العلاقات السعودية - الأميركية: انفراط عقد التحالف أم إعادة تعريفه؟
الملخّص
تحاول هذه الدراسة من خال الإضاءة على جذور التحالف السعودي - الأميركي رصد التغيّرات التي طرأت عليه، والهز ات التي تعرّض لها، في محاولةٍ لاستشفاف إن كان يتعرّض في هذا الوقت تحديدًا لأزمة قد تؤدي إلى إنهائه، وفق ما يجري الترويج له في دوائر معينة نظرًا "لانتفاء" أو تغيّر عوامل استمراره، أو أنّ ما يجري لا يعدو كونه محطة افتراقٍ مؤقتة فرضها الاختاف في قراءة كلِ طرفٍ مصالحه، ثم تعود العاقة بعدها إلى وضعها المعتاد. من النتائج المهمة التي توصلت إليها الدراسة أنّ القراءات التي تذهب باتجاه السعودي أو إحال تحالفٍ أميركي – القول بانهيار التحالف الأميركي - إيراني مكانه، هي تصورات لحظية تعكس في معظمها تفكيرًا رغبويا thinking wishful غير مستندٍ إلى وقائع، ولا يتميّز بالعمق. فالانحياز الأميركي إلى إيران على حساب السعودية هو أمر غير ممكنٍ سياسيًا، وغير مفيدٍ إستراتيجيًا، بالنسبة إلى واشنطن في ظل ظروف الاستقطاب الراهنة على الأقل.
مقدمة
شهدت العلاقات السعودية - الأميركية على امتداد العقود الستة الماضية حالات تقاربٍ وتباعدٍ وفق رؤية الطرفين لمصالحهما القومية، واعتمادًا على الظروف السائدة في البيئتين الإقليمية والدولية. وبخلاف الاعتقاد الشائع، لم تكن العلاقات بين الرياض وواشنطن في حالة وئامٍ دائمٍ، بل شهدت حالات من التوتر الشديد في منعطفات سياسية؛ كان أبرزها الحظر النفطي العربي عام 1973، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وعلى الرغم من الهزات التي تعرّض لها التحالف السعودي - الأميركي، فإنّه ظل متماسكًا.
في الآونة الأخيرة، ظهرت الخلافات الأميركية - السعودية على السطح مجددًا نتيجة اختلاف قراءة الطرفين لمجموعة من القضايا والتطورات الإقليمية، كان أهمها وآخرها الانفتاح الأميركي على إيران بعد وصول حسن روحاني إلى سدة الرئاسة فيها، وتوقيع اتفاق جنيف المرحلي بشأن الملف النووي الإيراني. وعلى الرغم من أنّ بعضهم قد ذهب إلى التأكيد على أنّ بنية النظامين الدولي والإقليمي لم تعد تسمح باستمرار التحالف السعودي - الأميركي، فإنّ القراءة الأكثر واقعية، هي أنّ إدارة الرئيس باراك أوباما تتبع مقاربة جديدة تحاول من خلالها إدماج إيران في المنطقة بعد أن أنهكتها العقوبات، ثم تقوم بتوظيف العلاقة الجديدة معها لخدمة مصالحها، ولكن من دون التفريط بعلاقاتها مع السعودية وبقية دول الخليج العربية. كما أنّ استقرار منطقة الخليج سيبقى على رأس أولويات واشنطن في المدى المنظور، وذلك لأسباب اقتصادية وإستراتيجية مرتبطة ليس بالمنطقة فحسب، بل ببنية النظام الدولي والعلاقات بين القوى الكبرى أيضًا؛ فالنفط العربي سوف يظل الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي لنحو عقدين آخرين من الزمن على الأقل، على الرغم من اكتشافات النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة. ومن الخطأ الاستنتاج أيضًا بأنّ تنامي الاهتمام الأميركي بمنطقة آسيا والمحيط الهادي يعد بّمنزلة انسحابٍ من منطقة الشرق الأوسط والخليج؛ إذ على العكس تمامًا، سوف يستدعي ازدياد الاهتمام الأميركي بالشرق الأقصى بالضرورة تمسّك الأميركيين بحماية مصالحهم في المنطقة العربية وحمايتها، ولكن بوسائل ومقاربات مختلفة.
البدايات: "صيغة" النفط مقابل الأمن وسياقات الحرب الباردة
قااات التحالف السعودي الأم كيرر إلى أك تمتد ع - رر من ستة عقود، وتقوم مبدئيًا على "صيغة" الأمن مقابل النفط التي جرى التوصل إليها Oil for Security Formula خلال الاجتماع الشهير الذي جمع مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت على ظهر البارجة الأميركية Quincy USS في البحر الأبيض المتوسط عام 1945. وبحسب هذا التفاهم، تعهدت واشنطن ضمان أمن السعودية في مواجهة أي أخطار داخلية أو خارجية مقابل التزام الرياض تأمين إمدادات نفط رخيصة للولايات المتحدة1. وقد شكّلت هذه الصيغة أحد أهم أضلع "الثالوث المقدس" Holy Trinity2 الذي حكم سياسة واشنطن في منطقة الشرق الأوسط طوال سنوات الحرب الباردة، وتشمل: تأمين إمدادات نفط رخيصة للاقتصاد الأميركي والعالمي، ومنع التغلغل الشيوعي في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وحماية أمن إسرائيل. في العموم، كانت السياسة السعودية منسجمةً مع ضلعي الثالوث الأولين؛ تأمين النفط ومواجهة الشيوعية، لكنّ الضلع الإسرائيلي في الإستراتيجية الأميركية كاد يهدِّد صيغة التفاهم القائمة في أكثر من مناسبة. فقد اضطر الموقفُ الأميركي من الصراع العربي - الإسرائيلي الرياضَ إلى تعليق "صيغة" النفط مقابل الأمن في مناسبتين على الأقل، أولاهما عندما فرضت حظرًا نفطيًا جزئيًا على الغرب عقب العدوان
الإسرائيلي عام 1967، وثانيتهما عندما فرضت حظرًا آخر أوسع نطاقًا خلال حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 3. لكنّ العمل بهذه "الصيغة" عاد بصورة أقوى بعد ذلك، وجرى تمتين عرى التحالف بعد التفاهم الشهير الذي جرى بين الملك فيصل بن عبد العزيز ووزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر؛ وتمكّن الأخير بمقتضاه تحقيق فكّ اشتباكٍ على الجبهتين المصرية والسورية عام 1974 4. وعلى الرغم من تنامي شكوك السعوديين في قدرة الولايات المتحدة على الالتزام بتعهداتها في ما يتعلق بتوفير الأمن لهم بعد أن عجزت عن ذلك تجاه نظام الشاه في إيران عام 1979، ثمّ الهزة التي تعرضت لها العلاقة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ظلت السعودية تؤدي دور الضامن لإمدادات الطاقة للولايات المتحدة طوال العقود الثلاثة الأخيرة5؛ فتدخلت لتعويض النقص الذي نتج من معظم الهزات التي شهدتها المنطقة ابتداءً بالثورة الإيرانية، ثم الحرب العراقية - الإيرانية، فغزو الكويت، وخروج العراق على فترات من السوق النفطية، وصولً إلى تعويض خسارة الأسواق للنفط الإيراني عندما فرضت إدارة أوباما بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي حظرًا على تصدير النفط الإيراني بسبب أزمة البرنامج النووي خلال العامين 2012 و 2013 6. أما الوجه الآخر لهذه العلاقة خلال فترة الحرب الباردة فتمثّل في رؤية الطرفين المشتركة للخطر الشيوعي ممثلً بالاتحاد السوفيتي وتعاونهما لمواجهته7. وخلال الخمسينيات والستينيات وجدت واشنطن نفسها في تحالف طبيعي مع القوى الإسلامية والأنظمة المحافظة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها السعودية8. فقد كان الإسلاميون في عداء مع أفكار الإلحاد، فيما كانت الأنظمة المحافظة تعد التيارات والقوى اليسارية الحليفة لموسكو تهديدًا خطيرًا لوجودها واستمرارها9. ومنذ مطلع السبعينيات، ومع تنامي مشاعر العداء في الداخل الأميركي للتدخلات العسكرية المباشرة بسبب الحرب في فيتنام، اتجهت واشنطن نحو تعزيز قوة حلفائها الإقليميين. ووفقًا لنظرية "الأعمدة التوأم" Pillars Twin 10، والتي أشرف على وضعها مستشار الأمن القومي الأميركي حينذاك هنري كيسنجر، أصبحت الرياض اعتبارًا من عام 1971 الركن الرئيس الآخر في إستراتيجية واشنطن في منطقة الخليج إلى جانب إيران11. وقد ازدادات قوة هذا التحالف من خلال البناء عليه في السنوات العشر الأخيرة من الحرب الباردة مع اتجاه الاتحاد السوفيتي، متشجعًا بهزيمة أميركا في فيتنام، إلى اعتماد سياسة أكثر تصادمية بدءًا من أواخر السبعينيات عندما قام بغزو أفغانستان، منهيًا بذلك حقبة الانفراج الدولي Détente في العلاقات مع واشنطن والتي بدأت بتوقيع اتفاق خفض الأسلحة الإستراتيجية الهجومية والصورايخ الباليستية SALT1() عام 1972 12. وجاءت الثورة الإسلامية في إيران لتزيد من أهمية السعودية في حسابات واشنطن الإستراتيجية وتحولها إلى ما اعتبره الرئيس جيمي كارتر الحليف الأهم للولايات المتحدة في الساحة الدولية13. وعلى الرغم من المرارة التي سببتها الثورة الإيرانية خاصةً بعد أزمة الرهائن واقتحام السفارة الأميركية في طهران، ظهر مفهوم "الحزام الأخضر" Belt Green Teh الذي نَظَّر له وليم كوانت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة برينستون الذي انتقل في ما بعد ليصبح مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الذي ترأسه زبغينو بريجنسكي
في إدارة الرئيس كارتر14. أخذ بريجنسكي بنظرية الحزام الأخضر التي تقوم على فكرة بناء تحالف من دول إسلامية لمنع الاتحاد السوفيتي من الوصول إلى المياه الدافئة ومنابع النفط في الخليج، وقام بزيارة معسكرات المجاهدين الأفغان في باكستان حيث توصل هناك إلى صيغة لهزيمة موسكو تقوم بموجبها السعودية بتقديم المال، والاستخبارات المركزية الأميركية بتدريب المجاهدين الأفغان، ويقوم كل من المغرب ومصر بشراء الأسلحة من الأسواق الدولية، أما الاستخبارات العسكرية الباكستانية فتعمل على التنسيق لوجستيًا بين جميع الأطراف على الأرض15. وقد أدت هذه الصيغة إلى هزيمة السوفييت وإرغامهم على الخروج من أفغانستان بدءًا من عام 1989 16.
من نهاية الحرب الباردة إلى هجمات سبتمبر 2001
جدّدت الولايات المتحدة التزامها حماية مصالحها في الخليج، ومنع أي قوة إقليمية أو دولية من السيطرة على هذه المنطقة الإستراتيجية عندما دخلت في مواجهة عسكرية مباشرة كانت الأولى لها بعد حرب فيتنام لإخراج العراق من الكويت عام 1991. ثم نجحت في تحجيم قدرات العراق وإيران معًا من خلال فرض ما أصبح يعرف لاحقًا بسياسة "الاحتواء المزدوج" Containment Dual، والتي وضعها مارتن إنديك مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط في إدارة الرئيس بيل كلينتون وأشرف على تنفيذها17. كانت السعودية منسجمة في العموم مع سياسة احتواء القوتين الإقليميتين في منطقة الخليج (إيران والعراق)، واعتبرت أنها تأكيد على التزام الولايات المتحدة صيغة الأمن مقابل النفط. لكنّ واشنطن، التي أصبحت أكثر ارتياحًا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي واحتواء دور كلٍ من إيران والعراق، كانت تخطط لتقليل اعتمادها على نفط منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، وبخاصة العنصر العربي السعودي فيه؛ من خلال تنويع وارداتها وزيادتها من دول غير أعضاء في المنظمة مثل روسيا والمكسيك والنرويج وكندا18. ومع تصاعد نفوذ حركات الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط وبدء الترويج لفكرة صراع الحضارات19، بدأت الولايات المتحدة تتحوّط لاحتمال وقوع اضطرابات وانقطاع واردات النفط من المنطقة العربية20؛ لذلك أخذت تحث الشركات الأميركية على زيادة استثماراتها في حقول نفط بحر قزوين وتخطّط لبناء خط أنابيب يمتدّ من جمهوريات آسيا الوسطى عبر أفغانستان إلى موانئ باكستان على بحر العرب، والتركيز على الاكتشافات الجديدة في أفريقيا والعمل بسرعة على إدخالها في طور الاستثمار. كما توجهت نحو تشجيع روسيا على تأهيل منشآتها النفطية وزيادة حصتها السوقية على حساب دول أوبك، وعلى رأسها السعودية21. وقد أثّرت هذه السياسة بصورة كبيرة في السعودية التي دخلت في مواجهات عديدة مع المنتجين الآخرين للحفاظ على أسعار مقبولة من جهة، والدفاع عن حصتها في السوق النفطية من جهة أخرى. خلال هذه الفترة، حاولت السعودية السير على حبلٍ مشدودٍ في سياستها النفطية؛ فقد ظلت ملتزمة تفاهمها مع الولايات المتحدة في ما يتعلق بتأمين إمدادات نفط كافية وبأسعار معقولة من جهة، ومن جهة أخرى سعت لمواجهة متاعبها المالية الناجمة أساسًا عن حرب الخليج الثانية 1991()، وكذلك الحفاظ على حصتها في الأسواق العالمية لأنّ النفط لم يعد سلعة تجارية فحسب، وإنما أيضًا سياسية بدرجة كبرى22. ولتحقيق هذه الأهداف مجتمعة وبشكل متزامن دخلت السعودية
في مواجهات مع عددٍ من المنتجين الكبار كان أهمها مع فنزويلا في عامي 1996 و 1997 عندما تمكنت كراكاس من زيادة حصتها النفطية إلى ثلاثة ملايين برميل في اليوم وإزاحة السعودية عن مكانتها بوصفها مصدّرًا أول للنفط إلى السوق الأميركية. وردّت السعودية بالدخول في حرب أسعار مع فنزويلا عن طريق زيادة إنتاجها بمعدل مليون برميل في اليوم؛ ما أدى إلى انهيار الأسعار في عام 1998. وكان من نتائج هذه الحرب تراجع فنزويلا عن سياستها، واستعادت السعودية مكانتها في الأسواق الأميركية، واضطرت دول أخرى من خارج أوبك مثل النرويج والمكسيك إلى مهادنة الرياض، لكن التكاليف التي تكبدتها السعودية نتيجة محاولة الأميركيين ضرب المنتجين الكبار بعضهم ببعض كانت كبيرة، نظرًا لانهيار أسعار النفط خلال هذه الفترة23.
هجمات سبتمبر 2001 واهتزاز التحالف
ألقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ظلالً ثقيلةً من الشك على العلاقات الأميركية – السعودية، وتزايد التوتر مع صدور دعوات في الغرب لتغيير أنظمة، وإعادة رسم خرائط، وبناء تحالفات جديدة والتخلي عن أخرى قديمة24. وقد ترافق ذلك كله مع غموض متعمد في السياسة الأميركية تجاه السعودية، تجسّد في عدم التعليق على هذه الدعوات. من جهة أخرى، بدأ الغمز من قناة الرياض بما أن 15 من بين الانتحاريين ال 19، إضافة إلى زعيم تنظيم القاعدة نفسه أسامة بن لادن، هم من السعوديين؛ وذلك لكي تحمِّلها جزءًا من المسؤولية عما حدث25، والتشكيك في نواياها تجاه الولايات المتحدة، حتى إنّ بعضهم ذهب إلى وصف السعودية بأنها عدو للولايات المتحدة26. وفق هذه المعطيات وما تبعها من تطورات، أخذت الرياض تشعر بحجم الضغوط الممارسة عليها، وبخاصة بعد أن راحت دوائر غربية تدعو إلى إنهاء العمل بصيغة النفط مقابل الأمن والاعتماد على نفط روسيا وبحر قزوين بدلً من النفط العربي. وكان ذلك من الأسباب التي حدت بولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز فتح حقول النفط مجددًا أمام الاستثمارات الأجنبية بعد ثلاثة عقود من إغلاقها بغرض تطوير صناعة استخراج النفط وتحسين مكانة بلاده النفطية على الساحة الدولية عبر تأمين مزيد من القدرة الاحتياطية من جهة، وربط مصالح الشركات النفطية الأميركية باستقرار السعودية من جهة أخرى27. لكنّ أزمة الثقة بين واشنطن والرياض كانت تتزايد؛ إذ رفضت السعودية السماح للأميركيين باستخدام أراضيها في الهجوم على أفغانستان بسبب المعارضة الداخلية الشديدة، على الرغم من أنها دعمت قرار مجلس الأمن الذي اعتبر الحرب الأميركية على أفغانستان بمنزلة دفاع عن النفس في مواجهة عملٍ إرهابي. كما عارضت السعودية قرار الحرب على العراق، مع أنها سمحت للقوات الأميركية باستخدام أجوائها في العمليات العسكرية ضده28، لكنها ما لبثت أن طلبت مغادرة جميع القوات الأميركية المتمركزة في قاعدة الظهران منذ حرب "تحرير الكويت" عام 1991 29. وفي حين كانت السعودية تحاول احتواء الضرر الذي لحق بتحالفها مع واشنطن، وطرح الأمير عبد الله مبادرة السلام العربية في مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002، ليجدّد التزام بلاده خط "الاعتدال" الذي ذهب إلى حد الاعتراف بإسرائيل، والتطبيع معها إذا قامت بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، فإنّ هذه المبادرة لم تلق اهتمامًا كبيرًا في واشنطن المنشغلة بالإعداد لغزو العراق، وتوسيع جبهات الحرب على الإرهاب30.
غزو العراق و"تغوّل" النفوذ الإيراني
منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، شكّل العراق بالنسبة إلى السعودية وبقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حائط صدٍّ أساسيّ في مواجهة النفوذ الإيراني ومساعي تصدير أفكار الثورة. لذلك دعمت الرياض الجهد العسكري للعراق في حربه مع إيران 1988-1980، وقدمت له كل أشكال الدعم السياسي والمادي31. وعلى الرغم من أنّ العلاقات مع العراق ساءت كثيرًا بعد قيامه بغزو الكويت عام 1990 واستضافة السعودية القوات الأميركية التي قامت بتحريرها، فإنّ الرياض عارضت مخططًا أميركيًا حينها لإطاحة صدام حسين وتغيير نظام البعث، لأنّ ذلك يعزّز النفوذ الإيراني، وقد يؤدي إلى وقوع العراق كليًا تحت الهيمنة الإيرانية32. لذلك اكتفت السعودية بتأييد إخراج العراق من الكويت واحتوائه مع إيران33، فيما قامت هي بتعويض جزء من حصص الطرفين في السوق النفطية سواء أكان ذلك نتيجة عدم القدرة على التصدير بسبب الحصار في حالة العراق، أم بسبب تهالك الصناعة النفطية بسبب العقوبات في حالة إيران. عندما وقعت هجمات سبتمبر 2001، كانت السعودية مرتاحة في العموم إلى عملية الاحتواء المزدوج لخصميها في المنطقة (العراق وإيران)؛ لذلك كان من الطبيعي أن تبدي عدم تحمّسها لفكرة غزو العراق، لكنّ قدرتها على التأثير في القرار الأميركي كانت محدودةً نظرًا للنفوذ الكبير الذي كان يتمتع به المحافظون الجدد في إدارة جورج بوش الابن وإصراراهم على استثمار حالة الصدمة الشعبية الناجمة عن هجمات سبتمبر لتنفيذ أجندتهم في الشرق الأوسط وعلى رأسها إطاحة نظام صدام حسين. من جهة ثانية، كانت قدرة السعودية على التأثير في سياسة واشنطن في المنطقة قد ضعفت إلى حد كبير نظرًا لانتهاء ظروف الحرب الباردة، فضلً عن الضرر الكبير الذي لحق بالرياض بسبب الهجمات، فقد جرى اتهامها بأنها تشكّل بيئةً حاضنةً للفكر السلفي الجهادي الذي ضرب رموز قوة الولايات المتحدة الاقتصادية والأمنية والسياسية34. في المقابل، كانت إيران من بين أكبر المستفيدين من هجمات الحادي عشر من سبتمبر؛ إذ قامت واشنطن بعدها بالتخلص من ألد خصومها الإقليميين؛ فقد أطاحت حكم طالبان في الشرق، وقامت بغزو العراق في الغرب وتحطيم آلته العسكرية التي طالما شكلت التهديد الأمني الإقليمي الأبرز لإيران منذ ما قبل سقوط حكم الشاه عام 1979. انصرفت إيران بدأب خلال العقد التالي لبناء مقومات قوة إقليمية مهيمنة مستفيدة من الارتفاع الكبير في أسعار النفط ومن بيئة جيوبولتيكية تغيرت لمصلحتها بشدة بفعل التدخل العسكري الأميركي المباشر. وقد أدت السياسات التي اتبعتها الإدارة الأميركية وممثلوها في العراق، وبخاصة بول بريمر، إلى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية وعلى رأسها الجيش من دون القدرة على بناء بديلٍ منها. وقد أسهم ذلك في خلق حالة من الفراغ ملأته إيران وحلفاؤها تدريجيًا، وبذلك حوّلوا العراق من ندٍ لإيران إلى منطقة نفوذ لها. وقد هيمنت النخب السياسية العراقية التي كان معظمها يقيم في طهران أو يرتبط بها؛ مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وغيرها من أحزاب وميليشيات، على مقاليد السلطة في العراق. وفي هذه الأثناء، جرى استبعاد المكونات ذات الميول العروبية ما جعل إيران الدولة الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في العراق على الرغم من الحضور العسكري الأميركي35. ونتيجة للتكلفة المادية والبشرية للحرب في العراق، وتزايد الرغبة الشعبية الأميركية في الانسحاب، بدت إدارة الرئيس جورج بوش الابن في أواخر عهدها مستسلمة لطغيان النفوذ الإيراني في العراق. وقد أثار ذلك السعوديين الذين عبّ وا عن سخطهم على السياسات الأميركية في أكثر من مناسبة36، كان أهمها الهجوم الذي شنه الملك عبد الله بن عبد العزيز على قرار غزو العراق ونتائجه في المنطقة خلال مؤتمر القمة العربية الذي عقد في الرياض في آذار/ مارس 2007 37.
كما استفادت إيران من ظروف العزلة الإقليمية والدولية التي فرضت على النظام السوري عقب اتهام شخصيات فيه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري؛ إذ زادت تأثيرها ونفوذها في دمشق بعد أن تحولت إلى داعمٍ رئيسٍ لنظام الرئيس بشار الأسد. كما استغلت إيران العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 وعلى قطاع غزة في شتاء 2009/2008 لتجعل من نفسها قائدًا لمحور المقاومة في المنطقة، ولاعبًا أساسيًا في ميزان الصراع العربي - الإسرائيلي وعموم الشرق الأوسط الكبير38. مع مجيء إدارة الرئيس باراك أوباما إلى الحكم، كانت طهران تعدّ نفسها لجني الحصاد الأكبر؛ أي ربط مناطق النفوذ التي بنتها بجدٍ خلال العقد الماضي في المنطقة الممتدة من هيرات غرب أفغانستان حيث تقطن قبائل الهزارة الشيعية القريبة إلى إيران، وحتى ساحل المتوسط في بيروت وغزة، مرورًا ببغداد ودمشق39. جاء أوباما على خلفية أزمة اقتصادية ومالية عميقة، كان لا بد من احتواء تداعياتها من خلال لملمة القوة الأميركية المبعثرة في أرجاء العالم الإسلامي، وما ترتب على ذلك من استنزافٍ اقتصادي وسياسي وعسكري للولايات المتحدة. لذلك، وفور إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية الأميركية، أعلن أوباما عن نيته سحب القوات الأميركية من العراق بنهاية عام 2011، ومن أفغانستان بحلول منتصف عام 2014. وقد شكلت هذه الوعود بدايات الانسحاب الأميركي التدريجي من المنطقة، وكانت إيران تتطلع لملء الفراغ. لكنّ "الربيع العربي" حلّ مبكرًا مطلع عام 2011 في وقت لم يكن فيه الأميركيون قد أنهوا انسحابهم من العراق بعد، ولم تكن إيران قد انتهت من تنفيذ مشروعها وحصد ثمار عقدٍ من العمل الدؤوب لبناء عناصر قوتها الإقليمية. صحيحٌ أنّ "الربيع العربي" ضرب خصوم إيران (نظاما مبارك والقذافي مثلً)، لكنه ضرب حلفاءها أيضًا (في سورية وانتقلت بعض آثاره إلى العراق.) لكنّ إيران لم تكن وحيدةً في مسعى استيعاب نتائج "الربيع العربي" الذي لم يميّز حلفاءها من الخصوم، فقد حاولت كل من السعودية وأميركا أيضًا ذلك، كما سعتا للاستفادة من بعض مظاهره.
"الربيع العربي:" صعود تيارات الإسلام السياسي إلى الحكم وإعادة المراجعة
شكّلت ثورات "الربيع العربي"40 التي بدأت بتونس وامتدت لتشمل دولً عربيةً عديدةً، التحدي الأبرز لإدارة الرئيس باراك أوباما. فقد أربك تحوّل السياسة من نشاطٍ نخبويٍ ينحصر في دوائر مغلقة بعيدة عن التأثر بالمزاج العام، إلى نشاطٍ وسلوكٍ يقرره الشارع العربي وليس دوائر صنع القرار الأميركي. لقد اعتاد الساسة الأميركيون على التعامل مع نخبٍ سياسيةٍ مسيطرةٍ في العالم العربي، ما أعفاها من مسؤولية مراقبة الشارع العربي وتوقع رودود أفعاله. لذلك، لم تتفاجأ الدوائر السياسية والاستخباراتية الأميركية فحسب باندلاع ثورات "الربيع العربي"41، بل الدوائر الأكاديمية أيضًا؛ ما أسهم في جعل السياسة الأميركية مرتبكة وغير واضحة42. وما زاد الموقف الأميركي إرباكًا أنّ الثورات العربية جاءت في وقت كانت فيه إدارة أوباما مهتمة أكثر بتحقيق الاستقرار الإقليمي الذي
يفسح المجال أمام انسحاب قواتها بيسر من المنطقة، لكنها لم تكن في موقع تستطيع فيه الوقوف إلى جانب قمع تحركات المجتمعات العربية التي جاءت على شكل انتفاضات سلمية تسعى للحرية والكرامة الإنسانية. وبالمحصلة، قررت واشنطن مجاراة التغيير حتى لا تكرِّر أخطاءها في إيران خلال ثورة عام 1979 عندما تمسكت بالشاه وخسرت إيران. وحتى تتمكن من ضبط مسارات التغيير، راحت واشنطن تنسج علاقات مع القوى الصاعدة، ولذلك كان لزامًا عليها أن تتخلى عن القوى الآفلة43. كانت السعودية خلال "الربيع العربي" تقود معسكر مقاومة التغيير؛ لذلك كان من الطبيعي أن تتعارض توجهاتها مع السياسات الأميركية التي جاءت مسايرةً له. وبناءً عليه، نظرت الرياض بكثير من الشك إلى الموقف الأميركي من الثورات العربية؛ ففي الوقت الذي رفضت فيه واشنطن دعم التدخل السعودي – الخليجي في البحرين مطلع عام 2011 لقمع الانتفاضة الشيعية، قامت إدارة أوباما بالتخلي عن واحد من أوثق حلفائها في المنطقة وهو الرئيس المصري حسني مبارك. اعتبرت السعودية مطالبة إدارة أوباما الرئيس مبارك للتنحي عن الحكم مؤشرًا سلبيًا على سلوك واشنطن إزاء حلفائها في أوقات الأزمات44. وبلغ الأمر حدّ قيام الملك عبد الله اتهام الأميركيين بالمسؤولية عن الأزمة العميقة التي وصلت إليها مصر في حقبة ما بعد ثورة 25 يناير45. وقد شكّل ما عدّته الرياض دعمً أميركيًا لوصول الإسلاميين إلى السلطة في دول "الربيع العربي" أحد أهم مظاهر الخلاف السعودي - الأميركي في سياق الثورات التي شهدتها المنطقة عمومًا، ومصر بصفة خاصة؛ إذ بدأت واشنطن تبدي ميلً لحكم "إخواني" يحقّق لها جملة من المصالح في إطار سياسة جديدة طموحة للتأقلم مع التغيّ ات الإستراتيجية التي تشهدها المنطقة46. فمع اجتياح رياح التغيير معظم المنطقة العربية، أبدت الإدارة الأميركية استعدادها للتعامل مع التيارات الإسلامية المعتدلة مثل نموذج حزب العدالة والتنمية في تركيا. وبناء عليه، رحبت بوصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر عن طريق صناديق الاقتراع، في إطار ما اعتبره بعض أركان إدارة أوباما مصالحة تاريخية بين المصالح الأميركية والقيم الديمقراطية47. وقد عزّزت إعادة اكتشاف إدارة أوباما تصنيفات إدارة بيل كلينتون للتيارات الإسلامية – معتدلة ومتشددة48 - الاقتناع بأنّ لا ديمقراطية ممكنة في المنطقة العربية بمعزلٍ عن قوى المعارضة الرئيسة فيها، وهي الحركات الإسلامية، التي أخذت تقدِّم نفسها على أنها البديل الديمقراطي من الأنظمة العربية التي أفرزت سياساتها التطرف والاستبداد والفساد. أثارت هذه السياسة قلقًا شديدًا في السعودية التي أصبح بعضهم في واشنطن ينظر إليها على أنها من قوى الماضي، فيما يجري النظر إلى التيارات الإسلامية الحاكمة في تركيا ومصر على أنها قوى المستقبل التي يمكن للولايات المتحدة العمل معها49. ومن المفارقات التي فرضتها ظروف الربيع العربي أن تحوّلت السعودية إلى داعمٍ رئيسٍ لبقايا التيارات العلمانية في المنطقة العربية التي وقفت في معظمها مع قوى الثورة المضادة، أما واشنطن "البراغماتية" بطبيعتها، فاختارت أن تساير البازغ والصاعد على حساب الآفل؛ فرحبت بوصول القوى الإسلامية "المعتدلة" إلى السلطة في دول الربيع العربي، وأعربت عن استعدادها للتعامل معها50. وبلغ الخلاف السعودي - الأميركي ذروته عندما دعمت السعودية الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس محمد مرسي وحكم الإخوان في مصر. وفي الوقت الذي قررت فيه واشنطن قطع بعض المساعدات عن القاهرة كموقفٍ احتجاجي لا بد منه بسبب وقف المسار الديمقراطي والانقلاب على حكومةٍ منتخبة51، عبّ ت السعودية عن
دعمها الكامل للانقلاب ورفضها لكل الضغوط الممارسة على القيادة المصرية الجديدة وتعهدت بتقديم بديل من جميع المساعدات الغربية التي يمكن قطعها عن مصر52.
الموقف الأميركي من الأزمة السوريّة
من القضايا الخلافية الأخرى التي نتجت من "الربيع العربي" وسبّبت توترًا في العلاقات السعودية - الأميركية، الموقف الأميركي من الأزمة السوريّة. فقد عبّ ت السعودية مراتٍ عديدةٍ عن استيائها من الموقف الأميركي "الضعيف والمتردد" من نظام الرئيس بشار الأسد، وذلك بخلاف ما اعتبرته السعودية موقفًا أميركيًا حازمًا غير مبرر تجاه أنظمة كانت تعدّ حليفة للغرب في تونس ومصر مثلً. فمنذ بداية الأزمة السوريّة، أحجمت واشنطن عن اتخاذ خطوات مؤثرة من النوع الذي يمكن أن يؤدي إلى رحيل النظام السوري، واكتفت بدلً من ذلك بفرض حزمة عقوبات اقتصادية لم يكن لها - في ظل الدعم الكبير الذي تلقاه النظام من حلفائه وبخاصة من إيران - تأثير كبير على حسابات دمشق. وظل الموقف الأميركي لأكثر من عامين يتراوح بين دعوة الرئيس الأسد للتنحي وبأنه فقد شرعيته وإدانة سياساته في التعاطي مع الأزمة، وبين استمرار واشنطن في رفض التدخل عسكريًا على غرار ما فعلت في ليبيا، ورفض تسليح المعارضة السوريّة بحجة التخوف من وقوع هذه الأسلحة في يد جماعات متشددة من جهة، وعدم ظهور بديل مقنع من نظام الأسد يكون كفيلً بتسريع إسقاطه، من جهة أخرى53. ولأسباب جيوسياسية بحتة، رأت الرياض أنّ تفرَّد إيران بالنفوذ في العراق خاصّةً بعد انسحاب الأميركيين مع وجود قوي لها في سورية، سوف يطوّقها بهلال نفوذ إيراني54 يمتدّ شمال شبه الجزيرة العربية في كل من العراق والشام55، فضلً عن تزايد المخاوف من تصاعد التأثير الإيرانيّ في اليمن حيث التمرّد الحوثي، ومحاولات طهران التدخّل في الشؤون الداخلية لدول خليجية عدّة حيث توجد أقلّيات شيعيّة مهمّة. لذلك، عندما اندلعت الثورة السوريّة، لاحت للرياض فرصة لتصحيح موازين القوى لمصلحتها عبر تحويل سورية من حليفٍ لإيران إلى خصمٍ لها، وبما يشكّل حائطَ صدٍّ لنفوذها الإقليميّ المتعاظم، بعد أن فقد العراق إمكانيّة القيام بهذا الدّور56. لقد تحوّلت سياسة إسقاط النظام المؤيّد لإيران في دمشق وإنشاء نظامٍ بديل يكون قريبًا من الرياض ويشكّل حليفًا إستراتيجيًّا لها إلى أولوية أمنية كبرى بالنسبة إلى السعودية التي دعت إلى استخدام القوّة العسكريّة لإطاحة النظام السوري، إمّا عبر تسليح المعارضة أو عبر تدخل عسكري إقليمي أو دولي57. لذلك لم يكن مفاجئًا حجم الاستياء السعودي عندما تراجعت إدارة أوباما عن توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري بسبب استخدامه السلاح الكيماوي في غوطتي دمشق في آب/ أغسطس 2013؛ إذ انتقدت الرياض بشدة توجّه الأميركيين إلى عقد اتفاق مع روسيا لتسليم الأسلحة الكيماوية
السورية وتدميرها، بدلً من معاقبة النظام على فعلته. وقد لاقت هذه الصفقة استحسان الإيرانيين والروس والإسرائيليين ودعمهم58. وقد بلغ الاستياء السعودي من الموقف الأميركي بخصوص الاتفاق الكيماوي السوري حد التهديد بوقف كل أشكال التعاون مع واشنطن59. وكبادرة احتجاجية لافتة، رفضت السعودية في تشرين الأول/ أكتوبر 2013 تسلّم عضوية مقعدٍ غير دائمٍ لمدة سنتين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جرى انتخابها لشغله. وتستكمل بهذه الخطوة مسارًا بدأ عندما قرر وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل إلغاء كلمة بلاده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في وقت سابق من الشهر نفسه60. وقد علّلت السعودية قرارها رفض العضوية بعجز المجلس عن "وضع حدٍ فاصلٍ وسريعٍ لمعاناة الشعب السوري" وحملة الإبادة التي يشنها النظام السوري ضده "مستخدمًا كل أنواع الأسلحة التقليدية وغير التقليدية"، كما جاء في خطاب سفيرها لدى الأمم المتحدة خلال الجلسة المخصصة لمناقشة قضايا الشرق الأوسط61.
التقارب الأميركي - الإيراني والاتفاق النووي
بقدر ما كانت إطاحة النظام السوري تشكِّل أولويةً بالنسبة إلى السعوديين، كان الأميركيون منشغلين بقضايا عمّقت خلافاتهم مع السعودية، وتحديدًا فتح حوارٍ سري مع إيران. لقد شكّلت إيران، إلى جانب السعودية، الركن الآخر في الإستراتيجية الأميركية في منطقة الخليج خلال عقود الحرب الباردة الأولى 1979-1946. ومنذ أن ساعدت الاستخبارات الأميركية في إطاحة رئيس الوزراء الإيراني الأسبق محمد مصدق وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم عام 1953 وحتى الثورة الإيرانية عام 1979، ساهمت الولايات المتحدة في تحويل إيران إلى قوة عسكرية مركزية في الخليج لصدّ المدّ الشيوعي من جهة، وضمان أمن إمدادات الطاقة من جهة أخرى62. خلال عقود الثورة الثلاثة الماضية دخلت واشنطن وطهران في حالة عداء مستحكم. وعلى الرغم من أنّ مصالح البلدين تقاطعت في بعض الفترات خاصةً خلال عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي عندما قامت واشنطن بغزو كل من أفغانستان والعراق، فإنّ العداء ظل السمة البارزة للعلاقات بين البلدين حتى انتخاب الرئيس حسن روحاني صيف عام 2013 وبدء رحلة التقارب. شكل الكشف عن مفاوضات سرية أميركية - إيرانية بدأت منذ وصول أوباما إلى السلطة مطلع عام 2009، وتكثّفها منذ أواخر عام 2011، صدمةً لحلفاء واشنطن في الخليج، وبخاصة السعودية، وذلك على الرغم من بدء الحديث عن تقارب أميركي - إيراني منذ انتخاب حسن روحاني في حزيران/ يونيو 2013. وقد أسفرت هذه المفاوضات عن الإعلان عن التوصل إلى اتفاق مرحلي في جنيف في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 لحل أزمة البرنامج النووي الإيراني، والتي استمرت نحو عشر سنوات63. وبموجب الاتفاق، التزمت إيران بتحقيق معظم الشروط الغربية بما فيها عدم ممارسة نشاطات تخصيب اليورانيوم بنسبة تفوق خمسة في المئة خلال فترة الاتفاق، مع عدم القيام بأي نشاطات ترمي إلى تطوير منشآت إنتاج الوقود النووي في نطنز وفوردو. ووافقت أيضًا على وقف العمل في بناء مفاعل أراك الذي يعمل بالماء الثقيل والمخصص لإنتاج البلوتونيوم، ووقف تصنيع الوقود اللازم لتشغيله. كما تعهّدت بعدم تشييد أيّ منشآت نووية جديدة متعلقة بتخصيب اليورانيوم، وعدم القيام بأي عمليات إعادة تأهيل للمواد النووية أو تشييد منشآت لها القدرة على إعادة التأهيل، وذلك كله مقابل رفعٍ جزئي للعقوبات الاقتصادية64.
جاء رد فعل السعودية على الاتفاق النووي مرتبكًا، فرفضته أول الأمر65، ثمّ رحبت به شرط توافر "حسن النوايا "66، فعادت بعد ذلك وحذرت من الصفقة؛ ما يوضح أنّها لم تكن تشعر بارتياح تجاه التقارب الإيراني - الأميركي فضلً عن أنها كانت متفاجئة من عقد الاتفاق الذي جرى بغير علمها. من جهة أخرى، اعتبرت السعودية أنّ الاتفاق لا يقلّص مشاكلها مع إيران67 ولا يعالج قضايا تعتبر أكثر أهمية بالنسبة إليها68. فالموضوع النووي مع أهميته، لا يشكل المفصل الوحيد والرئيس في العلاقات بين الرياض وطهران، فهناك موضوع التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لدول الخليج العربية ومحاولة زعزعة الاستقرار في بعضها، فضلً عن محاولات بناء قوة إقليمية إيرانية مهيمنة عبر إنشاء قواعد نفوذ وتأثير في سورية والعراق واليمن ولبنان وغيرها69. كما أنّ تخلي إيران عن برنامجها النووي لا يعني أنّ التهديد الإيراني قد زال؛ فالتهديد الحقيقي بالنسبة إلى السعودية وغيرها من دول مجلس التعاون يتمثل في ترسانة الأسلحة التقليدية التي تمتلكها إيران وأهمها آلاف الصواريخ الباليستية القادرة على بلوغ كل نقطة في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية، ويعتبر خطرها أكبر من خطر امتلاك سلاحٍ نووي إيراني غير قابل للاستخدام من الناحية السياسية، فضلً عن كونه يسهم في إطلاق سباق نووي في المنطقة70. وفضلً عن ذلك، لا تخفي السعودية خشيتها من وجود تفاهمات غير معلنة على غرار المفاوضات السرية بين طهران وواشنطن تؤدي إلى حلولٍ على حسابها وحساب العرب في مختلف الملفات71؛ وهي مخاوف تبدو مبررة إلى حد ما72. فالإشارات التي تأتي من واشنطن لا تبدو مطمئنة للسعوديين وتؤكد مخاوفهم؛ ابتداءً من استقبال الرئيس أوباما لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي - الذي ينظر إليه على نطاق واسع في السعودية على أنه رجل إيران - ومنحه الدعم الأميركي في مواجهة "الارهاب"73، إلى معارضة أوباما إسقاط نظام بشار الأسد عسكريًا خشية وصول متشددين إلى الحكم في سورية، ثم موقفه الذي ما زال ملتبسًا من الانقلاب العسكري في مصر، وأخيرًا انفتاحه على إيران74.
هل انتهى التحالف السعودي - الأميركي؟
في ظل وجود خلافات كبيرة بين واشنطن والرياض حول عددٍ من الملفات الإقليمية الرئيسة، إضافة إلى التوجس السعودي من التقارب الأم كيرر مع إيران، هل يمكن الاستنتاج بأنّ التحالف السعودي - الأميركي قد بلغ نهايته بعد أن أدى غرضه بالنسبة إلى الأميركيين على الأقل؟75 وهل نحن على وشك أن نشهد استبدال تحالف أميركي - إيراني به؟76 من جهة أخرى، هل تبرِّ ر الاكتشافات
الكبيرة للنفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة، والتي توشك أن تحوّلها إلى أكبر منتج للطاقة الأحفورية في العالم خلال سنوات قليلة، القول بأنّ أهمية منطقة الخليج قد تلاشت في الحسابات الأميركية؟77 لا شك في أنّ مصالح إدارة أوباما ووأولوياتها اليوم تبدو مختلفة عن تلك التي تعني السعودية المنشغلة كليًا بإيران ومشروعها الإقليمي؛ فأوباما مستغرق بتنفيذ أجندته الداخلية وهو مستمر في توفير الظروف الإقليمية والدولية للخروج من المستنقع الأفغاني بعد أن نجح في الخروج من العراق. لذلك يبدو مفهومًا أن يقاوم الرئيس الذي جاء إلى السلطة بهدفٍ أساسي وهو التخلّص من آثار التورّط العسكري الأميركي في العالم الإسلامي لنحو عقدٍ من الزمن، كل الضغوط التي تدفعه نحو الدخول في نزاعات مسلّحة جديدة خاصة في منطقة الشرق الأوسط، ما دامت المصالح الأميركية لم تتعرض للتهديد على نحو مباشر. أما في إطار المصالح الأميركية الأوسع على المستوى الدولي، فتعتقد إدارة أوباما أنّ الولايات المتحدة ونتيجة استغراقها في حروب طويلة في العالم الإسلامي أغفلت تحدّيات إستراتيجية أكبر خاصة في منطقة آسيا والمحيط الهادي حيث تقبع القوى الاقتصادية والنووية الكبرى في العالم (روسيا، والصين، والهند، واليابان.) وتدرك مؤسسة صنع السياسة الخارجية الأميركية Foreign Policy Establishment أنّ روسيا والصين بخاصة استفادتا بشدة من الانشغال الأميركي عنهما في الحرب على الإرهاب لإعادة بناء قوتيهما ونفوذهما بشكل كبير78. وقد دفع ذلك إدارة أوباما إلى بلورة إستراتيجية أمنية جديدة تجعل الشرق الأقصى، والصين تحديدًا، في بؤرة الاهتمام الأميركي79، في الوقت الذي تستمر فيه في مواجهة التهديدات "الإرهابية" باستخدام تقنيات عسكرية حديثة لا تستدعي تورطًا واسعًا ولا تتطلب إنزال قوات كبيرة على الأرض، مثل استخدام الطائرات من دون طيار Drone().Wars and Unmanned Areail Veihcles -UAV لقد أثّرت أحداث "الربيع العربي" بشكل كبير في رؤية واشنطن تجاه المنطقة العربية عامة، بغض النظر عن مدى مسؤولية واشنطن عن بعض نتائجها وإخفاقاتها80. ومن الواضح أنّ الإحساس العميق بالإخفاق والفشل في التعاطي مع تطورات الربيع العربي والدفع بها نحو النتائج المرجوة أدى إلى ردود فعل بلغت في حدها الأقصى المطالبة بإدارة الظهر بصورة كاملة للمنطقة العربية، وفي حدها الأدنى إعادة تعريف المصالح الأميركية فيها81. وفي النتيجة، تبيّ للولايات المتحدة أنه لن يكون هناك ربيع في إيران ولا ثورة أو انتفاضة، وحتى لو حصل ذلك، فقد أدركت بأنّ ذلك قد لا يكون بالضرورة لمصلحتها. وسط هذه الفوضى وحالة عدم اليقين، بدأت واشنطن إعادة تعريف مصالحها في المنطقة والتفكير بإستراتيجيات بديلة من حمايتها82. في سياق هذ المشهد المعقد، وفي إطار إعادة واشنطن النظر في مجمل إستراتيجيتها على المستويين الدولي والإقليمي، برزت حدة التناقضات في رؤية كلٍ من الرياض وواشنطن لما يجري. ففي حين عبّ السعوديون عن صعوبة في فهم سبب عدم استغلال إدارة أوباما الفرصة التي أتاحتها الثورة السوريّة لتصحيح الخطأ الذي ارتكبته الولايات المتحدة في العراق قبل عقد وأدى إلى تعزيز نفوذ إيران الإقليمي83، تبدو واشنطن مهتمة أكثر بإدارة الأزمة السوريّة من خلال مقاربة تعينها في "الحرب على الإرهاب" من جهة، وتؤمّن مصالحها في الشرق الأوسط من دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر من جهة أخرى. فمن خلال الحيلولة دون انتصار طرفٍ على آخر في النزاع السوري، تمكّن الأميركيون من إنشاء ميزان قوى محلي، ومن ثمّ إقليمي؛ تنشغل فيه الأطراف المختلفة بالقتال في ما بينها، وبما يؤدي إلى توازن في القوى. دفعت هذه المقاربة الولايات المتحدة نحو إعادة النظر في علاقتها بإيران، فبدلً من أن تحاول هزيمتها في سورية، كما يرجو السعوديون84، راحت تعمل على منعها من تحقيق الانتصار، في الوقت الذي بدأت تنفتح عليها أكثر وتسعى لتعظيم الفائدة من
دمجها في ميزان قوى إقليمي بعد أن استنفد جهد عزلها وإقصائها الغرض منه. جاءت هذه المقاربة في إطار رؤية أوسع لخدمة مصالح واشنطن الأخرى في عموم المنطقة؛ فمع اق اررب موعد انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وفي ظل تدهور الوضع الأمني في باكستان، أخذت واشنطن تسعى للحصول على مساعدة إيران في سحب آلياتها العسكرية الثقيلة من أفغانستان كما حصلت على مساعدتها عندما قامت بعملية الغزو في تشرين الأول/ أكتوبر 2001، وفي كلتا الحالتين فرضت الجغرافيا نفسها على جميع الاعتبارات الأخرى85. وفضلً عن العائد السياسي والأمني للتقارب مع إيران، سوف تكون هناك مكاسب ذات طبيعة اقتصادية للشركات الأميركية التي تبدو ممتنة للقيام بإصلاح اقتصاد إيران الذي أنهكته العقوبات86. بالتأكيد، سوف يبدو المشهد الجيوبولتيكي مختلفًا في المنطقة إذا حصل توافق إيراني - أميركي، لكنّ مقاربة ميزان القوى الذي تسعى إدارة أوباما لإعادة بنائه بعد أن دمرته الحرب الأميركية على العراق قبل عقد من الزمن لن تؤدي إلى إنهاء العلاقة مع السعودية، على الرغم من جميع الاختلافات معها. وعلى العكس من ذلك، سوف يستمر ميزان القوى في تأدية وظيفته فحسب إذا حافظت واشنطن على علاقة قوية بجميع الأطراف بحيث تقوم بموازنة الجميع من خلال مواجهة بعضهم بعضًا؛ وذلك في استعارة للمشهد الذي ساد في أوروبا في القرن التاسع عشر حين أدت بريطانيا خلاله دور "بيضة القبان" لموازنة القوى الأوروبية المشكّلة للميزان، وبما يمنع طغيان إحداها على الأخرى، كما يمنع ظهور قوة مهيمنة. وهذا ما يجعل من سياسةٍ أميركيةٍ داعمةٍ بشكلٍ مطلقٍ لإيران أمرًا غير ممكنٍ من الناحية السياسية، بل سيؤدي حتمً إلى نتائج عكسية ومردود سلبي للمصالح الأميركية87. إنّ العلاقات السعودية - الأميركية التي كانت تقوم في الأساس على "صيغة" النفط مقابل الأمن بدأت تتغير بسبب اكتشافات النفط والغاز الصخري في أميركا، لكنها لن تنتهي؛ فمن جهة، لا توجد أي تقديرات تشير إلى أنّ الولايات المتحدة سوف تحقق اكتفاءً ذاتيًا 88 كاملً من النفوط السائلة حتى عام 2040. ومن جهة أخرى، فإن اهتمام أميركا بنفط الخليج لم يقتصر يومًا على تلبية حاجاتها المحلية من الطاقة، بل كانت له منافع أخرى، بعضها ذي طابع اقتصادي وإستراتيجي. من الناحية الاقتصادية، يشكل استمرار تدفق النفط من الخليج إلى الاقتصادات العالمية مصلحةً أميركيةً قصوى، لأنّ تعافي الاقتصاد الأميركي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتعافي الاقتصاد العالمي، وفي الوقت الذي تتجه فيه أميركا إلى تقليل اعتمادها على الخليج في ما يتعلق بحاجاتها من الطاقة، سوف يزداد اعتماد دول شرق آسيا - التي تشكل اليوم قاطرة الاقتصاد العالمي وبحصة تبلغ نحو 50 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي - على النفط العربي89، كما يزداد اعتماد الاقتصاد الأميركي على الاقتصادات الآسيوية التي تعد المستثمر الأكبر في سندات الخزينة الأميركية والمموّل الرئيس للحكومة الفيدرالية. لذلك ستبذل واشنطن كل جهدها من أجل ضمان استمرار تدفق النفط العربي للأسواق الآسيوية بانسيابية90. وأما إستراتيجيًا، يشكّل نفط الخليج أحد أهم وسائل الضغط الأميركي على الصين، ويعتبر الوجود العسكري الأميركي على مقربة من حقول الإنتاج في الخليج فضلً عن سيطرة الولايات المتحدة على خطوط النقل البحرية التي تمرّ عبرها شحنات النفط من أهم أدوات ممارسة النفوذ الأميركي في شرق آسيا والمحيط الهادي91. وفوق ذلك كله، سوف يبقى نفط الخليج العربي العامل الأساسي في تحديد سعر النفط عالميًا، كما أنّ تكلفته المنخفضة ستجعله دائمًا أكثر جاذبية وأكثر جدوى اقتصادية مقارنة بأنواع أخرى من الإنتاج بما فيها النفط والغاز الصخري92. لهذه الأسباب، لم تشهد الميزانية العسكرية التي طلبتها وزارة الدفاع الأميركية لعامي 2013 و 2014 تغييرًا كبيرًا في حجم الإنفاق المخصص لإعادة توزيع القوات الأميركية في المحيط الهادي، أو في ما يتعلق بحجم الالتزامات الأمنية في منطقتي الخليج والشرق الأوسط. كما أنّ
الإستراتيجية الأمنية التي أعلنتها الوزارة عام 2012 أكدت على أهمية حماية أمن الخليج بالنسبة إلى المصالح الأميركية93. أخيرًا، من الخطأ تفسير تزايد الاهتمام الأميركي بمنطقة آسيا والمحيط الهادي بأنه يشكّل انسحابًا من منطقة الشرق الأوسط والخليج. لا شك في أنّ هناك مزاجًا أميركيًا عامًا يميل إلى العزلة بعد أن دفع الأميركيون غاليًا ثمن تورطهم في نزاعات طويلة الأمد في العالم الإسلامي خلال العقد الماضي، كما أنّ هناك شكاوى من تضاؤل الاهتمام الأميركي بمختلف القضايا الدولية؛ ففي أوروبا مثلً أدارت الولايات المتحدة ظهرها لحلفائها القدماء (مثل بريطانيا) والجدد (مثل دول شرق أوروبا)94. ومع ذلك، لا يبدو أنّ واشنطن تتجه إلى الانسحاب من منطقة الخليج والشرق الأوسط95، بل من الواضح أنها تتجه إلى إعادة تعريف مصالحها وعلاقاتها معها.
خاتمة
يمكن القول إنّ العلاقات السعودية - الأميركية سوف تستمر بتأثير عوامل فوق ثنائية، مرتبطة تحديدًا ببنية النظام الدولي والإقليمي وميزان القوى الذي تسعى واشنطن لإعادة بنائه في المنطقة. وعلى الرغم من الاتجاه نحو الافتراق في قراءة كل طرفٍ مصالحه تجاه ملفات إقليمية مختلفة، فإنّ تداخل المصالح السعودية - الأميركية وتشابكها يفرض على الطرفين الاستمرار في التعاون بشكل وثيق. أما الصيغة القديمة التي حكمت العلاقات بينهما، وبخاصة مع دخول إيران على الخط واتجاه واشنطن إلى تحسين العلاقات معها، فسوف تتغيّ بالتأكيد. ويتطلب هذا الأمر من السعوديين والخليجيين تنويع علاقاتهم وتحالفاتهم الإقليمية والدولية من جهة96، وتجاوز العقبات التي تحول دون بناء منظومة أمنية وسياسية واقتصادية متكاملة لدول الخليج العربية من جهة أخرى، لأنّ الرّكون بشكل مطلق إلى واشنطن أصبح خيارًا غير واقعي97. كما يحتاج ما يبدو أنه يمثل خروجًا عن النهج التقليدي السلبي وغير المبادر للسعودية - إذ أخذت الرياض تؤدي دورًا أكثر فاعلية في الدفاع عن مصالحها خلال السنوات الثلاث الأخيرة - إلى رؤية متكاملة لسياسة أكثر فاعلية Aggressive foreign policy تعطي الأولوية المطلقة للمصالح العربية والسعودية. فعبر ستة عقود من التحالف السعودي - الأميركي، كانت المصالح الأميركية تأخذ الأولوية في هذه العلاقة، في حين ظلت السعودية تكتفي بدور المساير لواشنطن حتى لو كان ذلك على حساب مصالحها في بعض الأحيان، كما حصل خلال غزو العراق عام 2003. وبما أنّ واشنطن تقوم بإعادة تعريف علاقتها مع الرياض بما يتوافق مع المستجدات الإقليمية والدولية، يتعين على السعودية أن تعيد تعريف علاقتها أيضًا بالولايات المتحدة؛ ليس عبر تهديدات مبطنة غير ذات أثر فحسب98، وإنما أيضًا عبر القيام بدورٍ فاعلٍ في رسم مستقبل المنطقة والمشاركة المباشرة في صنع السياسات وخلق الفرص الإقليمية والدولية أو تجييرها لمصلحتها، بدلً من الاهتمام بالموقف الأميركي أو الحرص على مراعاته حتى في الشؤون المتعلقة بالمصالح السعودية الخالصة.