مراجعة كتاب الث ورة اليمنيّة: الخلفيّة والآفاق

خالد وليد محمود

المؤلّف: مجموعة مؤلّفين. سنة النشر:.2012 الناشر: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات. عدد الصفحات: 944 من القطع الكبير.

متُ ثّل الثّورة اليمنيّة ظاهرةً بارزة في الرّبيع العربيّ، امّ يجعل دراستها وتحليلها والتعرّف على تداعياتها المستقبليّة أمرًا مه على صعيد البحث العلمي، بهدف استنباط الدروس والعبر الفاعلة في واقع اليمن ومستقبله اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وقانونيًّا، خاصّة أنَّ الثّورة قد أفرزت لاعبين جددًا في السّاحة، وظهر فاعلون غير رسمييّن ذوو دورٍ في العمل السياسيّ إلى جانب اللاعبين التقليدييّن في الداخل والخارج. ولأنَّ الواقع اليمنيّ بمكوِّناته الحداثيّة لم يترسّخ بعد، إذ مفاعيل البنى التقليديّة لا تزال حاضرةً في الدولة والمجتمع، ولأنَّ إمكانات اليمن الماديّة أهدرها نظامٌ مثّل وجودهُ عدوانًا على المجتمع، فإنَّ البناء السياسي والاقتصاديّ المقبل يتطلَّب رؤيةً إستراتيجيّة لترتيب نظام الحكم وفلسفته السياسيّة في إطار بناء دولة مدنيّة ديمقراطيّة. من هذا المنطلق، أصدر "المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات" كتابًا عنوانه "الثّورة اليمنيّة: الخلفيّة والآفاق" 94(4 صفحة من القطع الكبير.) وهذا الكتاب شوط جديد في سلسلة الكتب التي تناولت بالدّرس الثّورات العربيّة الراهنة، ويقدّم للقارئ العربيّ معلوماتٍ وتحليلاتٍ غنيّةً تساعد في دراسة المجتمعات العربيّة دراسةً علميّةً معمّقةً من شأنها الإسهام في بلورة أفكارٍ ونظريّات عن بناء الدولة الحديثة بعد سقوط نظم الاستبداد. شارك في كتابة أبحاث هذا الكتاب الذي يتناول أربعة فصول أساسيّة، أحد عشر باحثًا، هم: قادري حيدر، وعبد السلّام المحطوري، وعبد الباري الطاهر، وعيدروس النقيب، وفضل الرّبيعي، وعبد الله العاضي، وعلي الوافي، ومحمّد الأفندي، وعبد الكريم غانم، ويحيى الريوي، وماجد المذحجي. وحرَّره وساهم فيه فؤاد عبد الجليل الصلاحي. وتناول هؤلاء الثّورة اليمنيّة بمقدِّماتها ومجرياتها ومقاصدها. ودرسوا مسألة نشوء الدولة في اليمن، والتفاعلات الإقليميّة والدوليّة تاريخيًّا، والمجتمع المدنيّ اليمنيّ ودوره في الثّورة، والتحدّيات التي تواجه الثّورة، والحراك الجنوبيّ ومخاطره، والاقتصاد اليمنيّ، والقبيلة اليمنيّة وموقعها في التّغيير السياسيّ، وفئة الشباب ووسائل التواصل الاجتماعي.

المسار التاريخيّ

يتطرّق الفصل الأوّل إلى المسار التاريخيّ في تشكّل الدولة اليمنيّة وتعقيدات العبور لهذه الدولة وفق عبء الحمولة التاريخيّة لمفاهيم السلطة والقبيلة والإمامة التي أعاقت تبلور فكرة الدولة وتطبيقاتها مع العلم أنَّ اليمنييّن قد عرفوا شكالً من أشكال الدولة في إطار الحضارات السّابقة (سبأ، معين، حمير، وقتبان.) لكنَّ التعقيدات الكبيرة رافقت مسار بناء الجمهوريّة الأولى منذ عام 1962. وتدخّلت في هذا المسار عوامل كثيرة أعاقت بناء الدولة، إذ ظهرت ملامحها العامّة وشكلانية مؤسَّساتها. ومن هنا جاءت ثورة الشباب لإعادة الاعتبار للدولة فكرةً وواقعًا في آنٍ واحد والعبور إلى مسار الجمهوريّة الثانية. فكانت التدخلّات المناهضة محليًّا وخارجيًّا كحجم التدخلّات السّابقة نفسه، ورمبّ ا أكبر قليالً، خاصّةً أنّ اليمن قد تعرّض ولا يزال لتدخلّاتٍ إقليميّة ودوليّة متعدِّدة ومتنوِّعة وفقًا لجغرافيّته المتميِزة، وقربه من مواقع النفط ذات الأهميّة للاقتصاد العالمي.

وحاول الباحث فؤاد الصلاحي الإشارة إلى المسار الذي حكم سياق تشكّل الدولة اليمنيّة التي كانت في إطار ترتيب توافقيّ تارةً، وفي إطار غلبة القبيلة وأحادية المذهب والمرجعيّة تارةً أخرى، ومع انقلابات العسكر وهيمنة الحزب الواحد. كلّ ذلك يعكس مساراتٍ في قيام الدولة منذ المجتمع اليمنيّ القديم مرورًا بالعصور الوسطى وحتى اللحظة الراهنة. ويرى الصلاحي أنَّ مفهوم الدولة لدى الحركات السياسيّة والاحتجاجيّة يتّضح، وتتحدَّد دلالاتها البنيويّة ومنظومتها الثقافيّة للمرّة الأولى منذ خمسين عامًا. لكن يبقى مسار التحقّق العملي لهذه الدولة مرهونًا بقوّة الضّ غط الشعبي لإنجاز مسار التّغيير الثوريّ، وبعدم التفاف الأحزاب والنخب السياسيّة باتجاه إعادة إنتاج النّظام السّابق.

المحور السياسيّ

تضمّن القسم الثاني الخاصّ بالمحور السياسي طبيعة نظام الحكم القادم في اليمن والتحدّيات التي تواجهه، خاصّةً من ناحية انقسام المؤسّسة العسكريّة ومخاطر نزعات الانفصال والحركة الحوثيّة ذات

الارتباط الدينيّ وفق إطار مذهبي، مع بروز فاعليّة الحراك الجنوبي السلميّ ومطالبه المعلنة بفكّ الارتباط. وتضمّنت الأوراق قراءةً أوليّةً لهذين المسارين ونزعاتهما، بتناول هادئ وموضوعي للطبيعة الإشكاليّة للموضوعين، إذ تدخّل المحرِّر في ضبط ورقتَي العمل وفقًا للمنهجيّة المحدَّدة لهدف الندوة، ووفقًا لمضمون الورقتين من دون التعبيرات ذات الطابع الانفعالي. وتضمَّن القسم الثّالث الخاصّ بالمسار الاقتصادي إشكالات المسألة الاقتصاديّة وما تفرزه من مشكلات اجتماعيّة متمثِّلة بتزايد معدلّات الفقر والبطالة في إطار تحدّيات موضوعيّة لهذه المسألة من خلال طريفَ المعادلة، شحّ الموارد وزيادة معدّل النموّ السكاني، إضافةً إلى قضايا الفساد وإهدار المال العامّ المرتبط بضعف مؤسّسات الدولة وآلياتها القانونيّة التي تعكس غيابًا للإدارة الرشيدة في الدولة والحكومة. وهنا تضمّنت الأوراق نزعة تفاؤليّة في إطار الاهتمام الدولي والإقليمي بدعم مسار التحوّل الاقتصادي وفق رؤية جديدة تعتمد منهجيّة الشراكة بين الدولة والقطاع الخاصّ والمجتمع المدني مع مراقبة فاعلة للمانحين، والتأكيد على أهميّة تلازم المسارين السياسي والاقتصادي، لأنَّ ك منهما يدعم الآخر؛ فالاستقرار السياسي يتطلَّب تحسّنًا في الظروف المعيشيّة وحضور الخدمات الأساسيّة التي تتطلَّب قدرًا من حضور الدولة وآليّاتها في فرض الأمن والاستقرار وإعادة تهيئة بيئة استثماريّة ملائمة تُوسِّع قاعدة اليمن الاقتصاديّة، ولا تعتمد على النفط فحسب مصدرًا أحاديًّا للدخل، بل تستثمر إمكانات البلاد بمواردها المتعدِّدة بشريًّا وجغرافيًّا. إضافةً إلى إقرار أصدقاء اليمن بالدعم المالي استنادًا إلى حضورهم الفاعل في ترتيبات الحلِّ السياسي وفق المبادرة الخليجيّة.

المحور الاقتصاديّ

قدّم المؤلّفون في الفصل الثالث من الكتاب الذي يتضمّن المحور الاقتصادي، عرضًا مطواّلً ومراجعاتٍ مسهبة عن الاقتصاد اليمنيّ الذي عُولج من خلال ثلاث أوراقٍ بحثيّة؛ الأولى بعنوان "بنية الاقتصاد اليمنيّ والتحدّيات التي تعترض مساره وتطوّره" للباحث عبد الله العاضي الذي حلَّل البنية الرئيسة للاقتصاد اليمنيّ والتحدّيات التي يواجهها من جانب الموارد الاقتصاديّة والبشريّة، وكذلك الوسائل اللازمة للتغلّب على تلك التحدّيات المختلفة. والثانية، للباحث علي الوافي، وعنوانها "دور القطاع الخاصّ في عمليّة التطوّر الاقتصادي في المرحلة المقبلة." تساءل فيها عن التحدّيات والصعوبات التي تواجه القطاع الخاصّ في ظلّ الأوضاع السّابقة، فقد أصبح مناخ الأعمال والاستثمار طاردًا بسبب غياب الحكم الرّشيد، وغياب الإدارة الجيّدة، وضعف الخدمات العامّة، وضعف البنية التحتيّة، إضافةً إلى تشكّل شبكات مصالح غير مشروعة أعاقت تنامي دور القطاع الخاصّ، وبسبب هيمنة القرار السياسي المرهون بمصالحه الضيِّقة والأنانية. وهو ما يتطلَّب الآن إجراء تحولّات عميقة على صعيد بناء الحكم الجيّد، وإجراء الإصلاحات الاقتصاديّة الجوهريّة التي تؤمِّن الاستقرار المالي، واستقرار الاقتصاد الكيلّ، وتعمل على تحسين السّياسات الاقتصاديّة لخلق بيئة الأعمال الملائمة، وضمان وجود مناخ استثماري مواتٍ لزيادة الاستثمارات الخاصّة التي سوف تدفع عمليّة النّموّ الاقتصادي إلى الأمام. وهو ما يمكن أن تفعله ثورات الرّبيع العربيّ في بلدانها، ومنها اليمن.

أمّا الورقة الثالثة، فهي للباحث محمّد الأفندي بعنوان "شركات اليمن في التّنمية... الشركاء الإقليميّون والدوليّون"، وقد عالج فيها الإشكاليّة الأساسيّة التي يواجهها اليمن في التناقض بين كفاية الموارد الذاتيّة ومتطلّبات تمويل التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة المرغوبة والتّنمية البشريّة المستدامة والنّموّ الاقتصادي اللازم لمجابهة مشكلة الفقر والبطالة، بما يحقِّق الاستقرار الاقتصادي والسلّام الاجتماعي. وتغدو الإشكاليّة أكثر حدَّةً في ظلّ سوء إدارة الموارد العامّة بسبب الفساد السياسي والاقتصادي والمالي وضعف البناء المؤسَسّي للدولة، وهو ما قاد أيضًا إلى سوء توزيع ثمار التّنمية والنموّ جغرافيًّا وبشريًّا. وكما يرى الأفندي، كان للتطوّرات السياسيّة والأمنيّة تأثيرٌ كبيرٌ في زيادة حجم التحدّيات التي تهدِّد مستقبل اليمن واستقراره السياسي وأمنه الاقتصادي والاجتماعي. كان لهذه التداعيات أثرها الكبير في زيادة وتيرة شركاء اليمن وأهميّتهم في هذه الفترة الحرجة من تاريخه. لقد حلَّل الأفندي دور شركاء اليمن في التّنمية وقيَّمه، خاصّةً في إغلاق فجوة تمويل التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة المستدامة؛ إذ

عرض واقع هذه الشراكة ومحدِّداتها وأبعادها وأولويّاتها وآفاقها في المستقبل، وناقشه في هذه الفترة الحرجة من تاريخ اليمن، خاصّةً الفترة من عام 2006 إلى 2011.

المحور الاجتماعيّ

وأخيرًا يأتي القسم الرابع الخاصّ بالمسار الاجتماعي والاقتصادي الذي يتضمّن التعريف بالقبيلة مكوّنًا رئيسًا في المجتمع، وتداخُل موقفها وموقعها من ثورة الشباب وتناقضهما؛ إذ وُجد الترحيب بدورها الدّاعم للثورة مع وجود الهواجس من أدوار شيوخ القبيلة ومطامحهم السياسيّة المستندة إلى تحالفاتٍ عديدة، محليّة وخارجيّة. وهنا أيضًا يجري الحديث عن فاعليّة الشبّان في تفجير الثّورة، فالنّظام لم يستوعب قدراتهم، وتفاجأ بقوّتهم وإمكانات فعلهم السياسي والثوري، خاصّةً مع تزايد استخدامهم وسائط التواصل الاجتماعي التي كانت فاعلة في التعريف بالثّورة وخلق رؤية ساعدت في دعم المسار الثوري. يُختتم الكتاب بالإشارة إلى مسار التحدّيات القاسية التي واجهت الثّورة اليمنيّة، والظروف التي تعاملت معها. فالوضع الذي واجهته الثورة نموذجٌ بالغ الدلالة على عبء الاستبداد والميراث الطويل من الممارسات الشموليّة والتدخلّات الخارجيّة التي أفسدت السّياسة في اليمن، وضربت المكوِّن الوطني الجامع فيه. ومع ذلك، نجحت الثّورة في كسر الرشّوط القاسية المحيطة بها، مستفيدةً من المناخ الإيجابي والحماسي الذي ولّده "الرّبيع العربيّ" في المنطقة. فقد تعاملت بطريقة جيّدة مع فرص الحشد والتعبئة الاجتماعيّة واستخدام أساليب النضال المدني في مواجهة الأدوات القمعيّة التي استخدمها النّظام في محاولة إجهاضها. وتمسّكت بخيار السلميّة باعتباره منطلقًا وعنوانًا أساسيًّا لصناعة التّغيير الذي تنشده. تتّسم فصول الكتاب عمومًا بالموضوعيّة وروح المسؤوليّة عند الباحثين، ليس بسبب انتمائهم لليمن، بل لأنَّهم صنّاع الكلمة المسؤولة التي تع عن واقع بلادهم ومسار تحوّله. ومع الاعتراف بالتباين في أطاريحهم - وهذا أمر طبيعي وضروري - فقد انتهوا إلى ضرورة إنجاز التّغيير السياسي وفق مسار الثّورة، وإعادة الاعتبار للدولة وبنائها وفق أسسٍ وآليّاتٍ جديدة متُ كِّن اليمنييّن من العبور نحو القرن الحادي والعشرين بكلّ تجلِّياته المعرفيّة والحضاريّة. فالدولة اليمنيّة المقبلة محلُّ إجماع بين المثقّفين والسياسييّن والعامّة. لكن الاختلاف قائمٌ بشأن الترتيبات السياسيّة الخاصّة بالنّظام السياسي. هنا تظهر أطاريح الفدراليّة بين إقليميَن أو عدّة أقاليم، مع أهميّة الإشارة إلى التّغيير في مركز الرئاسة بالتحوّل نحو نظامٍ برلماني وفق نظام الغرفتين، مع التركيز على أنَّ الجميع أقرّ بفاعليّة فئة الشباب ومحوريّة وجودها السياسي في المشهد الراهن وتصدّرها له، وأنَّ اليمن في لحظةٍ مفصليّة لا مجالَ فيها إالّ لإكمال مسار التّغيير مهما كانت التضحيات والتحدّيات.

يمثّل كتاب الثّورة اليمنيّة تعبيرًا من المشاركين في إعô داده عن تقديرهم لفاعليّة فئة الشباب وتضحياتها، وإيمانًا بضرورة أن تكون الرؤى والاستنتاجات علاجًا حقيقيًّا لأزمات اليمن، من أجل تحقيق ما أعلنه الشبّان في ساحات الحريّة والتّغيير، واقتناعًا بأنَّه لا مناصَ أمام اليمنييّن إالّ التطوّر والنهوض والتّنمية، فالبديل هو خروج اليمن من التاريخ. يقدّم هذا العمل الفكري مدخالً مه للكتابة الموسّعة عن تاريخ الثّورة اليمنيّة ومسارها، بل عن الدولة والمجتمع في اليمن. ويأمل الباحثون أن يستفيد صنّاع القرار في اليمن من مضمون الكتاب ونتائجه. فهذه البحوث تشكِّل باقةً علميّةً غايتها التحليل الموضوعي لمسارات الثّورة اليمنيّة وآفاقها، استنادًا إلى المعرفة النقديّة لمكوِّنات المجتمع اليمنيّ السياسيّة والقبليّة والبشريّة. يتضمّن كتاب "الثّورة اليمنيّة: الخلفيّة والآفاق" الكثير من الرؤى والأفكار التي يتحاور بشأنها السياسيّون والمثقّفون باستمرار. وما تناوله من محاورَ يُدخل القارئ والمهتمَّ في نقاشٍ حادٍّ مع الكتاب، رفضًا لمحتواه أو تأييدًا له، أو رمبّ ا بين هذا وذاك. لك أن تختلف معه، أو تتّفق. لكن يبقى غرض الكتاب، كما عربّ عنه محرّره فؤاد الصلاحي، "مدخالً مه للكتابة الموسعة عن تاريخ الثّورة اليمنيّة ومسارها وعن الدولة والمجتمع في اليمن"، خاصّةً أنّ ثورةً بحجم ثورة اليمن، تستدعي أن يقف عندها المفكِّرون مليًّا.