من الانتخاب إلى الانقلاب: قراءة في درس 30 يونيو
الملخّص
تحاول هذه الدراسة قراءة الأداء السياسيّ للقوى السياسيّة المصريّة المختلفة، منذ انتخاب ا للجمهوريّة وحتى الانق باا عليه في محمد مرسي رئيسً 3 تموز/ يوليو 2013. وتستنتج الدراسة في تحليلها، في القسم الأول منها، أنّ سلوك مجمل الفاعلين السياسيّين تلخ ص في البحث عن حلفاء من مراكز قوى النظام السابق - التي قامت ثورة 25 يناير ضدّها - بهدف الوصول إلى سدّة الحكم. وأتاح هذا الوضع للنظام السابق، بإمكانياته الكبيرة، العودة مجددًا إلى خريطة القوى السياسيّة، بعد أن كان مواجهًا بالمحاكمة والمحاسبة.
بما كانت عليه في أزمة الإعلان الدستوري في تشرين الثاني/ نوفمبر مقارنة 2012، لتتوصّ ل إلى أنَّ المستجدّ الأهمّ هو تمك ن "الدولة العميقة" من اكتساب مهارات الحشد الجماهيري في الشارع؛ بعد أن كانت عاجزة عن ذلك طوال الستة والثلاثين شهرًا السابقة. فمن خلال ارتباطها بفئاتٍ اجتماعيّة واسعة، عبر شبكات المحسوبيّة والنفوذ، التي لم تفكً ر سابق ا في استخدامها في "معارك الميادين" الاستعراضيّة، أمكن لها أن تصبح فاعلا سياسيًّا مؤث رًا، قادرًا على إعادة الأمور إلى مربعها الأول.
دخلت مصر بعد الثالث من تموز/ يوليو 2013، عهدًا جديدًا بعد إطاحة أوّل رئيسٍ مدنيٍّ منتخب بانقلابٍ عسكريّ، وبعد تعليق العمل بالدستور الذي جرى إقراره باستفتاء شعبيّ، لتجريَ خلال أسابيع معدودة إطاحة المسار الديمقراطي الذي كان أبرز نتائج ثورة 25 يناير، والتراجع عن أبرز مكتسباته، حين عاد الأمن باطشًا بالمتظاهرين بطريقةٍ غير مسبوقة، لم تحدث حتى في عهد حسني مبارك. ولكنَّ عودة النظام السابق هذه المرّة جاءت بلبوسٍ ثوريّ؛ فقد تدفّق ملايين المصريين إلى ميادين المدن المركزيّة وشوارعها في تاريخ 30 حزيران/ يونيو 2013 مطالبين بانتخاباتٍ رئاسيّة مبكّرة، ثمَّ بدعوة الجيش إلى التدّخل لحل الأزمة السياسيّة. وصاحب ذلك حملة إعلامية أطلقتها وسائل الإعلام المحسوبة على النظام السابق، محاولةًالترويج لما حدث، كما لو أنّه "ثورةٌ على الثورة." وتحاول هذه الورقة الوقوف على ما بات يُعرف ب "ثورة 30 يونيو"، بإلقاء الضّ وء على الأحوال السياسيّة التي مهّدت للانقلاب على المؤسّسات الدستورية، وما صاحب ذلك من غضّ بعض القوى الثوريّة الطَّرْف عن عودة قوى النظام السابق إلى واجهة المشهد السياسي من جديد، إضافةً إلى مناقشة التطورات التي طرأت على خريطة القوى السياسيّة والاجتماعيّة التي ارتبطت بالحركة الاحتجاجيّة، ومقارنتها بما كانت عليه في أزمة الإعلان الدستوريّ، فقد أنتج الشرخ المجتمعي بين التيار العلماني والتيار الإسلامي اصطفافات جديدة أعادت ل "المباركيّة" مواضع ضمن المعركة على السلطة. وتنتهي هذه الورقة بقراءةٍ نقديّة لعواقب "الاستقواء بالأكثريّة الانتخابيّة" التي تعتمدُ ألوانًا أيديولوجيّةً واجتماعيّةً محدَّدةً في إدارة المجال السياسي.
من الإعلان الدستوريّ إلى "تمرّد"
مثّلت أزمة الإعلان الدستوريّ الذي أصدره الرئيس المصريّ محمد مرسي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، والتي انتهت بإقرار الدستور الجديد بموافقة نحو ثلثي المصوّتين في الاستفتاء على الدستور الذي جرى في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، العتبة التي قضت على الثقة بين معسكر مؤيِّدي الرئيس المصريّ ومعسكر مناوئيه. وأجهضت هذه الأزمة التي استمرّت شهرًا كاملً واستعملت فيها القوى السياسيّة أقصى قدراتها على الحشد والحشد المضاد، كلّ المحاولات الهادفة إلى التوافق السياسي. وأعاقت تجاوز الاستقطاب الإسلامي- العلمانيّ، ودفعت الجميع إلى البحث عن حلفاء من "خارج الثورة"، من داخل البلاد وخارجها. وقد انتهى الفرقاء جميعهم إلى نتيجة مفادها ضرورة التنسيق مع أركان "الدولة العميقة"، من جيش وأمن وقضاء وإعلام، بدلً من التنسيق مع بعضهم. في هذه الأزمة، وُلدت جبهة الإنقاذ ذات التوجّه الراديكالي ضدّ الإسلام السياسيّ، وضمّت أغلب القوى السياسيّة ذات الخلفيّة العلمانيّة على تناقض برامجها. دفعت جبهة الإنقاذ إلى الواجهة ضرورة مواجهة جماعة الإخوان المسلمين أولويّةً قبل محاسبة النظام السابق. كما وفّرت فيما بعد، "القفازات المدنيّة" للانقلاب العسكري في 3 تموز/ يوليو. وقد اقتنعت الرئاسة المصريّة وحاضنتها الإسلاميّة، في هذه الأزمة، بأنه لا بدّ لها من أن تخترق الدولة العميقة، لتتمكّن من الحكم، بعد إدراكها أنّ أجهزة الدولة الأمنيّة ترفض تنفيذ قرارات الرئيس، أو تعمل على إلغائها أو تبديد مفعولها عبر السلطة القضائيّة. ووفَّرت تناقضات القوى الثورية لقوى النظام السابق – المرّة الأولى- الفرصة لاختيار الحليف الأنسب، وأعطتها امتياز "الحَكمَ" بين الفرقاء، بعد أن كانت منذ ثورة 25 يناير مهدَّدةً بالمحاسبة والمحاكمة. وهذا ما سنحاول توضيحه في القسم الأوَّل من هذه الدراسة، إذ سنتتَّبع أداء الرئاسة المصريّة ومعارضيها من جهة، وردّ فعل "الدولة العميقة" من جهةٍ أخرى.
صنميّة صندوق الانتخاب والبحث عن الصفقة الملائمة
أوضح الأداء السياسيّ للرئيس المصريّ، منذ تولّيه السلطة، أنه يتصرف منطلقًا من كونه يُ ثّل حزب الأغلبيّة الفائز في الانتخابات. وكانت المحطّات السياسيّة الكبرى في رئاسة مرسي؛ مِثل تشكيلِ الحكومة، وتأليفِ طاقم الرئاسة، إضافةً إلى قراراته في الإعلان الدستوريّ الذي أحدث الأزمة السابقة (في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012) تنمّ عن سلوكٍ سياسيٍّ مرتبطٍ بفكرة شرعيّة صندوق الانتخاب واعتماد ما يراه حزبُ الأغلبيّة من إجراءاتٍ سياسيّة ملائمة، بدلً من اعتماد ما تفرضه قيادة البلاد في المرحلة الانتقاليّة من أساليب التوافقات بين القوى السياسيّة - وخصوصًا الثوريّة منها - على الإجراءات السياسيّة.
ولم يتغيَّ سلوك الرئاسة المصريّة بعد الأزمة التي رافقت إقرار الدستور الجديد على الرغم من "معارك الميادين" التي شنّها المعارضون ضدَّها، بل تصرَّف الرئيس المصريّ بعد إقرار الدستور باستفتاء شعبيّ بعكس ذلك؛ بمنطق "المُنتصر"، ورأى أنّه قد حقَّق شرعيّةًانتخابيّةً جديدةً مستمدةً من الصندوق، وأنّه قد هزم المعارضة المصريّة، وذلك على الرغم من وعوده المتكررة - أثناء الأزمة السابقة - بالسعي للاتفاق مع المعسكر المعارض على مناقشة المواد الدستوريّة الخلافية، وعلى تشكيل حكومةِ وحدةٍ وطنية تضمُّ القوى الثوريّة التي اصطفَّت آنذاك في صفوفِ المعسكر المعارض. وعوضًا من ذلك، قامت مؤسّسة الرئاسة المصريّة بخطواتٍ استعراضيّةٍ عبر انتقاء شخصيّات محسوبة على المعارضة لشغْل بعض المناصب ذات الطابع الاستشاري. وقد عكس هذا الإجراء عقلية المُحاصصة؛ فالمعنى الحقيقي لإشراك قوى المعارضة في الحكم ليس السماح لها بشغْلِ بعض المناصب فحسب، بل يعني أيضًا إشراكها في صَوْغ برنامج لإدارة المرحلةِ الانتقالية، مرورًا بالتوافق على خطةٍ اقتصاديةٍ تنتشل الدولة من أزمتها، ووصولً إلى الاتفاق معها على تشكيل حكومةِ وحدةٍ وطنيّة. ويبدو أنَّ مؤسّسة الرئاسة استسهلت الاقتناع بنظرية "المؤامرة من أجل إفشالها"، ولم تُدرك أنَّ هنالك، بالفعل، قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى تتظاهر ضدّها، وضدَّ جماعة الإخوان المسلمين التي تحتضنها. فصحيحٌ أنَّ نسبة هذه الشرائح إلى المجموع المصري قليلة، ولكنّ حصتها في الثقافة والإعلام وفي المجال السياسي عاليَة، وهي قادرة على التأثير في الرأي العامّ وقلْبه، ولديها أسبابها المتعلقة بالقلق على الحريّات العامة وتغوُّل الدين في الدولة. ولئن كانت هذه الأسباب مبالَغًا فيها فإنّها قادرة على تحريك شارع الطبقة الوُسطى وإدخاله في مواجهات جانبيّة - ولكنّها مكلفة - مع نظام الحكم. لقد تبيّ أنَّ الرئيس المصري كان مقتنعًا بأنَّ معارضته لم تكن سِوى ظاهرةٍ صوتيةٍ، وقد استنتج من نتائج الاستفتاء على الدستور أنّه يمكن أن يقود تحالفًا سهلً مع مؤسّسات الدولة العميقة لإدارة شؤون البلاد، فعمد إلى توثيق صِ لاته بالجيش والقضاء والأمن، بالتوازي مع انكفائه إلى جماعته والعمل على انتقاء حلفاء مخلصين له من التيّار السلفيّ؛ كما بيّنت ذلك حركة تعيين المحافظين، في أيلول/ سبتمبر 2012، وفي منتصف يونيو/ حزيران 2013 . وبيّ ذلك أيضًا تعيينُه، في أيّار/ مايو الماضي، المستشار حاتم بجاتو وزيرًا للشؤون القانونية والمجالس النيابية، وقد كان عضوًا في المحكمة الدستوريّة وفي لجنة الانتخابات الرئاسية؛ وتعيينه أعضاءً جددًا في مجلس الشورى، في كانون الأول/ ديسمبر، بعضهم من المعارضين له وبعضهم الآخر من "الفلول"، وأغلبهم من المستقليّن المؤيِّدين له. وقد ظنَّ أنّ مساعيه تلك يُ كِن أن تغنيه عن التوافق مع المعارضة، وعن العمل مع قوى الثورة؛ بل إنّه ظنَّ أنَّ ح لفًا من هذا القبيل يغنيه أيضًا عن متاعب حزب النور السلفي، حليفه الذي يحظى بقاعدة جماهيرية كبيرة. فعمد إلى إقصائه من معسكره بأزمة كان عنوانها إقالة مستشار رئاسي ينتمي إلى حزب النور بتهمة الفساد المالي (وقد تبيّ فيما بعد كذبها). وعلى الأرجح أنَّ الرئيس المصريّ استنتج أنَّ وجود حزب النور في معسكره سوف يعقّد مساعيه للتواصل مع مؤسّسات الدولة العميقة، وسوف يُضفي على تحالفاته صفة التطرّف، وخصوصًا أنّ حزب النور قَرَن دعْمه للرئيس وللحكومة ب "الحصّة" التي سيحصل عليها في النظام الجديد. ولكنَّ الشهور الستة التي أعقبت أزمة الإعلان الدستوري كشفت للرئاسة المصريّة أنَّ من حاولت استرضاءه في مؤسّسات الدولة العميقة، كان جزءًا لا يتجزَّأ من النظام السابق؛ فلم يكن مستعدًّا للشراكة، بل كان قلقًا من فقدان جزء من امتيازاته ومكتسباته التي حصل عليها في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك. لقد أخطأت جماعة الإخوان المسلمين ومؤسّسة الرئاسة في تقييم مدى قدرتها على ترويض "الدولة العميقة" وإدارتها منفردةً. وعلى الرغم من محاولاتها التي أوجزناها سابقًا، فإنَّ جميع المؤشرات كانت قد دلّت في فترة مبكّرة على أنّ الرئيس المنتخب - وهو أقوى جهة بموجب الدستورين القديم والجديد - لا يحكم فعليًّا، وأنّه لا يستطيع فرْض سيطرته حتى على "ذيول" الدولة العميقة، وقد قادته مقاطعة أجهزة الدولة الرئيسة له، إلى محاولة بناء شبكاتٍ حزبيّة موازية، تقوم بعمل الدولة بهدف التخلّص من الفساد. فعلى سبيل المثال حاولت جماعة الإخوان وذراعها السياسيّ القضاء على شبكات الفساد التابعة للنظام القديم التي تُوزّع الخدمات والسلع التي تدعِّمها الدولة (مثل الخبز والوقود) بأسعار أعلى من
المُعلن عنها حكوميًّا، وذلك برعايةٍ من أجهزة الأمن. وأغلب تلك الشبكات مؤسّس من شبكات بيروقراطيّة، وهي تضمُّ، في الحقيقة، مئات الآلاف من المصريين في الجمهوريّة، وقد حاولت جماعة الإخوان المسلمين بناء شبكات موازية توزِّع الخدمات مجّانًا، مستعينة بالآلاف من عناصرها الحزبيّة، وبعددٍ كبيرٍ من الجمعيات الخيرّية المحليّة على مستوى المحافظات. والواقع أنَّها حاولت في بعض المحافظات أن تقيم حتى لجانًا شعبية، أشبه ما تكون بأجهزة شرطة بديلة، لحماية السُّكان في ظلّ استنكاف الداخليّة عن أداء مهمّ تها. ومع كلّ، ذلك لم يُقدِم الرئيس على اتخاذ الخطوة الحكيمة بتقاسم سلطته مع المعارضة، كما أنّه لم يبادر حتى بمصارحة الرأي العام المصريّ بالتحديّات التي تواجهه، بل انتهج بدلً من ذلك سياسة الغموض والسريّة في التعامل مع التناقضات الداخليّة، وهي سياسة تميِّز التنظيمات الحزبيّة المغلقة، لا المؤسّسات التمثيلية التي تخصّ مُجْمَل الشعب. وكما تصرّف الرئيس وجماعته بمنطق "المنتصر"، "مصنِّمً " صندوق الانتخابات، تصرَّفت المعارضة في المقابل بمنطق "عدميّ "؛ إذ عمدت إلى مواصلة سياسة تشويه مَن هُم في السلطة، واستصغار كلّ تحرّكات الرئيس على جميعِ الأصعدة، واتّهامه، بعد أقلّ من سنة من حكمه، بالفشل في حلّ مشكلات البلاد الاقتصادية التي لا يمكن حلّها خلال عامٍ واحد، وامتنعت عن تقديم مبادرات، أو قبول مبادرات، من شأنها تجسير الهُوَّة مع خصومها، وصولً إلى استنكافها عن العمل السياسي داخل المؤسّسات. وعملت بدلً من ذلك على الدعوة إلى الانقلاب على الديمقراطيّة، حتى لو كان ذلك بالوقوف إلى جانب قوىًاجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة محسوبة على النظام السابق، وحتى لو كان ذلك بدعوة الجيش إلى الانقلاب على المؤسّسة الدستوريّة. وهكذا كان سلوك القوى المُعارضة تُجاه كلّ ما تقوم به مؤسّسة الرئاسة، سلوكًا تنافسيًّا محضًا. فوجود حزب أغلبيّة تواجهه معارضة ترفض كلّ ما يقوم به، هو من مميّزات "مرحلة الديمقراطية"، وليس من مميّزات مرحلة "الانتقال إلى الديمقراطية"؛ ففي هذه المرحلة تتطلّب المسؤوليّة الوطنيّة أن تشارك التيارات الرئيسة المجتمعيّة والسياسيّة في بناء الديمقراطيّة وإنجاح المرحلة الراهنة. ولا شكّ في أنَّ الفجور في الخصام الذي انتهجته قوى المعارضة، والهجوم الشَّس من إمبراطوريّة الإعلام المسنودة برجالات النظام السابق المدعومة من دول عربيّة مُعاديّة للثورات، من الأسباب التي دفعت الرئيس إلى الانكفاء إلى جماعته، وذلك ما دلّت عليه خطاباته المتكررة أمام مناصريه من الإسلاميين؛ فلقد بدا من خلالها رئيسًا لجماعةٍ من المصريين، لا رئيسًا للأمّة المصريّة. لقد أدركت المعارضة أنّه لا يمكنها أن تحقّق أهدافها بإطاحة الرئيس المنتخب إلا من خلال التنسيق مع قوى النظام السابق ورموزه ومؤسّساته. وكان أهمّ استنتاجاتها من أزمة الإعلان الدستوري أنّها لا تملك شارع الطبقة الوسطى الذي يكنّ عداءً شديدًا لجماعة الإخوان المسلمين ولكنّه في الوقت نفسه لا يثق بأيّ حزبٍ سياسيٍّ، بل يميل أكثر إلى الثقة برموز الدولة مثل الجيش والقضاء. وهذا ما بيّنته نتائج الاستطلاع الذي أجراه "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات." فعلى الرغم من انخفاض شعبيّة المؤسّسة العسكريّة كما أسلفنا سابقًا، فإن %69 من الشعب المصري مازالت تُولِيها ثقتها التامّة، في حين عبّ ما نسبته %68 من المصريين عن عدم ثقتهم بأيِّ حزبٍ سياسي. وأمّا قُوى المعارضة مجتمعةً فهي لا تحصِّل أكثر من %10 من التأييد، وهي نسبة تقلّ عمّ تحصَّلت عليه جماعة الإخوان المسلمين وحدها، إذ وصلت نسبة تأييدها بحسب الاستطلاع إلى %12 وتبلغ التيّارات الإسلاميّة مجتمعةً نسبة %16 من تأييد المصرييّن، وهي أقل من النسبة التي تثق بالرئيس محمد مرسي، وتصل إلى ما يقارب الثلث في أكثر استطلاعات الرأي تشاؤمًا.
جعل الاستقواء بالأكثريّة الانتخابيّة و"تصنيم" صندوق الانتخابات قوى المعارضة تبحث عن طرقٍ أخرى غير الطريق الانتخابية للوصول إلى السلطة. وفي ظلّ عدم ترسّخ مبادئ الديمقراطيّة وحالة السيولة التي أصابت المجال السياسي، كان من الطبيعي أن يعود النظام السابق مجدَّدًا ليكون حَكمً بين الفرقاء المختلفين.
رئيس من؟ الدولة بوصفها مُعارضة
لقد شاءت الأحوال أن يكون الفائز في انتخاباتِ رئاسة الجمهوريّة، في يونيو/ حزيران 2012، ممثّلً لجماعة كانت - على مدار ستَّة عقود - مستبعَدةً من المجال السياسي ومن الإمبراطوريّة البيروقراطيّة للدولة، لذلك فإنَّ أيّ شراكة مع النظام القديم لم تكن تعني غير تنازل مراكز القوى، داخل النظام القديم، عن جزء من امتيازاتها لمصلحة الجماعة وحلفائها. ولم تكن هذه الصفقة مغريةً لأنّ "حصون" النظام القديم (وهي العسكر والداخليّة والقضاء) لم تكن مهدَّدةً تهديدًا حقيقيًّا منذ إطاحة رأس النظام في 11 شباط/ فبراير 2011. فقد استنكفت الرئاسة المصريّة عن إعادة هيكلة الداخليّة، على الرّغم من أنّ ذلك كان مطلبًا رئيسًا من مطالب الثوّار. وأدّت قوى المعارضة التقليديّة ووسائل إعلام النظام السابق دورًا أساسيًّا في إعاقة تطهير سلك القضاء بدْءًا بمهاجمتها قرار إقالة النائب العام (الذي كان مطلبًا لشباب الثورة)، وانتهاءً بشجْبها مشروعَ قانون السلطة القضائيّة في أيار/ مايو الماضي الذي هدف، أساسًا، إلى إزاحةِ الرؤوس الكبيرة في القضاء المصريّ، من خلال تخفيض سنّ التقاعد لدى القُضاة، ليجريَ تصوير سياسات الرئاسة على أنها "أخونة" للدولة. أما بالنسبة إلى المؤسّسة العسكريّة، فعلى الرغم من استطاعة الرئيس المصريّ المنتخب إجراء تسويَة مع رأسها، جرى بموجبها تنحيةُ القائد العامّ للقوّات المسلّحة المشير محمد حسين طنطاوي وعدد من كبار أعضاء المجلس العسكريّ، وترقية الفريق عبد الفتّاح السيسي خلفًا لطنطاوي، مع العمل على تحصين امتيازات الجيش وحماية موازنته من الرقابة البرلمانية وتأصيل ذلك في الدستور، فإنَّ هذه "الصفقة" سرعان ما بيّنت أنّها ليست كافيةً لكبْح الجموح السياسي للعسكر الذي ينتشر في مناحي بيروقراطيّة الدولة كلّها، ويُرجَّح أن يكون نفوذ العسكر في بيروقراطيّة الدولة المصريّة سببًا جوهريًّا قاده إلى الانقلاب على مؤسّسة الرئاسة في 3 تموز/ يوليو الماضي؛ فقد كانت أغلب التعيينات التي أجراها الرئيس المصري المنتخب على حساب "حصّة" الجيش. وفي ذلك دلالة على أنَّ الرئيس المصريّ ظنَّ أنّه قادر على مشاركة الجيش في المناصب السياديّة مثل المحافظين ونوّابهم، ورؤساء المدن والنواحي، والمديرين في بعض القطاعات، ووصل الأمر إلى أن يُعيّ الرئيس محافظًا مدنيًّا في محافظات كانت مُحرّمةً قبل ذلك إلا على العسكريين من السويس وشمال سيناء والإسماعيليّة،
ولكن ما هو واضح أنَّ الجيش لم يكن مُرغمً على تقاسم حصّته هذه، فالعزلة التي فرضتها الرئاسة المصريّة على نفسها بتخلّيها عن قوى المعارضة عمومًا، وقوى الثورة خصوصًا، وباعتمادها حاضنةً من لونٍ سياسيٍّ وأيديولوجيٍّ واحد، جعلتها أضعف من أن تزاحم الجيش في مواقعه التقليديّة. وقد كانت نتيجة هذه السياسة إضاعة فرصة ذهبيّة لتقليم نفوذ الجيش، خصوصًا بعد انخفاض شعبيته في الفترة الزمنيّة التي رافقت المجازر المتعلّقة بقمْع التظاهرات التي نظّمتها القوى الثوريّة ضدّ حكم العسكر ومن أمثلتها: ماسبيرو، ورئاسة الوزراء، والعبّاسية، وشارع محمد محمود؛ إذ كان المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة في أضعف حالاته شعبيًّا، وكان من السهل على الرئاسة المصريّة إطاحة قيادته عقِب الانتخابات الرئاسيّة مباشرةً، وكان من الممكن للرئيس، لو استطاع حشْد قوى المعارضة والثورة معه، أن يستكمل خطواته بإعادة "موضعة" المؤسّسة العسكريّة، ولكنّ إصراره على السير منفردًا أدَّى إلى استعداء القوى الوطنيّة والثوريّة، ودفعها إلى التشويش على مساره الإصلاحي، وإلى اتهامه ب"أخونة الدولة." ومنذ أزمة الإعلان الدستوريّ، وإقرار الدستور الجديد باستفتاء شعبيّ، وانشغال الرئيس المصريّ بمناكفاتٍ عبثيّة من أطياف المعارضة المختلفة، عاد الجيش المصريّ لاستعادة ما فقده من شعبيّة، من خلال محاولة تقديم نفسه طرفًا راعيًا للح وار في أزمة الإعلان الدستوريّ، ثمَّ سكوته عن حملة توكيلاتٍ "شعبيّة" في مكاتب الشهر العقاريّ في آذار/ مارس الماضي، وقد احتضن الإعلام المصري الحملة، وهو المحسوب على النظام السابق والمدعوم من دول الخليج، في حين تردَّدت المعارضة الوطنيّة في دعْم هذه الخطوة. ولقد كان ذلك قبل نحوِ شهرٍ من انطلاق حملة تمرّد التي تقول تقارير صحفيّة إنها وُلدت من مبادرة عددٍ من الشباب الذين استغلوا حالة الهبَّة الجهويّة التي حصلت في بورسعيد في كانون الثاني/ يناير 2013، وجمعوا تواقيع تحجب الثقة عن الرئيس المنتخب، وتطالب بحكومة وحدة وطنية وبانتخابات مبكّرة. ولكن معلومات مؤكّدة، حصل عليها الباحث من داخل حركة تمرّد، تؤكّد أنّ تنسيقًا قد حصل بين قيادة جهاز الاستخبارات الحربيّة (التي رأسها السيسي قبل أن يصبحَ وزيرًا للدفاع) وشباب -أغلبهم محسوبون على التيّار الشعبي - ساهموا في فتح قنوات اتصال مع رجالات النظام السابق رغبةً في الدعم المادّي، وفي الوصول إلى الشبكات الاجتماعيّة التي استخدمها نوّاب الحزب الوطني المنحلّ في جنيِ الأصوات في الانتخابات البرلمانيّة عامي 2005 و 2010 . وأعطى توافر غطاءٍ مدنيٍّ محسوبٍ على الثورة الجيش مبرّرًا لعودة "الدولة العميقة" للحكم مرّة أخرى، فشهدت الفترة التي أعقبت إقرار الدستور حملةً إعلاميّةً غير مسبوقة ضدّ الرئاسة المصريّة وجماعة الإخوان المسلمين، لم تتوقف عند اتهامهم بالفشل في حلّ أزمات انقطاع الكهرباء وتلوّث المياه ونقْص الوقود - وهي أزمات لا يمكن حلّها في عامٍ واحد - بل تعدّتها إلى اتهامهم بالخيانة والاستخبار لفائدة جهات أجنبيّة، وبالتعاقد على بيْع سيناء والآثار المصريّة، وبأخونة الدولة، وسط سكوت أجهزة الرقابة والأمن العامّ
التي بدت متواطئةً أيضًا عندما لم تحرّك ساكنًا إزاء اعتداءات البلطجيّة التي لم تقتصر على قصور الرئاسة ومقارّ جماعة الإخوان وذراعها السياسيّ حزب الحريّة والعدالة. ولم تكن إمبراطوريّة الإعلام الخاص - وقد أدارها رجال أعمالٍ ارتبطوا بالنظام السابق، وموَّلتها تمويلً أساسيًّا دول عربيّة معادية للثورات؛ مثل السعوديّة والإمارات - جهازًا لترويج الشائعات والتحريض ضدّ الرئيس المنتخب فحسب، بل شمل دورها أيضًا احتضان كثيرٍ من المثقّفين والسياسيين، بعضُ هم من أولئك الذين كانوا مناهضين لنظام حسني مبارك؛ فقد وفّرت برامج الShow" Talk"، وكتابة المقالات القصيرة في الصحف مصدرًا ممتازًا لإدْرارِ دخولٍ إضافيّة، وقد ساعد ذلك هذا الإعلام على إعادة الانتشار في أوساط الشرائح المدنيّة والثوريّة، بعد أن كاد يفقد مصداقيته بسبب مواقفه المؤيدة لحسني مبارك إبّان ثورة الخامس والعشرين من يناير. وبالطبع، أعادت هذه القنوات وجوهًا سياسيّةً وإعلاميّة - محسوبة على النظام السابق - إلى الواجهة بعد أن كادت الثورة تحاكمهم. ومنهم على سبيل المثال، النائب العامّ في عهد مبارك عبد المجيد محمود، ورئيس نادي القضاة أحمد الزند؛ فمهّدت، بذلك، الرأي العام المصريّ لقبول تحالف قوى الثورة والمعارضة الوطنيّة مع رموز قوى النظام القديم ومراكزها، ومن أظهر الدلائل على ذلك الأحاديث الصحفيّة لبعض رموز المعارضة؛ مثل حمدين صباحي، رئيس التيّار الشعبي، ومحمد البرادعي، رئيس حزب الدستور، عشيّة 30 حزيران/ يونيو؛ إذ صرّحوا فيها بضرورة المصالحة مع عناصر النظام السابق. لقد كانت هذه هي النتيجة التي أوصل إليها رفْض أيّ طرفٍ من الأطراف الاتفاق والتنازل للطرف الآخر، ونتيجة وصول حالة الاستقطاب إلى أوجها؛ وهي أيضًا إعطاء مؤسّسات النظام القديم الفرصة للنجاة من محاسبتها حين يصبح معنى العمليّة السياسية لدى الرأي العامّ مكافئًا للفوضى، وحين تصبح وجوهه ومؤسّساته مقبولة لديه إذا ما برزت بمعيّة قوى سياسية محسوبة على الثورة. وهذا ما حصل حينما أبرق الجيش رسالته في 23 حزيران/ يونيو وأمهل فيها جميع القوى السياسية أسبوعًا للتوافق من أجل الخروج من الأزمة، ولكنّ الرسالة في حقيقة الأمر كانت موجّهةً إلى ملايين المصريين الذين عدّوها نداءً للاحتشاد في ميادين مصر من الطرف الأكثر شعبيّةً في البلاد. ولم يُفلح خطاب المكاشفة الذي أدلى به الرئيس حزيران/ يونيو إلا في إعطاء المصريّ في 27 هذا النداء المزيد من الجديّة لتشهد ميادين مصر في 30 حزيران/ يونيو تظاهرات هي الأوسع في تاريخها، ولترسم خريطة قوى سياسيّة واجتماعيّة جديدة سنحاول تقديمَ صورةٍ عنها في القسم التالي.
ما الجديد في احتجاجات 30 يونيو؟
لم يكن من الممكن أن ينقلب الجيش المصري على رئيسه المنتخب لولا تدفّق حشود هائلة إلى شوارع المدن المصريّة المركزيّة وميادينها، فالتصريحات والتقارير المتواترة من شخصيّات معارضة ومن إعلاميين تؤكّد أنّ قيادة العسكر قد ربطت اتخاذها أيّ خُطوة ضدّ الرئاسة المصريّة بنزول حشدٍ يشبه. الحشد الذي نزل إلى الشارع في ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير، أو يفوقه. وهذا الأمر يدلّ على معرفة قادة "الدولة العميقة" أنّه لا يمكن إطاحة مؤسّسة الرئاسة التي قامت على ديمقراطيّة كانت ثمرةً من ثمار 25 يناير، إلا بإنتاج رمزيّة أخرى تطيح رمزيّة الثورة الأولى، وتؤسّس نتائج جديدةً، هي في حدّ ذاتها، إعادة إنتاج النظام القديم. ولكن لا يمكن لأيّ مراقب إنكار أنَّ ملايين المواطنين المصريين نزلوا إلى الشوارع نزولً أدهش حتى القائمين على تنظيم تظاهرات 30 حزيران/ يونيو، وهو الأمر الذي يستدعي إعادة قراءة المشهد السياسي والاجتماعي الذي قاد إلى الحالة الاحتجاجيّة الجديدة التي أعطت غطاءً جماهيريًّا للانقلاب على صندوق الاقتراع. كانت آخر حالة احتجاجيّة كبيرة ضدّ الرئيس المعزول محمد مرسي – قبل احتجاجات 30 يونيو - ما أعقب إصدار الإعلان الدستوريّ في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، لتستمرّ دونما توقّفٍ حتى إقرار
الدستور في 22 كانون الثاني/ ديسمبر 2012. وقد عكست هذه الحالة ميْل قطاعات اجتماعيّة واسعة من الطبقة الوسطى المدينيّة إلى اتّخاذ موقفٍ راديكاليٍّ مُعادٍ للنظام الجديد أدهش الجميع، بما في ذلك قوى المعارضة، وخصوصًا عندما احتشد المتظاهرون في ميدان التحرير يوم الثلاثاء 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، فشجّع وجود هذه الحشود المعارضة على اتّخاذ مواقفَ لا تصالحيّة. وقد ضمّت الاحتجاجات آنذاك بعض التشكيلات النقابيّة الموروثة من النظام السابق، المهدَّدة بالإزاحة على يد النظام الجديد، وعلى رأسها نادي القضاة، ومجموعة كبيرة من مؤسّسات المجتمع المدنيّ التي وجدت في الإعلان الدستوريّ إطلاقًا ليدِ الرئيس، إضافةً إلى مجموعة من الرموز المحسوبة على النظام السابق، حرصت قوى المعارضة على اتّخاذ مسافة منها. وقد لفت الانتباه في تلك الفترة اقتراب قُوىً شبابيّة ثوريّة وحركات احتجاجيّة من أحزاب المُعارضة التقليديّة. وانقسم هؤلاء إلى تيّارين، أحدهما يضمّ الشباب الذين لديهم موقفٌ سلبيّ من الإخوان المسلمين، بسبب مواقفهم في المرحلة الانتقاليّة وما فُهم أنّه تحالفٌ مع الجيش، وخصوصًا شباب أحداث محمد محمود، ومجلس الوزراء، وأحداث ماسبيرو، حين تُجُوهِلت نداءاتهم للنجدة من بطش العسكر. وأمّا التيّار الآخر فهو يضمّ شباب الثورة مثل "حركة شباب 6 أبريل"، و"كلّنا خالد سعيد" و"الألتراس"، وشباب الأحزاب الجديدة المتشكّلة بعد الثورة. ولا يتميّز هؤلاء بموقف سلبي محدَّد من الإسلامييّن، بل إنّ أغلبهم دعم الرئيس المصريّ محمد مرسي في انتخابات الجولة الثانية ضدّ أحمد شفيق مرشّح النظام السابق، وهي حركات لا أيديولوجية، يجمعها "الموقف"؛ لذلك اتّخذت موقفًا ضدّ الإعلان الدستوريّ وضدّ الاستفتاء على الدستور الجديد، يُضاف إليهم مجموعة من الشباب وشخصيّات ذات ميول أيديولوجية علمانيّة متحسّسة من الإسلامييّن، وعلى رأسهم قوى "حركة كفاية"، وشباب "التيّار الشعبي ". ولقد كان ذلك هو الجسم المعارض الذي اتَّصف بافتقاره إلى التجانس الفكريّ والسياسيّ، وبافتقادهِ مؤسّساتٍ قويّةً متماسكةً لاحتوائه؛ فلم يجمعه عمليًّا، آنذاك، إلا الموقف ضدّ تفرّد الإخوان بالحكم. وكان ذلك في أزمة الدستور قُبيل ستة أشهر، فما الذي جدَّ، في 30 يونيو. على الحركة الاحتجاجيّة المُعارضة التي تضاعفت فيها أعداد المحتجين مرّاتٍ عديدة؟ يمكن القول إنّ الجديد في احتجاجات 30 حزيران/ يونيو هو تمكّن "الدولة العميقة" من اكتساب مهارات الحشد الجماهيري، وقد كانت عاجزة عن ذلك طوال الستة والثلاثين شهرًا الماضية على الرغم من ارتباطها بفئات اجتماعيّة واسعة من خلال شبكات الفساد والمحسوبيّة والنفوذ التي لم تفكّر سابقًا في استخدامها في معارك الشارع الاستعراضيّة. ولقد وفّر انشغال القوى السياسية في السلطة والمعارضة الفرصة لما يُسمّى "الفلول"؛ وذلك بإعادة تنظيم نفسها في شكلِ شبكة تحالفات، وهي التي لم تكن في عهد مبارك سوى بُؤر اقتصاديّة واجتماعيّة محميّة سياسيًّا. وأمّا العلاقات في ما بينها فكانت تأخذ شكل الصراع والتنافس؛ كما ظهر ذلك جليًّا في انتخابات مجلس الشعب المزوّرة في نهاية عام 2010 التي شهدت تنافس العديد من المرشّحين - المحسوبين كلّهم على المقعد الانتخابي الواحد. وعندما أ على النظام السابق -طيح مبارك عقِب ثورةٍ شعبيّة مفاجئة لم يتوافر لتلك "البؤر" الوقت الكافي لتصوّر خريطة تحالفاتٍ تؤمّن نفسها من مقصلة الثورة. ونستطيع أن نلاحظ أنَّ تلك القوى مجتمعةً لم تستطع أن تتعدَّى نسبة ال%5 في انتخابات مجلس الشعب في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011؛ أي بعد عشرة شهورٍ من اندلاع الثورة، وقد كان ذلك في ظلّ عدم وضوح بعض مواقف القوى السياسيّة من بعضها الآخر، والرأي العام "الثوريّ" الذي أنتجته الثورة، والذي حرّم على المؤسّسات السياسية والسياسيين والإعلاميين مدّ أياديهم إلى "الفلول". ولكنَّ إدارة المجلس العسكري المرحلةَ الانتقاليّة إدارةً سيئةً، وانشغال القوى السياسية المختلفة بالتحضير للانتخابات البرلمانيّة والرئاسيّة، عطّلت محاسبة رموز النظام السابق ومحاكمتهم، وأدَّت إلى بروز
حالة الاستقطاب بين التيّار الإسلامي والتيّار العلماني الذي أدخل البلاد في حالة فوضى ديماغوجية. وكلّ ذلك من العوامل التي أعطت النظام القديم - برموزه ومراكزه - فرصة العودة مرّةً أخرى ومدّ تحالفاته مع أغلب القوى السياسيّة التقليديّة. وقد اتّضح ذلك على نحوٍ جليّ في نتائج انتخابات المرحلة الأولى حين تأهّل مرشّح النظام السابق، الفريق أحمد شفيق، إلى الجولة الثانيّة أمام منافسه من جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي. وقد حلّ شفيق في المرتبة الثانيّة بعد مرسي، وحصل على أكثر من خمسة ملايين صوت بنسبة تبلغ ال %23، ثمَّ حصد 48.27٪ من أصوات الناخبين في الجولة النهائيّة من الانتخابات. وفي الواقع كان ذلك مؤشًّا بالغ الأهميّة يبرز "الدولة العميقة" طرفًا من الأطراف الساعية للتنافس على أصوات الناخبين. لقد ساعدت مسألة الاستقطاب على أساس الهُويّة بين معسكرين أحدهما إسلاميّ والآخر علمانيّ، إضافةً إلى استنكاف الطرف الذي يحكم عن إشراك المُعارضة الوطنيّة، على طيِّ صفحة محاسبة رموز النظام السابق وعزْلها، ولم يعدْ مستنكرًا، بعد مرور ما يناهز الثلاثين شهرًا على إسقاط نظام حسني مبارك، أن تعتليَ رموز إعلاميّة وسياسيّة - كانت في طريقها إلى المحاكمة بتهم الفساد السياسي والإداري والمالي - منصّةَ المعارضة، وهو ما مهّد للمشهد المليونيّ في 30 حزيران/ يونيو 2013، الذي أظهر أنّ هنالك تحولّاتٌ طرأت على خريطة الشارع الاحتجاجي للتيّار المدنيّ. ويمكن إجمال هذه التحولّات في ما يلي: أولً: على صعيد القوى الشبابيّة والحركات الاحتجاجيّة، طوت الستة وثلاثين شهرًا الماضية صفحة القيادات الشبابيّة التي أشعلت ثورة 25 يناير، والتي عبَّ عنها في السنة الأولى بعد سقوط مبارك "ائتلاف شباب الثورة"، وقد ضمّ بين صفوفه قيادات شبابيّة من خلفيّات مختلفة: إسلاميّة ولبراليّة وقوميّة ويساريّة، وما كان لهذه المحاولة الجامعة - وكان من الممكن أن تكون هيئة لتحقيق الإجماع الوطني - أن تصمد أمام حالة الاستقطاب التي مرّ بها المجتمع الم يررّ، والتي قادت إلى تفسّخ الائتلاف وانتهاء دوره، وتراجع عناوينه الشبابيّة أمام راديكاليّة الشارع التي أجبرت عناوين منضوية إليه، أبرزها "حركة 6 أبريل"، على التماشي معه وطرْح خطابٍ يقصي الإسلاميين ويخفّف من حدته في مهاجمة رموز النظام السابق. كان كلّ ذلك في ظلّ شعورٍ عامٍّ لدى الشباب الثوّار بفشل ثورتهم وعدم تحقق أهدافها، وإحساس عامٍّ بأنّها قد سُقت لمصلحة قُوى تسلَّقتها، وكان من بينها جماعة الإخوان المسلمين التي استعدتهم عندما تفاهمت، في الفترة الانتقاليّة، مع العسكر، ثم زاد العداء نحوها عندما تقلّدت مقاليد الرئاسة. ولا شكّ في أنّ الإحساس بالفشل والشعور الجمعي ب"عدم الرضى" ولّدا صراعات داخليّة في صفوف الثوّار، وخصوصًا بعد أن استهوت الشُّهرة الصفّ الثاني والثالث من شباب الثورة الذي يضمّ شباب التيّار الشعبي وحركة تمرّد، والذي يمكن أن يُفسّ نزعتهم الإقصائيّة ومحدوديّة خبرتهم، إضافةً إلى الأسباب السابقة، بالشعور بالغبن لعدم حصولهم على أيِّ تقدير من الرأي العامّ أُسوةً بزملائهم من الصفِّ الأوّل، وهؤلاء هم الذين بقوا في الميادين في مواجهة احتجاجات الإخوان المسلمين بعد الانقلاب في 3 تمّوز/ يوليو. ثانيًا: أضعفت حالة الاستقطاب والخطابات الإقصائيّة التيّار الوسطيّ الذي أفرزته ثورة الخامس والعشرين من يناير، وقد ضمّ عددًا من الأحزاب النيو - إسلاميّة التي تدعم مدنيّة الدولة؛ مثل "حزب مصر القويّة" بقيادة عبد المنعم أبو الفتوح، و"حزب الوسط" المنشقّ عن جماعة الإخوان المسلمين، و"التّيار المصريّ" الذي يتزعّمه مجموعة من الشباب الخارجين من عباءة الإخوان الذين كانوا ناشطين في ائتلاف شباب الثورة. وضمَّ هذا التيّار أيضًا عددًا من الأحزاب اللبراليّة، وعلى رأسها حزب "غد الثورة" بقيادة أيمن نور، إضافةً إلى مجموعةٍ من المثقّفين المستقليّن والقضاة وأساتذة الجامعات. وكان هذا التيّار قد رفَض الاستقطاب الإعلاميّ الجاري بين "المعسكر الإسلاميّ " و"المعسكر العلمانيّ"، ودعا إلى حلول وسطيّة في أزمة الإعلان الدستوريّ. وقد أدّت الأزمة الأخيرة إلى تفسّخ هذا التيّار إمّا لانحياز بعض مكوّناته إلى أحد الأطراف؛ شأنَ حزب الوسط الذي انحاز كليًّا إلى المعسكر الإسلامي، وإمّا لأنّه غُمر في وسط حملات التشويه التي شُنَّت عليه من طرفَ الأزمة؛ شأنَ حزب مصر القويّة، وحزب غد الثورة. ثالثًا: إنّ القسم الأكبر من متظاهري 30 حزيران/ يونيو الذين لم يسبق لهم أن تظاهروا من قبل، وأكسب انضمامهم للاحتجاجات تراكمً مليونيًّا، هم أنصار فكرة "الاستقرار"، الموصوفون في مصر ب"حزب الكنبة." وتتميّز هذه الشريحة الكبيرة من المواطنين بقلّة اهتمامها بالسياسة، وحتى إن اهتمّ بعضهم بها، فإنّهم لا يكونون مستعدين للنزول إلى الشوارع والتظاهر، إلا في حال تهديد مصالحهم الاقتصاديّة أو أحوالهم المعيشَة. وقد صوّت هؤلاء في الجولة الثانيّة من انتخابات الرئاسة لفائدة الفريق أحمد شفيق الذي رفع شعاري إعادة الأمن ودوران عجلة الإنتاج، وفي المقابل وافقوا على الدستور
الجديد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي عندما رفع مؤيِّدو الدستور شعار "الاستقرار." وتنتشر هذه الفئة في مختلفِ شرائح المجتمع؛ فمنهم من هو مرتبطٌ مصلحيًّا بمؤسّسات الدولة (مثل الموظّفين)، ومنهم من ينتمي إلى الشرائح العليا من الطبقة الوسطى التي تنظر بعين الخطورة إلى مسألة الأمن، ومنهم من ينتمي إلى الشرائح الفقيرة التي تعيش من السياحة ومن شبكات التموين المتركّزة في الأرياف. لقد نجحت إمبراطوريّة الإعلام الخاص المصريّة التي تموّلها بعض دول الخليج، ومراكز قوى النظام السابق في دفعِ هذه الشريحة إلى النزول والتظاهر ضدّ الرئاسة، وخصوصًا بعد استغلال الأزمات الاقتصادية التي تعانيها البلاد؛ مثل مشاكل الكهرباء والمياه والوقود وغيرها، حتى لو وصل الأمر إلى استعمال وسائل غير شريفة مثل اتهام الإخوان المسلمين بتهريب الوقود المصريّ إلى قطاع غزة المحاصر، وقد أدّى ذلك الاتهام إلى نزعات عدائيّة تجاه العرب والفلسطينيين في الرأي العام المصريّ. وعلى الرغم من نقاط القوّة الكثيرة التي امتلكها متظاهرو 30 يونيو، من ناحية تنوّع المشارب والخلفيات ودعْم مؤسّسات المجتمع المدني، والتحالف مع مؤسّسات الدولة العميقة، فإنَّ نقطة ضعفهم تكمن في "النفس القصير" الذي يملكونه؛ وهذا هو ما دفَع الجيش المصريّ، مبكِّرًا، لاقتناص الفرصة والإعلان عن إنذار "جميع الأطراف"، ومنحها مهلة 48 ساعة، للاستجابة لمطالب الحركة الاحتجاجيّة. وقد كان، في الحقيقة، إعلانًا عن الانقلاب على صندوق الاقتراع بلبوسِ ثورة.
بدل الخاتمة: درس 30 يونيو
كتب أحمد سمير، وهو أحد الشباب الذين خرجوا من عباءة الإخوان المسلمين بعد ثورة 25 يناير، في مقالة نشُرت بتاريخ 5 أيار/ مايو 2012، بعد أن قرَّرت الجماعة التراجع عن قرارها والمشاركة في الانتخابات الرئاسيّة: "المرسي يخسر استطلاعات الإنترنت بشكل مهين، وهو ما يعني خسارة الإخوان للطبقة الوسطى والشباب الجامعي الذين يملكون الدخول على الإنترنت والتصويت في استفتاءات المواقع الإلكترونية [...]فالجماعة التي قوامها الشباب ستعتمد أصوات كبار السِّن، وأعضاء الإخوان أبناء الطبقة الوسطى سينتظرون أصوات الطبقة الدنيا التي تقدِّم لهم الخدمات، وإخوان المدينة لن يعنيهم أقرانهم الذين يقارنون البرامج وسيراهنون على أصوات الريف." وختم سمير وصفه ذاك بنصيحةٍ وجَّهها إلى قادة الجماعة قائلً: "تخفَّف قليلً من حماسك أخي في الله؛ فربما تدفع بلدك ودعوتك ثمنه قريبًا، فمن يقاتل ليملك كلّ شيء ربما يخسر كلّ شيء، ومن يَسْعدون بجمْع الأصوات ويبتسمون: موتوا بغيظكم، ربما يموتون هم بأصواتهم". ولم يكن الناشط الإخواني السابق أحمد سمير أوّل من نبّه جماعة الإخوان - ولا آخرهم – إلى المسيرة الخطيرة التي قرّرت الإقدام عليها حينما ظهرت مؤشّات مبكِّرة دالّة على رغبتها في الاستئثار بالحكم؛ فقد أصبح من الواضح بعد تجربة انتخابات مجلس الشعب أنَّ الجماعة تستقوي بالكثرة الريفيّة على القلّة المدينيّة، متجاهلةًالنفوذ الهائل الذي تمتلكه الشرائح المدينيّة في قطاعات المجتمع والدولة التي ما كان من الممكن ترويضها بصندوق الاقتراع وحده، بل بالسعي إلى الشراكة مع القوى المدينيّة الوطنيّة التي من مصلحتها أيضًا محاكمة النظام القديم وإطاحة مراكز قواه. ولقد كانت هذه الخطوة ضروريّة، وليس ذلك بسبب الإمكانات والقدرات المهولة لدى المعسكر الآخر فحسب، بل لأنَّ جماعة الإخوان المسلمين، لأسباب تخصّ بنيتها التي تشبه "الطائفة"، عاجزةٌ عن إنتاج خطاب يلمّ المدينة والريف، ويستثمر الهُويّة المصريّة في تشكيل إطارٍ للتنوّع المصريّ. والنتيجة التي حصدتها الجماعة من هذه السياسة هي انتفاضة قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى المدينيّة التي لا تنقصها القدرة والإمكانات على الالتفاف على الصندوق؛ وذلك بإنتاج خطاب - عبر مؤسساتها الإعلاميّة وعدد مهول من مؤسسات المجتمع المدني-ّ يُعيد تمثيل الشعب المصريّ والتحدّث باسمه، حتى بدا، بالفعل، كأنّه كذلك.