عرض كتاب مسألة أكراد سورية: الواقع - التاريخ - الأسطرة
المؤلّف: مجموعة مؤلّفين. سنة النشر:.2013 الناشر: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات. عدد الصفحات: 193 من القطع الصغير.
صدر هذا الكتاب بداية عام 2013؛ وهو جهد مشترك لفريق من الباحثين في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بإشراف وعضوية الدكتور عزمي بشارة، ومشاركة الباحثين محمد جمال باروت الذي كتب المادة التاريخية، وحمزة المصطفى الذي أعد الشق السياسي، وحازم النهار.
ينطلق الكتاب في مقدمته من مميزات الثورة السوريّة عن الثورات العربيّة الأخرى (مصر وتونس واليمن) والتي تتمثل في "خصوصيّة" المجتمع السوريّ المركب إثنيًا ودينيًا وطائفيًا. ويوضح كيف أنّ الشروخ التي يحدِثها التركيب المتنوع للهوية في حالة تسييس الهويات تعلن عن نفسها بقوة خلال الأزمات الوطنيّة وتنطوي على مخاطر كبيرة على مستوى كيانية الدولة والحالة الوطنية الاندماجية الجامعة التي كونتها مرحلة النضال ضد الاستعمار. وبناء عليه، يعتبر الكتاب المسألة الكردية في سورية من أبرز التحديات الآنية التي تواجه الدولة والمجتمع في سورية كونها مشكلة تتشابك فيها العوامل التاريخيّة والديمغرافيّة، إضافة إلى التفاعلات السياسيّة الإقليمية والدوليّة المحيطة. وتبرز هذه التحديات في برامج تطرحها قوى سياسية، أو حزبية، أو شخصيات سياسيّة تستغل واقع الثورة السوريّة ومسارها الصعب مبلورة روئ تقسيمية لا تقيم وزنًا للحقائق الديمغرافية أو الجغرافية، بل تحاول استنساخ حالات ونماذج من خارج سورية واستيرادها لتطبيقها في الحالة السوريّة. يقع الكتاب في ثلاثة أقسام؛ يتناول القسم الأول تاريخ الأكراد في سورية، ويبدأ منذ الهجرة الكردية الكبرى الأولى التي حصلت بين عامي 1939–1925. كما يوضح هذا القسم كيف أنّ المسألة الكردية "السوريّة" تعتبر من الناحية التاريخية مشكلة "تركية" انتقلت آثارها إلى سورية أكثر مما هي مشكلة كردية سوريّة؛ فمعاهدة سيفر عام 1920 كانت تنص على مشروعين انفصاليين هما الدولة الأرمنية والكيان الكردي، لكن الكماليين في عام 1923 أرغموا الدول الكبرى على استبدال معاهدة لوزان بها، الأمر الذي قوّض إنشاء كيان كردي في جنوب تركيا. واتبع الكماليون، على العكس من ذلك، سياسات الصهر القومي في إطار رغبة أتاتورك في بناء دولة وفق نموذج الأمة أو الدولة القومية التركية. ونتيجة لذلك، قام الأكراد في تركيا بسبع عشرة ثورة ضد سياسة أتاتورك لم تنجح جميعها، وتمكن أتاتورك من سحقها وإخمادها. وعقب كل ثورة كان يحدث تدفق هجرة كردية جماعية بالمئات والآلاف إلى سورية "الانتدابية"، وقد تركزت تلك الهجرة في منطقة الجزيرة السوريّة. بموازة الهجرة الكردية، كانت هناك هجرات أرمنية إلى سورية توجهت إلى الجزيرة السوريّة وإلى المدن الداخلية. يتناول القسم الأول أيضًا سياسات الانتداب الفرنسي الذي كان يسعى ل "قومنة" الهويات الفرعية في سورية، ويوضح كيف استخدمت فرنسا قادة الحركة الانفصالية الكردية (جمعية خوبيون) لإنشاء كيان كلدو-آشوري وكردي وبدوي عربي في الجزيرة السوريّة لتقويض الحكم الوطني، لكنها لم تنجح في ذلك. كما يستعرض الاندماج السياسي الذي حصل في مرحلة ما بعد الاستقلال؛ إذ تولى السوريون الأكراد (أكراد الدواخل) مناصب قياديّة عليا في الدولة، إضافة إلى الاندماج الاقتصادي والثقافي مع أبناء المدن التي يقطنون فيها، ويجري التمييز هنا بين "أكراد الدواخل" الذي اندمجوا في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في سورية وبين "أكراد الأطراف" الذين تأثروا بعد الاستقلال بالمؤثر الكردستاني في العراق، ولاحقًا بالمؤثر "الآبوجي" (نسبةً إلى عبد الله أوجلان) في تركيا بعد تأسيس حزب العمال الكردستاني. ويقف هذا القسم أيضًا على مواضيع عدة منها الإحصاء الاستثنائي، ومشروع الحزام العربي، وبرنامج إصلاح الجزيرة. ويختتم القسم بمناقشة مفهوم "كردستان الغربية" الذي تم صكه لوصف هوية المجتمعات الكردية المحلية في سياق المؤثر القومي الكردستاني العراقي. أما القسم الثاني من الكتاب فيركز على انطلاق الحركة السياسية الكرديّة في سورية في الخمسينيات من القرن الماضي والمرتبطة بنشوء الحزب الديمقراطي الكردي (البارتي) في دمشق في عام 1957، والانقسامات المستمرة التي شهدها والتي انتهت في الثمانينيات بتشرذم "البارتي" إلى أكثر من أحد عشر حزبًا وحركةً، ودخول المنظومة الحزبية الكردية في مرحلة التذرر الحركي أو الحزبي أو التنظيمي. لقد تأثرت الحركة الكرديّة في سورية بمؤثّرين أساسييّن "كردستانيين" هما: "الآبوجيّة"
التركيّة الصاعدة، ونشوء "حكومة إقليم كردستان" في شمال العراق أو كردستان العراق في عام 1992. ويرصد هذا القسم الأحزاب الكردية التي تأسست متأثرة بهذين المؤثرين مثل حزب الاتحاد الديمقراطي، وحزب يكيتي، وريكفتين، وتيار المستقبل الكردي، وغيرها. كما يرصد البرامج السياسية للأحزاب الكردية وعلاقاتها مع الحركة الوطنية، والتقاطعات والاختلافات بينها، ويناقش الطروحات القومية في بعض برامج الأحزاب الكرديّة مثل "الأرض التاريخية للشعب الكردي"، و"حق تقرير المصير"، و"الفيدرالية"، وغيرها، ويقدم الكتاب رؤيته حولها. ويخلص هذا القسم إلى أنّ نبرة الخطاب السياسي الكرديّ (الحزبي) ارتفعت في السنوات الأخيرة في ما يتعلق بالجانب القومي، متأثرة بمستجدات الوضع العراقي وتجربة إقليم شمال العراق من خلال استخدام مصطلح "كردستان سورية"، و"كردستان الغربية"، ووصْف بعض المتطرفين القوميين الأكراد للسكان العرب في الجزيرة السورية ب "قطعان المستوطنين"، وهو الوصف نفسه المستخدم في الضفة الغربية في وصف المستوطنين الصهاينة.
يفصّل القسم الثالث حراك الأكô راد في الثورة السوريّة، ودرجة مشاركتهم فيها وتقاطعهم معها وافتراقهم عنها، ويقارب الانخراط الشبابي ونشوء التنسيقيّات في مقابل التحفظ الحزبي عن المشاركة، كما يرصد خريطة التحالفات الحزبيّة الكرديّة في الثورة وتأسيس المجلس الوطني الكرديّ وعلاقاتها بقوى المعارضة السوريّة، ويستعرض أيضًا الدور التدخلي لرئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني في جمع القوى السياسية الكردية (المجلس الوطني الكردي، وحزب الاتحاد الديمقراطي، ومجلس شعب غرب كردستان) في اجتماعي أربيل الأول والثاني؛ في محاولة لإدماجها في جسم سياسي واحد هو " الهيئة الكردية العليا" لإدارة المناطق الكرديّة في سورية التي انسحب منها الجيش النظامي بداية آب/ أغسطس 2012؛ بحيث يجري استنساخ تجربة كردستان العراق. أما خاتمة الكتاب فتوجز ما توصل إليه الكتاب، وتورد بعض المقترحات للتعاطي مع هذه المسألة، ومنها: لا يمكن أن يتم حل "المسألة الكردية" السوريّة إلا في إطار حل وطني سوري محض، خارج اختراعات "كردستان الغربية"، وبما يضع الأكراد السوريين في إطار عضويتهم في المجتمع السوري وتمأسسه الدولي بالجمهورية العربية السوريّة. أن "المسألة الكردية" السورية هي مسألة وطنية سوريّة بالنسبة إلى السوريين عمومًا والسوريين الأكراد خصوصًا، وهي بهذا الشكل قابلة للحل الديمقراطي في إطار ما يشتمله هذا الحل بالضرورة من حقوق لغوية وثقافية وتعليمية. ويتطلب ذلك صوغ المناهج التعليمية بحيث تشتمل على التعريف بالتنوع الثقافي واللغوي لأبناء سورية، وتمكين المجتمعات المحلية كافة من إدارة نفسها وفق الإدارة اللامركزية، أو نظام الإدارة المحلية الحديث في إطار دولة عربيّة سوريّة واحدة موحَّدة يجد مواطنوها كافة محلا كاملا لهم ولتطورهم الفاعل والخلاق. هذا الكتاب هو محاولة بحثية رصينة، يناقش مسألة إشكاليّة بموضوعية، ويحاول أن يتوخي الدقة العلمية في مقابل النزعة المنتشرة لإخضاع البحث العلمي في هذا الموضوع للاتجاهات والانفعالات الأيديولوجية والمواقف السياسية. ويعتمد الكتاب في مصادره على قائمة طويلة من الكتب الأكاديمية والعلمية خصوصًا في الجزء التاريخي منه. كما ترتكز المعلومات الواردة فيه، ولا سيما في الشق السياسي، بشكل رئيس على تقارير مراكز الأبحاث التي تعنى بالشأن الكردي وعلى مواقع الإنترنت الكرديّة سواء أكانت مواقع حزبية رسمية أو مواقع كرديّة رصينة وبخاصة نشرات المركز الأوروبي للدراسات الكردية؛ ليبعد عنه الاتهامات المسبقة التي يلجأ إليها بعض الكتاب الغلاة مثل التأويل أو عدم تحري الموضوعية. يقدم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات هذا الكتاب للباحثين والمهتمين في هذا الموضوع بغية إغناء النقاش حوله، وإجراء مراجعات نقديّة، وتطوير دراسات وأبحاث تعتمد الأسس العلمية الرصينة التي من شأنها المساهمة في الإضاءة على المسألة الكردية في سورية وتلمّس السبل السليمة لحلها. وتجدر الإشارة إلى أنّ الكتاب متاح للتحميل المجاني على موقع المركز على الإنترنت.