ندوة التقارب الأميركي - الإيراني

الخلفيّة والآفاق

في ضوء المستجدات الأخيرة في العلاقات الأميركية الإيرانية منذ وصول حسن روحاني إلى موقع الرئاسة في إيران، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 9(تشرين الأوّل/ أكتوبر 013)2، في النادي الدبلوماسي في الدوحة، ندوةً بعنوان "التقارب الإيراني - الأميركي: الخلفيّة والآفاق." وقد ترأس هذه الندوة الدكتور خالد الجابر الذي أشار في بدايتها إلى سلسلة من الأحداث التي تشّف عن التقارب الإيراني – الأميركي، منذ تولّ حسن روحاني رئاسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فقد كانت أولى رسائل التقارب المَقالة التي كتبها روحاني نفسه، ونشُرت في صحيفة الواشنطن بوست تحت عنوان "لماذا تسعى إيران لمشاركة بنَّاءة"، وأشار فيها (وهو الذي تولّ سابقًا منصب كبير المفاوضين النوويين في إيران) إلى رغبة إيران في الوصول إلى اتفاق مع الغرب بشأن الملفّ النووي في غضون ثلاثة أشهر. وتلا هذه المقالة خطاب روحاني في الجمعية العامَّة للأمم المتحدة، ثمّ مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأميركي باراك أوباما. وبعد كلمته الافتتاحية نقل مدير الندوة الكلمة إلى المتدخل الأول الدكتور محجوب الزويري أستاذ تاريخ إيران والشرق الأوسط المعاصر في جامعة قطر الذي قدَّم ورقةً بعنوان "الرئيس روحاني وإيران: رؤية قديمة بعباءة جديدة." وقد انطلق الزويري من أنّ التطورات المتلاحقة بشأن العلاقة الأميركية - الإيرانية احتلت مساحةً كبيرةً من التحليل والنقاش السياسي والإعلامي، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو العالم كلِّه، وأنّ هذا النقاش منذ تولِّ الرئيس الإيراني السابع حجة الإسلام حسن روحاني الذي أثارت تصريحاته عاصفةً من التكهنات بناءً على ما يجري. وتوقف الزويري عند هذا الحدث طارحًا سؤالً مفاده: هل يمكن أن يكون هناك ربيع في العلاقة الأميركية - الإيرانية بعد شتاء عاصف؟ ورأى الباحث أنّ ما جرى خلال الأشهر القليلة الماضية من تصريحات صحفية، أو ذلك الاتصال الهاتفي بين الرئيسين باراك أوباما وحسن روحاني، مرتبط بسياق يتجاوز عقدين من الزمن؛ فكلما حدث تغيير سياسي في إيران سواء على مستوى المرشد - وقد حصل مرَّةً واحدةً فقط، عام 1989 - أو على مستوى الرئيس، سرعان ما يعود النقاش بقوَّة بشأن علاقات إيران الخارجية، ومنها علاقاتها بالولايات المتحدة؛ لذا فهو سياق ممتد غير متوقف. ولفت الباحث الانتباه إلى أنّ العلاقة بالولايات المتحدة تحتل دائمًا النصيب الأكبر من النقاش والجدل سواء في الداخل الإيراني أو في الخارج، وأرجع ذلك إلى العلاقة الخاصة التي ربطت البلدين منذ أكثر من ستة عقود في القرن العشرين، وإلى مستوى الخصومة، وربما العداء المستحكم بين البلدين بعد قيام الجمهورية الإسلامية. ونوَّه الباحث بأنّ هذا الموضوع لا يرتبط بالمشهد السياسي الداخلي الإيراني فحسب، بل بالمشهد السياسي الأميركي؛ فكلما جرت انتخابات رئاسية كانت العلاقة بين واشنطن وطهران أحدَ أهمّ موضوعات الجدل السياسي، سواء في الحملات الانتخابية أو بعد فوز أحدِ المرشّحين بمنصب الرئاسة. ويرى الدكتور الزويري أنّ النقاش بشأن العلاقة بواشنطن ينتهي في إيران بانتقادٍ من المرشد أو الحرس الثوري أو بأيّ قوى سياسية؛ إذ سرعان ما تعود حالة الخصومة والمناكفة. كما عدّ النقاشات التي جرت بشأن هذه العلاقات مرشّحةً، أيضًا، للمصير نفسه، ولا سيما مع قول المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي إنه قد حدثت بعض المسائل في نيويورك (في إشارة إلى وجود الرئيس الإيراني روحاني) ما كان يجب أن تحدث. وركَّز الباحث على أنّ الملفات المعلّقة بين البلدين كثيرة ومعقَّدة؛ فهي تبدأ بخطاب العداء لأميركا بسبب سياساتها السَّابقة في عصر الملكية، ولكن هذه الملفات تمتد أيضًا إلى الموقف من إسرائيل، وموقف إيران من السياسة الخارجية الأميركية التي تسعى لتحقيق وجود عسكري وسياسي طويل الأمد في منطلقة الخليج العربي ومناطق آسيا الوسطى. وأشار الزويري إلى أنّ واشنطن تبدو قلقلةً من برنامج إيران النووي وتطوراته المتسارعة، ومن عدم التزام إيران بمسار التطورات السياسية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، والتطورات المرتبطة بالربيع العربي ولا سيما موقف إيران وحزب الله من الثورة السورية والدعم العسكري الذي يُقدَّم للنظام السوري. وقال الزويري إنّ قلق واشنطن يعكس بمستويات متعدّدة قلق إسرائيل أيضًا ولا سيما في ما يتعلق بالبرنامج النووي، لكنّ الموقف المتعلق بسورية يبدو مرتبطًا بانزعاج واشنطن من موقف روسيا الذي تستند إليه إيران سياسيًّا في دعمها للنظام السوري. وانطلاقًا من ذلك رأى الباحث أنّ النقاش المرافق لما يقال إنه تطور في العلاقة الأميركية - الإيرانية يبدو أكثر تركيزًا على مسألتي البرنامج النووي الإيراني وسورية، وتحديدًا مؤتمر جنيف 2 المتوقع أن يؤدِّيَ إلى صيغة للتسوية السياسية بين النظام والمعارضة السورية. ولا تبدو الحاجة السياسية إلى الآخر بين البلدين، بوصفها دافعًا إلى التواصل، أمرًا جديدًا؛ فلقد تواصل البلدان بطريقة سريَّة في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وقد أدَّى ذلك إلى تواصل

فاعل في ما يتعلق بالحرب على أفغانستان عام 0012، وأعقب ذلك تعاون دبلوماسي مباشر، أو غير مباشر، عبر المعارضة العراقية لنظام صدام حسين عام 0032، الأمر الذي أدَّى دورًا مساندًا لواشنطن في حربها على العراق. كما أنّ واشنطن لم تتردَّد في اللجوء إلى إيران للتفاوض بشأن ما سُمِّي "أمن بغداد" عام 0052؛ إذ جرت لقاءات بين سفيري البلدين في بغداد كروكر وكاظمي. ثمّ إنّ واشنطن لم تكن بعيدةً عن جولات التفاوض التي كانت تجمع إيران والمجموعة 5( + )1 المعنيَّة بإيجاد حلّ دبلوماسي للملف النووي الإيراني. وقد كانت واشنطن هي ميزان الحرارة الذي يمكن أن يعكس أيّ تقدُّم أو فشل في تلك الجولات من التفاوض. وتوقف الباحث عند قضية تتمثّل بأنّ إيران بعد نحو عقد من التفاوض بشأن ملفها النووي، وعند ما تراه إنجازًا في عملية الاستمرار في البرنامج وتطويره، على الرَّغم من حُزَم العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ عام 0052، وأوضح أنها اليوم تبدو في وضعٍ مختلف وتحدٍّ جديد مرتبط بأهمّ حليف إقليمي لها هو سورية. وهذا التحدي مرتبط أيضًا بالعلاقة بحزب الله؛ فلقد كانت سورية ممرَّ العبور للعون الإيراني. وفي المقابل كانت واشنطن تبدو في مخمصة سياسية حقيقة متعلقة بوضعها الاقتصادي الداخلي، وبالحضور الروسي في الملف السوري الذي عطَّل كلّ مساعي واشنطن للتخلص من نظام بشار الأسد ودفعها إلى تغيير إستراتيجيتها، يضاف إلى ذلك قلق البلدين من الدور التركي الذي قد يترتَّب عليه حافز يدعو إلى مراجعة مواقفهما البينيَّة، ولو بطريقة موقَّتة وتكتيكيَّة. وأبدى الباحث اعتقاده المتمثل بأنّ التطورات السياسية الإقليمية تبدو محفزًا أساسيًّا بشأن عودة الحديث عن تحسين العلاقات بين البلدين. لكن هذه التطورات يوجد فيها لاعبون آخرون لا يمكن تجاهلهم حتى في حال الاختلاف معهم، ومن هؤلاء اللاعبين تركيا، والمملكة العربية السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي، إضافةً إلى إسرائيل التي ترى نفسها الضحية الأولى لأيّ تقارب بين أميركا وإيران. وأمّا مواقف اللاعبين الآخرين فيصعب تجاهلها بسبب الجغرافيا السياسية وبسبب طبيعة علاقات واشنطن بتلك الأطراف أيضًا. ون وه الباحث بوجود مسألة أخرى تتعلق بما هو أهمّ لكلا الطرفين؛ فالمهمّ بالنسبة إلى طهران هو رفع العقوبات جزئيًّا، بل كليًّا، لمواجهة التداعي الاقتصادي الذي تعانيه، كما أنّه من المهمّ إنهاء الأزمة السورية بطريقة لا تنهي مصلحتها السياسية مع ذلك البلد. وأمّا بالنسبة إلى واشنطن فإنّ الأولوية تتعلق بوقف التخصيب ولا سيما ما كان منه عاليَ النسبة %20()، وكذلك تقديم إيران معلوماتٍ صحيحةً بشأن البرنامج النووي والمواقع المتعلقة به. وغير بعيد من أولوية واشنطن قدرتها على إقناع إسرائيل بأنّ التقارب - ولو كان مرحليًّا - لن يكون على حساب أمْن الدولة العبرية، يضاف إلى كلّ هذا أنّ واشنطن تتَّبع منهجًا تدريجيًّا، وبعبارة أخرى؛ إنْ فَشِل الطرفان في الوصول إلى تسوية بشأن الملف النووي، فقد تمانع من أيّ حضور إيراني في التسوية السياسة التي سيجري الحديث عنها في مؤتمر جنيف.2 وهذا الأمر في حدّ ذاته لن يكون مقبولً بالنسبة إلى إيران. وخلص الزويري في نهاية مداخلته إلى نتيجة تتجلى في أنه لا عداءَ في السياسة دائم ولا صداقة، وإنما هي المصالح، لكنّ مسار التطورات بين البلدين يتحدث عن خصومة دائمة مع احتمال التعاون في حدود ما يُؤمِّن مصالح البلدين (وهذا ما حدث، وقد يحدث)، لكن المعضلة الكبرى هي إمكان تفكيك معضلة الملف النووي، وكذلك معالجة مسألة التصور المسبق للنخبة السياسية في كلا البلدين؛ نحو مسألة تطوير العلاقة بينهما وقدرة تلك النُّخب على إقناع الرأي العامّ الداخلي لديها. وكلّ هذا يدفع إلى الحذر الشديد وعدم التسرع في مسألة الاستنتاج المتعلق بما حدث بين البلدين، فهناك الكثير من التطورات الآخذة في التشكل التي سيكون لها بالتأكيد تأثيرها في مآلات الأمور بين البلدين، بل المنطقة كلها. وبعد انتهاء كلمة الدكتور الزويري نقل مدير الندوة الكلمة إلى الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور مروان قبلان ليقدم مداخلته. فانطلق قبلان من أنّ التقارب الأميركي - الإيراني الذي بدأ مع فوز الدكتور حسن روحاني بانتخابات الرئاسة الإيرانية يثير تساؤلاتٍ ومخاوفَ عند بعضهم، بمقدار ما يثير آمالً وتطلعاتٍ عند آخرين؛ وذلك بحسب الضفَّة التي يقف عليها الشخص. وأرجع قبلان ذلك إلى أنّ مستوى الاهتمام ذاك يرجع إلى أنّ أيّ تطور يطرأ على العلاقات الإيرانية – الأميركية، سلبيًّا كان أم إيجابيًّا، سوف تكون له آثار عميقة على عموم المنطقة، وربما - على بعض الصُّعد - في كلّ العالم. واستعرض الدكتور مروان قبلان المسار التاريخي للعلاقات الإيرانية – الأميركية، حيث احتلت إيران مكانًا مركزيًّا في الإستراتيجية الأميركية في منطقة الخليج والشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت سياسة واشنطن تجاهها تقوم على فكرة جوهرية مفادها أنه إذا قُدِّر لها أن تخسر إيران فلن تسمح لأحد غيرها أن يربحها.

وبناءً على ذلك لم تعمد الولايات المتحدة في الفترة التي أعقبت إطاحة الدكتور محمد مصدق - أوّل رئيس حكومة إيراني منتخب عام 1953 - إلى تحويل إيران إلى دولة تابعة لجهة القرار السياسي فحسب، بل إلى دولة تابعة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية أيضًا. ورأى قبلان أنه بمقدار ما أثَّرت الولايات المتحدة في الحياة إيرانية، بوصفها حليفًا في الفترة بين عامي 9531 وحتى قيام الثورة الإسلامية عام 9781، أثَّرت بالمثل عداوتها بعد ذلك في مختلف مناحي الحياة الإيرانية حتى أصبح يصحّ القول إنّ تاريخ إيران خلال العقود الستة الماضية إنما هو تاريخ العلاقة بالولايات المتحدة، تقاربًا كان ذلك أو تنافرًا. وبيّ قبلان أنّ العلاقات الأميركية - الإيرانية، بعد الحرب العالمية الثانية، تراوحت بين هذين الحدين: العلاقة الوثيقة، أو الخصومة الشديدة، وأنه على الرّغم من العداوة المريرة التي طبعت العلاقات الثنائية في العقود الثلاثة الماضية، فإنّ واشنطن لم تسْعَ في أيّ ظرف إلى تغيير النظام الإيراني، بل كانت تسعى في كلّ الأحوال لتغيير السياسات الإيرانية، وللعودة بها - إن أمكن ذلك - إلى حال التحالف التي كانت سائدةً خلال عهد الشاه. ورأى الباحث أنه بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العلاقات الصعبة والمعقَّدة، وبخاصة في ظلّ سنوات حكم الرئيس السَّابق محمود أحمدي نجاد، تتبدى اليوم لدى كلّ من الولايات المتحدة وإيران حاجة مشتركة إلى التوصل إلى تسويات للقضايا المعلّقة بينهما؛ فالعقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة أوباما خلال العام الماضي خاصةً، والتي طالت أوّل مرة قطاع الطاقة والمصارف، ألحقت بالغ الأذى بالاقتصاد الإيراني المنهك أصلً بحُزَم عقوبات أميركية ودولية طويلة. كما أنّ تداعي النفوذ الإيراني الذي بلغ أوجه بعد سقوط العراق بيد الاحتلال الأميركي، أثناء اندلاع الثورة السورية، فرض ضغوطًا إضافيةً على طهران دعتها إلى إعادة النظر في مقارباتها الإقليمية والدولية المتشددة التي سادت خلال العقد الماضي. وأمّا إدارة أوباما فهي تجد مصلحةً حقيقيةً في الذهاب نحو تسوية مع إيران؛ وذلك للتخفيف من حدَّة الضغوط الإسرائيلية والإقليمية الممارسة عليها لوقف البرنامج النووي الإيراني بأيّ وسيلة كانت. فبالنسبة إلى رئيس غارق في مشاكله الداخلية، ساعٍ منذ وصوله إلى السلطة إلى إجلاء القوات الأميركية من مناطق العالم المختلفة، وإلى تخفيض النفقات العسكرية وتجنُّب الدخول في مواجهات جديدة في المنطقة، تبدو فرصة الحلّ السياسي لمعضلة الملف النووي الإيراني إغراءً لا يمكن مقاومته. وعلى الرَّغم من ذلك أكَّد قبلان أنّ الآمال والنيَّات والحاجة المشتركة ربما لا تكون كافيةً للتوصل إلى تسويات؛ وذلك نظرًا إلى ارتفاع تكاليفها بالنسبة إلى الطرفين، فإيران سوف تجد التخلي عن برنامجها النووي أمرًا صعبًا، وخصوصًا بالنسبة إلى الجزء المتعلق بحقها في التخصيب من دون الحصول على إقرار أمريكي واضح ومباشر بمكانتها ودورها الإقليميين. وأمّا الولايات المتحدة فهي على الرَّغم من استعداداها للإقرار بحق إيران في التخصيب من حيث المبدأ، فإنها ستجد من الصعب أيضًا، وخصوصًا في ظلّ مقاومة إقليمية شديدة، الإقرار بنفوذ إيراني يمتد من غرب أفغانستان إلى ساحل المتوسط. وبناءً على ذلك، وجد قبلان أنّ صعوبة التقارب الأميركي - الإيراني لا ترتبط بمصاعب داخلية خاصة بكل طرف، وعلى رأسها انعدام الثقة بعد ثلاثة عقود من العداء فحسب، بل إنها ترتبط أيضًا بمواقف الأطراف الإقليمية التي يخشى معظمها من أن تكون التسوية الإيرانية - الأميركية المرتقبة على حساب مصلحتهم. ومن ثمَّة تتبدَّى الصعوبات الجسيمة التي تكتنف محاولات التقارب بين واشنطن وطهران ويتبين مقدار التحديات التي يواجهها الطرفان في إطار مساعي التوصل إلى حلول لقضايا شديدة التعقيد. أمَّا المداخلة الأخيرة في هذه الندوة فقد كانت بعنوان "الخلفية الثقافية للتقارب الإيراني - الأميركي"، وقد قدمها الدكتور رشيد يلوح الباحث في المركز العربي، وتناول فيها التقارب الإيراني - الأميركي الأخير من زاوية نظر الدراسات الثقافية، وذلك من خلال استعراض تاريخ العلاقات الثقافية بين طهران وواشنطن. ورصد يلوح في هذه المداخلة مجموعةً من المسارات الثقافية التي يوظفها الطرفان لحفظ الحدّ الأدنى من العلاقة بينهما، محلِّلً إيَّاها، محاولًاستشراف الدور المحتمل للخلفية الثقافية في تحقيق توافق سياسي بين إيران وأميركا مستقبلً. وقدَّم الباحث في الجزء الأول من مداخلته عرضًا تاريخيًّا للعلاقات الثقافية الإيرانية - الأميركية، وذكر أنّ جذورها تمتدّ إلى العصر القاجاري؛ ففي إطار التنافس الاستعماري الروسي البريطاني على إيران، حاولت أميركا أن تبرز دورًا حياديًّا في علاقتها بإيران، فاختارت الأنشطة والأعمال الثقافية والتعليمية والإنسانية وسيلةً للنفوذ إلى المجال الإيراني. ونوَّه الباحث بأنّ هذه الأنشطة كانت لها نتائج

إيجابية جدًّا بالنسبة إلى الإيرانيين الذين استفادوا من تلك الخدمات بطريقة مباشرة، وبالنسبة إلى المصالح الأميركية في إيران لاحقًا أيضًا، وبخاصة في العهد البهلوي -1925(979)1؛ إذ شهدت إيران في عهد رضا شاه في المرحلة بين 9319411 و 1 نشاطًا واسعًا للمستشرقين والأنثروبولوجيين الأميركيين، وجرى تأسيس المعهد الإيراني في نيويورك 1، وفي المرحلة نفسها أُعام 931 سِّست المدرسة الأميركية في طهران برئاسة صامويل جاردن. ورأى الدكتور يلوح أنه مع بداية الحرب العالمية الثانية وصعود الولايات المتحدة بدأت السياسة الثقافية الأميركية تجاه إيران تُؤَسَّس وتأخذ مكانها في برامج الرؤساء الأميركيين المتعاقبين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. أمّا بعد الحرب العالمية الثانية وخروج روسيا من شمال إيران فقد أكَّد الباحث أنّ النفوذ الثقافي الأميركي بدأت قوَّته تشتدّ، وبدأ يأخذ أبعادًا سياسيةً؛ ففي هذه الفترة سِّس راديو صوت أميركا، تحديدًا عام أ 9491، وفي السنة نفسها وقَّع الإيرانيون والأميركيون اتفاقيتين في المجال الثقافي، وهما اللتان مهَّدتا الطريق لتأسيس مجموعة من المؤسّسات الثقافية والاجتماعية بين إيران وأميركا، مثل مؤسّسة إيران وأميركا IAS() التي جرى افتتاحها في أوسط خمسينيات القرن الماضي، ومعهد الشرق الأدنى والشرق الأوسط في جامعة كولومبيا سنة 950.1 وفي هذه الفترة نفسها قام علماء الآثار الأميركيون بحفريات واسعة داخل إيران. وفي عهد رئاسة وزراء محمد مصدق 953-1951()1 حاولت أميركا الاستفادة من نتائج جهدها الثقافي والعلمي مع إيران للحصول على المزيد من الامتيازات السياسية والاقتصادية، وذلك في ظلّ انحسار النفوذ البريطاني والسوفياتي بعد تأميم النفط الإيراني ورغبة مصدق في بناء علاقات إيجابية مع الأمريكيين، لكنّ انقلاب 9531 الذي قادته وكالة الاستخبارات الأميركية بالتعاون مع بريطانيا (تحت مسمى عملية أجاكس) وضعت حدًّا لذلك الطموح الاستقلالي عند مصدق، وألحقت ضررًا كبيرًا بالمصالح الثقافية الأميركية داخل المجتمع الإيراني. وفي الجزء الثاني من المداخلة تطرَّق الباحث إلى العلاقات الثقافية الأميركية الإيرانية بعد ثورة 9791، وإلى كيفيَّة تراجعها إلى أدنى مستوى لها نتيجة مجموعة من الأحداث والصدامات العنيفة التي عمَّقت الشرخ بين الطرفين. فطَوال الخمسة والثلاثين عامًا الماضية، كان شعار "الموت لأميركا"، وشعار "الشيطان الأكبر" يُلخِّصان بتركيز شديد النظرة الأيديولوجية الإيرانية للطرف الأميركي، ويروِّجان صورةً نمطيَّةً لإيران الدولة الراعية للإرهاب الدولي، ومحور الشرِّ أيضًا. لكنّ الباحث نوه بأنّ هذا الوضع التصادمي لم يؤثِّر في الإمكانات الثقافية المشتركة بين الطرفين التي حفظت الحد الأدنى من العلاقة بينهما. وتطرق الباحث في الجزء الأخير من مداخلته إلى فوز الرئيس المعتدل حسن روحاني، واعتقاد الأميركيين أنّ انتخابه سيعطي فرصةً جديدةً للعلاقات الثقافية الأميركية، وخصوصًا أنّهم يعدّون العامل الثقافي الضامنَ الأساسيَّ للمصالح الأميركية مع إيران، وأنه بإمكانه أن يؤدِّيَ دور الموجِّه لأيّ تقارب سياسي محتمل. وتناول الباحث رؤية روحاني التي تتمثّل بأنّ إعادة إيران إلى الساحة الدولية وإخراجها من عزلتها وأزماتها الاقتصادية لن يكون إلا بالتفاهم مع أميركا التي وصفها ب "مختار العالم"، وقد ساهم ذلك في عودة العلاقات الثقافية الإيرانية الأميركية والتمكين لها، على خلاف نجاد الذي اعتمد التبشير بالمهدوية وسيلةً لتسويق إيران خارجيًّا. ورصد الباحث خمسة مسارات ثقافية يضطلع بها الإيرانيون والأميركيون لتجاوز القطيعة السياسية بينهما والتحكم في تقاربهما، وقد سمَّ ها: الدبلوماسية الشعبية، ودبلوماسية العلوم، ودبلوماسية الشعر واللغة، ودبلوماسية التقاليد والأعياد، ودبلوماسية الآثار، ثمّ خلص في النهاية إلى ما يلي: إنّ تتبع مسار العلاقات الثقافية الأميركية الإيرانية يؤكِّد بجلاء محورية الطرف الأميركي فيها وتفوقه؛ فالأميركيون يبادرون دائمًا ببرامج وسياسات تسعى لاقتحام المجال الإيراني ثقافيًّا وضبطه، وربما كان هذا التفاوت في العلاقة بين الطرفين هو السبب في احتراز الطرف الإيراني الذي عبَّ عنه مرشد الثورة، باستمرار، ب "خطر النفوذ الثقافي الأميركي." ينظر الأميركيون والغرب إلى إيران، عمومًا، بوصفها دائرةً حضاريةً منفردةً يُ كن فصلها عن الدائرة الحضارية العربية الإسلامية، انطلاقًا من نتائج أبحاث المستشرقين في مجالي الأنثروبولوجيا والأركولوجيا التي حاولت صناعة شخصية قومية إيرانية بعيدًا من المؤثرات الإسلامية، على أنّ الكثير من تلك الأبحاث كانت موجهةً أيديولوجيًّا، مفتقرةً إلى معايير البحث العلمي الموضوعي. هناك اقتناع راسخ عند مراكز التفكير والقرار في الولايات المتحدة الأميركية بأنّ ضمان مصالح أميركا القومية مع إيران ينبغي أن يكون على أساس ثقافي، وأنّ الإيرانيين أنفسهم، داخل النظام الحاكم وخارجه، مقتنعون بدرجات متفاوتة ومن زوايا نظر مختلفة أيضًا،

بأنّ الثقافة هي العامل الأكثر تأثيرًا في تنظيم العلاقة بالغرب. ثمّ إن كلًّ من الطرفين الأميركي والإيراني ينطلق من مرجعية نظرية تؤطرها فكرة الصراع والتدافع الثقافي الحضاري التي تخلص إلى أنّ البقاء والنفوذ سيبقى في النهاية للأصلح. فوز رئيس معتدل في إيران لا يرجع إلى الأزمة الاقتصادية والعزلة الدولية وتقلَّص النفوذ الإيراني بتراجع قوَّة النظام السوري فحسب، بل إلى عوامل ثقافية وحضارية ساهمت في بلورة اقتناع إيراني مشترك عند جميع التيارات والقوى النافذة في الحكم مفاده أنّ على الجمهورية الإسلامية أن تدخل عهدًا ثقافيًّا جديدًا تنفتح فيه على مكتسبات الحضارة الغربية؛ لأنّ الوضع، اليوم، مختلف عن سبعينيَّات القرن الماضي وثمانينيَّاته، فأميركا لم تعد اللاعب الوحيد في العالم، والثقافة أصبحت سوقًا عالميةً يستثمر فيها الجميع، ولم يَعُد العالم يسمح بوجود دولة منعزلة تستهلك طاقتها في منْع الثقافات والأنماط الاجتماعية الوافدة من الخارج. توافر المسارات الثقافية الفاعلة في التقريب بين طهران وواشنطن يمثِّل أرضيةً ملائمةً لوصول الطرفين إلى توافق سياسي مستقبلً. وجدير بالذكر أنّ الطرفين حاولا في ما سبق الاستفادة من تلك المسارات لإنجاح التقارب بينهما، لكن محاولاتهما باءت بالفشل، وقد لاحظنا ذلك قبل الثورة وبعدها، ونعتقد أنه - على عكس المحاولات السَّابقة - يمكن أن يُؤديَ إشراف المرشد علي خامنئي على المسلسل التقاربي الحالي إلى فرص كبيرة للنجاح. يمكن للدبلوماسية العربية أن تستفيد من الإمكانات الواسعة التي يوفرها المجال الحضاري العربي الإيراني المشترك للدفع نحو تقارب عربي إيراني يحفظ المصالح القومية العربية واستقرار المنطقة. استحوذت انعكاسات إمكانية تعزيز التقارب الإيراني - الأميركي الحاصل منذ اعتلاء حسن روحاني رئاسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على الحيّز الأكبر من النقاش الذي تلا محاضرات الندوة. وأشار المحاضرون وعددٌ من المتدخّلين في النقاش من جمهور الباحثين والمهتميّن الذين حضروا الندوة، إلى أنّ العرب قد يكونون أكبر خاسر في هذا التقارب إن حدث؛ بالنظر إلى أنّ المساومات التي ستحكم هذا التقارب تتعلّق بالعديد من قضايا الوطن العربي، إضافةً إلى إمكانية تعزيز النفوذ الإقليمي الإيراني على حساب العرب وخصوصًا في ظلّ انشغال الدول العربية الكبرى بأوضاعها الداخلية؛ مثل مصر والسعودية، وبأوضاع دولٍ عربية أخرى مثل سورية. ولكنّ المحاضرين ركّزوا على التقليل من فرص بلوغ التقارب الإيراني - الأميركي مستوياتٍ متقدّمةً. وقال الدكتور محجوب الزويري إنّه ينبغي ألا نبالغ في الذهاب إلى استنتاجاتٍ سريعة؛ فالعلاقة بالغة التعقيد، والحذر المتبادل في عمليَّة التقارب بين البلدين شديد. ورجَّح أن تكون التطوّرات الأخيرة نوعًا من "التكتيك" الإيراني لمواجهة ما تعرّضت له صورة "إيران الثورة" من تشوُّهٍ بسبب مواقفها من الثورات العربية. وفي هذا السِّياق يرى الدكتور مروان قبلان أنّ الموضوع أصعب كثيرًا ممّ يُحكى عنه في الإعلام. وأمّا الدكتور رشيد يلوح فهو يعتقد أنّ إيران والولايات المتحدة قد تجدان في المحاور الثقافية أرضيةً جيّدةً للتقارب مستقبلً.