مراجعة كتاب انتقام الجغرافيا The Revenge of Geography

سحيم آل ثاني

الملخص التنفيذي

المؤلّف: مجموعة باحثين. الناشر: راندوم هاوس / 2012 / الطبعة الأولى. عدد الصفحات: 320 صفحة من القطع الكبير.

لعل كتاب انتقام الجغرافيا للكاتب روبرت كابلان من الكتب المهمّة في مجال الدِّراسات السِّياسية والجيوسياسية. فهذا الأمر رغَّبني في أنْ أتناوله بالشرح والتَّلخيص، وفي إلقاء الضّ وء على أهمّ ما جاء بين طيّاته عسى أنْ يكون هاديًا للمهتمين بأمور السياسة والمشتغلين بها. فهذا الكتاب هو في الجيوسياسية، وأمّا مؤلِّفه فهو عضوٌ رفيع المستوى في مركزِ أمنٍ أميركي جديد، وقد كان في السَّابق عضوًا في إدارة روبرت غيتس، في مجلس سياسة الدفاع. وقد صدَر كتابه ذاك عام 2012، عن دار النشر (راندوم هاوس) في الولايات المتحدة الأميركية، وكان الهدف مِنْ تأليفه، هو، التَّنبيه إلى مخاطر غَضِّ السياسييّن والأكاديمييّن، في تحليلاتهم السياسية، أنظارَهم عن النظريات الجيوسياسية؛ إذ يرى الكاتب أنَّ الخريطة وتاريخ العولمة أبعدَا التَّحليل السِّياسي عن مسارِه الصحيح. والكتاب في مُجمله مُقسَّم إلى ثلاثة أجزاء؛ فالجزء الأوّل منه، واسمه المستشرفون، يحتوي على ثمانية فصول وهو يقدِّم للقارئ ملخَّصًا لأعمال العلماء الأكثر شهرةً وتأثيرًا في المجال الجيوسياسي، ومنهم ماكندر الإنكليزي الَّذي كتب في ذلك عام 9041 م، وسبايكمان الأميركي ذو الأصل الهولندي الَّذي كتب في ذلك أثناء الحرب العالمية الثانية، والكاتب ماهان الأميركي، المُتخصّص في الإستراتيجية البحرية، وقد كتب في ذلك أيضًا عام 8901 م، والمؤرخ هودجسون الَّذي تخصّص في تاريخ العالم الإسلامي. وأمّا الجزء الثَّاني، مِن هذا الكتاب، المُسمَّى خريطة القرن الواحد والعشرين، فهو يحتوي على ستّة فصول، وفيها يُحلّل كابلان نظريات المحلّلين المذكورين، ويُدمجها في أحيان كثيرة، في تحليله الخاصّ، بأوضاع دُول يراها - في ماعدا الولايات المتحدة - مُؤثِّرةً في السِّياسة؛ وهي روسيا، والصين وألمانيا، وإيران، وتركيا، ودُول أخرى يعدُّها محوريّة، ومن ثمّة فإنّ سقوطها في يد دولة مؤثِّرة قد يُغيِّ الخريطة الجيوسياسية للعالم؛ وهذه الدّول هي اليونان، وأوكرانيا، وبولندا، وأفغانستان، وتايوان، وكوريا في حال توحّد شطريها. ويرى كابلان أنَّ هذا الأمر لا مفرَّ منه. والجزء الثاَّلث مِنَ الكتاب هو أقصر أجزائه، وأمّا اسمه فهو "مصير أميركا"، وهو يحتوي على فصلٍ واحدٍ فقط، ويركِّز فيه "كابلان" على الولايات المتحدة، وينتقد ما يرى أنه من الأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبتها الولايات المتحدة. ويُحذِّر في هذا الفصل مِنْ إهمال الولايات المتحدة المكسيك، ويُبيِّ تأثير هذا الإهمال في مستقبل الدولتين، ويرى أيضًا أنَّ دخول الولايات المتحدة في حروبٍ لا ناقةَ لها فيها ولا جمل؛ مثلما حدَث في العراق وأفغانستان، يُلهيها عن الخصْم الإستراتيجي الصيني الَّذي قَدْ يكون في المستقبل قادرًا على تحدّي الهيمنة الأميركية.

الجزء الأوّل: المستشرفون

الفصل الأوّل

سمّى الكاتب هذا الفصل "من البوسنة إلى بغداد"، وفيه يُقدِّم تحليله السِّياسي مِنْ مُنطلق الفقدان، إذ إنّه يرى أنَّ أهمية الجغرافيا في أذهان البشر قد تلاشت، وأنَّ البشر قَدْ فقدوا هذا العامل المهمّ في تحليلاتهم، وخصوصًا بعد سقوط جدار برلين، وقد أعرب عن هذا بقوله: "مع أن من المفترض أن يُحسِّن تداعي الحدود الاصطناعية احترامنا للجغرافيا وللخارطة الطبوغرافية، وما تشير إليه في ما يتعلق بمنطقة البلقان والشرق والأوسط، إلا أن إزالة جدار برلين جعلتنا عميانا تجاه الحواجز الجغرافية الحقيقية التي لا تزال تقسمنا، ولا يزال يتعين علينا مواجهتها" (ص. 3) ويتحدث كابلان في الفصل الأوّل عن فكرة أوروبا الوسطى، وينتقد المحَلّلين الَّذين كانوا يتوقَّعون بروز هذه المنطقة سياسيًّا بقوله: "على الرّغم من أنّ تضخيم أوروبا الوسطى، كما يفعل المحلّلون الحكماء، هو هدفٌ نبيل... فإنّ هناك عَقَبةً لا بدّ أنْ أتعامل معها؛ وهي أنَّ فكرة أوروبا الوسطى لا توجد على الخريطة الجغرافية" (ص. 24)

الفصل الثاَّني

في الفصل الثَّاني المُسمَّى "انتقام الجغرافيا"، يُركِّز الكاتب على نظريات الواقعيِيّن في العلاقات الدولية. ويتّفق في هذا الشأن مع نظرية ثوسيديدس الَّتي تقول: إنَّ الطَّبع البشري، ومن ثمّة طبْع الدول، مبني على ثلاثة طباعٍ أساسية؛ هي: الخوف، والمصلحة الشَّخصية، والشَّف (ص. 27) ويُبيّ الكاتب أنَّ النظام بالنسبة إلى الدّول - بحسب رأيه ورأي المدرسة الواقعية أيضًا - أهمّ مِنَ الحريّة، وهو يستند في ذلك إلى نموذج العراق بعد سقوط صدام" (ص. 29) ويرى الكاتب أنّ عامل الجغرافيا، هو، مؤثِّر آخر في السياسات الدولية؛ إذ إنّه يُقيِّد الكثير من الدول، في حين أنه يمنحُ دولً أخرى فُرصًا لا تُعَدُّ ولا تُحْصَ (ص. 39)

الفصل الثالث

أطلق كابلان على هذا الفصل اسم "هيرودوتس وخلفاؤه"، وفيه يهتمّ بعلماء الجغرافيا البشرية والمؤرخين الَّذين ركّزوا في سَْد التاريخ على الجغرافيا. وكان من أهمّ مَنْ ذَكرهم، في هذا الفصل، وليام مك نيل ومارشال هودجسون. وقد وضَّ ح، في شرحه نظريةَ مك نيل، وخصوصًا بعد كتابات توينبي وسبنغلر، أنَّ الحضارات - على خلاف الاعتقاد السائد - لا تَلقى مصائرها منفردةً، بل إنّ تفاعلها هو الَّذي يصوغ جوهر التَّاريخ العالمي(" ص 41-39.) ويُوضّ ح الكاتب، أيضًا، فكرة مك نيل، من خلال مقارنته بين مصر والعراق؛ إذ لا توجد لدى العراق حدود واضحة تحمي شعبها منَ التَّدخل الخارجي؛ مثل الجبال أو الصحاري العازلة، كما هي الحال في مصر. فعلى الرغم مِنْ أنَّ المناطق الصحراوية في العراق امتدادٌ للأراضي الزراعية، عبر ما يُعرف ب"الهلال الخصيب"، فقد كان يسهل بالنسبة إلى أعداء العراق احتلالها، وكان يُفترض أن يَستخدم حكام العراق الوسائل الاستبدادية لفرْض تماسك المجتمع واستقرار البلاد (ص. 39-41) أمَّا مصر فهي على خلاف العراق؛ إذ لديها صحراء شاسعة على ضفّتي النيل من شأنها أن تحميَ حضارتها مِن الاحتلال الخارجي، ولقد كان بإمكان حكام مصر الحفاظ على الاستقرار من دون التَّطرق إلى وسائل العنف والاستبداد (ص. 39-41) ويرى الكاتب أنَّ مارشال هودجسون، على الرّغم مِنْ عدم بروزه على السَّ احة الأكاديمية، على غرار جون إسبوسيتو وبرنارد لويس، فإنه هو الَّذي وضَ ع دراسة الحضارة الإسلامية ضمن التَّيارات الكبُرى في التاريخ العالمي (ص. 5) أمَّا نظرية هودجسون فمدارها على أنَّ الثقافة الغربية، بل حتى خرائطها، تُولي أوروبا أهميةً أكبر مِنْ أهميتها الحقيقية؛ فمركز الثِّقل الأساسي، في نظره، هو ما تسميه أوروبا نفسُها (الأويكومين)؛ وهي كلمة يونانية تعني (الحيّ المسكون)، ويرى أنّ منطقة (الأويكومين) تمتدُّ مِنْ أفريقيا الشمالية إلى الهند، وأنه من الممكن تعريف المنطقة الإسلامية فيها تعريفًا سلبيًّا؛ فهي، إذن، المنطقة التي لم تترك فيها الحضارات الهندية أو اليونانية جذورًا عميقةً، وهي مِنَ النيل إلى الجيحون (ص 52، 53.) وكان ممّ ساعد الثقافة الإسلامية على الاتساع بحسب هودجسون هو أنَّ جزيرة العرب كانت مُحاصرةً بأراضٍ خ صبة مِنْ ثلاث جهات؛ وهي الشام والعراق واليمن، وأنّ جفاف الأراضي في الجزيرة جعَل لسكَّانها غنيمةً في الأراضي المحيطة بها. وكان كلّ بلد منها مُتّصلً، ثقافيًّا وجغرافيًّا، ببلد آخر؛ فدخول الإسلام إلى العراق ساعد على دخوله إلى بلاد فارس، ودخول الإسلام إلى الشام ساعد على دخوله إلى الأناضول، ودخول الإسلام إلى اليمن ساعد على وصوله إلى الحبشة (ص. 62)

الفصل الرابع

وهو المُسمَّى "الخريطة الأوروآسيوية"، وفيه يُراجع الكاتب أفكار هالفورد ماكندر الَّذي يَعدُّه أبا الجيوسياسية الحديثة (ص. 62) ويرى ماكندر أنَّ آسيا الوسطى تُعَدُّ المحور الأساسي الَّذي تُبني عليه مصائر الإمبراطوريات العظمى لأنَّها تُعدُّ قلْب أوروآسيا (ص. 63) ويتّضح من ذلك أنَّ نظرية ماكندر مبنيّة على فكرة أنَّ التَّاريخ الأوربي خاضع للتاريخ الآسيوي؛ فالحضارة الأوروبية، بحسب تحليله، ناتجة عن الصراع ضدّ الاحتلال الآسيوي (ص. 64) وإنَّ تشكيل المحافظات الأوروبية تحت الإمبراطورية الرومانية التي صارت - في ما بعد - الدول الأوروبية، كان نتيجة لاهتمام الرومان بتوحيد القبائل الأوروبية ضدّ التوسّع الآسيوي (ص. 65) ويوضّ ح ماكندر أنَّه لولا الغارات المغولية التي دمَّرت الشرق الأوسط وروسيا، لما أصبحت أوروبا المركزَ السياسي للعالم (ص 79،.)80

الفصل الخامس

وهو المُسمَّى "التشويه النَّازي"، وفيه يركِّز الكاتب على الطريقة التي أخذ فيها النازيون أفكار ماكندر، وخلقوا منها فكرة "الليبنسراوم." وقد أوضح أنَّ هناك نوعيْ من القوى على السَّاحة الدولية؛ هما القوى الأرضية، والقوى البحرية، فالقوى الأرضية من قبيل ألمانيا وروسيا، لا تكون، عادةً، مطمئنّةً؛ ذلك أنها تحبّ التوسع لأنَّها ترى في جوارها تهديدًا دائما، ولكنّ القوى البحرية مثل بريطانيا، والولايات المتحدة التي تفصلها عن أعدائها البحار، تكون أكثر اطمئنانًا؛ ولذلك فإنها لا تركِّز كثيرًا على التوسع الأرضي (ص. 83) وقد أخذ هذه الأفكارَ الألمانيُّ هاوسهوفر الذي كان من المستشارين الكبار لأدولف هتلر (ص. 90)، واستنتج منها أنَّ الدولة الألمانية لن تستقرَّ إلا إذا سيطرت على أوروبا الشرقية وروسيا سيطرةً تامةً.

الفصل السادس

اسم هذا الفصل، هو: "الأراضي ذات الأ طُر"، وفيه يركِّز الكاتب على أفكار الأميركي سبايكمان، الهولندي الأصل. وكان سبايكمان يكتب أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد طرح نظرية "الأراضي ذات الأ طُر"؛ ومفادها أنَّ البحار هي التي تُحدّد قوى الدول، وأنَّ كلّ كتلة أرضية يُ كِن السَّ يطرة عليها في حال السَّ يطرة على بحارها. فالولايات المتحدة، بحسب سبايكمان، أصبحت قوّةً عالميةً لأنَّها تقَع على المحيطيْ؛ الهادي والأطلسي، فهذا الأمر، إذن، هو الذي منحها أفضل موقع جغرافي على سطح الكرة الأرضية (ص. 92)؛ وإنّ بحر الكاريبي، في نظر سبايكمان، هو البحر الأبيض المتوسط الأميركي، وإنّ الولايات المتحدة أصبحت قوّةً عظمى، بسيطرتها على البحر وحَفْرِها قناة بَنما (ص. 103)

الفصل السابع

أطلق الكاتب على هذا الفصل اسم "جذْب القوّة البحرية"، وفيه يركِّز على أفكار مؤرّخ القوات البحرية ألفريد ثاير ماهان الذي يرى أنَّ القوّة البحرية، في صراع الهيمنة، أهمّ من القوّة الأرضية، وأنها أقلّ تهديدًا بالنسبة إلى الاستقرار العالمي (ص. 03)1، ويتّخذ كابلان روسيا مثالً لشرح نظرية ماهان؛ إذ إنّ بُعد روسيا عن أيّ بحرٍ مفتوح هو الَّذي وضَ ع حدًّا لتوسّعها واستقطابها الثروات (ص. 111-113) وتوقّع ماهان أنَّه لا يُ كن لأيّ دولة بمفردها أن تفرض السيطرة التَّامة على بحار العالم، فالحاجة إلى حليف مسانِد، أو عدّة حلفاء، يظلّ دائما أمرًا ضروريًّا. ويرى كابلان أنَّ تقلُّص حجْم البحرية الأميركية سنةً تِلوَ أخرى، يفرض عليها إيجاد حلفاء لمشاركتها في مراقبة بحار العالم وتأمين الملاحة العالمية (ص 115،.)116

الفصل الثامن

اسم هذا الفصل، هو: "أزمة المسافة"، وفيه يشرح كابلان نظرية براكن التي تُحذر من صعود آسيا العسكري. ومن الواضح أنَّ براكن يرى أنَّها حزام غير مكسور من الدول بين إسرائيل وكوريا الشمالية، وأنها باتت تمتلك الأسلحة النووية أو الكيمياوية (منها سوريا، وإيران، وباكستان، والهند، والصين)، وأنَّ تلك الدول تُطوِّر، إنْ لم تكن قد طوّرت، صواريخ قد تُوسّع أمداءَ تلك الأسلحة (ص 511، 6.)11 ويرى براكن أنَّ هذه الأسلحة يجب أنْ تُغيِّ الفكر الإستراتيجي تجاه آسيا؛ لأنَّها جعلت المسافات التي كانت تُبعد بعض الجيوش الآسيوية من بعضها الآخر قصيرة (ص. 23-121)1 ويُحذِّر براكن، أيضًا، من النتائج السلبية التي قد تأتي بسبب ازدياد نسبة التَّمدن في آسيا؛ ومنها صعوبة الحصول على الاستقرار وانتشار الأيدولوجيات المُتطرفة. ولكنَّه يرى، في المقابل، أنَّ التَّمدن قد يعمل في انتشار الديموقراطية (ص. 136)

الجزء الثاني: خارطة بداية القرن الواحد والعشرين

الفصل التاسع

أطلق الكاتب على هذا الفصل اسم "جغرافية الانقسامات الأوروبية"، وفيه شرَح موقع أوروبا في الجيوسياسية العالمية. ويتوقّع كابلان إمكانية بناء أوروبا الوسطى والشرقية دُولً مستقرّةً وثريّةً، وأنّ هذه الإمكانيّة نفسَها هي التي ستحدّد إمكانية أوروبا في حماية نفسِها من روسيا (ص. 48)1 ويتوقّع، أيضًا، أنَّ الاتحاد الأوربي سيبقى مركزًا صناعيًّا عالميًّا، وأنّ هذا الاتحاد سيكون محوريًّا في السياسة الدولية

حتى في حال تغيّ ميزان القوى في أوروبا. وممّ توقّعه كابلان، كذلك، أنّ الدول الثلاث التي ستحدّد مصير أوروبا هي: ألمانيا واليونان وروسيا (ص. 52)1 وتكمن أهمية اليونان في أنَّها الدولة الوحيدة الَّتي لديها عدّة منافذ على البحر الأبيض المتوسط في البلقان، وفي موقعها الإستراتيجي بوجهٍ عامّ، كما أنها على المسافة نفسها من بروكسل، إضافةً إلى أنّ سقوط اليونان في يد روسيا سيفتح لروسيا الباب لتصبح قوّةً بحريةً (ص. 155)

الفصل العاشر

اسم هذا الفصل، هو: "روسيا والأراضي المركزية المستقلة"، وفيه يقول كابلان إنَّ روسيا هي القوّة الأرضية الأولى في العالم، وإنّه بالنظر إلى أنها تمتدّ مسافةً تُقارب نصفَ العالم، فإنّ نقصان بحارٍ تحميها من التدخل الخارجي سيُبقى الرّوس غير راضين عن ذلك، وفي المقابل سيجعلهم متمسّكين بالنظرية التي ترى أنّ الحلّ الوحيد للدفاع عن أراضيهم هو التوسع (ص 175، 76.)1 ومن ثمّة، ستبقى روسيا مصُرَّة على استرداد روسيا البيضاء، وأوكرانيا، وآسيا الوسطى، بسبب نظرتها التوسعيّة؛ إذ إنّ تحالفٍ بين هذه الدول وإعادتها إلى النفوذ الرّوسي احتمال إنشاء - على الرغم من صعوبة إحياء الاتحاد السوفيتي - يظلّ قائما (ص 184، 85)1، على أنّ تمكُّن روسيا من استعادة دولة كازخستان، هو الذي سيُحدِّد مصيرَها في آسيا (ص 188،.)189

الفصل الحادي عشر

اختار الكاتب لهذا الفصل اسم "جغرافية القوّة الصينية." فالصين قوّة قاريّة لا تستطيع مدّ نفوذها إلى الاتحاد السوفيتي القديم فحسب، بل إلى الخطوط المركزية للملاحة التي تبعد 3000 مِيل عنها؛ وذلك بفضل شواطئها التي تمتد 9000 مِيل، ولا سيما أنّ لها عدّة موانئ طبيعية. ويتوقّع كابلان أنَّ النموّ الاقتصادي الصيني لا يُ كن أنْ يستمرّ في تحقيق معدلّات قريبة إلى العشرة في المئة سنويًّا، ولكنّ دمْج الصين للحداثة الغربية والمركزية الشرقية دمْجًا ناجحًا، من شأنه أن يساعد على بروزها اقتصاديًّا، على الساحة الدولية (ص. 213)، وشرق آسيا خصوصًا، ممّ يُرشّحها لأن تكون مركزَ تنافسٍ بين القوّة البحرية الأميركية والقوّة الأرضية الصينية. أمَّا تايوان وشبه الجزيرة الكورية فستُصبحان المِحوريْن الأساسييّن (ص. 227) ولكن إن حدث إدماج القوّة الاقتصادية الصينية في قوّتها العسكرية، فإنّ ذلك سيكون سببًا من أسباب التوتّر في السنوات المقبلة (ص. 228)

الفصل الثاني عشر

سمَّى الكاتب هذا الفصل "معضلة الهند الجغرافية." ويتوقّع كابلان أنَّ ازدياد التَّنافس بين الصين والولايات المتحدة للهيمنة على الهند، قد يَحسم المسار الجيوسياسي في أوروآسيا، وبناءً على هذا فإنَّ الهند هي أهمّ دولة محورية (ص. 252) وأمّا السبب الأساسي لعدم بروز الهند قوّةً منافسة للصين والولايات المتحدة، كما يُحدِّده الكاتب، فهو أنَّ الصين أكثر تنظيمً، وذلك بغضِّ النظر عن عدم شيوع الديموقراطية فيها؛ فالصين على سبيل المثال تُضيف، في السنة الواحدة، لطرقاتها أميالً، هي أكثر من مجموع الطرقات في الهند كلّها (ص 266،.)267

الفصل الثالث عشر

عنوان هذا الفصل، هو: "المحور الإيراني." وفيه أشار كابلان إلى أهمية إيران في السياسة الدولية، بفضل موقعها الجغرافي؛ فهي تمتلك ثالث أكبر مخزون نفطي في العالم، وثاني أكبر مخزون من الغاز ولكنّ موقعها الجغرافي يمنحها أهميةً أكبر من أهمية مواردها، بالنظر إلى أنَّها الدولة الوحيدة ذات المنافذ العديدة نحو الخليج العربي وبحر قزوين، إضافةً إلى أنها تتحكم في المنفذ البحري الوحيد لكثير من دول آسيا الوسطى (ص. 268) ويتوقّع كابلان أنَّ قوّة إيران الإقليمية قد تزداد إن حكَمها نظام أكثر اعتدالً، وأنهّ لئن كان امتدادها الآن محدودًا بالشراكة مع سوريا وحماس وحزب الله، فإنّ تبنّيها سياسيةً أكثر اعتدالً قد يفتح الباب لتأثيرها في آسيا الوسطى (ص. 269) ويضيف كابلان إلى ذلك قوله: إنّ إيران هي محور الشرق الأوسط كما أنَّ الشرق الأوسط هو محور أفريقيا وآسيا (ص. 285)

الفصل الرابع عشر

اسم هذا الفصل، هو: "الإمبراطورية العثمانية السَّابقة." فموقع تركيا الجغرافي بين أوروبا وآسيا أشبه ما يكون بالجسر، وهذا الأمر لا يمنحها ميزات إيران؛ ولهذا السّبب لا تسطيع تركيا أن تفرض سيطرتها على الشرق الأوسط بالطريقة نفسِها التي تفرضها إيران (ص. 288) غير أنّ تركيا تتحكم في مصبّات الأنهار المهمّة للشام والعراق ممّ يمنحها ورقة قوية؛ فبإمكانها، مثلً، توصيل المياه إلى الضاحية الغربية في

فلسطين (ص 292، 293.) ومن أهمّ الخطوات التي اتخذتها تركيا، هي، ابتعادها عن أوروبا، وتوجيه سياستيها الخارجية نحو الشرق الأوسط، وقد حدث هذا بسبب الاحتلال الأميركيِّ للعراق، ويلُاحظ أنَّ الأتراك لن يُسمح لهم بدخول الاتحاد الأوربي (ص 292، 293)، وأنّ العولمة التي تُقرِّب الجماعات الكبيرة البعيدة، ساعدت أكثر فأكثر على جعْل الفكر التركي إسلاميًّا (ص 301، 302.) ويرى الكاتب أنَّه بإمكان تركيا في حال تعاملها مع إيران - على الرغم من صعود الحركات الإسلامية إلى الحكم - أنْ تُصبح مركزًا للطاقة المحلية (ص. 301)، وأنَّ قوّة تركيا مُفيدة للغرب؛ فلولا وجود تركيا لأصبحت إيران القوّة المهيمنة على الشرق الأوسط (ص 325،.)326

الجزء الثالث: مصير أميركا

الفصل الخامس عشر

اسم هذا الفصل، هو، "بروديل، والمكسيك والإستراتيجية الكبرى"، وفيه يركِّز الكاتب على المخاطر التي قد تواجه أميركا مستقبلً؛ إذ يرى أنَّ تدخُّل أميركا في حروب لا فائدة منها – كما هو الشأن في الشرق الأوسط - يُبعد تركيزها من الخصم الإستراتيجي الصيني، وأنّ الصين ستكون هي المستفيدة، حتى في حال تمكُّن الولايات المتحدة من تحقيق الاستقرار في أفغانستان (ص. 327) ويرى كابلان أنَّ حملات أميركا العسكرية بعيدًا من موطنها، يمنعها من الاستفادة من نعمة العزلة الجغرافية (ص. 331)، ثمّ إنه يقارن بين أميركا حاليًّا والإمبراطورية الرومانية في فترتها الأخيرة؛ فعندما كانت الجيوش الرومانيّة متفرّقةً في كلّ أنحاء العالم، كان ذلك تمهيدًا لسقوطها، لأنّ تفرّق جيوشها جعلها غيرَ قادرة على تجنيد جنودٍ عند الحاجة إلى ذلك، ولأنّ التَّكاليف العسكرية أثَّرت كثيرًا في اقتصادها. وينصح كابلان الولايات المتحدة بأن تتعلّم من هذا الدرس (ص 332، 333.) ثمّ إنه يحذِّرها، من جهة أخرى، من عدم استقرار المكسيك، ويتوقَّع امتداد المشاكل المكسيكية إلى الولايات الجنوبية من الولايات المتحدة، في حال عدم مساعدتها المكسيك على حلّ مشاكلها (ص. 334) ويوضّ ح كابلان أنَّ الهند وإسرائيل بالنسبة إلى السياسييّن الأميركان، اليومَ، هما أهمّ من المكسيك، على الرّغم من بُعدهما الجغرافي. ويرى أنَّه ينبغي لبعض السياسييّن أن يُصحِّحوا مُعتقَدَهم (ص. 346) ثمّ يُنهي كتابه بقوله إنّه ينبغي لأميركا أنْ تكون قوّةً مُوحِّدةً لشمال أميركا، إلى جانب كونها قوّةً موازيةً في أوروآسيا.

هذه هي خلاصة ما تناوله كابلان في كتابه "انتقام الجغرافيا"، ومن خلال عنوانه، تتّضح خطورة التغافل عمّ يحتويه من سَبْ أغوارِ عالمِ السياسة المجهول بالنسبة إلى الكثيرين من صانعي القرار وصانعي السياسات، من أجل ذلك ألقينا عليه الضوء من خلال طرْح النظرية الجيوسياسية، تلك النظرية التي غفَل عنها الكثيرون على الرّغم من أنها من الأهمية بمكان، وخصوصًا بالنسبة إلى الدول الكبرى، وصانعي القرار، والعاملين في أروقة المطبخ السياسي العالمي، فضلً عن أهمّيتها الدّوليّة عمومًا، وذلك لمِا تنطوي عليه من أهمية قصوى لا يستطيع عاقل إغفالها، ولا سيما أنّ العالم يعيش في ظلّ نظام العولمة، وفي ظلّ ثورة المعلومات، وثورة الاتصالات، وذلك بعد أن أصبح قريةً صغيرةً تمُوج كلَّ ساعة بالمتغيرات، ومن ثمّة كان لزامًا علينا توضيح ما هو أولى بالدراسة وأحرى، كما كان لزامًا علينا، أيضًا، تبسيطه.