الدلالات الإقليمية والدولية للاتفاق النووي الإيراني **

إبراهيم شرقية

الملخّص

أثار الاتفاق النووي الإيراني مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا 1+5()، العديد من التساؤلات والتكهنات التي ربما تفوق بكثرتها وغموضها تلك التي صاحبت المفاوضات العلنية والسرية طوال الفترة الماضية، بحيث أصبح المشهد النووي الإيراني أكثر تعقيدًا وغموض ا، ليس بشأن عاقة إيران بالدول الغربية فحسب، وإنما أيض ا بجيرانها في العالم العربي، لا سيما دول الخليج. فلهذا الاتفاق العديد من الدلالات الإقليمية والدولية المتعلقة بالنواحي السياسية والاقتصادية وغيرها. تناقش هذه الورقة هذا الاتفاق وتعرض مختلف انعكاساته؛ إيرانيًا، وإقليميًا، ودوليًا.

قبل الخوض في دلالات الاتفاق النووي الإيراني، لا بد من التذكير بأن الاتفاق هو، أولً وقبل كل شيء، اتفاق مؤقت لمدة ستة شهور، ويمكن أن يلغى بأي لحظة إذا ارتأت الأطراف المشاركة فيه ضرورة لذلك. كما أنّ التحدي الأكبر للاتفاق النووي هو في القدرة على تطبيقه أو تمديده بعد الشهور الستة المفترضة إلى اتفاقات مرحلية أخرى أو اتفاق دائم ينظم النشاط النووي الإيراني في المستقبل. وكما يقال: "فالشيطان يكمن في التفاصيل"، أو في هذه الحالة: "الشيطان يكمن في التمديد أو في تحديد النسبة النهائية للتخصيب أو ما شابه." وبناء عليه، فهناك دلالات إقليمية ودولية للاتفاق على عدة صعد، أهمها: أولً: يعيد هذا الاتفاق إلى الأذهان سياسة الولايات المتحدة الأميركية تجاه المملكة العربية السعودية وإيران في نهاية الستينيات وفي السبعينيات؛ إذ شهدت هذه السياسة ما كان يطلق عليه آنذاك ب "سياسة المحورين التوأم"1 Policy Pillars Twin، والتي تقوم على استعداد الولايات المتحدة لتأهيل كل من إيران والمملكة العربية السعودية عسكريًا للدفاع عن منطقة الخليج، والمنطقة بشكل عام، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولا سيما لوقف المد الشيوعي الذي كان يحاول التمدد في منطقة الشرق الأوسط والخليج. وعلى الرغم من أنّ "سياسة المحورين التوأم" كانت تفترض شمول كل من السعودية وإيران والتعامل معها بشكلٍ متساوٍ، فقد كان واضحًا للعيان أنّ إدارة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون انحازت أكثر من سابقتها، إدارة ليندون جونسون، إلى إيران على حساب السعودية وغيرها من دول الخليج، لدرجة أنّ الكثير من المراقبين للشأن الخليجي أصبحوا يتحدثون عن دور إيراني باعتباره "شرطي الخليج." إنّ مخاوف السعودية تجاه هذا الاتفاق، وما يمكن أن ينبثق منه مستقبلً، لها ما يبررها لا سيما أنّ انحياز الولايات المتحدة نحو طرف على حساب الآخر له خلفياته التاريخية. وبهذا الصدد، يرى جريجوري جوس رئيس دائرة العلوم السياسية في جامعة فيرمونت الأميركية بأنّ "السعوديين على حق ليكونوا قلقين من أنّ الولايات المتحدة لن تصّ على الحصول على تنازلات إقليمية من إيران مقابل هذا الاتفاق. كذلك هم على حق بأنّ واشنطن تعتبر سقوط نظام الأسد في سورية أقل أولوية منه لدى الرياض، وأنّ واشنطن لا ترى بالمسألة الفلسطينية قضية مركزية لسياستها في المنطقة"2. ومما يعزز هذه المخاوف أنّ الاتفاق بمفاوضاته السرية قد تم بمعزل عن معرفة السعودية، وباستضافة دولة خليجية (سلطنة عمُان) ما زالت تعول عليها المملكة الكثير لبناء تحالف خليجي ضمن مظلة مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وعلى الرغم من شرعية هذه المخاوف، فإنّ الاتفاق لا ينبغي أن يثير الكثير من القلق لدى السعودية، والتي لديها من الإمكانات ما يؤهلها في التعاطي بإيجابية، والاستفادة من هذا الاتفاق، لما فيه من مصلحة المنطقة كافة، بما فيها دول الخليج وإيران. فلا يجب على المملكة رؤية الاتفاق ضمن "معادلة المجموع الصفري" Game Sum Zero التي تفترض بأنّ أي تفاهم مع إيران سيكون بالضرورة على حسابها وحساب الخليج كله. على العكس تمامًا؛ فبالإمكان تحقيق مصالح متوازية على الساحة الدولية من دون أن تكون إحداها بالضرورة على حساب الأخرى. فاهتمام أميركا الإستراتيجي بالسعودية لم يكن في يوم من الأيام ناتجًا من إعجاب كبير بالمملكة، ولكنه نتيجة للأهمية الإستراتيجية التي تتمتع بها الأخيرة، والتي لم تصل أميركا بعد إلى مرحلة يمكنها التخلي عنها. وبهذا الصدد كتبت راشل برونسون في جريدة نيويورك تايمز تحت عنوان "تبديل الرياض بطهران ليس هو الإجابة" تقول ما معناه: ماذا لو كسبت أميركا إيران وخسرت العالم الإسلامي؟ "هناك الكثير ما نخسره ببساطة بتبديل الرياض بطهران. على الأقل سنخسر تأييد جميع العالم العربي وكثير من العالم الإسلامي الذي لا يثق بإيران"3. بمعنى أنّ المملكة ما زالت تتمتع بعلاقات وتبني تحالفات قوية مع الأغلبية العظمى من دول العالم الإسلامي، وبإمكانها التأثير في مواقفها تجاه الولايات المتحدة إذا ما قامت هذه الأخيرة بنسج تحالف مع إيران على حساب السعودية. ولا يخفى على أحد قدرة السعودية على التأثير في أسواق النفط العالمية في وقت ما زالت إستراتيجية أميركا نحو "استقلال الطاقة" Independence Energyفي بدايتها. أضف إلى ذلك، أنّ الطرفين الأميركي والسعودي ما زالا يعتبران ما يسمى

  1. لتفاصيل إضافية بشأن "سياسة المحورين التوأم"، انظر:
  2. Gregory Gause, “Why the Iran Deal Scares Saudi Arabia,” The New Yorker , November 26, 2013, at: http://www.newyorker.com/online/blogs/ newsdesk/2013/11/why-the-iran-deal-scares-saudi-arabia.html 3  Rachel Bronson, “Swapping Riyadh for Tehran is not the Answer,” The New York Times , at: http://www.nytimes.com/roomfordebate/2013/11/25/ us-relations-with-iran-thaw-and-allies-shiver/swapping-riyadh-for-tehran- is-not-the-answer
  3. Howard Teicher and Gayle Radley Teicher, Twin Pillars to Desert Storm: America’s Flawed Vision in the Middle East from Nixon to Bush  (New York: William Morrow and Company, Inc., 1993).

"الحرب على الإرهاب" على رأس أولوياتهما الأمنية، وتقتضي المحافظة على هذا التحالف عدم تفريط أي منهما بالآخر. كل هذه الأسباب تجعل من الصعب على أميركا التخلي عن علاقاتها الإستراتيجية مع السعودية ودول الخليج العربي حتى لو كان ثمن ذلك التفاهم مع إيران. وبناء عليه، فبإمكان دول الخليج العربية إذًا استخدام أوراق القوة هذه لتحديد ملامح العلاقة مع أميركا وثوابتها. ثانيًا: يشكّل الاتفاق النووي الإيراني تحديًا كبيرًا للمفهوم السائد بأنّ إسرائيل هي التي تشكّل سياسة أميركا الخارجية في ما يتعلق بالشرق الأوسط. لا أحد ينكر تأثير إسرائيل في سياسة أميركا الخارجية، ولكنّ هذا الاتفاق أسقط "خرافة" استحواذ إسرائيل على القرار السياسي وعجز أميركا عن اتخاذ مواقف في سياستها الخارجية في الشرق الأوسط لا تروق لصناع القرار في تل أبيب. وفي هذا الصدد، يرى ك. ب. فابيان من معهد دراسات الدفاع بأنّ "قدرة إسرائيل على ضبط سياسة أميركا الخارجية واستغلالها من خلال اللوبي الإسرائيلي قد لحق بها ضررًا جديًا. فبعض الجمهوريين، وحتى الديمقراطيين، يمكن لهم أن يرفضوا رفع العقوبات، ولكن ما أن ينفِّذ الإيرانيون التزاماتهم، سيكون من الصعب الدفاع عن استمرار العقوبات"4. ومنذ وصوله إلى منصب رئيس الوزراء، استثمر بنيامين نتنياهو معظم رصيده السياسي من أجل التخلص من البرنامج النووي الإيراني، على غرار تدمير القدرات العسكرية للنظام العراقي السابق والتدمير الحالي للبرنامج الكيماوي السوري. لا يرضى نتنياهو إلا باتفاق - أو ضربة عسكرية - يقضي بتحطيم أجهزة الطرد المركزي وإظهار ذلك على شاشات التلفزة، كما حدث مع العراق، وليس باتفاقٍ يحد من نسبة التخصيب إلى %5، ويبقي أجهزة الطرد المركزي ومفاعل آراك الذي يعمل بالماء الثقيل تعمل. وضع توقيع الاتفاق بمعزل عن الضغوط الإسرائيلية والتهديد بضرب المفاعلات النووية الإيرانية نتنياهو في موقف المواجه مع قاعدته الشعبية الذي أصبح مطالبًا أمامها الآن بتفسير ما يحدث، في ظل تشكيكهم بنظريته الأمنية التي سوَّق لها طوال هذا الوقت. فالاتفاق إذًا أسقط ورقة التوت عن التعليل الأميركي التقليدي المتذرع بالتأثير الإسرائيلي في السياسة الخارجية لمنع أميركا من اتخاذ مواقف حاسمة في ما يخص المسألة الفلسطينية، وبالتحديد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وإقامة دولة فلسطينية. فالاتفاق أثبت أنّ أميركا تستطيع صوغ سياستها الخارجية في الشرق الأوسط بما يتلاءم ومصالحها القومية إن أرادت ذلك، حتى لو كان ذلك لا يروق للإسرائيليين.

ثالثًا: يحمل الاتفاق دلالات مشجعة، وأخرى محبطة للمعارضة السورية. ويتجلى إحباطها من خلال الاعتراف بإيران بوصفها لاعبًا إقليميًا وجزءًا مهمً من أي ترتيبات إقليمية بما فيها المسألة السورية. وفي هذا المضمار يقول الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات توني بدران في إشارة إلى الدور الإيراني المحتمل في سورية أنّ "كل شيء الآن مهيأ لإظهار إيران وقدرتها على تأدية دور جدي... وأنه تم إحضار إيران للمشاركة في هذه الترتيبات"5. وبعيدًا عن التكهنات التي ترى بأنّ سورية كانت أصلً جزءًا من المحادثات السرية في سلطنة عمُان، فإنّ القدرة على التوصل إلى تفاهمات دولية مع إيران حول الملف النووي تمثل سابقة، ما يمهِّد لتسويات إقليمية أخرى، بما فيها سورية. أما في ما يتعلق بالدلالات المشجعة للمعارضة السورية، فيمكن رؤيتها من خلال انكماش الأهمية الإستراتيجية للنظام السوري بالنسبة إلى إيران. فدعم إيران للنظام السوري نبع أصلً من حرصها على استخدام هذا النفوذ في سورية كورقة ضغط لتحقيق مصالح وطنية إيرانية سواء كان ذلك لتقوية موقفها التفاوضي مع دول 1+5 أو غيره. وبناء عليه، فإذا استطاعت إيران تحقيق ما تبتغي من مفاوضاتها مع الدول الغربية، وبالتحديد إذا جرى تجديد الاتفاق في ما بعد الشهور الستة الأولى أو جرى التوصل إلى اتفاق دائم، فإنّ الحاجة لخدمات النظام السوري تصبح على درجة أقل من الأهمية، بحيث يفقد النظام السوري قيمته الحيوية، لكنها ستكون بحاجة ماسة إليه إذا ما حلّ صدام طهران مع الدول الغربية محل الاتفاق.

  1. K.P. Fabian, “The US-Iran Deal and the Outcome,” Institute for Defense Studies and Analysis, November 28, 2013, at: http://idsa.in/system/files/ kpfabian_281113.pdf
  2. Max Rosenthal, “Iran Nuclear Deal May Foreshadow Tehran’s role in Syria Peace Talks,” The Huffington Post , November 25, 2013, at: http://www. huffingtonpost.com/2013/11/25/syria-peace-talks-iran_n_4338841.html

الدلالة الأخرى لهذا الاتفاق بالنسبة إلى الملف السوري هو أنّ دخول إيران في اتفاقات دولية مع الغرب سيعمل على كبح جماح التطرف لديها، لأنّ الاتفاق يعني الالتزام بقواعد اللعبة الدولية، بمعنى أنّ على إيران خصوصًا إذا ما جرى تمديد الاتفاق لاحقًا التصرف وفق تلك القواعد، بحيث يصبح من الصعب الدفاع عن النظام السوري من دون حدود، خصوصًا في حالة ارتكابه جرائم حرب في سورية. رابعًا: ساد حلقات النقاش في واشنطن خلال العامين الماضيين الاعتقاد بأنّ أميركا ستلجأ إلى صفقة لتقوم بموجبها بإرضاء نتنياهو في الملف النووي الإيراني مقابل الحصول منه على تنازلات في الملف الفلسطيني. هذا الاعتقاد أصبح الآن باطلً، حيث أهملت القوى الدولية رغبة نتنياهو في تفكيك البرنامج النووي الإيراني وليس تكبيله؛ مما يعني أنّ المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية ازدادت عبثية وعقمً بعد هذا الاتفاق؛ إذ فقدت أميركا إحدى أهم الأوراق التي كان يمكن استخدامها للحصول على تنازلات من نتنياهو، بل من المحتمل أن يلجأ الأخير إلى تعقيد حالة التفاوض، من أجل ابتزاز الولايات المتحدة في قضايا مختلفة. ومهما يكن، فقد أصبح الأمر ملحًا أكثر من أي وقت مضى ليبحث الفلسطينيون عن إستراتيجية أخرى غير تلك التي رفعها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والتي تنص على أن البديل للتفاوض هو فقط المفاوضات.

خامسًا: للاتفاق دلالات مهمة أيضًا بالنسبة إلى مصر؛ فصوغ الاتفاق بين الغرب وإيران بمعزل عن المملكة العربية السعودية سيدفعها الى البحث عن حلفاء جدد وتقوية أواصر العلاقة مع الحلفاء الحاليين، وعلى رأسهم مصر التي هي الأخرى تعاني توترًا وعدم استقرار في علاقتها مع الولايات المتحدة. فالمصلحة السعودية - المصرية اقتضت بطبيعة الحال تعزيز أواصر هذا التحالف لأنّ كليهما بحاجة إلى الآخر لصوغ تفاهمات جديدة مع الولايات المتحدة. هذا يعني أنّ مصر وجدت نفسها بشكل تلقائي في معسكر السعودية. وبناء عليه، فإنّ الاعتماد المصري على المساعدات المالية السعودية سيزداد أيضًا كون الخيارات الأخرى للمساعدات المصرية تتضاءل تدريجيًا. سادسًا: جسَّد الاتفاق حقيقة بدأت بالتشكل منذ فترة طويلة - وبالتحديد منذ وصول الديمقراطيين للحكم في أميركا مع الرئيس باراك أوباما - تتعلق بشكل محدد بتغيرات بنيوية في تركيبة النظام الدولي. فقد كانت السمة الرئيسة لتركيبة النظام الدولي في عهد جورج بوش الابن، وبدعم لا محدود من المحافظين الجدد، تقوم على التمدد والتوسع في أرجاء المعمورة وبشكل رئيس في الشرق الأوسط (العراق) وآسيا (أفغانستان.) وكانت عقيدة هذا النظام تقوم على عدة مبادئ من أهمها "الضربات الاستباقية"، والاستقطاب القائل ب "معنا أو ضدنا" الذي نادى به بوش. إنّ السمات البنيوية للنظام الدولي استبدلت بنقيضها؛ فالتمدد الأميركي في العالم حل مكانه الانسحاب نحو الحدود الوطنية الأميركية (مثل الانسحاب من العراق وأفغانستان)، والعقيدة "الاستباقية" للتخلص من أسلحة الدمار الشامل حل محلها عقيدة "البعدية" التي رفضت التدخل العسكري حتى بعد الاستخدام الفعلي لأسلحة الدمار الشامل كما هو الحال في الحالة السورية. ليس هذا فحسب، فقد تم التحول من إستراتيجية "ردع" الخصم Deterrence كما حدث في العراق إلى إستراتيجية "احتواء" الخصم Containment؛ فإذا ما رأينا تمديدًا للاتفاق المرحلي الحالي إلى اتفاقات مرحلية (أو دائمة) أخرى مستقبلً فإنه سيجري احتواء إيران ضمن المعادلة الدولية؛ الأمر الذي سيحتّم على هذه الأخيرة أيضًا الالتزام بقواعد اللعبة الدولية. ولا يوجد دليل أكبر على فرضية الاحتواء الإيراني من رؤية تراجع المبدأ الذي نادت به الثورة الإسلامية في إيران طوال العقود الثلاث المنصرمة "الموت لأميركا" و"الشيطان الأكبر" أمام عقد اتفاقات تفاهم دولية، تلتزم إيران بموجبها بقواعد اللعبة مع هذا "الشيطان الأكبر." إذًا، أثبت الاتفاق أنه لا يوجد شيطان أكبر أو أصغر أو من الحجم المتوسط؛ فعلى طاولة المفاوضات يتعاطى "الشيطان" بأشكاله وأحجامه المختلفة مع "الملالي" بمرجعياتهم المختلفة. ما العمل إذًا؟ تفرض هذه الدلالات الإقليمية والدولية على الدول ذات الشأن إيجاد إستراتيجيات تتلاءم مع ما سيتمخض عنه الاتفاق النووي من نتائج على الأرض؛ وذلك من أجل إعادة التوازن الإقليمي للمنطقة إلى نصابه بحيث يمنع الانجرار إلى تصعيد أمني وسياسي لا تحمد عقباه. ويمكن تلخيص هذه الإستراتيجيات على النحو التالي: على الولايات المتحدة إعطاء أهمية مماثلة لحلفائها في منطقة الخليج العربي كتلك التي أبدتها تجاه إيران، بمعنى عدم التفرد في صوغ اتفاقات بمعزل عما تراه هذه الدول من مصلحة إستراتيجية لها تتعلق بأمن

الخليج واستقراره. فحتى يكتب لهذا الاتفاق القدرة على الاستمرار، ولفسح المجال لصوغ اتفاقات أخرى مستقبلً، يتعين إشراك دول مجلس التعاون في المحادثات القادمة بوصفها أطرافًا ذات علاقة من الدرجة الأولى. بصورة جوهرية، من الخطأ الفادح فنيًا التعاطي بمسألة أمنية مثل الملف النووي الإيراني بمعزل عن الإطار الأمني Context المتكامل لمنطقة الخليج، والذي يتطلب تعاون جميع الأطراف ذات العلاقة Stakeholders. فالجزء لا يمكن سلخه من الكل، والاتفاق النووي المشار إليه هو الجزء في المنظومة الأمنية الخليجية التي تعتبر إيران ودول مجلس التعاون أجزاء منها. وفي هذا الشأن، يرى وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي نزار مدني في حديثه لجريدة الحياة قائلً: "مطلب مجلس التعاون هو أن يكون على اطلاع على المفاوضات النووية بين إيران و"1+56. كما عقّب وزير الخارجية القطري الدكتور خالد العطية في مؤتمر "حوار المنامة" بأنّ في نهاية المطاف سيكون مجلس التعاون جزءًا من أي اتفاقية تخص المنطقة وبناء عليه، فإنّ المحادثات يجب أن تكون 2+5 (وليس)1+57. كذلك، فمن الواضح تمامًا بأنه لا يمكن عزل الخليج عن إطاره الإقليمي الأوسع المتمثل في منطقة الشرق الأوسط، وذلك نتيجة وجود التحالفات المتشابكة، والتي لا يمكن فصلها عن إطارها الشرق أوسطي. ولذا، فعلى الدول العربية مجتمعة، وإيران أيضًا، التعاطي مع هذا الاتفاق ليكون مقدمة لإيجاد منطقة شرق أوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها إزالة الترسانة النووية الإسرائيلية؛ إذ من دون ذلك سيكون الاتفاق بصيغة أو أخرى ضمن لإسرائيل تفوقًا إستراتيجيًا إقليميًا حتى إن كانت إيران قد حققت اعترافًا بحقها في تخصيب اليورانيوم بما نسبته %5. صحيح بأنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية لا ترضى إلا بتحطيم أجهزة الطرد المركزي وانعدام القدرة الإيرانية على التخصيب من حيث المبدأ، ولكن إبقاء الترسانة النووية الإسرائيلية على حالها سيخلق حالة عدم توازن إستراتيجي في المنطقة كافة. أما في ما يتعلق بالملف السوري، فإنّ الدلالات المذكورة سابقًا وتحديدًا التغييرات التي أصابت بنية النظام الدولي تظهر بأنّ التوجه نحو حل سياسي للأزمة – على حساب الحسم العسكري – قد أصبح أقوى من أي وقت مضى. وهذا يعني بأنّ على المعارضة السورية أن تأخذ موضوع مؤتمر "جنيف 2" أكثر جدية من أي وقت مضى؛ إذ أصبح مطلوبًا منها صوغ إستراتيجية تتوافق مع هذا التوجه الدولي نحو الحل السياسي. وبالنسبة إلى مصر، يتعين عليها حل مشاكلها الداخلية سواء كان ذلك بالالتزام بخارطة طريق واحدة محددة المعالم أو التفاهم مع الإخوان المسلمين لدمجهم بالعملية السياسية بحيث يشاركون في عملية التحول ويصبحون عامل استقرار؛ من أجل أن تقوم مصر بدور مهم في ما سيتمخض عنه الاتفاق النووي الإيراني من ترتيبات سياسية أمنية إقليمية مستقبلً. وبغير ذلك، سيبقى الدور المصري ملحقًا إما بالدور السعودي وما يقدمه له من مساعدات مالية، أو الارتداد إلى التبعية الأميركية كما كان الحال عليه إبان حكم نظام مبارك. من الوارد على أي حال أن تأخذ مصر توجهًا مختلفًا ومغايرًا لكل التوقعات، ولكن المؤكد هنا أنّ مصر لن تكون مهيأة للقيام بدور مؤثر في الترتيبات الإقليمية الجديدة التي سيتمخض عنها الاتفاق النووي طالما بقيت تعيش حالة التجاذبات السياسية الداخلية ومحاولة أحد الأطراف إلغاء أو إقصاء الطرف الآخر. وأخ ا، يتعين على الفلسطينيين أن لا يعلقوا أوهامًا كثيرة على موضوع المفاوضات الجاري حاليًا؛ فالاتفاق أسقط أحد الأوراق التي كان بالإمكان استخدامها للحصول على تنازلات من حكومة نتنياهو. وعوضًا عن ذلك، ربما تلجأ الولايات المتحدة – وهذا غير مستبعد – لإرضاء حكومة نتنياهو التي لم يرق لها الاتفاق، من خلال منحها المزيد من التنازلات على حساب الفلسطينيين، وتاريخ الولايات المتحدة حافل بمثل هذه الأمثلة. وكدليل على ذلك، ذكرت وكالة رويترز نقلً عن ياسر عبد ربه قوله: "إنّ الولايات المتحدة تطلب من الفلسطينيين تقديم تنازلات أمنية في محادثات السلام مع إسرائيل من أجل إسكات الانتقادات الإسرائيلية للمسار الدبلوماسي الذي تتبعه القوى العالمية في التعامل مع البرنامج النووي الإيراني"8. لذلك على الفلسطينيين البدء فورًا بتصميم إستراتيجية بديلة للمفاوضات، وعلى هذه الإستراتيجية الجديدة أن تراعي التغييرات الجديدة وما يحمله الاتفاق النووي من تداعيات على المسألة الفلسطينية. ومهما يكن الأمر، فإنّ على الإستراتيجية الجديدة أن تكون دولية ببنيتها، وتخاطب المجتمع الدولي وتوازناته المختلفة، حتى لا تبقى المسألة الفلسطينية رهينة بهذه التقلبات الإقليمية.