إيران واتفاق جنيف:

محجوب الزويري

الملخّص

تستند هذه الدراسة إلى فرضية مفادها أنّ النظام السياسي الإيراني ممثا بمؤسسة الحكم، قد قرّر المضيَّ في توقيع اتفاق جنيف بوصفه جزءًا من سلوك النظام المتواتر من أجل تجديد شرعيته داخليًّا. وترى الدراسة أنّ توقيع الاتفاق جاء نوعًا من الاستجابة للتحديات التي فرضتها الجغرافيا السياسية، وخصوصًَّا في ما يتعل ق بتبعات الربيع العربي، إضافة إلى فصول الثورة السورية وتبعاتها. وترى أيض ا أنّ مؤسَّ سة الحكم، في هذا السياق، تتجاوز بيت المرشد إلى الرئيس، ثمّ إلى البرلمان، وتتجاوز، كذلك، مؤسَّ ساتٍ تنفيذية كالخارجية، والاستخبارات، والمؤسَّ سة العسكرية المتمث لة بالحرس الثوري.

تجديد للشرعية أم استجابة لتحدّ مرحلي؟ **

مقدمة

بتوقيعها الاتفاق المرحلي1 مع المجموعة 5 + 1 (الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا الاتحادية، والصين، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا)، تكون إيران قد أنهت - مرحليًّا - سباقًا تفاوضيًّا مع هذه الدول منذ عام 2003. ويُلزم هذا الاتفاق المرحلي، ومُدَّته ستَّة أشهر، إيران تقسيمَ ما لديها من يورانيوم مُخصَّب بنسبة عشرين في المئة إلى قسمين: الأوَّل يبقى على حاله، والثاني يُخفَّض مستوى تخصيبه ويجرى التعامل معه على نحوٍ يُفقده خصائص التخصيب في مثل هذا المستوى، ويُلزمها أيضًا التعاملَ بأكثر شفافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ما يتعلَّق بمواقعها النووية وفتْحها للتفتيش، بما في ذلك التفتيش المفاجئ ولا سيما مفاعل آراك. لكنّ إيران لم تلتزم وقْف التخصيب المنخفض المستوى، كما أنها نجحت في فصْل برامجها التسليحية التقليدية عن دائرة النقاش والتفاوض، وعلى الرّغم من ذلك ستحصل على نحو 7 مليار دولار2 من عوائدها النفطية المجمَّدة بسبب العقوبات، وهي تُقدَّر بأكثر من 100 مليار دولار، كما أنه سيجري الإفراج عن 400 مليون دولار؛ وذلك لدعم الطلبة الإيرانيين الموفدين من الحكومة الإيرانية لإكمال دراساتهم، ولا سيما في الدول الغربية والولايات المتحدة. وستتمكن إيران كذلك من الحصول على تكنولوجيا متعلقة بالطائرات والصناعات البتروكيماوية والسيارات. والأمر اللَّ فت للانتباه في هذا السياق هو إن كانت إيران ستغطِّي هذه التكنولوجيا بالمبلغ المُفرج عنه، المقدر بنحو 8 مليارات دولار، أو أنّ هناك مبالغَ إضافيةً سيُفرج عنها بقصد تغطية التكنولوجيا التي ستحصل عليها، علمً أنّ ذلك الاتفاق الذي جرى توقيعه في الرابع والعشرين من نوفمبر 2013، سيبدأ تنفيذه في عشرين ديسمبر 2013. لقد عُدَّ ذلك الاتفاق تاريخيًّا، سواء كان ذلك بالنَّظر إلى توقيت توقيعه، أو سبب قبوله من جهة الخصمين الولايات المتحدة الأميركية وإيران لمدة تزيد على ثلاثة عقود. وهذه الدراسة تسعى لفهم أسباب توقيع النظام السياسي الإيراني ذلك الاتفاق وتحليلها، على الرّغم من أنه لا يبدو ملبِّيًا للخطوط الحمراء ولا سيما ما يتعلَّق بالتفتيش المفاجئ، أو اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة. وتستند هذه الدراسة إلى فرضية مفادها أنّ النظام السياسي ممثل بمؤسسة الحكم3Establishment قد قرّر المضيَّ في توقيع هذا الاتفاق بوصفه جزءًا من سلوك النظام؛ من أجل تجديد شرعيته داخليًّا، وبوصفه نوعًا من الاستجابة للتحديات التي فرضتها الجغرافيا السياسية وخصوصًا في ما يتعلَّق بتبعات الربيع العربي، إضافةً إلى فصول الثورة السورية وتبعاتها أيضًا4. وإنّ مؤسَّسة الحكم في هذا السياق تتجاوز بيت المرشد إلى الرئيس، ثمّ إلى البرلمان، وتتجاوز، كذلك، مؤسَّساتٍ تنفيذيةً كالخارجية، والاستخبارات، والمؤسَّسة العسكرية المتمثّلة بالحرس الثوري. وترى الدراسة أنّ النظام السياسي كان يبادر إلى استجماع أوراقه كلما اشتدَّت الخطوب السياسية، داخليةً كانت أو خارجيةً، وأنه يسعى إلى استعادة زمام المبادرة، ولعل مراجعة سلوك النظام منذ عام 1989 تُثبت ذلك.

الاستجابة للتحدي واستعادة زمام المبادرة

منذ أن قامت الجمهورية الإسلامية في إيران، استندت شرعيتها إلى فكرة السلطة الدينية المتمثّلة بولي الفقيه ضمن فقه المدرسة الجعفرية الإثني عشرية، لكنّ هذا لم يمنع إقرار فكرة متمثّلة بأنّ الأمة / الشعب جزء أساسي من تعزيز الشرعية عبر الانتخابات التي تجري بمعدل مرة واحدة كلّ عامين، سواء كانت هذه الانتخابات متمثّلةً بانتخاب مجلس خبراء القيادة الذي يراقب أداء مرشد الثورة أو ولي الفقيه وانتخابات رئاسة الجمهورية، وانتخابات البرلمان، وانتخابات المجالس البلدية. وإنّ النظام السياسي، في السياق نفسه، يستفيد من الصورة التي تشكَّلت له في الخارج عبر خطابه الذي تمثَّل بالدفاع عن المستضعفين والمظلومين، والذي جعله - أكثر من عقدين - مثالً يحظى بالإعجاب، من منظور شعوب عربية وإسلامية، وقد كان يمثّل - على الرّغم من ذلك - تحديًا وخطرًا أحيانًا في نظر حكومات تلك الشعوب. وقد كانت الصورة في الخارج تُغذِّي نوعًا من الافتخار القومي لقطاع من

  1. انظر على الرابط: http://eeas.europa.eu/statements/docs/2013/131124_03_en.pdf
  2. 3 يُستخدم مصطلح مؤسسة الحكم للتعبير عن مؤسسة صنع القرار التي تعمل ضمن مجلس الأمن القومي، وهي متمثِّلة بمكتب المرشد الأعلى، ورئاسة الجمهورية، والبرلمان، ووزارة الخارجية، والجيش، والاستخبارات. 4 محجوب الزويري، "العلاقات الإيرانية  - السورية والحراك السوري الشعبي"، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/reports/2011/08/2011824131918157377.htm
  3. 2 على الرّغم من أنّ مقدار ما ستحصل عليه إيران، من خلال الإفراج عن أرصدتها، لا يزيد، بحسب التأكيدات الدولية، على 7 مليارات دولار، فإنّ هناك تقارير تتحدث عن أنّ الإفراج سيصل إلى نحو 20 مليار دولار، انظر على الرابط:
  4. http://www.algemeiner.com/2013/12/11/report-iran-may-receive-20-billion- in-sanctions-relief-tripling-stated-figures/

الإيرانيين الذين ربما لا يعجبون بالنظام لطبيعته الدينية، لكنهم يتفقون معه في إبقاء إيران دولةً مؤثرةً إقليميًّا وعالميًّا. هذه العوامل المذكورة لم تُتَبيَّ أدوارها الفاعلة إلا بعد عام 1989؛ إذ كانت الحرب العراقية الإيرانية قد انتهت، وتُوفي مؤسّس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني. وقد كان موته إيذانًا بذهاب عناصر الشرعية القائمة على الحضور، أو الكاريزما التي كان يعطيها للنظام. فلقد كانت هذه الكاريزما تعطيه قوَّةً في اتخاذ القرار من دون سماع انتقاد. وفي هذا السياق كان قبوله وقْفَ الحرب، في عام 1988، ضدّ العراق، وقد شبَّهه آنذاك ب "تجرّع السّم." وكان هذا القرار آنذاك، هو القرار الأول الذي تصنعه مؤسّسة الحكم التي كان الخميني صاحب الحضور الأبرز فيها. بموت الخميني ذهبت الكاريزما التي كانت تُغذِّي جزءًا من شرعية النظام، وجرى اختيار مرشد جديد هو آية الله علي خامنئي. ولم يكن اختياره بعيدًا من حجة الإسلام هاشمي رافسنجاني. وهذا الاختيار أعاد فكرة الشرعية إلى منصب ولي الفقيه بقوَّة، ومسألة دور الشعب من خلال الانتخابات أيضًا. ولم يواجه المرشد الأعلى علي خامنئي، ومعه مؤسّسة الحكم، تحدِّيًا خارجيًّا في مستوى العلاقة بالولايات المتحدة والغرب. ولم يكن لهذا التحدي علاقة بالبرنامج النووي حتى شهر آب / أغسطس 2003 حين ظهرت أوائل الصُّور المتعلقة بمنشآت نووية إيرانية. وكانت الخصومة مع واشنطن والغرب ترتكز على السياسة الخارجية الإيرانية، وعلاقاتها بجوارها الجغرافي، وخطابها السياسي. وكانت أميركا الشيطان الأكبر، ولم يكن الغرب إلّ غيرَ موثوق به؛ من ثمَّة جاء الطرح الإيراني بالتوجه نحو الشرق ومحاولة تقليد النموذج الصيني. وقد أخذ هذا الطَّرح مساحةً من النقاش السياسي والاقتصادي في إيران في عقدي الثمانينيات والتسعينيات. وبعد عام 1989، ركّزت مؤسّسة الحكم على استجابتها للتحديات التي تواجهها عبر إستراتيجية تجديد الشرعية واستعادة زمام المبادرة؛ ففي عام 1991، بعد بدء ما يسمى إعادة البناء (جهاد سازندكى) والتعثر الذي أصابه، بدا ما يسمى اليسار الإسلامي5 الذي لم يكن بعيدًا من هاشمي رافسنجاني في الظهور السياسي من حيث الفعالية. وكان هذا التيار يحقّق نوعًا من التوازن أمام المحافظين التقليديين الذين كان يُنظر إليهم على أنهم متحكمون في المشهد السياسي؛ ومن ثمة فإنهم يتحمَّلون مسؤولية التعثر في برنامج إعادة البناء الذي كان من المفترض أن يبنيَ ما دمرته الحرب العراقية الإيرانية، ويعوِّض الإيرانيين ما أصابهم خلال حرب السنوات الثماني. خلال هذه الفترة واجهت مؤسّسة الحكم تحدِّيَ انهيار الاتحاد السوفياتي عبر حضور مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي السادس في السنغال، وقد تمكنت إيران، بعد الخطاب الذي قدمه هاشمي رافسنجاني رئيس إيران آنذاك، من كسر العزلة العربية والإسلامية ضدّ إيران. وبدأت إيران في استعادة علاقاتها الدبلوماسية عبر مستويات مختلفة مع نحو 16 بلدًا عربيًّا وإسلاميًّا. وكان هذا السلوك نوعًا من الاستجابة لتحدٍّ خارجي فرضته التغيرات الدولية. لكن هذا لا يعني أنّ إيران حصلت على الكثير من وراء هذا الانفتاح الدبلوماسي؛ ذلك أنّ الدول التي انفرجت علاقاتها بها لم يتغير تصوُّرها عن إيران، وبقيت وفق التعريف السياسي والأمني تحديًا أساسيًّا. وعلى الرّغم من الدور الإيراني المتمثِّل برفض الاجتياح العراقي للكويت سنة 1990، ووقوفها مع التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية لإخراج القوات العراقية من الكويت، فإنّ ذلك لم يكن ليغيِّ من تصوُّر تلك الدول تجاه الجمهورية الإسلامية. وعلى الرّغم من إدراك إيران هذا الأمر، بقيَ توجهها نحو وريثة الاتحاد السوفياتي، جمهورية روسيا الاتحادية التي زارها الرئيس الإيراني آنذاك في عام 1995. وكان من نتائج ذلك وضْ ع اللبنات الأولى للتعاون النووي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وروسيا الاتحادية. ورافقت هذه الاستجابة، وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك، استجابة داخلية تمثّلت بانفتاح سياسي، وظهور تيار اليسار الإسلامي الذي بدا ناقدًا لسياسات المحافظين التقليديين. ولقد أينعت ثمرة الانفراج الداخلي عام 1997؛ إذ فاز رئيسٌ، أوّلَ مرة، بخطاب سياسي أقرب إلى الدولة المدنية الإسلامية، ذلك هو طرح الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي المتعلق ب "الديمقراطية الإسلامية." وكان فوز محمد خاتمي الحجر الذي أصابت به مؤسّسة الحكم أكثر من مقصد؛ ذلك أنّ النظام استعاد زمام المبادرة الداخلية بعد عدم النجاح في موضوع إعادة البناء، وأقام علاقة بالجيل الجديد الذي وُلد مع بدْء الثورة وتأسيس الجمهورية، والذي كان قد توجه آنذاك بحماسة كبيرة نحو التصويت. وكانت مؤسّسة الحكم تنظر إلى هذا التصويت بعين بالغة الأهمية؛ فكلما ارتفعت نسبة المشاركة كان ذلك مؤشرًا قويًّا على أنّ النظام مقبول داخليًّا. ومثل هذا القبول يستثمره النظام في مواجهة خصومه الإقليميين أو الدوليين. ولئن سيطرت المواجهة بين التيارين التقليديَّيْ من المحافظيِن التقليديِيّن

  1. ويلفريد بوختا، 5 من يحكم إيران؟ بنية السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2003)، ص 37 - .40

والإصلاحيِيّن على فترة الإصلاحات، فإنّ النظام لم يضعف، وكان يقدِّم ذلك على أنه نوع من الديناميَّة السياسية التي تُحسب للنظام الديني، لا ضدَّه.

وشكّل فوز محمد خاتمي بدايةً مختلفةً لعلاقات إيران بجوارها العربي ولا سيما الخليجي؛ إذ بدأ الرئيس بالتبشير بإستراتيجيته في "نزع فتيل التوترات"، كما شكَّل فوزه بدايةً مختلفةً للتواصل مع واشنطن عبر وسائل الإعلام؛ فالظهور الذي كان لخاتمي على شبكة CNN في أواخر عام 1997، والحديث عن المشتركات مع الشعب الأميركي لفتَا انتباه البيت الأبيض إلى تغيُّ  ما يحصل في طهران؛ ما شجَّع إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون على البدء في إمكانية التواصل مع إيران. ولقد كان المشهد السياسي الداخلي الإيراني، والمواجهة الحادة بين التيارات السياسية، والقبضة الأمنية، من العوامل المشوِّشة التي عاقت فهْم ما يجري في إيران، وجعلت التردد سيد الموقف في ما يتعلق بعلاقات إيران بالولايات المتحدة. وفي سياق غير بعيد، كانت العلاقات بين إيران والدول الأوروبية غير جيدة، وكانت عنوانَ الأزمة البارزة لتعريف تلك العلاقة خلال عصر الجمهورية الإسلامية. فقد تكرر سحب سفراء دول الاتحاد الأوروبي من طهران منذ منتصف أواخر الثمانينيَّات بوصفه وسيلة احتجاجٍ واعتراضٍ على مواقف إيرانية معيَّنة، كان آخرها ما عقب الهجوم على السفارة البريطانية في ديسمبر 2011. ولقد كانت إيران تَعدُّ دول الاتحاد بمنزلة رأس حربة أميركية تحاول واشنطن من خلالها، في ما يتعلق بالبرنامج النووي، الضغط على طهران. إضافةً إلى دول الاتحاد الأوروبي نفسها التي كانت تفرض عقوباتٍ اقتصاديةً أحاديةً؛ أي من قبل دول بعينها، أو عقوباتٍ جماعيةً عبر الاتحاد على إيران؛ وهو الأمر الذي أضعف، في كثير من المراحل، عملية التفاوض بين الأوروبيين وإيران6. لقد كانت الأزمة بين الجمهورية الإسلامية والدول الغربية ودول الجوار الإيراني تركِّز على منطلقات السياسة الخارجية الإيرانية وطبيعة الخطاب الثوري والشعارات المرتبطة به. لكنّ فصلً جديدًا من الخصومة، وهو مرتبط بالبرنامج النووي، بدأ في آب / أغسطس 2002؛ إذ نشرت المعارضة الإيرانية أوّل صور لمنشأة نطنز القريبة من أصفهان، نقلت تلك الخصومة إلى مستوى ظَلّ يحتل الصدارة في علاقة إيران بالعالم وجوارها الجغرافي.

البرنامج النووي: تحدٍّ من نوع مختلف؟

تعاملت مؤسّسة الحكم في طهران مع أزمة الملف النووي بطريقة بدا فيها قدر من المرونة في الفترة الممتدَّة بين 2002 و 2004، مستفيدةً من الرصيد الإيجابي الذي بناه الرئيس خاتمي في العالم. وقد انعكس ذلك على مبادرة إيران بوقف التخصيب في أواخر عام 2004، وأوائل عام 2005، تلك المبادرة التي قدمتها إيران للدول الأوروبية التي كانت تقود التفاوض مع طهران (فرنسا وبريطانيا وألمانيا)، وكان حسن روحاني رئيس الوفد المفاوض بشأن البرنامج النووي هو الذي أبلغ هذه الدول تلك المبادرة. خلال تلك الفترة كانت الولايات المتحدة تروِّج لحربها على ما يسمّى الإرهاب، وخلال هذه الحرب لم تكن طهران بعيدةً، فقد وُضعت إيران ضمن محور الشرّ مع كوريا الشمالية، الأمر الذي أعطى مؤسّسة الحكم انطباعًا بانعدام أيّ جدوى من محاولة الدبلوماسية مع واشنطن وحلفاؤها؛ فعادت إيران إلى خطابها المحافظ المتشدد بشأن واشنطن والغرب، وبدت مُنتشيةً أيضًا بسبب نجاحها في تعزيز نفوذها في كلّ من العراق وأفغانستان. ولم تنجح واشنطن في مقاومة ذلك النجاح فحسب، بل إنها اضطرّت إلى الحديث مع إيران بخصوص أمْن العراق في منتصف عام 2005؛ إذ عُقدت جولات من المحادثات بين السفير الأميركي في بغداد رايان كروكر والإيراني حسن كاظمي قمي أدَّت إلى تشكيل لجنة أمنية عراقية أميركية إيرانية7. وغير بعيد من هذا، كان انتخاب الرئيس السَّابق محمود أحمدي نجاد في صيف 2005؛ إذ تراجع عن مبادرة وقْف التخصيب، وهو قرار ما كان ليمضيَ لولا مباركة مؤسّسة الحكم. وإنّ التراجع عن

  1. للمزيد، بشأن العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي، انظر على الرابط: http://eeas.europa.eu/cfsp/sanctions/docs/measures_en.pdf
  2. للمزيد، انظر على الرابط: http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=27689

وقْف التخصيب والاستمرار في تشييد مواقع جديدة قد وضعَا إيران واقتصادها تحت سيف أربع حُزم من العقوبات الاقتصادية من 8مجلس الأمن الدولي هي: 1696، و 1737 و 1747، و 1803، كما أنّه جرى فرْض عقوباتٍ أحاديةً على إيران من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا، شملت عقوباتٍ طالت صناعة النفط، وأخرى أصابت النظام المالي الإيراني وقطعت ارتباطه بقنوات النظام المالي الدولي؛ الأمر الذي فرض آثاره السيئة على قطاع التأمين والتبادل التجاري الإيراني. وقد كانت استجابة النظام لكلّ هذه التحديات عبر القبضة الأمنية في الداخل، والحديث عن التركيز على الاقتصاد، والإصلاح السياسي، وكان التركيز في الوقت نفسه على حضور إيران في العراق. لكنّ هذا الحضور أعاد تصورًا مرتبطًا بالبعد المذهبي والطائفي لسياسة إيران الخارجية التي كانت تسعى لتبرئة نفسها منه. وكانت طهران تعوض بعض الخسائر الاقتصادية الناتجة عن فرْض العقوبات عبر علاقتها بالعراق؛ فقد وصل التبادل التجاري بينهما إلى أكثر من 8 مليارات دولار، وعبر علاقاتها الجيدة بتركيا؛ إذ ساهم نظامها المالي في تخفيف آثار العقوبات ولا سيما قبل عام 2011 9. لقد مثَّلت فترة الرئيس أحمدي نجاد فترة استنزاف للنظام السياسي الإيراني؛ تضاعفت فيه الاختلافات بين أركان مؤسَّسة الحكم؛ فالرئيس الذي كان يُحسب على المرشد اقترب من الخطوط الحمراء ودخل في صراع علني متعلق بسلطة المرشد، كما أنه دخل في مواجهة مع البرلمان ورئيسه علي لاريجاني المقرب من المرشد الأعلى. غير أنه، من جهة أخرى، لم ينجح في تحسين الوضع الاقتصادي وتوزيع عوائد النفط الإيراني في موائد الإيرانيين؛ فقد رفع الدعم عن السلع الأساسية مبررًا ذلك بأنه إعادة توزيع على المستحقِيّن لذلك الدعم. وقد تزامن كلّ ذلك مع حُزم العقوبات التي فرضت على إيران خلال رئاسة أحمدي نجاد الأولى والثانية. وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أنّ الفترة الرئاسية الثانية لأحمدي نجاد بدأت بانقسام حادٍّ داخل المجتمع (ببين التيار المحافظ التقليدي وبين بقايا القوى الإصلاحية) تدخلت فيه مؤسّسة الحكم لمصلحة الرئيس، واستخدمت القوة الأمنية لمواجهة الاحتجاجات التي وقعت في صيف 2009. ويمكن فهم موقف مؤسسة الحكم في سياق وجود خطر خارجي متمثّل بالعقوبات والتحالف الغربي بسبب البرنامج النووي، وبالنظر إلى أنّ على النظام أن يلتفت إلى التحدي الخارجي ويحافظ على تماسكه حتى وإن توسَّل إلى ذلك بالقوة موقَّتًا. ما لم يَجْرِ الالتفات إليه هو أنّ التصور عن إيران يتغير، سلبيًّا، تغيُّ ا تدريجيًّا، وأنّ كلّ ما يمكن أن يخدم شرعية النظام، بناءً على ذلك التصور، في طريقه إلى الاختفاء؛ وذلك بسبب سياسية إيران في العراق، وكذلك استخدام القوة ضدّ مواطنيها. وهذان الأمران شكَّلَ بداية تراجع دراماتيكي سريع في النظرة الإيجابية إلى إيران. أمّا في السياسة الخارجية فقد زادت عزلة إيران الخارجية؛ ذلك أنّ علاقاتها بدول الخليج العربية وسائر الدول العربية كانت في أدنى مستوى، مع استمرار مناخ الأزمة بين طهران وجيرانها. وما زاد الأمر تفاقمً دخول تطور جديد على المنطقة غيَّ من ديناميَّة التحالفات فيها ومن طبيعتها؛ وهو متمثِّل بما يُسمى الربيع العربي الذي بدأ في ديسمبر .2010

ربيع العرب والتحدي المتعدِّد التأثيرات

لم يكن الربيع العربي حدثًا بلا تأثيرات عميقة وجديَّة في إيران وسلوكها السياسي. ويمكن قراءة هذا التأثير في ثلاثة مستويات مهمة. فالأول مرتبط بالتغير الحقيقي في صورة إيران بوصفها مثالً في موضوع الثورات ومقاومة الاستبداد. وقد كانت طهران حتى أواخر عام 2010 تقدِّم نفسها على أنها الدولة الوحيدة ذات الشرعية الثورية المنبثقة من الشعب. وهي في هذا السياق تقارن نفسها بالعالم العربي وتركيا. غير أنّ ربيع شعوب العرب غير المكتمل أنهى هذه الأسطورة. وبانتهائها تأثرت صورة إيران والجمهورية الإسلامية تأثُّرًا كبيرًا. لقد أخرجت التطورات السياسية في المنطقة العربية، وقبلها أيضًا، مواجهة النظام السياسي الإيراني للتظاهرات المنتقدة لفوز الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية، من دائرة الأفضلية في الفعل الثوري والتغيير. وقد كانت طهران ترى أنّ ذلك البعد حكرٌ عليها، ولا سيما بعد تجربتها في التخلص من أكثر النظم الاستبدادية في منطقة الشرق الأوسط. ولقد قوبلت تلك التظاهرات بقبضة أمنية شديدة سبَّبت لإيران انتقادًا دوليًّا، لكنها ساهمت مساهمةً مهمّةً في التأثير في تلك الصورة المتداولة لدى رأي عامّ عربي غير قليل. وبوجهٍ

  1. للمزيد، بشأن هذه القرارات، انظر على الرابط: http://www.armscontrol.org/factsheets/Security-Council-Resolutions-on-Iran
  2. الزويري، "حدود الدور الإقليمي الإيراني: الطموحات والمخاطر"، انظر على الرابط: http://studies.aljazeera.net/files/iranandstrengthfacto rs/2013/04/20134492330407430.htm

عامّ غيَّ ت تفاعلات مشهد التغيير في المنطقة العربية المزاجَ العام نحو إيران. وهذا التغيير في المزاج ينطبق على علاقة الإسلاميين بإيران التي كان يُنظر إليها على أنها قوية وقائمة على التحالف. فنجاح الإسلاميين لم يكن بالضرورة علامة فرحة؛ بالنظر إلى المواقف التي تبناها هؤلاء الإسلاميون. وتكفي الإشارة، في هذا السياق، إلى علاقة إيران بالإسلاميين في مصر. ولقد عمل امتداد ظاهرة الثورات إلى سورية في مواجهة حقيقية بين إيران والإسلاميين، فها هو الرئيس المصري المعزول محمد مرسي ينتقد حليف إيران نظام الرئيس بشار الأسد في طهران وينتقد المؤيِّدين له، وهي إشارة صريحة إلى أنّ مقولة التوافق بين إيران وما يسمَّى قوى الإسلام السياسي تحتاج إلى مراجعة جادَّة. وغير بعيد من ذلك، ظهر تأثير الاختلاف في التعامل مع الثورة السياسية وتفاعلاتها غير المنتهية في علاقة حركة المقاومة الإسلامية حماس بإيران؛ إذ إنّ الدعم الذي كانت تتلقاه الحركة لم يستمر كما كان الأمر قبل الثورة السورية. ثمّ إنّ إيران لم تمتلك أيَّ قدرةٍ على التأثير في النظام السوري متعلّقةٍ بإبقاء مكاتب حماس مفتوحةً في دمشق. لقد أعاد إيران إلى مربَّع الدولة التي تتحرك وفق مصلحتها المذهبية والطائفية موقفُها من الثورة السورية، وكذلك انتقادها للحكومة البحرينية في التعامل مع احتجاجات مواطنيها خلال عامي 2011 و 2012. وقد أضاف هذا التطور مزيدًا من التعقيد إلى المشهد السياسي الإقليمي، كما أنه ساهم مساهمةً ملحوظة في عملية تغيير المزاج التي كانت تحدث في المحيط العربي نحو إيران. وهذا التطور زاد من تحديات إيران في المنطقة ولا سيما لدى العرب، وكذلك تركيا. أمَّا المستوى الثاني فهو متمثّل بأنّ ربيع شعوب العرب غير المكتمل أحدث تغييرًا في طبيعة التحالفات؛ فبانتهاء بعض الأنظمة المستبدة التي كانت أخطاؤها تعزّز صورة إيران، أصبحت إيران نفسها في خطابها غير لافتة للانتباه. فخطاب التصالح مع إسرائيل، وكذلك العلاقة بالولايات المتحدة، من القضايا التي تراجعت في سلَّم أولويات المنطقة ولا سيما في الدول التي تشهد مخاض التغيير مثل مصر. وفي هذا السياق كانت المفارقة من جهة أنّ الموقفين الأميركي والإيراني ربَّ ا لا يختلفان كثيرًا في أنّ الربيع العربي أحدث إرباكًا في الحسابات التي كان البلدان يبنيان عليها سياستهما الخارجية في المنطقة. فالاستبداد السياسي الذي كانت واشنطن تدعمه تأمينًا لمصلحتها في المنطقة يواجه خطرًا وجوديًّا، وفي الوقت نفسه كانت إيران تزداد حضورًا سياسيًّا وتأثيرًا عبر الحديث عن دعم الشعوب المقهورة. ومِثل هذا الخطاب كان يؤمِّن للنظام شرعيةً خارجيةً معنويةً تملأ أيَّ خلل قد يظهر إذا ما تراجعت شرعية النظام الخارجية. في هذا السياق تداعت المحاور التي طالما قسمت دول المنطقة بين دول اعتدال قريبة إلى واشنطن متمثّلة بالأردن ومصر والمملكة العربية السعودية، وأخرى مقاومة متمثّلة بإيران وسورية ومعها حركتا حماس وحزب الله اللبناني. ثمّ إنّ محور الشرّ تراجع شكلً ومضمونًا منذ مجيء الرئيس الأميركي باراك أوباما. يضاف إلى ذلك تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية - وهي القضية المفصلية - بسبب الانشغال الإقليمي والدولي بترتيب المرحلة الجديدة، وكذلك الوقائع الجديدة التي أخذت تتشكّل في المنطقة. وإنّ السّمة الأساسية لهذه الوقائع التغيير المستمر؛ ما سبّب نوعًا من الاستنزاف السياسي بالنسبة إلى كثير من الدول واللاعبين المهتمين بالمنطقة. وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أنّ تعامل النظام السياسي الإيراني مع الثورات السياسية والتطورات من حولها وعودة البعد الطائفي، لا يشير إلا إلى أنّ سورية لم تكن يومًا قضيةً ضمن أجندة السياسة الخارجية الإيرانية فحسب، بل كانت مسألةً داخليةً أيضًا؛ فوفق الأرقام الرسمية، يُقدَّر عدد الإيرانيين الذي يسافرون سنويًّا إلى سورية قبل بدء الثورة، بنحو 1.2 مليون فردًا. وهو الأمر الذي لم يكن يُتصور إقليميًّا وحتى دوليًّا، فقد كان الحديث متعلقًا دائمًا بتحالف إستراتيجي.

في المكتسبات

سبق أن أشرنا في بداية الدراسة إلى أنّ الاتفاق يذكِّر على نحوٍ واضح بما ستكسبه إيران إن التزمت ما جرى الاتفاق عليه، ولكنّ إيران ليست وراء هذا فحسب؛ ذلك أنّ هناك مكاسبَ مرحليةً مختفيةً خلف ضوضاء الاتفاق والانشغال به، وهي في ظنِّي أكثر أهميةً من ظاهر المكتسبات. وأوَّل هذه المكتسبات المرحلية هي أنّ النظام نجح نجاحًا موقَّتًا في تمرير عاصفة الربيع العربي بأقل خسارة ممكنة. ويبدو واضحًا أنّ النظام السياسي يسعى لتحويل تحدي الربيع العربي لإيران ولسياساتها إلى فرصة يُ كِن أن تُ كِّن طهران من العودة، بطريقة مختلفة، إلى محيطها الشرق الأوسطي، ولا سيما العربي منه. ويشكِّل اتفاق جنيف المرحلة الأولى التي تمكِّن إيران من تمرير جزء من العاصفة التي تمسُّها على نحو خاصّ؛ ونعني بذلك سورية.

وإنّ إيران منذ تدخلها العسكري في سورية تُقرُّ بأنّ النظام غير قادر على البقاء من دون دعْم مباشرٍ، وتقرُّ أيضًا بأنّ النظام غير قادر على استعادة هيبة الدولة التي يمكنها أن تؤدِّيَ دورًا إقليميًّا. وهنا ينبغي التذكير بأنّ إيران لم تتوقع من سورية أن تكون معبرًا للبحر المتوسط أو للمنطقة العربية فحسب، بل شريكًا لإيران لا يستنزفها. وبما أنّ أمر سورية قد آل إلى استنزافٍ سياسي أصاب صورة إيران، واستنزاف اقتصادي مضافٍ إلى الآثار السلبية الكبيرة للعقوبات، فإنّ مؤسَّسة الحكم لم تجدْ خياراتٍ أقلَّ تكلفةً من الذهاب إلى جنيف بخطاب أقلَّ تشددًا. وفي هذا السياق يجب أن نؤكِّد أنّ إيران أيضًا، بعد الذي حصل في سورية، تبدو مقتنعةً بأنها تستطيع أن تدافع عن النظام السياسي وتبقيه. وفي هذا السِّياق نجدها تتوسل بالانتخابات كنوع من التخلي الدبلوماسي عن الرئيس بشار الأسد. أمّا المكسب الثاني المرحلي المهمّ فهو تجديد الشرعية. وتؤكِّد مؤسّسة الحكم - بناءً على الاتفاق - عودة النظام إلى قاعدته الشعبية الداخلية ورأيه العامّ الداخلي؛ حتى يجدِّد شرعيته. وبهذا الإنجاز قد يتحسن الأداء الاقتصاد الإيراني بالنسبة إلى مؤسّسة الحكم؛ ما سينعكس على حياة الإيرانيين بوجهٍ عامّ. على هذا النحو، إذن، يسعى النظام إلى توجيه رسالة إلى الداخل الإيراني عبر القول إنّ العداء لأميركا كان من أجل مصالح إيران والإيرانيين، وإنّ حافز الحديث مع واشنطن والغرب إنما هو من أجل مصالح إيران والإيرانيين أيضًا. وأمّا المكسب الثالث، وهو أيضًا مرتبط بقدرة الاتفاق على الاستمرار أو البناء عليه، فهو مرتبط بجوار إيران العربي؛ فثمَّة رسالة توجِّهُها إيران إلى جيرانها العرب مفادها أنّ طهران استطاعت عبر خصومة دامت أكثر من ثلاثة عقود، أن تنتزع من خصومها الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، اعترافاتٍ مهمةً متعلّقةً بحق إيران في برنامج نووي سلمي، بعد أن كان ذلك محرمًا قبل عام 2006، ثمّ الاعتراف بحق إيران في التخصيب المنخفض، على الأراضي الإيرانية، ثمّ أخيرًا قبول احتفاظ إيران بنصف ما لديها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة. والأهم من ذلك كلّه، ربما يكون متمثّلً بانتزاع اعتراف مفاده أنْ لا حلَّ في سورية إلَّ بحضور إيران.

خاتمة

بتوقيع الاتفاق مع المجموعة 5 + 1، تكون إيران قد تنفست الصعداء ونزعت فكرة الخوف من توقيع أيّ اتفاق مع الغرب. وهي خطوة ربما لم يكن أيُّ مسؤول في إيران، مهما كان موقعه، مستعدًّا لأنْ يتحمل تبعاتها المستقبلية السلبية، ولا سيما بعد خطاب الخصومة الشديدة مع الولايات المتحدة والغرب. من هنا، فإنّ الاتفاق يعكس إجماعًا داخل مؤسّسة الحكم للمضيِّ في أمرٍ بدا بقوَّة منذ عام 2001. ويأتي هذا الإجماع في إطار القلق من بداية تآكلٍ ما في شرعية النظام داخليًّا وخارجيًّا. وبتوقيع الاتفاق قد ينجح النظام في استعادة الشرعية الداخلية المرتبطة بالتفاف الناس حوله. وهذا الالتفاف لن يكون بعيدًا من تحسُّنٍ ما في الوضع الاقتصادي الداخلي، لكنه في الوقت نفسه سيكون مشوبًا بالخطر إنْ لم يَجْرِ تنفيذ الاتفاق المرحلي، الأمر الذي قد يمنع اتفاقًا طويل الأمد. وفي الآن نفسه يبدو النظام في هذه المرحلة غير معنيٍّ بأيِّ نوع من الشرعية التي أُسِّست على صورة إيران في المنطقة، بل إنَّه يبدو معنيًّا بانتزاع اعترافات أممية بشأن أدوراها الإقليمية. لقد كان توقيع الاتفاق نجاحًا لأهل الدبلوماسية، لكنّ تنفيذه سيكون شاقًّا، فهو معيار لمدى مصداقية الغرب في التغير نحو إيران، ولمدى جِديّة الدول الغربية وواشنطن تجاهها؛ من جهة تحويل الاتفاق إلى اتفاق طويل الأمد ينتج عنه تطبيع في العلاقات الدبلوماسية مع إيران. وهو كذلك مؤشر دالّ على مدى جِديّة مؤسّسة الحكم في إيران؛ من جهة التوجه نحو الغرب وواشنطن، بعد سنوات من الخصومة والسعي لاتباع النموذج الصيني سياسيًّا واقتصاديًّا لقطع أيّ طريق عودة مع الغرب. ومن المهمّ التذكير بأنّ طريقة تنفيذ الاتفاق لا تخلو من عوائق حقيقية، تتمثَّل بالضغط الداخلي في كلٍّ من الولايات المتحدة وإيران. ففرْض أيِّ عقوبات على سبيل المثال، إن لم يُؤَدِّ إلى توقُّفٍ في مسار الاتفاق، سيُ بكه. وكذلك الشأن بالنسبة إلى ضغوط المؤسّسة العسكرية أو الدينية في إيران؛ ذلك أنها قد تعصف بالاتفاق. والاتفاق يركِّز - وفق ما هو معلوم – على البرنامج النووي، لكن ماذا بشأن برنامج الصواريخ الإيرانية غير التقليدية الطويلة الأمد التي كثيرًا ما كان يعدُّها الغرب تهديدًا؟ وعلى صعيد غير بعيد، أين إسرائيل من كلّ ما يحدث؟ هل يمكن أن تبقى متفرجةً إذا ما سار تنفيذ الاتفاق بطريقة سلسة، وظهرت ملامح الانتقال إلى اتفاق طويل الأمد؟ إنّ الاتفاق الذي أدخل إيران في دائرة جديدة من التعهدات الدولية ستكون له تبعات متعلّقة بإيران إنْ تعطَّل ولم يمضِ قُدما. وهي مسألة لا يبدو أنّ واشنطن وحلفاءها سيفوِّتونها من حيث ممارسة مزيدٍ من الضغوط الدبلوماسية على إيران مستقبلً.