القوّة الناعمة المصرية بين الصعود والتراجع

أحمد محمد أبو زيد

الملخّص

تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على القوّة الناعمة المصرية من حيث صعودها وتراجعها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (وربّما قبلها)، وتفن د في الوقت نفسه مصادر تلك القوّة وأشكالها، وكيفية استغالها وتوظيفها في تحقيق مصالحها الوطنية والقومية، ومعرفة ماهيّة العوامل والمسبّبات التي أدّت إلى تراجع القوّة الناعمة المصرية على المستوى العربي والإقليمي، وتداعيات ذلك على مستقبل القوّة المصرية وأوضاعها. وتخلص الملخص التنفيذي الدراسة إلى أنّ ثمّ ة عدّة عوامل أو متغيّرات لا بدّ منها لإعادة تجديد القوّة الناعمة المصرية، وعودتها لتكون واحدة من أقوى وسائل القوّة المصرية وأدواتها على المستوى الإقليمي، تبدأ من الإصاح السياسي وبناء دولة ديمقراطية، مرورًا بإعادة بناء العامل البشري المصري وتأهيله وتطوير مهاراته، وتنتهي عند الاستفادة من جاذبية الثورة المصرية، وإعادة ضخ الاستثمارات الرسمية وغير الرسمية في مجال الدبلوماسية الشعبية والثقافية، وأنشطة السياحة، والسينما، والفكر، والنشر... إلخ. وتحاجج الدراسة بالقول إنّ العامل الرئيس المطلوب والازم لإعادة تجديد القوّة الناعمة المصرية، يتمحور حول إعادة شرعية النظام السياسي المصري وجاذبيّته.

مقدمة

تبدو الحاجة الماسّة إلى نقدٍ منهجي لمفهومٍ مثل "القوّة الناعمةSof t" Power، على خلفية دوافع علمية وعملية عدّة؛ فهذا المفهوم من أكثر المفاهيم تداولً في الكتابات العربية خلال السنوات الأخيرة، دون أن يجري الضبط الكافي لاستخدامه أو توظيفه، بصورةٍ أفقدته في بعض الأحيان ملامحه الدلالية لمصلحة حالةٍ من الاستعراض الفارغ. وفي هذا السياق، تأتي أهمية العودة إلى الكتاب "الأمّ" في التنظير لهذا المفهوم. وعمليًّا فإنّ المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم التي تشهد اختلالً بنيويًّا في ممارسة القوّة الناعمة؛ فمن ناحيةٍ، تعدّ المنطقة إحدى أكثر المناطق التي تخضع لتجريب هذا المفهوم أميركيًّا1، فهو شأنه في ذلك شأن جميع النظريات السياسية الغربية (الأميركية بالأساس) يدور تطبيقه وجودًا وعدمًا مع دوران المصالح الوطنية الأميركية، الأمر الذي يجعل المنطقة العربية واحدة من أكثر المناطق المستهدفة حول العالم بهذا المفهوم.

بناءً على ما سلف، فإنّ دراسة صعود القوّة الناعمة المصرية وتراجعها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (وربّ ا قبلها)، ستفيدنا في سعينا نحو تفنيد مصادر قوّة مصر الناعمة وأشكالها، وكيف جرى استغلالها وتوظيفها في تحقيق مصالحها الوطنية والقومية، ومعرفة ماهيّة العوامل والمسبّبات التي أدّت إلى تراجع القوّة الناعمة المصرية على المستوى العربي والإقليمي، وتداعيات ذلك على مستقبل القوّة المصرية وأوضاعها. وهو الأمر الذي قد يلقي مزيدًا من الضوء على تأثير تراجع أثر بعض الأطراف (العربية) لفائدة أطرافٍ أخرى (غير عربية)، وكيفية تداخل بعض ملامح القوّة الناعمة مع بعض مصادر القوّة الأخرى وأشكالها (الصلبة تحديدًا.) وهو أحد تفسيرات حالة اختلال توازن القوى الشاسع بينها وبين الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى، ما يمثّل في رأينا تهديدًا لمنظومة الأمن القومي الوطني والقومي العربي، وربّ ا لوجود الدول العربية ذاتها، كونه يستهدف هذه المرّة منظومة قيمها التاريخية والثقافية والمجتمعية.

عن القوّة الناعمة المصرية

سنبدأ تطبيق مقولات نظرية البروفيسور ناي وأطروحاته على الحالة المصرية بعد قيام ثورة 23 يوليو بالتحديد، ومرجع ذلك ليس كرهًا في الحقب التي سبقت العهد الجمهوري بل لأغراضٍ تحليلية بالأساس؛ إذ منذ بداية العهد الجمهوري سيطرت الدولة وتنظيماتها على الأنشطة الثقافية والفكرية والسينمائية الخارجية، على عكس ما كان عليه الوضع قبل قيام الثورة، والذي كان يعتمد على جهدٍ فردي لا يُعدّ نموذجًا يمكن القياس عليه والاعتداد به عند قياس قوّة مصر الناعمة بصورةٍ نظامية. وعلى الرغم من ذلك، فإنّنا نرى بوضوحٍ أنّ مصر كانت بالفعل صاحبة القوّة الناعمة المهيمنة على المستوى الإقليمي لمدّةٍ تزيد عن ثلاثة عقود قبل قيام ثورة 23 يوليو المجيدة، كما هي بعدها أيضا بثلاثة عقود2. فالثقافة والأفكار والقيم المصرية، وجاذبية نظامها السياسي والاجتماعي، وشرعية سياساتها الخارجية وممارساتها الدبلوماسية وجاذبيتها، ظلّت تمثّل مصدرًا للإلهام والجذب لدول المنطقة العربية كافّة. وساهم المفكّرون والمثقفون والفنانون والإعلاميون والدبلوماسيون ورجال الدين (المسلمون، والمسيحيون) المصريّون، جنبًا إلى جنب مع الجامعات ودُور النشر ومراكز البحث العلمي المصرية والمسارح ودور العرض والإذاعات والتلفزيون، في بلورة الوعي الجمعي (الذاكرة الجمعية) للشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. لقد شهدت المصالح والمكانة الخارجية للدولة المصرية خلال عقدَي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي 966-1955()1، وقبلها خلال الحقبة الليبرالية التي لحقت ثورة 9191 والتصاقًا بالفترة

  1. Gordon Robison, ‘‘Flying Under the Radar: U.S. Cultural Diplomacy in the Middle East’’, USC Center on Public Diplomacy , Middle East Media Project (July 2005).
  2. انظر على سبيل المثال لا الحصر ملفّ "القوّة الناعمة: انهيار أم ازدهار"، 2 مجلة الهلال، المجلد 123، العدد 2، (فبراير 013)2، ص 97-6؛ علي حرب، "ثورات القوّة الناعمة في العالم العربي: نحو تفكيك الديكتاتوريات والأصوليات"، (لبنان: الدار العربية للعلوم ناشرون، 011)2؛ هبة رؤوف عزّت، "القوّة الناعمة المهدرة: أزمة النظام القويّ والدولة الضعيفة بمصر"، في: محمد عبد العاطي (محرر)، "ثلاثون عامًا من حكم مبارك لمصر: تبديد أرصدة القوّة"، (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، أكتوبر 011)2، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/files/2011/08/20118872345213170.htm مصطفى شفيق علام، "القوّة الناعمة: مدخل لإعادة الاعتبار لدور مصر الإقليمي"، مركز المصري اليوم للدراسات والمعلومات 17(سبتمبر 012)2، على الرابط: http://www.asicenter.org/#!analysis-soft-power/cquh

الناصرية، أكبر توسّعٍ عرفته خلال القرنين المنصرمين في عملية تصدير نمط الحياة المصري (من أفكارٍ، وآداب، وموسيقى، وتعليم، وطريقة الحياة اليومية)، ونشره خارج حدودها؛ إذ إنّ القيادة السياسية كانت واعية ومدركة تمامًا أهمية الثقافة بوصفها ظهيرًا وداعمً للإستراتيجية الوطنية المصرية. ولعلّ المرجع الرئيس لذلك كان نتيجة لصورة مصر وللإدراك الخارجي ورؤية محيطها الإقليمي وبقيّة الوحدات الدولية (العالم الثالث، أو المعسكر الشرقي على الأقلّ بلغة عصور الحرب الباردة)، الجميع ينظر إليها بوصفها قوّة ناعمة عظمىSoft power Great؛ بما تصدره من قيمٍ وأفكارٍ تنويرية وتقدّمية، ولدور جامعاتها ومدارسها وأزهرها الشريف، وتأثير صحافتها ووسائل إعلامها و"ماكينات" الفكر في تشكيل الوعي الجمعي لما يزيد عن مئة مليون عربي، وتقدّم مصانعها وحداثة معاملها، جنبًا إلى جنب مع سياساتها الخارجية الفعّالة وتأييدها حقّ الشعوب في تقرير مصائرها، والحصول على استقلالها الوطني، وتحقيق التنمية والتقدّم، وما لذلك من تأثيرٍ جارف في المنطقة الممتدّة من المحيط إلى الخليج بالأساس، ومن إندونيسيا شرقًا وحتّى كوبا وشيلي في الغرب بصورةٍ عامّة. والنقيض لذلك تمامًا خلال العقدين الأخيرين.)2011-1990(

لكن، بعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر في أيلول / سبتمبر 1970، لوحظ أنّ القوّة الناعمة المصرية (وبالتبعية القوّة الصلبة) شهدت تراجعًا بطيئًا طوال السنوات السبع الأخيرة من حكم الرئيس محمد أنور السادات، والتي استمرّت نحو أحد عشر عامًا 981-1970()1 بخاصّة عقب إعلان الرئيس السادات عن نيّته عقد معاهدة سلام منفردة مع)1، وزيارته الكارثية لإسرائيل3إسرائيل 977(. وقد استمرّ هذا التراجع طوال فترة حكم الرئيس حسني مبارك الذي ظلّت أغلبية الدول العربية مقاطعة له حتّى قبيل وقوع حرب الخليج الثانية 991-1990(.)1 وذلك لتردّي الأوضاع الداخلية المصرية، وتراجع مستوى القوّة المصرية الصلبة (متمثّلً في تراجع النموّ الاقتصادي والتنموي، وضعف القدرة العسكرية، وعدم الاستقرار السياسي)، إضافةً إلى صعود قوّة أطراف وقوى إقليمية أخرى (عربية، وغير عربية) بدأت تسحب البساط من تحت الأقدام المصرية، وباتت هي التي تحدّد المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي العربي والإقليمي، وتشكّله. هذا التراجع الشديد في وزن القوّة المصرية وقيمتها (الصلبة، والناعمة)، جعل واحدًا من أكبر الخبراء المصريين في مجال العلاقات الدولية والسياسة الخارجية المصرية (د. أسامة الغزالي حرب) يقول إنّ المنطقة العربية - بسبب/أو نتيجة تراجع القوّة المصرية – أمام ثلاثة خيارات هي التي ستحدّد مستقبل التوازن ونوعية العلاقات في المنطقة. وهي إمّا أن نحيا تحت مظلّة "العصر الإيراني"، أو "العصر التركي"، أو حتّى "العصر الإسرائيلي." قبل التطرّق بالتفصيل لمسألة صعود القوّة الناعمة المصرية وتراجعها، سأقدّم بعض الملاحظات بخصوص طريقة تناول الكتابات المصرية والعربية مفهوم القوّة الناعمة؛ إذ لاحظنا أنّ مصطلحًا مثل "القوّة الناعمة" جرى ابتذاله وتسطيحه للغاية في الكتابات العربية (الصحفية بالذات) حتّى بات يشير إلى المسلسلات التلفزيونية، والسينما، والأغاني، ودوري كرة القدم (وهي بالفعل جزء من منظومة القوّة الناعمة) بوصفها صيرورة هذه القوّة الناعمة. ما أدّى إلى تشويه هذا المفهوم الإستراتيجي، بصورةٍ باتت معها إعادة إلقاء الضوء عليه وتفكيكه وتحليله من منظور الدراسات الأمنيّة والإستراتيجية (وحتّى ما يُعرف بدراسات الإستراتيجيات الكبرى Strategy Grand) ضرورة إن لم تكن حتمية؛ لفهم التحوّل والتطوّر الطارئين على صور القوّة القومية وأشكالها (التي هي بالأساس مفهوم مركّب ومعقّد بطبيعته) في القرن الحادي والعشرين، إن نحن أردنا النجاة والتفاعل مع هذا النظام الدولي، وحماية أنفسنا وثقافتنا وقيمنا من الهجمات المتتالية القادمة من جهات العولمة المتعدّدة المصادر والاتّجاهات والأغراض. إنّ أغلب القراءات العربية، بسبب تغافلها أو عدم معرفتها بالأصول المنهجية والخلفية الأكاديمية للمؤلّف الأصلي للنظرية (جوزيف ناي) بوصفه أستاذًا للعلاقات الدولية والسياسة الدولية، كان يشوبها غالبًا بعض التسطيح أو قراءتها قراءة أفقية، ولعلّ أسبابها تكمن في ما يلي:

  1. لرصد هذا التراجع بالتفصيل، يرجى مراجعة ثلاثية جلال أمين: 3 ماذا حدث للمصريين: تطوّر المجتمع المصري في نصف قرن 1995-1945 (القاهرة: الهئية المصرية العامة للكتاب، وصف مصر في نهاية القرن العشرين 999 (القاهرة: دار الشروق)1؛، 000)2؛ مصر والمصريين في عهد مبارك 2011-1981 (القاهرة: دار الشروق،.)2012

عدم الإلمام بالفكرة الأصلية لمفهوم القوّة الناعمة: على الرغم من تعريب كتاب جوزيف ناي 007()2، تكاد تعلن نوعية الكتابات ومستواها أنّ ما يُكتب لا يمكن عدُّه كتابة أو تعبيرًا عن فكرة القوّة الناعمة كما صاغها صاحبها. من جانبٍ آخر، فحتّى الآن لا يوجد – في ما قرأت - مقالة واحدة قامت بمراجعةٍ أو تقديم Review لكتاب جوزيف ناي، وللمفهوم الإجرائي الذي قدّمه في كتابه الشهير "الطبيعة المتغيّة للقوّة الأميركية" الصادر عام 9901، فضلً عن نقده أو محاولة كشف نقاط ضعف المفهوم وتوظيفه السياسي، تمامًا كما فعل البعض مع أطروحاتٍ نظرية وأيديولوجية ظهرت في التوقيت نفسه تقريبًا، مثل "أطروحات نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما 991()1، أو "صدام الحضارات" لصامويل هانتنجتون 993()1، ما جعل القراءة العربية التي قُدّمت لمفهوم القوّة الناعمة يشوبها بعض التسطيح أو القراءة الأفقية. نقص المعرفة المنهجية: لقد لاحظ الباحث غياب - إن لم يكن انعدام - فهمٍ عميق لماهيّة القوّة الناعمة، بوصفها بالأساس مفهومًا ينتمي لمدرسة العلاقات الدولية والسياسة الخارجية وليس الدراسات الثقافية أو الاجتماعية، لدى الغالبية ممّن شاركوا في الكتابة عنها أو مناقشتها (ما عدا بعض الكتّاب العرب مثل الراحل حسن بكر، وخالد فهمي، ومحمد السيد سليم وغيرهم.) وهو ما أوجد خطأ منهجيًّا عميقًا في فهم مصادر القوّة الناعمة المصرية وتفسيرها؛ وذلك نتيجة عدم الإلمام بأدبيات العلاقات الدولية (التي هي أصل مفهوم القوّة الناعمة.) فالأصل في أطروحة القوّة الناعمة هو مساعدة القوى والدول القومية التي تنتهجها على تحقيق مصالحها وزيادة حجم نفوذها وقوّتها مقارنةً بما تمتلكه القوى الدولية والإقليمية المناوئة والمعادية لها، بما يحقّق لها الهيمنة والسيطرة. الخلط بين المفاهيم: لاحظْت أنّ أغلب الكتّاب العرب خلطوا بين مفاهيمَ مثل القوّة الناعمة، والثقافة، والدبلوماسية الثقافية التي كان هناك ما يشبه التوافق في الكتابات العربيّة على أنّها القوّة الناعمة، وهو أمر غير صحيح4. إنّ الدبلوماسية الثقافية تعني "توظيف أوجه Cultural Diplomacy الفعاليات والأنشطة الثقافية كافّة لخدمة المصالح الوطنية لدولةٍ بعينها." أمّا القوّة الناعمة، وكما سبق تعريفها، فهي أكبر من ذلك بكثير؛ إذ تعرَّف القوّة الناعمة بأنّها "القدرة على الحصول على ما نريد، عن طريق الجاذبية بدلً من الإرغام أو دفع الرشى." أو أنّها "القدرة على جعل الآخرين ينفّذون إرادتنا دون إجبارٍ أو إكراه." لكن الدبلوماسية الثقافية تعرَّف (وفقًا لعالم السياسة الأميركي ميلتون كامينغز) بأنّها "العملية التي يتمّ خلالها تبادل الأفكار، والمعلومات، والقيم، والنظم والأنساق، والعادات والتقاليد، والعقائد وغيرها من جوانب الثقافة وأبعادها بهدف تعزيز التفاهم المتبادل بين الدول وبعضها البعض." وعليه، فيجب معرفة أنّ هناك اختلافًا كبيرًا (ومنهجيًّا) بين المفهومين.

غلبة الكتابة الصحفية والانطباعيّة: لقد لاحظ الباحث أنّ أغلب المقالات التي تطرّقت لموضوع القوّة الناعمة المصرية كانت حكايات تاريخية وانطباعات وروايات شخصية وإقرارًا بأهمية الثقافة المصرية ومركزيتها، والقليل منها فهِم كيفية توظيف الدولة المصرية مصادر القوّة الناعمة ووسائلها لخدمة المصالح الوطنية المصرية وتنميتها. النزعة الشوفينية والقومية المتطرّفة: لم تخْل بعض المقالات، للأسف، من نظرةٍ شوفينية استعلائيّة، ولن نقول استعمارية (نحن من حملنا التنوير والحداثة للعرب)؛ إذ بالغ بعض الكتّاب في توصيف الدور الذي مارسته مصر في نشر الحداثة والتنوير في المحيط العربي، بصورةٍ بدت معها مصر ودورها مثل ما كانت تروّج له الإمبراطوريات الغربية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وهو الدور الذي لم يكن ممكنًا لمصر أن توصف به، وإنّ ا ما قامت به إلا لدورها المركزي وتقدّمها وجاذبيتها الثقافية والفكرية وشرعية نظمها السياسية والاجتماعية وجاذبيتها لما حولها من الدول العربية، مقارنةً بالأوضاع المزرية التي كانت تعيشها بقيّة الدول والمجتمعات العربية.

  1. عن الفوارق بين المفهومين، انظر: Andras Szanto, ‘‘Cultural Diplomacy Today’’, Brunswick Review , Vol. 4 (Summer 2011), pp. 50-56; Cynthia Schneider, “Cultural Diplomacy: Why It Matters, What It Can – and Cannot - Do?’’ Paper presented to Annual Meeting of the American Political Science Association, (Philadelphia, August 30, 2006).

الطابع الاختزالي في القراءة: كما هو معروف، حدّد البروفيسور جوزيف ناي ثلاثة مصادر تنتج القوّة الناعمة لأيّ بلد؛ هي ثقافتها Culture (هل هي جذّابة للآخرين أم منفرة؟)، وقيَمها Values (هل هي جذّابة، ولا تتناقض بالممارسات على أرض الواقع؟)، وسياساتها Policies (هل يراها الآخرون بصورةٍ شاملة وشرعية أم لا؟.) وبناءً على ذلك، فقد تجاهلت هذه الكتابات بعدين من الأبعاد الثلاثة للقوّة الناعمة؛ إذ ركّز أغلب الكتّاب على دور الثقافة، وتجاهلوا البعديْن الآخريْن. فهل يمكن تجاهل دور منظومة القيم والأخلاق المصرية، مثل الشهامة والتسامح والانفتاح على الثقافات الأخرى، والكوميديا وخفّة الدم، ومحبّة العلم والعلماء، بوصفها أحد أهمّ مصادر الجاذبية والإغراء التي سعت مصر لتصديرها ونشرها في الخارج، وكانت السبب الرئيس في جاذبيتها، وقامت بتشكيل قوّتها الناعمة عبر العصور؟ أو كيف يمكن تجاهل أنّ طبيعة النظام السياسي لثورة يوليو 9521، كانت من أهمّ أدوات القوّة الناعمة المصرية ومصدرًا من مصادر قوّتها وجاذبيتها ليس فقط في محيطها العربي ولكن حتّى الإقليمي والعالمثالثي؟ لقد ساهم تأييدها مساعي التحرّر والاستقلال الوطني في زيادة نفوذها الخارجي وجاذبيتها. وكان لعمق المؤسّسات المصرية وصلابتها (مثل القضاء، والطبّ، والجامعة، والجيش كما يذكّرنا المؤرّخ المصري خالد فهمي)، والتنظيم الحديث للدولة المصرية، وتقدّم نظم الإدارة، تأثيرٌ بالغ في جيران مصر، وسعيهم لاستيراد هذا النموذج وتقليده، وهو الأمر الذي يفسّ ضخامة حجم البعثات العلمية والخبرات العملية المبعوثة للدول العربيّة للمشاركة في بناء هذه المجتمعات وتخطيطها، بصورةٍ مماثلة للمجتمع والدولة المصرييّن. تجاهل الأبعاد الأخرى لمفهوم القوّة الناعمة: لقد لاحظ الباحث أنّ البعد الثالث الذي وضعه جوزيف ناي للقوّة الناعمة، والمتمثّل في جاذبية النظام السياسي والممارسات الدبلوماسية والسياسة الخارجية، يكاد يكون غائبًا تمامًا في الكتابات العربية. وقد كنّا نتوقّع أن يساهم بعض الدبلوماسيين والسياسيين المصرييّن الذين يكتبون في الصحف والمجلّت وينخرطون في الحياة الفكرية والإعلامية، في إلقاء الضوء على هذا البعد من واقع خبراتهم وممارساتهم، إلا أنّنا لم نرَ ذلك بصورةٍ جليّة؛ إذ إنّ القراءات والمقالات والكتب التي كتبها سياسيون ودبلوماسيون مصريون سابقون، كانت قائمة على منهجية السرد التاريخي للممارسة الدبلوماسية المصرية، والتحدّث عن دور بعض أكبر رجال المدرسة الدبلوماسية المصرية، مثل محمود فوزي، ومراد غالب وغيرهما. ولكنّهم تغافلوا عن ذكر كيف كانت ممارسات السياسة الخارجية المصرية وقيمها من أعمق أدوات القوّة الناعمة المصرية وأكثرها تأثيرًا على الإطلاق، حتّى من قبل ثورة يوليو المجيدة. ولم يتحدّث أغلبهم عن دور مصر في المجتمع الدولي على الرغم من الاستعمار، ودفاعها عن قيم التحرّر الوطني والاستقلال، ودورها في إنشاء الكثير من المنظمّات الدولية والإقليمية وإقامتها، مثل جامعة الدول العربية، ودورها الريادي في إقامة أكبر منظّمة دولية وهي الأمم المتحدة التي كانت مصر من أوائل الدول التي شاركت في تدشينها وفي الانتساب لعضويّتها. فمن يذهب إلى مقرّ المنظّمة الدولية في نيويورك، سيرى قائمة الدول التي وقّعت قرار إنشاء المنظّمة، وسيرى اسم الدبلوماسي المصري العظيم محمد صلاح الدين (وزير الخارجية في حكومة الوفد) في قائمة الدول التي انضمّت للمنظّمة. وبالطبع، لن نتحدّث عن الدبلوماسية المصرية في عهد الرئيس عبد الناصر، والتي شهد الجميع (من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب) بأنّها كانت واحدة من أقوى أدوات القوّة المصرية ومصادرها، وأكثرها تأثيرًا، بما جعل لمصر كلمة مسموعة على الساحة العربية والأفريقية والدولية. تغافل الكتّاب العرب أيضًا، عن توضيح بعدٍ آخر مهمّ من أبعاد القوّة الناعمة المصرية، وهو تأثير النهضة العلمية والطفرة التكنولوجية والمعرفية والفكرية التي شهدتها مصر منذ عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته5، وهو ما أطلَق عليه العالم المصري أحمد زويل في إحدى مقالاته الصحفية "القوة الناعمة للعلوم"، وقامت على أيدي سيّدات ورجالٍ عظام أرسلتهم دولتهم إلى الدول العربية والأفريقية؛ للمساهمة في بناء هذه المجتمعات وتطويرها. ما ساهم في ربط مصر في المخيّلة العربية والأفريقية بوصفها نموذجًا للحداثة والتقدّم اللذيْن تحلم بهما أيّ دولة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يجب التنويه بأنّه في عام 9491، في حين كانت دولة مثل الصين لا يوجد فيها شخص أحرز درجة الدكتوراه في العلوم، كان في مصر آلاف من حاملي الدكتوراه، بل إنّ عالمًا عظيمً مثل

  1. A. M. Mosharrafa Pasha, ‘‘The Egyptian Acaademy of Science’’, Nature , Vol. 157, No. 3992, (May 1946), pp. 565-600. خالد فهمي، "صعود وانهيار مصلحة الطب الشرعي"، الشروق 22(013/2/)2، ص.13

مصطفى مشرفة كان ترتيبه الحادي عشر في التاريخ ممّن يحملون درجة الدكتوراه في العلوم من الجمعية الملكية للعلوم، وله مكانته العلمية المعروفة في أروقة الأكاديميات العالمية المتخصّصة بعلم الطبيعة وأبحاث الضوء. وبالطبع، الراحل العظيم طه حسين، أوّل طالب مصري (ضرير) يحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون العريقة. وهناك سيّدات مصريّات حصلن على درجة الدكتوراه في الفلسفة (درّية شفيق 9401، وسميرة موسى 943.)1 فضلً عن دور جامعة القاهرة (التي تُعدّ من نشئت في العالم الثالث أوائل الجامعات الحديثة التي أ 911)1، والتي كان مستوى كلّياتها يعادل مستوى كلّيات أوروبا.

صعود القوّة الناعمة المصرية

بادئ ذي بدء، علينا أن لا نتجاهل العلاقة الارتباطية (الطرديّة) بين قوّة النظام السياسي المصري وقتئذ وهيمنة القوّة الناعمة المصرية وجاذبيتها؛ إذ كانت مصر وقتها تمثّل نموذجًا رائدًا لدول المنطقة في مجالات التحديث والتصنيع والتعليم والثقافة والفنون والسياسة والدبلوماسية والقوّة الاقتصادية والعسكرية (قبل 967.)1 وهي القوّة التي ظهرت بصورةٍ إيجابية للغاية، وساعدت على نشر القيم والأفكار والآمال المصرية وبسطها عبر الوطن العربي. لقد كانت القوّة المصرية (الصلبة) قاطرة هيمنة القوّة المصرية (الناعمة) خلال الربع الثالث من القرن العشرين. إنّ نجاح الدولة في مجال السياسة الدولية مرتبطٌ ارتباطًا بنيويًّا بمدى نجاحها في استثمار قوّتها الناعمة وتوظيفها في الترويج لقوّتها الصلبة، والعكس بالعكس. كانت النظرة التقليدية للدولة المصرية عبر تاريخها بوصفها إحدى أقدم الحضارات في التاريخ البشري، والحامل التقليدي لقيم التسامح والتنوير والإبداع والتفاهم... وغيرها من القيم الجذّابة، محطّ إعجاب جيرانها والمحيطين بها ورغبتهم في تقليدها. لكن، بسبب (أو لنقُلْ نتيجة) لحظات التردّي السياسي والاقتصادي التي مُنيت بها مصر عبر تاريخها، كانت هذه الجاذبية والإعجاب بالقيم المصرية يتراجعان ويبهتان، وقد لوحظ أنّ مكانة مصر وقدرتها على تحقيق مصالحها وأهدافها الوطنية تتلاءمان عكسيًّا مع تراجع هذه القيم والقدرة المصرية على ترويجها ونشرها خارج حدودها6؛ إذ كان نمط التفوّق والقيادة المصرية قائميْ على الإلهام والإقناع Percussion، وليس على الإكراه. Coercion سنتطرّق هنا لبعدين من أبعاد القوّة الناعمة المصرية؛ فالبعد الأوّل هو جاذبية النظام السياسي المصري وشرعية الممارسة السياسية الخارجية للدولة المصرية؛ أمّا البعد الثاني، فهو جاذبية الثقافة الشعبية المصرية وقابليتها للانتشار والتوسّع خارج النطاق الجغرافي للدولة المصرية، الأمر الذي يتّضح بجلاء في انتشار الإذاعات والتلفزيون المصري في الوطن العربي منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، ومن قبل الثورة في الهيمنة الكلّية للسينما والأفكار والآداب والفنون المصرية على المنطقة الجغرافية المعروفة بالوطن العربي.

جاذبية النظام السياسي وشرعية الممارسة الدبلوماسية المصرية

طوال الحرب الباردة، نظر الكثير للسياسة الخارجية المصرية بوصفها سياسة انحيازية Aligned تجاه الكتلة الشرقية بصورةٍ أو بأخرى؛ إذ كان سلوكها الدولي والخارجي تجاه الكتلة الغربية يتّسم بصراعٍ يفوق سلوكها تجاه الكتلة الشرقية، لعوامل سياسية وثقافية، أهمّها الربط في المخيّلة الرسمية المصرية بين الولايات المتحدة (الكتلة الغربية)، والاستعمار الأوروبي (بريطانيا، وفرنسا على وجه التحديد.) وهو ما ثبتت صحّته فيما بعد؛ ففي أثناء فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، بدا واضحًا للمراقبين أنّ السياسة الخارجية المصرية أصبحت إحدى أقوى أدوات تحقيق المصالح القومية المصرية وطموحاتها الإقليمية. إنّ معاداة الرئيس عبد الناصر الصادقة والوحشية للهيمنة الاستعمارية الغربية (أوروبا، وأميركا) على مصر والوطن العربي، ومساعيه الصادقة نحو تحقيق الوحدة العربية (القومية العربية) والتكامل الإقليمي (السوق العربية المشتركة)، إلى جانب مساندة حركات التحرّر الوطني في أرجاء العالم الثالث كافّة، جعلت مصر تقوم بدورٍ قيادي ومحوري في قيادة حركة عدم الانحياز الوليدة، والعمل على تجميع قوى الجنوب لمواجهة حالات التبعية للغرب وصورها بطريقةٍ باتت تهدّد توازن القوى الدولي الموجود آنذاك. ومن ناحيةٍ أخرى، نجح الرئيس عبد الناصر في تحقيق مصالحَ قومية/محلّية عن طريق التوسّع الخارجي واتّباع سياسة خارجية تجديدية Innovation. بفضل سياسته الخارجية المثيرة للإعجاب، نجح عبد الناصر في تحقيق المصالح والطموحات القومية المصرية (داخليًّا وخارجيًّا) من جانب؛

  1. Fouad Ajami, “The Struggle for Egypt Soul: Can there be an Arab World without Egypt”, Foreign Policy , No.35 (Summer 1979), pp. 3-30. وجهات نظر أحمد محمد أبو زيد، "شيخوخة مبكرة: عدم الانحياز في عالم متغير"، مجلة، السنة الحادية عشرة، العدد 812 (سبتمبر 009.)2 ص.45-44

بتحقيق الجلاء الإنجليزي عن مصر 9541، وتأميم قناة السويس 1956،...1 إلخ7وبناء السدّ العالي 960. ما جعله يستفيد بصورةٍ مذهلة من الموارد المصرية كافّة (التعبئة)، كلّ على حدة، لتحقيق المصالح والطموحات القومية المصرية. ووضع مصر في مكانة إقليمية ودولية متميّزة طوال عقدَي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين؛ بصورةٍ جعلت البعض يرى أنّ مثل هذه السياسة الخارجية الناجحة جعلت مصر تأخذ "موضعًا أكبر من الهيمنة الإقليمية/العربية" Pre- eminence على حدّ قول فؤاد عجمي؛ محقّقةً بذلك أوّل إنجازٍ في الدوائر الثلاث التي وضعها جمال عبد الناصر في كتابه "فلسفة الثورة" لتحديد مسارات السياسة الخارجية المصرية، وتوجّهاتها؛ بصورةٍ باتت معها مصالح القوى العظمى الموجودة في المنطقة مهدّدة بقدرٍ كبير. من ناحيةٍ أخرى، فإنّ سعي جمال عبد الناصر الحثيث نحو تصدير مجموعة من القيم التي كانت مصر مؤمنة بها وتسعى لنشرها خارج حدودها الوطنية، اعتقادًا منها أنّ ذلك سيحقّق مصالحها ويزيد من نفوذها وقوّتها الخارجية، مثل التحرّر من الاستعمار الأوروبي والغربي، وتحقيق الاستقلال الوطني، والتخلّص من الاحتلال، وصيانة الكرامة الوطنية، وزيادة حجم الولاء الوطني، وتعزيز مبادئ الاعتماد على الذات، وتحقيق التنمية المستقلّة، وعدم التبعيّة والاتكال على الغرب، والسعي نحو تحقيق التقدّم العلمي والاقتصادي والمعرفي المستقلّ بما يؤهّل هذه الدول لتحدّي الهيمنة الغربية على العالم... وغيرها من القيم، ساهم إلى حدٍّ كبير في تدعيم مكانة مصر بوصفها دولةً رائدة ومركزية، محلّ إعجاب الدول الأخرى وتقديرها. وحتّى وقوع هزيمة 9671، كانت مصر في نظر أغلب المحلّلين والمراقبين الدوليين مركز النشاط في منطقة الشرق الأوسط Regional Trailblazer؛ إذ لم توجد في المنطقة دولة تعادل الثقل الذي تمثّله مصر في مثل هذه المنطقة الحيوية والمهمّة جدًّا للقوى الدولية العظمى. تغي هذا الوضع جذريًّا بعد أزمة 5 حزيران / يونيو 967.1 فقد أدّت هزيمة مصر أمام إسرائيل إلى اهتزاز صورة النموذج الذي حاول النظام المصري بناءَه وتسويقه في الخارج، إلى جانب انكساره في الداخل8.

جاذبية الثقافة المصرية

احتفلت وزارة الإعلام المصرية في شهر تموز / يوليو 0102 باليوبيل الذهبي لإنشاء التلفزيون المصري (التلفزيون العربي وقت إنشائه)، والذي تزامَن مع مرور الذكرى الثامنة والخمسين لثورة 23 يوليو المجيدة. والجدير بالذكر أنّه عندما افتتح الرئيس عبد الناصر البثّ التلفزيوني في مصر، في الحادي والعشرين من شهر تمّوز / يوليو 9601، بثّ التلفزيون العربي كلمة افتتاح الرئيس عبد الناصر لمجلس الأمّة في رسالةٍ مباشرة لا تخلو من التبشير والترويج للقيم وللنموذج وللنظام السياسي المصري (الجمهوري.) ولم يكن يخطر في بال أحد أنّ هذا "المشروع الوطني" سيكون واحدًا من أهمّ أدوات تنفيذ السياسة الخارجية المصرية في المنطقة العربية، وسيحوّل القاهرة لتكون "قبلة الوافدين" من العرب وشبّان العالم الثالث، بعد الحرب العالمية الثانية. تقليديًّا، كانت الثقافة والفنون المصرية منذ بدايات القرن العشرين واحدة من أقوى مصادر القوّة الناعمة المصرية على المستوى الإقليمي بالذات، وعلى المستوى الخارجي في العموم. فقد ساهم الكتّاب والمثقفون، والمطربون والفنّانون، والأكاديميون، والخبراء المصريون في تشكيل الوعي الجمعي للعرب خلال النصف الأوّل من القرن العشرين، وساهم في دخول الثقافة والفكر المصرييّن إلى كلّ بيت عربي، وتبنّيهما؛ إذ ساهمت الصحف والمجلات المصرية من جانب، والسينما والمسرح والموسيقى والغناء وفنّ تلاوة القرآن الكريم على وجه التحديد من جانبٍ آخر، والإذاعة والتلفزيون أيضًا، في جعل مصر الأمّة التي لا غنى عنها في منطقة الوطن العربي، وواحدة من أهمّ القوى في العالم الثالث بما لها من تأثيرٍ ونفوذ قويّ، وبما تمتلكه من مصادر قوّة صلبة متمثّلة في القوّة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وقوّة ناعمة هائلة في محيطها الإقليمي. كان لمجلاتٍ أدبية وعلمية مثل الرسالة التي كان يصدرها أحمد حسن الزيات 953-1933()1، ومجلّة الثقافة للمفكّر أحمد أمين -1939(954)1، ومجلّة الكاتب التي كان رئيس تحريرها الدكتور طه حسين 948-1945()1، والتي تعدّت حدود تأثيرها مصر والوطن العربي، وكان يكتب فيها كتّاب عالميون، مثل جان بول سارتر، وألبير كامي، وغيرهما. وبالطبع، لا يمكن تجاهل الدور التنويري العظيم الذي قامت به جريدة الأهرام (التي تصدر منذ مئة وثمانية وثلاثين عامًا)، ومجلّة الهلال (التي ظلّت تصدر دون توقّف قرابة مئة وعشرين عامًا)، وقامت مجلّت شعرية وفنّية مثل مجلّة أبولو التي كان يصدرها الشاعر أحمد زكي أبو شادي 943-1932()1، والكواكب (منذ 932)1، ومجلّة العصور

  1. John Alterman, “Dynamics without Drama: New Options and Old Compromises in Egypt’s Foreign Policy”, Cambridge Review of International Affairs , Vol. 18, No. 3 (October 2005), pp. 357-369.
  2. John Alterman (eds.), “Sadat and His Legacy: Egypt and the World 1977- 1997”, (Washington D.C: The Washington Institute for Near East Policy Press , 1998); Bruce Maddy-Weitzman, “Egypt in Search of A Role”, Tel Aviv Notes , N.116, (November 22, 2006); Asher Susser, “The Decline of the Arabs”, Middle East Quarterly , Vol. 5, No. 4 (Fall 2004), pp. 1-9.

(لإسماعيل مظهر)، ومجلّة الرواية (لأحمد حسن الزيات)، بدور ارتكازي في وضع اللبنات الأولى للأدب والفكر العربي الحديث. وحتّى المجلّت العلمية كانت مصر سبّاقة في هذا المجال، منذ أن أصدر رفاعة الطهطاوي مجلّته الثقافية الرائدة "روضة المدارس" 870()1، وحتّى نشر الرائد الدكتور علي مصطفى مشرفة مقالته الشهيرة مدافعًا عمّ أسماه المدرسة العلمية المصرية The Egyptian Academy of Science التي نشرت في مجلّة Nature العالمية المرموقة في عام 9461، تتابعت المجلات العلمية في الصدور، مثل مجلّة "مصر المعاصرة" 910()1 التي تصدر عن الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع نشئت بدورها في عام (أ 909)1، ومجلّة "أعمال الجمعية المصرية للعلوم الرياضية والطبيعية" 937()1، ومجلّة "تاريخ العلوم" 950()1، والمجلّة المصرية التاريخية 948()1، ومجلّة "الأهرام الاقتصادي" 951()1، ومجلّة اررع "براءات الاخ" 951()1، ومجلّة "الاقتصاد والمحاسبة" 951()1، ومجلّة "التشريع المالي والضريبي" 952()1، و"المجلّة الجنائية" 957()1، و"المجلّة الزراعية" 958(.)1 استكملت هذه الدائرة عقب قيام ثورة 9521 التي بادرت، على الرغم من توجّهاتها العقائدية والقومية إلى الاهتمام بالأنشطة الثقافية والفكرية والاستثمار الضخم فيها، والتي أظهرت بكلّ تأكيد إدراك القيادة الوطنية والسياسية أهمية سلاح الثقافة والفكر وعدّه جزءًا لا يتجزّأ من منظومة القوّة الوطنية المصرية. إذ إنّ النظام السياسي دعم الإصدارات الثقافية ووسّعها؛ فظهرت في مصر مجلّ ت رفيعة المستوى مثل مجلّة "الرسالة الجديدة" 963()1 التي كانت امتدادًا لمجلّة الرسالة الأصلية بعد توقّفها، وجرى إصدار "مجلّة المسرح" 964()1، ومجلّة "الفنون الشعبية" 965()1، ومجلّة "الأدب" 956()1 التي كان رئيس تحريرها الأستاذ أمين الخولي، وهناك أيضًا مجلّة "المجلّة" 971-1957()1 التي كانت في عهد الأستاذ الكبير يحيى حقّي مجالً مفتوحًا لجيلٍ أدبي وثقافي مصري وعربي رفيع المستوى (ما يُعرف بظاهرة جيل الستينيات.) من جانبٍ آخرَ، كان للفنون المصرية أكبر تأثير يمكن ممارسته وفرضه على محيط مصر الإقليمي العربي؛ إذ كانت السينما المصرية رائدة ومهيمنة بكلّ المقاييس في العالم العربي (مازال يطلق على الفيلم المصري الفيلم العربي)9. ساهمت السينما في نقل الثقافة الشعبية ونمط الحياة والتفاعل الإنساني، وطريقة الحياة إلى أغلب الأقطار العربية من الخليج إلى المحيط. وساعدت كذلك على نشر اللغة المحلّية (العامية) المصريّة في ربوع العالم العربي كافّة، بصورةٍ جعلت منها ما يشبه اللغة المشتركة بين الشعوب العربية، الأمر الذي ساهم بالتأكيد في تمدّد النفوذ السياسي والثقافي المصري. لقد كانت مصر من أوائل الدول في العالم كلّه التي عرفت السينما (شهدت الإسكندرية ثاني عرضٍ سينمائي في التاريخ 8971، بعد أقلّ من عام على اكتشافها) وأُنشئت في مصر أوّل الاستوديوهات العربية (استديو مصر 920)1، وأنشئت كذلك أوّل مدرسة أكاديمية لدراسة السينما (معهد السينما 959.)1 وكان هناك اهتمامٌ شعبي ورسمي كبير بدور السينما (فنًّا وصناعة)؛ إذ كانت صناعة السينما وحتّى السنوات الأولى من ثورة يوليو صاحبة ثاني أكبر نسبة في الدخل القومي المصري بعد تجارة تصدير القطن. وكان الفيلم المصري يتحكّم بصورةٍ شبه كلّية في السوق العربي والخارجي، نظرًا لعدم وجود صناعة سينما متطوّرة في بقيّة الدول العربية، ما عدا بعض التجارب في بلدان مثل لبنان أو سورية. ويتمتّع الفنانون المصريون بشعبيةٍ طاغية في الدول العربية كافّة، وهم الروّاد ومازالوا يتصدّرون المشهد السينمائي العربي، حتّى في ظلّ التدهور الشديد الذي تعاني منه صناعة الفيلم والسينما المصرية خلال العقود الثلاثة الأخ ةرر. ومازال العرب يجدون في السينما المصرية مصدرًا للتسلية والترفيه والتثقيف (وإن قلّت نسبة الأفلام المصرية الجيّدة مؤخرًا)، إلا أنّ مصر مازالت تمتلك من البنية التحتية والكفاءات البشرية ما يمكنها من ممارسة التأثير نفسه ونفوذها في هذا المجال الذي سيعود بالفائدة على المصلحة الوطنية المصرية، وإن كان مطلوبًا من الدولة المصرية تشجيع القائمين عليه والمشتغلين فيه، ماديًّا ومعنويًّا. وهناك دور المسرح والموسيقى والغناء. فيكفي أن تذكر أسماء مثل السيدة أمّ كلثوم، وليلى مراد، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، ويوسف وهبي أو نجيب الريحاني أو إسماعيل ياسين، حتّى ترى مدى تجاوب المواطن العربي مع هذه الشخصيات ومعرفته بتاريخها، ما يدلّ على مدى تغلغل الفنون والموسيقى المصرية في المحيط العربي وقوّة تأثيرها، بوصفها أحد مصادر القوّة الناعمة

  1. كان أوّل عرض سينمائي قد شهدته مصر هو الفيلم الصامت للأخوين لوميير، والذي عُرض في قهوة "زواني" في مدينة الإسكندرية. أمّا مدينة القاهرة، فقد شهدت أوّل عرضٍ سينمائي أيضًا في شهر يناير من العام نفسه 8(2 يناير 896)1، وعُرض الفيلم ذاته في سينما "سانتي." وبعد فرنسا ومصر، عُرض هذا الفيلم في أميركا (مدينة نيويورك تحديدًا) في وقتٍ متأخّر من العام نفسه. وهناك أقوال أخرى تقول إنّ أوّل فيلم عُرض في مصر كان في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 896 نتج في عام 1 وليس شهر كانون الثاني/يناير. أمّا أوّل فيلم مصري فقد أ 9271، وهو الفيلم الصامت "ليلى"، بطولة عزيزة أمير واستيفان روستي، والإخراج لوداد عرفي، انظر، "تاريخ السينما المصرية"، على الرابط: http://www.luxorafricanfilmfestival.com/Resources/Egypt/history-of- cinema-egypt-ar-EG

المصرية. ويذكر أغلب المثقّفين العرب في كتاباتهم ومذكّراتهم وسيرهم الذاتية كيف كانت الشوارع الرئيسة في المدن العربية تبدو خالية في كلّ يوم خميس من بداية كلّ شهر، حين يلتفّ المواطنون العرب من المحيط إلى الخليج للاستماع لصوت"الستّ " وهي تغنّي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفنّان الراحل عبد الحليم حافظ، فضلً عن خطب عبد الناصر في إذاعة "صوت العرب." هناك أيضًا مصدر من مصادر القوّة الناعمة لا يتاح لأيّ قوى إقليمية أو حتى عالمية وهو دور قرّاء القرآن الكريم المصريين؛ ففي مصر عددٌ هائل من أفضل (إن لم يكونوا الأفضل على الإطلاق) قرّاء القرآن الكريم على مستوى العالم الإسلامي الذي يجمع نحو 55 دولة، من أقصى الأرض إلى أدناها. لقد أجمع المسلمون منذ أن عرفوا الإذاعة والتلفزيون (وربّ ا من قبلهما) على أنّ أفضل من يقرؤون كتاب الله ويرتّلونه هم القرّاء المصريون، بدايةً من الشيوخ محمد رفعت، وعلي محمود، وعبد الباسط عبد الصمد، ومصطفى إسماعيل، ومحمود خليل الحصري، والشيخ البنا، والشيخ أبو العينين شعيشع، وحتّى فنون التوشيح والغناء الصوفي مثل الشيخ النقشبندي وصولً إلى الشيخ ياسين التهامي. مثل هؤلاء القرّاء والشيوخ (جنبًا إلى جنب مع مدرسة الأزهر العظيمة) هم خير سفراء ومتحدّثين وممثلين للدولة المصرية ولثقافتها وحضارتها ودورها الإسلامي والعالمي. هم خير داعم للسياسة وللدبلوماسية المصرية في العالم العربي وعبر العالم الإسلامي؛ لما يتمتّعون به من محبّة وتقدير لدورهم ولمكانتهم الدينية والروحيّة في العالم الإسلامي. وهم بالتأكيد ثروة وطنية لا يمكن تعويضها أو التقليل من شأنها أو تجاهلها عند الحديث عن أيّ إستراتيجية لتدعيم القوّة الناعمة المصرية، أو تجديدها. وساهمت البعثات التعليمية والتدريسية التي دأبت مصر على إرسالها منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، لنشر التعليم والمعرفة في الدول العربية وبعض الدول الأفريقية والآسيوية، في نشر الاحترام والتقدير للمكانة الفكرية والعلمية والثقافية المصرية10. وكان لهذه البعثات التعليمية دورها الريادي في بناء منظومة التعليم والنهضة وتطويرها في العديد من الدول العربية التي كانت تبحث عن استقلالها عن المحتلّ الأجنبي من ناحية، والانخراط في عمليات التحديث وبناء الدولة من ناحيةٍ أخرى. فقد تولّ المدرّسون والمعلّمون المصريون تعليم الأجيال الأولى من الشعب العربي وتدريبها في فترات ما بعد الاستقلال؛ ما ساهم في ربط مصر بقيمٍ مثل الحداثة والمعرفة والعلم، وهو ما ساهم في تدعيم مكانتها ونفوذها الإقليمي، جنبًا إلى جنب مع التكريم والتوقير الذي كانت تعامَل به، ويعامل به مواطنوها في العالم العربي. على صعيدٍ آخر، كان التلفزيون العربي (ومن قبله إذاعة صوت العرب) بما يقدّمه من برامجَ ولقاءاتٍ وأفلام ومسرحيات ومسلسلات... إلخ، يروّج لنمط المعيشة المصرية وأسلوبها، وذلك عن طريق تقديمها بصورةٍ جذّابة ومحبّبة، بما يجعلها تمثّل نوعًا من النموذج أو إلهامًا للشعوب الأخرى والسعي نحو اتّباعه. لقد ساهم التلفزيون العربي في تغلغل مكوّنات الثقافة المصرية في الكثير من الثقافات الشعبية العربية؛ إذ أصبحت الثقافة الوطنية للكثير من الدول العربية تضمّ بين ثناياها العديد من صور الثقافة الشعبية المصرية وقيمها ومعاييرها، وأصبحت اللغة العامية المصرية بمنزلة اللغة العربية "الشعبية" لأغلب دول الوطن العربي؛ وذلك بفضل الجاذبية الرهيبة للقوّة الناعمة المصرية. وهو الأمر الذي كان له عظيم التأثير في قوّة السياسة الخارجية المصرية، وتعظيم مكاسبها ونفوذها الخارجي. نظرًا لكونه من أوائل التلفزيونات التي أُنشئت في المنطقة العربية (الثالث بعد العراق والجزائر 9561، ولبنان 959)1، فقد ساعدت أسبقية التلفزيون العربي في نشر جاذبية القوّة الناعمة المصرية وتأكيد هيمنتها وتفوّقها السياسي والاقتصادي، بوصفها الدولة الرائدة في التحديث والتقدّم والمدنيّة في المنطقة، والتي كانت على استعدادٍ تامّ لمدّ يد العون لباقي إخوانها العرب الراغبين في التقدّم والتحديث والتنوير، فكانت الكفاءات البشرية المصرية المتخصّصة الرعيل الأوّل الذي ساهم في إنشاء التلفزيونات العربية الوليدة وبنائها وتشغيلها، في الكثير من الدول العربية، وبخاصّة الخليجية. لقد ساعد جهاز التلفزيون ومن قبْله الإذاعة والحركة الثقافية والفكرية والأدبية الثرية والنشيطة في القاهرة، في الترويج للنظام المصري بوصفه حقًّا، المؤيّد الصلب والصادق لحركات التحرّر الوطني، للتعليم والتثقيف فإنّ الموادّ التي كان يقدّمها التلفزيون العربي ساعدت إلى جانب العديد من وسائل القوّة الناعمة المصرية الأخرى وأدواتها، على تشكيل وعي هؤلاء الشبّان وذاكرتهم وأسلوب تفكيرهم وحياتهم؛ إذ سيعودون إلى بلادهم الأمّ بعد مدّةٍ معيّنة وفي مخيّلتهم

  1. سالم عبد الغني، ’"مرسي:‘ المعلمون أهمّ مصادر القوّة الناعمة وأتعهّد بتوفير الإمكانات الأهرام المسائي للارتقاء بالتعليم"،، 013/3/22()2، على الرابط: http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=1226026&eid=1349

(عقولهم وقلوبهم) القيم والأفكار والمعايير الأخلاقية وأسلوب الحياة المصري الذي تشبّعوا به خلال وجودهم في مصر. من جانبٍ آخرَ، فإنّه لمّا كان من المتوقّع أن يتبوّأ هؤلاء الشبّان عقب عودتهم وإتمام تعليمهم في القاهرة، مواقعَ ومناصبَ رفيعة في بلادهم ذات صلة وتأثير في عملية صنع القرار الوطني في أوطانهم، فكان لنا أن نتوقّع مدى التأثير الذي نجح في زرعه التلفزيون العربي (وباقي وسائل القوّة الناعمة المصرية) فيهم، ومدى تأثير ذلك في الفرص المستقبلية التي ستتاح لخدمة المصالح المصرية الخارجية في هذه البلاد. إنّ هؤلاء المبعوثين والوافدين كانوا خير سفراء (غير رسمييّن) لمصر في بلادهم الأصلية؛ بفضل تشبّعهم بالقوّة الناعمة المصرية الجذّابة. من جانبٍ ثالث، فقد ساهمت طبيعة البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية البدائية إلى حدٍّ كبير في الكثير من الأقطار العربية، مقارنةً بمصر، في توسيع نطاق الهيمنة الإعلامية والثقافية المصرية إقليميًّا؛ إذ كانت الإذاعة المصرية قبل التلفزيون، ثمّ التلفزيون المصدر الرئيس والأوّل للحصول على المعلومات، وتتبّع أخبار التطوّرات والأحداث الجارية في العالم. إنّ إذاعة "صوت العرب" كانت بالفعل (صوت العرب من القاهرة.) بل إنّ التاريخ السياسي المعاصر للمنطقة العربية شهد لأكثر من مرّة إعلان بيانات قيام الجمهورية أو استقلالها أو اندلاع ثورات وطنية من إذاعة صوت العرب في القاهرة، كأنّها بإذاعة البيان رقم)1(من القاهرة قد حصلت على الشرعية لما قام به أحد أبنائها. إلى جانب هذه المصادر والأدوات، فإنّ المصريين في حدّ ذاتهم (كبشر) كانوا واحدًا من أهمّ مصادر القوّة الناعمة المصرية؛ إذ كان لوجود المصريين في الجوار الإقليمي لبلادهم منذ فترات بعيدة، وتزاوجهم ومصاهرتهم إخوانهم العرب، عميق الأثر في زيادة الترابط والتقارب والتفاهم المشترك بين مصر وبقيّة الشعوب العربية11، بما يمتلكونه من معرفةٍ وقدراتٍ علمية وبشرية، إلى جانب الكاريزما والقبول الذي يتمتّعون به، وصفاتهم الشخصية والاجتماعية الجذّابة والمحبّبة للآخرين (مثل حسّ الدعابة، والسخرية، والاعتدال، والانفتاح، والتسامح، وإيثار السلامة... وغيرها من السمات الشخصية والجماعية محلّ الإعجاب والتقدير)، وقدرتهم على التكيّف والمواءمة والانخراط الاجتماعي Socialization التي أدّت أيضًا لتعزيز التقارب والتعاون بين مصر والشعوب المجاورة، خصوصًا أنّ الكثير من أبناء هذه الأجيال أصبحوا في مناصبَ رفيعة ولهم مكانة في مجتمعاتهم، وهو الأمر الذي كان يصبّ في مصلحة الدولة المصرية، ويدعم مكانتها وتقدير الآخرين لها، ويعزّز نفوذها وتأثيرها الخارجي. لقد كانت مصر بالفعل، أثناء الفترة الناصرية، المهيمن الإقليمي العربي (أفضّ ل مصطلح الهيمنة الحميدة Hegemony Benign بتعبير ناي وكيوهان، على الرغم من عدم اتّفاقي مع هذه التسمية) التي نجحت في بناء ما يزيد عن الألف مصنع وتشييده في فترةٍ لا تتعدّى عقدين من الزمان، وأَنشأت نحو درزينة من الجامعات الوطنية، وبنت السدّ العالي ومصانع الحديد والصلب ومجمعات الألومنيوم وصناعة السيارات. وقامت فوق كلّ ذلك بإنشاء التلفزيون العربي، ووسّعت نطاق إرسال الإذاعات المصرية، ووسّعت استقبالها (كانت هيئة الإذاعة المصرية تبثّ موجات لنحو 05 محطّة إذاعية بما يزيد عن سبع لغات مختلفة.) وأَنشأت دورًا للنشر الصحفي والثقافي والعلمي فاقت بمراحل جميع جيرانها من عربٍ وأتراك وفرسٍ ويهودٍ وغيرهم. لقد كانت مصر في ستينيات القرن العشرين بمنزلة "بروسيا العرب" سياسيًّا واقتصاديًّا، و"هوليود الشرق" ثقافيًّا وفنيًّا. إنّ مصر في الخمسينيات والستينيات باختصار، وباستعارة مقولة جوزيف ناي كانت "قوّة ذكيّة" Power Smart نجحت في توسيع نطاق استفادتها من أدوات قوّتها الصلبة والناعمة ووسائلها إلى أقصى حدّ، وتسخيرها في تحقيق مصالحها الوطنية. بتراجع القوّة الصلبة لمصر في عهدي الرئيس السادات والرئيس مبارك، حتّم ذلك تراجع القوّة الناعمة كذلك12. حتّى وصلت الحال إلى وقوع اختراقٍ هائل في منظومة القيم والثقافة الوطنية المصرية (التي لم تكن وقتها بالضرورة تنويرية أو تقدّمية) وفدت إليها من جيرانها العرب ومن الغرب، وذلك بفعل زيادة حجم القوّة المالية والصلبة لهذه الدول (خصوصًا دول الخليج العربي)، وبفعل التحوّل التكنولوجي والمعرفي الجذري الذي شهده العالم منذ نهاية عقد السبعينيات من

  1. جمال حمدان، شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان، ج 4 (القاهرة: دار الهلال،.)1995
  2. هبة رؤوف عزّت، "القوّة الناعمة المهدرة: أزمة النظام القويّ والدولة الضعيفة بمصر " في: محمد عبد العاطي (محرر:) ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر: تبديد أرصدة القوّة (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، أكتوبر 011.)2 على الرابط: http://studies.aljazeera.net/files/2011/08/20118872345213170.htm John Alterman, “Egypt: Stable, But for How Long?”, Washington Quarterly , Vol. 23, No.4 (Autumn 2000), pp. 107-118; Robert Springborg: “Mubarak’s Egypt: The Fragmentation of the Political Order” (Boulder: Colo Westveiw , 1989).

القرن العشرين، وهي الظاهرة التي اتُّفق على تسميتها بالعولمة والغزو الثقافي. المثير للأسى عند الاحتفال بالعيد الذهبي لتلفزيون العرب، أنّ وزارة الإعلام المصرية قامت بإعادة بثّ القناة على القمر الصناعي المصري "نايل سات" لمدّةٍ تقارب الشهر أو أكثر، اكتسبت خلالها القناة شعبية وانتشارًا كبيرًا جدًّا، وبدلً من استثمار هذه الشعبية وتوظيفها، ونجاح بثّ القناة، قامت الوزارة بوقف البثّ بمرور وقت الاحتفال. هناك قلّة تقدير وإدراك من جانب النظام السياسي المصري لخطورة الإعلام والثقافة ومدى نفوذهما، بوصفهما من أخطر الأدوات وأقواها للقوّة الناعمة المصرية، وأكثرها تأثيرًا في محيطها الإقليمي، وما لم يجْر التحرّك بأقصى سرعة لإعادة هيكلة جهاز الإذاعة والتلفزيون المصري وتطويرها، والتخلّص من إرث التسلّط والانغلاق على الذات والجمود، فإنّ الدولة المصرية سوف تخسر واحدًا من أقوى دعامات قوّتها الوطنية التقليدية، والتي مازال لديها الكثير من الشعبية والجاذبية والقدرة على إثارة إعجاب الشعوب العربية وتقديرها؛ بوصفها واحدة من أقدم أدوات التأثير المصري في المحيط العربي والإقليمي.

تراجع القوّة الناعمة المصرية

إننّي أجادل هنا بأنّ السبب الرئيس وراء تراجع القوّة الناعمة المصرية هو بالأساس تراجع مستويات القوّة الصلبة المصرية (السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والدبلوماسية)13. إنّ القوّة الناعمة في التحليل الأخير انعكاس لمدى قوّة الدول الصلبة. فلا يمكن فصل القوّة الناعمة للدولة عن قوّتها الصلبة، على حدّ قول صامويل هانتنجتون. إنّ التراجع الذي تشهده الدولة المصرية في مجالات القوّة السياسية والعسكرية والاقتصادية (الصلبة)، يؤثّر سلبًا في مجالات الحياة الأخرى كافّة، وعلى رأسها بالطبع وسائل القوّة الناعمة وأدواتها وكفاءتها. إنّ سيادة أنماط سياسية من نوعية عدم الشفافية السياسية والإدارية والقانونية، وعدم الصلاحية والافتقار إلى الإمكانيات والمؤهلّات اللازمة لتولِّ المناصب العامّة، وانتشار الفساد في مؤسّسات الدولة، والأسلوب غير العقلاني في إدارة الصراعات والأزمات السياسية وحلّها، وتراجع الاهتمام بمساعي نشر القيم والثقافة والنموذج المصري عربيًّا وأفريقيًّا وإسلاميًّا، وعدم وضوح أو وجود رؤية إستراتيجية لشكل المستقبل وطبيعته، وانعدام وجود هدف قومي تجتمع وراءه الأمّة، وتحاول بالسبل كافّة تسخير كلّ موارد الدولة وطاقاتها (الطبيعية، والبشرية، والمادية) نحو تحقيقه أو إنجازه... وغيرها من الممارسات غير المقبولة، هي بالضبط سبب تراجع مستوى القوّة الناعمة المصرية ونفوذها، تمامًا كما تسبّبت في تراجع القوّة المصرية الصلبة.

تراجع شرعية النظام السياسي وجاذبيته وتراجع الممارسة الدبلوماسية المصرية

على الصعيدين الإقليمي والدولي، وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، جاء الرئيس أنور السادات برؤيةٍ جديدة كليًّا لما ستكون عليه توجّهات السياسة الخارجية المصرية في عهده، متناقضة تمامًا مع توجّهات السياسة الخارجية الناصرية؛ فسياسة ناصر الخارجية كانت قائمة بالأساس على أسسٍ أيديولوجية وعقائدية (القومية العربية Arabism)، بمعنى أنّ انتماء مصر الأوّل كان للدائرة العربية. أمّا الرئيس السادات، فرأى أنّ الانتماء الأوّل للسياسة الخارجية المصرية يجب أن يكون مصريًّا. وعليه، فالسادات اتّخذ سياساته الخارجية بناءً على ما يراه تحقيقًا للمصالح المصرية فقط، حتّى ولو أضرّت بالأمن القومي المصري بدوائره كافّة. وعلى الرغم ممّ لاقاه هذا الاتّجاه من معارضةٍ شرسة من النخب السياسية كافّة والأنتيليجنسيا المصرية (يسار، ووسط، ويمين)، وذلك لدعوته لانسلاخ مصر من تراثها العربي والإسلامي، فالقيادة السياسية أصرّت على المضيّ فيه قدمًا. وشهدت مصر تزايد الدعوات القائلة بفرعونية مصر، كتلك التي جدّد طرحها مفكّرون مثل توفيق الحكيم ولويس عوض، أو المناداة بأنّ مصر دولة متوسطية، كدعوات طه حسين وغيره، بصورةٍ باتت معها مصر في مفترق طرق، دون دليل أو كتاب منير أو حتّى صديق. نتيجة هذا الاتّجاه القومي المتطرّف (الشوفيني Chauvinist) وزيادة وطائد الارتباط الثنائي Bilateral Engagement بين مصر والولايات المتحدة بعد حرب أكتوبر، رأت أغلب القوى الدولية والإقليمية الأخرى في السياسة الخارجية المصرية، وفي النظام السياسي المصري عامّة، في ظلّ هذا التوجّه صورة فجّة من صور التبعية للولايات المتّحدة. وما زاد الطين بلّة هو سعي الرئيس السادات لعقد اتّفاق سلام منفرد مع إسرائيل عام 977.1 ما دعا الدول العربية لقطع

  1. Quated from: Samuel Huntington: “The Lonely Superpower”, Foreign Affairs , Vol. 78, No. 2 (March/April 1999), pp. 35-49.

علاقاتها مع مصر وتجميد عضويّتها في جامعة الدول العربية، ونقل مقرّها من القاهرة إلى تونس. والدعوة (لأوّل مرّة) لسحب عضوية مصر من حركة عدم الانحياز، ما مثّل انتكاسة كبيرة في مسيرة القوّة الناعمة المصرية والصلبة أيضًا. لقد كانت التبعية المصرية للولايات المتحدة واحدة من أكثر التطوّرات التي أصابت القوّة الناعمة المصرية في مقتل14؛ إذ رأت دول حركة عدم الانحياز في هذه العلاقة "نفاقًا وخيانة مصرية لمبادئ الحركة وأسسها" وتقديم مصر مصالحها الوطنية على مصالحها مع دول حركة عدم الانحياز. وهو ما قاد الكثير من حلفاء مصر أثناء الحقبة الناصرية لاستنتاج أنّ مصر لم تعد كما كانت؛ إذ بدا أنّ مصر في جانب والعالم الثالث وحركة عدم الانحياز في جانبٍ آخر. وهو الأمر الذي لخّصه قول دبلوماسي أفريقي عن تراجع الدور المصري في المحافل الدولية كالأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز منذ وفاة الرئيس عبد الناصر، بسبب مثل هذه التوجّهات. يقول هذا الدبلوماسي: "قديمًا كانت دول العالم الثالث تنتظر التوقيع المصري على أيّ قرار دولي لتقوم باتباعه... بينما الآن تنتظر دول العالم الثالث التوقيع المصري على أيّ قرار دولي لتوقّع ضدّه." هذا التردّي والتراجع الشديد أورثه نظام الرئيس السادات لسلفه الرئيس الأسبق مبارك، الأمر الذي جعل مصر والنظام الجديد في حالةٍ هشّة جدًّا في مقاومة التحدّيات والعقبات التي سبق ذكرها، بصورةٍ تهدّد المصالح القومية المصرية، ووجود النظام نفسه، أو بكلمات جون الترمان Alterman، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية في واشنطن، وأحد أكبر المتخصّصين الغربيين في الشأن المصري: "على الرغم من أنّ النظام المصري الحالي قادر على مواجهة مثل هذه التحدّيات... استجابته قد تضعف من احتمالية مقاومته التحدّيات المقبلة." ظهرت هذه الهشاشة وعجز النظام السياسي الم يرر بحلول الثمانينيات، حين باتت مصر منبوذة Outcast من جيرانها وحلفائها. ولم يعد لديها سوى صديق واحد هو الولايات المتّحدة التي استغلّت المقاطعة العربية لمصر، بالترتيب والتنسيق مع إسرائيل، لإعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط، بصورةٍ تخدم مصالحهما. بعدما نجحت لأوّل مرّة منذ وفاة الرئيس عبد الناصر، العدوّ الرئيس لكلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، في حبس مصر وراء حدودها. فانفجرت بؤر الصراع كافّة في منطقة الشرق الأوسط؛ من الحرب العراقية – الإيرانية 988-1980()1، واحتلال بيروت 982()1، والحرب الأهلية في السودان 985()1، وأزمة لوكربي 987()1، والطامّة الكبرى كانت بإقدام صدّام حسين على غزو الكويت 990()1، وغيرها من الصراعات الإقليمية التي مزّقت الأمّة، بصورةٍ بات معها الوطن العربي مستباحًا لتدخّل القوى الدولية كافّة في أدقّ شؤونه الداخلية. وبوقوع حرب الخليج الثانية 991-19901، على إثر احتلال العراق الكويت في الثاني من آب / أغسطس 9901، وما تبعها من دخول قوّات التحالف الدولي بقيادة أميركية إلى المنطقة، بحجّة تطبيق قواعد القانون الدولي ومبادئ الشرعية الدولية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وبقائِها في الخليج العربي بصورة دائمة بعد احتلال العراق 0032، بصورة أضرّت جدًّا بالأمن القومي المصري وبالمصالح المصرية في الخليج العربي، بات أكيدًا للكثير من المراقبين أنّ المساعي المصرية الرامية لتوسيع نطاق مصالحها ونفوذها الإقليمي ومحاولة إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، بعد سنوات القطيعة العربية لمصر، قد ذهبت بلا رجعة. وحتّى على صعيد العلاقات الخارجية والدولية، فقد تمثّلت معضلة السياسة الخارجية المصرية للرئيس مبارك في أنّها ظلّت تبحث عن دورٍ لها وتحديد هويّة الدولة الخارجية، بعيدًا عن ظلّ الرئيسين عبد الناصر والسادات، بخاصّة في ظلّ غياب وجود هدف وطني واضح تسعى الدولة المصرية لتحقيقه أو إنجازه. ولعلّ في علاقات مصر مع دول حركة عدم الانحياز خير مثال على ذلك. فعلى الرغم من النشاط المصري الواضح في محاولتها الداعية لإعادة تفعيل الحركة دوليًّا وتطوير آليّات عملها بصورةٍ تحقّق مصالح شعوبها والطموحات القومية لدولها في العيش في ظلّ نظامٍ دولي عادل ومتوازن ومستقرّ، باءت هذه المحاولات بالفشل؛ فقد فقدت مصر مكانتها الريادية التقليدية في الحركة لفائدة دول أخرى، مثل كوبا، وإيران، وفنزويلا، وغيرها. وفي رأي الكثيرين فإنّ السبب الوحيد وراء تراجع الدور المصري الفعّال في حركة عدم الانحياز هو الارتباط الثنائي والشديد الالتصاق بين مصر والولايات المتحدة. فعلى الرغم من معارضة دول الحركة للهيمنة الأميركية ليلً ونهارًا، سرًّا وجهرًا، وإلقاء شعوبها اللوم على الولايات المتحدة بوصفها المسؤولة عن كلّ كوارث العالم.

  1. حسن بكر، العلاقات المصرية – الأميركية مع تحوّل القرن العشرين (القاهرة: دار المحروسة،.)2006

تراجع جاذبية الثقافة المصرية

قد يتساءل سائل، إذا كانت مصر بكلّ هذه القوّة، فما هو السبب وراء تراجعها في الآونة الأخيرة؟ وإذا كانت قوّتها الناعمة بمنزلة الوعاء الجامع والمشكّل للذاكرة الجمعية العربية، فلماذا أصبح الإعلام "المصري" وكذلك الأمر في صور القوّة الناعمة الأخرى كافّة، غير قادر البتّة على مواجهة بعض "أبنائه، أو إخوته الصغار بلغة القوميين"، مثل التلفزيون السعودي والسوري واللبناني، بخاصّة في مجال الدراما التلفزيونية والبرامج الإخبارية، أو حتّى غير قادر على مواجهة تلفزيونات إقليمية (غير عربية)، مثل التلفزيون الإيراني أو التركي؟ ولماذا، وهذا هو الأخطر، تحوَّل الإعلام المصري من مصدر جذبٍ إلى مصدر تنفير، حتّى للمصريين أنفسهم؟ صدرت دراسة علمية متخصّصة في عام 0082، أشارت إلى عدم وجود قناة تلفزيونية مصرية في أوّل خمس قنوات عربية هي الأكثر مشاهدةً في المنطقة؛ إذ احتلّت "قنوات الجزيرة" القطرية، و"العربيّة" السعودية، و"أبو ظبي" الإماراتية، و MBC السعودية، و LBC اللبنانية قائمة هذه القنوات بحسب دراسةٍ قام بها البروفيسور في جامعة ميرلاند الأميركية شبلي تلحمي15، وحتّى داخل السوق المصري المحلّ، وهو ما يعدّ اختراقًا كبيرًا يمثّل تهديدًا للأمن الإعلامي المصري. وفي الدراسة ذاتها، وجد البروفيسور تلحمي أنّ مصر لم تعد أكثر الدول العربية شعبية، ولم يعد رئيسها أكثر الشخصيات العربية شعبية وقبولً في الشارع العربي؛ فبعد استطلاع آراء ما يزيد عن ألف شخص على امتداد ستّ دول عربية، كان أكثر الشخصيات العربية شعبية وتأثيرًا في المنطقة هو الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، وعربيًّا كان السيد حسن نصر الله، زعيم المقاومة اللبنانية (حزب الله)، والرئيس السوري بشار الأسد، ثمّ الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، ثمّ معمر القذافي، وأسامة بن لادن، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي. إنّ التلفزيون "المصري" بالأساس، ووسائل القوّة الناعمة المصرية وأدواتها (الصحف الوطنية، ومؤسسة الأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، والمؤسسات الدبلوماسية، والمؤسسات الإعلامية والثقافية... وغيرها) في تراجع. فالمذيعون غير مؤهّلين، وثقافتهم ضحلة، والبرامج تافهة المحتوى ورديئة الإعداد، والديكورات والتصميمات الفنّية متخلّفة للغاية مقارنةً بمثيلاتها في قنوات مثل الجزيرة، والعربية، ودبي وغيرها. وحتّى في مجال الدراما التلفزيونية، سادت الهيمنة المصرية التقليدية، وأصبحت السيناريوهات المصرية والمسلسلات الاجتماعية والتاريخية تقليدية وغير متجدّدة، ذات أسلوب خطابي ووتيرة مملّة للغاية وغير مقنعة أو جذّابة. ولم يتبقَّ من الريادة المصرية في مجال القوّة الناعمة إلّ مجال السينما. وحتّى مصادر القوّة الناعمة المصرية (غير الرسمية)، كالصحف المستقلّة، والقنوات التلفزيونية الخاصّة، وبقيّة وسائل الثقافة والفكر والفنّ، لم تحاول الدولة الاستفادة منها أو استغلالها لتحقيق ما تعجز عنه أجهزتها الرسمية. وبدلً من ذلك دخلت معها أجهزة الدولة في مواجهاتٍ دامية أضرّت بالصورة المصرية في المخيّلة العربية وزعزعَة وزنها الخارجي. إنّ السبب الرئيس وراء تراجع جاذبية الثقافة المصرية ومنظومة قيمها الاجتماعية، يجد جذوره بالتأكيد في نوعية النظام السياسي، كما ذكرنا سابقًا16؛ إذ ساهم غياب وجود إستراتيجية أو هدف وطني للقيادة السياسية، يكون محلّ إجماعٍ وتوافق شعبي، يلتفّ خلاله الشعب خلف القيادة، ساعيًا نحو تحقيقه وتنفيذه، في تراجع مستويات القوّة الوطنية (الناعمة قبل الصلبة)؛ فالنظام الذي أقامه الرئيس السادات عقب حرب أكتوبر المجيدة، وتوجّهاته السياسية والاقتصادية (الداخلية والخارجية)، وحتّى الاجتماعية، والتعليم والإبداع لم تبْقَ الطريق الوحيد للترقّي الاجتماعي في ظلّ سياسة الانفتاح الاقتصادي غير المنضبط التي أدّت لانقلابٍ كامل في عملية التحوّل والتقسيم والتصنيف الاجتماعي بين الطبقات والفئات. وأدّى تردّي الأحوال الاقتصادية التي ساءت بسبب التعافي من آثار الحرب إلى الاهتمام بالحصول على المال بأيّ وسيلة – بغضّ النظر إذا كانت شرعية أو غير شرعية، وتراجع الاهتمام بقيم العلم والتعلّم، نظرًا لتزايد حاجة الدول للفنييّن والمهنيين نتيجة التغيّ الذي طرأ على البنية الاقتصادية في البلاد (فتح أبواب الاستيراد، والتوسّع المطّرد في أنشطة البناء والعمران... إلخ.) ما جعل القيمة في المجتمع على أرض

  1. Shibley Telhami, ‘‘2008 Annual Arab Public Opinion Poll Survey’’ (Collage Park: Washington D. C: The Anwar Sadat Chair for Peace and Development at the University of Maryland with Zogby International, 2009), p. 95.
  2. See: Joseph Nye, “Bound to Lead: The Changing Nature of American Power” (New York: Basic Books , 1990); idem: “The Future of Power” (New York: Public Affairs , 2011). وجهات نظر أحمد محمد أبو زيد، "الديمقراطية أم التنمية: خيارات العرب الصعبة"، مجلة، السنة 12، العدد 813 (يوليو 010)2، ص.43-40

الواقع تكون لمن لديه المال، وليس لمن لديه العلم أو الشهادة كما يسمّيها المصريون. كانت لهذا التحوّل الاقتصادي والتنموي تداعياته الاجتماعية والثقافية المضرّة بالقوّة الناعمة المصرية؛ فتدخّلت هذه الطبقات الرأسمالية الطفيلية الجاهلة في الأنشطة الثقافية والفكرية (بوصفها ”بزنس" كما يقولون وليست خدمة عامّة أو رسالة كما ينبغي.) فجودة السينما المصرية والمسرح ينحدر مستواها الفنّي بصورةٍ وصلت إلى حدّ الابتذال والفجاجة (تذكّروا موجة الأفلام الجنسية الرخيصة التي انتشرت في السبعينيات)، وبدأت الدولة ترفع يدها تدريجيًّا عن المؤسسات الثقافية والفكرية الوطنية (الرسمية)، بل وصل بها الأمر إلى معاداة كلّ ما هو ثقافي وفكري حقيقي في هذا الوطن، حتّى لو وصل الأمر إلى السجن. أدّى هذا التطوّر السريع إلى بزوغ موجة هجرة العديد من رموز القوّة الناعمة المصرية وقياداتها، وطردهم (بخاصّة بين الكتاب والأدباء والفنّانين من كلّ اتّجاهٍ وانتماء فكري، وأصبحت مدنٌ عربية مثل الكويت، والدوحة، وأبو ظبي، وبغداد، وأخرى غربية مثل باريس، ولندن مرسَ لكلّ الكتّاب والمبدعين المصريين الذين أُجبروا على ترك وطنهم بسبب هذا التردّي السياسي والاجتماعي الذي لحق بمصر. والمتأمّل في الأسماء التالية سيدرك حجم النزيف والخسارة التي تكبّدتها مصر جرّاء هذه الهجرة؛ أحمد عبد المعطي حجازي، ويوسف إدريس، وغالي شكري، وأمير إسكندر، ومحمود أمين العالم، ود. عبد العظيم أنيس، ومحمود السعدني، وعبد الرحمن الخميسي، وميشيل كامل، وأديب ديمتري، ود. فؤاد زكريا وغيرهم الكثير. ومن لم يهاجر كان مصيره السجن والاعتقال، وهو ما أضرّ بالصورة والانطباع الخارجي عن مصر دولة لا تسمح بحرية الرأي. الغريب أنّ هذه القيادات وال وررات الفكرية والعلمية المصرية ساهمت في بناء نهضة فكرية وثقافية في البلدان التي هاجروا إليها. ولعلّ تجربة أحمد بهاء الدين في مجلّة العربي الكويتية، ورجاء النقاش في جريدة الدوحة القطرية خير مثال لذلك. نتيجة تراجع مستويات قوّتها الناعمة، لم تعد القاهرة جامعة العرب، أو مكتبة العرب، أو حتّى مطبعة العرب؛ فذلك الآن حكر على مدنٍ مثل دبي، والدوحة، والرياض، وبيروت، وتونس والرباط17. ولم يعد المفكّرون المصريون يشكّلون المشهد العلمي والفكري والثقافي العربي؛ فأسماء مفكّرين وعلماء عرب من الخليج العربي أو المغرب العربي، وبالطبع من الشام، أصبحت صاحبة اليد العليا في مجال النشر العلمي والفكري. وحتّى الصحف المصرية تراجع دورها الريادي والطليعي، فلم تعد الأهرام أو غيرها هي أكثر الصحف العربية قراءةً، وتلك مرتبة تحتلّها منذ سنوات جريدتا الشرق الأوسط والحياة اللندنية. أمّا في مجال المحطّات الإخبارية التلفزيونية، فإنّ المقارنة بين القنوات الإخبارية المصرية ومثيلتها العربية مخجلة ومحزنة.

خاتمة: لا قوّة ناعمة من دون قوّة صلبة

يعلّمنا التاريخ حكمةً عظيمة تقول: "إذا كان أعداؤك يستقوون بما تتركه وراءك (بقايا أكلك)، فإنّهم كذلك يكسبون حلفاءَهم من معاملتك السيّئة وعدم اكتراثك ومراعاتك لهم." هذه هي الحكمة (النصيحة) التي نبعثها لصنّاع القرار السياسي المصري الحالييّن. فإنْ هم أرادوا عودة عصر الريادة المصرية إقليميًّا (ناعمة، وصلبة)، فعليهم تقليل إمكانية إعطاء فرصة للآخرين للاستقواء والمزايدة على الدور المصري، نتيجة تبعيتها المقيتة للولايات المتحدة، ولطبيعة النظام السياسي القائم، والعمل على تكوين ائتلافات وتحالفات جديدة ضدّ باقي القوى الإقليمية المعادية والساعية لوراثة الدور المصري أو تحجيمه نهائيًّا، وفرْض عزلةٍ خارجية عليها لإبعادها عن محيطها العربي والأفريقي (الطبيعي، والإستراتيجي.) ومن جانبٍ آخر التخلّ عن أسلوب اللامبالاة والأحاديّة في التعامل، وعدم مراعاة مشاعر الأطراف الأخرى ومصالحها، ونبذ أساليب الاستعلاء والنزوع إلى الهيمنة على جيرانها، وقبل أيّ شيء تحسين الأوضاع الأمنيّة والاقتصادية والتوافق الوطني الداخلي. وهو ما يجري عبر استخدام ما أسماه ناي ب "القوّة الذكيّة" Power Smart التي تعني التوافق

  1. Abdulkhaleq Abdullah, “Contemporary Socio-political issues of the Arab Gulf Moment ” , The Center for Study of Global Governance , Kuwait Programme on Development, Governance, and Globalisation in the Gulf States (London School of Economics and Political Science), Paper No. 11 (September 2010). أحمد محمد أبو زيد: "العصر الخليجي: المقومات، المظاهر، الأهداف والتحدّيات"، مجلّة آراء حول الخليج، السنة 12، العدد 88 (يناير 012)2، ص.29-23

Concert والتنسيق بخصوص تحديد أفضل الخيارات وسبل استخدام مصادر القوّة الصلبة (عسكريًّا، واقتصاديًّا، ودبلوماسيًّا) والناعمة (القيم، والثقافة، وشرعية السياسات الخارجية وجاذبيتها، وأسلوب الحياة)؛ نحو تحقيق غرضٍ رئيس هو المصلحة الوطنية. السبيل لإعادة تجديد القوّة الناعمة المصرية، وعودتها لتكون واحدة من أقوى وسائل القوّة المصرية وأدواتها على المستويين الإقليمي والخارجي، يتوقّف على ثلاثة عوامل/متغيّ ات رئيسة؛ فالمتغيّ الأوّل هو الإصلاح السياسي وبناء دولة ديمقراطية. والمتغيّ الثاني هو إعادة بناء العامل البشري المصري وتأهيله وتطوير مهاراته. أمّا المتغيّ الثالث، فهو الاستفادة من الثورة المصرية وجاذبيتها، وإعادة ضخّ الاستثمارات الرسمية وغير الرسمية في مجال الدبلوماسية الشعبية والثقافية، وأنشطة السياحة، والسينما، والفكر، والنشر... إلخ. فإذا لم تكن مقوّمات القوّة الناعمة للدولة وأدواتها عالية، أو لديها ما تجذب به الآخرين، وتقودهم عبرها. العامل الرئيس المطلوب واللازم لإعادة تجديد القوّة الناعمة المصرية، يتمحور حول إعادة شرعية النظام السياسي المصري وجاذبيته18. إنّ علماء السياسة الواقعييّن محقّون في تأكيدهم على أنّ "كلّ شيء يعتمد على السياسة." فإذا صلحت السياسة الوطنية، صلح المجتمع وصلحت مؤسساته كافّة. وإذا فسدت السياسة فسد المجتمع وفسدت جميع مؤسساته. والدول لا تحقّق مصالحها ولا تضمن أمنها واستقرارها إلّ بناءً على ما تمتلك وما بحوزتها من قدرات وإمكانيات للقوّة (صلبة، وناعمة، وذكيّة)، وتعرف السبيل لاستغلال هذه القدرات وتوظيفها بصورةٍ بنّاءة. وهو الأمر الذي لن يحقّق أعلى مستويات التعبئة والاستغلال إلّ بإقامة نظامٍ ديمقراطي حقيقي. ففي ظلّ وجودها وسط مجتمع عالمي يشهد انتشارًا وتوسّعًا كبيرًا في عدد الدول والمجتمعات الديمقراطية (طبقًا لبعض الإحصاءات الموثّقة، يعيش ما يقارب ثلثَي سكّان العالم في مجتمعات ديمقراطية) فإنّ من مصلحة الدولة المصرية عدم التخلّف عن هذا الركب العالمي الذي يصبّ، ودون أدنى شكّ، في مصلحة المواطن وعموم الشعب المصري. على مصر نبذ إرثها التسلّطي وغير الديمقراطي والقطع معه، بغضّ النظر عن منطلقاته وذرائعه (الشوفينية، أو القومية، أو الدينية)، والذي كان العائق الرئيس أمام مساعي استكمال عملية التحديث والتحوّل الاجتماعي الكامل التي انطلقت منذ ما يزيد عن مائتي عام، حين بدأ محمد علي باشا في تدشين المؤسسات الوطنية الحديثة وبنائها (من قضاء، وبيروقراطية، وطبّ، وتشريع، وشرطة، وجيش نظامي... إلخ)، والتي يعدّها البعض المصدر الحقيقي للريادة الإقليمية المصرية. إلا أنّ هذه البنية المؤسساتية بقيت تسلّطية Authoritarian Structure كونها أخذت بجانب التحديث فقط، وتجاهلت متعمّدةً جانب الحرية والديمقراطية اللتين كانتا دعامة النهضة الغربية (بل والعالمية) الحديثة وأساسها، إلى جانب التصنيع والتحديث. العامل الثاني اللازم لتجديد القوّة الناعمة المصرية يتمحور حول إعادة بناء العنصر البشري المصري، وإعادة تأهيله. إنّنا من المؤمنين بأنّ دعامة القوّة (الصلبة، والناعمة) المصرية، كما ذهب العظيم الراحل جمال حمدان، هو الإنسان المصري المتعلّم والمثقّف و"المتنوّر." إنّ مصر قد تفتقر لامتلاك بعض مصادر القوّة الصلبة وإمكانياتها (كالقوّة العسكرية، والاقتصادية، والتفوّق التكنولوجي)، ولكنها بالتأكيد تمتلك أهمّ مصادر القوّة الناعمة وأدواتها ووسائلها على المستوى الإقليمي، إن لم يكن على المستوى العالمي؛ فمن قدراتها البشرية، جاذبيتها التاريخية، وثقلها السياسي والاجتماعي، وريادتها الثقافية والعلمية والفنّية... إلخ، التي لو أحسن استغلالها وتوظيفها لحقّقت مصر ما لم تحقّقه أيّ قوى إقليمية من قبل. فهذا الكائن البشري العظيم مكتشف الزراعة، مشيّد الأهرام، باني السدّ العالي، الحاصل على أعلى الدرجات العلمية وأرفع الجوائز وشهادات التكريم العالمية، المتسامح والعطوف والمجتهد والقنوع والمؤمن الذي لا يتمنّى سوى وجوده في كنف منظومة سياسية – اجتماعية (داخلية) توفّر له الحدّ الأدنى من العدل الاجتماعي والمساواة وتكافؤ الفرص، ليحقّق وينجز ما يعجز عنه أمثاله من البشر. فبفضل هذا الإنسان نجحت مصر في إنشاء حضارة إنسانية، دامت لأكثر من ثلاث مئة قرن، بينما كانت أكثر الإمبراطوريات عمرًا عبر التاريخ البشري لم يتخطّ عمرها تسعة قرون، وهو الأمر الذي من الممكن إعادة تحقيقه مرةً أخرى في حالة الاهتمام بكرامة هذا الإنسان المصري وحريته وحقوقه (كما نادت بذلك ثورة 25 يناير.) لن يتحقّق هذا التقدير والاهتمام إلا عن طريق تعميق الممارسة السياسية الديمقراطية والمشاركة المجتمعية المتكافئة لأطياف

  1. أحمد محمد أبو زيد: "الثورة والسياسة الخارجية المصرية: الاستمرارية والتغير "، كراسات استراتيجية (مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية)، المجلد 22، العدد 922 (سبتمبر 012)2؛ وللمؤلّف نفسه، "محدّدات السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 25 المستقبل العربي، السنة 34، العدد يناير"، مجلّة 913 (سبتمبر 011)2، ص.146-129

المجتمع المصري كافّة، دون إقصاء أو تمييز أو تفوّق من أيّ طرف على الآخرين، ومن جانبٍ آخر تدعيم أسس احترام القانون وسيادته وترسيخها، وفرض قاعدة الاحتكام واللجوء إليه في فضّ أوجه الخلاف أو الصراعات التي يشهدها المجتمع، والعمل بكلّ السبل على حماية حقوق الإنسان المصري وصون كرامته واحترامه؛ وذلك عن طريق ترسيخ قيم العدالة والإنصاف المجتمعية، من خلال إعادة النظر في التشريعات والقوانين الجائرة والسالبة حقوقه وحرّياته. العامل الثالث هو تعظيم حجم الاستفادة من الجاذبية والشعبية اللتين تتمتّع بهما الثورة المصرية في العالم، وتوظيف ذلك قاعدة جديدة يمكن البناء عليها لتجديد القوّة الناعمة المصرية في القرن الحادي والعشرين19. لقد استردّت مصر جزءًا كبيرًا من قوّتها الناعمة وجاذبيّة قيمها بتفجّر ثورة الخامس والعشرين من يناير 0112؛ إذ انبعثت مصر من رقادها الذي طال، وشهدت مكانتها وتقدير جيرانها والعالم تراجعًا مخزيًا، كان من نتائجه بزوغ مراكز ثقافة وإبداع وتقدّم إقليمية انتزعت منها ريادتها التقليدية (المثال الجليّ هنا هو نموذج دبي عربيًّا، وإسطنبول إقليميًّا.) فقد أظهر سلوك المصرييّن خلال الثورة، وما اتّسم به من سلميّةٍ وتحضّ ومواكبة لروح العصر، والإصرار على الاحتفاظ بالطابع السلمي والقومي وعدم الاتّكال على الآخرين أو تقليدهم من جانب، وروح المحبّة والإخاء والتعاون والإيثار والنظافة (التي كانت من أكثر القيم تأثيرًا في الرأي العامّ العالمي)، والسعي نحو بناء مستقبلٍ أفضل، سادت بين ملايين المتظاهرين ضدّ الظلم والإقصاء وغياب العدالة من جانبٍ آخر، مدى عظمة الشعب المصري وأصالته وجوهره الأصيل. لقد ساهمت ثورة الخامس والعشرين من يناير في إعادة جاذبية النظام السياسي المصري وشرعيته باعتباره إحدى أقوى أذرع القوّة الناعمة المصرية؛ إذ كانت مشاهد طوابير المصرييّن وهم ذاهبون للاقتراع في الانتخابات التشريعية، أو عندما شاهد المواطنون العرب مناظرة تلفزيونية بين مرشّحي الرئاسة لأوّل مرّة في تاريخهم الحديث واختيار المصريين رئيسهم بإرادةٍ حرّة ومن خلال عملية انتخابية نزيهة، خير سفير ومصدرًا للجاذبية والإقناع الخارجي بالنموذج المصري في التحوّل الديمقراطي السلمي والممارسة السياسية، ما جعل العرب وغيرهم يتطلّعون لمصر وشعبها بفخرٍ واعتزاز ورغبة في تقليد هذه التجربة الديمقراطية والسياسية. إنّ مصر (دولة، وحكومة) مطالبة بمواكبة هذا النشاط والفاعلية المجتمعية واستغلاله وتسويقه وتوظيفه؛ لخدمة مصالحها وإستراتيجيتها القومية. والسبيل لتحقيق ذلك يكون عن طريق ضخّ الاستثمارات التي تراجعت مستوياتها بصورةٍ كبيرة خلال العقدين المنصرمين، وزيادة الاهتمام الرسمي بأنشطة القوّة الناعمة مثل الدبلوماسية الشعبية، والدبلوماسية الثقافية، والأنشطة السياحية والفكرية والفنّية والأدبية، بما يعيد ضخّ الدماء في مصادر القوة الناعمة المصرية وأدواتها من جديد. إنّ القوى السياسية المصرية (حكومةً، ومعارضة) مطالبة بالتركيز على تصدير مثل هذه القيم والمثل، وحمايتها وعدم اتّخاذ أيّ سياسات تتعارض مع القيم العليا التي قامت عليها ومن أجلها ثورة الخامس والعشرين من يناير، فهذه إحدى أكبر دعامات القوّة الوطنية المصرية ومقوّماتها، وخير سفير لها في الخارج. على الرغم من كلّ المساوئ والتردّي الذي تعاني منه القوّة الناعمة المصرية، فهي لا تزال تمارس بعض تأثيرها القديم، ومازالت تحتفظ ببعضٍ من التقدير والاستحسان والقبول من أغلب الوحدات الإقليمية، خصوصًا في مجالاتٍ مثل الرياضة، والسينما، والموسيقى، والغناء، والأدب، والمجال الأكاديمي والفكري. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ هناك حاجة وطنية (بل قومية) لاسترجاع ما كان لمصر من رونقٍ ونفوذٍ وتأثيرٍ عربي، وذلك لأنّ البدائل التي طفت على السطح وتحاول الاستيلاء على مكانة مصر وحصرها داخل حدودها في رأي الكثير لا ترقى إلى مستوى القوّة والقيادة المصرية خلال خمسينيات القرن الماضي وستينياته. إنّ وسائل القوّة الصلبة المصرية (كما هي لكلّ دولة) قد تزول أو تفنى بفعل عوامل تغيّ توازن القوى أو التحولّات السياسية والاجتماعية، لكن وسائل قوّتها الناعمة وأدواتها لا تفنى ولا تزول ولا تستحدث من عدم؛ فهي "نفطنا الذي لا ينضب." ولكن، كما ذكرنا من قبل، إنّ الدول "الذكيّة" هي التي لا تكون صلبة فتُكسر، ولا ليّنة فتُعصر.