مراجعة كتاب أزمة الحكم في السودان: أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة؟
المؤلّف: عطا الحسن البطحاني. سنة النشر:.2011 الناشر: مطبعة جامعة الخرطوم. عدد الصفحات: 944 من القطع الكبير.
يضم هذا الكتاب مجموعة من الأوراق العلمية التي سبق أن كتبها المؤلف واشترك بها في مؤتمرات وورش عمل داخل السودان وخارجه، وقد وجد بعض هذه الأوراق طريقه إلى النشر في دوريات علمية، وصدر بعضها الآخر في كتبٍ محررة. ولقد رأى المؤلف، كما ورد في مقدمته، أن يقوم بجمعها ووضعها في هذا الكتاب. مؤلف هذا الكتاب، كما عرّفه الناشر على الغلاف الخلفي للكتاب، أستاذٌ بقسم العلوم السياسية، التابع لكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بجامعة الخرطوم. ويمكنني أن أقول في بداية هذه المراجعة، أنّ المؤلف قد قدم في كتابه هذا جهدًا علميًا مقدرًا في تشخيص كثير من الجوانب المهمة لأزمة الحكم الوطني في السودان؛ وهي أزمة مزمنة ظلت تتفاقم باطّراد عبر مدى زمني قارب الستين عامًا. مثلت هذه الأعوام الستون، في جملتها، عمر استقلال القطر السوداني عن الحكم البريطاني. وعبر كل هذه المدة الزمنية الطويلة، عجزت النخب السياسية السودانية عن خلق دولةٍ وطنيةٍ آمنةٍ مستقرة، دع عنك دولة ناهضة نامية. بل شهد عام 2011، وهو العام الذي صدر فيه هذا الكتاب، انفصال جنوب السودان عن شماله، نتيجة لاستفتاء لتقرير المصير، جاءت نتيجته كاسحةً في مصلحة الانفصال. وخلافًا لما توقعه كثيرون، لم يُنه انفصال الجنوب الحرب الطويلة في السودان، وإنما انتقل الصراع إلى أقاليم جديدة، إذ زحف من أطراف القطر البعيدة ليقترب من مركز الدولة، وليزيد من احتمالات تفتت ما تبقى من التراب السوداني. يقول مؤلف الكتاب، في مقدمته: وبالرغم من التأمين على أنّ هنالك قاسامً مشتركًا بين أوراق وفصول هذا الكتاب إلا أنّه ينبغي لنا الإشارة أيضًا إلى أنّ طبيعة وأسلوب الأوراق تختلف من ورقة لأخرى. فبعض الأوراق أخذ الطابع الأكاديمي، باعتماد مادة البحث مع توثيق المصادر، وجاء البعض الآخر، وهو قليل، أقرب إلى النظرة الخاطفة من علٍ لمجمل ما يجري على الأرض، كما أنّ هناك بعضًا آخر يجمع بين الطابعين (ص. 11) يقول المؤلف في مقدمته أيضًا: "في واقع الأمر كل الأوراق التي جمعتها هنا وحولتها لفصول في هذا الكتاب تناولت أوضاعًا سبقت، إلا أنّ جوهر ما لمسته لا يزال فاعالً وماثالً، بحسب مثول الأزمة السياسية" (ص. 12) ويلخص المؤلف ما يراه إضافة نوعية قدمها هذا الكتاب في قوله في المقدمة أيضًا: إن كتلة القوى المسيطرة تاريخيًا عجزت عن الجمع بين مكونات البلاد، بما يؤدي إلى وحدتها ونهضتها. ويضيف قائالً: غير أنّ ترديد هذا القول يصبح، في ضوء حقائق الواقع الماثلة، مجرد تحصيل حاصل. ولذلك يرى المؤلف أنّ تقديم الحيثيات التي تبرهن على الزعم بأنّ الكتلة المسيطرة عجزت عن توحيد مواطني القطر، كما عجزت عن العمل على نهضته، هو المهم؛ لأنهّ بإبراز الحيثيات، لا يكون الحديث جزافًا، وإنما يكون حديثًا مؤسسًا تأسيسًا علميًا، ومبنيًا على توثيق بحثي. ويضيف المؤلف أنّه في سبيل أن يجعل هذا الكتاب خادمًا لهذا الهدف، فإنّه قد جعل كل فصلٍ من فصول الكتاب يقدم إضافةً وميزةً نسبية (ص. 13) وأوافق المؤلف في زعمه هذا، فالكتاب في نظري، واحدٌ من الكتب القليلة التي كتبها الكتاب السودانيون وأصابت قدرًا كبيرًا من النجاح في مناقشة الأزمة السودانية، بسبب تركيزها على القضايا المحورية للأزمة السودانية. إضافة إلى ذلك انتهج المؤلّف نهجًا علميًا، استصحب معلوماتٍ إحصائية، أسهمت في إيضاح إشكالية الإخفاق في ترتيب الأولويات في إدارة الدولة السودانية عبر فترة ما بعد الاستقلال، ما يعكس جانبًا مهامً جدًا من جوانب الأزمة، ويعطي المناقشة صدقية علمية. إنّ لغة الكتاب جاءت في مجملها مغايرةً للغة الخطاب السياسي اليومي، ولغة الكتابة الصحفية، وهي اللغة التي طغت على غيرها في تناول الأزمة السودانية المزمنة. وهذا أمر تؤكده كثيرٌ من الكتابات السودانية التي تناولت أزمة الحكم المزمنة في السودان.
فكر النخب الحاكمة ومشكل الهوية
تناولت الورقة التي تمثل الفصل الأول، فكر الطبقة السياسية الحاكمة بين أزمة المرجعية ومأزق العالمية. كما تناول الفصل الثاني المفاهيم المتعلقة بالذاتية والهوية السودانية. وكما هو واضح من عنواني الفصلين مدى التداخل بينهما، يرى المؤلف أنّ تيارات فكرية كبرى تضم نماذج متباينة ومتقاطعة داخلها، هي التي تتجاذب الطبقة
السياسية الحاكمة في السودان. ويقول إنّ هذه التيارات تتمثل في: الديني الإسلامي، والاشتراكي العلمي/العلماني/المدني، والقومي العربي/ الأفريقي. ويجد هذا التقسيم الذي قدمه المؤلف صدقيته في المسار العملي للتجربة السياسية السودانية، لفترة ما بعد الاستقلال. فقد عاش السودان في الفترة التي أعقبت الاستقلال 1958-1956() تجربته الديمقراطية الأولى. غير أنّ تلك التجربة جرى تقويضها بانقلاب الفريق إبراهيم عبود في تشرين الثاني/ نوفمبر 1958، نتيجة خشية حزب الأمة من سيطرة مصرية على مسارات السياسة السودانية. فقد حدث شرخٌ في الائتلاف الحاكم وقتها، كان طرفاه حزبا الأمة؛ وهو حزب استقلالي، وحزب الشعب الديمقراطي؛ وهو حزب موال لمصر. غير أنّ تقاربًا جرى بين الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي تحت الإيعاز المصري، وظهر أنّ هذا التكتل في طريقه لإخراج حزب الأمة من معادلة الحكم. ولذلك اختار رئيس وزراء حزب الأمة، عبد الله خليل، تسليم السلطة إلى الفريق إبراهيم عبود (ص 57.) منذ تلك اللحظة الفارقة، دخل السودان في سلسلة الانقلابات العسكرية التي كلفته معظم سنوات استقلاله. وبعد ست سنوات من حكم الفريق عبود العسكري، قامت الثورة الشعبية في تشرين الأول/ أكتوبر 1964 فأطاحته، وعاد النظام الديمقراطي من جديد. غير أنّ فترة الديمقراطية الثانية هذه شهدت ارتفاع شعار "الدستور الإسلامي"، بواسطة جبهة الميثاق الإسلامي، التي كان يتزعمها الدكتور حسن الترابي. ونتيجة لبروز الشيوعيين في الانتخابات التي أعقبت ثورة أكتوبر كقوة نامية وصاعدة، وذات تأثير كبير في الحراك النقابي، استغل الإسلاميون حادثةً منعزلةً جرت في معهد المعلمين العالي؛ إذ أساء أحد الطلاب في ندوة عامة للبيت النبوي، فقام الإسلاميون بتحريك الشارع وإشعال موجة من الغضب الشعبي ودعوا إلى حل الحزب الشيوعي، وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان، وحرمانه من العمل السياسي. وتبع قادة الحزبين الكبيرين التقليديين الأمة والاتحادي، الإسلاميين في ذلك المنحى. فجرى تعديل الدستور وتقويض أهم مواده، وهي المادة المتعلقة بحرية التنظيم. وبناءً عليه، تم طرد نواب الحزب الشيوعي السوداني من البرلمان. ونتيجة لسوء الممارسة الديمقراطية في فترة الديمقراطية الثانية 1969–1964() جرى انقلاب 25 مايو بقيادة العقيد جعفر محمد نميري الذي حل الأحزاب وانتهج نهجًا قوميًا عربيًا دعمه فيه الشيوعيون. وبعد عامين اختلف الشيوعيون مع نميري وقاموا بانقلاب عسكري أسموه انقلابًا تصحيحيًا في 19 تموز/ يوليو 1971. غير أنّ الانقلاب فشل بعد ثلاثة أيام فقط، ما قاد إلى إعدام أهم قيادات الحزب الشيوعي السوداني. يتضح من هذا السرد الموجز لتلك الفترة أنّ السودان قد جرّب حتى نهاية فترة حكم الرئيس جعفر نميري في نيسان/ أبريل 1985، النظام الديمقراطي ذا المرجعية الغربية، كما جرّب التوجه القومي العربي المسنود بقوى اليسار والحزب الشيوعي السوداني. أما السنوات الأخيرة لنظام جعفر نميري، فقد شهدت دخول الإسلاميين بقيادة الترابي شركاء مع نميري في الحكم، ما قاد نميري وشجعه على تبني مشروع الدولة الإسلامية، ومن ثمّ إعلانه تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في أيلول/ سبتمبر 1983. ولكنّ هذه الحقبة، لم تستمر سوى عامين فقط، قامت بعدهما انتفاضة نيسان/ أبريل 1985، التي أسقطت نظام جعفر نميري. إذن، يدلل المسار التاريخي للحراك السياسي السوداني لحقبة ما بعد الاستقلال، ما ذهب إليه الكاتب، من أنّ القوى السياسية السودانية انقسمت على عدة تيارات، هي: اليسار العلماني المدني، وقد مثّل الشيوعيون ونصراؤهم هذا المنحى، والقومي العروبي وقد تجلى ذلك في الفترة الأولى من حكم الرئيس نميري، ثم الإسلامي الذي جسّدته مشاركة الدكتور الترابي لجعفر نميري في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، إضافةً إلى فترة حكم الرئيس عمر حسن البشير، التي توشك الآن أن تصل إلى أربعة وعشرين عامًا، وهي أطول فترة عاشها نظام حكم جاء عن طريق الانقلاب العسكري في السودان.
بسقوط نظام جعفر نميري في عام 1985، عادت الديمقراطية للمرة الثالثة، وجرت انتخابات عامة في عام 1986 دللت نتائجها على تغيرات كبيرة في الخريطة السياسية؛ فقد حصلت الجبهة القومية الإسلامية بقيادة الدكتور الترابي على 51 مقعدًا، في حين حصل حزب الأمة على 99 مقعدًا، والاتحادي الديمقراطي على 63 مقعدًا. وبهذا أصبح الإسلاميون قوة زاحفة مهددة لشعبية الحزبين التقليديين
الكبيرين. ولتبيين النقلة الكبيرة التي أحدثها الإسلاميون، لا بد أن نشير إلى أنّ الإسلاميين لم يحصلوا في انتخابات عامي 1965 و 1968 على أكثر من 3 مقاعد فقط في كل منهما. أما الشيوعيون الذين حصلوا في انتخابات عام 1965 على 11 مقعدًا، وفي انتخابات عام 1968 على 10 مقاعد، فقد تراجعت أعداد المقاعد التي حصلوا عليها في انتخابات عام 1986 إلى 3 مقاعد فقط. وفي الفصل الثامن الذي ناقش فيه المؤلف تغيرات الخريطة السياسية بناء على المعلومات الإحصائية المهمة جدًا التي أوردها، أشار إلى تأثير اشتراك الإسلاميين مع نميري في الحكم في زيادة القدرات المالية لتنظيمهم ما زاد من فاعليتهم في الساحة السياسية. ولقد تبدى ذلك بوضوح شديد عقب سقوط نظام جعفر نميري. برزت الجبهة القومية الإسلامية، في فترة الديمقراطية الثالثة بأقوى آلةٍ إعلاميةٍ، نتيجة لشراكتها لنميري في الحكم وتمتعها بالميزة الاقتصادية التي نالتها نتيجة وقوفها وراء ما سمي بالاقتصاد الإسلامي، والبنوك الإسلامية. كما اتضح عقب سقوط نظام جعفر نميري أنّها التنظيم الأوحد الذي حافظ على بنيته التنظيمية في حالة عالية من التماسك. استخدمت الجبهة القومية الإسلامية قوتها الاقتصادية وآلتها الإعلامية المتفوقة لتعمل على التشكيك في القيادات الحزبية، وعلى هلهلة النظام الديمقراطي العائد. فأخذت تروج عبر آلتها الإعلامية القوية لعجزه عن دعم الجيش الذي بدا حينها ضعيفًا قليل العدة والعتاد أمام حركة جون قرنق التي كانت تقاتل السلطة المركزية في الجنوب، وتجد عونًا أجنبيًا من مختلف الجهات؛ الغربية والعربية والأفريقية. ثم لم تلبث الجبهة القومية أن انقضّ ت عسكريًا على النظام الديمقراطي وأجهضته بانقلاب العميد (وقتها) عمر البشير في حزيران/ يونيو 1989. وهكذا تكون أهم الأطر المرجعية قد جربت حكم السودان، على تفاوت كبيرٍ في المدد الزمنية بينها؛ إذ كان للإسلاميين نصيب الأسد من مجمل سنوات تجارب ما بعد الاستقلال. وكما سبق ذكره، فحكمهم السودان منفردين يوشك أن يدخل الآن عامه الرابع والعشرين. ويمكن القول إنّ بقاء الصراع المسلح محتدمًا إلى الآن، بل وتفاقمه واتساع رقعته أيضًا، يدل على أنّ مقاربة نهج الحكم، وشكل الدولة، والاعتراف بالتنوع واستصحابه في معادلة الحكم، لا تزال مقاربةً قاصرة.
مفهوم الوحدة التماثلي ومفهوم الوحدة من خلال التنوع
يقول المؤلف، استنادًا إلى المسار التاريخي للحراك السياسي السوداني لفترة ما بعد الاستقلال، إنّ أحداث الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين تراوحت بين الدعوة للوحدة والانفصال. ومثلهم مثل القادة الأفارقة الآخرين، ركز القادة السودانيون على الوحدة الوطنية بديالً للطائفية الدينية والانقسامات القبلية. أما في السبعينيات، فقد تبنت نخب المركز دعوة لوحدة اتسمت بالهشاشة، وقد أثبتت الأحداث ضعف موقف المركز الوحدوي. ولعل المؤلف يشير إلى نقض الرئيس نميري اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي توصل بها نميري إلى سلام مع الجنوبيين بناء على تقسيم الجنوب إلى أقاليم إدارية وهي الاتفاقية التي جعلت السودان يعيش عقدًا كامالً من السلام. ونقض نميري لتلك الاتفاقية بسبب اكتشافات النفط في جنوب السودان، هو ما جعل جون قونق ينشق بفصيل عسكري عن القوات المسلحة السودانية في جنوب السودان، ويدخل الأدغال، لتبدأ الحرب من جديد.
أما حقبة الثمانينيات، فقد ظهرت فيها مفاهيم جديدة تلخصت في شعار "الوحدة في التنوع" (ص. 31) وهكذا تبلور في عقود ما بعد الاستقلال، وفق ما يرى المؤلف، إطاران مفهوميان هما: "الوحدة في إطار التماثل" و"الوحدة في إطار التعدد." وهذا التقسيم، في نظري، تقسيم صحيح. ففي إطار مفهوم "الوحدة في إطار التماثل" كان للدين الإسلامي دورًا محوريًا؛ فالنخب المركزية، العربية المسلمة، التي تمسك بمفاصل السلطة والثروة في السودان ظلت تعمل على فرض مفهوم "الوحدة في إطار التماثل" بناءً على أنّ الثقافة العربية
الإسلامية هي الشكل الأرقى الذي يجب أن يتم تذويب الثقافات الأخرى فيه. ولقد انتهجت حكومات ما بعد الاستقلال، حتى قبل وصول الجبهة القومية الإسلامية إلى الحكم منفردة في عام 1989، نهج فرض التعريب ونشر الأسلمة وسط الجماعات السودانية غير العربية. ويقول المؤلف: "اختزال ثقافة السودان المركبة، وهياكله الاجتماعية فقط في الإسلام، هي عملية فرض مكون واحد على كيان متعدد وعلى حساب العناصر الأخرى، ما يعني نكران التعددية"، ويستطرد قائالً: إن ذلك النهج قاد إلى إعلان الجهاد والحرب ضد "الكفار" والهجوم على الجماعات المهمشة المطالبة بحقوقها باعتبارها جماعات عنصرية، ملحدة، علمانية، صليبية، صهيونية، وشيوعية. وهكذا أصبحت نظرية المؤامرة هي التي تقدم شرحًا وتفسيرًا لكل الخلافات السياسية الداخلية، ومن ثمّ، يجري دمغ الجماعات المطالبة بحقوقها بأنّها انفصالية هدفها الأوحد هو تمزيق وحدة الأمة (ص. 34) ويرى المؤلف أنّ مفهوم الوحدة في إطار التنوع يمثل بديالً مقبوالً، خاصةً بعد أن فشل المفهوم الأحادي التماثلي للوحدة. ويرى المؤلف أنّ من الضروري النأي عن الرؤية اللاتاريخانية القائمة على مركزية عنصر أو مكون واحد يطبع الكل بطابعه. ويقترح المؤلف التعامل "مع الكل Totality من خلال النشاط الاجتماعي للأفراد والجماعات ذات الانتماءات المتعددة كبيرة كانت أم صغيرة في إطار سيرورة ذات أفق مفتوح، وحراك للأمام ينشد المستقبل دون وضع نهايات معدة سلفًا" (ص. 39)
الديكتاتورية والديمقراطية
في مناقشته لموضوع الديمقراطية والديكتاتورية يقول الكاتب إنّ الفهم الذي يقترحه يتجاوز الفهم التقليدي الشكلي القائم على أساس أنّ الديمقراطية مؤسسات وبنى دستورية حقوقية؛ كالمجلس النيابي والأحزاب السياسية والقضاء المستقل والجيش الوطني والصحافة الحرة وكل ما يتعلق بالصيغ السياسية التي تنظم ولاء المحكومين من الطبقات الشعبية والمجموعات العرقية المختلفة (ص. 55) ويقول المؤلف إن كل هذه الأمور لا تضمن وحدها تحقق الديمقراطية، إذ لا بد أن تتوافر الشروط الاقتصادية/الاجتماعية، التي تُهيّ ء لمجموع المحكومين من الطبقات الشعبية والجماعات الإثنية المضطهدة وقوى النساء والشباب المشاركة الطوعية في النظام السياسي عبر تنظيمات متحررة من قهر رأس المال وسيطرة الإثنية الحاكمة. ويقول إنّ التصنيف الشكلي ينتج معرفةً وصفية ليست تحليلية ولا نقدية. ومن ثمّ، فإنّها لا تساعد على الغوص والإلمام بالطبيعة الاجتماعية للنظم والحكومات التي مرت على السودان؛ الديمقراطية منها والديكتاتورية. ويرى المؤلف أنّ هناك تحالفين سادا الساحة السياسية السودانية ووجّها مجرى الأحداث فيها، وهما: التحالف العريض للقوى التقلي دية – الرأسمالية – البيروقراطية من جهة، والقوى الحديثة المهنية والنقابية وشرائح اليسار وجماهير الإثنيات المهمّشة من الجهة الأخرى. ولذلك، فإنّ القوى التقليدية التي تعتمد في استدامة نفوذها على القواعد التقليدية الدينية والقبلية في الريف أبقت على حزمة مصالحها عبر حقبة ما بعد الاستقلال كما هي، بغض النظر عن وجود حكم ديكتاتوري أو ديمقراطي. ويورد المؤلف العديد من الشواهد التي تدعم نظرته التحليلية هذه. وأرى أنّ هذا الكتاب قد طرق في هذه الناحية مبحثًا مهمالً، وهو مبحث شديد الأهمية؛ فالاصطفاف وراء الشعارات التي ترفع كلمة الديمقراطية في مواجهة الأوضاع الديكتاتورية ليس كافيًا أبدًا؛ إذ لا بد من الغوص في الطبيعة الطبقية والمصلحية للقوى السياسية الفاعلة وتحليل مواقفها في حالات الحكم الديمقراطي والحكم الديكتاتوري سواء بسواء، ورؤية الخيط الرابط بين مواقفها في الحالتين، فكثيرًا ما كانت المصالح وليس المبادئ هي التي تحكم الموقف معارضًا كان للسلطة الحاكمة أم مؤيدًا لها. ومن الأمثلة الحيّة التي ساقها المؤلف تجربة المصالحة الوطنية التي دخلت فيها القوى الحزبية مع نظام نميري الديكتاتوري، ثمّ العمل بعد ذلك على إسقاطه. وبعد أن سقط نظام نميري بانتفاضة عام 1985 الشعبية التفت هذه القوى على شعارات الثورة التي جاءت بها إلى الحكم وأجهضتها. والآن، فإنّ موقف بعض القوى التقليدية المعارضة لنظام الرئيس البشير يعيد في بعض جوانبه، مرة أخرى، مسلسل تغليب المصالح على المبادئ الذي استمر عبر مختلف العهود الديمقراطية والدكتاتورية.
التراجع الاقتصادي لحقبة ما بعد الاستقلال
يقول المؤلف إنّ البريطانيين حين غادروا السودان في عام 1956 تركوا فيه اقتصادًا يتمتع بقاعدة قوية نسبيًا؛ فالمشاريع التي تديرها الدولة كانت توفر حوالي %40 من الدخل العام، في حين توفر الضرائب %60 منه. في تلك الفترة، كانت الدول الأفريقية الأخرى تعتمد في الدخل العام على الضرائب بنسبة %90. ويرى المؤلف أنّ البريطانيين الذين كانوا حريصين على استقرار الأوضاع في السودان لخدمة مصالحهم ظلوا حريصين أيضًا ألا يأخذ التغيير في البنية الاقتصادية طابعًا راديكاليًا يؤثر سلبيًا في التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي. ولذلك فقد وضعوا ضوابط إدارية وقانونية تكبح قيام طبقة رأسمالية تملك الأراضي وتجرد المزارعين من ملكية مزارعهم ما يؤدي إلى تمايز اجتماعي حاد. ولقد شهدت الحقبة الأولى من الحكم الوطني سيرًا على الدرب البريطاني ذاته؛ إذ كانت الدولة هي التي تقود عملية التنمية الاقتصادية مع انتهاج سياسات اجتماعية تقوم على توفير الخدمات الصحية والتعليمية للمواطنين. أما الفترة التي أعقبت السنوات الست الأولى من نظام الرئيس نميري فقد شهدت مسلسل التراجع الاقتصادي. في فترة حكم الرئيس نميري التي بدأت في عام 1969 بدأت المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في التفاقم. ويورد المؤلف بعض الإحصاءات الدالة على تنامي التراجع؛ إذ انخفض الصرف على الخدمات الاجتماعية من الإنفاق الكلي الجاري، الذي كان %30.4 في عام 1962/1961، إلى %14 في عام 1973/1972. كما انخفض الصرف على التنمية الاقتصادية، من الإنفاق الكلي الجاري، الذي كان %35 عام 1956/1955، وهو عام بداية استقلال السودان، إلى %18 في عام 1973/1972. وقد شهدت تلك الفترة تنامي الإنفاق على الدفاع والأمن والإدارة العامة. ولقد استمر الانخفاض في معدل الصرف على الخدمات والتنمية في حقبة الثمانينيات؛ إذ انخفض معدّل الصرف على التنمية من %29.1 عام 1975/1974، إلى %15.7 عام 1985/1984. وقلَّ أيضًا نصيب الخدمات الاجتماعية، في الإنفاق الجاري، في تلك الفترة من %28.7 عام 1975/1974، إلى %18.3 عام 1985/1984. وهذه التراجعات كلها حدثت في حقبة حكم الرئيس نميري. إذن، تقول الأرقام التي أوردها المؤلف عكس ما ظلت تردده الحكومات المختلفة عبر مرحلة ما بعد الاستقلال؛ فالخط البياني للتنمية والخدمات ورفاهية المواطنين ظل منحدرًا بشكل متواصل. ويعد تقديم البيانات الإحصائية عبر السياق التاريخي لحقبة ما بعد الاستقلال هو أحد ميزات هذا الكتاب.
الآثار المدمرة لسياسة التحرير الاقتصادي
يرى المؤلف أنّ المنعطف الأكبر في التراجع حدث متزامنًا مع صعود نجم الإسلاميين في فترة الديمقراطية الثالثة. فهم الذين دعوا، دون مواربة، إلى انتهاج نمط الاقتصاد الحر، وإلى ضرورة انسحاب الدولة من إدارة العملية الاقتصادية. صاحب ذلك أيضًا اعتبار الخدمات الصحية والتعليمية سلعًا لها ثمن يُدفع، وليست امتيازات متوارثة ينالها المواطن بحكم مواطنته. وفي فترة التسعينيات وجد الإسلاميون الإرادة السياسية لتنفيذ هذا النهج بعد أن استلموا السلطة بالانقلاب العسكري في حزيران/ يونيو 1989. والتزمت حكومة الإسلاميين منذ أن وصلت إلى السلطة بنهج التحرير الاقتصادي، ويقول الكاتب إنّ معظم الدراسات التي عالجت نتائج سياسات التحرير الاقتصادي أجمعت على تزايد عدد السكان الذين يقعون تحت خط الفقر نتيجة لهذه السياسات. فقد وصلت نسبة السكان الذي تجعلهم دخولهم واقعين تحت خط الفقر في السودان إلى %90. ففي عام 1978 كانت نسبة السكان الواقعين تحت خط الفقر %54، ثم زادت في عام 1986 إلى %78، لتقفز إلى %90 في عام 1990، وإلى %91 في عام 1993. أما اليوم، فإنّ نسبة التضخم في السودان هي الأعلى على الإطلاق في كل العالم، فقد وصلت إلى %45. ويبدو أنّ فترة حكم الإسلاميين تميّزت عن كل الفترات السابقة بازدياد النفقات على أجهزة الأمن بمختلف مسمياتها؛ فالحكومة تصرف %40 من الميزانية على الأمن. كما تميّزت فترة حكم الإسلاميين الراهنة بالصرف الشديد على الآلة الإعلامية التي هي حكر على الدولة؛ فقد بلغ الصرف على هيئة الإذاعة والتلفزيون 294 مليار جنيه سودانيًا، بينما لم تتجاوز مخصصات القطاع الصحي بأكمله 290 مليار جنيه. كما اتسمت الفترة الحالية التي يدير فيها الإسلاميون دفة الحكم في السودان بازدياد معدلات الفساد بصورة غير مسبوقة، وهو أمر اعترفت به الحكومة نفسها.
خلاصة
يتميز هذا الكتاب عن غيره من الكتب التي عالجت أزمة الحكم في السودان بأنّه طرح مداخل متعددة لفهم الأزمة السودانية وتشخيصها، كما عرض كثيرًا من الأفكار الجديدة عبر تتبع توثيقي لكل مرحلة ما بعد الاستقلال في السودان. بالإضافة إلى ذلك، يتميز هذا الكتاب بوفرة المعلومات الإحصائية والمصفوفات الإيضاحية
التي تعين القارئ على التحليل واستخلاص النتائج بنفسه. وبهذا، فهو كتابٌ مرجعي، شديد الأهمية، لا غنى لباحث عنه في أزمة الحكم في السودان لحقبة ما بعد الاستقلال. ولكن، كون الكتاب جاء تجميعًا لأوراق تم نشرها في فترات مختلفة، فقد تسبَّب ذلك في إضعاف وحدة الفكرة فيه، ووحدة الأسلوب، واتساق النَّفَس. فلو أنّ كاتبه ارتكز على هذه الأوراق العديدة بمادتها الغزيرة، وبتحليلاته جديدة الطابع، ثمّ أعاد كتابتها في صورة كتاب واحد، وفق تبويبٍ جديد للفصول، لأمكنه أن يعرض هذه المادة القيّمة بشكل أفضل، ولمنح الكتاب قيمة إضافية. لقد انتبه المؤلف إلى هذا الأمر بنفسه، واعتذر عنه في مقدمته، وأرجع ذلك إلى ضيق الوقت والحاجة الماثلة لنشر الكتاب في وقته. وعلى الرغم من كل شيء، يظل هذا الكتاب أحد أهم الكتب التي ناقشت أزمة الحكم المزمنة في السودان من الناحيتين السوسيوثقافية والاقتصادية.
بعد عرض موسع وافٍ لتشابكات الأزمة السودانية، توصل المؤلف في إجابته عن التساؤل الذي جاء في عنوان الكتاب (أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة؟)، إلى خلاصة مفادها: أن الأزمة هي أزمة هيمنة؛ أي هيمنة النخب المنتمية إلى الثقافة العربية الإسلامية، والذين أسماهم ب "الجلابة"، على قيادة البلاد وفقًا لمصالحها، وتهميشها للإثنيات والثقافات الأخرى، وإقصائها عن مواقع اتخاذ القرار السياسي. وهذا ما جعل الأزمة تهيمن على البلاد كل هذه العقود الطويلة؛ فقد تعثر مشروع بناء الدولة الوطنية واشتعلت الحروب في الأطراف، وانفصل جنوب السودان عن شماله، وأصبحت أطراف أخرى مما تبقى من السودان تهدد كيان البلد بالتفتيت. إنّ الإصرار على أن تكون الثقافة العربية الإسلامية هي البوتقة التي يجب أن تنصهر فيها كل الثقافات السودانية، كان وفقًا لرؤية المؤلف - وهي رؤية صحيحة في نظري - مجرد وسيلة لاستدامة سيطرة النخب التي تمثل الثقافة العربية الإسلامية، وهي نخبٌ ظلت ممسكةً بمفاصل السلطة والثروة منذ أمد بعيد. جرى في هذا المضمار استخدام الدين الإسلامي والعصبية الدينية لتغييب وعي الجمهور المنتمي للثقافة العربية الإسلامية، فأصبح على الرغم من فقره وفشل حكوماته في تحقيق تطلعاته مصطفًا بعاطفة يختلط فيها العرقي بالديني وراء هذه النخب الحاكمة، ما مكّن هذه النخب من استدامة سلطتها؛ لتستمر حالة التهميش لأهل الثقافات الأخرى ويستمر التوتر والاحتقان مع جماعات الهامش. ولقد أقعد هذا النهج الخاطئ البلاد وجعلها تعيش حالة مستمرة من الاحتراب وعدم الاستقرار. لو جرى تأليف هذا الكتاب بوصفه كتابًا منذ البداية لأمكن القيام بتقص تاريخي لمشكلة الهوية السودانية وللنقلات التي شكلت هذه القوة المركزية (العرقية/ الدينية) المسيطرة على الثروة والسلطة في السودان. فقد ناقش محمد أبو القاسم حاج حمد ومنصور خالد بعض الجوانب التاريخية التي قادت إلى نشوء هذا الكيان السوداني المركزي القائم الآن وتشكّله. ولقد عاز الكتاب أن تكون له مقاربته في هذا الجانب، ولم يحدث هذا لقصورٍ في قدرات المؤلف، وأدواته، فقد أظهر الكتاب قدراته العالية، والأدوات المعرفية المتعددة التي يملكها، وإمنّ ا حدث ذلك بسبب خلق الكتاب من مجموعة أوراق. ومع ذلك، يبقى هذا الكتاب من الكتب القليلة التي عالجت الأزمة السودانية المزمنة بصورة تقارع التنميطات وتوقظ الفكر وتقدح الأفكار الجديدة في الذهن وتقود القارئ إلى التفكير في الأزمة السودانية بشكل منهجي وعلمي رزين ومتوازن.