ما وراء الاحتفاء الإسرائيلي بالانقلاب العسكري في مصر
الملخّص
باا العسكري في مصر تناقش هذه الورقة مواقف النخب الإسرائيلية، وترحيبها بالانق، وإلى أيّ مدى تعكس هذه المواقف حقيقة الموقف الإسرائيلي الرسمي، على الرغم من عدم إعلانه. وتستعرض الورقة تكثيف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحركاته، وتوظيف النخبة الإسرائيلية الحاكمة علاقاتها الدولية وجهودها الدبلوماسية، من أجل تأمين الاعتراف بالحكومة التي جاء بها الانقلاب، لا سيما لدى الإدارة الأميركية. وتقدّم الورقة تفسيرات للمواقف الإسرائيليّة، مبرزة مصلحة إسرائيل في دعم الانقلاب، فتستعرض في ذلك عدّة عوامل، أبرزها: استعادة الشراكة الإستراتيجية مع مصر، وبعث الحياة في محور الاعتدال العربيّ، وتجفيف منابع الحركات الإس مااية، ومحاصرة حماس، وتحفيز المفاوضات، وإطالة أمد الحسم في سورية، وتوسيع دوائر الشرخ والاستقطاب في العالم العربي، وتضييق الخناق على إيران، إضافة إلى العوائد الاقتصادية.
على الرّغم من ح رص إسرائيل الرسمية على ضبْط النفس وعدم التعبير عن موقف من الانقلاب العسكري الذي أدَّى إلى عزْل الرئيس المصري محمد مرسي، فإنّ النُّخب الإسرائيلية استغرقت في جدل عميق وواسع في ما يتعلَّق بالانقلاب وتداعياته، إذ برزت خلال هذا الجدل، على نحوٍ خاصّ، مظاهر الاحتفاء العارمة، علاوة على التوسع في طرْح التوصيات المتعلقة بهذا الموضوع. وستحاول هذه الورقة الوقوف على مظاهر الاحتفاء الإسرائيلي بالانقلاب وتفسيره، فضلً عن الإحاطة بجملة الرهانات الإستراتيجية الخاصّة بالمتحاورين في شأنها. واستعراض المواقف الإسرائيلية المعبَّ عنها في المجال العامّ، ونعني بها تلك التي تميل إلى تأييد ما جرى في مصر منذ 30 يونيو، وبدرجة أكبر منذ 3 يوليو، لا يعني أنه ثمّة علاقة للانقلابيين، أو المتظاهرين، أو النُّخب السياسية التي قادتهم، بهذه المواقف الإسرائيلية. فما سنستعرضه هو المواقف الإسرائيلية ممّ جرى في مصر، بدلً من المواقف المصرية من إسرائيل.
الاحتفاء بالانقلاب
على الرّغم من التعليمات التي أصدرها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لوزرائه بالتزام الصمت وعدم التعليق على الانقلاب العسكري، الذي أطاح الرئيس المصري محمد مرسي، فإنّ النُّخب الإسرائيلية احتفت بالانقلاب العسكري احتفاءً يلفت النظر. وقد تضمَّن الجدل الإسرائيلي بشأن الانقلاب الكثير من الثناء والإعجاب بالسيسي. ولقد صوَّر الكاتب الإسرائيلي آرييه شافيت مظاهر الاحتفاء العارمة التي حظيَ بها الانقلاب العسكري وحالة الإعجاب بما أقدم عليه السيسي"، على النحو التالي: "إنّ الجنرال عبد الفتاح السيسي هو بطل إسرائيل، فلا يحتاج المرء إلى أن تكون لديه عين ثاقبة، على نحوٍ خاصّ، حتى يكتشف نسبة التشجيع العميق والإعجاب الخفيّ اللذين تكنّهما النُّخبة الإسرائيلية لقائد قوات الجارة الكبرى من الجنوب الذي أقدم على سجْن الرئيس المنتخب الذي كان قد عيَّنه في منصبه. وفي الوقت الذي يحتدم الجدل، في الولايات المتحدة، بشأن الموقف من التنوير غير الديمقراطي الذي يمثله الجنرال السيسي، والديمقراطية غير المتنورة للرئيس مرسي؛ لا يوجد في إسرائيل جدل متعلّق بهذه المسألة، فكلُّنا مع السيسي، كلُّنا مع الانقلاب العسكري، كلُّنا مع الجنرالات الحليقي اللّحى الذين تلقَّوا تعليمهم في الولايات المتحدة، ونحن نؤيِّد حقَّهم في إنهاء حُكم زعيم منتخب ملْتَحٍ، على الرّغم من أنه تلقَّى تعليمه، أيضًا، في الولايات المتحدة، وعلى الرّغم من أنّ هؤلاء الجنرالات كان يوجب أن يكونوا خاضعين لتعليماته، كما هو الحال في النُّظم الديموقراطية."
ولا يمكن فهْم مظاهر الاحتفاء الإسرائيلي العارمة بالانقلاب بمعزل عن الموقف الإسرائيلي التقليدي من النُّخب الحاكمة في مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، ذلك أنه موقف ينطلق من افتراض مفاده أنّ احتفاظ العسكر بمعظم الصلاحيات في مصر يمثل "مصلحة قومية" لإسرائيل؛ في حين أنّ إضعاف نفوذهم يضرّ بهذه المصلحة. وإنّ محافل التقدير الإستراتيجي في إسرائيل ترى في هيئة الحكم القائمة حاليًّا في مصر بعد الانقلاب، تلك التي تضمّ العسكر واللبراليين، أفضل صيغة حُكم يمكن أن يساهم وجودها في تحقيق مصالح إسرائيل الإستراتيجية؛ إذ يسود افتراض مداره على أنّ مثل هذا التحالف سيكون فاعلً جدّا في مواجهة "الجهات المتطرفة"، لأنه لا توجد قيود أيديولوجية تمنعه من القيام بمهمة المواجهة هذه. ومن المفارقة أنّ مظاهر الاحتفاء الذي تبديه النُّخب الإسرائيلية بشأن
الانقلاب العسكري في مصر تأتي في ظلّ شبه إجماع داخل إسرائيل على وصف ما حدث بأنه انقلاب عسكري على رئيس منتخب. وفي بعض الأحيان يحمل الاحتفاء الإسرائيلي بانقلاب العسكر وتزيينه في طياته مضامين عنصرية ذات خلفيات استشراقية استعلائية، عبْ الزعم أنّ التجربة دلَّت على أنّ الديمقراطية لا تصلح للعرب، وأنّ الطغاة فقط هم الذين بإمكانهم حُكم مصر. وقد استفزَّت مظاهر الاحتفاء بالانقلاب العسكري في مصر بعض أصحاب الرأي الذين رأوا أنّ هذه المظاهر تعكس في الواقع نفاق النُّخب الإسرائيلية وعدم مبدئيتها؛ فهي تبيح لنفسها تبرير التعدِّي على الديمقراطية، لأنها جلبت للحكم قوى لا تنسجم مع مصالح إسرائيل، ولأنّ صعود الإخوان ساعد – ضمن أمور أخرى - حركة حماس.
الدعم الإسرائيلي للانقلاب
إنّ التزام إسرائيل الرسمية الصمت إزاء ما حدث في مصر، يتنافى مع ما نشرته الصحف الإسرائيلية عن التحرك الكثيف الذي قامت به حكومة اليمين برئاسة نتنياهو من وراء الكواليس لضمان نجاح الانقلاب. وبموجب هذه التغطية الصحفية، لم تتردّد النُّخبة الإسرائيلية الحاكمة في توظيف علاقاتها الدولية، محاولةً بذلك تأمينَ اعترافٍ بالانقلاب، ولا سيما ضمان اعتراف الإدارة الأميركية. وقد توجّهت الحكومة الإسرائيلية من خلال عدّة قنوات إلى مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية، مطالبةً بعدم المسّ بالمعونات الأميركية المقدّمة للجيش المصري، المقدّرة ب 31. مليار دولار، بالنظر إلى أنّ قطْع المساعدات سينعكس سلبيًّا على الأمن القومي الإسرائيلي. وقد شارك كلّ من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه موشيه يعلون ومستشار الأمن القومي يعكوف عامي درور في الجهد الهادف إلى ضمان الاعتراف الأميركي بالانقلاب وعدم قطْع المساعدات للجيش المصري، من خلال تواصلهم مع كلّ من وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ووزير الدفاع تشاك هيغل، ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس، وحثّهم على عدم الإصغاء إلى الدعوات التي تصاعدت في الولايات المتحدة مطالبةً بوقف تقديم الدعم للجيش المصري، على أساس أنّ تواصل هذا الدعم يتعارض مع القانون الأميركي، الذي يحظر تقديم المساعدة لقوَّة انقلبت على حكومة منتخبة. وبما أنّ الحكومة الأكثر يمينيةً وتطرفًا في تاريخ إسرائيل قد كانت معنيةً بتقديم الدعم السياسي والمالي للانقلاب، فقد انشغلت الكثير من النُّخب الإسرائيلية المرتبطة بمؤسّسة الحكم بتقديم نصائح وتوصيات متعلقة بالسبل الكفيلة بدعم الانقلاب وضمان تكريس شرعيته الداخلية. ومن الأهمية بمكان الوقوف عند جملة التوصيات التي قدمها "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي الذي يُعدّ أحد أهمّ محافل التقدير الإستراتيجي في إسرائيل لصنَّاع القرار في تل أبيب، في ما يتعلّق بسُبل دعْم الانقلابيين في مصر وتكريس شرعيتهم: 1 ضرورة القيام بتحرك عاجل وفاعل لتشجيع المستثمرين الأجانب على تدشين مشاريع البنى التحتية في مصر، من أجل توفير فُرص العمل وتقليص مستويات البطالة في مصر، بالنظر إلى أنّ استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية في مصر سيهدِّد حُكم العسكر. يجب على إسرائيل أن تطلب من الولايات المتحدة تشجيع الأنظمة العربية التي ناصبت حُكم الإخوان المسلمين العداء، ولا سيما السعودية وبعض دول الخليج، على مواصلة تقديم المساعدات لحكم العسكر من أجل ضمان نجاح حكمهم، مع تأكيد أنّ هذه الأنظمة كانت معنيَّة بإفشال حُكم الإخوان، لأنها كانت ترى أنّ نجاح حكمهم قد يولد قوة دفعٍ تؤثِّر سلبيًّا في فرص بقائها. السعي لإيجاد قنوات اتصال بالحركات الشبابية ذات التوجه العلماني اللبرالي التي شاركت في تفجير الثورة المصرية، وذلك بتوظيف القوة الإسرائيلية الناعمة من خلال طرْح فكرة
التعاون في مجال حلّ المشاكل الاقتصادية أو الاطلاع على تجربة إسرائيل في إدارة الحكم. إلى جانب ذلك، هناك من دعا إلى تحديد مكامن الخطر الاقتصادي التي تهدِّد حُكم العسكر وإلى المسارعة إلى تقديم المساعدة في حلِّها، ولا سيما في ما يتعلَّق بمشكلتي المياه والزراعة، مع تقديم اقتراح يعرض إمكانية استفادة مصر من القدرات التقنية والعلمية لإسرائيل، لتقليص تأثير هاتين المشكلتين.
وبالطبع لا توجد مؤشرات دالّة على نجاح إسرائيل في تحقيق أي خطوة من هذه الخطوات التطبيعية، ولا سيما أنّ قادة التحرك الانقلابي في مصر يستندون إلى ما يسمونه "شرعية الشارع"، ومثل هذه الخطوات تساهم في تقويض حتى هذا النوع من الشرعية. وقد وصل الحماس والاحتفاء بالانقلاب إلى حدّ مطالبة بعض النُّخب السياسية الإسرائيلية الرئيسَ الأميركي باراك أوباما باستخدام نفوذه من أجل تغيير القانون الأميركي الذي يحظر تقديم الدَّعم لجهات تنقلب على نظام حُكم منتخَب. وقد ظلَّت النُّخب الإسرائيلية تؤكِّد ما تعدّه عوائد إيجابية في حال نجاح حُكم تحالف العسكر واللبراليين في إدارة شؤون مصر، وأهمية ذلك في كبْح جماح الإسلاميين في المستقبل القريب والبعيد.
الرهانات الإسرائيلية على الانقلاب
إنّ الاحتفاء الإسرائيلي بالانقلاب وتجنّد الحكومة الأكثر تطرُّفًا في تاريخ إسرائيل لضمان عدم محاصرتها دوليًّا يعكسان، في الواقع، أهمّية الرهانات التي تعقدها الدولة العبرية على ذلك الانقلاب، وسعيها في توظيفه لتخليصها من التداعيات "السلبيًّة" لثورات الربيع العربي التي أضرَّت ببيئتها الإستراتيجية، وفي هذا السياق يتعرض الباحث لجملة من الرهانات:
أولا: استعادة الشراكة الإستراتيجية مع مصر
نظرت إسرائيل إلى ثورة الخامس والعشرين من يناير بوصفها نقطة تحوّل فارقة في علاقتها بمصر؛ حيث انطلقت النُّخبة العسكرية الإسرائيلية من افتراض مفاده أنّ هذا الحدث التاريخي المهمّ يمهِّد لتحول درامتيكي في نسق العلاقة بين الجانبين. ولعل التطور الذي كرَّس هذا الانطباع هو القرار الذي اتخذته لجنة الشؤون العربية في مجلس الشعب المصري بتاريخ /12 /3 2012، عندما دعت اللجنة المجلس العسكري الحاكم برئاسة المشير طنطاوي إلى أنّ إسرائيل هي "العدو الرئيس" لمصر، وأنّ الدولة العبرية هي أكبر مصدر تهديد للأمن القومي المصري؛ وأنه يجب التعامل مع إسرائيل على هذا الأساس. وعلى الرّغم من أنّ قرار اللجنة البرلمانية المصرية لم يترك صدى واسعًا للجدل الداخلي المصري، فإنه حظيَ باهتمام كبير لدى النُّخب السياسية والعسكرية في تل أبيب بوصفه تطورًا "تأسيسيًّا" لمرحلة جديدة في العلاقات بمصر. وإنّ هذا التحول، في نظر المستويات الإسرائيلية، كان يؤذن بانتهاء الشراكة الإستراتيجية التي كانت قائمة بين الجانبين في عهد نظام الرئيس المخلوع مبارك، على الرّغم من تواصل بعض صور التنسيق الأمني بين الجانبين حتى في عهد الرئيس المعزول مرسي. وكان معيار تحقُّق الشراكة الإستراتيجية مع نظام مبارك، يتمثل بتطوُّع مصر لمساعدة إسرائيل في تحقيق أهداف إستراتيجية وتحقيق اختراقات إقليمية. ولقد ظلت إسرائيل ترى
في مصر تحت حُكم مبارك "حجر الزاوية الأهمّ في النظام الإقليمي"، إذ كان الانطباع السائد لدى صنَّاع القرار في تل أبيب أنّ السياسات الإقليمية التي اتبعها مبارك كانت تلائم المصالح الإسرائيلية تمامًا وإنّ إدراك مدى استفادة إسرائيل من الشراكة الإستراتيجية مع نظام مبارك وعمقها، كان مسوّغًا لدى النُّخب السياسية الإسرائيلية لمطالبة الولايات المتحدة بقطْع المساعدات عن مصر في عهد مرسي، لرفضه السماح باستعادة هذه الشراكة. ما يُغري إسرائيل بالتفاؤل بتبعات الانقلاب على مرسي، ليس إمكانية استعادة مظاهر الشراكة الإسرائيلية فحسب، بل حالة الفوضى وحقيقة الاستقطاب وعدم الاستقرار من العوامل التي ستقلِّص فُرصَ تفرُّغ المصريين للقيام بأيِّ تحرك نهضوي يساهم في تغيير موازين القوى القائم أيضًا. تأمل إسرائيل أن يكون أوّل مظاهر استئناف الشراكة الإستراتيجية مع حُكم العسكر هو تعزيز التعاون مع الجيش المصري في مواجهة البؤر الجهادية في سيناء والتصدي لعمليات تهريب السلاح عبر سيناء إلى قطاع غزة، بالنظر إلى أنّ هذا الأمر سيحدُّ الخطر المنبعث من قطاع غزة، ولا سيما على الجبهة الداخلية الإسرائيلية. ومن هنا تصاعدت الدعوات في إسرائيل عقب الانقلاب من أجل التعامل بمرونة وواقعية والسماح للجيش المصري بالعمل بحرِّية في سيناء مجاوزًا ما نصَّت عليه اتفاقيات كامب ديفيد من أجل محاربة "الإرهاب"، مع الانتباه إلى عدم استغلال المصريين الأمر من أجل تكريس حقائق على الأرض.
ثانيًا: بعث الحياة في "محور الاعتدال العربي"
لقد انطلقت إسرائيل في احتفائها ورهاناتها الواسعة على الانقلاب العسكري في مصر من افتراض مفاده أنّ هذا الانقلاب يفتح المجال لإحداث تغيير جذري في منظومة التوازنات الإقليمية التي فرضتها الثورات العربية، وقد يعيد الانقلاب وما تبعه من تحولّات هذه المنظومة إلى الواقع على نحوِ ما كانت عليه قبل الربيع العربي، على أن يكون أحد أهمّ مظاهر التحول في التوازنات الإقليمية هو انبعاث محور الاعتدال العربي من جديد، ويُفترض أن يضمّ هذا المحور إلى جانب مصر، كلًّ من السعودية والأردن وجميع دول الخليج ماعدا دولة قطر؛ إذ تنطلق إسرائيل من افتراض مفاده أنّ هذا التحول سيسمح لها مرّة أخرى بهامش مرونة كبير في التعامل مع دول المنطقة بكيفيّة تحقِّق مصلحتها. ما يبعث الاطمئنان في النُّخب الإسرائيلية على عودة منظومات التوازنات التي ترفد انبعاث محور الاعتدال من جديد، هو، مسارعة دول الخليج - ماعدا قطر - إلى تقديم 21 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد المصري بعد الانقلاب. ومن هنا، فإنّ الافتراض السائد في إسرائيل هو أنّ نجاح تحالف العسكر واللبراليين في جلْب الاستقرار لمصر سيحسّن البيئة الإستراتيجية لإسرائيل، وذلك من خلال تعزيز فُرص مواجهة الجماعات الجهادية الإسلامية، وصدّ التهديد الإيراني، وتوفير أحوال أفضل لمواجهة برنامج طهران النووي، ومن ثمّة لا يجد الإسرائيليون غضاضةً في مطالبة الإدارة الأميركية بالمساهمة في تعزيز قوَّة تحالف الجيش واللبراليين في مصر.
ثًالث ا: تجفيف منابع الحركات الإسلامية
يكمن أحد أهمّ دوافع الاحتفاء الإسرائيلي بالانقلاب على مرسي في أنه قد مثَّل، في نظرهم، فرصةً لتقليص دور الحركات الإسلامية في التأثير في دوائر صُنع القرار في العالم العربي، في المدى المنظور. وإنّ ما ضاعف الشعور بالرضا بالنسبة إلى بعض النُّخب الإسرائيلية، حقيقةً، أنّ الانقلاب أثبت لها بطلان ذلك الانطباع القائل إنّ الإسلام السياسي قوة سياسية لا تهزم، ولا سيما بعد فشل الإخوان المسلمين
في إدارة شؤون بلد مثل مصر أكثر من عام. وترى تلك النُّخب أنّ تأييد قطاعات واسعة من المصريين الانقلابَ على مرسي يدلُّ على أنهم لم يعودوا يؤمنون بشعار "الإسلام هو الحل". ولقد أغرى الانقلاب بعض النُّخب الإسرائيلية بتقديم تصورات لصورة العلاقة "المثالية" التي يجب أن تكون سائدة بين الجانب العسكري والجانب المدني في إدارة الحكم في مصر، كما أغرتها دعوة تفويض الجيش المصري بإعادة تجربة تدخُّل عسكر تركيا الطاغي في الحكم، عندما كانوا يحكمون تحت غطاء مدني قبل صعود أردوغان. ولم يتردَّد بعض المعلِّقين المرتبطين بالمؤسّسة الحاكمة في إسرائيل في دعوة صنَّاع القرار في تل أبيب من أجل إقناع الغرب بقيادة تحرك عالمي يهدف إلى إبعاد الإخوان المسلمين عن الحكم، وليس ذلك في مصر فحسب، بل في كلّ دولة عربية، ولا سيما تلك التي صعد فيها الإسلاميون.
وضمن "العوائد الإيجابية" للانقلاب، كما يشير إلى ذلك الإسرائيليون، دورٌ مرتقبٌ في تشجيع الأنظمة العربية على شنِّ حرب لا هوادةَ فيها ضدّ الإسلام السياسي، وضمن ذلك خطوات قد يتَّخذها النظام الأردني ضدّ جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب حَفْز الاحتجاجات ضدّ الحكومات التي شكَّلها الإسلاميون، أو كان لهم فيها مشاركة ما، ولا سيما ذلك التحالف الحاكم في تونس الذي تُعدُّ فيه حركة النهضة حجر الزاوية. وفي إسرائيل هنالك من راهن على أنّ الانقلاب لن يساهم في انهيار جماعة الإخوان المسلمين فحسب، بل سيؤدي إلى تضرُّر المنظمات والمؤسّسات الإسلامية العاملة في أرجاء العالم - وتحديدًا في أوروبا - الناشطة في تقديم الدعم للفلسطينيين وفي حملات نزْع الشرعية عن إسرائيل.
رابعًا: محاصرة حماس، وحَف ز المفاوضات
لا خلاف بالنسبة إلى إسرائيل على أنّ حركة حماس هي أكثر الأطراف تضرّرًا من الانقلاب على مرسي، ولا سيما بعد كيْل الاتهامات لها بشأن التدخل في الشأن المصري، وبعد أن تحولت إلى "عدوّ الاستقرار" في مصر، وهي الصورة التي يسعى الإعلام المصري لتثبيتها. ويسود انطباع في إسرائيل مُجمله أنّ الحكم الجديد سيكون عدائيًّا لحركة حماس في قطاع غزة، في حال استقرار تحالف العسكر واللبراليين في مصر، وهذا الأمر سيجعلها أكثر ارتباطًا بالمساعدات التي تقدمها كلّ من تركيا وقطر، في حين أنّ في إسرائيل من يحذِّر من أنّ "الأزمة" التي تعانيها حماس حاليًّا قد تضطرّها إلى محاولة استعادة وتيرة علاقتها بطهران عقب فقدانها علاقتها بمصر، لأنها محتاجة إلى الدعم المالي الإيراني. السؤال المركزي الذي يُطرح بقوَّة في الجدل الإسرائيلي الداخلي بشأن مستقبل التعامل الإسرائيلي مع حركة حماس، عقب الانقلاب الذي قاده السيسي، هو: أتكون إسرائيل أكثر جرأة في توجيه الضربات العسكرية إلى الحركة بوجهٍ خاصّ، وإلى فصائل المقاومة العاملة في قطاع غزة بوجهٍ عامّ أم أنها تواصل التعامل مع الحركة بحذر؟ من الأهمية بمكان الإشارة إلى حقيقة أنّ الكثير من المستويات الرسمية في إسرائيل قد استنتجت عقب ثورة 25 يناير، وتحديدًا بعد فوز مرسي، أنّ هذا التطور سيقلِّص من قدرة الجيش الإسرائيلي على
ضرْب حركات المقاومة الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة، بسبب التأثُّر الطاغي الذي بات يتمتَّع به الرأي العام العربي، ودوره المحتمل في الضغط على صنَّاع القرار في العواصم العربية للردّ على الاعتداءات الإسرائيلية. فأوّل وهلة، بدا الانقلاب كما لو كان محفِّزًا لإغراء إسرائيل بالمبادرة إلى التحرُّش بحركة حماس واستدراجها إلى مواجهة عسكرية، وهذا الانطباع هو الذي خلصت إليه كثير من التحليلات العربية والفلسطينية على وجه الخصوص. لكنّ الرأي السائد في إسرائيل، على خلاف الانطباعات المتقدِّمة، أنه ليس من مصلحة تل أبيب تحديدًا استغلال ما جرى في مصر لاستهداف حماس وشنّ حملات عسكرية على غزة، أو حتى زيادة وطأة الحصار. فبحسب توصيات "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي للحكومة الإسرائيلية، يجب عدم استغلال الانقلاب ومحاصرة حركة حماس في الزاوية، وظهرها للحائط، بحيث لا يكون أمامها إلَّ خيار واحد، ألا وهو تكثيف العمل المسلَّح ضدّ إسرائيل. وبحسب هذا المنطق، فإنّ دفْع حماس إلى شنّ عمليات عسكرية ضدّ إسرائيل؛ وما يتبعه من ردود إسرائيلية، سيهدِّد ما تُعدّه إسرائيل فوائد لها من الانقلاب العسكري الأخير في مصر، بالنظر إلى أنّ الردود العسكرية الإسرائيلية ستجعل الرأي العام العربي يُبدي اهتمامًا بالسلوك الإسرائيلي، بحيث يتولَّد ضغْط على الحكم الجديد في القاهرة لاتخاذ سياسات سلبيَّة تجاه إسرائيل. ولتجنُّب هذا السيناريو أوصى "مركز أبحاث الأمن القومي" باتخاذ خطوة درامتيكية للتأثير في نمط العلاقة بحركة حماس، وذلك بتعزيز "العناصر المعتدلة" في هيئتها القيادية؛ وتتمثل هذه الخطوة بالتوصل إلى اتِّفاق مع حكومة غزة بشأن استخراج الغاز الاحتياطي المكتشف قبالة ساحل غزة، وذلك لشراء الهدوء الأمني. وإنّ ما يحثُّ محافل التقدير الإستراتيجي في إسرائيل على استخلاص هذه الاستنتاجات، حقيقةً، أنها تدرك أنّ الانقلاب على مرسي لم يقلِّل من دور الرأي العام العربي، واضطلاعه بدور مركزي في التأثير على دوائر صُنع القرار، ولا سيما في البلدان التي شهدت ثورات الربيع العربي، لذا، فإنّ الاستنتاج الذي خلصت إليه الكثير من هذه المحافل، هو، أنه ينبغي ألّ يُهمل تأثير الرأي العامّ العربي عند التفكير بشنّ حملات عسكرية ضدّ المقاومة الفلسطينية، خشية أن تمارس الجماهير العربية ضغوطًا على صنَّاع القرار لاتخاذ سياسات عدائية تجاه إسرائيل. وبغضّ النظر عن موقف الحكومة اليمينية في تل أبيب من هذه التوصيات، فإنها تدلّ على أنّ الإسرائيليين يرون أنّ هامش الخيارات المتاح لدى حركة حماس والمقاومة الفلسطينية يمنحها القدرة على إعادة خلْط الأوراق، وهذا الأمر يستدعي الحذر لدى التفكير في الخيارات العسكرية. وفي الوقت ذاته يسود في إسرائيل رأي مفاده أنّ الانقلاب، وإخراج الإخوان المسلمين من المشهد السياسي، وتضعضُ ع مكانة حركة حماس، أحداث ستنعكس "إيجابيًّا" على فرص إحياء المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بالنظر إلى أنّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيجد غطاءً عربيًّا لإجراء المفاوضات مع إسرائيل. لكنّ إجراء المفاوضات لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج إيجابية، وليس ذلك بسبب منطلقات حكومة اليمين التي نجحت في إملاء موقفها الذي يفرض فكرة تجميد الاستيطان والتهويد على السلطة الفلسطينية فحسب، بل لأن الانقلاب أضفى، في نظر النُّخبة الإسرائيلية اليمينية، صدقًا ما على خطاب اليمين الإسرائيلي الأيديولوجي أيضًا، فقد اعتبر بعض الكتاب اليمينيين أنّ حالة "التشظي" التي يشهدها العالم العربي، والتي برزت عقب الانقلاب، تدلّ على بؤسِ حلِّ الدولتين، من حيث هو مسار لتسوية الصراع ضدّ الفلسطينيين، إذ لا يجدر بإسرائيل التخلي عن أوراق القوة لديها في الوقت الذي يستنزف العرب بعضهم الآخر.
خامسًا: إطالة أمد الحسم في سورية، واتساع دوائر الش رخ والاستقطاب في العالم العربي
إنّ إحدى الثمار "الإيجابية" للانقلاب على مرسي، كما ترصدها إسرائيل ترتكز على أنّ هذا التطور يساهم في تحقيق هدف إسرائيلي إستراتيجي، ألا وهو إطالة أمد المواجهة المسلحة بين النظام والثوار في سورية؛ بالنظر إلى أنّ تحالف العسكر واللبراليين الحاكم في مصر تبنَّى بالفعل مواقف معادية من الثورة السورية، وهو ما أوقف جملة من
الإجراءات التي اتخذها الرئيس المعزول مرسي لمصلحة الثوار، والتي وصلت ذروتها في مشاركة مرسي شخصيًّا في مؤتمر جماهيري حاشد نظَّمته الجماعات السلفية في القاهرة لنصرة الثورة السورية. ومما يضاعف الآثار "الإيجابية" للانقلاب على مرسي في نظر الإسرائيليين، حقيقةً، أنه وسَّع من بُؤر الشَّخ ودوائر الاستقطاب في العالم العربي؛ فإلى جانب الشَّخ المذهبي الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة بين السنة والشيعة، ولا سيما مع اندلاع الثورة السورية، ووقوف حزب الله وإيران وقوى شيعية أخرى إلى جانب النظام؛ فإنّ الانقلاب في مصر قد أعاد إلى السطح الاستقطاب بين المتدينين والعلمانيين في العالم العربي، ومن الواضح أنه كلما تعدَّدت بُؤر الشرخ ودوائر الاستقطاب في العالم العربي، فإنّ التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي يتراجع، وهذا يحقِّق الطراز الأول من المصلحة الإسرائيلية.
سادسًا: تضييق الخناق على إيران
إنّ قوّة تضاعف فرص استعادة "محور الاعتدال" وفاعليته، في العالم العربي، إنما هما بَعد الانقلاب على مرسي؛ ذلك أنّ هذا الأمر قد قاد – في نظر كثير من المحافل الإسرائيلية – إلى تقليص هامش المناورة أمام إيران، بالنظر إلى أنّ هذا التحول قد يزيد من فاعلية القوى الإقليمية العربية المناهضة لإيران، بعد انضمام مصر إليها. ولقد تطوَّعت الكثير من النُّخب الإسرائيلية في توصية دوائر صُنع القرار في تل أبيب إلى تحرُّك عاجل من أجل استغلال الواقع الجديد، وتحسين قدرتها على المناورة بين الفرقاء في العالم العربي، لتحقيق أكبر قدرٍ من التأثير في مواجهة إيران، وتضيق الخناق على برنامجها النووي، عبْ إيجاد قاعدة للتعاون الإقليمي ضدّ الجمهورية الإسلامية.
سابعًا: العوائد الاقتصادية
إنّ كثيرًا من الأوساط داخل إسرائيل ترى أنّ تحسُّن البيئة الإستراتجية للدولة العبرية، عقب الانقلاب على مرسي، سيسمح للجيش الإسرائيلي بمواصلة خططه الهادفة إلى إحداث تقليص في موازنة الأمن وتبنِّي إصلاحات في نظام بنيان القوة العسكرية، بما يسمح بتقليص النفقات الأمنية. وبحسب المنطق الإسرائيلي، فقد أدَّى الانقلاب في مصر، وما تبعه من وقوع بلاد النيل في حالة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي، إلى تقليل فرص نشوب حرب في المستقبل بين مصر وإسرائيل. وما حسَّن البيئة الإستراتيجية لإسرائيل أنّ الانقلاب جاء عقب تفكُّك الجيش السوري الذي جعل فرص حزب الله في مواجهة إسرائيل تتضاءل، ولا سيما عقب تورطه في مواجهة الثورة السورية، وهذا الأمر يسمح بإحداث تقليص في موازنة الأمن، ويعني توجيه المزيد من الموارد للمجالات المدنية. وتكتسب هذه المعطيات أهمية كبيرة، لأنّ قيادة الجيش الإسرائيلي افترضت بعيد فوز مرسي أنّ المواجهة بين إسرائيل ومصر باتت مسألة وقت، ممّ جعل هيئة أركان الجيش تطالب بموازنة إضافية بقيمة 51 مليار شيكل 4.4(مليار دولار). وإنّ التقديرات الأولية للتكلفة المالية لمتطلبات إعادة بناء القوة العسكرية عقب فوز مرسي، كما قدَّمها وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان لحكومة نتنياهو الثانية، تفوق العشرة مليارات دولار. ولئن كان الانقلاب على مرسي يعزِّز فرص صمود اتفاقية كامب ديفيد، فإنّ تحقُّق هذا السيناريو يحمل في طياته، على الصعيد الاقتصادي، أهمية إستراتيجية كبرى لإسرائيل، إذ إنّ ضمان الحفاظ على هذه الاتفاقية يعدُّ ركنًا أساسيًّا من أركان الأمن القومي الإسرائيلي، لأنه – ضمن أمور أخرى – يضمن عدم عودة إسرائيل إلى الوضع الاقتصادي الكارثي الذي ساد بعد حرب 73، وقبل توقيع "كامب ديفيد"؛ إذ كانت موازنة الأمن تستحوذ على %47 من موازنة الدولة، في حين تتجاوز حصة الأمن في الموازنة عند تفجُّر ثورة 25 يناير %15.1 من الموازنة.
مخاطر
إزاء العوائد الإيجابية التي يرصدها الإسرائيليون بوصفها نتاجًا للانقلاب على مرسي، فإنّ هناك مخاوف من أن تؤدي حالة عدم الاستقرار في مصر إلى تضاعف خطر الجماعات الإسلامية المسلحة، بالنظر إلى أنها
نتاج حالة الفوضى التي قد يقود إليها احتجاج الإسلاميين على عزْل مرسي. وتخشى إسرائيل إن تطورت أشكال الاحتجاج ضدّ التحالف الحاكم من العسكر واللبراليين، فتصل إلى حدّ قيام الجماعات الإسلامية باستهداف إسرائيل انطلاقًا من سيناء. وتنطلق إسرائيل من افتراض مفاده أنّ أبرز نتيجة لهذا التحول هو تضاعف التهديد على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، لأنّ الجماعات الإسلامية ستكثِّف استخدام الصواريخ. وإنّ تضاعف هذه المخاطر يضفي جانبًا من الصدق، في نظر الكثير من المعلِّقين الإسرائيليين، على قرار الجيش الإسرائيلي بشأن إدخال تغيير على بناء منظومة القوة العسكرية، لكي تلائم أمداء التهديدات الجديدة. ويُفترض أن يهدف التوجه الجديد إلى تحقيق هدفين أساسيين، هما: حماية الجبهة الداخلية، والردّ بحزم على الهجمات من دون الاضطرار إلى شنّ حرب برية؛ وهذا يستدعي زيادة الاستثمار في مجال تعزيز الوحدات الخاصة والاستخبارات والدفاعات الجوية وقدرات سلاح الجوّ، وذلك على حساب سلاح المدرعات والمدفعية وسلاح المشاة. وإن ما يثير القلق لدى دوائر صُنع القرار في تل أبيب، على نحوٍ خاصّ، هو أن تتمكن الجماعات الإسلامية من السيطرة على سيناء عقب حالة الفوضى التي يمكن أن تنتهيَ إليها الأوضاع في مصر، ومن هنا، تدرك المحافل الإسرائيلية أهمية تكثيف التعاون الأمني والاستخباري بين إسرائيل ومصر في هذه الفترة، إلى حدّ أنّ هناك من اقترح أنْ تبادر إسرائيل إلى تزويد مصر بقدرات تمكِّن أجهزتها الأمنية من جمْع معلومات استخبارية عمّ يحدث في سيناء بطريقة ناجعة وفعَّالة. ولقد أبدت فئة قليلة من الباحثين الإسرائيليين أكثر من تحفُّظ على حالة الاحتفاء بالانقلاب، وشكَّكت في عوائده الإستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل، ولا سيما في ما يتعلَّق بالمبالغة في الحديث عن التداعيات "الإيجابية" لصعود العسكر وتنامي دور السعودية على حساب قطر. ويحذِّر الباحث والمؤرخ العسكري تشيلو روزنبيرغ من أنّ تحرُّر المصريين من حالة الخوف سيجعلهم يخرجون للاحتجاج مجدَّدًا ضدّ تحالف العسكر واللبراليين، وخصوصًا في ظلّ المؤشرات التي تؤكد أنه لن يكون بوسع هذا التحالف حلّ مشاكل مصر المستعصية، على الرّغم من كلّ ما ينطوي عليه الأمر من عودة محتملة للإسلاميين. ويحذِّر روزنبيرغ من أنّ مصر غير قابلة للتقدير العقلي، لأنّ الفوضى هي التي تسيطر، وستبقى مسيطرة زمنًا آخر طويلً. ويتَّفق قائد سلاح البحرية الإسرائيلي السابق الجنرال إليعازر مروم مع روزنبيرغ على أنّ حالة الفوضى وعدم الاستقرار الناجمة عن عدم قبول الإخوان المسلمين بالانقلاب لا تبشِّ بخير لإسرائيل وستكون خطِرة كثيرًا.
خاتمة
لقد احتفت النُّخب الإسرائيلية بالانقلاب العسكري في مصر، وتجنَّدت الحكومة الإسرائيلية لمساعدة الانقلابيين لضمان تحقيق اعترافٍ بهم، وعلَّقت محافل التقدير الإستراتيجي، في جدل عميق وهي تصوغ توصيات لدوائر صُنع القرار في تل أبيب، على سُبل مساعدة الانقلابيين على تكريس شرعيتهم، وذلك لأنّ إسرائيل ترى في هذا الانقلاب فرصةً لتحقيق جملة من المكاسب، وفرصة للتخلص من "العوائد السلبيًّة" لثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي، على نحوٍ يحسِّن من بيئتها الإستراتيجية. ومن الواضح أنّ الرهانات الإسرائيلية آنفة الذِّكر تنطلق من خلفية استشراقية عنصرية منفلتة، وأنانية تقارب ما يحدث من حراك سياسي واجتماعي في العالم العربي من زاوية المصلحة الإسرائيلية. وإنّ أحد أهمّ مسوِّغات الاحتفاء الإسرائيلي، هو، ذلك الافتراض السائد الذي سيضع حدًّا لعملية التحول الديمقراطي في العالم العربي، بالنظر إلى أنّ وصول هذه العملية إلى غاياتها النهائية يُعدُّ المتطلّب الأساسي لتحقيق نهضة تُغيِّ واقع العرب نحو الأفضل بطريقة جذرية، وهذا ما لا ينسجم مع المصالح الإسرائيلية. من هنا، فإنّ كان من حقّ الشعوب العربية الاعتراض والاحتجاج على أي نظام حُكمٍ – بغضِّ النظر عن طابعه الأيديولوجي، أو الآلية التي جاء بها – في الحال التي ترى أنه لا يخدم مصلحتها، فإنه ينبغي للنُّخب العربية التي قادت ثورات التحول الديمقراطي وفجَّرت الربيع العربي أن تحذَر حالةَ الاستقطاب السياسي التي قد تؤدِّي إلى التضحية بالأهداف العظمى التي ضحَّى العرب بدمائهم من أجلها، لئلّ نكتشف أننا كنَّا، يومًا ما، نسير مُغمضَي العيون، منقادين – من دون أن ندريَ – للدليل الإسرائيلي لِوَأْد الربيع العربي في مهده.