بين يناير 2011 ويوليو..2013

بشير عبد الفتاح

جيش مصر في قلب العاصفة

تركً ز هذه الورقة بداية على صعود دور الجيش في الحياة السياسيّة المصرية بعد ثورة يناير ابتداءً من خروجه على رئيس محسوب عليه، وتوليه مهام إدارة المرحلة الانتقالية من خلال الإشراف على الاستفتاء الشعبيّ لتعديل الدستور، والانتخابات البرلمانيّة، والرئاسية. كما ترصد تراجع هذا الدّور بعد وصول مرسي إلى الحكم إثر ما يسميه الباحث "النقلة النوعية" التي تمث لت بإبعاد المشير طنطاوي والفريق سامي عنان وأعضاء آخرين في المجلس العسكريّ عن المشهد السياسيّ. ينتقل الباحث بعد ذلك ليستعرض - ضمن إطارٍ نظري - علاقة الجيوش بالديمقراطية، ويقدّم نماذج عن تدخلاتها في الحياة السياسية ليقارنها بما جرى في مصر. يتطرق الباحث أخيرًا إلى دعوة الفريق السيسي وطلب التفويض، وما تبعها من تداعيات وضعت طرفي الأزمة في مصر على حافة الهاوية.

البحث وفي أروقة الحوار والتفكير، في ما يتصل بمستقبل مصر وثورتها وتجربتها الوليدة في التحول تُجاه الدولة المدنية الديمقراطية، برأسها أطلَّت قضية قلَمّا حظيت في ما مضى بنصيب وافر من الاهتمام الجادّ والدراسة التحليلية المعمَّقة، وهي قضيّة متصلة بدور الجيش المصري في مصر الجديدة وعلاقته بالسلطة المنتخبة. وهذا الأمر يوصف، في العلوم السياسية، ب"العلاقات المدنية العسكرية." ويهدف هذا الفرع من المعرفة السياسية الذي لم يتبلور بطريقة منهجية وعلمية واضحة إلا بعد الحرب العالمية الثانية، إلى التوصل إلى صيغة متوازنة في أدوار كلّ من القوات المسلحة من جانب، والنُّخب والسلطة السياسية المدنية من جانب آخر، من شأنها أن تضمن توفير الظروف التي تتيح للأولى الاضطلاع بالدور الدفاعي المنوط بها على الوجه الأكمل، بحيث تكون مؤسّسةً عسكريةً محترفةً ومهنيةً ومتماسكةً، مع خضوع أنشطتها المالية لرقابة السلطة المدنية المنتخبة، على نحوٍ يهيِّئ المناخ لترسيخ دعائم الدولة المدنية الديمقراطية التي تكون فيها السّيادة للقانون والدستور، بالنسبة إلى الأفراد كافَّةً والمؤسّسات كلّها بغير استثناء.

الجيش في زمن الثورة

منذ اندلاع ثورة يناير 2011، حتى هذا اليوم، بدا جليًّا صعود دور الجيش المصري في العملية السياسية، بدْءًا من إطاحة الرئيس الأسبق حسنى مبارك في /11 شباط فبراير من العام نفسه، في ما يمكن عدُّه أوّل خروج للجيش المصري على رئيسٍ كان يُفترض أنه محسوب عليه في نهاية المطاف، وصولً إلى الإشراف على انتخابات برلمانية ورئاسية واستفتاء شعبي متعلِّق بتعديلات دستورية، لتؤول الأمور في النهاية إلى انتخاب أوّلِ رئيس مدني في تاريخ البلاد الحديث، وفكّ الارتباط المزمن بين مؤسّسة الرئاسة والجيش بعد تزاوج بلغ نحو ستّة عقود اعتاد المصريون خلالها، بموجب الأعراف والتقاليد فقط، أن يكون الرئيس من المؤسّسة العسكرية في غياب أيّ آلية ديمقراطية حقيقية لتداول السلطة. وفى أغسطس 2012، بدأت المؤسّسة العسكرية تتلقى أوّل أصداء تلك النقلة النوعية عبْ حزمة القرارات التي أصدرها الرئيس مرسي وأطاح خلالها القائدَ العامّ للقوات المسلحة المشير طنطاوي وزير الدفاع، والفريق سامي عنان رئيس الأركان، وعددًا آخر من أعضاء المجلس العسكري الذي اختار أصغر أعضائه سنًّا؛ وهو الفريق عبد الفتاح السيسي ليكون خلفًا للمشير طنطاوي برتبة فريق أوّل. وربما ظنّ الرئيس مرسي أنه بذلك قد بدأ أولى خطواته على طريق إبعاد الجيش عن السياسة، بالتوازي مع تبديد شطْرٍ هائلٍ من الحساسية المفرطة لدى قيادات الجيش في ما يخصّ العلاقة بين القائد العامّ للقوات المسلحة وقائدها الأعلى ذي الخلفية المدنية. وجاءت أحداث الثلاثين من يونيو الماضي لتعيد القوات المسلحة إلى قلْب المشهد السياسي مرّةً أخرى. فما كادت الملايين تحتشد بأغلبية ميادين مصر، معبِّةً عن استيائها من أداء الرئيس مرسي، مطالبةً بإجراء انتخابات رئاسية مبكّرة، حتى هرعت القيادة العامة للجيش إلى نصرتها بإطاحة الرئيس مرسي يوم الثالث من يوليو بعد أن رفض قبول العروض والمبادرات كلّها ودعوة القوى الوطنية إلى وضْ ع خريطة طريق للمرحلة الانتقالية الثانية، في إجراء اعتبره مؤيدون لهذه الخطوة ثورةً جديدةً أو ثورةَ تصحيحٍ لمسار ثورة يناير، فيما ارتآه معارضون انقلابًا عسكريًّا.

لقد حرصت قيادات الجيش على النأي بنفسها عن التورط في أي نشاط سياسي حتى تدحض أن تُتَّهم بالتورُّط في انقلاب عسكري. وفي أوّل ظهور له منذ إعلانه خريطة المستقبل السياسي، أكّد الفريق أوّل عبد الفتاح السيسي، القائد العامّ للقوات المسلحة ووزير الدفاع، في كلمة وجَّهها إلى الشعب المصري، أمام حشْد من ضباطه بمسرح الجلاء، وحدة القوات المسلحة واتفاق جميع قياداتها على ضرورة ما جرى يوم الثالث من يوليو. وتوخِّيًا لنفي صفة الانقلاب عمّ جرى، أكّد السيسي أنّ القوات المسلحة بكلّ أفرادها وقياداتها لم تتدخَّل إلا استجابةً لنداء الشعب دونما طمعٍ في السلطة، وأنها استنفدت النصح للرئيس السابق ومطالبتها إيَّاه بأن يبادر إلى إجراء استفتاء شعبي لكنه لم يُصْغِ إلى ذلك، وأنها اختارت،

من دون تحفُّظ، أن تكون في خدمة شعبها، وأن تمكِّن لإرادته الحرة كي يقرِّر ما يرى؛ لأنّ إرادته هي الح كمة الجماعية لعلاقته بنفسه ومحيطة وعالمه وعصره، وأنّ القوات المسلحة عُرفت بأنها تحت أمْر الشعب، وأنها متأكّدة من ذلك، وأنها تصرّفت على هذا الأساس، وأنها ليست آمرة له، بل هي في خدمته، وليست بعيدةً عنه، وأنها تتلقَّى منه ولا تُ لي عليه.وفي كلّ الأحوال فإنها ظلَّت ملتزمةً ما عدَّته شرعيةَ الصندوق، على الرّغم من أنّ هذه الشرعية أخذت تتحرك تحرُّكًا يُبدي تعارضًا وأساس هذه الشرعية وأصلها؛ لأنّ أساس الشرعية وأصلها أن تكون في يد الشعب وحده، فهو الذي يملك أن يعطيَها، ويملك أيضًا أن يراجع الطَّرفَ الذي أعطاه إيَّاها، ويملك أن يسترجعها منه إذا تجلَّت إرادته؛ على نحوٍ لا يقبل شبهةً ولا شكًّا. ودعا السيسي في كلمته إلى البعد عن العنف والصدام وأكَّد حقّ العمل السياسي للجميع من دون استثناء. وبعد ذلك بأيّام معدودات، وفي سياق المساعي الرامية إلى نفيِ صفة الانقلاب العسكري عمّ جرى، ونفيِ أيّ مطامع عن الجيش وقياداته في السلطة والحكم، خرج المتحدث باسم القوات المسلحة نافيًا ما قيل إنه شائعات عن نيَّة الفريق السيسي الترشح لرئاسة الجمهورية. ويبدو أنّ الجيش قد سعى، بالتوازي، إلى إيجاد رأي عامّ محلِّ ودولِ مؤيِّد له، أو على الأقل متفهِّم ما جرى يوم الثالث من يوليو، من خلال الاستعانة بشركات دولية متخصِّصة، كما أوردت بعض وسائل الإعلام العالمية، أو عبْ الاستعانة بدوائر وفعاليات شعبية مدنية مصرية، داخل مصر وخارجها، لا تكفُّ عن الدفاع عن الجيش وما جرى في الثالث من يوليو، ومحاولة تأكيد أنه ثورة شعبية ثانية وليس انقلابًا عسكريًّا. وفى هذا السياق، قامت الجالية المصرية في الولايات المتحدة بعدّة تظاهرات حاشدة، في عدّة ولايات، لتأكيد أنّ ما شهدته مصر ثورة شعبية، وليس انقلابًا عسكريًّا. وبين الثورة والانقلاب ربما لا نبالغ إذا ما زعمنا أنّ الجيش المصري قد حقَّق فائدةً لا يستهان بها من ثورة يناير 2011، فعلى الرّغم من أنه كان يحظى بوضع مميًّز من نواح شتَّى، إبَّان حُكم مبارك ومن سبقه من رؤساء ذوي خلفيات عسكرية، بالنظر إلى اعتبارات عديدة؛ منها انتماء الرئيس أو القائد الأعلى إلى المؤسّسة العسكرية، وحرصه على استبقاء ولائها ودعمها له ولنظامه، تمكَّن الجيش من الاحتفاظ بخصوصيته واستقلاليته في كافة شؤونه، بل إنه تمكّن أيضًا من تقنين هذا الوضع، من الناحية التشريعية، في الدستور الجديد. وقد ساعد على ذلك دور الجيش التاريخي في الثورة بانحيازه إليها، ونجاحه في الإشراف على الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأكثر نزاهةً في التاريخ المصري، ثمّ انشغال القوى المدنية بالخلاف المتعلِّق بنصوص دستورية أخرى؛ مثل وضْ ع الشريعة في الدستور وصلاحيات رئيس الجمهورية وغير ذلك. وعلى الرّغم من أنّ الجيش طوال حُكم الرؤساء السابقين من ذوي الخلفيات العسكرية؛ من أمثال عبد الناصر، والسادات، ومبارك، كان يحظى بهذه الاستقلالية، فإنها لم تكن مقنَّنةً، بل إنها لم تكن تستند إلى العُرف والتقاليد التي لم يكن يجرؤ أيّ شخص على الخوض فيها، بما في ذلك مسألة الاقتصاد العسكري الذي تباينت الآراء والتقارير بشأن تقدير ميزانيته، بل إنّ الجيش حسَم هذه المسألة عادًّا الاقتراب منها من قبيل المحرَّمات.

وربما كان وجود الجيش في مشهد الثالث من يوليو كفيلً بإغراء مراقبين كثُ، داخل البلاد وخارجها، بالتساؤل: أكان انحياز القوات المسلحة إلى الانتفاضة الشعبية التي فجَّرتها حركة تمرد وغيرها من الحركات والمنظمات المناهضة للرئيس مرسي يوم 30 يونيو، وعزلها الدكتور مرسي من منصبه، وقد كان رئيسًا للجمهورية، وتولية رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسًا مُوَقَّتًا للجمهورية، وإعلان خريطة طريق واضحة المعالم تتضمن تعديل الدستور، وإجراء انتخابات برلمانية وأخرى رئاسية في مدى زمني لا يتجاوز ثمانية أشهر، ثورةً أم انقلابًا عسكريًّا مكتملَ الأركان؟ يجنح محلِّلون سياسيون من العرب والأجانب إلى النظر إلى أنّ ما جرى في الثالث من يوليو هو انقلاب عسكري، مادام الجيش قد أطاح رئيسًا مدنيًّا منتخبًا وانحاز إلى تيّار سياسي بعينه مناهضٍ للرئيس المنتخب، في حين أنه تجاهل تيّارًا آخر مؤيِّدًا له، فهذا الأمر الذي يدحض الادعاء أنه جاء انحيازًا إلى الإرادة الشعبية، وذلك على خلاف تدخُّل الجيش في 25 يناير 2011 الذي جاء ليحميَ إجماعًا شعبيًّا، غير مشكوك فيه، عبّ ت عنه الجماهير التي خرجت معلنةً رفضها نظامًا

أفسد البلاد والعباد طَوال ما يربو على عقود ثلاثة خلَت، كما أنّ ذلك لم يتأتَّ إلا بعد ثمانية عشر يومًا من اندلاع الثورة، فيما لم تمضِ سوى ساعات معدودات على اندلاع التظاهرات المناهضة للرئيس مرسي، المطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، حتى بادر الجيش وتدخَّل لإسقاط الرئيس المنتخب. ولعل أصحاب هذا الرأي يستشهدون بحادثتين تاريخيتين تدخَّلت فيهما الجيوش في أحوال مشابهة، وأجمعت أغلبية الآراء على أنهما انقلابان عسكريَّان؛ فقد كانت أولاهما في مصر عام 9541، حينما استند الرئيس السابق جمال عبد الناصر ورفاقه بمجلس قيادة الثورة إلى مسوِّغ سياسي وأخلاقي مشابه لإطاحة اللواء نجيب الذي كان أوّل رئيس للجمهورية المصرية الأولى؛ فآنئذٍ اصطُنِعت حشود جماهيرية عريضة تناهض الرئيس الشرعي وتدعم توجهات جناح الصقور بمجلس قيادة الثورة، وهو الأمر الذي اعتبره هذا الطرف "إرادة شعبية"، وجرت على إثره عملية إطاحة اللواء نجيب.

فلقد هرعت الإذاعة المصرية وقتذاك إلى بثّ بيانات صادرة عن النقابات العمالية تعلن فيها الاعتصام والإضراب عن الطعام والعمل حتى تتحقَّق حزمة مطالب؛ أوّلها عدم السماح بقيام الأحزاب، واستمرار مجلس قيادة الثورة في مباشرة سلطاته إلى حين إجلاء المستعمر، وتشكيل هيئة تمثّل النقابات والروابط والاتحادات والجمعيات والمنظمات تساند مجلس قيادة الثورة، وتعرض عليه قراراتها قبل إصدارها، وآخرها عدم الدخول في معارك انتخابية.وفي الآن نفسه، يوم 28 آذار/ مارس 9541، سُيِّ ت حول البرلمان والقصر الجمهوري ومجلس الدولة أغرب تظاهرات في التاريخ تُطلق هتافات من قبيل "لا أحزاب ولا برلمان"، و"تسقط الديمقراطية.. تسقط الحرية." وتحت وطأة هذا الضغط الشعبي، الذي عدَّه عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة في حينها "إرادةً شعبيةً"، جرت إطاحة اللواء نجيب من رئاسة الجمهورية، فأُقصيَ نهائيًّا من المشهد السياسي، بل إنّ إقصاءه كان من الحياة العامة أيضًا. وأمّا ثانيتهما، فكانت في تركيا إبّان الانقلاب العسكري الذي جرى في 27 أيار/ مايو من عام 9601، حينما أطاح الجنرال جمال جورسيل حكومة عدنان مندريس المنتخبة وأعدمه. فقد سبقت الانقلاب المذكور تظاهرات شعبية حاشدة ضدّ الحكومة، وبخاصة في الجامعات التركية. وقد اتخذ منها الانقلابيون ذريعةً لانقلابهم على حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيًّا. وما زالت تركيا تحتفل إلى هذا اليوم بهذا التاريخ، عادَّةً إيَّاه "عيد الثورة"، على الرّغم من أنّ أردوغان قد كرّم مندريس وأطلق اسمه على مطارٍ بمدينة أزمير. وربما لا يدرك كثيرون أنّ الانقلاب العسكري هو أحد أنماط التدخُّل العسكري للجيوش في العملية السياسية أو أشكاله التي من بينها، بالطبع، بل من صميمها الانقلاب العسكري؛ بمعناه الكلاسيكي المتمثل بتحرُّك عناصر عسكرية، وإطاحة رئيس مدني منتخب بقوة السلاح، والاستيلاء على السلطة، واتخاذ حزمة الإجراءت المعروفة في هذا السياق يتضمنها البيان رقم واحد؛ مثل وقْف العمل بالدستور، وحلّ الأحزاب وغيرها. وربما يقتضي الوصف العلمي الدقيق لما جرى، يوم الثالث من يوليو، الوقوف على أنماط تدخُّل الجيوش في السياسة، من أجل حماية الشرعية، أو القيام بمهمّ ت بوليسية لحفظ الأمن، أو ممارسة ضغوط على السلطة المدنية وإجبارها على تبنِّى سياسات بعينها، أو الحصول على امتيازات للجيش والحفاظ على وحدته، أو الانقلاب على السلطة المنتخبة للاستيلاء على السلطة. كما يستوجب الأمر أيضًا إعادة النظر في مفهوم الانقلاب العسكري والتبحُّر في نظريات العلاقات المدنية العسكرية وما تعلّق بها من مراجعات وتطوّرات خلال السنوات القليلة المنقضية، هذا علاوةً على دراسة ظاهرة غاية في الأهمية بهذا الخصوص؛ وهى إلحاح الشعوب - بما فيها القوى السياسية المدنية - في تدخُّل الجيش في العملية السياسية بالتزامن مع تنامي دور الجماهير في توجيه التفاعلات السياسية مؤخَّرًا، على نحوٍ لافت للنظر، عبْ ما بات يُعرف في عِلم الاجتماع السياسي ب "سياسات الشارع." وإلى حين بلوغ تلك المغامرة المنهجية المعقَّدة نهايتُها، يمكننا القول، إذا ما جاز لنا الاجتهاد، إنّ ما قام به الجيش يوم الثالث من يوليو، قد يُصنَّف على أنه ضربٌ من ضروب التدخُّل العسكري في صراع سياسي مدني. وقد انقسمت التقديرات حول هذا التدخل العسكري؛ إذ رأى

بعضهم أنه لم يبلغ حدّ الانقلاب العسكري المتكامل الأركان بمعناه الكلاسيكي، لأنّ الجيش قد تحرَّك استجابة لإرادة شعبية، وأطاح رئيسًا مدنيًّا منتخبًا ديمقراطيًّا، لكنه لم يستحوذ على السلطة على إثر ذلك، بل أسندها إلى قوى سياسية مدنية ضمن خريطة طريق ذات جدول زمني واضح يمهّد السبيل لدوران عجلة الديمقراطية. في حين رأى بعضهم الآخر أنّ ما جرى هو انقلاب عسكري كامل الأوصاف على حدّ قول السيناتور الأميركي جون ماكين: "إذا كانت تصيح كالبطة وتمشي كالبطة فهي بطة"، ووصف آخرون ما جرى بأنه انقلاب مخطَّط له، دالّ على نجاح الدولة العميقة في قلْب الوضع لمصلحتها. ومن الأهمية بمكان في هذا السياق ألَّ نغفل عن أنّ التظاهرات الشعبية الداعية إلى تدخُّل الجيش طالما شكَّلت مظلةً شرعيةً حرص الجيش على استحضارها من أجل تبرير تدخُّله في العملية السياسية وإضفاء الشرعيّة عليه، والنأي به عن شبهات الانقلاب العسكري، على نحو ما بدا جليًّا في تحركاته الكبرى الثلاثة: يوليو 9521، ويناير 2011، ويوليو 2013؛ فعلى خلاف تدخُّل الجيش في يناير 2011، عانت حركة الجيش المباركة سنة 9521 كثيرًا في بادئ أمرها، حينما لم تحظ بمشاركةٍ وتأييدٍ شعبيَيّن كافيَيْ، حتى أنّ عبد الناصر نفسه أعرب في كتيِّب "فلسفة الثورة" الذي صاغه هيكل، عن خيبة أمله من جرّاء غياب التأييد الشعبي الجارف لحركة الضباط الأحرار. وإلى درجة ما، ظلّ تدخُّل الجيش في يوليو 2013 مشوبًا بعدم الشرعية، مع وجود حراك شعبي رافضٍ له، عادًّا إيَّاه انقلابًا عسكريًّا، غير مُكترث للاعتصام في الميادين ومواجهات تحديات جمّة، ما يربو على شهر كامل، مطالبًا بعودة الرئيس "الشرعي" المعزول.

الجيوش ضامنة للديمقراطية

من زاوية أخرى، شهد علم السياسة تطورًا لافتًا في ما يتصل بعلاقة الجيوش بالسياسة ضمن ما يُعرف بالعلاقات المدنية العسكرية؛ فلم تكد تمضي سنوات معدودات على نظرية هنتنغتون الشهيرة التي أوردها في كتابه: "العسكري والدولة" الصادر عام 9571، والتي تؤكد ضرورة إبعاد الجيوش عن السياسة، والإبقاء على مهنيَّتها وح رفيَّتها وتبعيَّتها للسلطة المدنية المنتخبة حمايةً للديمقراطية وصونًا لكفاءة الجيوش، كما هو الشأن بالنسبة إلى آراء جوناثان تورلي الذي يذهب إلى أنّ الجيش يتناقض والأنظمةَ الدستوريةَ، ثمّ روبرت داهل، الذى يرى أنّ "السيطرة على قرارات الحكومة المتعلِّقة بالسياسة العامة مخوّلة - دستوريًّا - المنتخبين المسؤوليةَ. وهذا الأمر يقتضى إخضاع القوات المسلحة للسلطات المدنية، حتى بدأت تلوح في الأفق طروحات علمية رصينة تتوخَّى نقد هذه الآراء والنظريات. ففي عام 9601، اتخذ جانوويتز مسارًا مختلفًا بزعمه أنّ الكفاءة العسكرية للجيوش لا يمكن بأيّ حال أن تُعزل عن الحياة المدنية. وفى السياق نفسه، ذهب كلّ من بنجت إبراهمسون وصامويل فينر إلى أنّ الكفاءة العسكرية للجيوش قد تشجّعها على الحكم المستقلّ، وتزيد من احتمال تدخُّلها في السياسة، كما أنّ مشاركة الجيوش في الحياة المدنية - بعد إطاحة أنظمة الاستبداد – سواء كانت بتهيئة الأجواء الديمقراطية أو بإعادة بناء الدول، قد تخلق صعوبات في أحوال معيّنة تضطرّ الجيش إلى الخروج من الحياة السياسية. ثمّ إنّ صموئيل فينر يذهب إلى أبعد من ذلك، حينما يطالب بضرورة استثناء الدول النامية غير الديمقراطية من طرح هنتنغتون الخاص بإبعاد الجيش إبعادًا كليًّا عن السياسة، بناءً على خصوصية أوضاع الجيوش وأدوارها في مثل هذه الدول على الصعيدين التنموي والسياسي. فقد عمد فينر إلى التمييز بين أدوار الجيوش في الدول الديمقراطية المتقدمة، وأدوار مثيلاتها في الدول النامية غير الديمقراطية؛ ففي الأولى، لا تكون الشعوب في حاجة إلى تدخُّل الجيوش لأنّ مؤسّسات الدولة ونُخبها المدنية وإدارتها ليست في حاجة إلى ذلك، على خلاف أوضاع الدول غير الديمقراطية التي يفسح ضعف النُّخب المدنية وعجز إدارة الدولة عن تحقيق التنمية وبلوغ الديمقراطية، المجالَ أمام تدخُّل الجيوش التي غالبًا ما يكون لها دور حيوي في تحرير تلك البلدان من نير الاستعمار، ثم في إعادة بناء هذه الدول على مختلف الأصعدة. وعلى الدرب نفسه، سار الباحث الأميركي أوزيان فارول، الذي تقدَّم في مؤتمر كلية نيويورك للقانون مطلعَ العام الجاري بطرح علمي بشأن الدور الدستوري للجيوش. وقد حاول من خلاله نقْد نظرية هنتنغتون ومن ساروا في رحابه، لافتًا النظر إلى أنه على خلاف التدخُلّات العسكرية الدامية التي ألقت بظلالها على دول عديدة في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا خلال النصف الثاني من القرن المنصرم، والتي أسفرت في أغلبيتها عن إنشاء دكتاتوريات عسكرية، وتقويض البدايات الجنينية للديمقراطية، فإنّ الجيوش الوطنية المتماسكة والموحَّدة التي تؤمن قياداتها بالديمقراطية، يمكن أن تضطلع بدور الحارس، أو الضامن، لعملية الانتقال الديمقراطي في الدول التي تعاني وهنًا في النُّخب المدنية العاجزة عن التوافق وتحقيق الديمقراطية في بلدان ظلَّت تعاني الاستبداد فتراتٍ طويلةً، في حين لا تبدو القوى المدنية بها مهيَّأةً للاضطلاع بهذه المهمَّة، بسبب تجريف التربة

السياسية عقودًا طويلةً، إضافةً إلى وقوعها في براثن صراع المصالح والنزاعات الإثنية والسياسية في ما بينها، وههنا يمكن للجيش أن يقوم بدور الحكَم بين القوى السياسية فيقود عملية ناجحة للتحول الديمقراطي، على غرار ما جرى في دولٍ مثل تركيا والبرتغال عامي 9609741 و.1 وعدّ فارول الجيش المصري مؤهَّلً بقوة للاضطلاع بهذا الدور في مرحلة ما بعد مبارك، ورأى أنّ في وسعه أن يقدِّم نموذجًا ملهِمً في هذا المضمار؛ إذ إنه اضطلع بدور الحكَم بين القوى السياسية المتنافسة، وأشرف على انتخابات نزيهة، وسلَّم السلطة إلى أوّل رئيس مدني منتخب ديمقراطيًّا. غير أنّ فارول قد وضع شروطًا لاضطلاع الجيش بهذا الدور الدستوري صوبَ الديمقراطية، بعد إطاحة النظم الديكتاتورية، من أبرزها: أن يكون الجيش وطنيًّا ومترابطًا ومتماسكًا، خاضعًا لقيادة موحَّدة، وأن تتوافر لدى قيادته الرغبة في القيام بدور دستوري لدعم التحول الديمقراطي، ووجود مساحة معقولة من الثقة بين الجيش والقوى المدنية، وضمان حماية مصالح الجيش، وأن تكون تحركات الجيش في هذا الصدد مدعومةً من قوى ديمقراطية خارجية، وأن تكون القوى المدنية متصارعةً وغير قادرة على التوافق وغير مؤهلة لتحقيق التحول الديمقراطي وحدها. وفى السياق نفسه، يذهب بعض الخبراء إلى إمكانية النصّ على العهد على الديمقراطية، في دساتير الدول غير الديمقراطية، أو الدول التي لم تُرسّخ فيها الدعائم الديمقراطية بالقدر الكافي، إلى ضرورة إعطاء القوات المسلحة دورًا مشروطًا ومحدَّدًا في العملية السياسية، يجعلها قوةً دافعةً في اتجاه الديمقراطية، وضامنةً لها أو حاميةً؛ بحيث يُسمح لها بالتدخُّل من أجل تهيئة الأجواء لإقرارها، ثمّ القيام بدور الحاضن الذي يقوم على حمايتها حتى تنضج وتكتمل وتتجذَّر قيمها ومبادئها. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بتجارب دول عديدة؛ كالفلبين وكوريا الجنوبية وإندونيسيا إبّان ثمانينيَّات القرن الماضي حينما انحاز الجيش إلى جموع الشعب الثائرة ضدّ أنظمتها القمعية الديكتاتورية، وسهَّل مهمَّة إزاحتها من دون الحلول مكانها، فكان ذلك إيذانًا بحقبة جديدة رُسِّخت فيها مفاهيم الحكم الديمقراطي ومعالم الدولة المدنية. غير أنّ هذا الطرح يستوجب وضْ ع معايير موضوعية واضحة وشروطًا صارمةً لتدخُّل الجيش من أجل تمهيد السبيل للديمقراطية، بحيث يُحدَّد توقيته ونوعه ومستواه ومداه الزمني باستتباب الديمقراطية واستقرار ركائزها، وتُوضع له ضوابط دستورية صارمة تحول دون هيمنة العسكريين على الحكم، وتكبح جماح بعض القيادات العسكرية عن التدخُّل في العملية السياسية لاحقًا بأيّ طريقة كانت. ولنا في التجربة التركية منذ أتاتورك إلى عام 2003 عبرة وعظة؛ إذ جعل الجيش مضطلِعًا بحماية الجمهورية والعلمانية، فاتُّخذ ذلك ذريعةً لتدخُلّات عسكرية دامية في العملية السياسية، تخلَّلتها أربعة انقلابات مدوّيةٍ، معطلةٍ للمسيرة الديمقراطية والدولة المدنية.

جيش غير انقلابي

منذ حركة الضباط الأحرار في يوليو 9521 والنقاش مستمرّ بشأن السؤال المتعلِّق بهذه الحركة: أهي ثورة أم انقلاب عسكري؟ وبشأن طبيعة الجيش المصري الذي وصفه الكثيرون بأنه ليس جيشًا انقلابيًّا؛ ففي غالبية تحركاته تُجاه الداخل، كان الجيش المصري يحظى بغطاء شعبي، مدعومًا بحركة جماهيرية وطنية واسعة؛ ففي عام 9291 تلقَّى محمد نجيب الذي كان أوّل ضابط في الجيش المصري يحصل على ليسانس الحقوق عام 9271، درسًا بالغ الأهمية والدلالة من مصطفى النحاس باشا في ما يخصّ إبعاد الجيش من الاشتغال بالسياسة، فحينما أصدر الملك فؤاد قرارًا يوجب حلّ البرلمان وقتذاك، بذريعة أنّ أغلبية أعضائه كانوا من حزب الوفد الذي كان دائم الاصطدام بالملك، تخفَّى محمد نجيب في ملابس خادمٍ نوبيٍّ، وتسلَّل إلى منزل النحاس باشا، وعرض عليه تدخُّل الجيش لإجبار الملك على احترام رأي الشعب، لكن كانت المفارقة أنْ رفَض النحاس هذا العَرْض المُغري وقال له: "أنا أفضِّ ل أن يكون الجيش بعيدًا من السياسة، وأن تكون الأمة هي مصدر السلطات." وقد كان ذلك درسًا غاليًا تعلَّم من خلاله نجيب الكثير في ما يتعلّق بضرورة الفصل بين السلطات واحترام الحياة النيابية الديمقراطية، وهو الدرس الذي عمد إلى تطبيقه بعد ذلك إبّان أزمة عام 954.1 فحينما أطاحه عبد الناصر من رئاسة الجمهورية، اندلعت تظاهرات شعبية حاشدة في مصر والسودان على مدى ثلاثة أيام تؤيِّد نجيب وتطالب بعودته، وكان السودانيون - عسكريين ومدنيين - يهتفون: "لا وحدة مع مصر بدون نجيب"، فيما كان المصريون يهتفون: "لا ثورة بدون نجيب"، كما رفض ذلك أيضًا سلاح الفرسان بقيادة خالد محي الدين الذي كان ينحاز إلى خيار الديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته، وكان يُبدي تعاطفًا مع الرئيس محمد نجيب. ولقد هدَّد بمنازعة عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة، واقترح أنصار نجيب من الضباط الذين توافدوا على منزله، بزعامة قائد حرسه في الجيش وقائد حامية القاهرة، أن يتدخُّلوا لحسْم الموقف بالقوة لمصلحته ومصلحة عودة الديمقراطية، لكنّ نجيب رفض ذلك مخافةَ نشوب

صراع داخل الجيش، كما أبى إعادة الديمقراطية عبر انقلاب عسكري. غير أنّ هذه الضغوط الهائلة أجبرت عبد الناصر على التراجع وإعادة نجيب، بعد أن أضحت البلاد على شفا حرب أهلية؛ إذ سارع مجلس قيادة الثورة إلى تدارك الموقف ونزع فتيل الأزمة بإصدار بيانٍ، مساء يوم 27 شباط/ فبراير عام 9541، يعلن فيه عودة اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيسًا للجمهورية. ولقد جسَّد الجيش المصري نموذجًا لافتًا من بين أربعة نماذج فريدة في تاريخنا العربي المعاصر، إذ قام قادة عسكريون بانقلابات عسكرية، فحقَّقوا سبقًا تاريخيًّا لأنهم سلَّموا السلطة إلى المدنيين، خلال الفترة الانتقالية. وكان أوّل هذه النماذج، انقلاب العقيد سامي الحناوي في سورية، في أغسطس عام 9491، على حسني الزعيم الذي كان قد انقلب على الرئيس المنتخب ديموقراطيًّا شكري القوتلي قبل ما يزيد على أربعة أشهر، وبعد يومين فقط، سلَّم الحناوي الحكم رسميًّا إلى الرئيس السابق هاشم الأتاسي، ثمّ أعلن أنّ مهمته الوطنية قد انتهت، وأنه سيعود إلى الجيش. وجسَّد المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان النموذج الثاني، 1، وترأَّحينما قام بانقلاب على جعفر النميري عام 985 س مجلسًا انتقاليًّا مدَّة سنة، ثمّ سلَّم مقاليد السلطة إلى الحكومة الجديدة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، وبعدها اعتزل العمل السياسي والعسكري. وثالث النماذج، كان من نصيب العقيد إعل ولد محمد فال، رئيس المجلس العسكري للعدالة والديموقراطية الذى قاد انقلابًا عسكريًّا أبيض في موريتانيا، عام 2003، أطاح خلاله الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، لكنه بعد فترة انتقالية استمرّت عامين، سلّم السلطة إلى الحكومة المدنية المنتخبة، واعتزل بعدها الحياة السياسية. أمّا النموذج الرابع، فقد جسَّده الجيش المصري إبّان ثورة يناير 2011؛ إذ إنّه انحاز إلى الإرادة الشعبية، ونزع الشرعية عن مبارك، وأدار البلاد فترةًانتقاليةً مدَّتها ثمانية عشر شهرًا، بعد أن أوْكل مبارك السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة عند تنحِّيه في 11 شباط/ فبراير 2011. وقد أوفى الجيش المصري بوعده وأجرى انتخاباتٍ برلمانيةً ورئاسيةً واستفتاءاتٍ شعبيةً على تعديلات دستورية كانت جميعها الأكثر نزاهةً، تقريبًا، في تاريخ مصر، ثمّ سلَّم السلطة إلى أوّل رئيس مدني منتخب في نهاية حزيران/ يونيو من عام.2012

الجيش المصري بعد 30 يونيو

لقد كانت دعوة الفريق السيسي إلى من وصفهم بالشرفاء والنبلاء من أبناء الشعب للاحتشاد يوم الجمعة الموافق ل 26 من شهر تموز/ يوليو 2013، تفويضًا له يمكِّنه من التعامل مع ما سمّ ه "العنف والإرهاب المحتمليْ." غير أنّ تلك الدعوة أثارت تساؤلات عديدة في ما يتعلَّق بمغزاها وتوقيتها ودلالاتها؛ فهل كانت تطوي بين ثناياها نُذُر حرب أهلية، أو إشاراتٍ لإقصاء فصيل وطني، أو تقسيم الشعب إلى مواطنين شرفاء وصالحين وآخرين إرهابيين مطعون في وطنيتهم؟ وهل ينزلق الجيش المصري إلى استخدام القوة ضدّ مواطنين مصريين، أيًّا كان انتماؤهم السياسي أو موقفهم من قيادة الجيش والسلطة المدنية الانتقالية بعد إطاحة الرئيس مرسي؟ ثمّ إنّ تلك الدعوة أثارت جدلً بشأن مستقبل المصالحة الوطنية، وكذا الأمر بالنسبة إلى مصير علاقة الجيش بمجموع الشعب المصري في ظلّ دعاوَى العنف والعنف المضاد التي يبدو أنّ الجيش ليس بمنأى عنها. وبالتوازي مع حالة الارتباك الشديد التي تمخَّضت عنها الدعوة بين صفوف مختلف القوى السياسية المصرية، بما فيها تلك المناهضة للرئيس المعزول وتيارات الإسلام السياسي من جرّاء المخاوف من تهديد السلم المجتمعي، وزيادة وتيرة الانقسام والاستقطاب السياسيين، أو الزجّ بالبلاد في أتون حرب أهلية، أسفرت دعوة الفريق السيسي عن قلقٍ دولي بالغٍ. فلم تتردَّد دوائر رسمية وشعبية غربية في التعبير عنه. وتجدر الإشارة ههنا إلى أنّ دعوة الفريق السيسي بشأن عزْم الجيش على عدم التراجع عن خريطة الطريق التي أعلنها يوم الثالث من يوليو، وعدم عودة عقارب الساعة إلى الوراء، وإيصاد الأبواب أمام عودة الرئيس مرسي مرّةً أخرى، قد وضعت طرفي الأزمة على حافة الهاوية، وحمَّلت أطرافًا دوليةً مهمّةَ التدخُّل والوساطة كالاتحاد الأوربي؛ وذلك أنّ كاثرين أشتون، ممثِّلة السياسة الخارجية العليا، تردَّدت على مصر أكثر من مرّة في شهر واحد للتوسط بين الفرقاء، وطرح مبادرات وحلول سلمية تُجنِّب الجميع أيّ عُنفٍ أو صدامٍ من دون أن تنجح أيّ منها حتى الآن. وتبقى الإشارة أخيرا إلى أنّ ما يجرى الآن في مصر يؤكد، بما لا يدع مجالً للشك، أنّ الدور السياسي المقنَّن للجيش المصري آخذ في الصعود؛ وليس ذلك لأنه سيكون من الصعب استبعاد الجيش من الساحة السياسية بعد أن وضع حدودها ومعالمها وقواعدها فحسب، بل إنّ ذلك يرجع أيضًا إلى استمرار ضُ عف النُّخب السياسية المدنية، وإلى تنامي الطلب الشعبي لتدخُّل الجيش في العملية السياسية. وإذا ما انتهت الأزمة السياسية الراهنة بعودة تيّارات الإسلام السياسي إلى الساحة السياسية مرّةً أخرى، بصيغة أو بأخرى، فإنّ ذلك سوف يحثُّ بعض القوى العلمانية والمدنية على المطالبة بإبقاء الجيش في قلْب المشهد السياسي، ليكون بمنزلة حائط صدٍّ في مواجهة تيارات الإسلام السياسي أو موازنتها.