تسوية المنازعات البيئيّة وفق القانون الدولي
الملخّص
تحاول هذه الدراسة البحث في تسوية المنازعات البيئيّة وفق القانون الدولي من خال التطرق إلى الإطارين القانوني والمؤسّ ساتي لحل المنازعات من دون إغفال البحث عن موقع البعد البيئي في التسويات السلمية في القانون الدولي؛ وذلك انطاق ا من مفهوم المسؤولية المشتركة –ْ المتباينة بوصفها إطارًا عامًّا يستدعي حَش د كل الفاعلين في المجال البيئي. وتبحث الدراسة في قواعد هلسنكي وبرلين، ومختلف الاتفاقيات الدولية، والاقتراب من مدى أهمية تطبيقها، والصّعوبات المطروحة في ذلك المجال. ولتعميق النقاش في هذا الموضوع، تطرقت الدراسة إلى مجموعة من الإكراهات والعقبات التي تحدّ من الت سويات السّ لمية للمشاكل البيئية؛ من قبيل شمولية هذه القضايا، وتعق دها، وغياب الإرادة السياسية للقوى العظمى، ومحاولة البحث عن سبل تجاوزها وإقبارها، بوضع مقاربة علمية لفض المنازعات البيئية وتحريم "التدخل الأخضر"، وتعزيز التفاوض الكوني المتوازن، والاعتماد على توازن المصالح والمنافع المتبادلة بين الشركاء، وهجر قاعدة توازن القوى.
النّزاع الدولي1 هو كلّ خلاف بين دولتين أو أكثر في مسألة قانونية (النّزاع الذي ينشأ من الاختلاف في تفسير معاهدة) أو واقعة ماديّة، وهو كلّ تعارض في المصالح المادية والسياسيّة. ويكاد يكون من المستحيل الوقوف على كلّ أسباب المنازعات الدوليّة وعواملها. غير أنّ تحديد النزاع هو خطوة ضرورية لمعرفة الوسيلة التي تؤدِّي إلى تسويته. ومن ثمَّة توجد وسائل ودّية لحلّ الخلافات، ووسائل أخرى تقضي باللجوء إلى الإكراه. ويَنْجم النّزاع الدولي عن تصرّف الدولة وإخلالها بمبادئ القانون الدولي وبحقوق الدول الأخرى. ويُقصد2 بالمنازعات الدوليّة، عمومًا، المنازعات التي يكون أطرافها الدول أو أشخاص القانون الدولي العامّ من غير الدول. ومن المعروف أنّ المنازعات ليست من طبيعة واحدة، الأمر الذي يترتّب عليه تطوير إجراءات مختلفة لمعالجة أيّ نوعٍ من هذه المنازعات بصورة فعّالة. ويمكن القول إنّ المنازعات في الفقه تنقسم إلى منازعات سياسية- قانونية بالأساس، ومنازعات فنّية (كالمنازعات المائية3) وهي تتميز بالتّعقيد والتّشابك في مشاكلها وحلولها. وسنركز في هذا المقام على المنازعات البيئيّة من منظور القانون الدّولي. ومادامت العلاقات الدوليّة غير مستقرّة وغير سلميّة، فإنّ القانون الدولي يحاولُ أن يبحث في الوسائل التي تفضي إلى تسوية المنازعات. ومن أجل تحقيق هذا الغرض، عُقدت مؤتمرات دولية لتحديد الوسائل الودّية التي ينبغي للأطراف المتنازعة اللجوء إليها قَبْلَ أن تندلع الحرب. وقد أبرمت اتفاقيات عديدة لبلورة هذه القواعد والمبادئ، وبعد قيام المنظمّات الدوليّة جرى تأكيد هذه الوسائل السلميّة.
دينامية الصراع والتعاون الدولي
إنّ دينامية العلاقات الدولية هي دينامية جدلية للصّاع والتّعاون4، إلا أنّ التّنازعية هي الطّابع الغالب على هذه الدينامية، ولا يَح يد المجال البيئي عن هذه المعادلة؛ إذ احتلّت القضايا البيئيّة- في إطار الدينامية الجديدة للعلاقات الدوليّة5 - مكانةً متميّزةً في الصّاع بين (دول الشمال ودول الجنوب.) وإنّ الأزمات البيئية لا تعترف أصلً بالحدود الدولية إذ تعدّها حدودًا وهميّة؛ فبما أنّ للمشكلات البيئية طابع الشّمولية فإنّ هذا الأمر يجعلها تحرّك الحدود وتضعفها، ممّ يجعل إيجاد تسويات سلميّة اعتمادًا على الوسائل التقليدية المتعارف عليها في القانون الدولي مهمّةً صعبةً. ولقد بدأت العلاقات الدولية تتهيكل، كما أكّد "خافير سولانا"، واتّضح6 أنّ الولايات المتحدة الأميركية هي المهيمنة، (لكن الأكِيد) أنّ أيّ دولة لا تستطيعُ بمفردها مجابهة المشكلات البيئيّة الشّمولية، وهذا يتطلب، في نظرنا، تحديد الآليّات الملائمة لحلّها، وتحديد منظور القانون الدولي في هذا الصّدد أيضًا. ولعلّ المشكلات البيئية ذات الطّابع الشّمولي؛ كالانحباس الحراري والتلوث العابر للحدود وتدبير الأنهار الدولية، والتّنوع البيولوجي أثقلت كاهل المهتميّ بالقانون الدولي لعدم مسايرته الدينامياتِ الجديدة التي فرضتها العولمة في هذا المجال، ممّ يحتّم تطبيق "مبدأ" المسؤولية المشتركة - المتباينة، وتعزيز المنافع المشتركة بين الفاعلين "البيئيين."
تحديد طبيعة المنازعات البيئية
يتحدّد موضوع هذه الدراسة في المنازعات البيئية وفق القانون الدولي، وفي حدود علمنا لا توجد تعريفات دقيقة ومحدّدة لهذا النوع "الجديد" من المنازعات، ولكن يمكن تأكيد أنّها منازعات نوعيّة في طبيعتها من جهة، وأنها تتضمّن تناقضات "مقارباتية" ومفاهيمية متعدّدة بسبب تمسّك الأطراف المتنازعة بمبادئ تخدم مصلحتها وترفض مبادئ أخرى تضّ بمنافعها وأيديولوجيتها من جهة أخرى. وتشمل المنازعات البيئية الّاع على الموارد المائية وال وررات الطبيعية العابرة للحدود (الاستعمال السيادي للثروات الوطنية في
مقابل عدم الإضرار بالغير والاستعمال المُنصف للثروات المشتركة)، أو تحديد جانب من المسؤولية عن الاحتباس الحراري (المسؤولية التاريخية للدول الصناعية في مقابل المسؤولية المشتركة - المتباينة؛ أي إنّ الجميع يتحمل المسؤولية على اختلاف مستوياتها ومحدداتها ودرجاتها)، وحتمية الإخطار المُسْبق بتمويل مشروع معيّ على المستوى الدولي (مبدأ السيادة الوطنية وسوابق استعمال المياه، في مقابل السيادة المحدودة وأهمية احترام الحقوق المكتسبة والحاجات المائية للدول ومدى توافر المصادر البديلة والاستخدام المشترك لمياه المجاري الدولية.) والنتيجة المباشرة لهذه التناقضات هي صعوبة الارتكاز على بعض الرُّؤى وتحييد الأخرى؛ علاوةً على أهمية أخذ السياق الدولي غير المستقرّ بحسبان، إضافةً إلى أنّ الحفاظ على البيئة وحمايتها)7يندرجُ ضمن محددات الأمن الإنساني Security(Human؛ فهي تتجاوز – بطبيعتها - بنية العلاقات السياسية الضيقة ونظرية توازن القوى، ممّ يستوجب "تأهيل" القانون الدولي لخدمة قضايا الدبلوماسية الوقائية في مجال التّنازعية البيئية، على سبيل إضافة بُعْد جديدٍ إلى دراسة القانون الدولي "الجديد." نحن، إذن، بصدد الحديث عن "حقوق الأسرة البشرية"، ممّ "يحتِّم" علينا التوفيق بين المتناقضات وإيجاد الحلول السّلمية والودّية – في القانون الدولي- للأزمات البيئية. ومن المتعارف عليه لدى الفقه الدولي أنه يمكن تصنيف قضايا البيئة ضمن الجيل الثالث لحقوق الإنسان (حقوق التّضامن)؛ كالحق في بيئة صحية نظيفة، والحقّ في التنمية، والحقّ في السّلم. وهذه القضايا تنتمي إلى التّ اث والمصلحة المشتركة للإنسانية، على الرّغم من اختلاف المصالح والمنافع وتقاطعها وتجاذبها وتمايزها في أغلب الأحيان. وهذا المنظور يستلزمُ التّعامل بجدّيةٍ وحزمٍ مع قضايا التّنازعية البيئية. ومادمنا نُناقش مصلحة الجِنْس البشري للعيش في بيئة آمنة، على الرّغم من عدم التّوصل إلى تسويات سلميّة مقبولة للأزمات البيئية، فلا بدّ من طرح بعض التّساؤلات المحورية للإشكالية المطروحة في هذا الصدد: ما هي الإجراءات القانونية لتجنّب المنازعات البيئيّة والوقاية منها من منظور القانون الدولي؟ وما هي الحلول التي يطرحها الميثاق الأممي، وقرارات الجمعية العامَّة للأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية، ومقاربات الفقه، واجتهادات القضاء، وقواعد القانون الدولي المكتوبة أو المستقرَّة عرفيًّا؟ وهل تشكل القضايا البيئيّة صراعاتٍ مستقبليةً بين الدول؟ إنّ هذه الدراسة تحاول الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها بدءًا من الإشارة إلى المرجعية القانونية المنظمة للمنازعات الدولية التقليدية و"إمكانات تطبيق" هذه الآليات على المجال البيئي، بالنظر إلى أنّ هذا المجال يعرف تجاذباتٍ من أطراف متعدّدة قد تؤدِّي إلى صِ دَامات عسكرية في حالة عدم الاتفاق على فضّ الأزمات البيئية سلميًّا وإيجاد التّوافقات الممكنة بين الأطراف المتنازعة. وبناءً على محاور الإشكالية المطروحة في هذه الدراسة، يمكن تقسيم الموضوع إلى محورين أساسيّيْ، يتناول الأول التأطير القانوني والمؤسّساتي لفضّ المنازعات الدولية، ويخصّص الثاني للبعد البيئي والتسويات السلمية والإكراهات التي تحول دون إيجاد التسويات المقبولة وسُبُل تجاوزها، وتؤدّي إلى إقبارها.
الت أطير القانوني والمؤسّ ساتي لفض المنازعات الدوليّة
يمكن تقسيم هذا المحور إلى الأسس التقليدية (البند الأول) والأسس النوعية لفضّ المنازعات الدولية (البند الثاني.)
الأسس التقليدية
يمكن، بوجه عامّ، اختزال الأسس التقليدية لفضّ المنازعات الدولية في: ميثاق الأمم المتحدة (البند الأول)، وقرارات الجمعية العامَّة للأمم المتحدة (البند الثاني)، والاتفاقيات الدولية، ولا سيما اتفاقية فيينا لقانون المُعاهدات (البند الثالث.)
ميثاق الأمم المتحدة وفض المنازعات الدولية
نصّت المادة الثانية من الفقرة الثالثة من ميثاق الأمم المتّحدة على أن يفضّ جميع أعضائها منازعاتهم الدوليّة بالوسائل السّلمية على وجهٍ لا يجعل السّلم والأمن والعدل الدولي عُرْضَ ةً للخطر. وقد عدّدت المادة الثالثة والثلاثون هذه الوسائل؛ إذ يتعيَّ على أطراف أيّ نزاع من شأنه أن يستمرّ أو يُعَرّض السّلم والأمن الدوليين للخطر، أن يلتمسوا حلّه بادئ ذي بدء بطريقة المفاوضة والتّحقيق والوساطة والتوفيق والتّحكيم والتسوية القضائية.
ولم يُشِ الميثاق الأممي إلى البعد البيئي، نظرًا إلى أنّ "الشأن البيئي" لم يكن مطروحًا آنذاك كما أنّ "المجموعة الدولية " كانت مشغولةً في تلك الفترة بالبحث عن سُبُل الخروج من حالة الحرب إلى حالة السّلم (الفكر المثالي الويلسوني8).
الجمعية العامَّة للأمم المتحدة وفض المنازعات الدولية
أصدرت الجمعية العامَّة للأمم المتحدة عشرات القرارات عن تسوية المنازعات بالطرائق السّلمية. وتناولت هذه القرارات، عمومًا، الدّعوة إلى حلّ المنازعات بالأساليب الودّية، وبحثت عن الحُلول العادلة واحترام ميثاق الأمم المتّحدة ومبادئ القانون الدولي وعدم تعريض الأمن والسلم الدوليّيْ للخطر. وسنعملُ في هذا المحور على دراسةِ جوانب من هذه القرارات ولو بإيجازٍ شديدٍ.
العلاقات الودّية والتّعاون بين الدول
أصدرت الجمعية العامَّة للأمم المتحدة القرار رقم 6252 عام 9701، وكان محوره الإعلان عن مبادئ القانون الدولي المتعلّقة بالعلاقات الودّية والتّعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة. وأكدت فيه الجمعية العامَّة ضرورة حلّ المنازعات الدولية بالوسائل السّلمية؛ فعلى كلّ دولة أن تعملَ على فضّ منازعاتها الدوليّة مع الدول الأخرى بالوسائل السلميّة، وعلى كلّ الدول أيضًا أن تلْتمس البحثَ عن حُلول عادلة من خلال التّفاوض والتّحقيق والوساطة والتّحكيم والتسوية القضائيّة، واللجوء إلى المنظمّات والاتفاقيات الإقليمية أو غير ذلك من الوسائل السّلمية التي تختارها9.
تعزيز التفاوض لحظر الأعمال المؤثرة في البيئة والمناخ
أصدرت الجمعية العامَّة للأمم المتّحدة القرار رقم 3475 بتاريخ 11 كانون الأول/ ديسمبر 9751، طالبت فيه بمواصلة التفاوض للتوصّل إلى اتفاقية لحظر استخدام تقنيات التأثير في البيئة للأغراض العسكرية وغيرها من الأغراض العدائيّة التي تتنافى وصيانةَ الأمن ورفاهية الإنسان وصحّته10. وفي 01 كانون الأول/ ديسمبر 9761 أصدرت الجمعية العامَّة للأمم المتحدة القرار رقم 2/317، وأُلحقت به اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية، أو لأيّ أغراض عدائية أخرى11. ونصَّت الاتفاقية في مادتها الخامسة على تعهّد الدول بالتّشاور والتعاون في ما بينها لحلّ كلّ المشكلات التي قد تنشأ بسبب أهداف مقتضيات هذه الاتفاقية أو تطبيقها، وعلى أنه يمكن الاعتماد على التشاور والتعاون وفق ميثاق الأمم المتّحدة.
إعلان "مانيلا" وفض المنازعات الدولية سلميًّ ا
أكدت الجمعية العامَّة للأمم المتحدة من خلال إعلان "مانيلا" بشأن تسوية المنازعات الدولية بالطرائق السلمية عام 982 1 12
الحاجة إلى بذل أقصى جهد لتسوية المنازعات والخصومات بين الدول بالوسائل السلميّة وحدها، وتجنّب جميع الأعمال العسكرية والعدائية التي لا يمكن إلا أن تجعل حلّ المنازعات والخلافات مستعصية الحلّ، والسّلم والأمن الدوليَيّن مُعرَّضيْ للخطر؛ لذلك وَجَبَ صيانة العلاقات الودّية بين الدول وتنميتها، وفقًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.
ورأت الجمعية العامَّة أنّ اعتماد إعلان "مانيلا" يمكن أن يساهم في إنهاء خَطَر اللّجوء إلى القوة أو التهديد بها. وأشارت المادة الأولى في الفقرة الخامسة من هذا الإعلان إلى الوسائل التالية: المفاوضات، والتحقيق، والوساطة، والتوفيق، والتحكيم، والتّسوية القضائية، والمساعي الحميدة. وهكذا يكون إعلان مانيلا قد أضاف إلى الوسائل التي ذكرتها المادة الثالثة والثلاثون من ميثاق الأمم المتحدة المساعي الحميدة، وبذلك فقد وضع هذا الإعلان حدًّا للجدل الفقهي المتعلق بتراتبيّة هذه الوسائل، أو بأولوية وسيلة مقارنةً بوسيلة أخرى (انظر المادة الأولى في الفقرة الثالثة، والمادة العاشرة من الإعلان.)
منع النّزاعات وتجنّبها، ودور الأمم المتّحدة
أكّد قرار الجمعية العامَّة للأمم المتّحدة رقم /51 43 عام 9881، في مُلْحَقِه الخاص بمنع النّزاعات وإزالتها (وهي النزاعات التي تهدّد السّلم والأمن الدوليين ودورَ الأمم المتّحدة في هذا المجال) المسؤوليةَ الرئيسة للدول في مجال منْع المنازعات وإزالتها، وحقَّ جميع الدول في اللجوء إلى الوسائل السّلمية لمنع المنازعات والصّاعات وإقبارها. وذَكَّر بأنّ واجب الدول هو الامتناع عن استعمال الإكراه العسكري أو السياسي أو الاقتصادي13.
توصيات تقرير لجنة برونتلاند
في عام 9831، طلبت الجمعية العامَّة للأمم المتّحدة من اللّجنة)14العالمية للبيئة والتنمية WCED(أن تقومَ بصَوْغ تقريرٍ عالميٍّ للتغيير؛ أي أن تقترح إستراتيجياتٍ ورؤى مشتركةً بعيدة المدى للقضايا البيئية. وقد صاغت اللجنة المذكورة ما يُعرف بتقرير لجنة برونتلاند Brundtland()، وقُدّم هذا التقرير إلى الجمعية العامَّة عام.1987 وارتباطًا بموضوع المنازعات الدوليّة جاء في التقرير15 أنه يجب على الدول أن تعمَدَ إلى تسوية المنازعات البيئية بالطرائق السّلمية، وأنه إن لم يجرِ التوصل إلى اتفاقية مشتركة بشأن الحلّ أو بشأن أيّ تنظيمات أخرى لتسوية النزاع خلال 81 شهرًا فإنّ النّزاع يُقدَّم إلى التّوفيق، فإن لم يُفض ذلك إلى حلّ فإنّ الأمر يُحَوّل إلى التّحكيم أو التّسوية القضائية، بناءً على طلب من الدّول المعنية. ويمكن تفادي العديد من المنازعات16 أو التوصّل إلى حلّها سريعًا في حال بلورتها على أساس المبادئ والحقوق والمسؤوليات المذكورة سلفًا؛ وذلك في إطار قانوني وطني ودولي، وفي حال احترام دول كثيرة لها وعملها على تطبيقها أيضًا. ومن التوصيات التي قدمها تقرير لجنة برونتلاند نذكر أهمية أن تساعد التّنظيمات العامَّة والخاصّة في هذا النطاق عبر تأليف لجانٍ خاصةٍ أو لائحةٍ من الخبراء يكونون من ذوي الخبرة في مختلف أنماط التّسويات، ومن ذوي الاختصاص المتميّز في الجوانب القانونية والجوهرية لحماية البيئة وتدبير الموارد الطبيعية والتنمية المستدامة، علاوةً على إنشاء مُجَمّع موسّع ونَسَقٍ مرجعيٍّ أو شبكة للردّ على حاجات طلب المشورة وتقديم المساعدة لتفادي النّزاعات أو حلّها.
اتفاقية قانون المُعَاهدات
اعتمد الاتفاقية مؤتمرُ الأمم المتّحدة بشأن قانون المعاهدات الذي عُقد بموجب قراري الجمعية العامَّة للأمم المتحدة رقم 66521 (كانون الأول/ ديسمبر 966)1، ورقم 8722 (كانون الأول/ ديسمبر 967)1، وعرضت للتّوقيع في 23 أيار/ مايو 9691، ودخلت حيّز التطبيق في 27 كانون الثّاني/ يناير.1980 وخُصّصت معاهدة فيينا المادة 66 للحديث عن إجراءات التسوية القضائيّة والتّحكِيم والتّوفيق؛ إذ تقول: إذا لم يجرِ التوصّل إلى تسوية ما بموجب أحكام الفقرة الثالثة من المادة 65 خلال 12 شهرًا من تاريخ صُدُور الاعتراض فإنه ينبغي اتِّباع الإجراءات التّالية:)1(يمكن لأيّ طَرَفٍ في نزاع يتّصل بتطبيق المادتين 53 و 64، أو تفسيرهما أن يقدّمه كتابةً إلى محكمة العدل الدوليّة بهدف استصدار حُكْمٍ فيه، إلا إذا اتفقت الأطراف برضاها المتبادل على عرض النّزاع على التّحكيم.)2( يمكن لأيّ طرف في نزاعٍ يرتبط بتطبيق أيّ مادّة أخرى من موادّ الجزء الخامس من هذه الاتفاقية أو تفسيرها أن يُحَرّك الإجراء المحدّد في مُلحقها، وذلك بتقديمه طلبًا في هذا المعنى إلى الأمين العامّ للأمم المتّحدة.
يجب التّمييز بين معطيين أساسيّيْ في هذا الصّدد، يتعلق الأول بوجود اتفاقية، بين دولتيْ أو أكثر، تنظِّمُ قضايا بيئيّةً (لذلك تتحدّث المادة 66 بصيغة: يمكن لأيّ طرف.)... والقاعدة في هذه الحالة هي انعدام أيّ صُعوبة لفضّ المنازعات والتّوصل إلى التوازنات المطلوبة. وأمّا المعطى الثاني فهو يتعلَّق بعدم وجود اتفاقية بين الأطراف؛ لذلك فإنّ الخ لاف يبقى سَيّدَ الموقف وغالبًا ما تكون للخلفيّات السياسية الأولوية على العوامل القانونية والاقتصادية.
الأسس النوعية
يمكن تلخيص الأسس النوعية لفضّ المنازعات البيئية في الاتفاقيات الدولية (البند الأول)، وكتابات كبار كتّاب القانون الدولي (البند الثاني)، وآراء هيئات التحكيم والقضاء الدولي (البند الثالث.)
الاتفاقيات الدولية البيئية وفض المنازعات البيئية
يمكن التطرق في هذا المجال إلى قضايا أساسيّة في مجال فضّ المنازعات البيئية، إذ سندرس مجالات التغيّ ات المناخية (البند الأول)، والتّنوع البيولوجي (البند الثاني)، والمجاري المائية الدوليّة (البند الثالث.)
فضّ "المنازعات المناخية"
سندرس هذا المحور من خلال الاتفاقية الدولية لحماية طبقة الأوزون (أولً)، والاتفاقية الإطارية بشأن التغيرات المناخية (ثانيًا)، وبروتوكول كيوتو (ثالثًا.) الاتفاقية الدولية لحماية طبقة الأوزون عام 1985: أبرمت اتفاقية فيينا في 22 آذار/ مارس 9851، وقد صدَّقت عليها 971 دولةً. ودخلت هذه الاتفاقية حيّز التطبيق عام 9881، وقد كرّست المادة الحادية عشرة للحديث عن فضّ المنازعات17 من خلال التّفاوض والمساعي الحميدة، أو الوساطة والتّحكيم كما يلي: في حالة وجود نزاعٍ بين الأطراف يتعلق بتفسير هذه الاتفاقية أو تطبيقها، تسعى الأطراف المعنية لإيجاد حلّ من خلال التّفاوض. إذا لم تتمكّن الأطراف المعنية من التّوصل إلى اتفاقية من خلال التّفاوض، يمكن لها مجتمعةً أن تلتمس المساعيَ الحميدة، أو أن تطلب وَسَاطةً من طرف ثالث. لدى التصديق على هذه الاتفاقية أو قبولها أو إقرارها أو الانضمام إليها في وقت لاحق، يمكن لأيّ دولة أو أيّ منظمة إقليميّة للتّكامل الاقتصادي أن تُعْلن كتابةً للوديع قبولها على سبيل الإلزام إحدى الوسيلتيْ التاليتيْ، أو كلتيهما، لتسوية المنازعات المتعلّقة بنزاعٍ لم يحلّ وفقًا للفقرة )1(أو الفقرة )2(أعلاه: التّحكيم وفق الإجراء الذي يعتمده مؤتمر الأطراف في أوّل اجتماع عادي له. عرض الخلاف على محكمة العدل الدوليّة.
إن لم تقبل الأطراف جزءًا موحدًا أو أيّ إجراء من الإجراءين، وفقًا للفقرة )3(أعلاه، يُحَالُ النّزاع للتّوفيق وفقًا للفقرة)5(أدناه، ما لم تتّفق الأطراف على خلاف ذلك. تنشأ لجنة توفيق، بناءً على طلب أ حَدِ أطراف النّزاع، وتُشكَّل اللجنة من عدد متساوٍ من الأعضاء يعيّنهم كلّ طرف معني، وتصدر اللجنة قرارها النهائي في شكل توصية تراعيه الأطراف بحسن نيّة. الاتفاقية الإطارية بشأن التغيّ ات المناخية: صدّقت على الاتفاقية الإطارية بشأن التغيرات المناخية عام 1992، 911 دولةً والتزمت وضْ ع إستراتيجيات وطنيّة لمجابهة التغيّ ات المناخية، ونصّت المادة الرابعة عشرة في مجال حلّ المنازعات الدولية على ما يلي: في حالة حدوث نزاع بين طرفيْ أو أكثر بشأن تفسير الاتفاق أو تطبيقه، يسعى الأطراف المعنيون لتسوية النزاع بطريقة التفاوض، أو أيّ طريقة سلميّة أخرى يجري اختيارها. عند التصديق على الاتفاقية أو قبولها أو الموافقة عليها أو الانضمام إليها، أو في أيّ وقتٍ بعد ذلك، يجوز لأيّ طرف – ما لم يكن منظّمةً إقليميةً للتّكامل الاقتصادي - أن يُعْلن في طلب خطِّيٍّ مُقدَّم إلى الوديع إقرارًا إزاء أيّ طرف يقبل الالتزام نفسه، من دون حاجة إلى اتفاقية خاصّة: عرض النّزاع على محكمة العدل الدولية. و/أو التّحكيم وفقًا لإجراءات يعتمدها مؤتمر الأطراف بأسرع ما ثالث. يمكن عمليًّا، وذلك في ملحق بشأن التّحكيم. ويجوز للطّرف الذي يكون منظّمةً إقليميةً للتكامل الاقتصادي أن يُصدر إعلانًا له الأثر نفسه في ما يتعلق بالتحكيم وفقًا للإجراءات المشار إليها في الفقرة الفرعية (ب) أعلاه. وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاقية في غُضُ ون مدة معينة بدءًا من إبلاغ دولة ما لأخرى، يمكن إنشاء لجنة التّوفيق التي تعرض على الأطراف توصيةً يجب أن تفحص عنها بحسن نِيّة. بروتوكول كيوتو: يتكوّن بروتوكول كيوتو - الملحق باتفاقية الأمم المتّحدة الإطارية بشأن تغيّ المناخ)1997(- من 82 مادةً، حدّد فيها الأطراف المعنية، والملوّثات التي تضرّ بالبيئة، والإجراءات الواجب القيام بها، وسبُل تطبيق الالتزامات الدولية، والعلاقات الموجودة بين الدول المتقدمة (الصناعية) والدول النامية، وشمل البروتوكول ملحقين، خُصِّص الأول لجرد الغازات والأنشطة الملوثة، وخُصِّص الثاني للدول المعنية بخفض الانبعاثات. ونصّ بروتوكول كيوتو في المادة التاسعة عشرة على أنّ تطبّق على هذا البروتوكول أحكام المادة الرابعة عشرة من الاتفاقية المتعلقة بتسوية المنازعات، وذلك بعد تعديل ما يمكن تعديله (أشرنا سابقًا إلى مقتضيات هذه المادة.)
فض "منازعات التنوع البيولوجي"
صدّقت على اتفاقية التّنوع البيولوجي عام 1992، 931 دولةً وهي اتفاقية أساسية في مجال حماية التنوع البيولوجي، كما أنها ملزمة بموجب القانون. عمومًا، تسعى الاتفاقية لحماية التّنوع البيولوجي، والاستخدام المستدام لهذا التّنوع، والقسمة المنصفة للمنافع التي تترتّب على استخدام المواد الجينية (المادة الأولى من الاتفاقية)18. وتتحدّث المادة السابعة والعشرون من الاتفاقية عن طرائق تسوية المنازعات بقولها: في حالة حدوث نزاع بين الأطراف المُتعاقدة بشأن تفسير الاتفاقية أو تطبيقها، تبحث الأطراف المعنية عن حلّ من خلال التّفاوض. إذا لم تتمكن الأطراف من الاتفاق بأسلوب التّفاوض، يمكن لها مُجْتَمِعَةً أن تلتمس المساعيَ الحميدة، أو تطلب وساطةً من طرف
عند التصديق على الاتفاقية أو قبولها أو الموافقة عليها أو الانضمام إليها، أو في أيّ وقتٍ لاحق، يجوز لدولة ما، أو لمنظّمة إقليمية للتّكامل الاقتصادي، أن تُعْلن في طلبٍ خطيٍّ يُقدَّم إلى الوديع القبول بإحدى الوسيلتيْ التاليتيْ: التّحكيم وفقًا للإجراءات المحدّدة في الجزء الأوّل من المرفق الثاني (من المادة الأولى إلى المادة السابعة عشرة) عرض النّزاع على محكمة العدل الدّولية إذا لم تقبل أطراف النّزاع هذا الإجراء أو أيّ إجراء آخر وفق الفقرة )3(أعلاه، يحال النزاع للتوفيق، ما لم تتفق الأطراف على خلاف ذلك (الجزء الثاني من الملحق الثاني من المادة الأولى إلى المادة السادسة.)
فضّ المنازعات المائية
يمكن دراسة مقتضيات قانون البحار عام 9821 (أولً)، واتفاقية استخدام المجاري المائية الدوليّة لأغراض غير الملاحة (ثانيًا.) قانون البحار، وفضّ المنازعات الدوليّة: أُقرت اتفاقية الأمم المتّحدة لقانون البحار عام 9821، ودخلت حيّز التطبيق في 61 تشرين الثاني/ نوفمبر 9941، وخصّصت الجزء الخامس عشر؛ الفرع الأول،)2 مع الح لتسوية المنازعات (أحكام المواد من 927 إلى 99 رْص على التزام تسوية المنازعات بالوسائل السلميّة. وعمومًا تناول هذا الفرع التزام تسوية المنازعات بالوسائل السّلمية، أو أيّ وسيلة تختارها الأطراف، والإجراء المُتّبع عند عدم التّوصل إلى اتفاق، ومسألة التزام التّوفيق. ولا بدّ من الإشارة، في هذا السياق، إلى محكمة قانون البحار19 التي أنشأتها اتفاقية مونتيغو باي Bay(Montego) سنة 9821؛ إذ يتمثّل اختصاصها الأساسي بالنظر في المنازعات المتعلقة بتفسير اتفاقية البحار، أو تطبيقها، أو أيّ اتفاق يرتبط بأهداف هذه الاتفاقية، أو الصيد غير المشروع20، أو المحافظة على الموارد البيولوجية البحرِّية، أو حماية الوسط المائي والحفاظ عليه... إلخ. اتفاقية المجاري المائية الدولية والتسويات الودّية: أصبحت هذه الاتفاقية المصدر والحجّية الأساسية لمبادئ القانون الدولي الخاصّة بتدبير المجاري المائية الدوليّة. وأُبرمت هذه الاتفاقية في 21 أيار/ مايو 9971 وألحقت بقرار الجمعية العامَّة للأمم المتحدة رقم /51 922، 21بتاريخ 8 حزيران/ يونيو 997، وصدَّقت عليها 1 92 دولةً، وهي تحتاج إلى تصديق 35 دولةً لتدخل حيّز التطبيق. ونصّت الاتفاقية على استخدام المجاري المائية الدولية لأغراض غير الأغراض الملاحية، في المادة الثالثة والثلاثين من الفقرة الثانية، على الوسائل المُتَاحَة لفضّ المنازعات المائية في حال فشل التّفاوض بين دول المجرى الدولي، فأشارت إلى إمكان إنشاء لجنة لتقصّ الحقائق والتّوفيق بين الأطراف المتنازعة، واللجوء إلى التّحكيم أو التسوية القضائيّة22. وأشارت المادة السابعة من الاتفاق إلى أن تتّخ ذَ دول المجرى المائي - عند الانتفاع بمجرى مائي دولي داخل أراضيها - كلّ التّدابير الملائمة كي لا تُسَبّب ضررًا للدول الأخرى. وأكّدت المادة الثامنة الالتزام العامّ بالتّعاون بين دول المجرى المائي المشترك.
وبقيَ أن نُؤكد أنّ الاتفاقية المذكورة نصّت على حقّ جميع دول المجرى المائي في الانتفاع والمشاركة في مياه هذا المجرى بطريقة منصفة ومعقولة، وبشكل لا يسبّب ضررًا لدول المجرى المائي الأخرى (المواد 5 و.)76 و
كتابات كبار كتّاب القانون الدولي
يمكن إجمال أوجه الرأي الفقهي بهذا الخصوص في أربعة اتجاهات هي: نظرية السيادة الإقليمية المطلقة، ونظرية السيادة الإقليمية المقيدة، ونظرية الملكية المشتركة للنهر، ونظرية مبدأ الانتفاع المنصف. صحيح أنّ هذه النظريات تناقش استخدام الدول المشاطئة لمياه المجاري المائية الدولية، وأنها ليست لها "علاقة مباشرة" بالنزاعات البيئية، إلا أنّ الاطلاع عليها يسمحُ بمعرفة آليات الحيلولة دون نشوء النزاعات المائية، إضافةً إلى سُبُل توقِّيها أو الحدّ منها. نظرية السيادة الإقليمية المطلقة: ومفادها23 أنّ الدولة تملك السيادة المطلقة على جزء النهر المارّ بإقليمها من دون قيْد، ومن دون أن يكون للدول الأخرى التي يمرّ النّهر نفسه بأقاليمها أيّ حقّ قانوني في الاعتراض.
ومن أهمّ أوجه تدبير الماء العابر للحدود24 سيادة الدولة؛ فتبعًا للمنازعات التي نشأت بين الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك، اعتمدت الأولى عقيدة هارمون Doctrine(Harmon) عام 8951، وهي تعبيرٌ عن السيادة المطلقة؛ فهذه العقيدة25 تؤكّد تأكيدًا جازمًا عدم وجود مبادئ في القانون الدولي تُجْبِ الولايات المتحدة الأميركية على أن تأخذ بحسبان متطلبات المكسيك في نهر ريو غراند).Rio Grande(نظرية السيادة الإقليمية المقيدة: وفحوى هذه النظرية26 أنّ لكل دولة يجري في إقليمها نهرٌ دوليٌّ الحقّ الكامل في أن يظلّ جريان النهر على حاله في إقليمها من حيث كَمّية المياه وكيفيتها. بمعنى أنّ النهر يشكِّل وحدةً لا تتأثر بالحدود السياسية للدولة، وأنّ السيادة التي تمارسها الدولة سيادة مقيدة بوجوب التصدي للمجرى الطبيعي للنهر. نظرية الملكية المشتركة للنهر: ومفادها أنّ المجرى المائي الدولي يعدُّ ملكًا مشتركًا لجميع الدول التي يجري في أقاليمها، مع كلّ ما يترتّب على ذلك من قيود تَرِدُ على حرِّية الدولة في التصّرف في الجُزء الذي يقع تحت سيادتها. فلا تنفردُ إحداها من دون موافقة الدول الأخرى بإقامةِ مشروع للانتفاع بمياه المجرى المائي الدولي في الجزء الذي يجري في إقليمها، مادام هذا الانتفاع يؤدِّي إلى إحداث أيّ تأثير على تدفق مياه المجرى، سواء بالزيادة أو النقصان. نظرية مبدأ الانتفاع المنصف، وترتكز هذه النظرية على أساسيْ27: الأول: أنّ لكلّ دولة الحقّ في التقسيم المنصف لمنافع الشبكة النهرية في ضوء حاجاتها، وفي ضوء الأوضاع المتعلقة بالشبكة النهرية (بنصيب معقول ومنصف.) وكان إعلان هلسنكي)1966(28 بشأن استعمال المياه في الأنهار الدولية قد اعتمد هذا الاتجاه (المادة.)5 الثاني: أنّ الدولة لا تُ نع من وقْف تدفّق نهرٍ يجري في أراضيها إلى أراضي دولة مشاطئة أو تحويله فحسب، بل إنها تمنع أيضًا من استخدام مياه هذا النهر استخدامًا يكون فيه خطر على الدولة أو الدول المشاطئة الأخرى، أو يمنعها من استخدام تدفق مياه النهر من جانبها استخدامًا ملائمًا. وفي مجال الموارد المائية، أقرّ معهد القانون الدولي ILI() عام 9611 (دورة سالسبورغ) مبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة في الموارد المائية، وعدّ مياه الأنهار موردًا طبيعيًّا مشتركًا لا يخضع لسيادة دولة ما في حدّ ذاتها؛ وفي ما يخص حقوق استعمال المياه يؤكِّد المعهد في المادة الثالثة من قراره عام 9611 التسوية في الحقوق على أساس الإنصاف آخذًا حاجات الدول بحسبان29. وعدّ المعهد، في المادة السادسة من الفقرة الأولى، في قراره الصادر بتاريخ 4 أيلول/ سبتمبر 9971 (دورة ستراسبورغ)، أنّ الدولة ملزمة في إطار القيام بأنشطتها في حدود ولايتها الوطنيّة بعدم الإضرار بحياة الأجيال الحالية أو المقبلة. ومعظم الفقه الدولي30 يعدّ أنّه بإمكان دولة المجرى المائي أن تستعمل بحرِّية المياه التي تجري فوق إقليمها، على ألاّ يسبب هذا الاستعمال ضررًا لأقاليم دول المجرى الأخرى أو لمصلحتها؛ لأنّ لدول المجرى حقوقًا والتزاماتٍ مُتبادلةً في استعمال مجاري المياه الدوليّة31.
آراء هيئات التحكيم والقضاء الدولي
نتطرق في هذا السياق إلى آراء هيئات التحكيم (أولً)، وآراء محكمة العدل الدولية (ثانيًا.)
آراء هيئات التحكيم: مصهر تريل وأطراف النزاع
من أولى النزاعات البيئيّة الدولية التي عُرضت على المحاكم الدولية قضية مصهر تريل case(Smelter Trial) بين الولايات المتحدة الأميركية وكندا (بين 9209401 و)1، وهي من القضايا الكلاسيكية) في القانون الدولي البيئي32.Loc Classici(
موضوع القضية: يتمثَّل، أساسًا، بالتلوّث البيئي الذي حملته الرياح من المصانع الكندية لصهر المعادن عبر حدود البلديْن إلى ولاية واشنطن في الولايات المتحدة الأميركية، فقد تسبّبَ التّلوث بأضرار جسيمة أصابت الأشخاص والمُمْتلكات على حدّ سواء33. إحالة النزاع على التّحكيم ومضمون الحكم: اتفق الطّرفان المتنازعان على إحالة النزاع بينهما على هيئة تحكيم، أصدرت حكمها خلال عام 9411، وتضمّن الحُكْم المذكور تأكيدًا لمبادئ القانون الدولي العرفي، ر وبخاصّة مبدأ عدم جواز التسبّب بالضّ.
آراء محكمة العدل الدولية
توجد بعض القضايا البيئية التي عُرضت على محكمة العدل الدولية، وأشهرها إطلاقًا النزاع بين سلوفاكيا والمجر بشأن مشروع سدود غابتشيكوفو - ناغيماروس على نهر الدانوب، ومصنع المعجّنات بين الأرجنتين والأورغواي34. ويمكن التركيز في هذه الدراسة على النّزاع الأول35؛ لأنّها دراسة لا تسمح بتجاوز قدر معيّ من الصّفحات. وبناءً عليه، سندرس - بإيجاز شديد - موضوع النّزاع وأطرافه وأهميته، ومضمون حُكم محكمة العدل الدولية. موضوع النزاع وأطرافه وأهميته: أصدرت المحكمة حُكْمً عام 1 997 في قضية بين سلوفاكيا (كبديل من اندثار تشيكوسلوفاكيا في الحقوق والواجبات المتعلقة بهذا المشروع كما سنرى) والمجر (هنغاريا) بشأن مشروع سدود غابتشيكوفو - ناغيماروس Nagymaros( Gabcikovo-) على نهر الدّانوب36. وكان البلدان قد اتّفقا على بناء نظام سدّ غابتشيكوفو- ناغيماروس واستغلاله. وفي ماي 9891 علّقت المجر جزءًا من أشغال البناء وتخلّت بعد ذلك عن جانب من الأشغال، استجابةً للانشغالات البيئية. أمّا سلوفاكيا فقد بدأت الأشغال بهدف إيجاد بديل لحصّتها من الأشغال، واستنكرت المجر اتفاقية بودابيست بتاريخ 61 أيلول/ سبتمبر 9771 وتراجعت عنها. ووقّعت سلوفاكيا والمجر اتفاقًا خاصًّا، عام 9931، جرى بموجبه إحالة القضية على محكمة العدل الدولية. وقد طُلب من المحكمة الإفتاء في مسألة حقّ المجر في التخلي عن جزء من أشغال البناء، وحقّ سلوفاكيا في تطبيق "حلّ موقّت"، وفي حقوق الدول وواجباتها في هذه القضية. وعدّ الفقيه صاندرين مالجن ديبوا -Dubois( Maljean Sandrine) هذه القضية أوّل قضية تُعرض على محكمة العدل الدولية يكون فيها موضوع البيئة موضوعًا رئيسًا في النزاع بين الأطراف، وأُعطيت فرصة متميزة لإبراز مدى قُدرة المحكمة على الفصل في نزاع بيئي37. مضمون الحكم: أكّدت المحكمة في هذه القضية، مبدأ توارث المعاهدات (إشارةً إلى اتفاقية 61 أيلول/ سبتمبر 9771 بين البلدين)، وأقرّت صراحةً في تلك القضية الحاجةَ إلى التوفيق بين التّنمية وحماية البيئة على نحو ما هي مبيّنة في مفهوم التنمية المستدامة. كما أكّدت المحكمة أهمية نظرية المصالح الجماعية لحماية البيئة، ودعت الأطراف إلى تعديل إطار الاتفاق لكي ينسجم مع المعايير الدولية للبيئة38. وأشار نائب الرئيس في رأي منفصل - بشأن هذه القضية - القاضي ويريمنتري Weeramantry إلى أنّ التنمية المستدامة ليست مفهومًا، بل هي مبدأ ذو انتشار واسع وقَبُول من المجموعة الدوليّة. وبخصوص القيام بدراسة التأثير في البيئة EIA() قدّم القاضي ملاحظاتٍ دقيقةً؛ فهذه الدراسة تسمح باستباق المشكلات والاستعداد للتقييم الدائم وتعزيز المعارف البيئيّة بشأن المعايير والرّقابة، وبالتكيّف بغرض حماية موارد المياه العذبة في حالات الضرورة. وأمّا بخصوص العلاقة بين البيئة وحقوق الإنسان فقد رأى القاضي أنّ الحقوق البيئية، هي حقوق للإنسان39. وأكّدت المحكمة الحقّ في الاقتسام العادل والمعقول لمياه المجاري Watercourse() أولً، وأهمية التّعاون في استعمال الموارد المائيّة المشتركة ثانيًا40.
وأكّدت المحكمة مرّةً أخرى أنّ البيئة ليست قضيّةً مجرّدةً، بل إنها هي الفضاء الذي نعيش فيه، وأنها هي التي تحدّد نوعية الحياة وصحّة النوع البشري، وأنّ ذلك يتضمن حقوق الأجيال التي لم توجد بَعْد.Generations unborn(41) وانسجامًا مع مبادئ القانون الدّولي البيئي، أشارت المحكمة - في هذه القضية - إلى أهمية مبدأي اليقظة والاحتراز بوصفها قضايا أساسيةً في مجال حماية البيئة؛ وذلك بالنظر إلى الخاصية التي تميّز الأضرار البيئية (عدم قابلية الإصلاح)، ومحدودية آليات إصلاح هذه الأضرار42.
البعد البيئي و"مبادئ" التسويات السلمية
لا يمكن الحسم بشأن وجود أسسٍ ومرتكزاتٍ بيئيّةٍ محدّدةٍ لفضّ المنازعات البيئية، ولكن توجد بعض الركائز والمبادئ العامَّة المفيدة من حيث هي أسُس لحلّ الخلافات البيئية، بعيدًا من المبادئ التقليدية المشار إليها سابقًا.
مبدأ المسؤوليات المشتركة - المتباينة
المتباينة43أصبح مبدأ المسؤولية المشتركة - من أهمّ المبادئ التي تحكم حركة المجتمع الدولي في مواجهة قضايا البيئة العالمية؛ فعلى جميع الدول، المتقدّمة منها والنامية على حدّ سواء، المشاركة الإيجابية في التّصدي للمخاطر البيئية العالمية مثل تغير المناخ وحماية طبقة الأوزون، وغير ذلك، بقدر ما يتاح للدول من إمكانات؛ أي إنّ المسؤولية في التصدي هي مسؤولية مشتركة، لكنها تكون بدرجات متفاوتة، وفقًا لإمكانات كلّ طرف. ويفيد مبدأ المسؤوليات المشتركة – المتباينة، إجمالً، أنّ كلّ الدول تتحمّل مسؤولياتها تُجاه القضايا البيئية، على الرّغم من أنّ درجات المسؤولية ومستوياتها متباينة؛ فبما أنّ القضايا البيئية ذات بعد شمولي فهي تتطلب حلولً شموليةً وعالميّةً. وهذا الأمر يستلزم أهمية التّفاوض المباشر لحسم الخلافات البيئيّة العابرة للحدود. ومن نتائج هذه المسؤولية المشتركة تعزيز آليات التعاون الدولي؛ إذ يمكن الاستفادة في هذا الصدد من مقتضيات المبدأ الثاني والعشرين من 1 44إعلان ستوكهولم المتعلق بالبيئة البشرية عام 972، والمبدأ السابع 1 45من إعلان ريو دي جانيرو المتعلق بالبيئة والتنمية للعالم عام.992 وفي نظرنا، ينبغي أن يتركّز التعاون بالخصوص على دعم البرامج والمشاريع البيئيّة، و"نقل" التكنولوجيا النظيفة، وتبادل الخبرات العلمية، وتعزيز المساعدة التقنية، و"آليات" بروتوكول كيوتو46، ومنع "التدخل الأخضر"؛ ذلك أنّ مجموعةً من قرارات الجمعية العامَّة تنصّ على أهمية حماية الاستقلال الاقتصادي، وهذا يعني حرِّية كلّ دولة في استغلال مواردها وثرواتها الطبيعية بكل حرِّية، لكن من دون التسبب بالإضرار بالدول المجاورة.
وفي مجال التعاون البيئي لا بدّ من الإشارة إلى آلية مقابلة الديون بالاستثمارات في المجال الأخضر swaps(nature for Debt)؛ وهي آلية مهمَّة للتقليل من الديون العامَّة للدول الفقيرة، إذ يجرى مبادلة هذه الديون بالاستثمار في المجال البيئي. لكنّ تطبيقات هذه الآلية ضعيفة، كما أنّ حجمها متواضع في غياب الإحصاءات الدقيقة، إضافةً إلى أنّها آليّة تُ كِّن للدول الصناعية من استغلال هذه الآلية في التدخل في شؤون الدول النامية الداخلية، باسم برنامج التقويم الهيكلي
) للبنك الدولي وصندوقStructural Adjustment Program(النقد الدولي بشروطهما المجحفة، وقد أدَّى ذلك إلى اعتماد الدول النامية النهج الليبرالي في المجال الاقتصادي، ومن ثمَّة الدخول في أزمة المديونيّة الخانقة منذ الثمانينيات من القرن العشرين. وبصفة عامَّة، سيساهم تطبيق مبدأ المسؤولية المشتركة – المتباينة، في تمويل خطط الإصلاح البيئي مادامت الدول الصناعية هي المسؤولة الرئيسة عن الغازات السامة المضرّة بطبقة الأوزون (المسؤولية التاريخية.) ومن شأن التمويلات المستمرّة للمشاريع البيئيّة التخفيف من المنازعات البيئية نفسها، شرط عدم استغلال هذه التمويلات في الأغراض السياسية الضيقة (كالتّدخل في الشّؤون الداخلية باسم حماية الموارد الطبيعية وتدبيرها مثلً.)
مبدأ السيادة الوطنية وفض المنازعات البيئية
من أهمّ أوجه تدبير الماء العابر للحدود47 سيادة الدولة؛ فمن ذلك مثلً أنّ الولايات المتحدة الأميركية اعتمدت عقيدة هارمون سنة 1895 - وهي تعبير عن السيادة المطلقة - في المنازعات التي نشأت بينها وبين المكسيك؛ ففي ظلّ غياب قانون مخالف، تتمتّع الدول بحرِّية في استعمال الموارد المائية في ولايتها بغضّ النظر عن الآثار التي ستترتَّب على ذلك الاستخدام خارج حدودها. فهذه العقيدة48، إذن، تجزم أنه لا توجد مبادئ في القانون الدولي تجبر الولايات المتحدة الأميركية على أن تأخذ متطلبات المكسيك في نهر ريو جراند بحسبان. لكن في ظلّ تطوّر القانون الدولي ونظريات الفقه الدولي واجتهادات القضاء، لا يمكن القبول بعقيدة هارمون لأنها لا تشكّل جزءًا من القانون الدولي، ولأنّ منظمات القانون الدولي رفضتها منذ أمد طويل، ولا سيما أنّ الولايات المتحدة التي كانت قد اعتمدتها، لم تعد تؤمن بها أو تدافع عنها.
قواعد هلسنكي وقواعد برلين لفض المنازعات البيئية
أصدرت جمعية القانون الدولي عام 9661 قواعد هلسنكي، وهي قواعد ليس لها إلزاميّة قانونية مباشرة؛ لأنّ الدول لم توقّعها ولم تصدّق عليها. وتكمن حجيّتها في الاتفاق على أنها تمثّل القانون الدولي العرفي للمجاري المائية. أمّا قواعد برلين فهي أقلّ حجّيةً من قواعد هلسنكي إذ ليس هناك اتفاقية على أنها تعكس القانون العرفي الدولي، ثمّ إنه لم يحصل الاتفاق داخل لجنة الموارد المائية التابعة لجمعية القانون الدولي التي أصدرتها. ويمكن التّطرق في هذا الصدد إلى قاعدة التخلي التدريجي عن الملكية المطلقة، بحجة السيادة الوطنية (البند الأول)، وأهم قواعد هلسنكي وقواعد برلين (البند الثاني)، وصعوبة تطبيقهما من الناحية العملية (البند الثالث.)
هجر قاعدة الملكية المطلقة
تعترف أغلب الحكومات، من الناحية العملية، بأنّ مقاربات الامتلاك المطلق لحقوق المياه هي أقلّ نفعية في بلورة السياسات. وبعد عقودٍ من الدّراسة المتعلقة باقتسام المياه جرى تدوينها في اتفاقية الأمم المتحدة، عام 9971، بشأن استعمال المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، تأسيسًا على قواعد هلسنكي. وفي مجال السيادة الناقصة جرى تأكيد مبدأ عدم الإضرار بالغير في "إعلان ستوكهولم" 972()1 في المبدأ الحادي والعشرين، من خلال القول إنّ على الدول واجبًا مفاده ألا تُحدِث الأنشطةُ الممارسة على ترابها أو تحت مراقبتها إضرارًا بالبيئة في الدول الأخرى. وقد أشار المبدأ الثالث عشر من إعلان ريو دي جانيرو 992()1، أيضًا، إلى مقتضى عدم إلحاق الأضرار بالغير. وهذه القاعدة العامَّة تجسّد مبدأ الاستخدام غير الضارّ للإقليم الوطني.
أهمّ قواعد هلسنكي وبرلين
تعرّف قواعد هلسنكي النهر الدولي بأنه الحوض الذي يمرّ بأقاليم دول مختلفة، وفي هذه الحال تباشر كلّ دولة سيادتها على ما يمرّ في
أقاليمها، مع مراعاة مصالح الدول التي يمرّ بها النهر، سواء الزراعية أو الصناعية أو السكانية، والتزام عدم إلحاق الضرر بمصالح الدول الأخرى المشاطئة49. وتتمثّل أهمّ مبادئ قواعد هلسنكي عام 1966 50 بالاستعمال المنصف51 والمعقول، والوقاية من الأضرار، والإعلام المسبق بالمشاريع المراد إنجازها. وحدَّدت قواعد هلسنكي52 معايير عامَّة تحكم عملية الانتفاع المشترك، والقسمة العادلة للأنهار المشتركة في المادة الخامسة بتعداد السكان، وطبوغرافية حوض النهر، والأوضاع المناخية، وكمية المياه المعتاد استخدامها سابقًا من مياه النهر، والاستعمالات الراهنة، والحاجات الفعلية من المياه بالنسبة إلى كلّ دولة، وتوافر مصادر بديلة لمياه النهر الدولي أو انعدامها. ولا بدّ من الإشارة إلى ما يُعرف بقواعد برلين المتعلقة بموارد المياه 53عام 004، تكميلً لقواعد هلسنكي عام 2 9661، ومعاهدة الأمم المتحدة للأغراض غير الملاحية للمجاري المائية الدولية عام 997.1 وقد أعادت قواعد برلين، في مادتها الثالثة عشرة، تأكيد مبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة في موارد المياه، وعدم الإضرار بالدول من خلال طريقة استخدامها للمياه (المادة)12، واستباق الأضرار العابرة للحدود (المادة.)16 وطالبت قواعد برلين الدول باتخاذ الخطوات الملائمة لدعم الموارد المائية وإدارتها والتقليل من الأضرار البيئية (المادة 8)، ولم تسمح للدول باتخاذ إجراءات من شأنها أن تؤدِّيَ إلى نقص المياه الصالحة لحياة المدنيين، إلا في حال تعرّض الدول لغزوٍ يجبرها بموجب قوانين عسكرية على قطع إمدادات مياهها، أو على إجراءات قد تتسبب بإلحاق ضرر بيئي. كما منعت قواعد برلين، في جميع الأحوال، تسميم المياه الضرورية حرصًا على الحياة، ودعت إلى التدبير المندمج للمياه (المادتان .)76 و وإنّ الفكرة الأساسية، في رأينا، هي وجوب تطوير تدبير المجاري البيئية، مع الأخذ بحسبان آثار الاستعمال في الدول الأخرى، وتوافر الموارد المائية البديلة، وحجم السكان المتضرّرين، والحاجات السوسيو- اقتصادية، وحماية المجرى المائي نفسه، وتطويره ليستفيد الجميع من استباق الأزمات البيئية (نظرية المصالح الجماعية.)
صعوبة تطبيق مبادئ هلسنكي وبرلين
تبرز هذه الصعوبة في عدم توافر الأدوات الضرورية التي تسمح بحلّ قضايا المتطلبات التنافسية؛ ومثال ذلك أنّ مستخدمي الشقّ الأعلى من المجرى قد يقدّمون حجج الحاجات السوسيو - اقتصادية لبناء السدود وتوليد الطاقة الكهرمائية، وبالمنطق نفسه يستدل مستخدمو الشقّ الأدنى حجَّة الحفاظ على الاستخدام الحالي. وهذا ما يفسّ توقيع 92 بلدًا فقط، على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحيّة (وهي تحتاج إلى تصديق 35 دولةً لتدخل حيّز التنفيذ)، علاوةً على عدم وجود آلية مادية تطبيقية في هذا الصّدد. ففي المجال المائي مثلً، يجزم الفقه القانوني أنه54 ليس من قانون دولي، مُفصَّل ونهائي - حتى الآن - يحدّد حقوق الدول المائية بأوضاعها ومواقعها وتطوراتها المختلفة والمعقَّدة ويعيّنها، بل هناك أعراف ومبادئ وإن كانت غير ملزمة، فإنّ الهيئات الدولية والجمعيّات القانونيّة تعوّدت الأخذ بها في الموضوع المائي وحلّ النزاعات المتصلة به. ومن الأعراف والقواعد التي تراعى عادةً أثناء معالجة هذه الحالات: "الاستهلاك التاريخي" أو الحقوق التاريخية المكتسبة وطُول مجرى النهر في البلد وأهميته، والحاجات الزراعية والاجتماعية إلى مياهه عمومًا، ومدى توافر المصادر البديلة لتلك المياه، وتأثير ذلك في الدخل الوطني للبلد المعني. ومن تلك القواعد أيضًا، عدم جواز تغيير الشّوط الطبيعية، أو وقْف مجرى النهر أو تحويله أو استعماله، على نحوٍ يُجْح ف بحقوق دولة أو
دول مجاورة، أو يُسبّب حرمانها من استخدام مياهه في الجزء الخاص بها، أو يلحق الضّر بمشاريعها القائمة أو التي هي قَيْدَ التّنفيذ.. إلخ.
إكراهات تسوية المنازعات البيئية
سلميًّا وسُ بُل تجاوزها
تعترض المنازعات البيئية إكراهاتٌ وعقبات متعدّدة ومتنوعة، ترتبط معظمها بالطابع الفني والشمولي لهذه القضايا. كما أنّ العوامل السياسية تحُول دون تطبيق التسويات الودية للمنازعات البيئية (البند الأول.) وفي مقابل ذلك يمكن اقتراح توصياتٍ لتجاوز العوائق والصعوبات التي تحدُّ من إيجاد التسويات السلمية للمشاكل البيئية ولا سيما العابرة للحدود (البند الثاني.)
إكراهات تسوية المنازعات البيئية سلميّا
تتعدّد العوائق والصّعوبات التي تعترض حلّ الخلافات البيئية بالطرائق الودّية، وأهمها شمولية القضايا البيئية، وتميزها بصبغة فنّية بامتياز. ويزداد الأمر تعقيدًا لفضّ المنازعات البيئيّة اعتمادًا على الطرائق التقليديّة. كما أنّ غياب الإرادة السياسية للدول الكبرى يَحُولُ دون إيجاد الحلول الملائمة لها.
شمولية القضايا البيئيّة
إنّالقضايا البيئية بطبيعتها تنعكس على دول كثيرة، كما تتجاوز آثارها وتداعياتها السيادة الوطنية والنطاق الجغرافي الضيق لكلّ دولة، ومثال ذلك كارثة تشرنوبيل Tchernobyl إذ تخطّت آثارها أقاليم الاتحاد السوفيتي سابقًا إلى دول أوروبية كثيرة. إنّ إيجاد الحلول الشمولية، بمشاركة مختلف الفاعلين، مسألة في غاية الأهمية والتّعقيد في الوقت نفسه. ففي مجال الاحتباس الحراري تتأثّر الدّول الصغيرة أيضًا، ممّ يحول دون تطبيق مبدأ "الملوِّث يدفع الثمن" PPP()، ولا سيما أنّ حقوق الأجيال المقبلة تفرض على كلّ الدول الاعتراف بالمسؤولية بين الأجيال. فكيف تعترف الدول التي لا تلوّث البيئة بهذه الحقوق عِلْمً أنّها عجزت عن تلبية الحاجات الأساسية للأجيال الحالية؟ وما بالك، إذن، بالإنصاف ما بين الأجيال؟ يبدو أنّ شمولية القضايا البيئية هي التي تَعُوقُ توصُّل الأطراف الفاعلة إلى التوافقات الممكنة على المستوى الدولي؛ وذلك بسبب اختلاف الرؤى والمقاربات والإستراتيجيات والأيديولوجيات.
المشكلات البيئية ذات الصبغة الفنيّة أساسًا
إنّ القضايا البيئيّة الفنّية تطرح عدّة صعوبات على القضاة من ذوي التكوين الأكاديمي القانوني الصّف، من جهة فهمها واستيعاب مضامينها وخلفيّاتها وإيجاد الحلول الملائمة لها، في ظلّ تزايد تعقّد المساطر القضائيّة. من أجل ذلك يمكن أن يستغرقَ القاضي مُدَدًا طويلةً لمراجعة الوثائق الفنّية المعقَّدة قبل إصدار الحكم، في حين أنّ الأضرار البيئية لا تحتمل تأخير المساطر الإدارية والقضائية والبيروقراطية الإدارية. ويمكن تجاوز هذه المعضلة بالتكوين المستمرّ للقضاة والاستعانة بالخبراء في التخصّصات البيئية وغيرها (القانون الدولي البيئي، والاقتصاد، والبيولوجيا.. إلخ)، وجمع المعلومات الأساسية اللازمة والدقيقة في ما يتعلَّق بالقضايا البيئيّة ووجوب استغلالها، اعتمادًا على التخصّصات المشار إليها.
ولقد أنشأت محكمة العدل الدولية، في سنة 9931، غرفة الشؤون البيئية التي يمكن الاستفادة من آرائها في المستقبل القريب. ووفقًا للمادة /20 2 - مثل - من اتفاقية بازل عام 9891، بشأن التّحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود55، يكون للأطراف التي جرى الإضرار بها حقّ رفع دعوى المسؤولية الدولية أمام محكمة
العدل الدولية، أو التّحكيم، بهدف المطالبة بالتعويض عن الأضرار56 الناشئة عن التلوث بالنفايات الخطرة، كما يكون لها ذلك عند الاختلاف في تفسير هذه الاتفاقية أو تطبيقها. ومن خلال هذه المادّة وغيرها نتبيّ أنّ محكمة العدل الدولية لن تكون لها مسؤوليات كبيرة جدًّا في تحديد طبيعة الصّاع في المجال البيئي فحسب، بل في فضّ المنازعات المرتبطة به وفْقَ قواعد القانون الدولي، وديناميات العولمة والتغيّ ات المفاجئة والسّيعة للنّسق الدولي أيضًا. ومن شأن إحداث هذه الغرفة وغيرها أن تدفع محكمة العدل الدولية إلى إغناء مجال "التقاضي البيئي"، وتكريس قواعد بيئية واضحة يمكن اعتمادها لحلّ المنازعات البيئية.
صعوبة فضّ المنازعات البيئيّة بالطرائق التقليدية
سبق أن تطرقنا إلى الإطارين القانوني والمؤسّساتي لتسوية المنازعات سلميًّا. وبوجهٍ عامّ، يصعب الحديث57 عن وجود آليات ومبادئ عامَّة لتدبير المنازعات البيئية، وبخاصة العابرة للحدود؛ كالاحتباس الحراري، والغبار النووي، والأمطار الحمضية، والتّنوع البيولوجي، مع العلم أنّ الأولوية القصوى تعطى لحلّ المنازعات ذات الطابع السياسي طبقًا للتفسيرات التقليدية للمادة الثالثة والثلاثين من ميثاق الأمم المتحدة. ومن المفيد في "التسويات المائية الدولية"، مثلً، دعوة58 الهيئات والمنظمات الدولية المتخصصة التابعة للأمم المتحدة إلى أن تؤدِّيَ دورًا فعالً في وضع أسسٍ وقواعد مقبولة لاقتسام المياه الدولية المشتركة بين الدول المشاطئة من أجل مساعدتها على التّوصل إلى اتفاقيات لتحديد حصّة كلّ بلد منها، ومن أجل جعْل المياه المشتركة عنصر رفاهية وتقدُّم وتعاون يخدم الدول المستفيدة. ومن المفيد أيضًا دعوة الدول ذات المياه المشتركة إلى التّعاون والتّنسيق في ما بينها للوصول إلى اتفاقية لتقاسم المياه، وتنظيم تشغيل المنشآت المائية القائمة أو التي ستقام عليها، تحقيقًا للمصلحة المشتركة.
غياب الإرادة السياسية للقوى الكبرى
إنّ معظم القضايا البيئية الخلافية قد فرضت فيها الدول والقوى الكبرى مواقفها ورؤاها وطموحاتها بعيدًا من مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتبيّ ذلك بوضوح في مؤتمر كوبنهاجن (كانون الأول/ ديسمبر 009)2 بشأن المناخ59؛ إذ انفردت الولايات المتحدة الأميركية والصين ببلورة الإعلان الأخير للمؤتمر. وقد تتكوّن التّكتلات البيئيّة والتّكتلات المضادّة للدفاع عن مصالح معينة، على الرّغم من أنّ القضايا البيئية لا تحتمل مثل هذه التّكتلات، فالجميع يتحمّل المسؤولية بصرف النظر عن اختلاف مستوياتها ومحدّداتها وأسُسها. ولا شكّ في أنّ البنك الدولي بفعل سياساته الماليّة والضغوط التي ظلّ يمارسها في تمويل المشاريع، يتحمّل مسؤوليةً كبرى في تأجيج الصّاعات البيئية، على الرّغم من أنه من الناحية النظرية "يتمسّك" بعدّة قواعد61 في تمويل أيّ مشروع يُقام على المجاري المائية الدولية. وأهم هذه القواعد أن يحصُل البنك مسبقًا على موافقة، أو عدم ممانعة جميع دول الحوض؛ أي ما يعرف في السياق القانوني بالدول المشاطئة.
كما مثَّل فشل المفاوضات بشأن مياه النيل بدايةً للضغوط الدولية المتوالية من الكبار ومن الكيان الصهيوني. ووراء هذه الخطوة غير المسبوقة دوافع متعدّدة ينبغي فهمها62، وأهمها الضغط على مصر والسّودان، ودفع البنك الدولي الذي يمثّل الدول المانحة إلى أن يتَّخذ سياساتٍ أكثر اعتدالً تُجاه دول المنابع، وأن يكون أقلَّ تحيّزًا لدولتي
المصب، وأن يُرسل إشارةً إلى المستثمرين الذين يرغبون في المشاركة في مشاريع مائية تنمويّة بدول المنبع مفادها أنّ لهذه الدول السّيطرة الكاملة على مواردها المائية بغضّ النظر عن موافقة دول المصب. فبالتزامن63 مع تصاعد الحديث عن طرح اتفاقية جديدة لتقاسم دول المنبع مياهَ النيل، زار وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان في آذار/ مارس 0102 دولً أفريقيةً بينها عدد من دول منبع النيل، هي إثيوبيا وأوغندا وكينيا. وهدفت هذه الزيارة، وفق ما أعلنته تقارير إعلامية إسرائيلية، إلى تدشين مزيد من المشاريع الإنمائية المتعلقة بالمياه والري واستصلاح الأراضي وبناء السدود في دول منابع النيل والبحيرات، وخصوصًا إثيوبيا التي تربطها بإسرائيل علاقات اقتصادية وسياسية متميزة، وهاجرت منها واحدة من أكبر الجوالي اليهودية التي يعرف أفرادها بيهود الفلاشا. وأشار تقرير رسمي مصري64 إلى وجود تحركات إسرائيلية مكثفة في تنزانيا، وإلى وجود علاقات لإسرائيل بأعضاء في البرلمان التّنزاني، لكنّه لفت النظر إلى غموض العلاقات الإسرائيلية البوروندية وتذبذب علاقة تل أبيب بإريتريا. وقد سجّل تراجع عربي في المفاوضات الخاصّة بمبادرة حوض النيل، إذ تكتلت دول المنبع السبع في جهة ودول المصب (أي السّودان ومصر) في جهة ثانية، أمّا باقي الدول العربية فظلَّت تتفرّج، كعادتها، كما يحصل في الصراع العربي الإسرائيلي. فأيّ حرب65 تختارها مصر للدفاع عن أمنها المائي؟ أهي الحَرْب في ساحة النزال والوغى أم أنّ حرب مصر المقبلة ستكون في ساحة الدبلوماسية وفي تأكيد عناصر قوّتها الناعمة؟
سبل تجاوز الإكراهات البيئية
في إطار البحث عن إمكانات تجاوز العقبات التي تعترض فضَّ المنازعات البيئيّة بالطرائق السلميّة والودّية وإقبارها، نقترح التفكير في مقاربة علمية تتوخى الدقة لفضّ المنازعات البيئية وديًّا، وتحريم "التدخل الأخضر" بحجّة حماية البيئة والموارد في (الدول النامية)، وتعزيز التفاوض الكوني المتوازن، والتشبّث بمفهوم توازن المصالح والمنافع المشتركة بدلً من توازن القوى.
نحو "مقاربة علمية" لفض المنازعات البيئية
في سياق البحث عن حلولٍ عمليّةٍ للمخاطر والتهديدات المهدّدة للكون66، يمكن طرح السؤال التالي: هل نستطيع بناء مقاربة علميّة لفضّ المنازعات البيئيّة الشّاملة، مع العلم أنّ تأثير هذه التهديدات تَطَالُ كلّ الدول وكلّ الشعوب من جهة، وأنه توجد نظريات فقهية متعدّدة كنظرية الوحدة الإقليمية المحدودة، ونظرية وحدة المصالح من جهة ثانية؟ نعتقد أنّ بلورة الرؤية الإستراتيجية هي أساس كلّ تحرّك علمي للتصدي لهذه المخاطر والتهديدات الجدية، ويمكن للأمين العامّ، إن توافرت له الأوضاع الملائمة، أن يكون دوره حاسمً في تنشيط آليات هذه الإستراتيجية؛ كتفعيل الميثاق العالمي Compact()Global67 بشأن المسؤولية المجتمعية للمقاولات)CSR(68، وآليات الدبلوماسية ''الخضراء''، و''توحيد'' الرؤى في ما يتعلَّق بالمفاهيم المشتركة التي تعتمدها "المجموعة الدوليّة." ويمكن للفقه الدولي أن يؤدِّيَ الأدوار الطلائعية في بلورة بعض القواعد الخاصة وإنتاجها، وذلك في مجال قانون البحار وقانون الفضاء؛ فلقد طوّر بعض المفاهيم من قبيل الجرف القاري، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، أو القواعد المطبقة في مجال التّلوث، وقواعد حماية البيئة البحرِّية، ومفهوم التراث المشترك للإنسانية، والمنطقة المُتاخِمة69، ولا يحتاج الأمر إلى بيان دور القضاء الدولي البالغ الأهمية في تعزيز العدالة البيئية والمناخية والمائية، وفي تفادي المنازعات ذات الصبغة الفنية، أو على الأقل الحدّ من ازديادها.
تحريم "التدخل الأخضر" لأسباب بيئية
يُحَرّم القانون الدولي العامّ، عمومًا، التدخل في الشؤون الداخلية للدول بغضّ النّظر عن التبريرات المقدمة "للمجتمع الدولي." وانسجامًا مع هذه الرغبة، اعتمدت الجمعية العامَّة للأمم المتحدة قراراتٍ متعدّدةً في هذا الصدد منها:
- القرار رقم 523 المتعلق بالتنمية الاقتصادية المندمجة والاتفاقيات التجارية70 خلال دورتها السادسة بتاريخ 12 كانون الثّاني/ يناير 9521، وأهم ما جاء في القرار المذكور التركيز على حقّ استعمال الموارد بحرِّية لتبوُّء مكانة ملائمة، ولتطوير تطبيق مخططات التنمية الاقتصادية وفقًا لمصلحتها الوطنية، ولتشجيع توسع الاقتصاد العالمي. - القرار رقم 626 بتاريخ 21 كانون الأول/ ديسمبر 9521 المتعلق بحقّ استغلال الثروات والموارد الطبيعية بحرِّية71، وأهمّ ما جاء فيه أهمية تشجيع الدول النامية لاستغلال ثرواتها ومواردها الطبيعية، وأنّ التنمية الاقتصادية لهذه الدول هي إحدى الشروط المهمة لدعم السّلم العالمي. ويوصي القرار بمنع الدول الأعضاء من القيام بأيّ عمل، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، يَحُدّ من قدرة الدولة على ممارسة سيادتها على مواردها الطبيعيّة. - القرار رقم 1314 بتاريخ 12 كانون الأول/ ديسمبر 9581، بشأن التوصيات المتعلقة بالاحترام الدولي لحقّ الشعوب والأمم في تقرير مصيرها72؛ إذ ذكَّر هذا القرار بالسيادة الدائمة للدول على ثرواتها ومواردها الطبيعية، كما قرّر إنشاء لجنة لإجراء دراسة عن وضع هذا الركن الأساسي من أركان حقّ تقرير المصير وتقديم التوصيات عند الاقتضاء، من أجل تعزيزه. إلا أنّ الواقع يبيّ أنّ الدول العظمى تتدخّل باستمرار تحت مسميات مختلفة منها حقّ التدخل "الإنساني"، والدفاع النفسي، والتدخل العسكري ''الوقائي'' ومحاربة ''الإرهاب..'' إلخ. ومن حقّنا أن نتساءل: أتكون التدخلات التي سنشهدها في الشؤون الداخلية للدول باسم حماية البيئة والموارد الطبيعية من التدهور والاندثار أم باسم حماية اللاجئين البيئيين؟ وهل تشكل آليات بروتوكول كيوتو؛ كالتنفيذ المشترك (المادة 6)، والتنمية النظيفة (المادة)12، والاتجار في الانبعاثات (المادة)17، دعامةً قويّةً للدول الكبرى للسيطرة على الموارد الطبيعية للدول (النامية)؟ تصعب الإجابة بدقّة عن مثل هذه التّساؤلات ولا سيما أنّ العولمة المالية والاقتصادية فرضتا المزيد من التدفّقات العابرة للحدود الوطنية، كما أنّ الاعتماد المتبادل الدولي أدَّى إلى المزيد من التّشابك والتّعقيد بين القضايا المالية والسياسية والبيئية. والمؤكد أنّ الدول الكبرى تُدافع عن مصلحتها الحيوية بكل الطرائق (الغاية تبرر الوسيلة) لذلك لا يمكن إخراج البعد البيئي من التّناحر والتّنازع بين مختلف الفاعلين في المسرح الدولي.
تعزيز التّفاوض الكوني المتوازن
نظرًا إلى الطّابع الشّمولي والكوني للقضايا البيئية، تبدو فرص إنجاح التّفاوض الدولي أقرب من فرص فشلها، للأسباب التالية: حقل جديد من المعرفة البشرية: إنّ الظواهر الجديدة التي ظلَّت في نطاق عمليات التّفاوض المعاصرة كلّها بأشكال وصور مختلفة وبدرجات متباينة، تمثّل حقلً جديدًا للدّراسات العلمية للتّفاوض. ويمكن أن نعدّ التّفاوض البيئي "ظاهرةً جديدةً" تستحقّ الاهتمام والدراسة والتحليل، وخصوصًا أنّ الاعتماد المتبادل بين الدول يتطلّب التفاوض لتحقيق المكاسب والمنافع وتوزيع الأعباء والمسؤوليات. وهذا الأمر ينسجم مع مبدأ المسؤولية المشتركة - المتباينة. وتجسّد المفاوضات المناخية الصعبة هذه الإكراهات؛ ذلك أنّ المفاوضين السياسيين يُغفلون الحقائق العلميّة لخدمة مصالح آنية. تشابك مجالات التفاوض الدولي: تتعدّد الظواهر المتفاوَض بشأنها؛ فعلى سبيل المثال توجد القضايا السياسية (تسوية المنازعات الحدودية مثلً)، والعسكرية (كإنهاء صراع مسلح)، والأمنية (كتبييض الأموال وتمويل الإرهاب)، والاقتصادية (كعقْد الاتفاقيات وتنشيط الدبلوماسية الاقتصادية)، والتكنولوجية (كالشروط التقييدية لنقل التكنولوجيا) والبيئيّة (كالتفاوض الكوني.) والنتيجة المنطقية لتعدّد مجالات التفاوض هي عدم القدرة على فصل البعد البيئي عن باقي مجالات التّنازعية الدولية. صعوبة التّفاوض الكوني: تضمّ هذه المفاوضات73 عددًا كبيرًا من الأطراف، لكلّ منهم رؤيته ومصلحته وأهدافه الإستراتيجية التي يكون فيها وزن التلاقي مع الأطراف الأخرى والاختلاف معهم، مختلفًا هو نفسه من حالة إلى أخرى. وهي تتّسم بأنها قضايا يصعب على طرف أو بعض الأطراف التّعامل معها على نحو منفرد؛ ومن ثمَّة فهي تسعى للوصول إلى النقطة الملائمة للتوازن
بين رؤى الأطراف المشاركة ومصالحها وأهدافها بوصف ذلك خطوةً أولى لتحقيق توافق عامّ مشترك بين الأطراف المشاركة، في ما يتعلَّق بالقضايا أو المشكلات والمسائل التي هي محلّ تفاوض، وذلك بأساليب التّعامل معها. وقد أدَّى هذا الأمر إلى ظُهور اتجاهٍ جديدٍ، في مجال دراسات التفاوض، يُطلق عليه اتجاه التّفاوض الكوني. أهمية تقديم التنازل لتحقيق التوافقات: إنّ كلّ الدول مهما بلغت قوتها الاقتصادية والمالية والعسكرية في حاجة إلى "توافق" عالمي. ويتطلّب ذلك تقديم التنازلات تلو الأخرى للوصول إلى التوافقات الممكنة. وهذا يعني صعوبة تحقيق الريادة في المجال)، كما أنّ الانعكاس Environmental Leadership(البيئي البيئي يشملُ جميع الدول مهما اختلفت درجات مسؤولياتها؛ لذلك فإنّ المسؤولية مشتركة وإن اختلفت مستوياتها وتبعاتها.
توازن المصالح المشتركة، لا توازن القوى
في إطار التفكير في مقاربة توازن المصالح بدل التشبّث بتوازن القوى السياسي، يمكن البحث، في نظرنا، عن بدائل وفرصٍ عملية لتسوية المنازعات البيئيّة، وهذه مهمة كلّ الفاعلين في المسرح الدولي؛ فالأمر يحتاج، أساسًا، إلى بدائل في التصور والعمل معًا في إطار رؤى إستراتيجية تكامليّة قابلة للتطبيق، أخذًا بحسبان مواصفات الأنظمة الأيكولوجية ومميزاتها وخصائصها، بغضّ النظر عن الاختلافات والتناقضات السياسية والجغرافية؛ فمادام تدهور الموارد الطبيعية سيساهم حتمً في اختفاء العنصر البشري، فإنّ الأمر يقتضي الاعتماد على التعاون البيئي خيارًا إستراتيجيًّا واقعيًّا. وثمَّة نظرية تَعدُّ القانون الدولي قائمًا على فكرة المصلحة نادى بها كثير من الفقهاء، ومنهم هيجل Hegel() وبندر Binder(.) ومؤدَّى هذه النظرية أنّ المصلحة التي تكون غالبًا الأساس لقيام العلاقات الدولية هي أيضًا مصدر التزام الدول بالقواعد التي تنظّم هذه العلاقات. ولم تسلم - هذه النظرية- أيضًا من النّقد الشّديد؛ فالمصلحة لا تصلح لأن تكون، أساسًا، للقواعد الدوليّة، لأنها تتغيّ وتختلف تبعًا للأوضاع والمعطيات، ولأنه يصعب أن نضع لها مقياسًا ثابتًا واضحًا تعتمده بقيَّة الدول. ولكن من المؤكد أنّ للاتفاق بين الفاعلين في "المسار التفاوضي البيئي" أهميةً في وجود مصالح ومنافع مشتركة بينهم لإنقاذ العالم من ويلات الحروب البيئية المقبلة.
خاتمة
لا يمكن حلّ الأزمات البيئية الحالية من دون معالجة جذورها وأسبابها ونتائجها وهذا الأمر يتطلب الاهتمام بتسوية المنازعات البيئية وديًّا، وإيجاد بدائل للتسويات التقليدية لتفادي ما يُطلق عليه الحروب البيئية، وخصوصًا في المجال المائي. وانطلاقًا من هذه الرؤية الإستراتيجية حاولنا، في هذه الدراسة، التطرق إلى الإطارين القانوني والمؤسّساتي لحلّ المنازعات، من دون إغفال البحث عن موقع البعد البيئي في التسويات السلمية – في القانون الدولي؛ وذلك انطلاقًا من مفهوم المسؤولية المشتركة – المتباينة بوصفها إطارًا عامًّا يستدعي حَشْد كلّ الفاعلين في المجال البيئي. ولا شكّ في أنّ مبدأ السيادة الوطنية يثير إشكالياتٍ متعدّدةً كالامتلاك المطلق للإقليم مثلً؛ لذلك حاولنا الحديث عن قواعد هلسنكي وبرلين، ومختلف الاتفاقيات الدولية، ومدى أهمية تطبيقها، والصّعوبات المطروحة في ذلك المجال. وحتى نتمكّن من تعميق النقاش في هذا الموضوع، تطرقنا إلى مجموعة من الإكراهات والعقبات التي تحدّ من التّسويات السّلمية للمشاكل البيئية؛ من قبيل شمولية هذه القضايا، وتعقّدها، وغياب الإرادة السياسية للقوى العظمى. وأمام هذه العوائق حاولنا البحث في سبل تجاوزها وإقبارها، من خلال وضع مقاربة علمية لفضّ المنازعات البيئية، وتحريم "التدخل الأخضر"، وتعزيز التفاوض الكوني المتوازن، والاعتماد على توازن المصالح والمنافع المتبادلة بين الشركاء، وهجر قاعدة توازن القوى. وإنّ الخلفية الأساسية لهذه الدراسة هي تعزيز النقاش في موضوع ذي أهمية خصوصية متميزة، فليسَ القصد تقديم إجابات واقتراحات دقيقة قطعيّة بقدر ما يتعلَّق الأمر بوجهة نظر تناقش الرؤية الإستراتيجية العامَّة وتحتمل النقد والإضافات من ذوي الاختصاص.