تقرير "هيومن رايتس ووتش مصر" حول فض اعتصام رابعة العدوية
منذ نهاية يونيو/حزيران ومؤيدو الإخوان المسلمين يعتصمون قرب مسجد رابعة العدوية في حي مدينة نصر شرقي القاهرة. باستخدام الصور الجوية تمكنت هيومن رايتس ووتش يوم 2 أغسطس/آب من تقدير وجود ما لا يقل عن 85 ألف معتصم. وقد ظل مسؤولو الأمن طوال أسابيع يعدون بأن فض الاعتصام سيتم بالتدريج، بدءًا بضرب نطاق حوله، وإطلاق تحذيرات، وتوفير مخرج آمن، للنساء والأطفال بوجه خاص. أصدرت وزارة الداخلية يومي 1 و 4 أغسطس/ آب تصريحات تدعو المعتصمين إلى مغادرة الميادين، إلا أنها لم تحدد إطارًا زمنيًا للفض. وفي نحو الساعة 6:15 من صباح 41 أغسطس/آب، قبل 51 دقيقة تقريبًا من بدء الهجوم، استخدم مسؤولو الأمن مكبرات الصوت لدعوة السكان إلى الابتعاد عن النوافذ. قال الصحفي المصري المستقل ماجد عاطف ل هيومن رايتس ووتش إنه سمع مكبرات الصوت تقول إن على المعتصمين الخروج من مخرج طريق النصر. وقالت إحدى السكان ل هيومن رايتس ووتش إنها منذ حوالي الثامنة صباحًا فصاعدًا كانت تسمع إعلانات بمكبرات الصوت تقدم تعليمات الخروج الآمن من شارع الطيران. لكن صحفيين وسكان قالوا ل هيومن رايتس ووتش إنه بمجرد بدء عملية الفض صار التحرك مستحيلً بسبب النيران الكثيفة والغاز المسيل للدموع الصادرة عن قوات الأمن. فعلى سبيل المثال، قالت والدة صبي في الخامسة عشرة ل هيومن رايتس ووتش إن ابنها اتصل بها من الاعتصام عند بدء الفض قائلً إنه يريد الانصراف لكنه لا يستطيع بسبب إطلاق النيران في أماكن أعلن الجيش أنها مخارج آمنة. وانتهى الحال بالصبي إلى الإصابة بجرح في الرأس، من طلقات الخرطوش على ما يبدو، وبحسب الأطباء. في الساعة 6:45 من صباح 41 أغسطس/آب، زحف الأمن المركزي على الاعتصام من المدخل المجاور لمجمع طيبة التجاري [طيبة مول] بطريق النصر، ومن المداخل الشرقية، مطلقًا عبوات الغاز المسيل للدموع والنيران في الهواء. ويبدو أن عناصر قوات الأمن المتمركزة على سطح مبنى المخابرات العسكرية القريب قد بدأت في إطلاق الذخيرة الحية من البداية تقريبًا، رغم أنه لم يتضح من الذي أطلق الرصاصة الحية الأولى. قال صحفي إنه شهد إطلاق النيران لأول مرة الساعة 6:45 صباحًا عند المدخل الشرقي للاعتصام بشارع يوسف عباس. وقال طبيب بمستشفى الاعتصام ل هيومن رايتس ووتش إنه استقبل أول مريض مصاب بالذخيرة الحية الساعة السابعة صباحًا. استمر إطلاق النيران على مدار الساعات العشر التالية حتى الخامسة مساءً، بحسب العديد من الشهود. وكانت النيران تأتي من عناصر قوات الأمن المتمركزة على الأسطح، وكذلك من حاملات الأفراد المدرعة التابعة للشرطة، مع بعض النيران من جانب المعتصمين. وشمل القتلى سيدات، بينهن أسماء البلتاجي البالغة من العمر 71 سنة، ابنة محمد البلتاجي، القيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين. أكدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير، المنظمة المصرية المعنية بحرية التعبير، سقوط أربعة صحفيين قتلى بالرصاص، هم: مايك دين من سكاي نيوز، وحبيبة عبد العزيز من غلف نيوز، ومصعب الشامي من وكالة رصد، وأحمد عبد الجواد من الأخبار.
عنف المعتصمين
في مؤتمر صحفي يوم 41 أغسطس/آب، قال وزير الداخلية إن قواته مارست "ضبط النفس لأقصى درجة" وإن 43 من أفراد الشرطة قد توفوا، وكانت وفاة الكثيرين منهم في رابعة العدوية. قال أحد السكان وكان قد خرج عند سماع صوت الطلقات ل هيومن رايتس ووتش إنه رأى نحو الساعة 7:30 صباحًا ثلاثة قتلى من أفراد الشرطة يجري حملهم خارج طيبة مول بالقرب من أحد مداخل الاعتصام. تؤكد شهادات الشهود ومراجعة مقاطع الفيديو أن بعض النيران أطلقت من جانب المعتصمين، وبخاصة من حول مسجد رابعة العدوية. فعلى سبيل المثال قالت إحدى السكان إنها رأت ما لا يقل عن 3 أشخاص معهم بنادق آلية ومسدسات الساعة 8:30 و 9:00 صباحًا يطلقون النيران في اتجاه الشرطة بشارع يوسف عباس. وتشير أقوال شهود أجرت معهم هيومن رايتس ووتش مقابلات، وبينهم صحفيون دوليون، وملاحظات شخصية لأحد باحثي هيومن رايتس ووتش، كان في المنطقة أثناء عملية الفض، إلى أن الأغلبية العظمى من المعتصمين لم تكن معهم أسلحة نارية، ناهيك عن استعراضها على الملأ أو استخدامها. قال شهود إن المعتصمين أشعلوا نيرانًا باستخدام إطارات السيارات والخشب لتخفيف تأثير الغاز المسيل للدموع، وقذفوا الشرطة بقطع مكسورة من الرصيف. تسمح المعايير القانونية الدولية باستخدام القوة في ظروف محدودة، ولا يُسمح بالاستخدام العمدي للقوة المميتة إلا للضرورة القصوى بهدف حماية الأرواح، مما يشمل استخدامها ضد الأشخاص الذين يستخدمون أسلحة نارية تستهدف الشرطة. ومع ذلك، ورغم أنه يمكن تبرير لجوء أجهزة الأمن إلى استخدام قدر من القوة لمنع المعتصمين من إلقاء الحجارة أو زجاجات المولوتوف، إلا أن مقدار عنف المعتصمين لا يبرر استخدام القوة المميتة، ناهيك عن
استخدامها على النطاق المشهود يوم 41 أغسطس/آب. وكان يقع على عاتق المخططين لعملية الفض واجب اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لضمان ألا تهدد العملية الأرواح إلا بأدنى قدر ممكن، وهو ما أخفق فيه المخططون على نحو شامل.
ارتفاع حصيلة القتلى
تم نقل المعتصمين المصابين والمقتولين إلى اثنين من "المستشفيات الميدانية" الرئيسية في الاعتصام: ثلاث غرف ملحقة بالمسجد حيث كان المعتصمون قد خزنوا اللوازم الطبية الأساسية، ومركز رابعة العدوية الطبي، وهو مبنى من 4 طوابق مزود بالمعدات الطبية الأساسية. في صباح 51 أغسطس/آب، أحصى طاقم هيومن رايتس ووتش بمسجد الإيمان بشارع مكرم عبيد 235 جثة تم نقلها من المستشفى الميداني بمركز رابعة العدوية الطبي في الاعتصام. قال شهود ل هيومن رايتس ووتش إن سبعة جثث أخرى وصلت إلى المسجد لاحقًا. وبما أن الجثث لم تنقل إلى منشأة حكومية فمن غير المرجح أن تكون قد دخلت في حصيلة وزارة الصحة، التي كانت في ذلك الوقت تبلغ 021 لرابعة وحدها. علاوة على هذا فإن أحد كبار المسؤولين بمستشفى الدمرداش القريب قال إن 20 شخصًا من رابعة توفوا في المستشفى جراء إصاباتهم. في توقيت لاحق من يوم 41 أغسطس/آب أعلن مجلس الوزراء أن وزارة الصحة ستتوقف عن إصدار بيانات بحصيلة القتلى وأن مجلس الوزراء وحده سيكون مختصًا بنشر الأعداد بعد ذلك. في 41 أغسطس/آب اضطر المعتصمون لترك الجثث في رابعة حين أجلتهم الشرطة عن المستشفيات الميدانية في الخامسة مساءً. قال رجلان ل هيومن رايتس ووتش في 51 أغسطس/آب إن الشرطة الركبة. سمحت لهما بالعودة لتسلم الجثث من الثامنة مساءً فصاعدًا، وإنهما ساعدا في نقلها إلى مسجد الإيمان. قالت إحدى السكان ل هيومن رايتس ووتش إنها شاهدت من شقتها، الساعة 8:25 من مساء 41 أغسطس/آب، مرور تيار من الرجال الذين يحملون الجثث، وإن أقارب لها ذهبوا للمساعدة في حمل الجثث. قال أحد سكان شارع مكرم عبيد ل هيومن رايتس ووتش إنه شاهد الساعة 9:30 مساءً سيارة تحمل على سطحها جثتين تسير في الشارع متجهة إلى مسجد الإيمان. زارت هيومن رايتس ووتش مركز رابعة الطبي الساعة 3:30 من مساء 41 أغسطس/آب، وشاهدت 64 جثة هناك. قال د. محمد عبد العزيز العامل في المركز ل هيومن رايتس ووتش إنهم جميعًا، عدا واحدٍ، قد قتلوا بالذخيرة الحية، بطلقات في الرأس والصدر، وإن أحد الرجال احترق حتى الموت في خيمته. قال حارس إحدى العمارات ل هيومن رايتس ووتش إنه ساعد في حمل رجلين كانا في خيمتهما حين شبت فيها النيران، وإن أحدهما لقي حتفه في مدخل بناية كانوا يعالجون فيها الناس. يبين مقطع فيديو لتسعة من الذين تم حملهم إلى المستشفى الميداني، أن اثنين يبدوان وكأنهما مصابين بطلقات نارية في الصدر، وخمسة في مؤخر الرأس، واثنين في الوجه.
القتل غير المشروع
قال ساكن تطل شقته على أحد المداخل الجانبية ل هيومن رايتس ووتش إنه نحو الساعة السادسة مساءً كان هناك اثنان فقط من رجال الشرطة بشارع المهندسين العسكريين، مع مجموعة قوامها نحو ستة من السجناء: سمعت شرطيًا يصيح، "يللا امشوا من هنا لهناك" وكان بوسعك سماع الرجفة في صوته. كان هناك طابور من [حوالي 6] رجال، يسيرون وأيديهم فوق رؤوسهم. وفجأة أطلق الشرطي النار ورأيت رجلً على الأرض. لقد قتل ذلك الرجل دون سبب. قال المعتصم المصاب محمد علي ل هيومن رايتس ووتش يوم 41 أغسطس/آب، بينما كان يرقد مصابًا وساقه اليمنى مدماة ومضمدة بمركز رابعة الطبي، إنه كان يقف بجوار خيمته، قرب مدخل طريق النصر، حين زحفت الشرطة وأصيب بالرصاص في ساقه اليمنى فوق
قال المعتصم مصطفى السيد من الدقهلية إنه اختبأ خلف سيارة مع بدء زحف الشرطة نحو الساعة 6:45 صباحًا قرب مركز رابعة العدوية الطبي. وقال إن الرصاص كان يأتي من كافة الاتجاهات وإن رجلً بجواره أصيب في جنبه. وقال إنه شاهد شرطيًا يصاب بالرصاص. قال الصحفي محمد حمدي إنه كان يصور بشارع يوسف عباس الساعة 7:00 صباحًا حين أصيب رجل كان يقف بجواره بالرصاص في الصدر وسقط على الأرض. وقال معتصم آخر، هو عبد المنعم البالغ من العمر 26 سنة، إنه كان بشارع أنور المفتي قبل السابعة صباحًا بقليل حين بدأت الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع، وأضاف: سمعنا صوت الطلقات النارية فورًا مع الغاز المسيل للدموع. حاولت الاختباء لأن
النيران كانت بكل مكان. وبينما كنت هناك رأيت 3 أشخاص يصابون ويسقطون أرضًا، أحدهم مصابًا في عينه والآخر في جنبه. كما تسببت نيران القناصة المتواترة في الشوارع الجانبية، والآتية من مواقع تمركز قوات الأمن، في قتل وإصابة المارة. قال مصطفى شريف الأستاذ بجامعة عين شمس إنه كان يختبئ من نيران القناصة بشارع سيبويه المصري قرب مدرسة رابعة العدوية نحو الساعة 8:30 صباحًا، وشاهد خمسة أشخاص يصابون ويقعون على الأرض.
غياب المخرج الآمن للجرحى
حين زارت هيومن رايتس ووتش مركز رابعة العدوية الطبي الساعة 3:30 مساء يوم 41 أغسطس/آب، كانت حالات جديدة لمصابين بالذخيرة الحية تتوافد على المركز باستمرار، معظمهم من الرجال ولكن بينهم سيدة واحدة. كان الأطباء يجرون جراحات لرجال في الممرات، والمركز يفيض بالمصابين الراقدين على الأرض. وكانت الطلقات النارية مستمرة بالخارج. أمر أحد المتطوعين طاقم هيومن رايتس ووتش بالابتعاد عن الممر المجاور لبئر السلم، لأن قوات الأمن تطلق الرصاص داخل المبنى؛ وأكد أحد الصحفيين داخل المبنى رؤيته لهذا. لمدة 01 ساعات على الأقل كان السبيل الوحيد لأي شخص من الخارج لدخول المركز الطبي داخل منطقة الاعتصام الرئيسية هو الجري عبر أحد الشوارع تحت نيران القناصة الموجهة باستمرار تقريبًا نحو منطقة الاعتصام. خلال تلك الفترة قام مسلحون من الاعتصام على ما يبدو بإطلاق بعض الطلقات ردًا على قوات الأمن. كان بوسع المسعفين الوصول إلى شارع أنور المفتي فقط، ولكن ليس عبور ال 20 مترًا المتبقية تحت نيران القناصة لبلوغ المصابين في حالة حرجة في المركز. قال أحد الأطباء داخل المركز ل هيومن رايتس ووتش إن المركز لا يتمتع بالتجهيزات الملائمة للعمليات الجراحية ولكن "ليس بيدنا الكثير، فعربات الإسعاف لا يمكنها الوصول إلينا." في بعض الأوقات كان أربعة رجال يخاطرون بمواجهة النيران ويعبرون الطريق حاملين أحد الجرحى على محفة إلى عربات الإسعاف المنتظرة بالخارج. تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى شخصين أمام المركز الطبي وقالا إنهما شاهدا مسعفًا يقتله الرصاص في نحو الثانية مساءً. شهد أحد باحثي هيومن رايتس ووتش إطلاق النار على رجل لم يكن يحمل أية أسلحة ظاهرة أو يستخدم العنف أو يهدد به، بينما كان يغادر المركز عابرًا الطريق. أتت النيران من اتجاه قوات الأمن، نحو الاعتصام. سقط الرجل على الأرض والدم يتسرب من رأسه، لكنه تمكن من الزحف إلى موضع آمن. كانت النيران الحية عند مدخل المركز الطبي تعني عدم وجود سبيل آمن للجرحى للحصول على المساعدة الطبية. وتكفل إطلاق النار المستمر من قوات الأمن على الأسطح في اتجاه المسجد والمباني المجاورة للمركز الطبي بمنع الفرق الطبية من إنقاذ الأرواح على مدار تلك الساعات العشر، بحسب هيومن رايتس ووتش.