عرض كتاب الطاقة وقوّتها في السياسة الخارجية الروسيّة: الآثار المحتملة للصراع والتعاون
المؤلّف: مجموعة من المؤلّفين، تحرير جيرونيم بيروفيتش، وروبرت أورتونغ، وأندريياس ونجر. سنة النشر:.2009 الناشر: أبينغدون - راوتلدج. عدد الصفحات: 251 صفحة.
يتناول هذا الكتاب دور روسيا الجديد والقويّ، ودور الطاقة في تشكيل سلوك روسيا في مجال العلاقات الدولية وفي بناء القوّة الاقتصادية والسياسية الداخلية منذ تسعينيّات القرن الماضي. لقد شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا إعلاميًّا وعلميًّا متزايدًا بموضوع الطاقة الروسيّة ودورها في علاقاتها الخارجية. وهناك انطباع أنّ روسيا تستعمل سلاح الطاقة بطريقةٍ مفرطة في سياساتها الخارجيّة. ويسعى هذا الكتاب إلى معالجة هذا الموضوع بطريقةٍ موضوعيّة، بالاعتماد على معلوماتٍ دقيقة. الكتاب مجهودٌ جماعيّ لعددٍ من المؤلّفين، وينقسم إلى ثلاثة أبواب، هي كما يلي: الباب الأوّل، يتناول البعد الداخلي للطاقة في روسيا؛ و الباب الثاني، يبرز موقع روسيا من أسواق الطاقة العالميّة؛ وفي الباب الثالث، حديث عن سياسات أهمّ اللاعبين الدولييّن تجاه روسيا. وفي هذا الإطار، يحتوي الكتاب على أحد عشر فصالً يعالج كلّ واحد منها موضوعًا معيّنًا بمساعدة خبراء في الطاقة الروسيّة واقتصاد الطاقة.
في الفصل الأوّل من الكتاب، يشير جيرونيم بيروفيتش Perovic Jeronim،
إلى أنّ روسيا برزت لاعبًا عالميًّا أساسيًّا في أسواق الطاقة نظرًا لموقعها بوصفها منتجًا رئيسًا للنّفط والغاز خاصّةً بالنسبة إلى أوروبا، وباعتبارها استفادت من هذا الموقع داخليًّا ودوليًّا؛ فداخليًّا، استطاعت روسيا أن تتعافى بسرعةٍ، من آثار الأزمة الماليّة في عام 1998 بفضل دخول تصدير الطاقة التي بدأت ترتفع بطريقةٍ ملحوظة ابتداءً من عام 2000 مع ارتفاع أسعار النفط حتّى وصلت إلى نحو 150 دولار للبرميل، في تمّوز / يوليو 2004. أمّا خارجيًّا، فقد ساهمت الدخول المعتبرة من عملية تصدير الطاقة في رجوع روسيا بقوّة، إلى الساحة الدولية نظرًا للإمكانيّات الماليّة التي أصبحت متوفّرة لديها. وجدير بالذكر، أنّ هذه الوفرة الماليّة ناجمة عن ارتفاعٍ في أسعار الطّاقة، وليس عن زيادة في قدرات الإنتاج.
في هذا الإطار، وفي الفصل الذي عالجه فيليب هانسن Hansen Philip،
هناك نقطة رئيسة يتّفق عليها عددٌ كبير من الخبراء عالميًّا، وهي أنّه من الصعب التكهّن بقدرة روسيا على النهوض بقدراتها الإنتاجيّة من النفط والغاز، وأنّ هناك شكوكًا قويّة في قدرتها على إنتاج النفط والغاز على المدى البعيد. يعتمد الاقتصاد الروسيّ على دخول تصدير النفط والغاز إلى الأسواق العالميّة؛ فهو اقتصادٌ ريعيّ بأتمّ معنى الكلمة يعتمد فيه النظام السياسي الروسيّ على هذه الدخول في سياسته الداخلية من أجل شراء السلم الاجتماعي، ما أدّى إلى تقويض الديمقراطية في روسيا، ويمثّل عائقًا هيكليًّا من أجل تنويع الاقتصاد خارج قطاع المحروقات. في هذا الإطار، يشدّد روبرت أورتنغ Robert Orttung على عدم استقرار النظام السياسي الروسيّ، وعلى بعده الإقصائيّ للأطياف المتعدّدة للمجتمع الروسيّ، علاوةً على حاجته إلى أسعارٍ عالية للطاقة من أجل ضمان استمرارية هذا النظام. كما يرى هيكو بلينس Pleines Heiko أنّ التسيير غير الفعّال لشركات الطاقة الوطنية والفساد، إضافةً إلى غياب سوقٍ داخلية فعّالة وقوانين غير مشجّعة للاستثمار الخارجي في قطاع الطاقة والقطاعات الأخرى الحيويّة للاقتصاد الروسيّ، يمثلّان عائقينْ آخريْن لاستيراد التكنولوجيات الحديثة التي تحتاج إليها صناعة الطاقة الروسيّة.
يسعى ستيسي كلوسن Closson Stacy في فصله، إلى دحض مغالطة شائعة بخصوص اعتماد أوروبا على الطاقة الروسيّة بالرجوع إلى الاختلاف في وجهات النظر بين الاتحاد الأوروبيّ وروسيا بشأن موضوع أمن الطاقة. ويستنتج أنّ هناك اعتمادًا مشتركًا بين الطرفين، وأنّ روسيا نجحت في خلق وهْم الاعتماد المفرط والمستمرّ على مصادر الطاقة الروسيّة. علامً أنّ في أفق 2030، كما يشير كلوسن، سوف يستورد الاتحاد الأوروبيّ معظم حاجياته من الطاقة من
دول أوبك، وليس من روسيا. كما يضيف بامي آلتو Aalto Pami في فصلٍ آخر، أنّ الشراكة بين الاتحاد الأوروبيّ وروسيا مبنيّة على منطقٍ اقتصاديّ، بالرجوع إلى تحليلٍ تاريخي للإمدادات الروسيّة من الطاقة للاتّحاد الأوروبيّ؛ إذ يظهر جليًّا أنّ احتياجات الطاقة تختلف جذريًّا بين دولةٍ وأخرى من دول الاتحاد الأوروبيّ. بالفعل، تعتمد دول شرق أوروبا على مصادر الطاقة الروسيّة أكثر من دول أوروبا الغربيّة. وفي هذه العلاقة تسعى روسيا جاهدةً إلى المحافظة على السوق الأوروبيّ لأنّها في حاجةٍ إلى عقودٍ طويلة المدى لتأمين دخولها، وتخشى أيّ توجّه أوروبيّ نحو تنويع مصادر الطاقة من مصادرَ أخرى.
يقدّم فصل جوليا ناني Nanay Julia، تحليالً دقيقًا للمشاريع المستقبلية لأنابيب الطاقة في آسيا الوسطى. وتتساءل عن التوجّهات المستقبلية لدولةٍ مثل كازاخستان التي تحاول أن تشقّ طريقها بحذرٍ بين كلٍّ من روسيا والصين. وفي هذا الإطار، تشير نينا بوسنكوفا Nina Poussenkova في فصلٍ آخر، إلى فشل روسيا في رسم إستراتيجية من أجل تطوير موارد الطاقة في الشرق الأقصى وسيبيريا. وتحذّر من أنّ إهمال هذه الموارد سوف يخلق تنافسًا قويًّا بين دول آسيا الوسطى من أجل تزويد دولٍ كالصين وغيرها بالنفط؛ كما يبدو جليًّا من خلال الفصل الذي عالجه كلٌّ من إندرا أوفرلاند Indra Øverland، وكير إلفينَس Elveness Kyrre، في تحليلهما لسياسة الصين في هذا المجال التي قد تتوجّه نحو التزوّد بالنفط من بحر قزوين ودول آسيا الوسطى في حال عدم تطوير روسيا مواردها في الشرق الأقصى وسيبيريا. في فصلٍ ختاميّ، يستنتج أندريياس ونجر Wenger Andreas، أنّ الانطباع السائد الذي يصوّر روسيا قوّةً عظمى وفعّالة في مجال الطاقة يحتمل الكثير من المبالغة، على الرغم من أنّ روسيا تستفيد من هذا الانطباع وتغذّيه. كما يدعو الكاتب إلى سياسةٍ أقلّ عدائيّة من جانب الولايات المتحدة الأميركيّة والاتّحاد الأوروبيّ تجاه روسيا. ويرى أنّ للاتحاد الأوروبيّ دورًا محوريًّا في تحديد الوجهة المستقبلية للعلاقة مع روسيا في مجال الطاقة، وعلى الولايات المتّحدة الأميركيّة أن تعترف بهذا الدور. وفي هذا المجال، وفي فصلٍ خاصّ، ينتقد بيتر روتلاند Peter Rutland بشدّة سياسة الولايات المتّحدة الأميركيّة تجاه روسيا التي تعتمد على نموذجٍ عفَا عليه الزمن، يعود إلى الحرب الباردة. في الإجمال، الكتاب قيِّم ويحتوي على معلوماتٍ مهمّة ودقيقة في موضوع الطاقة في السياسة الخارجيّة الروسيّة. ولكن ينقصه فصلٌ عن اقتصاديات دول منظّمة البريكس BRICS التي تضمّ ك من البرازيل وروسيا والهند والصين، علامً أنّ روسيا تتطلّع إلى تعزيز علاقتها مع هذه الدول في مجال الطاقة في المستقبل. بالفعل، تركيز الكتاب على العلاقة التفاعليّة ما بين الطاقة والأمن كان يستدعي الحديث عن دول البريكس BRICS، إضافةً إلى تحليلٍ مكثّف لدور منظّمة شانغهاي للتعاون Shanghai Cooperation Organisation. ومع ذلك، يبقى الكتاب ذا قيمةٍ علميّة كبيرة، يستطيع أن يستفيد منه كلٌّ من الخبراء، والأكاديمييّن، والطلبة.