مراجعة كتاب الاتحاد العربي الهاشمي في الوثائق البريطانية
عنوان الكتاب: الاتحاد العربي في الوثائق البريطانية: المجموعة الوثائقية البريطانية الرسمية الكاملة للاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن لعام.1958 جمع وترجمة: مؤيد الونداوي. تقديم: سيار الجميل. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - الدوحة / بيروت. تاريخ النشر 2.013: عدد الصفحات: 871 صفحة.
تعترض كتابة تاريخنا العربي المعاصر مشكلات جوهرية أساسية تتعلق بالتوثيق؛ إذ إننا عشنا زمنًا طويلً في واجهة الحوادث الصعبة من دون التوغل في المضامين والتفاصيل أو قراءة بواطنها وما وراء النصوص والتعابير أو حتى ما وراء الستار، فتلك البواطن لا يمكن استكشافها إلا من خلال الوثائق الرسمية. فالوثيقة هي كل شيء مكتوب أو مطبوع وتم ختمه رسميًا وصدر عن جهة رسمية سواء أكانت دبلوماسية حكومية أم شبه حكومية لأي دولة من الدول. وتعد الوثائق الدبلوماسية من أخطر تلك الوثائق في التاريخ السياسي لفهم العلاقات بين الدول، وكونها تتضمن معلومات سرية أو علنية بالغة الدقة ومنقولة بأمانة من طرف إلى آخر، وبخاصة ما يتعلق منها بالعلاقات بين الدول والشؤون السياسية الخارجية والداخلية. وفضلا عن ذلك، تتضمن الوثائق معلومات سرية دقيقة تعبِّ عنها مواقف وقرارات وانفعالات وآراء وأسرار لم يعرفها الكثير من الناس حتى يومنا هذا؛ إذ لم تعرض تفاصيلها في بيانات أو خطابات أو صحف أو مجلات. ولما كانت للبريطانيين أدوارهم الأساسية المؤثرة والقوية في منطقتنا العربية على امتداد القرن العشرين، فإنّ وثائقهم اليوم تحتوي قدرًا كبيرًا جدًا من المعلومات الأساسية التي يحتاجها المؤرخون العرب، بل والمختصون والباحثون والمثقفون العرب اليوم وفي المستقبل. وربما يُشكَّك في قيمة تلك الوثائق، بل ربما يُستخف بها كونها تمثل أصحابها وآراءهم ومواقفهم تجاه شؤوننا العربية الخارجية والداخلية. لكن الأمر ليس كذلك مطلقًا؛ إذ إنّ مجموعة كبيرة من تلك الوثائق هي عبارة عن رسائل خاصة وشيفرات دبلوماسية واستخبارية تنقل من خلالها معلومات دقيقة في أي شأن من شؤوننا. كما أنّ من قام بكتابتها يتمتع باحتراف وأمانة في نقل ما يحدث بكل دقة وصدقية لا في تسجيله لها فحسب، بل أيضًا في نقل المعلومات التي شهدها أو سمعها إلى رؤسائه والمسؤولين في الدوائر الخارجية والمختصة في دولته. إنّ الوثائق الرسمية تعبّ تعبيرًا صريحًا إلى حد كبير عن مواقف حكومات وزعماء ورأي عام وأحزاب وتيارات وتشريعات. من هنا نعلم أنّ توظيف الوثائق السياسية يؤمّن للمؤرخ تاريخًا فيه نسبة عالية من الصراحة والوضوح والأسرار بعيدًا عن المفاهيم الرائجة والسائدة والمتداولة منذ أكثر من نصف قرن، وبعيدًا عن تلك الكتابات السياسية والصحافية والشخصية والاستعراضية والنقلية التي تزدحم بها كتب المذكرات والذكريات والسير الشخصية والبيوغرافية التمجيدية، وبعيدًا عن الكتابات التاريخية العادية التي راجت - ولا تزال - في حياتنا الثقافية والفكرية العربية بأقلام صحافيين وأدباء ومثقفين وكتّاب سياسيين غير مختصين ولا علاقة لهم بكتابة التاريخ أو المنهج النقدي مطلقًا، بل إنّ بعضهم روّج بأنه اعتمد في كتاباته على وثائق، ولم يكن ذلك صحيحًا. كما يؤمّن للمؤرخ أيضًا تاريخًا بعيدًا عن الشعارات السياسية أو البيانات الحزبية والعسكرية أو المواقف العاطفية التي راجت بين الناس، واعتبرت مضامينها حقائق، وتبين أنها ليست كذلك بعد إخضاعها للنقد والمعالجة ومقارنتها بالمصادر. وهناك بعض الأخطاء المتعمدة التي يمارسها بعض المؤرخين الغربيين في كتاباتهم لتاريخ الشرق الأوسط وخصوصًا تاريخ العراق المعاصر؛ إذ ينطلق هؤلاء من زوايا نظر مختلفة واتجاهات معينة، ذلك أنّ هذا التاريخ مثقل بالحوادث والوقائع والشخوص والحركات والتناقضات التي قد لا يفهمها بعض المؤرخين الغربيين، فتكون أحكامهم خاطئة في كثير من الأحيان. من هنا نجد أنّ ما تكشفه الدوائر الرسمية في أي دولة من وثائق، وبعد مرور جيل كامل أو أكثر، يصوِّب إلى حد كبير المفاهيم الخاطئة ويقدم مادة تدحض ما ساد من مواقف وآراء استندت إلى أكاذيب وشعارات واهية، ويكمّل ما نقص من معلومات مبتورة أو غير معروفة حتى اليوم، فضلً عن تقويم ما كان قد سُجّل من أفكار متداولة أو ما كان قد أشيع بين الناس، وحتى بين المؤرخين أنفسهم. فالمؤرخون والوثائقيون يختلفون في طريقة عرض المجموعات الوثائقية؛ فهنالك من يكتفي باختيار بعض المجموعات المنتقاة بدقة بشأن موضوع معين في محاولة لتمكين متتبعي هذا الموضوع من الاطلاع على التفاصيل الكافية، بغض النظر عن الزمن الذي قد يستغرقه تحرير الوثائق. يعتبر أخطر ما يشوب هذا النوع من العروض الوثائقية، هو عملية الانتقاء التي يلجأ إليها الوثائقي. وفي الواقع، يكمن مبعث الخطورة في إهمال انتقاء زمن الواقعة المحددة وما يحيط بها من وقائع أخرى، ومن ثم، يعرضها الوثائقي لتصبح حالة جامدة بلا حيوية. تعرض مجموعات أخرى مجردة من دون إخضاعها للربط والتحليل والتفسير الذي يمكن أن يسهّل للقارئ فهم النصوص فهمً أوسع وأشمل. بل نجد أحيانًا أنّ الوثائق معروضة من دون أن يقدم المحررون تقويمًا لها وتحديدًا لمدى الخطأ والصواب في الآراء والمسائل التي تتناولها الوثيقة الواحدة. ونجد غياب تحليل المحررين لأسباب التغيير في الآراء كليًا أو جزئيًا، ومن وثيقة إلى أخرى. وفي القضية المعروضة في هذا الكتاب، وجد المؤلف أنّ من المفيد عرض مجموعة وثائقية تخص مرحلة تاريخية محددة من الزمن،
وهي الفترة الممتدة من كانون الثاني/ يناير إلى تموز/ يوليو.1958 وهذه المجموعة متكاملة إلى حد كبير من زاوية عرض الموضوعات التي تضمنتها. ضمّ الكتاب الذي نراجعه هنا الترجمة الكاملة لنصوص 215 وثيقة بريطانية، قام بترجمتها المؤرخ العراقي مؤيد الونداوي، وقدّم لها بدراسة تحليلية مسهبة المؤرخ والكاتب سيار الجميل. وتعد المجموعة الوثائقية هذه مصدرًا أساسيًا لتاريخ العراق المعاصر شملت مرحلة مهمة من تاريخه وتاريخ محيطه الإقليمي، فقد شكّلت مجمل الحوادث الصغرى والكبرى للفترة المبحوثة منعطفًا مهمً في تحولات العراق التاريخية في منتصف القرن الماضي؛ إذ تحول النظام الملكي إلى النظام الجمهوري. وإذا كان ذلك التغيير التاريخي قد نقل العراق من أحوال إلى أحوال أخرى، فإنّ هذه الوثائق تلقي مزيدًا من الضوء على حوادث مهمة جدًا ليس في ما يتعلق بالعراق فحسب، بل أيضًا بالمنطقة العربية كلها أولً، ومحيط العراق الإقليمي ثانيًا. تكمن أهمية هذه المجموعة في أنها تتناول بشكل مهم المسائل والموضوعات الآتية: الشؤون الداخلية العراقية، نشاط حلف بغداد، إقامة الاتحاد العربي بين مملكة العراق والمملكة الأردنية الهاشمية، والموقف البريطاني - الأميركي من إقامة الجمهورية العربية المتحدة، والمطالب العراقية باستعادة الكويت أو انضمامها إلى الاتحاد العربي، والموقف البريطاني - الأميركي المساند للاتحاد العربي والمعارض لانضمام الكويت إليه، وموقف إسرائيل من إقامة الاتحاد العربي والجمهورية العربية المتحدة، والتنافس البريطاني - الأميركي على المصالح في العراق، والاتفاق البريطاني - الأميركي على محاربة الرئيس جمال عبد الناصر والسعي لإسقاطه، وإقامة حكومة الاتحاد العربي برئاسة السياسي العراقي المخضرم نوري باشا السعيد. تتكون المجموعة الوثائقية المعروضة التي ترجمها الونداوي بلا تصرف من محاضر اجتماعات مجلس الوزراء البريطاني ومناقشاته للفقرات المتصلة بموضوع هذا الكتاب، وكذلك مجموعة البرقيات التي تبادلها السفراء البريطانيون العاملون في بغداد وعمان وبيروت وطهران وكراتشي وأنقرة وباريس وواشنطن وغيرها، وتلك البرقيات المتبادلة مع وزارة الخارجية البريطانية، فضلً عن مراسلات المقيم السياسي البريطاني في البحرين والوكيل السياسي في الكويت. تضم المجموعة الوثائقية جانبًا مهمً من وثائق حلف بغداد وبخاصة تلك المتعلقة باجتماع المجلس الوزاري لقادة الحلف في إسطنبول في كانون الثاني/ يناير 9581، وهو الاجتماع الذي شارك فيه رؤساء وزراء تركيا وإيران والعراق والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وباكستان، وكشفت وثائقه جوانب مهمة بشأن ما كان يجري خلف الأبواب المغلقة من طروحات وما كان يُعد من خطط. يعرض الكتاب أيضًا الوثائق المتصلة بإقامة الاتحاد الهاشمي، والتي تبيّ حقائق جديدة وكثيرة عن المقدمات والمسار الذي شجع ملك الأردن الحسين بن طلال على التقدم إلى العراق والسعودية بمقترح إقامة هذا الاتحاد، ثم بيان أسباب استجابة القادة في العراق له واندفاعهم السريع لإقامة الاتحاد بين العرشين الهاشميين. وتقدم البرقيات والرسائل المتبادلة بين وزير خارجية بريطانيا وسفيره في بغداد السيد مايكل رايت وسفيره في عمان تشارلز جنستون تفاصيل واسعة لم يتناولها جميع من كتب عن هذا الاتحاد في حينه أو بعد حله عقب الثورة في العراق التي جاءت بعد أسابيع قليلة من إقامته. أعلن الاتحاد العربي الهاشمي في 1 شباط/ فبراير 9581 بين العراق والأردن المرتبطين بعائلة مالكة واحدة، وهي العائلة الهاشمية؛ فقد ورث ملكا البلدين فيصل الثاني في العراق والحسين بن طلال في الأردن الحكم من جدهما الأكبر الشريف الحسين بن علي، وكان اتحادًا غير اندماجي. أما رسميًا فقد أعلن عن الاتحاد في 14 شباط/ فبراير 9581، كرد مباشر على خطوة الوحدة السورية - المصرية على يد جمال عبد الناصر. وأصبحت قضايا العلاقات الخارجية والدفاع والسياسة الجمركية والتعليم من صلاحيات الحكومة الاتحادية المشتركة بين العراق والأردن. وفي آذار/ مارس 9581، تم إقرار دستور الاتحاد وإنشاء برلمان اتحادي، ثم اندمج الجيشان العراقي والأردني. وفي أيار/ مايو، أعلن تأليف حكومة اتحادية، وبأنّ الملك هو رئيس الاتحاد وأنّ مقر حكومة الاتحاد يكون بصفة دورية ستة أشهر في بغداد وستة أشهر في عمان. وفي 91 أيار/ مايو، شكلت أول حكومة للاتحاد، وكان نوري السعيد رئيسًا لوزرائها. وانتهى الاتحاد الهاشمي بزوال الحكم الهاشمي في العراق في 14 تموز/ يوليو.1958 إن فكرة إقامة معسكر الملوك – العراق والأردن والسعودية - بهدف مواجهة المعسكر المصري - السوري، برزت أول مرة وبشكل واضح انتهاء الحملة العسكرية البريطانية –الفرنسية بعد - الإسرائيلية الفاشلة على مصر عام 9561، وتحديدًا في مؤتمر برمودا؛ إذ اتفق رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان مع الرئيس الأميركي داويت
أيزنهاور على سياسة مشتركة في شأن قضايا الشرق الأوسط، وشجعا على التقارب العراقي - السعودي بعد زمن طويل من انعدام الثقة. وبهذا، قدّم الملك حسين قبل نهاية عام 9571 مقترحه المتضمن إمكانية قيادة الملك سعود دولة تضم الممالك الثلاث. وما أن طُرح موضوع الاتحاد، وبأنّ ثمة احتمالً لانضمام الملك سعود إليه، حتى بدأت سلسلة من المراسلات، وبهذا تكونت مجموعة أخرى مهمة من الوثائق حول موقف السعودية من الاتحادات العربية. وعلى الفور أبرز عدم انضمام السعودية إلى الاتحاد العربي موضوعًا آخر إلى الواجهة وهو موضوع الكويت. ومن المهم هنا، الإشارة إلى أنّ العراق الرسمي والشعب العراقي لم يتوقفا مطلقا عن الحديث مع الجانب البريطاني أو مطالبته بإنهاء الحماية البريطانية على الكويت. في مقابل ذلك، استمرت بريطانيا، وبمنهج ذي هدف ثابت، بإبقاء الكويت بعيدة عن العراق وبتعزيز مكانة أسرة آل صباح الحاكمة. وازدادت بريطانيا تمسكًا بالكويت تدريجيًا جراء أهمية الأخيرة النفطية والحجم الكبير المتنامي للودائع الكويتية في المصارف البريطانية. منذ عام 9551، مارست الحكومة العراقية وبخاصة ولي العهد ونوري السعيد ضغطًا شديدًا على بريطانيا للتوصل إلى حل يرضي العراق في ما يتعلق بالكويت، وبلغ ذلك الضغط ذروته بعد إقامة الاتحاد العربي؛ فتكونت مجموعة وثائقية مهمة لم تتناولها المصادر التاريخية بشكل واسع. إنّ أهم ما تظهره هذه الوثائق هو المعارضة البريطانية - الأميركية المشتركة لموضوع انضمام الكويت إلى الاتحاد العربي بشكل أو آخر. كما تظهر أنّ البلدين اتخذا الترتيبات لتقديم المساعدات المالية إلى الاتحاد بهدف إسقاط حجة العراق القائلة بأنّ من شأن انضمام الكويت إلى الاتحاد أن يخفِّف عن العراق الأعباء المالية التي كان عليه أن يتحملها عن الأردن. وعلى أي حال، فإنّ المحادثات العراقية - الإيرانية في شأن الكويت لم تتوقف حتى وقوع الثورة في العراق في 14 تموز/ يوليو 9581، ومرت هذه القضية بعد ذلك بمرحلة جديدة لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. أما ما يخص موقف إسرائيل التي تعاظمت مخاوفها وقلقها بسبب قيام الجمهورية العربية المتحدة، فقد هالها إقامة الاتحاد العربي أيضًا الذي يعني بالنسبة إليها إمكانية وصول الجيش العراقي إلى حدودها. تناولت مجموعة وثائقية أخرى هذا الموضوع، وأكدت جميعها أنّ طرفي الاتحاد وبريطانيا والولايات المتحدة يرون أن لا حاجة إلى التخوف من إقامة الاتحاد، ما دام هدفه منافسة الجمهورية العربية المتحدة والسعي لإفشال التجربة المصرية - السورية في الوحدة وحرمانها من التوسع لضم دول عربية أخرى. إنّ هذه المجموعة الوثائقية تعد من المجموعات التاريخية المهمة المتصلة بقضايا الوحدة العربية؛ إذ دونت – بصورة دقيقة - يوميات الاتحاد العربي خلال الفترة التي استغرقتها المفاوضات ومهدت لقيام الاتحاد، ثم الإجراءات الدستورية كافة، وحتى إقامة أول حكومة وبرلمان اتحاديين. أما الموضوع المدهش حقًا، فهو أنّ قادة البلدين وبوجه خاص الملك حسين ووزير خارجيته سمير الرفاعي وولي العهد في العراق الأمير عبد الاله بن علي ونوري السعيد، كانوا جميعًا حريصين على إبلاغ السفراء البريطانيين أولً بأول في كل يوم تقريبًا تفاصيل ما كانوا يفكرون فيه ويعملون لأجله، وما كان يجري من محادثات بما في ذلك النيات والخطط، فضلً عن النصائح والتوجيهات التي يمكن أن تقدمها بريطانيا لهم. ولعل أهم ما تضمنته المجموعة الوثائقية المعروضة في هذا الكتاب، إحساس القادة العراقيين العميق، بأنّ نهاية النظام الملكي اقتربت، وأنه لن يستمر طويلً، بل توقعوا سقوطه خلال أشهر. أكد هذا النوع من الإحساس بوجه خاص ولي العهد ونوري السعيد من خلال أحاديثهما المتكررة مع السيد مايكل رايت في بغداد. وكان السفير البريطاني هو الآخر يدرك تمامًا حقيقة الموقف الصعب الذي كان يعيشه المسؤولون العراقيون. وكان كل شيء متوقفًا على الدعم الذي يمكن أن تقدمه بلاده والحكومة الأميركية في مساعدة العراق للوقوف أمام التأييد الشعبي العارم الذي كان يحظى به الرئيس عبد الناصر داخل العراق وفي كل مكان في الوطن العربي. كان لا بد من عزل سورية عن مصر، وأن ينجح كميل شمعون في لبنان، وأن يجري الاقتناع البريطاني - الأميركي بضم الكويت إلى الاتحاد، فضلً عن أقطار عربية أخرى. والمدهش أنّه في الوقت الذي كان صناع السياسة في الخارجية الأميركية يعلنون عن العزم على دعم حلفائهم العرب، كانوا مطلعين تمامًا على أنّ بعض هؤلاء الحلفاء، ومن بينهم النظام في العراق، معرض للسقوط في أيّ لحظة نتيجة حصول انقلابات عسكرية. لهذا
اكتفت الخارجية الأميركية بنصح الخارجية البريطانية، بأنّ عليها أن تتوقع مثل هذا الانقلاب في العراق. يسهم مضمون هذا الكتاب في كشف بعض المعلومات المهمة، وفي إماطة اللثام عن جزء مهم من تاريخ مثقل بالوقائع والحراك السياسي والإقليمي والعربي؛ وهي حقائق لا يمكن نكرانها بوصفها مذكورة في الوثائق، وكونها مكاتبات رسمية دبلوماسية لأهم دولة استعمارية كانت لها ارتباطاتها التاريخية بالعراق الملكي، وهي بريطانيا. ثمة مشكلة أساسية تتضمنها تلك الوثائق، وهي أنّ ما يرد فيها ربما لا يمثل الحقيقة التي ينتظرها بعضهم؛ كون ما أرسل هو مجرد دعايات مضادة وشائعات مغرضة وأكاذيب لا صحة لها سواء أكانت عفوية أم مقصودة، لكنها ترسل جميعًا بما فيها من مضامين صائبة أو خاطئة، ربما تصحح لاحقًا أو لا تصحح مطلقًا. ومن ثمّ، لا يمكن اعتبار تلك المضامين حقيقية، ولا بد من أن يخضعها أي مؤرخ حصيف محترف أو أي قارئ ذكي للنقد. تتضمن المجموعة الوثائقية التي ضمها الكتاب دراسات وتقارير عدة مختلفة الموضوعات، وهي لا تخلو قطعًا من أهميةٍ لاطلاع الباحثين والمؤرخين والمتتبعين في أقطار عربية عدة لا يزالون بحاجة إلى تكوين رؤية أوضح بشأن ما حصل، وكيف حصل؟ ومن ساهم في ما حصل خلال الأشهر الستة التي سبقت سقوط النظام الملكي في العراق؟ إنّ ما تضمنته الوثائق البريطانية عن العراق والدول الإقليمية والعربية ذات العلاقة لا تقدم صورة كاملة للتاريخ الوثائقي الجديد للمنطقة، من دون الكشف عن الوثائق البريطانية للفترة نفسها المتعلقة بكل من مصر والسعودية والأردن والكويت بصفة خاصة، ثم المتعلقة أيضًا بكل من تركيا وإيران، فضلً عن الوثائق الأميركية المعنية بشؤون الشرق الأوسط كافة. وعلى الرغم من أنّ المؤلف لم يتدارس الوثائق ولم يقدِّم نقدًا واسعًا لمضامينها، فإنه نجح في تنظيمها في شكل جداول مع التعريف بما تتضمنه كل وثيقة. ومع أنه لم يتوسّع في عرض الهوامش حتى لا يربك القارئ، وكي يبقى الكتاب بصيغته الوثائقية، فإنه وجد من المناسب أن يدرج في نهاية كتابه عددًا من الملاحق المهمة المتضمنة مجموعات من الوثائق البريطانية التي تقدِّم صورًا مساعدة تُظهر الأوضاع في العراق، وتاريخ المطالبة العراقية بالكويت. إنّ المواد التاريخية التي تتضمنها وثائق الشهور الستة الأولى من عام 9581 في هذا الكتاب، أوضحت بما لا يدع مجالً للشك، جملة من الحقائق والمعلومات المؤكدة في شأن الأوضاع التي عاشها العراق والمنطقة العربية. ولن تغير هذه الحقائق والمعلومات بعض الاقتناعات فحسب، بل ستعمل أيضًا على إغناء التفكير الجمعي بمزيد من المعلومات التاريخية من خلال المقارنة بين الفروق، كما ستعمل على تغيير الأحكام المسبّقة التي شكلت أسسًا لبناء المنطلقات، وبخاصة إذا اعتبرت الوثائق مصدرًا أساسيًا وتاريخيًا في قراءة تكوين العرب المعاصر أو كتابته التاريخية، وستوضح للأجيال التالية حقائق مخيفة أو أسرارًا منشورة. يتضمن هذا الكتاب كشف وثائق ومواقف وأسرار، ويظهر بيانات ورسائل متبادلة خلال الفترة الزمنية المعنية، وهي تجيب في مجملها عن أسئلة لا حصر لها طرحها الناس سرًا أو علانية على امتداد ما يزيد على خمسين عامًا، بل إنها قد تبدل اقتناعات جيل جديد بما يخالف ما اقتنعت به الأجيال السابقة.