العدالة الانتقالية والتحولّات السياسية في المغرب
الملخّص
نت جه في هذا العمل لمقاربة موضوع "العدالة الانتقالية" في المغرب في عاقتها بالتحولّات السياسية التي عرفها في مطلع الألفية الثالثة، وذلك بعد وصول الملك محمد الملخص التنفيذي السادس إلى سدّة الحكم. نعتمد في تركيبنا للمعطيات الواردة في هذا العمل على التقرير الختامي الذي أنجزته هيئة الإنصاف والمصالحة، كما نعتمد على السياقات والشروط التاريخية التي واكبت مياد الهيئة وتطوّر عملها. ونختم مقاربتنا لموضوع "العدالة الانتقالية في المغرب" ببلورة جملةٍ من الأسئلة بخصوص عاقة مسار العدالة الانتقالية المغربي في زمنٍ تتواصل فيه تداعيات ما أصبح يُعرف بالثورات التي عرفها الوطن العربي منذ سنة 2011؛ وذلك بهدف معرفة حدود مشروع العدالة الانتقالية في الحالة المغربيّة ومحدوديته.
تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة
"للضحايا صوتٌ ترتعد له السماء" جبران خليل جبران
العدالة الانتقاليّة في المغرب
سياقات وتدابير
لا يمكن فصل مشروع التحوّل السياسي في المغرب، في الصيغ التي اتّخذها في العقد الأخير من القرن الماضي، عن السياقات التاريخية التي تبلورت فيها تجارب "العدالة الانتقالية"، في كلٍّ من أوروبا وأميركا اللاتينية. صحيح أنّه مشروع يحمل عددًا من خصوصيات المغرب السياسي، بمختلف معاركه وصراعات قواه الحيّة مع النظام السياسي السائد، وأنّه في بعض أوجهه، يعدّ محصّلة لإخفاق سياسات النظام المذكور، في تحقيق التنمية وإقامة الديمقراطية، كما يحمل في بعض أوجهه الأخرى ما يكشف إخفاق المعارضة في الحدّ من استبدادية الحكم الفردي، وتوطين المشروع السياسي الديمقراطي. بلغ الانتقال السياسي ذروته في "حكومة التناوب التوافقي" التي أوصلت حزب الاتحاد الاشتراكي إلى السلطة 9981 بعد أربعة عقود من المعارضة، أي بعد تاريخٍ طويل من الصراع مع النظام وآليّاته في التدبير السياسي. وقد حصل ذلك نتيجة جهد سياسي مشترك بين النظام ومعارضيه. عُدّ الحدث بمنزلة مؤشٍّ قويّ على ميلاد تباشير عهدٍ جديد، وبحكم قوّته احتضنته القوى السياسية الديمقراطية بقوّة، لينطلق مسلسل "تحديث المَلَكية" بدفعها إلى قبول الانفتاح على آليّاتٍ جديدة في التدبير السياسي الممهّد للانتقال الديمقراطي. إلا أنّ ما حصل على الرغم من قوّته وقوّة اللحظة التي جرى فيها، والتي ارتبطت كما هو معروف بموت الحسن الثاني، وتنصيب محمد السادس ملكًا سنة 9991، لم يذهب بعيدًا في عملية تأسيس القواعد المانعة لإمكانيّة التراجع عن الإصلاحات المحتملة ومكاسبها، الأمر الذي لا يمنع من أن يظلّ المجال السياسي المغربي، فضاءً لحصول ممكناتٍ متناقضة. لم تكن التحولّات السياسية التي عرفها المغرب في نهاية القرن الماضي مفاجِئة، نتأكّد من هذا عندما نكون على بيّنة من أنّ الفاعل السياسي يعي دور الزمن ودور الموت في صناعة حقب التاريخ. وحَدثُ موت الحسن الثاني وتتويج الملك محمد السادس، ليس حدثًا استثنائيًّا في التاريخ. وفي موروث الآداب السلطانية على سبيل المثال، من المواقف في موضوع الموت والعجز في دائرة العمل السياسي، ما يعلّمنا دروسًا مساعدة في مجال بناء ما يؤسّس لعهدٍ جديد بالفعل، شريطة التحلّ بفضيلة الجرأة القادرة على تخليصنا من تقاليد نظامٍ محدّد في الحكم، والمساهمة في بناء بديلٍ له، يمنح المؤسّسات والقوانين دورها المطلوب، في الاقتراب من المشروع الديمقراطي.
لم تكن شيخوخة الملك الراحل ومرضه، ثمّ مسألة انتقال المُلك إلى ولَيِّ عهده محمد السادس، سوى أعراض لشيخوخة أعمّ تتعلّق أيضًا بشيخوخة العمل الحزبي. كانت أعراض الشيخوخة بادية، ولم يجْر تداركها انطلاقًا من قيم التحديث السياسي، على الرغم من الدماء الجديدة التي جرى ضخُّها في أغلبيّة الأحزاب. ويُجمع أغلب الدارسين للمشهد السياسي المغربي في نهاية القرن الماضي، أنّ حاجة المغرب إلى المصالحة السياسية والتاريخية بعد أكثر من ثلاثة عقود من النظام الفردي في مغرب الاستقلال، أي من سنة 1 إلى منتصف التسعينيّات، كانت تعدّ مطلبًا ملحًّا1961، ولهذا رأى الفاعل السياسي في النظام وفي المعارضة، أنّ أفق العدالة الانتقالية يقدّم الحلول التي يمكن أن يحصل التوافق بشأنها، في موضوع تدبير الانتقال السياسي في بدايات العهد الجديد، عهد الملك محمد السادس الذي اعتلى عرش الملك بعد وفاة والده في نهاية القرن الماضي 999.1 وهناك ملاحظة أخرى، لها صلة بكلّ ما سبق، وهي تؤكّد مسألةً توفِّر شروطًا كثيرة صانعة للتوافق، ذلك أنّ اتّساع أفق الحرّية في مجالات الإعلام والثقافة والإبداع، ساهم بدوره في إنعاش كتابات الاعتقال والسجن؛ إذ بادر بعض المعتقلين السابقين بإصدار رواياتٍ أو مذكّراتٍ وسيرٍ ذاتيّة تناولوا فيها تجاربهم السجنيّة بالوصف والتحليل. اتّخذت نصوص الاعتقال السياسي سماتِ أعمالٍ أدبية وفنّية (نصوص حرّة، وأشعار، وروايات)...، وأظهرت في نسيجها النصّ وروحها العامّة،
مجمل خصائص آداب الاعتقال السياسي مُمَثّلةً في تشخيص آليّات القهر والاستبداد. وهو الأمر الذي ساهم في كشف عنف أجهزة نظم الحكم وشراستها، إضافةً إلى ما تضمّنته هذه الأعمال من نقدٍ مباشر لخيارات السلطة السائدة، ونقدٍ صريح أيضًا للأخطاء الذاتيّة.
أنجز هذه الكتابات بعض معتقلي يسار السبعينيات، وجرى تعزيزها بمذكّرات بعض معتقلي الانقلابيْ العسكرييّن اللذين حصلا في مطلع السبعينيات، ونصوصهم. وقد صدرت في الأشهر الأخيرة من سنة 0042 كتبٌ لبعض معتقلي "سجن تزمامارت" المعروف بمركز الموت. نعاين في مختلف النصوص المكتوبة بكثيرٍ من المرارة، معطياتٍ معيّنة تتعلّق بالمعاناة الشديدة لمجموعاتٍ من الشبّان الذين تعرّضوا لكثيرٍ من صور العنف المادّي والرمزي. كما نعاين صور القهر الذي لا يرحم، ونكتشف موت المعتقلين أمام جلّديهم، كما نكتشف اختفاء آخرين دون عودة ولا أثر2... وإضافةً إلى ذلك، نقف على مكابدة العائلات التي ظلّت تنتظر معرفة أماكن ذويها، أو تنتظر دون جدوى خروجهم من السجن بعد قضاء مدّة أحكامهم. لم تحصل الإصلاحات التي نتحدّث عنها بصورةٍ مفاجئة، بل جاءت في أغلبها في صورة مبادرات تتمّم الواحدة منها الأخرى؛ فقد بادر الحسن الثاني في تسعينيات القرن الماضي، إلى تأسيس "المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان" سنة 9911، وقد استوعب هيكله المؤسسي مجموعة من الفاعلين السياسيين، وبعض مناضلي التنظيمات المدنيّة الحقوقية، بهدف بلورة المقترحات المطلوبة في القضايا المتعلّقة بحقوق الإنسان. وفي سياق عمل هذه المؤسسة، نشأت الحاجة في وقتٍ لاحق، إلى إنشاء "الهيئة المستقلّة للإنصاف والمصالحة"3. تعلّمت القوى المعارضة أنّ مساعيها في باب العمل الثوري، لم تثمر النتائج المطلوبة. وبحكم أنّ السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني، كانت تؤشّ على جملةٍ من التحولّات العامّة في الداخل وفي الخارج، فقد نتج من ذلك نوعٌ من التقارب في وجهات النظر، الأمر الذي مهّد مع بداية العهد الجديد، لإمكانيّة تحقيق المصالحة وإعادة الاعتبار للعمل السياسي الديمقراطي المتوافق بشأنه بين مختلف مكوّنات المشهد السياسي. استجاب الحسن الثاني في تسعينيات القرن الماضي، لمطالب منظمّات حقوق الإنسان الدولية، وتمثّل ذلك في العفو عن مجموعةٍ من المعتقلين السياسيين، كما سمح بعودة بعض المنفييّن بين سنة 9911 993-.1 وقبل ذلك، أسّس "المجلس الاستشاري للشباب والمستقبل" 9901، بهدف ترسيخ الحوار بين الفاعلين السياسيين في موضوع الشغل ومستقبل الشباب. وإذا كانت مبادرة تأسيس "المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان " التي أشرنا إليها سابقًا، قد ساهمت في منح النضال من أجل حقوق الإنسان دفعة إلى الأمام، فإنّ ما عزّز هذه الخطوة، منح التفاعل السياسي بين النظام وأحزاب المعارضة، النتائج المرجوّة منه، يتمثّل في ظهور بوادرَ جديدة في موضوع النظر مجدّدًا في لزوم إصلاح الدستور، إذ قدّم كلٌّ من "حزب الاستقلال" و"حزب الاتحاد الاشتراكي" مذكّرة مشتركة في تشرين الأوّل / أكتوبر 991.1 وقد تقدّمت أحزاب الكتلة أيضًا سنة 9961 بمذكّرة مشترَكة في الموضوع نفسه. ويتمثّل الهدف من مختلف هذه المبادرات في المطالبة بمراجعة أحكام الدستور، بهدف ملاءمتها مع المتغيّ ات الجارية في المجتمع، وفي المشهد السياسي المغربي الأمر الذي ترتّب عنه المراجعات التي جرت في الدستور المغربي سنة 9929951، و 1، ثم 9961؛ إذ استوعبت ديباجة دستور 9961، مبدأ تمسّك المملكة المغربية بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميًّا. وهو ما يفيد بقبول المرجعية الدولية لحقوق الإنسان التي تنصّ على ضرورة فصل السلط، وتقوية مؤسّسة القضاء4.
يمكن أن نشير هنا إلى أنّ الإصلاحات والتعديلات الدستورية كانت تحصل بفعل التحولّات السياسية، وأنّ هذه الأخيرة، كانت تتيح في الآن نفسه، تطوير كيفية مواجهة جيوب المقاومة والجمود في النظام المغربي، ودون إغفال دور المتغيّ ات العالمية التي كانت تُوجَّه لتزكية كلّ أشكال العمل السياسي الرامية إلى ترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
نتبيّ ملامح التوافق في التوجّه العام للهيئة، فقد حرصت على عدم المطالبة بمقاضاة مرتكبي جرائم سنوات الرصاص، كما حصل في تجاربَ أخرى في العالم. وبدل ذلك دافعت عن مبدأ المصالحة وجبر الضرر، معتبرة أنّه بمنزلة المفتاح الملائم للحالة المغربيّة، في موضوع تدبير التصالح وبناء الانتقال الديمقراطي المنشود. حدثت الهيئة بقرارٍ ملكي سنة أ 0032، ونُصّبت سنة 0042 بوصفها آليّة لتحقيق العدالة الانتقالية. وجرى ربط وجودها بمهمّتين، الأولى منهما حدّدت لها فترة عملها، أي الاقتراب من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب ما بين سنة 9561 وسنة 9991، أي منذ الاستقلال إلى وفاة الحسن الثاني. وقد جرى العمل أساسًا في القضايا المثارة في فترة حكم الحسن الثاني -1961(998)1، أمّا السنوات الأولى للاستقلال 961-1956()1، أي فترة حكم محمد الخامس، فقد جرى إغفالها. أمّا المهمّة الثانية التي حُدِّدَت للهيئة، فقد تمثّلت في ضبط منهجيتها في العمل، وجرى تشخيصها في جملةٍ من المسائل، أبرزها البحث والتحرّي في الوقائع والأحداث التي شكّلت الملامح الكبرى لسنوات الرصاص، وهي السنوات التي أصبحت تدرك كمرادف لزمن حكم الحسن الثاني، ثمّ القيام بعد ذلك، بتقييم الأحداث الحاصلة قصد تقديم المقترحات التي تسمح بتجاوز تركتها في الحياة السياسية. وتبُرز مسمّيات المهمّة الثانية للهيئة كما قلنا، منهجية عملها الهادفة إلى رصد الانتهاكات، وبلورة التوصيات التي يفترض أن يساهم إنجازها في تحقيق الإنصاف وجبر الضرر، ثمّ بلوغ عتبة المصالحة5.
في معركة الأسماء والتسميات، الحقيقة أم المصالحة؟
كانت خطوات الهيئة منذ تأسيسها محفوفةً بالمخاطر والصعوبات. وكانت في الآن نفسه، تنسج بخيوط من حرير جملة من التدابير المحسوبة بعناية، في باب العدالة الانتقالية الذي يتميّز، على الرغم من بعض قواعده المتماثلة، بالحرص على مبدأ ضرورة التجاوب والتفاعل مع المحلّ والخاصّ، في كلّ تجربة على حدة، بهدف ولوج أبواب العدالة الانتقالية. قبل تقديم منجزات الهيئة في القضايا المشار إليها أعلاه، نريد أن نفكّر في الجدل الفكري والسياسي الذي أثير في موضوع كشف الحقيقة؛ فقد كان بعض أعضاء الهيئة من مؤسسّي "منتدى الحقيقة والإنصاف"، وأصبحوا اليوم في هيئةٍ ارتأت أن يكون عنوانها الإنصاف والمصالحة. فهل مهمّة الهيئة تتعلّق بكشف حقيقة الجلّدين ثمّ محاكمتهم، أم أنّ مهمّتها تتوخّى في نهاية الأمر الإنصاف والمصالحة؟ ولأنّ موضوع التسمية لم يكن مسألة شكلية، ولأنّ أغلب أعضاء الهيئة اتّجهوا نحو رسم خطّة في العمل تتجاوز في نظرهم مكاسب التسميات، فقد جرى تغليب أفق التصالح التاريخي والسياسي على منطق المقاضاة، بحكم وعيهم أنّ الهيئة لم تُنجِبها ثورة، بل رتّبت ملامح وجودها في سياقِ تاريخٍ انتقالي بين ملكين هما، الحسن الثاني ومحمد السادس. وإذا كانت سنوات حكم الأوّل قد اتّسمت بسماتٍ محدّدة، وأصبحت في نظر كثيرٍ من الدارسين مرادفة كما قلنا لسنوات الرصاص، فإنّ الملك الجديد قد أعلن في خُطبه ومواقفه الأولى، اتّفاقه التامّ مع ما أقدم عليه والده في سنوات حكمه الأخيرة، في مجال الانفتاح على تطلّعات القوى الديمقراطية وطموحاتها. بل إنّه ذهب أبعد منه، في باب الانفتاح على تحديث السلطة وتسريع وتائر الانتقال السياسي الديمقراطي. تصدّرت إذن كلمة "الإنصاف" اسم الهيئة، وغُيِّبت مفردةُ "الحقيقة." وحرصت الهيئة في أطوار نشوئها الأولى، على فتح نقاشٍ معمّق في
موضوع "الحقيقة"؛ قصْد الوقوف على تشابك دلالاتها وتناقضها، عندما يكون مجال البحث موصولً بمجال الصراع السياسي في التاريخ. نحن ننطلق هنا، من التصوّر الذي يرى أنّ المفاهيم تقوم بأدوارٍ مهمّة في مجال المعرفة عمومًا، وتمارس في حقلَ العلوم الإنسانية والاجتماعية أدوارًا مضاعفة، ونفترض أنّ الفاعلين السياسيين يدركون جوانبَ من هذه الأدوار. وضمن هذا التصوّر المختزل والعامّ، نفهم لماذا تصدّرت كلمة الإنصاف اسم الهيئة التي أُنشئت بهدف البحث في موضوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. كما نفهم لماذا ظلّ "المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف" الذي يشتغل على الموضوع نفسه، متشبّثًا بمفهوم الحقيقة. وإذا كنّا نعرف أنّ بعض أعضاء الهيئة - وكانوا من عائلات بعض الضحايا - قد ساهموا في البداية في تأسيس المنتدى المذكور، قبل أن يلتحق بعضهم بالهيئة، أدركنا جوانب من الأدوار المركَّبة التي أنيطت بمهمّة الهيئة ومشاريعها الكبرى في العمل الحقوقي والسياسي. نريد أن نقدّم في هذا المبحث، تصوّر الهيئة لمفهوم الحقيقة. ثمّ نصوّب نظرنا بعد ذلك، نحو خطوةٍ ثانية أطلقت عليها الهيئة اسم لحظات الاستماع إلى الضحايا؛ لنصل بعد ذلك، إلى المحور الثالث والأخير في ورقتنا، وهو المحور الذي سنتوقّف فيه أمام منجزات الهيئة، كما وردت في تقريرها الختامي، وبخاصّة ما يتّصل منها بالتوصيات المتعلّقة بالإصلاح الدستوري والمؤسسّي، لنقف على علاقة هذه التوصيات بحراك 02 فبراير، ونواجه في ملاحظاتٍ ختامية، صعوبات إكمال تنفيذ التوصيات. ولأنّ موضوع الحقيقة حَدَّد مركز الثقل في خيارات الهيئة ومواقفها، ونمط اشتغالها، فقد عملت على تنظيم ندوة خاصّة لمقاربة الموضوع. إذا كانت المعطيات السابقة، تحيل إلى تجربةٍ من تجارب العدالة الانتقالية، فإنّنا نتصوّر أنّ الهدف من عقْد ندوة "الحقيقة" في برنامج الهيئة المغربية، يتوخّى تعميق النقاش وتطويره في موضوع النظر إلى الحقيقة، وإلى كيفية مقاربة الوقائع والأحداث السياسية والتاريخية الموصولة بأزمنة الرصاص. وقد أثير في الندوة نقاشٌ مهمّ اتّجه لمقاربة محورين كبيرين؛ أوّلهما مفهوم الحقيقة والحقيقة في التاريخ، والثاني توقَّف أمام سؤال مفهوم الحقيقة في مجال الصراع السياسي. حاولت الأوراق التي قُدّمت في الندوة، بناء مفهوم الحقيقة في أبعاده الفلسفية والقانونية، وفي المستويات التي يتّخذها في حقل العلوم الإنسانية. والغاية من كلّ ذلك، تتمثّل في محاولة تنسيب المواقف، وبناء مقاربات تكون قادرة على التخلّص من الاستعمالات المتحزّبة للمفهوم؛ بهدف القيام بالتحرّيات اللازمة في موضوع التفكير في محاكمة الذين شاركوا في جرائم سنوات الرصاص، ومعاقبتهم. انتقدت بعض الأوراق المقدّمة في الندوة الاستعمالاتِ المُمجِّدة لمطلب كشف الحقيقة، بحكم أنّها التوجّه الذي يرفض البحث في إيجاد مبرّرات مُسَوِّغة لما جرى في سنوات الرصاص، إنّها في نظر البعض لا تمارس القفز على مرتكبي الجرائم في أزمنة القمع. وكشفت نقاشاتٌ أخرى في الندوة، أنّ سؤال الحقيقة في صورته السياسية المباشرة، المرتبطة بالدولة التسلطية المستبدّة، يتطلّب مساءلة الذين ارتكبوا العنف من الجلّدين، والعمل على معاقبتهم. واتّجه البعض الآخر، لقراءة الأحداث والمعطيات المولِّدة للعنف في سياقاتها السياسية المركّبة، إذ تبُرز مختلف مظاهر العنف وتجلّياته في تاريخنا المعاصر، صورًا من مظاهر بناء الدولة الحديثة في مجتمعنا. إنّها خطوة ضرورية تليها خطواتٌ أخرى، في اتّجاه بناء التوافق الديمقراطي. ذلك أنّ الانتهاكات التي لحقت الفاعلين وذويهم، في نظر أصحاب هذا الرأي، تعدّ جزءًا من آليّة الصراع السياسي والاجتماعي السابقة لمرحلة المشروع السياسي الديمقراطي6. وبين الاختيارين السابقين في الطرح والمعالجة، حاولت الندوة إبراز صعوبات الركون إلى موقفٍ أو تصوّرٍ نظري عامّ ومحدّد، الأمر الذي انعكس بالضرورة على التصوّر العامّ الذي رُكِّبت في إطاره نتائج تجربة الهيئة في تقريرها الختامي. وتطلّب الصَّوغ قليلً أو كثيرًا من الحسم في النظر إلى كيفيات تركيب معطيات الشهادات والأحداث وتعقلها، في نصٍّ جامع ومُعبّ عن مختلف حساسيات الهيئة، وكيفية تركيبها لأنماط الصراع السياسي الحاصل في المغرب المعاصر. ويبدو لي أنّ المكاسب التي تلت الجدل في موضوع الحقيقة في التاريخ، أتاحت للعديد من الفاعلين السياسيين والحقوقيين، الاقتراب من الدلالة النسبية والمفتوحة لهذا المفهوم، كما نتعلّم ذلك من دروس الفلسفة، ودروس تشكّل المفاهيم في حقول المعرفة المختلفة، بل ساهمت في مزيدٍ من الدفاع عن مشروعية التخلّ عنه، واستبداله بمسمّياتٍ أخرى. إنّ استحضار مفهوم الإنصاف بشحنته الأخلاقية والحقوقية، وربطه بمفهوم "المصالحة التاريخية"، بوصفه البديل الأكثر مطابقةً لروح ما حصل ويحصل في التاريخ، وما يمكن أن يُتجاوز في التاريخ وفي
السياسة بالذات، يوضح بجلاء الأدوار المركبة التي أنجزتها الهيئة. وإذا كنّا نقرّ بأنّ الغرض من تشخيص حقيقة ما جرى في بلادنا، في السنوات المشار إليها سابقًا، هو تجنّب أخطاء الماضي في الحاضر، فإنّ تسمية الإنصاف تصبح بديلً معقولً لما تريده الهيئة بالفعل. ولكن، بعد أن يحصل الإنصاف فعلً، ويتجسّد في أفعالٍ ملموسة ومحدّدة، ويبني في التاريخ المؤسّسات التي تمنحه الشرعية القانونية والسياسية.
صحيح أنّ بعض الفاعلين السياسيين والحقوقيين، وبعض المتضرّرين رفضوا ويرفضون الصيغة المادّية لجبر الضرر، ويتحفّظون على معاييرها، وينظرون إلى معاناة عائلاتهم في سنوات الجمر بوصفها فوق كلّ تعويضٍ ممكن، سواء في صيغته المادية أو في صيغته المعنوية الأخلاقية والسياسية... وصحيح أيضًا أنّ بعض المتضرّرين يشرطون برنامج الهيئة وأنشطتها الساعية إلى تحقيق الإنصاف والمصالحة بمعاقبة الجلّدين، وإعلان اعتذار رسمي من الدولة عن كلّ ما جرى، إلا أنّ هذه الخيارات، وإن كانت تكشف جوانبَ من الخلاف القائم في تصوّرات أعضائها لمهمّتهم، فإنّه لا يرفع مبدأ البحث عن المواقف الأكثر إجرائية ومردودية، وذلك في ضوء موازين الصراع والقوّة داخل المجتمع. ولا شكّ في أنّ الخلاف في تقدير مهامّ الهيئة وبرامج عملها وبرامج لجانها في البحث، وفي تقدير التعويضات المادية الملائمة، يقدّم دليلً آخرَ على التحولّات السياسية التي يعرفها المغرب المعاصر، في علاقته بمنجزات لحظات التحوّل والإصلاح ومكاسبها التي حصلت في العقد الأوّل من الألفية الثالثة. نكتشف في مختلف هذه المواقف والنقاشات الحقيقة الأهمّ، حقيقة الصعوبات التي تحول دون تشخيصٍ واضح ومتماسك لأسئلة الصراع السياسي في المغرب المعاصر. ولعلّنا بمناسبة هذه النقاشات والمواقف، ازددنا تأكّدًا من أنّ الحقيقة ليست مطلبًا سهلً، ولعلّها ليست مطلبًا مُمكنًا، إلا عندما نتصوّرها في صيغة اسم جمع، أو عندما نرادفها بما نعتقد أنّه يشير إليها ويطابقها، ودون الاحتفاظ برسمها7. مثَّل مقترح الإنصاف في تسمية الهيئة كما قلنا، بديلً ملائمًا لمفردة الحقيقة. لكن من ينصف من؟ إنّ الهيئة بمختلف الفاعلين الذين توافقوا على إنشائها هم الذين يتواضعون على دلالة الحقيقة في علاقاتها بمبدأ الإنصاف، وفي صلتها بالتوافق الموقّت والمبنيّ على اقتناعٍ سياسي وتاريخي معيّ، مثلما أنّ عنف سنوات الجمر يتأسّس بدوره في سياقٍ تاريخي محدّد، فهل نجحت الهيئة في استيعاب أسئلة الراهن في مغرب اليوم؟ وهل استفادت فعلً ممّ راكمته تجارب منظمّات العمل الحقوقي في بلادنا، خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي؟ هذا هو رهان مشروع الإنصاف في تصوّرنا، وهو رهانٌ تزداد قوّته بمزيدٍ من تصويب النظر نحو الحاضر والمستقبل، أي نحو ما يعزّز آليّات مشروع الانتقال الديمقراطي في مجتمعنا. لم تتجاوز الهيئة الإطار المعروف اليوم للجان الحقيقة الساعية إلى إنجاز المصالحة التاريخية باستخدام آليّات العدالة الانتقالية. وضمن هذا الإطار، رسمت في خطواتها الأولى مرافعتها الهادفة إلى الكشف عن جسامة الانتهاكات التي عرفها المغرب في مجال حقوق الإنسان؛ إذ أصبح من الممكن بعد تنصيبها، الحديث عن مسؤوليات أجهزة الدولة في عقود سنوات الرصاص التي عرفها المغرب. وقد استطاعت إنجاز خطواتٍ مهمّة في هذا المجال، نتوقّف في المحور الثالث والأخير من ورقتنا، أمام جوانبَ من منجزها، كما بلورته في تقريرها الختامي، لعلّنا ندرك بعض مآثرها، ونضع اليد في الوقت نفسه على حدودها ومحدوديتها.
الإنصاف والمصالحة: منجزات ومكاسب
عملنا في المحور الثاني من ورقتنا، على تركيب جملةٍ من العناصر المرتبطة بالسياقات التاريخية المواكبة لميلاد الهيئة ولمشروعها في العدالة الانتقالية في المغرب. وقد أبرزنا في جانبٍ منها، كيفية تصوّر الهيئة مهمّتها في بداية عهدٍ سياسي جديد، تجري فيه عملية إعادة بناء المشهد السياسي المغربي، بمساعدة مختلف
مكوّناته؛ نظامًا وأحزابًا سياسية، وبحسابات مختلفة، مع نوع من الإجماع في موضوع تجاوز تركة سنوات الرصاص. صحيح أنّ لحظة تأسيس الهيئة، وإطلاق مشروعها في تدبير التركة المذكورة، تزامنت مع المناخ السياسي الحاصل بعد حكومة التناوب التوافقي، بكلّ ما حملته من آمالٍ في التغيير والتجاوز، إلا أنّ المعطيات السياسية المواكبة لزمن الإنشاء، كانت تقتضي أيضًا كثيرًا من الاحتراس واليقظة، كما كانت تتطلّب بناء التوافقات الملائمة لإكراهات التاريخ، ومتطلّبات إنجاح التجربة. وعندما فصّلنا القول في جوانبَ من الجدل الذي أثير في ندوة "مفهوم الحقيقة"، كنّا نتوخّى إبراز الطابع التفاعلي الذي حرص عليه أعضاء الهيئة، وهم يرتّبون برامجهم في العمل. فقد كانوا يرغبون في تركيب الخيارات، في موضوع رسالة الهيئة، بالرجوع إلى آليّة النقاش الجماعي الذي يُ كِّن الفاعلين السياسيين من الباحثين والمناضلين، من توطين آليّات الانتقال السياسي بالحوار. وفي هذا الإطار حضر السؤال الأكبر، هل مهمّة الهيئة تتمثّل في كشف الحقيقة أم إنصاف الضحايا؟ وهل يمكن أن يحصل هذا دون ذاك؟ لم يكن السؤال سهلً كما أوضحنا سابقًا؛ وذلك لأنّ المغاربة لم ينجزوا ثورةً على النظام، ولأنّ الهيئة أُنشئت لتمارس أدوارًا محدّدة، في سياق استمرارية تاريخية، حصل فيها انتقال المُلْكُ من ملكٍ إلى ابنه. صحيح أنّه جرى إعلان تشكّل الهيئة في العهد الجديد، أي زمن الملك محمد السادس، إلا أنّ الملامح الأولى لتكوّنها برزت في السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني. ويمكن أن نضيف إلى ذلك، أنّ أجهزة الأمن ومؤسّساته لم يحصل فيها التغيّ السياسي والمؤسسّي الذي يسمح بإنجاز التحرّيات المطلوبة، في باب الكشف عن ملفّات الصراع السياسي، في مغرب ما بعد الاستقلال. يترتّب على كلّ ما سبق، أنّ الهيئة ربطت أهدافها ومسارها في العمل، بالمساهمة في التمهيد للانتقال الديمقراطي اعتمادًا على المصالحة وجبر ال ررر. وقد ساهمت النقاشات التي تواصلت بعد ندوة الحقيقة، وصاحبت مختلف خطوات تدبير "العدالة الانتقاليّة"، وأهمّها لحظات الاستماع إلى عيّنة من الضحايا، في تعميق الوعي السياسي والقانوني بأهمّية مطلب "الإنصاف والمصالحة".
ضحايا الأمس يتكلّمون
نتوقّف في المحور الثالث من بحثنا، أمام أبرز مكاسب الهيئة ومنجزاتها. وقبل ذلك نمهّد للحديث عن المنجزات والعوائق، بالتوقّف أمام حدثٍ نفترض أنّه من أقوى الأحداث التي كشفت دور الهيئة في خلخلة كثيرٍ من أركان النظام القمعي في المغرب، يتعلّق الأمر بجلسات الاستماع إلى ضحايا حقوق الإنسان، في مغرب ما بعد الاستقلال. عُقدت جلسات الاستماع يومَي 23 و 24 كانون الأوّل / ديسمبر 0042، وتواصلت في الأشهر الأولى من سنة 005.2 وقد رأى كثيرٌ من الملاحظين أنّ الجلسات المذكورة، ساهمت في ترسيخ ديناميات الإصلاح السياسي وتقويتها، والتي بدأت منذ نهاية القرن الماضي، وذلك على الرغم من مختلف أشكال التعثّ والتأرجح التي ما فتئت تمثّل، وإلى حدود الراهن، سمةً من سمات الراهن السياسي في المغرب، محدّدةً صعوبات الإصلاح ومخاضاته، ومبرزةً في الوقت نفسه أنّ أسئلة الانتقال الديمقراطي ليست أسئلة بسيطة، بل إنّها تقتضي مواصلة المواجهة مع الجيوب المحافظة داخل المجتمع وفي بنية النظام السياسي المغربي. جسَّم الحدث المذكور، بكثيرٍ من الكثافة الرمزية جوانبَ مهمّة من خلاصات تجارب الصراع السياسي في المغرب، بكلّ ما حصل فيها من علامات العنف والقهر، (محاكمات الستينيات، والسبعينيات، والثمانينيات)؛ وذلك بهدف تحصين الحاضر والمستقبل من الأخطاء التي حصلت، وترتّب عليها جملة من المآسي التي عَطَّلت مسيرة التنمية والتطوّر في مجتمعنا. تندرج جلسات الاستماع كما قلنا، في سياق برنامج الهيئة الرامي إلى تمكين الأجيال الجديدة من معرفة وقائعَ ومعطيات فظيعة حصلت في المغرب منذ بدايات الاستقلال وإلى حدود نهاية سنة 9991، سنة بداية تنظيم مجموعة من الخطوات والتدابير التي يمكن إدراجها في باب "العدالة الانتقالية"، في مغربٍ يروم التصالح مع ذاته، وذلك بتصفية جوانبَ من تركة ماضيه السياسي المثخن بدرجاتٍ قصوى من الاستبداد والظلم. نحن نشير هنا إلى لجنة التنسيق السابقة للهيئة، والتي نشأت في إطار "المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان"، وكُلّفت بضبط ملفّات جبر الأضرار المادية، كما نشير إلى أعمال الهيئة الحاصلة بعد ذلك. وإذا كانت بعض أجهزة الدولة قد قدّمت للهيئة بعض الوسائل التي تحتاج إليها، لإنجاز ما تراه ملائمًا لطيّ صفحة الماضي، وبناء نقط ارتكازٍ
جديدة، داعمة مسلسل "مشروع الانتقال السياسي الديمقراطي"، فإن بعضها الآخر مارس تحفّظات سياسية، ساهمت في استمرار غموض بعض الملفّات الشائكة. برمجت الهيئة في لحظات إعداد تقريرها الختامي المفصّل عن سنوات الاختطاف والاعتقال والسجن والنفي والموت التي يشخّصها بقوّة مفهوم "سنوات الرصاص"، مجموعةً من الجلسات لتقديم عيّنة من "شهادات الضحايا" الذين ينتمون لمختلف فصائل المعارضة السياسية الوطنية واليسارية، من الذين تعرّضوا لأشكالٍ عديدة من القهر، في أقبية السجون ومَقَرَّات دهاقنة منفّذي جرائم التنكيل بآدمية الإنسان. والهدف من عقد هذه الجلسات، تعرية مختلف صور الإهانة التي صنعت كثيرًا من ملامح مغرب العقود الأخيرة من القرن الماضي. وقد قدّمت شهادات الجلسات المفتوحة في مدنٍ عديدة؛ قصد إشراك مختلف جهات المملكة في الاستماع إلى الضحايا من الأحياء، والاستماع إلى معاناة بعض أفراد عائلاتهم. إنّ لحظات الاستماع التي استغرقت كلّ واحدة منها ساعتين، وتدخَّل فيها ستّة أشخاص من أعمارٍ مختلفة، وتيّارات سياسية متنوّعة، ومدن عكست جهات متعدّدة في الجغرافية المغربية، لم تكن دقائقَ وثوانيَ فقط، متُرجمة فضائحَ سياسية حصلت في زمنٍ ما، بل إنّ المتحدّثين قدّموا فيها معطياتٍ وإشارات شخَّصت صورًا عديدة من معاناتهم ومعاناة عائلاتهم وأقاربهم؛ إذ جرت الاستعادة الحيّة لمختلف الأهوال التي تعرّضوا لها، مُظهرةً صور اختراق أبسط الحقوق والقوانين، ومُظهرةً في الآن نفسه أشكالً من القسوة والتجويع والتخويف بل والترهيب، ومختلف أشكال التنكيل التي تعرّض لها الآدميّون من أبناء مجتمعنا، وذلك دون أن نتحدّث عن المحاكمات غير الشرعية، ومقرّات التعذيب، وأوضاع السجون التي تحوّلت إلى مقابرَ مورست فيها بكثيرٍ من الغطرسة، عملياتُ القتل الخاطف والقتل البطيء... أصبح بإمكان ضحايا الأمس، أن يقولوا في جلّديهم ما يرون أنّه الوصف الأكثر مطابقةً لما حدث، وأصبح بإمكان المعنييّن بتاريخ الصراع السياسي في المغرب، أن يحتكموا إلى شهادة الجلّد وشهادات الضحايا؛ وذلك على الرغم من المسافة الزمنيّة والنفسية والسياسية الحاصلة بين الشهادتين. أمّا جغرافية الاستماع الجديدة، فقد حرص المنظّمون على أن تُنقل من جهات المغرب المختلفة. وقد جرت تسمية كثيرٍ من السجون وأَقْبية التعذيب؛ إذ وصفت دار المقري، ودرب مولاي الشريف، وأقبية تازمامارت، وقلعة مكونة، والسجن المدني في مراكش، والسجن العسكري في القنيطرة، وهَرمُومُّو وعكاشة، والسجن المدني في مكناس. شارك في حضور جلسات الاستماع للضحايا التي جرت في مدينة الرباط، بعضُ مستشاري الملك محمد السادس، وبعض الوزراء والنوّاب، كما شارك بعض قادة الأحزاب السياسية وبعض مناضليها، وبعض الفاعلين من أطر مؤسّسات المجتمع المدني. أمّا مشهد التقديم المباشر على قنوات التلفزيون والإذاعة، فإنّه لا يبرز في نظرنا، الرسالة السياسية العميقة للحدث؛ فقد كان يعبّ فعلً عن المظهر المادّي المباشر لتحوّلٍ سياسي يعزّز في تصوّرنا الأمل في الانتقال الديمقراطي، إلا أنّ أبعاده الأكثر عمقًا، تتجاوز الحالة النفسية التي ولّدت في عقول المشاركين والمستمعين ووجدانهم، كما تتجاوز "نداءات الحرية" التي عبّ عنها بعض المتحدّثين، وهم يرسلون خطابهم بطريقةٍ تشخّص رغبتهم في الانعتاق من كلّ مظاهر القهر السياسي. إنّ أهمية ما حصل في مسلسل "لحظات الاستماع"، يتمثّل في النقاش السياسي الذي يشكّل الامتداد الحيّ لما نحن بصدده، إذ جرى توطين مفاهيم "جبر الضرر" و"الإنصاف"، و"العدالة الانتقالية" و"المصالحة" و"الديمقراطية"، كما جرى الإلحاح على لزوم تجاوز مخلّفات الماضي. وإذا كان هناك اعتراضٌ على مبدأ عدم ذكر أسماء الجلّدين، أثناء وصف صور التنكيل والتعذيب والاختطاف، بحكم أنّ الهيئة المشرفة على العملية ليست هيئة قضائية، وأنّ بإمكان من يرغب في ذكر أسماء رجالات "أزمنة الرصاص"، أن يلجأ إلى القضاء بوصفه الإطار الملائم لهذا الموضوع، فإنّ أغلب الذين تحدّثوا انطلقوا من أنّ لحظات الاستماع تقدّم فرصةً مواتية لطيّ صفحة الماضي. إنّها لحظةٌ تمكّننا من "إعادة قراءة أشكال الصراع السياسي في المغرب المعاصر"، بهدف تأسيس أفقٍ جديد في العمل السياسي، يتّسم بمطلب تسريع آليّات تدبير ملفّ الإصلاح السياسي الديمقراطي وإجراءاته. وما يدعِّم هذا الموقف، أنّ بعض التدخلّات تجاوزت مبدأ الاكتفاء بمحاكمة الطغاة الذين عاثوا في المجتمع ظلمً وفسادًا، إلى مستوى "محاكمة الذات" أيضًا، إذ أشار بعض المتحدّثين من الضحايا إلى أنّ اليسار الماركسي في المغرب في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات، لم يكن بدوره يؤمن لا بالديمقراطية ولا بمشروع الإصلاح السياسي المتدرّج. ونجم عن هذا الموقف، أفقٌ جديد في التعامل مع هذه اللحظة، أفق لا يرهن غائيّتها بمحاكمة النظام السياسي وأجهزته القمعية، ولا بمزيدٍ من المطالبة المادية بجبر الخواطر، بل بتأسيس
التجافي المتبادل من أطراف الصراع السياسي، ثمّ استيعابه بتجاوزه، لتهيئة التربة المساعدة لإنجاح مشروع التحوّل الديمقراطي، إذ يمثِّل التصالح مع الذات الخطوة المركزية في بناء عقدٍ اجتماعي سياسي يشارك فيه الجميع؛ وذلك اقتداءً بتجاربَ سياسية أخرى، حصلت وتحصل في جهاتٍ عديدة من العالم8. واكب جلسات الاستماع موقفٌ أعلن أصحابه ضرورة ذكر أسماء الجلّدين الأحياء والأموات؛ ذلك أنّه على الرغم من اتّفاق الهيئة مع المتدخّلين على عدم ذكر أسماء الجلّدين في شهاداتهم، لحساباتٍ تتعلّق بالقانون الداخلي المنظِّم لعملها ومشروعها في العمل، ظلّ بعض الفاعلين السياسيين يلحّ على الموقف المذكور، إلا أنّني أفترض أنّ أسماء الطغاة كانت متضمّنة في كلمات الضحايا، ووصلت آذان المتابعين؛ حصل ذلك بصورةٍ جليّة، في صور المحاكمة التي أقامها الضحايا للجلّدين. ذكرت الأسماء كاملة لأنّ المحاسبة كانت أشمل، وقد شَخَّصت أ هوال السجون وآلام العائلات، وَجَعَ الروح أمام جلّديها بصورهم ومراتبيتهم المختلفة. أمّا الذين كانوا يريدون شخصًا بعينه، أو مؤسّسةً بعينها من مؤسّسات الاستبداد والقهر، فيمكنهم بلوغ ذلك عن طريق المحاكم، وبخاصّة في اللحظة التي تصبح فيها نتائج الحدث الراهن أمرًا تاريخيًّا متحقّقًا، وقادرًا أن يولِّد بدوره معطياتٍ جديدة، وأجهزة جديدة ومؤسّسات جديدة... ولا شكّ في أنّ حصول ما نحن بصدده، يتوقّف على نوعية التعبئة التي سيحقّقها الفاعل السياسي الذي يُصوِّب نَظَره نحو مشروع إكمال خطوات "العدالة الانتقاليّة". أ ثَّر الوضع الخاصّ للهيئة في مختلف أطوار عملها. وسماتُ التردّد والتوافق المحسوب التي طَبَعت أعمالها، تُعدُّ نتائج عادية في وضعٍ مماثل. إنّ المساهمة في إنجاز التحوّل في ظرفية مماثلة لما هي عليه الحال في مجتمعنا، تقتضي كثيرًا من الشجاعة، وتتطلّب كثيرًا من المرونة وبُعد النظر؛ فالتركة الثقيلة لأزمنة الجمر خَرَّبت الضمائر، وأَتلفت الأرواح، وقلّصت فضاءاتِ الحلم والأمل. وفي الخيارات السياسيّة الجديدة، لبعض التيّارات السياسية المعادية لمنطق التاريخ، ما يدعونا إلى عدم التفريط في كلّ من يتحدّث لغة التاريخ والتعاقد والتوافق، والإرادة المجتمعية والأمل... ولهذا السبب، ينبغي أن تكون حساباتنا مع الهيئة وتجربتها في مستوى تعقّد الملفّ الذي أُنِيطَ بها. لا نريد أن يُفهم هذا الموقف محاولةً في التسويغ، بل ينبغي أن يُدرج ضمن فهمٍ أبعد لمنطق التاريخ ومقتضياته، في زمنٍ مُحدَّد وضمن سياقٍ تاريخي تؤطّره معطيات محدّدة. تشمل الحسابات التاريخية الدقيقة مبدأ إعادة قراءة مكاسب التجربة وخيباتها، فلا يمكن التفكير اليوم في مآل الصراع السياسي في المغرب، دون مراعاة المكاسب والثغرات، منجزات التجربة المحلّية ودروس تجارب التاريخ. ولا يمكن العودة إلى التاريخ الذاتي بلغة الزمن الذي تشكّل فيه، فنحن لا نقرأ تجاربنا السياسية بصورةٍ نكتفي فيها باستعادة معطياتها في زمانيتها الخاصّة، بل إنّنا نقرأ ذلك ونستوعبه في سياق معطيات زمنٍ لاحق له9. وبناءً على ما سبق، نشير إلى أنّ الهيئة أنجزت في برمجتها لحلقات الاستماع إلى ضحايا سنوات الجمر والرصاص، ما نعدّه إسهامًا تاريخيًّا في موضوع تحقيق شكلٍ من أشكال تصالح الدولة مع المجتمع ونخبه السياسية. وعلى الرغم ممّ يحمله هذا المنجز من مزايا، فإنّنا على بيّنة أنّ معركة "تفتيت تركة الماضي"، تحتاج إلى مساعٍ ومبادرات عديدة، ليتمكّن الجميع من التدريب على كيفية تحويل مذاق العلقم المرّ، إلى متعة الإحساس المواكب للإرادة السياسية المستوعبة في تقرير الهيئة وأعمالها الرامية إلى صناعة الأمل بأقلّ ما يمكن من الخسارة. وقد أتاحت النقاشات التي تلت الجلسات المذكورة لمختلف الفاعلين السياسيين وللنخب الحقوقية، ونخب مؤسّسات المجتمع المدني، فرصًا للحوار المساعد في عملية تركيب الحدث المتحقّق في كثيرٍ من أبعاده، الأمر الذي يدعونا إلى القول إنّه آن الأوان بعد كلّ ما جرى خلال نصف قرنٍ كامل من التربّص والتربّص المضادّ بين أطراف المشهد السياسي، أن تملك النخب السياسية المتصارعة في مجتمعنا، فضيلة المواجهة بالواضح، " فضيلة كشف الحساب" بلغة التعاقد التاريخي؛ فكثير من هذه النخب يدرك اليوم بعين العقل صعوبات التاريخ في جريانه الحيّ، وصعوبات مغالبة العوائق التي ركَّبت عقودًا من التاريخ الأسود في قلب تاريخ مجتمعنا السياسي.
تدبير الذاكرة السياسية طريق للمصالحة
رسمت الهيئة لموضوع جلسات الاستماع ثلاثة أهداف هي: حفظ الذاكرة، والتصالح مع زمنٍ مضى، ثمّ بناء ما يمنع تكرار ما حصل،
أي تحصين الحاضر والمستقبل من مواصلة الانتهاكات الحقوقية، ودعم مشروع الإصلاح السياسي الديمقراطي. وعلى الرغم من تكامل الأهداف المذكورة وتداخلها، فإنّه يمكن النظر إلى الهدف الثالث، بوصفه الهدف المركزي في مختلف أطوار العملية، بل وفي مختلف مساعي الهيئة. لا نعدّ تصفية تركة الماضي أمرًا سهلً، وفي هذا الإطار نحن نرى أنّ تعميقها بالجدل التاريخي الحيّ، يسمح بتحويل كثيرٍ من الأحداث الجارية في مجتمعنا اليوم، إلى أحداثٍ فاصلة في مسيرتنا التاريخية، لعلّنا نتمكّن انطلاقًا منها، من بناء نقط ارتكاز مساعدة في موضوع تجاوز عثرات ماضينا، سواء في المجال السياسي، أو في غيره من المجالات الموصولة بقضايا الشأن العامّ في بلادنا. نقرأ تجربة الهيئة ومكاسبها، ضمن الأفق الذي سطَّرنا في الفقرات السابقة، وفي إطار "مبادرة الصلح والتصالح" التي أعلنتها الدولة، والتزم بها الفاعل السياسي، في مجتمعٍ يروم تحقيق الإصلاح السياسي الديمقراطي. كما نقرأ جوانبَ من منجزاتها وأوجه قصورها، ضمن صيرورة المبادرات التي تبنّت بعض النخب السياسية، مُستهدفةً مطلب التكيّف مع التحولّات التي عرفها المغرب في العهد الجديد، وعرفها العالم في نهاية القرن الماضي. وترتّب على ذلك، توجّهٌ سياسي جمع بين السلطة ومعارضيها؛ توجّه اختار أوّلً، إعادة التوازن إلى الحقل الحقوقي، كحقلٍ للصراع على السلطة. واختار ثانيًا، مواجهة جديدة للحقل السياسي الذي أصبح مع بداية التسعينيات، في حاجةٍ إلى تعاقداتٍ جديدة بين السلطة والنخب، لمواجهة الإكراهات الداخلية والخارجية، في موضوع الإصلاح السياسي الديمقراطي، والتنمية الاقتصادية العادلة10. وقد مثّل تصديق الملك محمد السادس في 6 تشرين الثاني / نوفمبر 0032 على توصية المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بإحداث "هيئة الإنصاف والمصالحة"، ما نعدّه تحوّلً دالًّ، في المقاربة السياسية الرسمية للإشكالية الحقوقية المغربيّة. ويمكن أن نضيف إلى ما سبق، حصول تحولّاتٍ أخرى أملتها ضرورة استيعاب التوتّرات التي ما فتئت تعتمل داخل الحقل الحقوقي، وأبرزها نضج مطالب الحركة الحقوقية المتمثّلة في تنظيمها المناظرة الوطنية في موضوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب، في 11 تشرين الثاني / نوفمبر 0012، إذ عُدّت المناظرة في نظر العديد من الملاحظين، خطوةً إيجابيّة في مشروع التصالح التاريخي بين الدولة والمجتمع. كما أنّ ردود الفعل النقديّة التي أعقبت توصية المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الصادرة في 2 نيسان / أبريل 9991، عملت على إبراز الطابع الاختزالي الذي ركّب لهيئة التحكيم في المجلس دورًا تعويضيًّا خالصًا. يترجم ما ذكرنا في الفقرات السابقة، التوجّه التوافقي الذي أصبح يطبع مساحةً مهمّة، من الممارسة السياسية المغربيّة طوال العقد الأوّل من الألفيّة الثالثة. وقد عُدّ قرار تعيين المرحوم إدريس بنزكري المعتقل السياسي السابق، وأوّل رئيس ل "المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف" رئيسًا لهذه الهيئة، بمنزلة علامة رمزيّة دالّة، في موضوع علاقة الدولة بجيلٍ من الفاعلين السياسييّن (يسار السبعينيات)، ونُظِرَ إليه مؤشًّا على تحولّاتٍ مرتقبة في المشهد السياسي المغربي. سعت الهيئة إلى بناء منظورها لحقيقة ما جرى ويجري في المغرب طوال نصف قرن تقريبًا، بمنهجيةٍ جمعت بين البحث الوثائقي المتمثّل في دراسة السجلّ ت القضائية والوثائق المرتبطة بها، والتحرّيات الميدانية الموصولة بحالاتٍ خاصّة؛ إذ قام بعض أفراد الهيئة بزياراتٍ ميدانيّة لعائلات أشخاص مجهولي المصير، واستمعوا إلى أقوالهم؛ ليرسموا اعتمادًا عليها وانطلاقًا منها مجمل مطالبهم. ومقابل ذلك، استمعت الهيئة للشهود الذين تربطهم علاقات معيّنة بالضحايا لإضاءة الصورة، عن طريق توسيع دائرة المتحدّثين. ولم تكتفِ الهيئة بذلك، بل عملت في السياق نفسه على ترتيب زياراتِ مُعَايَنَةٍ لمراكز الاحتجاز. ولم يكن هذا العمل سهلً؛ ففي موضوع البحث الوثائقي على سبيل المثال، جمعت الهيئة جملةً من المعطيات المتداوَلة، في المصادر المعنيّة بحالات الاختفاء القسري والانتهاكات الجسيمة، واطّلعت على بعض أجوبة الأجهزة الأمنيّة، وبعض الوثائق المتوفّرة لدى اللجان الدولية الحقوقية، المعنيّة بموضوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. لكنّها وهي تقوم بجمع ما سبق، كانت تقف في الوقت نفسه، أمام فراغاتٍ كبيرة وأسئلة لا تجد لها أجوبة. إنّ محدودية الشهادات وفراغاتِ الأرشيف الوطني، والتعاون المحسوب وغير المتكافئ لبعض الأجهزة المرتبطة بموضوع الانتهاكات، ورفض بعض المسؤولين الحديث مع الهيئة، أو اكتفاءَهم بتقديم أجوبة غير واضحة، ساهم كلّ ذلك، في القول إنّ نتائج البحث كانت تتّجه للاكتفاء بمطلب الإنصاف، وذلك نظرًا لصعوبة بناء الحقيقة. ونعتقد أنّه حصل لأعضاء الهيئة اقتناعٌ جديد، في غمرة عملهم، جعلهم لا يتردّدون في مرادفة الحقيقة بالإنصاف، والإنصاف بالحقيقة.
حدود تقرير الهيئة النهائي وخلاصاته
يعدّ التقرير النهائي الذي أنجزته الهيئة، والمركَّب من ستّة أجزاء ومئات الصفحات، منجزًا متميّزًا في باب العمل الحقوقي السياسي، في تاريخ المغرب المعاصر11. نتبيّ ذلك بوضوح في ما قدّمه من معطياتٍ في موضوع تجربة الهيئة، وتوصياتها، وكذا مختلف الضمانات المرتبطة بمبدأ عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة التي تعرّض لها عشرات المواطنين، كما تعرّضت لها مناطق وجهات في المملكة خلال نصف قرنٍ من الزمان 956(–1
ننتقل الآن إلى التقرير الذي أنجزته الهيئة، بوصفه يكشف بصورة واضحة، عن مجمل الإجراءات والتدابير التي أقدمت عليها، ويُظهر محصّلة تجربتها بمختلف المنجزات التي تحقّقت، والإخفاقات التي حاصرت برنامجها وتوصياتِها، وبعض ملفّاتها المعقّدة.
تمكّنت الهيئة من فتح 16 861 ملفًّا، وقامت بدراستها، كما حاولت اتّخاذ مواقف في موضوعها؛ إذ قرّرت تقديم تعويضٍ لفائدة 19 802 ضحيّة، من بينهم 8951 ضحيّة "صدرت لفائدتهم توصيات إضافية تتعلّق بأشكالٍ أخرى من جبر ال ررر. أمّا التعويض غير المادّي، فأصدرت الهيئة في موضوعه توصياتٍ لفائدة 9914 ضحيّة، سبق لهم أن استفادوا من تعويضاتٍ ماليّة، بموجب مقرّرات صادرة عن "هيئة التحكيم المستقلّة للتعويض"12. وفي خلاصة إجمالية لعمل الهيئة في مجال "جبر الضرر"، نشير إلى أنّ عدد الملفّات المعوّض لها بلغ 68611 ملفًّا. وبلغ عدد الملفّات التي اتُّخذت بشأنها قرارات إيجابية 9779 ملفًّا، أي ما يناهز %58. وقد توزّع كما يلي: التعويض المالي: 6358 ملفًّا، أي ما يناهز.%37.9 التعويض المالي المصحوب بجبر باقي الأضرار: 8951 ملفًّا، أي ما يناهز %11.2. 13جبر الأضرار دون تعويضٍ مالي: 9914 ملفًّا، أي ما يناهز.%8.9 إضافةً إلى كلّ ما سبق، قامت الهيئة بمحاولةٍ أخرى في الاجتهاد الهادف إلى بلورة مجموعةٍ من القرارات الرامية إلى "جبر الضرر الجماعي" المتعلّق بإعادة إدماج المناطق والجهات المهمّشة لفكّ العزلة عنها، وصهرها في بوتقة التنمية. وفي هذا السياق، عملت الهيئة على تنظيم ندواتٍ تحسيسية في مجموعةٍ من المدن المغربية؛ قصد إنشاء منتدى وطني يشتغل بموضوع جبر الضرر. وقد شاركت في فعاليات هذا المنتدى، مجموعةٌ من الجمعيات، إضافةً إلى مجموعةٍ من الخبراء والباحثين من المغرب ومن الخارج، ودون إغفال الإشارة إلى عملها المحدَّد في عقد لقاءاتٍ تشاورية مع السلطات العمومية ومنظمّات المجتمع المدني، في الموضوعات المساعدة في عمليات المساهمة في تصحيح أخطاء الماضي14. يستوعب تقرير الهيئة الختامي لحظتين مهمّتين؛ لحظة التوصيات الخاصّة بالإصلاحات المؤسّسية المطلوبة، في موضوع تجنّب تكرار الانتهاكات، ولحظة بلورة الإستراتيجية الوطنية لمواجهة الإفلات من العقاب، والعمل على تنفيذ التوصيات. وقد جرى التركيز في اللحظة الأولى على مبدأ دعم التأصيل الدستوري لحقوق الإنسان، كما هو متعارَف عليها دوليًّا. وجرى الدفاع عن قرينة البراءة، ومطلب الحقّ في محاكمةٍ عادلة. وقد سطّرت هذه المبادئ في سياق تصوّر الهيئة للإصلاح السياسي16. ركّزت الهيئة على موضوع الإصلاحات الدستورية، مرتّبةً جملة من التوصيات التي يساهم استيعابها في تعزيز آليّات الممارسة الديمقراطية، كما يساهم في ضمان عدم تكرار تجربة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وفي هذا الإطار، أوصت الهيئة بتعزيز مبدأ فصل السلط، وطالبت بلزوم التنصيص الدستوري الصريح على الحرّيات والحقوق الأساسيّة التي يتضمّنها، مثل حريات التنقّل والتعبير والتظاهر، والتنظيم النقابي والسياسي، والتجمّع، والإضراب، وحرّية المراسلات، وحرمة المسكن، واحترام الحياة الشخصية. كما أوصت بتقوية المراقبة الدستورية، بالصورة التي تساهم في تحريم
الاختفاء القسري، والاعتقال التعسّفي، والإبادة والجرائم الأخرى ضد الإنسانية، أو المخلّة بالكرامة أو المُهينة17. ودعت الهيئة في اللحظة الثانية من التقرير، المتعلّقة بوضع إستراتيجية وطنية متكاملة مندمجة ومتعدّدة الأطراف، لمناهضة عدم الإفلات من العقاب، إلى وضع سياساتٍ عمومية في قطاعات العدالة والأمن، وحفظ النظام والتربية والتكوين المستمرّ، بمشاركةٍ فاعلة للمجتمع برمّته18، وذلك استنادًا إلى قواعد القانون الدولي الإنساني لحقوق الإنسان، الأمر الذي يستدعي ضرورة ملاءمة التشريع الجنائي والالتزامات الدولية للمغرب وتكييفها مع مقتضيات القواعد المذكورة. كما طالبت الهيئة بلزوم إجراء إصلاحاتٍ في مجالات الأمن والعدالة والتشريع والسياسة الجنائيّة، بحكم أنّ الإصلاحات المذكورة ضرورية لتوطيد دعائم دولة القانون19. يجسّد تقرير الهيئة في نظرنا، منجزًا مهمًّ في باب إغناء مشروع العدالة الانتقالية وتطويره، في المغرب وفي العالم. ونحن لا نبالغ عندما نصفه بالمنجز المهمّ، ذلك أنّ أهمّيته في نظرنا تكمن في كونه يعدّ عنوانًا كبيرًا لخياراتٍ وسياساتٍ ومآزقَ، وهو في الآن نفسه، عنوانٌ لأفقٍ مفتوح على ممكناتٍ عديدة. ولعلّ الجدل الذي دار وما فتئ يدور حول أعمال الهيئة، وتقريرها وتوصياتها، وما صاحبه من إطلاق مسلسل تنفيذ التوصيات، وأشكال تعثّه إلى يومنا هذا، يضعنا أمام ما يؤشّ في نظرنا، على مناخٍ سياسي لم يعد يجد أيّ حرجٍ، في مواجهة أسئلة الأوضاع السياسية في المغرب بطريقةٍ شفّافة، لا تستبعد الآراء المتناقضة بحكم أنّ مجال تسوية تركة الماضي، لا يُعدّ مجالً سهلً ولا بسيطًا، وبخاصّة عندما يحصل في طورٍ انتقالي بين عهدين وملكين، جامعهما الأساس وحدة النظام السياسي، مع درجاتٍ من الاختلاف محسوبة ومرتّبة بعناية. ومن هنا يأتي إدراكنا أهمّية الجدل النقدي الذي ما فتئ يدور حول حدود أعمال الهيئة ومحدوديتها، وبخاصّة في بعض الملفّات الصعبة، من قبيل ملفّ المهدي بن بركة، وملفّ اعتذار الدولة المباشر عن مجمل الانتهاكات والأضرار التي لحقت الفاعلين وذويهم، في عقود الستينيات والسبعينيات على وجه الخصوص. وعلى الرغم من أنّنا نقف اليوم في المغرب، أمام تحولّاتٍ سياسية أخرى، حصلت بعد انتفاضات حركة 02 فبراير، ساهمت مكاسب الهيئة في حفر مجاري العدالة الانتقالية، وهي مجارٍ نفترض أنّها تستدعي في الراهن السياسي، مزيدًا من مغالبة المصالح الفرديّة واستحضار الهمّ الجماعي؛ ذلك أنّ تعثّ العدالة الانتقالية في صيغتها المغربية، يستدعي كثيرًا من المبادرة والتعبئة السياسية، بهدف استثمار مكاسب مسلسل الإنصاف وولوج دروب الانتقال الديمقراطي الأخرى، الأمر الذي يتطلّب أوّلًاستكمال عملية تفعيل توصيات الهيئة التي لا تزال معلّقة20.
ملاحظات وأسئلة ختاميّة بشأن مسار العدالة الانتقالية في زمن ما بعد الربيع العربي
هل يمكن الحديث عن نهاية مسلسل العدالة الانتقالية في المغرب اليوم؟ يحقّ لنا أن نتساءل بعد مرور سبع سنوات على إصدار "هيئة الإنصاف والمصالحة" في المغرب تقريرها الختامي المستوعب منجزاتها وتوصياتها، وكذا إخفاقاتها. يحقّ لنا أن نطرح السؤال الذي سطَّرنا في مُفتتح هذه الخاتمة. نجد في ردود الفعل المتداولة في الفضاء السياسي المغربي اليوم، مواقفَ متناقضة من التجربة ومن مآلها، لكنّنا نجد في الوقت نفسه، أنّ هناك ما يشبه الإجماع على أهمية الأدوار التي قامت بها، في مغرب العقد الأوّل من القرن الواحد والعشرين، وذلك بجانب أدوارٍ سياسية أخرى عُدّت في عداد المؤشّات القويّة الدالّة، على التحولّات السياسية الممهِّدة للانتقال الديمقراطي في بلادنا. ساهمت التحولّات التي عرفها المغرب منذ 9991 في تقليص حدّة الانتفاضات التي ملأت الشوارع المغربية سنة 0112؛ إذ استطاعت بعض مكاسب الهيئة، وبعض أوراش الإصلاح في زمن حكومات التناوب التوافقي، أن تُوقِف استمرار الانفجارات في المجتمع المغربي. يجب ألّ نغفل في هذا السياق أيضًا، الإشارة إلى قدرة النظام السياسي المغربي على التفاعل الإيجابي مع شعارات الاحتجاجات الكبرى المندّدة بالفساد. وقد تجلّ ذلك في إعلان دستورٍ جديد سنة 0112، كما تجلّ في استيعاب النظام مطالب الشارع، وسعيه إلى تنفيذ بعض توصيات الهيئة ومقترحاتها، في باب الإصلاح الدستوري والمؤسسّي.
يَسْهُل في باب النقد، أن نقول إنّها لم تساهم في حلّ كثيرٍ من القضايا الواردة في تقريرها الختامي؛ إذ تستوعب توصياتها جملةً من المعطيات المتعلّقة بكشف الحقيقة في ملفّاتٍ غامضة. وهناك من يؤاخذها على تغييب الحقيقة لحساب الإنصاف والمصالحة، على الرغم من الجهد الذي بُذل لتوضيح مسارها وخياراتها. وهناك أيضًا، من يرى أنّ مقاربتها استندت في الأغلب الأعمّ إلى الجانب الحقوقي، وذلك على الرغم من مختلف السِّجالات التي انخرطت فيها، في موضوع تداخل الحقوقي والسياسي وتفاعلهما في العدالة الانتقالية. مقابل الانتقادات التي أشرنا إلى البعض منها في الفقرة أعلاه، يشير بعض الباحثين إلى التفاعل الإيجابي الحاصل بين دستور 0112 وبعض توصيات الهيئة، وبخاصّة في مجال حماية منظومتَي حقوق الإنسان والقانون الدولي، إضافةً إلى تأكيده على سموّ الشرعية الدستورية، إذ ينزع إلى دسترة مبدأ فصل السلط وتوازنها ودسترة المؤسّسات إلخ... الأمر الذي يوضح نوعية منجزاتها21. صحيح أنّ المكاسب المذكورة تندرج ضمن الدستور المؤطّر اليوم للمشهد السياسي، وأنّ بنوده لا تزال في حاجةٍ إلى إجراءاتٍ تنظيمية عديدة، إلا أنّ كلّ ما سبق، يؤشّ في نظرنا على خياراتٍ سياسية محدَّدة ساهمت الهيئة إلى جانب عواملَ أخرى، في التمهيد لها. إنّ مجمل المؤاخذات التي ذكرنا، ومختلف المعارك السجاليّة التي واكبتها، ساهمت في إطلاق جدلٍ سياسي مهمّ، في موضوع التمهيد لإسناد التحوّل السياسي الحاصل في مجتمعنا. لكن كلّ هذا، لا يعفينا من الحديث عن منجزات الهيئة الكبرى، في مجال التهيئة والتمهيد لإعلان تصفية بقايا الاستبداد والطغيان وسنوات الجمر في المغرب. إنّه لا يعفينا من التأكيد مرّةً أخرى على قوّة الأمل الذي شخصته الهيئة، وهي تباشر عملً شاقًّا في إطار استمرارية نظامٍ سياسي بعينه؛ فقد بنت في سنواتٍ قليلة خطواتٍ لا يمكن إنكار أهمّيتها، في التحولّات السياسية التي يعرفها المغرب اليوم. لا تقاس مآلات تجارب مماثلة بما يترتّب عليها من إصلاحاتٍ سياسية فقط، بل تقاس كذلك بما تتيحه من محاولاتٍ في ردّ الاعتبار للعمل السياسي وللسياسة كفضاء للصراع الديمقراطي. ولعلّ في كثير ممّ تحقّق عن طريق الهيئة المذكورة خلال السنوات الماضية، ما يتيح لنا التأكيد أنّ فترات التحوّل والانتقال في التاريخ، تتطلّب مواصلة الجهد وتنويعه؛ قصد مزيدٍ من محاصرة الجيوب المحافظة، والتي يهمّها أن توقف مسلسل التحوّل والإصلاح. وإذا كنّا نتابع اليوم، في بعض أعمال المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ما يعيد النظر في كيفيات مواصلة متابعة تنفيذ توصيات الهيئة، فإنّ ما يمكن أن نستنتجه من ذلك، هو صعوبة الحديث عن نهايةٍ محتملة لمهمّتها، إذ عقد المجلس المذكور مؤخّرًا ملتقى دوليًّا عن العدالة الانتقالية، عاد فيه إلى توصيات الهيئة متسائلً عن مواقفها وإكراهاتها، وساعيًا إلى تفعيل بعض توصياتها. وهو ما يفيد بأنّ الصراع السياسي في التاريخ لا يتوقّف، بل يتّخذ أشكالً جديدة ومظاهرَ متعدّدة، الأمر الذي يستدعي تنويع جهد المواجهة، بل تطوير هذا الجهد ضمن إطار حماية المكاسب، ومجابهة الإشكالات مجدّدًا. ولعلّ ما حصل في انتفاضات شباب 02 فبراير سنة 0112، ما يدفع إلى بناء تدابيرَ وإجراءاتٍ جديدة؛ من أجل جبهاتٍ أخرى للعمل، حمايةً لمطلب العدالة الانتقالية، وحمايةً للتطلّعات الرامية إلى مزيدٍ من تطوير تدابير الإصلاح السياسي الديمقراطي في المغرب.