافتراضيّ المعارض. ولا بد هنا من التركيز على فكرة أنّ تفاعلات الحيز الموالي تركّزت بمجملها على إعادة إنتاج المحتوى الإعلامي لوسائل الإعلام السلطوية ونشره، بينما استطاع الفضاء المعارض، ولفترة زمنية معينة، إنتاج محتوى إعلامي خاص به، يخدم أهدافه وتطلعاته، لنجد أنفسنا تدريجيًا أمام حيّزين متقابلين يستحوذان على المجال الافتراضيّ السوري، لكل منهما نهجه وقراءته الخاصة بالأحداث، والتي تختلف من حيث المضمون والهدف مع قراءة الفضاء الآخر ونهجه. إضافة إلى ما سبق، فإنّ طبيعة الشبكات الاجتماعيّة الرقميّة وما يتركه الفاعلون من آثار تفاعليّة وتواصليّة، وفّرت للسلطة السوريّة

ولفروع المعلومات التابعة لها إمكانية متابعة الكثير من الناشطين وملاحقتهم واعتقالهم اعتمادًا على بياناتهم وآثارهم التفاعليّة على الشبكات.

شبكات التواصل الاجتماعيّة الرقميّة

أفردت الدراسة مساحة واسعة لدراسة الشبكات الاجتماعيّة الرقميّة وتحليل استخدامها خلال الثورة السوريّة، وصبّت جلَّ اهتمامها على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك. وهذا تركيزٌ مبرّرٌ ومتسقٌ مع الدور الذي قام به هذا الموقع من خلال تنوّع الصفحات التعبيرية واستخداماتها المختلفة، ومع الانتشار والإقبال الكبير عليه لدى شرائح مختلفة من الجمهور السوري. إلا أنّ الدراسة لم تهتم بمفهوم الشبكات الاجتماعيّة ونشأته وتطوره، كما أنّها لم تلْحظ الفرق بينه وبين مفهوم الشبكات الاجتماعيّة الرقميّة وما قدمته هذه الأخيرة لمستخدميها وروّادها من خدمات وميزات.

يعدّ مفهوم الشبكة الاجتماعيّة من المفاهيم الحديثة التي أُدخلت إلى العلوم الاجتماعيّة؛ فتعبير الشبكة استخدم تاريخيًا بمجالات مختلفة سواء في العلوم الطبية (كالشبكة الدموية أو الشبكة العصبية)، وفي مجال النقل (كشبكة المواصلات أو الطرقات)، وكذلك في مجال الاتصالات (كشبكة الاتصالات السلكية أو اللاسلكية وغيرها.) وحديثًا، أُطلق هذا التعبير على الإنترنت (الشبكة أو الشبكة العنكبوتية.) يعد جون بارنز Barnes A. John أول من استخدم مفهوم الشبكة الاجتماعيّة في مقالة نشُرت عام 1954 بعنوان

. قام بارنز ”Class and Committees in a Norwegian Island Parish“ بدراسة ميدانية استمرت لمدة عامين في قرية نرويجيّة صغيرة يقطنها نحو 6004 مواطن، حاول خلالها فهم التنظيم الاجتماعي في هذه القرية من خلال تحليل مجموعة العلاقات التي تربط بين السكان. وهكذا فتح بارنز الباب واسعًا أمام هذا المفهوم ليصبح من المفاهيم الرائجة في علم الاجتماع.

تركِّز معظم تعريفات الشبكات الاجتماعيّة على الطبيعة التفاعليّة والاعتماديّة المتبادلة بين الفاعلين، فهي "مجموعة من العلاقات بين مجموعة من الفاعلين. قد تكون هذه المجموعة منظمة (شركة على سبيل المثال) أو غير منظمة (كشبكة من الأصدقاء)، كما أنّ العلاقات بين الفاعلين قد تكون ذات: طبائع مختلفة (سلطوية، تبادل هدايا، وغيرها)، اختصاصات محددة أو لا، متناظرة أو لا". ارتبط ظهور مفهوم الشبكات الاجتماعيّة الرقميّة بالتطور التقني لوسائل الاتصال والذي مكّن الفاعلين من نقل تفاعلاتهم من الواقع الميداني (وجهًا لوجه) إلى الواقع الافتراضيّ (الاتصال عن بعد وغير المرتبط بمكان محدد.) نستطيع القول إنّ هذا التحول ظهر بشكله الحقيقي مع الشبكة العنكبوتية وما أتاحته من وسائل اتصاليّة غاية في الفاعلية والسرعة، مما حرَّر الفاعلين من الارتباط بمكان أو هوية محددين كشرط للقيام بالنشاط الاتصالي التفاعلي. وعلى الرغم من أنّ الشبكات الاجتماعيّة الرقميّة لم تغ المشهد العام بشكل جذري، فإنّها أنتجت من خلال استخداماتها وميزاتها المتعددة ديناميات وتطبيقات تواصليّة/ تفاعليّة عديدة، كما أنّها خلقت شكالً جديدًا من النزعات أو العلاقات الاجتماعيّة sociability. ومع أنّ هذه الأخيرة لم تُحدث أي تغيير في التمايز بين الروابط القوية strong links والروابط الضعيفة links weak، فإنّ عدد الروابط الضعيفة قد يتضاعف بفضل تطبيقات الإنترنت التفاعليّة. تميّزت الفترة التي سبقت الفيسبوك بظهور العديد من مواقع التواصل الاجتماعيّة مثل Myspace, SixDegrees, Friendster, Flixster وغيرها، وكلٌّ منها يتيح لمستخدميه ميزات وخدمات مختلفة، بعضها استمر بنجاح على الشبكة، ولا يزال يحظى باهتمام جمهور واسع، أما البعض الآخر فقد واجه العديد من المشاكل مما أدى إلى تراجع شعبيته.

يعّد الفيسبوك، الذي يحظى بنحو مليار مشترك، من أشهر المواقع التواصليّة وأنجحها وأكثرها انتشارًا. يعود هذا النجاح للخدمات والميزات المتنوعة والمتبدلة التي يقدمها لمستخدميه. تأسس موقع فيسبوك في شتاء 2004 على يد مارك زوكربيرج Zuckerberg Mark، أحد طلاب جامعة هارفارد الأميركية. وقد استجلب معظم أفكاره من مواقع اجتماعيّة كانت موجودة مسبقًا. كان الموقع، بدايةً، محصورًا بين طلاب هذه الجامعة فحسب، ثمّ أصبح متاحًا لطلاب باقي الجامعات. وقد استفاد الموقع من الغرور الذي يتمتع به الطلاب الذين يدرسون في جامعة من جامعات النخبة، إذ جميع الطلاب في هارفارد يعرفون بعضهم بعضًا أو هم أصدقاء مسبقًا. إذًا، وعلى العكس من جميع المواقع الاجتماعيّة التي سبقته، والتي اعتبرت مكانًا للالتقاء بالغرباء، كان الفيسبوك - بداية - مكانًا للالتقاء بأصدقاء الدراسة. يعدّ الفيسبوك من أكثر مواقع التواصل الاجتماعيّة تميّزًا لما يقدمه من خدمات مختلفة ومتنوعة لمستخدميه. فهو يتيح للشركات ومسوّقي المنتجات إنشاء مساحات خاصة بعملهم تسمح لهم بالتسويق لمنتجاتهم والتواصل مع المستهلكين، وهو ما يسمى بالصفحات الرسمية Pages Official. كما يمكن للمستخدمين إنشاء صفحات اجتماعية عامة تهتم بمواضيع محددة كالصفحات المهتمة بالشعر أو بالفن أو غيرهما، وهذا ما يُعرف بصفحات المجتمع community pages. يضاف إلى ذلك إمكانية إنشاء المجموعات (المفتوحة أو المغلقة) والتي تسمح لمجموعة من المستخدمين التواصل فيما بينهم حول مواضيع محدّدة. وأخيرًا الصفحات الشخصية الأكثر انتشارًا والتي تتيح لكل شخص إنشاء صفحة خاصة به، يتحكم فيها بنفسه، وتقدم له العديد من الخدمات التواصليّة والتشاركيّة. تعدّ الصفحة الشخصية مساحة تعبيرية خاصة بالشخص الذي أنشأها تتيح له نشر ما يريد من أخبار ومعلومات وصور وفيديو وغيرها، على أن لا تتعارض مع الشروط العامة التي يفرضها الموقع، كما تمكنه من الولوج إلى صفحات شخصية أخرى والتفاعل معها وفق معايير معينة تتطور وتتبدل باستمرار. تناول الباحث في دراسته ثلاثة نماذج لما سماه "الصفحات التعبيرية" وهي: صفحة الثورة السوريّة ضد بشار الأسد 2011، وشبكة شام الإخبارية، وأوغاريت نيوز.

قدّم الباحث وصفًا دقيقًا لنشاطات "صفحة الثورة السورية" وتوجهاتها وللتغيرات والتبدلات التي طرأت عليها في المراحل الزمنية المختلفة، معتمدًا على أسلوب الملاحظة والمتابعة الدقيقة، مدعامً ذلك ببعض المقابلات التي أجراها مع عدد من الناشطين والمعارضين السوريين. كما حاول الباحث تتبّع إستراتيجيات الصفحة ومحاولاتها التأثير في خيارات الشارع السوري المحتجّ، وذلك من خلال اعتماده منهجية تحليلية (من حيث الشكل والمضمون) لجملة من الأسئلة التي طرحتها الصفحة على مشتركيها في فترات زمنية متلاحقة. وقد خلص الباحث إلى وجود نزعة قوية لدى مسؤولي الصفحة أو من تتبعهم من النخب السياسية وخاصة شريحة المغترين السوريين، هدفها إعطاء الأولية لرؤيتهم وقراءتهم ومشروعهم السياسي، محاولةً توجيه الرأي العام الافتراضيّ بما يتماشى مع تلك الرؤية. وبنيّ الباحث كيف استطاعت الصفحة التأثير في توجهات متابعيها وقناعاتهم سواء من خلال التحكم في شكل السؤال المطروح، والذي يفضي في أغلب الأحيان إلى احتمالية وحيدة تمحورت حول إسقاط النظام السوري، أو من خلال إغراق المتابع بمادة إعلامية (غالبًا مصوّرة) تعتمد بالدرجة الأولى على إثارة مشاعر المتلقي وعواطفه للتأثير في خياراته وتوجهاته. عمومًا، يرى الباحث أنّ إستراتيجيات عمل الصفحة ومستوى تأثيرها في الشارع المحتج اختلفا من مرحلة زمنية إلى أخرى، وارتبطا بتغريّ ات الظروف الموضوعية للأحداث وتفاعلاتها الميدانية والافتراضيّة. من جهة أخرى، حاول الكاتب إبراز أهم اتجاهات الرأي العام وتبدلاته لدى متابعي الصفحة ومشتركيها، وذلك من خلال اختيار عينة عشوائية لتعليقاتهم (مئة تعليق على عشرة روابط تنشرها الصفحة في كل شهر.) هكذا، ومن خلال هذه التقنية، تمكّن الباحث من رصد

تحولات أو "انحرافات" المتفاعلين مع الصفحة وضبطها خلال المراحل الزمنية المختلفة. فإذا كان الاتجاه العام للتفاعلات خلال الأشهر الثلاثة الأولى تمحور حول مصطلحات الحرية والديمقراطية والإصلاح والمحاسبة وغيرها مما يصب في إطار مطالب التغيير وانتقال السلطة، فإنّ تلك التفاعلات أخذت في المراحل اللاحقة منحنيات مختلفة منها ما هو ذو بعد طائفي تحريضي انتقامي، أو انتقادي ساخط على المعارضة السوريّة وعلى الدول العربية، أو استجدائي راغب في التدخل العسكري الخارجي وبدعم العمل العسكري المسلح الذي بدأه الجيش السوري الحر مطلع عام.2012

أخيرًا، نسجل تحفظًا على ما جاءت به الدراسة حول ابتعاد صفحة الثورة السوريّة عن أي خطاب ذي بعد طائفي، وهو ما منحها قوّة في "الفضاء العلماني السوري" (ص. 60) واقعيًّا، هذا الاستنتاج يمكن القبول به إذا ما حصرناه في الفترة الأولى لانطلاقة الصفحة، ولكن إذا طبّق على المراحل اللاحقة - دائمًا ضمن فترة الدراسة - يصبح مثار جدل واختلاف. فقد عربّ العديد من الناشطين "العلمانيين" الذين التقيناهم عن هذه الفكرة بطرق مختلفة تصب جميعها في إطار عزوفهم عن متابعة الصفحة وفقدان الثقة بها بعد فترة محددة من انطلاقها؛ وذلك لاعتمادها خطابًا ذا بعد طائفي، وإن لم يكن دائمًا بشكل مباشر وصريح. بالمقابل، ترى الدراسة أنّ "شبكة شام الإخبارية " كانت، في مراحلها الأولى، أكثر التصاقًا بمطالب الجماهير المحتجّة ولم تلتزم خطابًا سياسيًّا خاصًا بها، كما أنّها تحررت من التبعية لأيّة قوّة معارضة سوريّة. وتجىلّ دورها في نقل الأحداث معتمدة في ذلك على ما أنتجته من علاقات واتصالات مع ناشطين على أرض الواقع من جهة، وعلى ما أتاحته التقنية الحديثة من إمكانية نقل الرسائل الإعلامية ونشرها. وبذلك شكّلت الشبكة مصدرًا أساسيًا للمعلومة بالنسبة إلى العديد من القنوات الإعلامية وكذلك لصفحة الثورة السوريّة. كما تؤكد الدراسة على أنّ شبكة شام حاولت بدايةً أن تخط لنفسها نهجًا مغايرًا نسبيًّا لنهج صفحة الثورة السوريّة، وقد تجىلّ ذلك واضحًا في تسمية أيام الجمع، فبينما أطلقت صفحة الثورة على جمعة 18 آذار/ مارس 2011 "جمعة الغضب"، وعلى جمعة 25 آذار/ مارس 2011 "جمعة العزّة"، اعتمدت شبكة شام اسمي "جمعة الكرامة" و"جمعة الشهداء" تماشيًا مع إرادة الحراك على الأرض. من جهة أخرى، حاولت شبكة شام أن تؤدي دورًا "تثقيفيًّا" معينًا إلى جانب دورهô ا في نقل المعلومات؛ وذلك من خلالها تغطيتها لما تنشره الصحف المختلفة عن الثورة السوريّة من جهة، ومن خلال تفاعلها مع تصريحات الكثير من الشخصيات الوطنية السوريّة المعارضة ونشاطاتها من دون إبداء اهتمام كبير بالمعارضة الخارجية المؤطّرة في أحزاب وأيديولوجية معينة كالإخوان المسلمين. اعتمد الباحث في دراسته لشبكة شام المنهجية المتبعة نفسها في تحليل صفحة الثورة السوريّة مع تدعيمها بمقابلات مع بعض أعضاء الشبكة وبعض المعارضين السوريين؛ ليخلص إلى أنّ الشبكة بدأت في المراحل اللاحقة إنتاج خطاب سياسي خاص بها، اقترب نسبيًّا من خطاب صفحة الثورة السوريّة. وقد حاولت الشبكة التأثير والتحكم في خيارات المتفاعلين معها واتجاهاتهم من خلال طرحها مجموعة من الأسئلة (المشحونة عاطفيًّا) على غرار صفحة الثورة السوريّة تصب في خدمة خطابها الجديد، والذي يمكن تحديد أهم ملامحه بالآتي: رفض الحوار مع النظام السوري، والدعوة إلى توحيد المعارضة السوريّة في إطار سياسي جامع، والميل إلى تفضيل الاتجاهات الدينية المعتدلة والترويج لها، والتسويق للتدخل العسكري الخارجي كخيار لإسقاط النظام، وطلب الحماية الدولية للشعب السوري. عمومًا،

تخلص الدراسة إلى أنّ إستراتيجية الشبكة في محاولة إعطاء الأولوية لخطابها السياسي الذي التزمته لم تحقق نجاحًا كبيرًا، ولم تستطع أن تحشد تأييدًا جماهيريًا لخياراتها وتفضيلاتها. في معرض تحليله لنتائج التصويت على أحد الأسئلة التي طرحتها الشبكة: "هل تؤيد الإعلان عن ولادة المجلس الوطني السوري الذي تم اليوم بفضل الله تعالى؟" (ص. 79)، والذي صوّت عليه 1398 شخصًا بنسبة %92.8 مؤيد و%7.2 غير مؤيد. استنتج الباحث: "على الرغم من أنّ نسبة المؤيدين للسؤال اتسمت بارتفاع ملحوظ، فإنّ العدد المنخفض نسبيًّا للمصوتين يعدّ مؤشرًا على نزوع لدى الفئات الوسطى والداخل السوري للإحجام عن تأييد المجلس المعلن" (ص. 80) إلا أنّه، وبالمقارنة مع سؤال آخر طرحته الشبكة: "هل أنت مع طلب الحماية الدولية للشعب السوري؟"، والذي حظي بشريحة مصوتة عالية نسبيًّا وصلت إلى 25185، وتوزعت النتيجة بين %35.71 مؤيد، و%64.28 غير مؤيد، نستنتج من خلال ارتفاع نسبة الشريحة غير المؤيدة لطلب الحماية الدولية أنّ المتفاعلين مع الشبكة عندما أرادوا التعبير عن رفضهم أقبلوا على التصويت بشكل واضح وصريح ضد السؤال، ولم يعمدوا إلى مقاطعة السؤال أو الإحجام عن المشاركة. ومن هنا نرى أنّ عدم الإقبال على السؤال الأول لا يمكن اعتباره مؤشرًا لعدم التأييد للمجلس الوطني السوري (وخاصة أن %92.8 من الشريحة المصوتة كانت مؤيدة.) وبناءً عليه، يمكن إرجاع عدم الإقبال هذا إلى أسباب أخرى، منها ما هو تقني بحت متعلق بمدى إمكانية الولوج لشبكة الإنترنت، وبخاصة أنّ نسبة كبيرة من متابعي الشبكة - بحسب الدراسة - هي من الطبقات الوسطى والمثقفة في الداخل السوري. أخيرًا، أفردت الدراسة مساحةً تحليليةً واسعةً نسبيًا لصفحة الثورة السوريّة وشبكة شام، في حين لم تحظ "شبكة أوغاريت" بأي جهد تحليليّ منهجيّ، واقتصرت مقاربة الباحث لهذه الشبكة على بعض أحكام القيمة؛ مثل أنّها "رصينة إلى حدود كبيرة في كيفية تعاطيها مع الحدث بنقله دون توجيهه" (ص 88)، معلاّلً ذلك كونها لا تنشر وجهات نظر أي طرف من المعارضة، ولا تلتزم بشعارات الشارع المحتج أو صفحات الثورة السوريّة. لم تستند هذه النتيجة لأي مقاربة تحليليّة قامت بها الدراسة لمحتوى هذه الشبكة أسوةً بالمنهجية المتبعة في تحليل الصفحتين السابقتين. كما أشار الباحث إلى أنّ شبكة أوغاريت لا تحتوي على أي "إطار تفاعليّ يمكن من خلاله قياس مؤشرات الرأي العام" (ص. 88)، غير أنّ ذلك يتناقض مع ما قام به من تحليل لعيّنة من التعليقات على روابط نشرتها صفحة الثورة السوريّة في فترة زمنية محددة. كان بإمكان الباحث أن يقوم بتحليل مشابه، أو أن يختار عيّنة من مقاطع الفيديو التي نشرتها الصفحة لاستخلاص نتائج يمكن الركون إليها، وخاصة أنّ الباحث ذكر أنّ الصفحة تأتي في المرتبة الأولى بالنسبة إلى عدد مقاطع الفيديو التي تقوم بنشرها.

أثر الخطاب الديني في الثورة السورية

دفع تأخر الحركات الإسلامية في مواكبة الثورات العربية منذ البداية العديد من الباحثين إلى الاعتقاد في تراجع تأثير الخطاب الديني في المجتمعات العربيّة/ الإسلاميّة. إلا أنّ تطورات الأحداث خلال العامين الماضيين أكدت من جديد، حجم المؤسسة الدينيّة وتأثيرها في عمليّة التعبئة السياسيّة والاجتماعيّة، وكذلك في القدرة على التأثير في اتجاهات الرأي العام وخياراته. يختلف تأثير الخطاب الديني من دولة عربية إلى أخرى لأسباب عديدة، قد يكون أهمها طبيعة النظام السياسي وتركيبة البنى الاجتماعيّة وتداخلاتها. ظهر هذا التأثير بوضوح جليّ في حالة الثورة السوريّة نظرًا لاستمرار الأحداث لفترة زمنية طويلة نسبيًّا وما تخللها من عنف وقمع شديدين، وكذلك لفشل المعارضة السوريّة في بلورة خطاب سياسي متماسك وجامع يعبر عن تطلعات الجماهير المحتجة. فكان أن تقدّم الخطاب الدّيني على الخطاب السياسي، وحلَّ (في بعض الأحيان) رجل الدين مكان

رجل السياسة. وكثيرًا ما حمل ذلك الخطاب أبعادًا تحريضيّة - طائفيّة ساهمت تدريجيًّا في خلق ثقافة سياسيّة طائفيّة، تُجذِّر الانقسام العمودي في المجتمع السوري، وتهدد أمنه والعيش المشترك فيه. قسّمت الدراسة الخطاب الديني في الثورة السوريّة إلى ثلاثة مستويات أساسيّة: الخطاب القرضاويّ نسبةً إلى الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والخطاب المتعقلن أو المرشَّد، والخطاب المتسلفن (العرعوري.) وقد تميّز الأخير بالاستمرارية والديمومة، إذ كان الشيخ السلفي عدنان العرعور، المجسّد الأهم لهذا الخطاب، يظهر بشكل منتظم في برنامج "مع سوريا حتى النصر" الذي يُبث عبر قناتي صفا ووصال. كما تميّز هذا الخطاب باعتماده أسلوبًا شعبويًّا قريبًا من المحتجين، مما منحه قدرة تأثيرية كبيرة وفاعليّة في عملية التحكم والتعبئة الجماهيرية. تجىلّ ذلك من خلال المتابعة الجماهيريّة الكبيرة لبرنامجه وما يدور حوله من ردود أفعال في الشبكات الاجتماعيّة، أو من خلال بعض الشعارات والهتافات التأييدية للعرعور والتي ظهرت في العديد من التظاهرات، أو من خلال استجابة المحتجين لدعوات العرعور للتكبير في منتصف الليل أو لقرع الطناجر كأسلوب من أساليب الفعل الاحتجاجي. شكّل الخطاب السلفي هاجسًا مخيفًا لمعظم الأقليات في سورية وخاصة الأقلية العلويّة، وساهمت وسائل إعلام السلطة السوريّة في تضخيم هذه الظاهرة وتعويمها واستغلالها إلى حد بعيد.

دور الحيز الافتراضي في إنتاج خطاب ورموز سياسيّة جديدة

عملت بعض القوى السياسية السوريّة، وخاصة القوى ذات التوجهات الإسلاموية، على إنتاج خطاب سياسي في المجال الافتراضيّ يتسق مع توجهاتها ومشروعها السياسي، محاولةً تعويمه وفرضه على الحراك السوري. وقد استفادت تلك القوى من وجود عدد كبير من كوادرها في الخارج وتمكّنهم من التقنيات الحديثة وتفاعلهم عبر الشبكات الاجتماعيّة. ظهر هذا التوجه جليًّا في النهج الذي اتبعته "صفحة الثورة السوريّة" في تسمية أيام الجمع وما أثاره ذلك من جدل وخلاف في الأوساط الافتراضيّة، كما في الأوساط الواقعيّة.

أنتجت صفحة الثورة السوريّة آلية على الفيسبوك سمحت للناشطين بالمساهمة في التصويت واختيار اسم الجمعة. إلا أنّ هذه الآلية اتسمت بمركزية و"دكتاتورية" معينة، سواء لجهة تفرّد الصفحة بانتقاء الخيارات المطروحة، أو من خلال محاولتها توجيه مناصريها نحو خيار محدد يتماشى مع توجهاتها، ومن ثم تعميمه وفرضه على الحراك وكأنّه خيار وتوجه عام. أكد الباحث هذه الحقائق من خلال محاولته ضبط عمل الصفحة وتتبع آليات التصويت معتمدًا على الملاحظة الدقيقة وتحليل بعض نتائج التصويتات ومقاطعتها مع بعض التوجهات والنزعات المخالفة لنهج الصفحة وتفرّدها. وجد الباحث أنّ التجاذبات الأكبر كانت بين التيارات الإسلاميّة والتيارات العلمانيّة، إذ سجلت هذه الأخيرة أول اعتراض لها على اسم "جمعة العشائر" الذي طرحته الصفحة ليوم 10 حزيران/ يونيو 2011. تكرر هذا الاختلاف مرات عديدة من خلال رفض القوى العلمانيّة لأسماء عدة جُمع مثل "جمعة أحفاد خالد"، أو "جمعة الحظر الجوي" وغيرها. كما بنيّ الباحث التوجهات الإقصائيّة التي عمدت صفحة الثورة السوريّة اتباعها ضد بعض أطياف المعارضة الأخرى، والتي تجّلت واضحة من خلال دمجها خيارين من خيارات التصويت وجعلهما اسامً لجمعة 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 "تجميد العضوية وهيئة التنسيق لا تمثلنا"، على الرغم من أنّ الخيار الثاني حصل على نسبة تصويت منخفضة. هكذا، يمكن القول إنّ عملية تسمية الجمع خضعت

إلى حد كبير لتأثير "أجندة" طرف محدد، استخدمها وسيلةً لفرض توجهاته وتفضيل خياراته السياسيّة. من جهة أخرى، شكّل الحيّز الافتراضي بالنسبة إلى المحتجين ما يشبه "المنتديات الفكرية المفتوحة"، التي أطلقت العنان لمناقشة القضايا السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة المرتبطة بالثورة، وفتحت المجال أمام الشباب السوري (لأول مرة بعد عقود من الجمود والانغلاق) للانخراط في حôراك وحô وار شامل طال ماضي سورية وحاضرها ومستقبلها. في سياق هذا الانفتاح، وتأثرًا بقيم الثورة الليبيّة، ظهرت الدعوات الأولى لتبنّي علم الاستقلال بدالً من العلم السوري الحالي، وبدأ ينتشر تدريجيًّا في أوساط المتظاهرين على الأرض مما دفع صفحة الثورة السوريّة وغيرها من الصفحات الناشطة إلى إجراء استفتاء في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، حاز بموجبه علم الاستقلال أغلبيةً تمثلت ب %85.7 من عدد المصوتين. شدَّد الباحث على أنّ التوجه الرئيس لاعتماد علم الاستقلال جاء من "شخصيات وقوى سياسيّة أغلبها خارج سورية، وتتركز إقامتها في أوروبا، بتبني شعار سوريا أوالً، أي بتحييد سوريا عن دورها العربي والقومي... وإنتاج القطيعة مع الهوية العربية التي يرمز فيها العلم الحالي إلى مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر "... (ص. 134) لم يحدد لنا الباحث الشخصيات والقوى التي سعت لذلك، ولم يحدد لنا أيضًا مصدر هذه المعلومة. هذا ما دفعنا للعودة إلى الأرشيف المتاح عن الفترة الزمنية التي رافقت ظهور الدعوات لتبني علم الاستقلال؛ ولم نجد أي شخصية أو تيار سياسي تحدَّث عن فكرة إنتاج القطيعة مع الهويّة العربية التي يمثلها العلم الحالي، وربما نكون على خطأ. حازت مسألة "عسكرة الثورة"، والانتقال بالحراك من الكفاح السلمي إلى الكفاح المسلّح اهتمامًا كبيرًا وأثارت جدالً واسعًا، أدى إلى ظهور تجاذبات وتناقضات بين أطراف المعارضة نفسها. واختلفت مسألة التسلّح عن مسألتي أسماء الجمع وعلم الاستقلال بكونها انطلقت بداية من رحم الحراك على الأرض، ومن ثمّ تلقفها الحيّز الافتراضيّ وأثّر وتأثّر بها. ومع أنّه من الصعب التأريخ بدقة لأول استخدام للسلاح في الثورة السوريّة؛ فقد أصبح واضحًا، وبحكم الطبيعة الشعبية الريفية التي انطلقت وتوسعت فيها الثورة، أنّ هذا السلاح ظهر مبكرًا، وإن كان بشكل عشوائي غير منظّم. وبناءً عليه، نسوق بعض المعطيات التي تفِّ هذه الصعوبة من جهة، وترجِّح فرضية وجود هذا السلاح واستخدامه من جهة أخرى: استخدام السلاح من قبل السلطات السوريّة منذ اليوم الأول للاحتجاجات، واستمرار استخدامه بطريقة عنيفة أدت إلى سقوط عدد كبير ومتزايد من الضحايا، هذا ما شرعن، بمعنى أو آخر، حق الدفاع عن النفس ورد المظالم. غياب المصادر المحايدة للمعلومة، وبروز بروباغندا الإعلام الرسمي التي سعت ل "شيطنة" المتظاهرين واعتبارهم عصابات مسلحة بداية، ومن ثمّ جماعات إرهابية وسلفية - تكفيريّة تنفّذ أهداف مؤامرة كونية على سورية. بروز ظاهرة اللجان الشعبية الموالية للنظام التي أثارت غضب المحتجين وسخطهم على ممارساتها المهينة والمذلّة، إضافةً إلى سقوط عدد من الضحايا المدنيين والعسكريين الموالين للنظام. انتشار السلاح وسهولة الحصول عليه في الكثير من المناطق السوريّة ذات التركيبة العشائرية وكذلك في المناطق الحدودية. حيث يعدّ تهريب السلاح جزءًا من النشاط اليومي لسكان تلك المناطق وبعلم معظم الأجهزة الأمنية وبالتواطؤ معها. وقد سُجّلت في المراحل السابقة للثورة الكثير من الصدامات المسلحة بين القوى الأمنية وعصابات التهريب في مناطق متعددة مثل الزبداني ومضايا في ريف دمشق، وتلكلخ والقصير في ريف حمص، وإعزاز وباب الهوى في ريف حلب. بروز ظاهرة الاستقطاب الطائفيّ الحاد، امّ أوحى بأنّ المحتجين والمتظاهرين يمثلون انتماءً طائفيًا معيّنًا يناضلون لإسقاط نظام يمثل انتماءً آخرَ مضادًا. وثمة دور لرجال الدين في تجذير هذا الاستقطاب، وهو ما تناوله الباحث في معرض تحليله للخطاب الديني المرافق للثورة. رأى الباحث أنّ مقاربة الشبكات الاجتماعيّة الرقميّة الرئيسة لمسألة التسلّح كان لها نتائج سلبية واضحة على الحراك، سواء من خلال تجاهلها للمسألة في مراحلها الأولى والتعتيم عليها، أو من خلال تضخيمها وتعويمها في المراحل اللاحقة. كما أكّد على أنّ الأُطر التنظيمية التي أنشأها بعض المنشقين كمحاولة ل "مأسسة" العمل المسلّح كانت غير متجانسة من حيث التكوين، وغير مركزية من حيث القيادة.

ظاهرة التنسيقيات وأثرها في الثورة السوريّة

كرّس الباحث الفصل الخامس من الدراسة لمحاولة تتبّع آليات نشوء التنسيقيات المختلفة وضبطها، وللظروف الموضوعية والذاتية التي حكمت عملها، ودورها في الواقع الميداني والافتراضيّ على حد سواء. واعتمد في ذلك على أسلوب (طريقة) المقابلات الشخصية مع عدد من أعضاء تلك التنسيقيات، واستعان أيضًا بأسلوب الملاحظة بالمشاركة، إذ استطاع الدخول إلى بعض المجموعات المغلقة للتنسيقيات على الفيسبوك وحضر بعض اجتماعاتها عبر برنامج السكايب. تناول الباحث مكونين تنسيقيين أساسين هما: اتحاد تنسيقيات الثورة السوريّة، والهيئة العامة للثورة السوريّة، وقدّم وصفًا عامًا لهيكليّة كل منهما وبنيته وآليات عمله، كما تناول المهمات المختلفة التي تضطلع بها تلك الهيئات (مثل تنظيم الحراك الميداني، والمهمات الإسعافية والإغاثية، والحقوقية والتوثيقيّة، والإعلامية، وغيرها)، موضحًا كيف استطاعت أن توفِّق بين الواقع الميداني والنشاط في الحيّز الافتراضيّ وتسخرهما لخدمة الحراك. إلا أنّ الباحث لم يتعمّق في تحليل الخلفية الفكرية والأيديولوجية لتلك الهيئات ومكوناتها المختلفة، وما يمكن أن تُنتجه من تجاذبات واستقطابات واصطفافات قد تؤثر في طبيعة العمل ونوعيته. كما أنّه لم يفِّ لماذا لم تستطع تلك الهيئات أن تؤدي دورًا رياديًّا في إنتاج خطاب ورموز سياسيّة خاصة بها، لتبقى أسيرةً لخطاب بعض صفحات الفيسبوك الكبرى مثل صفحة الثورة السوريّة.

في فرضيّة البحث ونتائجه

أعلن الباحث، كما ذكرنا في بداية هذه الورقة، عن سعي هذه الدراسة لاختبار الفرضية التالية: "إن وسائل الإعلام، التي توجه الحيّز العام في سورية، اختطفت من قبل الحيّز العام الافتراضيّ، وبالتالي فإن الحّيز العام الافتراضيّ يشكل المورد الأساسي للتفاعلات والتغيرات في القيم والرموز السياسيّة التي تنتج ضمن المجتمع السوري." وقد استعان الباحث بتحليل المضمون وبالتاريخ المباشر كإطار منهجي عام للدراسة، مدعاّمً إياه بالعديد من الطرائق والأساليب المساعدة كالمقابلات بشقيها الميداني أو الافتراضيّ، والملاحظة بأنواعها المختلفة (البسيطة، العلميّة، والملاحظة بالمشاركة.) وعلى الرغم من أنّ البحث خلص إلى تأكيد تلك الفرضية وإثباتها؛ فإننا، وبعد محاولة الربط بين عنوان البحث وفرضيته ومحتويات فصوله الخمسة ونتائجه، نسجّل الملاحظات المنهجية والتقنية المترابطة التالية: لم تتسم الفرضية بالوضوح الكافي، إذ أضفى استخدام تعبير "اختطفت" قدرًا من الضبابيّة والغموض عليها. فالقول "إن وسائل الإعلام، التي توجه الحيّز العام في سورية، اختطفت من قبل الحيّز العام الافô رتاضيّ" يحمل في طياته عدة افتراضات. فإمّا أن يكون الاختطاف لا إراديًّا، وهو ما يمكن إرجاعه إلى أسباب عديدة ذاتية وموضوعية تختلف من قناة إعلامية إلى أخرى، أو لأسباب تتعلق بطبيعة الحراك السوري وخصوصيته؛ وإمّا أن يكون الاختطاف إراديًّا، أي أنّه خيار ذاتي اتخذته تلك القنوات (لكل منها أسبابه المختلفة.) وهنا، لم يعد بالإمكان اعتباره اختطافًا، بل إنّه فعل إرادي محض اعتمدته كل قناة بما يتماشى مع أهداف سياستها الإعلامية. ولم يتعمّق الباحث في تناول هذه الفكرة، وإمنّ ا اكتفى في معرض حديثه عن دور وسائل الإعلام بالإشارة إلى تبنّي تلك الوسائل لمخرجات الشبكات الاجتماعيّة الرقميّة، تارةً من دون الإشارة إلى ماهيّته (إرادي أو غير مقصود) (ص 55 و 141)، وتارةً مع الإشارة إلى أنّه قد يكون إراديًّا أو غير مقصود (ص. 128) باعتقادنا، تختلف ماهية هذا التبني وأسبابه من قناة إعلامية إلى أخرى، وإنّ أخذ هذه الملاحظة في الاعتبار كان من الممكن أن ينعكس على نتائج البحث. وهذا ما سنوضحه في الملاحظة التالية. لم تتسم الفرضية بالدقة والتحديد الكافيين، فلم يحدد الباحث مصطلح وسائل الإعلام في فرضيته بدقة، وقصَرَ ذلك على القول بأنّها الوسائل الإعلامية التي "تغطي الثورة السوريّة، والتي استطاعت كسر احتكار الوسائل الإعلامية السلطوية أو القريبة منها، والتي أنتجت التفاعل على الأقل بين فريقين وموقفين من الثورة" (ص. 15) كما أنّه ذكر في متن البحث العديد من القنوات الإعلامية مثل قناتي العربية والجزيرة (ص. 55)، وقنوات الجزيرة - العربية - أورينت - وسوريا الشعب (ص. 58)، وقنوات الجزيرة - العربية - فرانس 24 - وبي بي سي العربية (ص. 162)، وقناة وصال في معرض حديثه عن الخطاب

السلفي (ص. 101)، أو القنوات التي ركنت إلى جانب الثورة السوريّة (ص. 165) هل تندرج بعض القنوات الأخرى ضمن هذا التصنيف مثل بعض القنوات اللبنانية، كقناة الجديد أو قناة Lbc ؟

إذًا، العينة المقصودة بوسائل الإعلام غير محددة بشكل دقيق، وهي بطبيعة الحال عينة واسعة وليس بالإمكان إطلاق تعميم بأنّها جميعها "اختطفت" من قبل الحيّز الافتراضي من دون الركون إلى دراسة تحليليّة لخطابها الإعلامي بالاعتماد على عيّنة محددة بدقة يختارها الباحث (قد تكون قناة واحدة أو قناتين، برنامجًا محددًا من عدة قنوات... إلخ)، أو من خلال دراسة تأثير تلك القنوات في الرأي العام السوري، وهذا يتطلب عمالً ميدانيًا كامالً كما يتطلب منهجًا ملائمًا، هدفه الكشف عن طبيعة تلك القنوات ومدى تأثيرها واتجاهاتها. فالباحث لم يَقُمْ بأي دراسة لتلك القنوات، ولم يشُرْ حتى إلى الطريقة التي راقب بها عمل تلك القنوات خلال مرحلة الدراسة. هل كانت فحسب متابعات عامة لبرامج محددة من تلك القنوات؟ أم اختار مراقبة شاملة للتغطية التي تقوم بها تلك القنوات مجتمعة؟ وهو عمل يتطلب جهدًا ووقتًا كبيرين. إضافةً إلى ذلك، إنّ تكرار الباحث لفكرة أن تلك القنوات تبنّت (سواء بشكل لا إرادي أو مقصود) لمخرجات الحيّز الافتراضيّ، يوحي وكأنّ تلك القنوات عملت بالمنهجية نفسها واتبعت سياسة إعلامية شبه موّحدة تجاه الأحداث المختلفة والمتتابعة (وهذا على الأغلب غير ممكن، أو على الأقل يحتاج إلى البرهنة.) فحتى الباحث نفسه عندما ذكر هذه الفكرة ركز في بعض المواضع على قنوات بعينها من دون غيرها، كقناتي الجزيرة والعربية (ص 55 و 141.) هذا يعني أنّ التبنيّ كان بدرجات متفاوتة تختلف من قناة إلى أخرى لأسباب عديدة. يضاف إليه، أنّ أدوات التغطية الإعلامية للثورة السوريّة اختلفت من مرحلة زمنية إلى أخرى في القناة الواحدة. وهذا ما ذكره الباحث من خلال الإشارة إلى اعتماد بعض القنوات على تقنية البث المباشر والتخلي عن أدبية "شاهد عيان." وهذا الاختلاف سينعكس بالضرورة على أداء القناة ودورها وتأثيرها. إنّ تكرار فكرة التبنيّ تلك في مواضع متعددة من الدراسة - متابعة للملاحظة السابقة - يبُرز ميالً لدى الباحث لقصر دور تلك الوسائل الإعلامية على تبنّي مخرجات الحيّز الافتراضيّ ونقل المعلومة. لكن هذا يتناقض بشكل أو بآخر مع ما جاءت به الدراسة، في معرض تناولها للخطاب السلفي العرعوري، عن الدور المحتمل لقناتي وصال وصفا، وحجم تأثيرهما في الرأي العام (ص. 101-102) كما أنّ هذا يتناقض مع أيّ دور آخر محتمل قد تكون تلك الوسائل الإعلامية أو بعضها قامت به، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار الانتشار الكبير نسبيًّا لبعض تلك الوسائل مقارنة بشبكات التواصل الرقميّة وحجم التغطية الواسعة التي خصصتها للثورة السوريّة من جهة، والأهمية النسبيّة لبعض البرامج الحوارية وجماهيريتها الواسعة (مثل برنامج "الاتجاه المعاكس" أو "حديث الثورة" على قناة الجزيرة)، واستضافتها باستمرار محللين سياسيين ومعارضين وناشطين سوريين، وما يمكن أن ينتجه ذلك من تفاعلات في الواقع الميداني والافتراضي من جهة أخرى. يضاف إلى ذلك مرونة تلك الوسائل الإعلامية وديناميتها، إذ حاولت اللحاق بركب الشبكات الاجتماعيّة الرقميّة، فأصبح لكل وسيلة إعلامية (وأحيانًا لكل برنامج تلفزيوني) صفحة على تلك الشبكات تتحدّث باستمرار، ويتفاعل معها جمهور واسع. بناءً عليه، وفي ظل اقتصار الدراسة على تحليل دور شبكات التواصل الاجتماعيّة الرقميّة وإهمال تحليل أي عيّنة من الوسائل الإعلامية المقصودة، نرى أنّ فرضية البحث تبقى مفتوحة وتحتمل الإثبات كما تحتمل النفي، وأنّ ما قام به الباحث من تحليل يصبُّ أساسًا في إطار تقيصّ دور تلك الشبكات وإيضاح تأثيرها في مسارات الثورة السوريّة وتطوراتها. كما أنّ محتوى البحث جاء منسجامً مع عنوانه وفصوله ومخططه العام، إلا أنّ هذا الانسجام يتضاءل إذا أخذنا في الاعتبار فرضية البحث الُمعلنة. أخيرًا، إنّ الملاحظات والانتقادات السابقة لا تقلل من أهمية الدراسة وأصالتها، ولا تبخس الجهد الكبير المبذول لإنجازها؛ فهي تعدّ رافدًا مهامً للمكتبة العربية، وتتناول بطريقة تحليلية علمية إحدى القضايا الراهنة وتأثيرها في الرأي العام في مرحلة استثنائية تمر بها البلدان العربية.